العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة لخالد زكري

مراجعة كتاب حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة لخالد زكري

Book Review: Arab Modernities: From Modernity to Globalization by Khalid Zekri

محمد مرشد *

Mohammed Mourchid *

الملخّص

مراجعة كتاب: حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة

Abstract

Professor of Philosophy at the Regional Center for Education and Training Professions, Fez– Meknes. Email: mourdmed111@gmail.com

Professor at Moulay Ismail University, Meknes – Morocco, Specialized in Maghreb–African Literature and Comparative and Cultural Studies.

الكلمات المفتاحية:
  • الحداثة
  • العولمة
Keywords:
  • Arab Modernities
  • Globalization

عنوان الكتاب:

المؤلف:

خالد زكري. الناشر:

. La Croisée des Chemins

مكان النشر:

الدار البيضاء (المغرب). سنة النشر: عدد الصفحات:

903 صفحة.

Book Review Arab Modernities: From Modernity to Globalization

حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة.

. Modernité arabe: De la modernité à la globalisation عنوان الكتاب في لغته:

مقدمة

لا يعتبر الاشتغال على مفهوم الحداثة واقعة جديدة في الكتابات التي اهتمت بالسياق العربي/ الإسلامي، بل يعود ذلك إلى فترات سابقة، بدايةً من الأعمال الأولى لرواد الفكر الإصلاحي، حينما تحقق اللقاء مع. European Modernity الأوروبية الحداثة ومن هنا يمكن أن نعتبر، في هذا السياق، كتب السيرة الذاتية وأدب الرحلة مثل تخليص الإبريز في تلخيص باريزلرفاعة رافع الطهطاوي.(ت 1873)، وتحفة الملك العزيز بمملكة باريزللسفير إدريس بن إدريس العمراوي.(ت 1847)، والرحلة التتويجية إلى عاصمة البلاد الإنجليزية للحسن بن محمد بن الغسال الطنجي (ت. 1939)، بدايةً حقيقية لتشكل خطاب عربي حول الحداثة. غير أن هذا الخطاب اتخذ بُعدًا انطباعيًا قائمًا على الإعجاب والانبهار

من جهة، والتردد والريبة من جهة أخرى، ولم يتحول إلى صيغته التنظيرية إلا مع رواد النهضة، وذلك ردة فعل مباشرة ضد النزعة الاستعمارية التوسعية. غير أن ما يميز طرح خالد زكري في كتابه حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة، هو محاولته إعادة قراءة هذا المتن النظري

(((ينظر: رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص

باريز (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.)2012 (((ينظر: إدريس بن إدريس العمراوي، تحفة الملك العزيز

بمملكة باريز، تقديم زكي مبارك (طنجة: مؤسسة التغليف والطباعة والنشر والتوزيع للشمال،.)1989 (((ينظر: حسن بن محمد بن الغسال الطنجي، الرحلة

التتويجية إلى عاصمة البلاد الإنجليزية، تحقيق وتقديم عبد الرحيم مودن (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع،.)2003

)4(Khalid Zekri, Modernité arabe: De la modernité à la globalisation (Casablanca: La Croisée des Chemins, 2018).

متجاوزًا تلك الثنائيات الضدية التي ترسخت في الفكر العربي والغربي على حد سواء. لذلك، نجده يتحدث عن الذاتية الانفكاكية

jonctive s Modernité di La، مؤكدًا "أن

الإمساك بحيثيات هذه الذاتية يمثل بديلً صريحًا

عن الأطروحة التي حاولت قراءة الذاتية العربية في إطار مقولتَي الشيزوفرينيا schizophrénie " hypocrisie sociale الاجتماعي والنفاق (ص. 24) وحينما نتحدث عن مناسبة تأليف الكتاب وفكرته، نجد صاحبه يجيبنا في حوار أجراه معه عثمان بوطسان، ونشرته صحيفة القدس العربي، أكد فيه أن فكرة تأليفه لهذا العمل لمحت في ذهنه إثر ملاحظة بيّنة مفادها أننا نحيا في

الراهن تغيرات وتحولات في مناحٍ مختلفة في هذه الجغرافيا الشاسعة وغير المتجانسة للوطن العربي من شرقه إلى غربه، والتي نجد صعوبةً في فهمها؛ كونها في الآن عينه امتدادًا مغايرًا لماضينا،

كما نشهد تكييفًا محرّفًا للثقافة الغربية في أزمنتها

الحداثية. فالمصطلحان "مغاير" و"مُحرَّف" لم

يجرِ استعمالهما بالمعنى السلبي؛ كون حركة التاريخ تجري بفعل تحولات وتَقطُّعات حتمية.

أولا: إشكالية الكتاب ورهاناته

تشكّل المجتمعات العربية المعاصرة مختبرًا

لحداثةٍ متعددة الثقافات، وهي حداثة يمكن نعتها بالحداثة المزدوجة modernité Une ambivalente. ولا ينبغي أن نأخذ مفهوم "الازدواجية" ههنا بمعناه السيكولوجي المحض،

(((للاطلاع على الحوار الكامل ينظر: عثمان بوطسان، "خالد زكري: النزوع السلطوي في الدول العربية أثر سلبًا في الثقافة

والاقتصاد"، القدس العربي، 2020/6/2، شوهد في 2021/10/3،

في: https://bit.ly/3CAiKh4

لأنه يشير إلى تلك "السيرورة التي تسمح للفرد بتشكيل علاقته بنفسه وبالعالم استنادًا إلى اختيارات متعددة ومتباينة، تمكنه من إيجاد نوع من التوافق بين تجذره الثقافي، من جهة، وتطلّعه إلى أشكال جديدة من الحياة، من جهة أخرى (ص. 8)–7 لذلك، عندما نحاول تحليل هذه المجتمعات، وفق منظور ثنائية الحداثة الغربية/ التقليد المحلي، ننتهي إلى تحقير كل تمظهر تجليه لنا هذه الثنائية؛ فأفول تفكير نقدي من أجل طرح بديل، يُعدُّ من الأسباب التي تفسر تلك الصعوبة في الربط بين العتيق والجديد. ومن هنا يمكن أن نطرح التساؤلات التالية: ما معنى أن يعيش المرء أزمنة مختلفة temporalités Plusieurs، ويشترك في ثقافات متعددة cultures Multiple؟ وكيف يمكننا وصف هذه الحداثة (المنعوتة بالبديلة) التي تنفلت من عقال المنطق الثقافي الغربي، وتستقي منه روحها في الآن عينه؟ كيف يمكن الدخول في علاقة خصبة مع الآخر بالاعتماد على مبدأ الازدواجية المنتِجة من دون تشويه التاريخ، أي من خلال تحويل المكبوت إلى قوة للإبداع والتنظير؟ إن محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب منا العودة إلى الخطاب الحداثي والخطاب المضاد له، اللذَين عرفهما الوطن العربي ردة فعل ضد النزعة التوسعية، وذلك بغية فهم سياقات التشكل والانبناء. لذلك، يراهن الكتاب من خلال فصوله الخمسة، على ثلاثة أهداف مترابطة: • محاولة تتبع كيفية تشكل الخطاب الحداثي والخطاب المضاد له في الوطن العربي.

• نقد نتائج الهيمنة الثقافية التي خلفها الاستعمار الأوروبي وتبعاتها. • تحليل مختلف الخطابات التي حاولت إعادة بناء/ تملّك الذات العربية وكذا "الذاتيات" subjectivités Les التي حاولت إعادة قراءة تعدد مكونات المجتمعات العربية.

ثانيًا: المرجعية النظرية والإبستيمولوجية

يوقفنا بداية في كتاب حداثات عربية: من الحداثة إلى العولمة أنه متن مفاهيمي، غني ومتعدد المشارب. لذلك، نجد مؤلفه يوظف مفاهيم من قبيل: الحداثة Modernité، والعولمة Mondialisation، والثقافة Culture،

والخطاب Colonialisme،

والكولونيالية Discours، والتعدد Multiple، والاختلاف Différence، والسلطة Pouvoir، وغيرها. وهو لا يوظفها بشكل مباشر كأنها كيانات قبلية مطلقة، بل يعرضها للنقد والفحص والتدقيق. لهذا، نجده في بداية الكتاب يقف عند ذلك التمايز الموجود بين مفهوم ما بعد الكولونيالية لحقبة إشارة بوصفه Post – colonialisme تاريخية، ومفهوم ما بعد الكولونيالية باعتباره يحيل على البعد الإبستيمولوجي والثقافي لأنماط الخطاب التي نشأت نتيجة التقاء القوات الاستعمارية مع المجتمعات المستعمَرة. كما

يسعى أيضًا لإبداعٍ ونحتٍ لمفاهيم جديدة من رحم المفاهيم الرائجة/ السائدة، كأنه يمنح هذه المفاهيم أبعادًا جديدة يستدعيها تحليل الواقع المتغير. وهذا ما نجده خاصة في المفهوم المركزي للكتاب، وهو الحداثة الانفكاكية

. La Modernité di s jonctive

وإذا ما حاولنا الوقوف عند المرجعية النظرية التي تحكم هذا المتن، نجد أنفسنا إزاء تحليل ما بعد كولونيالي للحداثة كما تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة. لذا، نجد الكاتب يعود إلى أطروحات قدّمها مفكرون طبعوا هذا الاتجاه، مثل إدوارد سعيد (2003–1935)، وهومي كيه بابا

Homi K. Bhabha، وفرانز فانون Fanon Frantz

(1925–1961)، وغاياتري شاكرافورتي سبيفاك

Spivak Chakravorty Gayatri، وبيل أشكروفت Ashcroft Bill، وروبيرت يونغ JC Robert Young، وبنديكت أندرسون Anderson Benedict

(2015–1936)، وأشيش ناندي Nandy Ashis، وأريف ديرليك Dirlik Arif (2017–1940)، وأرجون أبادوراي Appadurai Arjun، وغيرهم.

ثالثًا: الإمبريالية الأوروبية: من "الإنسانية التيولوجية" إلى "الإنسانية العلمانية"

يبدأ خالد زكري الفصل الأول من كتابه بسؤال محوري: كيف أمكن لحضارة كانت مهد الاتجاه الإنساني وفلسفة الأنوار أن تطور أيديولوجيا عنصرية تعمل على تشييء الأفراد واستغلالهم؟

(((يمكننا، في هذا السياق، أن نميز بين اتجاه حاول التفكير في هذه العلاقة باعتماد الأدوات نفسها التي اعتمدها الغرب المستعمر: ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، وأنطونيو غرامشي Gramsci Antonio (1937–1891)، وإدوارد

سعيد (2003–1935 وجاك ديريدا)، Derrida Jacques –1930(2004)، وغيرهم، وبين اتجاه آخر عرف بالاتجاه الديكولونيالي، حاول أصحابه الانسلاخ من هذه التبعية الإبستيمولوجية باعتماد أدوات منهجية تلائم السياق المحلي (هومي كيه بابا، وفرانز فانون، ووالتر مينيولو) ويتحدث مينيولو في هذا السياق عن مفهوم العصيان الإبستيمولوجي. ينظر:

Walter Mignolo, "Epistemic Disobedience, Independent Thought and Decolonial Freedom," Theory, Culture and لم يوفقوا. Society , vol. 26, no. 7–8 (2009), pp. 159–181.

من أجل الكشف عن عناصر الإجابة عن هذا السؤال، يعود بنا الكاتب إلى "محاورة

فالادوليد" La Controversée de Valladolid،

تلك المحاورة الشهيرة التي جرت بين الراهب واللاهوتي الإسباني بارتولومي دي لاس كاساس

Bartolomé de las Casas (1566–1474)،

والمفكر والمؤرخ واللاهوتي الإسباني خوان

Juan Ginès de Sepùlveda غينيه دي سيبولفيدا

(1573–1494)، في عام 1550. فقد استدعاهما الملك الإسباني تشارلز هابسبورغ، المعروف باسم تشارلز الخامس أو تشارلز كوينت

Charles de Habsbourg, Charles Quint or

Charles V (1558–1500)، والذي كان يبحث عن إضفاء الشرعية على غزو العالم الجديد والسيطرة على الهنود الحمر. كان الرحالة ضد استعباد الهنود الحمر، على الرغم من الممارسات الطقوسية التي تبدو للأوروبي غير متحضرة، في حين استند رجل الدين إلى قواعد الأخلاق الطبيعية، من خلال الرجوع إلى الفلسفة الأرسطية Aristotelianism، مؤكدًا أن غزوهم ضرورة أخلاقية إنسانية من أجل نزع الهمجية عن هذه الشعوب. انتهت المحاورة بضرورة تنصير هذه الشعوب، من دون الاتفاق على مسألة الاستعباد. نجد هذه المهمة التنصيرية كذلك حاضرة لدى بعض رجال الدين العرب الذين وصلوا إلى العالم الجديد، ونخص بالذكر الراهب العربي إلياس حنَّا الموصلي الذي انطلق من بغداد في سنة 1668. ووصل إلى القارة الأميركية سنة 1675 مارًا بكل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وقد أرّخ

لرحلته هذه في كتاب حققه الأب جسويت

(((لا نعلم بالتحديد تاريخ وفاته، حيث عكف الكثير من المحققين والباحثين في المخطوطات على تقصي ذلك، لكنهم

أنطون الرباط Jésuite Antoine Ribat.

ويستعمل الموصلي في كتابه هذا عبارة "الهنود الكفرة"، ويعني هذا أن المهمة الدينية المتمثّلة في التنصير كانت تطغى على أي توجه آخر. وابتداء من القرن التاسع عشر توارى البعد الديني الذي حكم الحملات الاستعمارية السابقة، ليتم الانتقال إلى نزعة إنسانية علمانية، لا تقوم على مبدأ التنصير، أو إدخال السكان الأصليين "الهمج" في المسيحية، وإنما سيتم الحديث عن النزعة الإنسانية التي تتمثل، بلغة روديارد كبلينغ Kipling Rudyard (1936–1865)، في عبء إدخال المجتمعات غير الأوروبية المتحضرة إلى دائرة الحضارة الإنسانية Mission civilisatrice

. du monde

رابعًا: الخطاب العربي حول الحداثة

تمثل الحملة الاستعمارية التي قادها نابليون بونابرت Bonaparte Napoleon) 1821–1769(على مصر في نهاية القرن التاسع عشر أول لقاء/ صدام حقيقي بين المجتمعات العربية والحداثة الأوروبية. هكذا، وجد الوطن العربي نفسه أمام تحدي تجاوز الإرث التاريخي والالتقاء بالحداثة الأوروبية، مع الحفاظ على أسس هويته. ولعل هذا التأرجح هو الذي جعل تعَرُّف العرب إلى

الحداثة الأوروبية يقتصر على الجانب التقني

(((قامت مؤسسة هنداوي سي آي سي في القاهرة بإعادة نشر الكتاب في طبعة أنيقة سنة 2017. وهي متاحة للتحميل على الموقع الإلكتروني لدار النشر على هذا الرابط:

https://bit.ly/3yG56qv

(((ورد هذا التوصيف في ثلاثة مواضع في الكتاب، ينظر:

إلياس حنا الموصلي، رحلة أول شرقي إلى أمركة، تحقيق أنطون الرباط (القاهرة: مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017)، ص 75،

(البنية التحتية والقوة العسكرية)، وفي المقابل رفض روح هذه الحداثة (الأخلاق والثقافة)؛ فعلى الرغم من الانبهار بالعالم الغربي فإن هذا الانبهار بقي مرهونًا بنظرة ثقافية مركزية. لذلك، يمكن الحديث عن خطابين عربيين حول الحداثة: الخطاب الحداثي، ويمثله فرح أنطوان (1922–1874)، وشبلي شميل (1917–1850)، وقاسم أمين (1908–1863)، وطه حسين (–1889 1973)، وعلي عبد الرازق (1966–1888)، وآخرون. والخطاب المضاد للحداثة، ويمثله بصورة خاصة جمال الدين الأفغاني –1838(1897)، ومحمد عبده (1905–1849)، وشكيب أرسلان (1946–1869). يجسّد هذان الخطابان ذلك التأرجح بين الرغبة في إعادة تشكيل علاقة جديدة مع التراث العربي الإسلامي، من جهة، وإعادة تأويل هذا التراث من دون الانزياح عن أسسه المرجعية من جهة أخرى. وعلى الرغم من تمايز الخطابين، يمكننا القول إن حركة النهضة خلفت اتجاهين متباينين في الأهداف والمرامي، ومتشابهين في الاستراتيجيات وأنماط الاستدلال؛ "فالخطاب الديني الذي راهن على الإسلام، حاول بناء دولة تستند إلى الإسلام الأصيل، أما الخطاب العلماني الذي راهن على القومية،

((1(تمكن شكيب أرسلان، بسبب تكوينه السياسي وكذا المناصب الدبلوماسية التي تقلدها، من التأثير في شريحة واسعة من المثقفين العرب والمسلمين، خاصة من خلال المجلة التي كان يديرها بعنوان La Nation Arabe، والتي تأسست في مدينة جنيف سنة 1932، وأشرف على تحريرها شكيب أرسلان وإحسان الجابري.)1980–1879(((1(بخلاف ذلك، سينحو كتّاب آخرون أمثال: علي أحمد

سعيد إسبر (أدونيس)، وحسن حنفي، وعبد الكبير الخطيبي (2009–1938)، وعبد الفتاح كيليطو، إلى نزع الطابع المركزي عن التراث العربي، وخلخلة تلك الأسس الماهوية التي تجعل الثقافة منفصلة عن التاريخ والتغير، وذلك من خلال فتح إمكانيات الحوار بينه وبين الثقافة الغربية الأوروبية.

فقد اتخذ هدفًا له تأسيس دولة إثنوسياسية مبنية على المرجعية العربية" (ص 62–61). إن الحداثة العربية، مقارنةً بالحداثة الأوروبية، حداثة انفكاكية؛ فهي تراهن على التقدم التقني والعلمي الذي حصل في أوروبا، من دون أن تربط ذلك بالبعد الثقافي والقيمي، على اعتبار أن ذلك لا يتلاءم مع هوية الشعوب العربية. وبتعبير خالد زكري: "إذا كان الحداثي يؤسس قناعته ورؤيته للعالم خارج كل حتمية قبلية، سواء أكانت ثقافية أو دينية، فإن خطاب النهضة الذي طبع العالم العربي قام على رفض الخطاب الحداثي الأوروبي بالاستناد إلى مرجعية دينية ماضوية، بحيث صارت [...] لا تسمح بمرور العوالق الثقافية والرمزية للحداثة الأوروبية. لذلك فإن علاقة المجتمعات العربية الإسلامية بالحداثة الأوروبية انبنت في الأساس على الانتقاء، وليس التملك الجذري" (ص. 124)

خامسًا: "الأمة العربية": في تاريخانية المفهوم

ساهم أدب النهضة في انبثاق ضروب جديدة من الخطاب حول مفهوم الأمة العربية، وهو خطاب يقوم في الأساس على ثنائيات ضدية من قبيل: الحاضر/ الماضي، القوة/ الضعف، الحداثة/ التقليد، النزعة التحررية/ النزعة السلفية. وتجد هذه الحركة الأدبية جذورها وامتداداتها في الكتابات التاريخية السابقة لكل من محمد بن إسحاق بن يسار المدني (ت. 80 ه/ 769 م)، وعبد الملك بن هشام (ت. 185 ه/ 834 م)، ومحمد بن جرير الطبري (ت. 224 ه/ 923 م)، وأبو العباس اليعقوبي (ت. 284 ه/ 897 م)، وشمس الدين المقدسي (6/33 ه 990 م)،

وإسماعيل بن كثير (775 ه/ 1373 م)، وأبو الحسن المسعودي (283 ه/ 957 م)، ومحمد بن المثنى ابن دينار العنزي (167 ه/ 866 م). نجد لهذا الإحساس بالانتماء سندًا أنثروبولوجيًا

في الرواسب الثقافية التي يزخر بها تاريخ الشعوب العربية، والتي تعمل على تمجيد الماضي البعيد، وإضفاء الشرعية الثقافية والسياسية على وحدة الهوية العربية من خلال إعادة تشكيل زمانية متصلة ومتجانسة للوطن العربي، من دون اعتراف بأي اختلافات إثنية أو جغرافية؛ فاللغة العربية ليست فقط لغة الوحي، بل هي كذلك لغة المعلقات وكتب الغزوات والكهنة والعرّافين وقصص

العنتريات. يسمح هذا المتن السردي بالحديث عن أسطرة مؤسسة لوحدة الأمة العربية (ص. 201) وفي هذا السياق، يقف الكاتب عند لحظتين أساسيتين تطورت من خلالهما فكرة الأمة في العالم العربي المعاصر: • تتمثل اللحظة الأولى في الأنموذج الإثنوديني

Le Paradigme ethno–religieux؛ فالأمة

في هذا التحديد تتشكل أساسًا من قبائل عربية

مختلفة يوحد بينها الدين الإسلامي. ويعتبر محمد بن عبد الوهاب (1787–1703) أول من أعطى هذا المفهوم بعده السياسي، عندما جعل محمد بن سعود بن محمد بن مقرن –1710(1765) قائدًا سياسيًا لحركته التي ستُعرف لاحقًا

بالوهابية (ص. 186) • أما اللحظة الثانية، فتتأطر ضمن الأنموذج

الجيو – ألسُني géolinguistique paradigme Le،

((1(بخلاف عبد الرحمن بن خلدون (732 ه/ 1406 م) الذي تمكن من كتابة تاريخ كوني يأخذ في الاعتبار تاريخانية الأفراد ونسبية الأحداث، بعيدًا عن كل تمركز حول الذات.

والذي يمثله ساطع الحصري (1968–1880)؛ فعلى الرغم من اتساع الرقعة الجغرافية للوطن العربي، فإن القاسم المشترك بين مناطقها يتمثل في وحدة اللسان العربي. وتسمح هذه الوحدة الألسنية بالحديث عن أمة واحدة رغم شساعة المساحة الجغرافية التي تمتد من المحيط إلى الخليج. هكذا نحن أمام "أمة"، تجمعها وحدة الدين (الإسلام) ووحدة اللسان (العربية) (ص. 187)–186 إن هاتين اللحظتين غير منفصلتين، على اعتبار أن الاختلافات الألسنية بين القبائل والجماعات داخل الأمة الإسلامية كانت تذوب بحكم الانتماء الديني. بدأ هذا الشعور بالانتماء إلى أمة عربية واحدة في التبلور، سياسيًا، منذ نهاية القرن

التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك من خلال رفض سياسة التتريك التي حاولت الإمبراطورية العثمانية تطبيقها في سورية والعراق. سيجد هذا الخطاب القائم على وحدة الهوية التاريخية مرتعًا آخر بعد تواري الخطر العثماني، حيث سيتمظهر بوصفه لائحة دعائية ضد الاستعمار الأوروبي.

((1(بعيد الاستقلال، لم يكن من الممكن التفكير/ الحديث خارج هذه الوحدة، وإلا اعتبر ذلك رمزًا للخيانة. غير أن هذا

الإحساس بدأ يفتر ويتلاشى، خاصة خلال فترة الثمانينيات (مع ظهور العولمة والرغبة في توحيد السياقات والمسارات). وفي ردة فعل على هذه النزعة وعلى الضد منها، ظهرت مجموعة من

المفكرين الذين دعوا إلى العودة إلى المحلي عِوَض الكوني،

وإلى التقاليد المحلية بدلمن الثقافة العابرة للإثنيات والاختلافات. في هذا السياق، حاولت مجموعة من الكتاب التفكير خارج ذلك "الثابت" الذي حكم رواد النهضة العربية. ومن بين هؤلاء الكتّاب نجد أدونيس، وآسيا جبار، وعبد الكبير

الخطيبي، ومحمد بنيس، وهشام جعيط (2021–1935)، وعبد الوهاب مداب (2014–1946)، ونوال السعداوي (–1931 2021)، ومصطفى صفوان (1921–2020). غير أن هؤلاء المفكرين ظلوا، في نظر الكاتب، "يفكرون داخل البراديغم (التقليد/ الحداثة) نفسه، من دون أن يعطوا الأهمية الكبرى لتلك المناطق المعتمة، أي مناطق الظل التي تلتقي فيها الحداثة بالتقليد، حيث يتموقع الفرد الثقافي العربي culturel Sujet Le

arabe، ينظر: Zekri, p. 231.

سادسًا: "ذاتيات جديدة": نماذج ما بعد كولونيالية

يحاول المؤلف، في الفصل الأخير من الكتاب، أن يرسم الملامح الأساسية للذاتية العربية، وذلك من خلال العودة إلى الأنموذج النظري الذي يقدمه العالم الأنثروبولوجي الهندي – الأميركي أرجون أبادوراي Appadurai Arjun، فهو يتحدث عن مختلف التمظهرات الاجتماعية التي تميز العولمة الثقافية. ويقسم هذه التمظهرات خمسة، وهي: التمظهرات الإثنية ethnoscapes Les، والتمظهرات التقنية technoscapes Les، والتمظهرات المالية financescapes Les، والتمظهرات الإعلامية Médiascapes Les، والتمظهرات الأيديولوجية idéoscapes Les. تشكل هذه التمظهرات، في نظر أبادوراي، عناصر مؤسسة لعوالم متخيلة، من خلالها تَعْبُر المادة

الثقافية الحدود الوطنية. عندما نحاول قراءة واقع المجتمعات العربية بالاستناد إلى هذه النظرية، نجد أن التمظهر الأول يحيل إلى هوية جماعية قائمة على اللاتجانس وإعادة التشكل والانبناء بشكل مستمر. ويتطلب هذا إعادة النظر في مفهوم الأمة، كما بلوره رواد الفكر الإصلاحي. أما التمظهر الثاني، فهو الأقل حضورًا في الخريطة الثقافية العالمية؛ على اعتبار أن المجتمعات العربية قائمة بالدرجة الأولى على الاستهلاك. وبخصوص التمظهر المالي، فالواضح أن اقتصادات معظم الدول العربية تنبني على قطاعات هشّة مثل السياحة

((1(يمكن العودة في هذا الصدد إلى:

Arjun Appadurai, Modernity At Large: Cultural Dimensions of Globalization , 7 th ed. (Minneapolis/ London: University of Minnesota Press, 2005); Arjun Appadurai, The Future as Cultural Fact: Essays on the Global Condition (London: Verso, 2013).

والفلاحة والصناعة التقليدية. وبالنسبة إلى التمظهر الرابع، فالملاحظ أن المادة الإعلامية والفنية التي يروّجها الإعلام العربي مستوردة في الغالب، وهي تساهم في تشكيل نمط عيش بعيد عن ثقافة هذه المجتمعات (المسلسلات التركية والمكسيكية أنموذجًا). أما التمظهر الأيديولوجي فهو الأخطر

على الإطلاق؛ على اعتبار أن الثورة التكنولوجية ساهمت في عولمة مفهوم الأمة من خلال تشكيل هوية دينية سبيرنطيقيةidentité Une cybernétique على هوامش المؤسسات السياسية والدينية الرسمية، وهذا ما يتمثل في إحياء ذلك الموروث الثقافي عبر العودة إلى مفهوم الخلافة، والبيعة، والدولة الإسلامية. ويعود زكري في محاولته تحديد ملامح الذاتية العربية المعاصرة، بالاستناد إلى النظرية السابقة، إلى مجموعة من الأعمال الأدبية، حيث يحاول مؤلفوها إبراز أهم عناصر هذه الذاتية/ الذاتيات، وذلك باعتماد عنصر الخيال؛ فالعمل السردي يعمل على انبثاق ذاتيات تختلف عن تلك الموجودة واقعيًا. هكذا يعود الكاتب عبر قراءةٍ متفحصة

وناقدة للمتن السردي لأعمال كل من فؤاد العروي وعلاء الأسواني وسلوى النعيمي، وصبا الحرز.

1. الذاتية الثقافية

يستحضر المؤلف في هذا الجانب ما تضمنته رواية فؤاد العروي احذروا المظليين، والذي

((1(السبيرنطيقا تعني التوجيه المادي لشيء ما نحو وجهة معينة، أو هدف، أو شيء معين، وبمعنى آخر، أنها علم المراقبة بواسطة أجهزة إعلامية سواء كانت أجهزة طبيعية أو اصطناعية. ينظر: إلهام قشي ويوسف جوادي، "السبيرنطيقا: أصولها

وتطبيقاتها الحديثة"، مجلة الباحث في العلوم الإنسانية

والاجتماعية، العدد 33 (آذار/ مارس 2018)، ص.140

(16)  Fouad Laroui, Méfiez–vous des parachutistes (Paris: Julliard, 1999).

يبرز فيها تلك العلاقة التصادمية بين نمطين من القيم الثقافية في المجتمع المغربي، أي بين شكلين من أشكال الوجود: نمط قائم على التبعية والانصهار في روح الجماعة، والذي تمثله شخصية بوعزة، ونمط آخر ينحو إلى الاستقلالية الفردية ويجسّده شخص ماشان Machin. وعبر مسار الرواية، يسعى فؤاد العروي إلى تأسيس شكل جديد من أشكال الوجود التي يسعى ماشان لإثباتها، مع ما يستدعيه ذلك من صراع ومواجهة وقلق وجودي.

2. الذاتية السياسية

لتبيان هذا الضرب من الذاتية ينفتح المؤلف على ما تقدمه رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني من أنموذج مصغر للمجتمع المصري وما طرأ على سلوكه وعقليته في فترة ما بعد الانفتاح؛ إذ إن عنوان الرواية مستلهَم من اسم حقيقي لعمارة توجد في شارع طلعت حرب، الذي يعتبر من أشهر الأحياء في القاهرة، وما تقدّمه هذه الرواية هو بيان لكيفية تدبير هذا الفضاء المشترك، عمارة يعقوبيان، واستراتيجيات بناء علاقات تراتبية داخله، وكذا مسألة الولوج إلى السلطة.

3. الذاتية الشبقية

وفي هذا الاتجاه من الذاتية نجد الكاتب ينفتح على تمظهر آخر تجسده أقلام نسائية، مثل سلوى النعيمي وصبا الحرز. وذلك من خلال اهتمامهما بموضوع اعتُبر من التابوهات في تاريخ الثقافة الإسلامية، وهو موضوع العلاقة بالجسد، وخاصة

(1((ينظر: علاء الأسواني، عمارة يعقوبيان (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)2002 (1((لنا أن نشير ههنا إلى أن رواية عمارة يعقوبيانجُسِّدت في

فيلم مصري درامي أُنتج سنة.2006

جسد المرأة. فهذه العلاقة غالبًا ما جرى تصوّرها

في إطار التبعية داخل مؤسسة الأسرة. حاولت الكاتبتان، من خلال مؤلفيهما، التفكير خارج هذه المؤسسة، وإماطة اللثام عن واقع ممارسات جنسية تخرج عن إطار القواعد الثقافية التي تم إرساؤها قرونًا. إننا هنا إزاء نماذج للتفكير في ذاتيات تتجاوز المحدد سلفًا، وتبرز في المقابل إمكانيات أخرى للوجود في هذا الكيان العربي الإسلامي. فلا يقوم الأمر على التجانس والوحدة، بل على التعدد والتغاير؛ فالثقافات العربية المعاصرة ثقافات هجينة، والذات/ الذوات العربية المعاصرة هي ذات/ ذوات هجينة. إنها ذات تقوم على إمكانات الفعل المتجددة واللامتناهية.

(1((ينظر: سلوى النعيمي، برهان العسل (لندن: رياض الريس للكتب والتوزيع،.)2007 ((2(يستعير خالد زكري مفهوم الهجانة/ الهجنة L’hybridité من هومي بابا.

المراجع

العربية

الأسواني، علاء. عمارة يعقوبيان. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2002

عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع،.2003

التغليف والطباعة والنشر والتوزيع للشمال،.1989

الإنسانية والاجتماعية. العدد 33 (آذار/ مارس).2018

خاتمة

حاول خالد زكري في هذا النص النقدي الوقوف عند الأنموذج المؤسس لمفهوم الحداثة الانفكاكية، متجاوزًا تلك الثنائيات العقيمة من قبيل الحداثة/ التقليد. وقد عمل في ذلك على إضفاء طابع النسبة على فرادة/ كونية الحداثة الأوروبية، من جهة أولى، والتفكير في العالم العربي من منظور حداثة متعددة المشارب والينابيع، من جهة ثانية. إنها حداثة انفكاكية، لكونها تَمْتح من الحداثة الأوروبية ومن حداثات أخرى كذلك. إنها حداثة لا تقوم على التكرار/ التقليد، ولا تقوم على التطابق/ التماهي، بل تنبني على الانتقاء. وتسمح هذه الحداثة الانفكاكية بتجاوز تلك الثنائيات العقيمة التي حكمت تاريخنا، بل تاريخ الحداثة الأوروبية أيضًا، وهي ما يسمح، كذلك، بالحديث عن وضعيات وجودية هجينة تحكم الوجود الإنساني.

References

الطنجي، حسن بن محمد بن الغسال. الرحلة التتويجية إلى عاصمة البلاد الإنجليزية. تحقيق وتقديم عبد الرحيم مودن. أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛

الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،

العمراوي، إدريس بن إدريس. تحفة الملك العزيز بمملكة باريز. تقديم زكي مبارك. طنجة: مؤسسة

قشي، إلهام ويوسف جوادي. "السبيرنطيقا: أصولها وتطبيقاتها الحديثة". مجلة الباحث في العلوم

الموصلي، إلياس حنا. رحلة أول شرقي إلى أمركة. تحقيق أنطون الرباط. القاهرة: مؤسسة هنداوي سي آي سي،.2017 النعيمي، سلوى. برهان العسل. لندن: رياض الريس للكتب والتوزيع،.2007

الأجنبية

Appadurai, Arjun. Modernity At Large: Cultural Dimensions of Globalization. 7 th ed. Minneapolis/ London: University of Minnesota Press, 2005. _______. The Future as Cultural Fact: Essays on the Global Condition (London: Verso,

Laroui, Fouad. Méfiez–vous des parachutistes. Paris: Julliard, 1999. Mignolo, Walter. "Epistemic Disobedience, Independent Thought and Decolonial Freedom." Theory, Culture and Society. vol. 26, no. 7–8 (2009). Zekri, Khalid. Modernité arabe: De la modernité à la globalisation. Casablanca: La Croisée des Chemins, 2018.