العودة إلى تفاصيل المؤلَّف كونية التأويلية والبلاغة: مصادرها عند الانتقال من أفلاطون إلى أوغسطين في كتاب

كونية التأويلية والبلاغة: مصادرها عند الانتقال من أفلاطون إلى أوغسطين في كتاب

iversality of Hermeneutics and Eloquence: Its Sources from Plato to Augustine According to Gadamer’s Truth and Method

جون غروندان

Grondin Jean

الملخّص

لم يقرن هانز جورج غادامير كونية التأويلية بكونية البلاغة إلا بعد كتاب الحقيقة والمنهج . وتقترح هذه الدراسة فهم بواكير هذا التصور عبر الانتقال الحاسم الذي تحقق في الحقيقة والمنهج من أفلاطون إلى أوغسطين، أي من تصور للُّغة ذي نزعة منطقية إلى تقدير تجسّد للمعنى لا يزال بلاغيًا.

Abstract

Abstract: Hans–Georg Gadamer did not associate the universality of hermeneutics with the universality of rhetoric until after publishing Truth and Method. This article proposes an understanding of the beginnings of this conception by examining the decisive transition that took place in Truth and Method from Plato to St. Augustine; that is, from a conception of language as having a logical tendency, to an embodiment of meaning that remains rhetorical.

الكلمات المفتاحية:
  • التأويلية
  • البلاغة
  • غادامير
  • أفلاطون
  • أوغسطين
Keywords:
  • Hermeneutics
  • Rhetoric
  • Gadamer
  • Plato
  • Augustine

جون غروندان | Jean Grondin * ترجمة محسن الزكري | Mouhssin Zekri **

كونية التأويلية والبلاغة: مصادرها عند الانتقال من أفلاطون إلى أوغسطين في كتاب "الحقيقة والمنهج" ***

الحقيقة والمنهجمن أفاطون إلى أوغسطين، أي من تصور للُّغة ذي نزعة منطقية إلى تقدير تجسّد للمعنى لا يزال باغيًا.

(2003)؛ مدخل إلى فلسفة الدين: كانط ومشكلة الميتافيزيقا 989(1)؛ مدخل إلى الميتافيزيقا (2004)؛ وكونية الهيرمينوطيقا 1).993(

Canadian Intellectual Specialized in Hermeneutics, Phenomenology and the Philosophy of Religion. His most Important Works Include: Introduction to Metaphysics: From Parmenides to Levinas (2012); Hans–Georg Gadamer: A Biography (2003); Kant et le problème de la philosophie: l’a priori (1989); Introduction à la métaphysique (2004); and L’universalité de l’herméneutique (1993).

Professor of Arabic, Associate Member of the Laboratory of Hermeneutics, Textual and Linguistic Studies. zekri.mouhssin@gmail.com

Hans–Georg Gadamer, "Philosophes contemporains," Revue Internationale de Philosophie , vol. 54, no. 213 (Septembre 2000), pp. 469–485.

مقدمة

تتمحور أغلب الخافات التي أثيرت بسبب عمل هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، حول ادعاء التأويلية للكونية Universalité. وعلى هذا النحو، اعتقد مفكرون شديدو التباين مثل يورغن هابرماس Habermas Jürgen، وجاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930) ضرورةَ الاعتراض على أطروحة غادامير، وذلك بالتساؤل عمّا إن كان، فعلً، كلّ شيء

"قابلً للفهم"، أو قابلً للصياغة اللغوية. ويبدو أن كونيةً أشد صرامة توجد، بالنسبة إلى أحدهما، كامنة في نقد الأيديولوجيات، وبالنسبة إلى الآخر، في التفكيك. لكن الخيارين يشتركان في التشكيك في المعقولية Intelligibilité الممنوحة باسم مساءلة نقدية تنصب على شروط المعقولية "المكبوتة" بدرجات متفاوتة (يستلهم هابرماس ودريدا كاهما معجم التحليل النفسي). ونستطيع مع ذلك أن نتساءل عمّا إن كانت

كونية التأويلية توجد هكذا مكبوتة أو منتهكة. ما الذي يمثله بالضبط ادّعاء الكونية هذا؟ وهل حظيت، فعلً، بصياغة واضحة في الحقيقة والمنهج؟ نعلم على كل حال أن غادامير، بعد فراغه من الحقيقة والمنهج، كثيرًا ما ربط هذه الكونية بكونية

الباغة. لا يوجد ذلك التقارب على هذا النحو في الحقيقة والمنهج. سأشرح في ما يأتي معنى هذا الربط بين التأويلية والباغة ودافعه، والذي حضّر له العمل المركزي لغادامير من دون بسْطه، بعدُ،

على نحو تام. لم يكن القصد الموجِّه للكتاب سوى فتح أو إعادة فتح موضوع اللغة كما هو، ضدًّا

لما يعدّه غادامير "نسيانًا للّغة" في تاريخ الفكر الغربي. وعلى هذا النحو أدى كتاب الحقيقة والمنهج Wahrheit und Methode (9601)، باستلهام تأمات القدّيس أوغسطين، إلى إعادة اكتشاف الباغة التي تنتهي كونيتها إلى توضيح، إن لم يكن إلى دعم كونية التأويلية. ومن أجل إبراز هذا الحراك الجوهري بالنسبة إلى عمل غادامير، ستهتم هذه الدراسة بآثار الانتقال من أفاطون إلى أوغسطين الحاسمة على التأويلية. لا يتعلق الأمر بمحاورين عشوائيين لكتاب الحقيقة والمنهج. إن أفاطون الذي يضعه غادامير في مقابل أوغسطين، يظهر بالفعل في ذلك الكتاب بوصفه أكبر ممهِّد لنسيان اللغة الذي قد يكون ميَّز تراث الفكر الغربي برمّته. وعند الفصل المخصص لمفهوم "اللوغوس والكلمة

Verbum " في الحقيقة والمنهج، لم يشأ غادامير، وعلى نحو فيه مبالغة بارعة، أن يعترف إلا باستثناءٍ واحد لنسيان اللغة هذا، وهو المتمثل في الفكر المسيحي للتجسد Incarnation، على النحو الذي يدافع عنه أوغسطين بخاصة: "يوجد مع ذلك فكر غير يوناني منح لوجود اللغة حقَّه، بحيث لم يكن نسيان اللغة في الفكر الغربي مطلقًا. إنه الفكر المسيحي حول التجسّد ". وعلى الرغم من نيل هذه الأطروحة معنىً مذهلً في الانتظام المثير للكتاب، فإن معناها يمكن أن يكون أي شيء باستثناء

أن يكون بَدهِيًّا. وإذًا، ما "نسيان اللغة" هذا الذي يتخذ، نسبيًا، في كتاب غادامير، ما يتخذه نسيان

(1) Hans–Georg Gadamer, Gesammelte Werke (Tübingen: J.C.B. Mohr [Paul Siebeck], 1986), vol. 2, p. 111; Hans– Georg Gadamer, La philosophie herméneutique , Jean Grondin (trad.) (Paris: PUF, 1996), pp. 110–111; Hans–Georg Gadamer, Langage et vérité , Jean–Claude Gens (trad.) (Paris: Gallimard, 1995), pp. 192, 195. (2) Hans–Georg Gadamer, Vérité et méthode , Pierre Fruchon & Jean Grondin & Gilbert Merlio (trad.) (Paris: Seuil, 1996), p. 441.

الوجود في فكر مارتن هيدغر Heidegger Martin (976–18891) والذي يبدأ هو الآخر بالنسبة إليه مع أفاطون؟ يعني نسيان اللغة أساسًا أن التراث الفلسفي أراد دائمًا تجاهل الرابط الرئيس بين الفكر والنسيج المسبق

للغة (وطبعًا، كان هذا هو موضوع علم الكتابةGrammatologie لدى دريدا أيضًا). سؤال الرابط بين

اللغة والفكر قد يكون استُبدِل هكذا بسؤال الرابط بين الفكر والعالم، فوجدت اللغة نفسها قد اختُزلت إلى أداة من أجل التعبير عن الفكر. وإنّ النزعة الاسمية Nominalisme التي تنحو إلى اختزال الأسماء في تعيينات للكائنات الفردية كي تجعل منها عامات على فكر منطقي أو صوري Noétique، بالأساس، لا تمثل بالنسبة إليه إلا العبارة الأكثر صراحة عنه. الفكر الغربي كلُّه، وبنزعته الاسمية المستترة، باستثناء أوغسطين، انتهى إلى نسيان للغة بالنسبة إلى غادامير. الاستثناء الأوغسطيني هو على مقدار من إثارة الحيرة إلى درجة تجعله يعرَّف عادة بوصفه صياغة أداتية للغة مثل ما فعل لودفيغ فيتغنشتاين

Wittgenstein Ludwig 951–1889(1) في بداية كتابه بحوث فلسفية. يظهر أفاطون، إذًا، بوصفه أكبر عرّاب لإخفاء اللغة. والقارئ العارف بمجمل عمل غادامير لن يفوته

أن يفاجَأ بالعناد الذي أبداه في حواره مع التصور الأفاطوني للغة في كتاب الحقيقة والمنهج.

إن الفهم الحواري Dialogique Intelligence للغة الذي عزم غادامير على تطويره يدين كذلك بالكثير أو بالمجمل لأفاطون ووضعِه لمنظور نظام الملفوظات. وأفاطون الأقرب جوهريًا إلى

غادامير هو أفاطون الرسالة السابعة Septième Lettre، أي الذي تنَبّه إلى حدود التلفظ، لأنه يمكن

أن يحرَّف دائمًا عن مقصده الأصلي وأفقه الحواري الأول. بيد أن غادامير يريد أيضًا، بمفهومه

للفهم الحواري للغة، أن يشير إلى عدم كفاية الخطاب المتلفظ به والمنطق الذي يتشبث بالنظام المقتصر على الملفوظات. عند هذه النقطة، ينبغي لأفاطون أن يكون الحليف الطبيعي لغادامير (وفي سياقات أخرى لا يزال كذلك). لكن في الحقيقة والمنهج، اهتم غادامير بالتنسيب الأفاطوني لنظام اللغة. لقد كان اهتمامه فيه بمحاورات فيدروس Phèdre أو الرسالة السابعة، أقل من اهتمامه بمحاورة كريتياس Critias، حيث تواجهت أطروحتان متناقضتان حول اللغة، تعلقتا بمعرفة ما إذا كان تحديد الكلمات يقع ضمن اتفاق Thesei أو تشابه طبيعي مع الأشياء Phusei. وما أثار غادامير هو الافتراض المسبق المشترك بين الأطروحتين، بحيث يُنظر إلى الكلمة فيهما بوصفها مجرد اسم

أو عامة، وكأن الأشياء يمكن أن تكون معروفة في ذاتها قبل أن تكون مدلولة بوساطة اللغة. إن قصد أفاطون واضح بالنسبة إلى غادامير، وهو أن يبين أنه ليس بوساطة الكلمات يمكن أن نصل إلى حقيقة الأشياء. وأفاطون يريد عبر هذا أن يتميز من السفسطائيين الذين قدموا دروسًا مفادها أنه عبر

إتقان الكلمات (أو الباغة) يمكن أن نتأكد من حكمٍ على الأشياء. بالنسبة إلى أفاطون، المعرفة الحقيقية، وعلى العكس من ذلك، يجب أن تبحث عن التحرر من سلطة الكلمات كي تتجه إلى الأشياء نفسها، أي إلى المثُل. وأفاطون، إذ يقول بهذا، لا يريد بالضرورة أن ينكر أنّ فكر الفيلسوف

(((ينظر: جاك دريدا، في علم الكتابة، ترجمة وتقديم أنور عبد المغيث ومنى طلبة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.)2005 (((ينظر: لودفيج فتجنشتين، بحوث فلسفية، ترجمة عزمي إسام (الكويت: مطبوعات جامعة الكويت،.)1990

الحقيقي يواصل التطور في لغة ما، ولكن نقطته الجوهرية هي أن الكلمة ذاتها أو إتقانها لا يقدمان مدخلً إلى الحقيقة. ومع ذلك، تبقى المعرفة الخالصة للمُثل لا تدين بشيء جوهري للغة. لا ينظر أفاطون إلى نظام اللغة

إلّ بوصفه ملمحًا خارجيًا وملتبسًا على نحو خطير. ويرى غادامير أن أفاطون لا يفكر في كون

العملية الفكرية بوصفها حوارًا للفكر مع ذاته تشتمل بالفعل على رابط أساسي مع اللغة. نعم، إن هذا

سؤال وارد في الرسالة السابعة، ولكن في الحقيقة والمنهج، لا يبدو أن غادامير يحمل أيّ انتباه للفهم

الحواري للغة الذي أراد أفاطون أن يدافع عنه في تلك الرسالة. ولم يتكلم أيضًا عن فن الحوار لدى أفاطون كما كان شأنه في كتاباته الأخرى. وعندما تطرق إلى الرسالة السابعة، في الحقيقة والمنهج، كان ذلك فقط من أجل مواجهة كون اللغة تبقى فيه مشروطة بإدراك الواحد l’Un) (، بحيث تبقى اللغة بالنسبة إلى أفاطون لحظة غير ضرورية للمعرفة، ومحكومة بالوضوح العقلي للمثُل المحضة؛ الأمر

الذي قاد غادامير إلى "نتيجة" ذات قسوة فريدة: "إن أفاطون، وعبر اكتشاف المُثل، أخفى الجوهر

الخاص للغة على نحو أشد عمقًا مما كان قد فعله منظرو السفسطائية". كان يمكن أن يكون أفاطون أشد مواربة من السفسطائيين، وهذا ما كتبه غادامير! من الصعب ألّ نحس بظل هيدغر في كل هذا الفصل من الحقيقة والمنهج؛ لأن أفاطون يبدو في ذلك الكتاب الممهِّد الأكبر "للغة الكونية" Characteristica Universalis وميتافيزيقا السيطرة، سواء من حيث تصوُّرُه للغة، المتمركز حول المنطق، أم "المتمركز حول الفكر" Idéocentrique. وباختزال

اللسان في وظيفته الأداتية بالنسبة إلى الفكر، قد يكون أفاطون مهَّد، بتعبير غادامير، لفهم "الوجود بوصفه موضوعية متاحة على نحو مطلق". وإذا كان غادامير يحمل حكمًا قاسيًا بهذا القدر على

أفاطون؛ فبسبب تقديره أن تصور أفاطون للغة بوصفها عامة خارجية للمثُل، قد طبعت بختْمها

مجموعَ الفكر الغربي في موضوع اللغة، أو بالأحرى منع الغرب من تحديد الطبيعة الحقيقية للغة وأسبقيتها الجوهرية بالنسبة إلى الفكر. عنوان الحقيقة والمنهجالمخصص للنسيان الغربي للغة، يتحدث عن "ختم" Prägung، عن بصمٍ أو سكٍّ لمفهوم اللغة الذي سيبقى معتمدًا طوال تاريخ الفكر الغربي. وبحسب غادامير فإن اختزال اللغة إلى المستوى الأداتي للعامات التي لا تحيل

(5) Gadamer, Vérité et méthode , p. 430; Gadamer, Gesammelte Werke , p. 411.

للمزيد عن تأويات غادامير للأفاطونية، ينظر:

F. Renaud, "Gadamer, lecteur de Platon," Études phénoménologiques , no. 26 (1997), pp. 33–57. (6) Ibid. (7) Gadamer, Vérité et méthode, p. 431; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 412. (8) Gadamer, Vérité et méthode, p. 338; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 418. (9) "Prägung des Begriffs 'Sprache' durch die Denkgeschichte des Abendlandes."

عُبر عنها بطريقة غير صحيحة ب: "مفهوم [بصمة l’empreinte] اللغة في [يجب القول: من خال] تاريخ الفكر الغربي". وهذه مغالطة

أخرى؛ لأن الأمر لا يتعلق بالفكر الغربي، بل بتاريخ الفكر الغربي؛ أي بالفكر المنتشر في الغرب والذي يمكن أن يكون كل شيء

سوى أن يكون فكر لغة، ينظر: , p. 428 Vérité et méthode Gadamer,.

إلا على مثُلٍ، ما هو إلا اختزالٌ كرّس "طرد المعرفة إلى دائرة المعقول". وهذا كان "قرارًا ذا أهمية

تاريخية يتحكم في طريقة تفكيرنا برمتها في ماهية اللغة والذي ترك أثره على مدى العصور". ولم تعد اللغة تصلح لدى الأجيال التي ورثت النزعة الأفاطونية إلا لإشاعة المثُل التي يمكن أن تأخذ

وجهتها من دون اللغة: "إنّ الفكر يتحرّر من الوجود الخاص للكلمات – التي تعد مجرد عامات

بسيطة، والتي بوساطتها يمكن للمعيّن والفكر، وباختصار الشيء، أن يتبدى للنظر – إلى حدّ لا يمكن

الكلمة أن تعالج إلا عاقة ثانوية جدًا مع الشيء. إنها ببساطة أداة تواصل تكشف Ekpherein وتَنْطِق Logos Prophorikos بوساطة الصوت ما نريد قوله". يسير النسيان الغربي جنبًا إلى جنب مع المنزلة الثانوية والضارة غالبًا، التي أ سنِدَت إلى اللغة في ترتيب

المعرفة. لوغوس المعرفة لا يأتي من النسيج المسبق للغة، ولكن من "منطق" يجعل تسلسل الأفكار مِثْل ترَتُّبها في الوضوح المعقول للذهن المحض. وفي أحسن الحالات، تكتفي اللغة طيّعةً بإعادة

إنتاج الدرس المنطقي للأفكار، وفي أسوئها تشوش عليه (ما يستدعي نقدًا منطقيًا للغة والذي تستلهمه

الفلسفة التحليلية إلى يومنا هذا). لكن هذا التصور للغة هل ينصفها من حيث أسبقيتها الجوهرية وممارستها الفعلية للفكر ذاته؟ نعلم أنه بالنسبة إلى غادامير، لم يعرف الغرب إلا استثناءً واحدًا لهذا النسيان: هو القديس أوغسطين.

وقد خصص له غادامير فصلً رئيسًا، ولكنه صعب. ذلك أننا ننسب إلى أوغسطين عادةً فهمًا أداتيًا

للغة، وهو فضلً عن ذلك أمر صحيح إلى حد ما. إنّ كتابه المعلم De Magistro على سبيل المثال، هو حوار حول الآثار السلبية للُّغة في الفكر، وهو موضوع يذكرنا كثيرًا بأفاطون. لا يهتم غادامير كثيرًا

بكتابات أوغسطين في اللغة بمقدار ما يهتم بتأماته في سرّ التثليث Trinité والذي أقل ما يمكن أن

يقال عنه إنه ليس نقطة انطاق طبيعية أو واضحة على نحو خاص، من أجل الخوض في فلسفة اللغة. وأيضًا في كتاب الحقيقة والمنهجلا يذكر غادامير تقريبًا نصوص أوغسطين التي استلهمها، ويكتفي

بتلميح سريع ومبهم نسبيًا إلى الفصلين العاشر والخامس عشر من الجزء الخامس عشر في كتاب

الثالوث De Trinitate. والواقع أن الكاتب الأكثر تداولً واستعمالً لدى غادامير في هذا الفصل هو توما الأكويني Thomas d’Aquin 1). 274–1225(ما الذي يوجد لدى أوغسطين ودفعَ غادامير إلى التحمس له بهذه الصورة؟ إنه أولً، وبصفة عامة، الفكر المسيحي (وليس فقط الأوغسطيني) حول التجسّد. يعتقد غادامير أن الأمر يتعلق بفكر لا صلة

(10) Ibid., p. 437; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 418. (11) Ibid.

(1((إشارة غامضة مرة أخرى في الترجمة الفرنسية ما دامت ستحيل فقط على الصفحات 015–1 من كتاب De Trinitate على نحو يمكن أن يجعل القارئ يعتقد أن الأمر يتعلق بالكتاب من الصفحة 01 إلى الصفحة.15 في كتاب L’universalité de l’herméneutique ومواضع أخرى عدت إلى نصوص أوغسطين بهدف استيضاح، وإلى حد ما، تعميق الفكر الغاداميري. وقد تمكنت من أن أبيّن

عناصر من فكر أوغسطين ربما لم تكن تلك التي وضعها غادامير نصب عينيه. واستفدت كثيرًا منذ ذلك بالماحظات النقدية

لدومنيك كايجي [في]:

Dominic Kaegi, "Was heißt und zu welchem Ende studiert man philosophische Hermeneutik?" Philosophische Rundschau , no. 41 (1994), p. 128.

له باليونان ما دام لا يوجد "حلول" Incorporation بالمعنى اليوناني أو في الاصطاح الأفاطوني، حيث يأتي وجود روحي أو نفسي للفناء في جسد هو بالنسبة إليهما غريب أساسًا. وبالفعل، فكرة

الحلول الغنوصية Gnostique هذه تجعل التصور الأفاطوني والأداتي للغة مستساغًا، وبموجبها تحيل العامة المادية على فكر روحي على نحو صارم، ومستقل عن المادية العرضية للعامة في الجوهر. ولهذا، فإن مادية اللغة والإظهار اللساني للفكر لا يمكن أن يؤخذا بجدية ضمن فكر الحلول ذاك. بيد أن غموض التجسد يجبرنا على التفكير بطريقة مختلفة في العاقة بين الروح والمادة. وذلك لأن تجسد الابن لا يمثل نقصانًا للإله. إنه يبقى التجلي الأساس والمنقذ لنا. بالنسبة إلى الفكر المسيحي، التجسد لا يعني خسارة، إنه الكشف الحقيقي والوحيد للإلهي. في هذا السياق، لا ينشغل غادامير، بالطبع، بالإطار الاهوتي المباشر للتأمات المسيحية، ما يأسره هو إعادة تأهيل التجسّد على النحو

المذكور، و"مادية" المعنى بالنسبة إلى فهم فلسفي للغة. وبالاستناد إلى مصطلحات لا تزال يونانية، فإن الفكر المسيحي للتجسد سيمتدّ بهذه الطريقة إلى بُعْد كان لا يزال مغلقًا على الفكر اليوناني،

والذي يسمح للمرة الأولى بالتفكير في اللغة من حيث طابعها التاريخي والحدثي بالأساس. ويعتقد غادامير أن الفكر المسيحي استطاع، على هذا النحو، أن يفك حدث اللغة من المثالية الروحية للفكر،

جالبًا الفكر بذلك لاكتشاف اللغة بوصفها موضوعًا مستقلًّ. استوحى أوغسطين نموذج اللغة ليقترب من سر التجسد. بينما قام غادامير بعكس ذلك تقريبًا، حيث

استلهم نموذج التجسد المسيحي؛ بغية إعادة التفكير في الطبيعة الحدثية للغة. انطلق أوغسطين أولً من التمييز الرواقي بين اللوغوس الخارجي Prophorikos Logos واللوغوس الداخلي Endiathetos Logos. يرى الرواقيون Stoïciens أن اللوغوس الداخلي يشير إلى عمل التفكير الذي "يسبق" الإظهار اللساني للفكر، وهي قدرة تأملية تميز الجنس البشري كما هو. وركز الرواقيون في تأماتهم حول اللغة على اللوغوس الداخلي بخاصة، فقد كان اللوغوس المنطوق دائمًا صيرورة من

الدرجة الثانية لإخراجٍ مجرد للكام العقلي. إنّ معقولية اللغة والتجسد لدى أوغسطين يؤكدان، عوضًا عن ذلك، فرادة اللوغوس الخارجي. ومن ثمة، فإنه بالنسبة إلى الفكر المسيحي لن يتعلق الأمر بمجرد تجلٍّ ثانوي وغير مهم. وبذلك صارت مادية المعنى المجسَّد دالة في حد ذاتها. وهذا ما فتن غادامير

بداية، الذي حصر اهتمامه طبعًا بالنتائج اللغوية لإعادة التقدير هذه، بل لنتائج فكر التجسد هذا الجديد كليًا لأنه غير أفاطوني. تتعلق النتيجة الأولى ب "التطابق" الجوهري الأساس للفعل الداخلي والفعل

الخارجي في صيرورة التجسد. بالنسبة إلى تأويلية غادامير في اللغة، فإن هذا التطابق يعني أن الفعل الخالص للفكر لا يمكن تمييزه من مظهره الخارجي ومظهره اللغوي. تتوقف مادية اللغة منذ ذلك عن الظهور بوصفها تجليًا غير كامل للفكر لتصبح المكان الحقيقي الوحيد لممارسته. بهذا المعنى، يمثل

أوغسطين (أو، على نحو أعمّ، الفكر المسيحي للتجسد) بالنسبة إلى غادامير استثناء مثيرًا للنسيان

(1((ازدراء ما هو جسدي يفسر عداء الفلسفة الوثنية، وخصوصًا الأفاطونية الجديدة، لسرّ التجسد الذي يعدّ غير مائم للإلهي.

ينظر:

Pierre Hadot , Plotin ou la simplicité du regard (Paris: Folio, 1997), p. 26. (14) Gadamer, Vérité et méthode, p. 442; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 423.

الغربي للغة. وبالنسبة إلينا، وكما هو الحال بالنسبة إلى التجسد الإلهي، لا يُعدّ إخراج الكام فعل ثانويًا ولاحقًا على استكمال المعرفة، بل هو، على العكس من ذلك، ملتبس بتكوين الفكر نفسه. التطابق الذي يهم غادامير، في هذا السياق، هو الفكر، والكام الداخلي، والذي لا يمكن أن يتكشف دائمًا إلا في اللغة: "إنها أكثر من مجرد صورة؛ لأن الرابط الإنساني بين الفكر والكام، على الرغم من

النقص الذي يشوبه، يتاءم مع الرابط الإلهي الموجود في الثالوث. الكام الداخلي للنفس يملك من تطابق الوجود مع الفكر، مثل ما للإله الابن، مع الإله الأب". أما النتيجة الثانية فتتعلق بالخاصية الحدثية أو الصيرورية للتجسد؛ لأن التجسد لا يسمح لنا باختزاله إلى حدث من شأنه أن يكون شأنًا روحيًا بحتًا. وبمصطلحات تأويلية: إن تجسيد اللغة جزء جوهري

من المعنى؛ وهو معنى يمكن فهمه ومشاركته والتواصل به. لا تشارك كائنات متناهية مثلنا في حدث المعنى إلا عبر المادية المتنوعة لتجلياتها وصورها، ولا يتعلق هذا التنوع بنظام التتالي المنطقي؛ لأن الفكر نفسه لا يوجد إلا في هذا الانغماس الحميمي المتجسد. بعبارات غادامير: "لا تتشكل اللغة عبر الفعل التأملي للفكر"؛ لأن هذا الفعل التأملي، وإن كان من باب الاستحالة أن يميَّز على هذا النحو،

يجب أن يحدث في مرحلة ما قبل اللغة، داخل الفكر الخالص. ولكن مملكة الفكر الخالص هذه هي التي جعلها الفكر الأوغسطيني إشكالً عبر التذكير بأن المعنى بالنسبة إلينا كان دائمًا معنىً متجسدًا.

وبالنسبة إلى غادامير، لن يتمكن الفكر أبدًا من التفكير خارج اللغة. إن مادية اللغة هي المكان، والعطاء، وحتى "التنفيذ"، حيث يمكن ويجب أن تتكشف كل الأفكار. تتجلى النتيجة الأخيرة والمهمة في أن هذه الأهمية المادية للغة لا تعني مع ذلك أن الفكر يختزل بحسب ترتيب المنطوق. وكما هو الحال في الفكر المسيحي للتجسد، فإن التجلي الخارجي للّوغوس لا يزال يحيل على "فعل داخلي"؛ على "فكر" لا يستنفد اللغة المنطوقة، ولكن لن يكون متاحًا أبدًا

بطريقة موضوعية ونهائية. يتساءل غادامير ماذا يعني هذا الفعل الداخلي؟ كل ما يمكن قوله هو أنه يمثل الشيء المفكر فيه حتى النهاية، ولكن هذا الفكر الختامي هو بالنسبة إلينا مجرد مفهوم حدّي. إنه أمر لا غنى عنه على الإطاق إذا ما أراد المرء أن يدرك التناهي الذي كان دائمًا مقرونًا بالفكر المعبَّر

عنه بالكلمات؛ لأن الكلمات هي دائمًا ليست سوى تجلٍّ غير مكتمل وخطير للفكر الذي يبحث عن

التعبير عن نفسه. تحتوي المصطلحات التي نستخدمها دائمًا على شيء عرَضي وجزئي، وهذه هي

الكلمات التي تأتي إلينا والتي لا يمكنها أبدًا تحديد كل ما نود التمكن من قوله وكل ما يتعين أن نقوله لتجَنُّب سوء الفهم. الخطأ الأفاطوني والغنوصي هو الاعتقاد أن كمال الفكر يوجد في مكان آخر

عقلي تمامًا، في "لوغوس داخلي" لن يكون سوى فكر خالص لا عاقة له بالكثافة المشؤومة للغة. وبعبارة أخرى، من الضروري الحفاظ على اختاف (بل حتى مباينةDifférance) الفعل الداخلي،

(15) Gadamer, Vérité et méthode , p. 447; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 428. (16) Gadamer, Vérité et méthode , p. 444; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 425. (17) Gadamer, Vérité et méthode , p. 449; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 430.

(1((يقترح الباحث المغربي عبد السام بنعبد العالي ترجمة Différance بالمباينة. (المترجم)

ولكن يجب أن نرى أنه لا يتحقق أبدًا أو يُلحق به مرة واحدة وإلى الأبد. تستمر الكلمة الداخلية في التمثيل، وفي "تجسيد" ما نسعى إلى فهمه في الفكر الذي يخاطر بنفسه بأن يتجسد في كلمات، لكن التعبير عنه محكوم ضرورةً بعبارة لغوية غير كاملة ومتعثرة. يبقى أن هدفه لا غنى عنه لمعقولية الفعل الخارجي. لا يمكن أن نفهم ما يقال إلا بالسعي إلى سماع ما لم يُقَل، أي السؤال أو مجموعة الأسئلة التي عنها ينبثق دائمًا ما نُطق به. لكن هذا الذي لم يُقَل ما زال ينتمي إلى فضاء اللغة، إلى ماهية اللغة Sprachlichkeit، ما دمنا نسعى إلى فهمه، حتى لو كان يشير إلى ما لا يمكن قوله تمامًا. ذلك لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يكون كما ينبغي. ما هو قابل للتحقق مع أوغسطين هو أن كونية الوضع اللغوي تسير جنبًا إلى جنب مع حدود اللغة. إذا كان التناسب الذي عُقد سابقًا بين صيرورة التجسد الإلهية والتعبير – الذي هو لغوي بالضرورة – عن فكرنا قد سمح لنا بإعادة اكتشاف مادية اللغة، فإن "الفرق" هذه المرة بين الكلمة الإلهية والكام الإنساني هو الذي سيغدو مُبِينًا بالنسبة إلى التأويلية. ذلك لأن اللوغوس المتجسد يتوافق تمامًا مع الجوهر الإلهي. إنه يجسد بالضبط مظهره التام والكامل. إنّ وحدة الجوهر هذه Homoousia بين التجلي الخارجي للوغوس والفعل الداخلي لا تتوافق مع تجربتنا في اللغة؛ لأنه، على عكس الكلمة الإلهية، لا يمكن أي كلمة أن تعبر عن فكرنا تمامًا. ولكن هذا النقص لا يعود إلى اللغة بما هي كذلك، كما كانت تعتقد الأفاطونية، بل إلى تناهي الفكر الإنساني نفسه. الذهن البشري ليس حضورًا خالصًا عند نفسه، أي "عقلً عاقلً" محضًا. يتقدم فكره، على العكس من ذلك، وفقًا لإيقاع الكلمات التي تمنحه جسمًا. إن ديْن التفكير هذا تجاه العطاء السابق والمتجدد دائمًا لدى اللغة هو ما يدعو الفكر الأوغسطيني حول التجسّد، إلى التفكير فيه. يؤكد غادامير في تأمله الأوغسطيني حول اللغة على جانبين ليسا متناقضين بقدر ما هما متكامان: فمن ناحية، هناك تطابق جوهري بين الفكر وتعبيره اللغوي الممكن؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك فكر ممكن التفكير فيه من دون عنصر اللغة. لكن، ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن نجعل من اللغة المنطوقة Logos Prophorikos التعبير الكامل عن الفكر Logos Endiathetos، أي ما نودّ قوله أو ما ينبغي قوله كي نكوّن مفهومين بطريقة مناسبة. أعتقد أن غادامير ربما ألحّ بكثرة على النقطة الأولى في كتاب

الحقيقة والمنهج، في حين يبدو أن ما نال أهمية أكبر في أعماله الأخيرة هو عدم قابلية الكام الداخلي، أي ما يُراد قوله، لاختزال في الخطاب المنجز. إذا كان غادامير قد دافع في الحقيقة والمنهجعن أن العنصر اللغوي يواصل إدماج جميع الاعتراضات التي يمكن توجيهها لكونيته في داخله، فإنه يعترف طواعية في أعماله الأخيرة بأن "المبدأ الأعلى للتأويلية الفلسفية [...] هو أننا لا يمكن أبدًا أن نقول تمامًا ما نريد قوله". لا ينبغي من دون شك أن نتحدث عن تطور لدى غادامير، ولكن عن تغيير في النبرة، لأن الملمحين مترابطان. ولكنّ أوغسطين هو الذي يسمح بالتفكير في هذا الترابط الجوهري.

(19) Gadamer, Vérité et méthode , p. 449; Gadamer, Wahrheit und Methode , p. 429. (20) Gadamer, La philosophie herméneutique , p. 230; Gadamer , Wahrheit und Methode , vol. 1, p. 274.

إن غادامير، إذًا، مدين كثيرًا للطفرة الأوغسطينية. إنها تلزم بالتفكير في التناهي الإنساني عبر عاقته

الجوهرية مع اللغة: الفكر بالضرورة هو صياغة لغوية، حتى ولو كانت اللغة المنجزة فعليًا لا تستطيع

استنفاد رغبته في القول. فكر التناهي هذا سيقود غادامير إلى مساءلة الأحكام ذات النزعة المنطقية التي تحكم تصورنا عن اللغة منذ أفاطون. ستصبح التأويلية، بهذا، أكثر انتباهًا إلى مادية المعنى وإلى ما يمكن أن نسميه "تجسّده" الذي لا يزال باغيًا؛ لأن فكر غادامير يتجه نحو فهم باغي للغة.

ولكن مع ذلك يجب التخلص هنا من التصور القدحي للباغة الذي دُبّر بالضبط من جانب معقولية

ذات نزعة منطقية مبالَغ فيها للّغة والعقانية. ذلك أنّ العقانية الوحيدة التي يمكننا الولوج إليها هي نفسها تلك التي يمكن أن تتشكل داخل اللغة. هذه العقانية الباغية هي التي تتجذر داخل معنى مشكَّل وممارَس مسبقًا، يتجه إلى أفراد ليسوا موجودات عقلية خالصة. وهذا لا يعني أن كل عقانية تُختزل إلى مجرّد مفاعيل للمعنى. وحده حكم مسبق ذو نزعة منطقية يمكنه أن يكرِّس تصورًا ضيّقًا

كهذا حول الباغة. إن هذا الاختزال ذا النزعة المنطقية للمعنى هو ما ينبغي محاربته باسم العقانية التي هي دائمًا عقانيتنا؛ لأن المعنى الباغي دائمًا ما يكون من الضروري مناقشته والسعي إلى الدفاع

عنه بالحجج والعلل. وفكرة الحجاج نفسها – التي غالبًا ما يتبناها اليوم فكرٌ مُعادٍ للباغة والتأويلية –

تفترض أن المعنى ليس بدهيًا وأنه يجب أن يكون موضع دفاع بليغ وقادر على الدفع إلى استمالة

النفوس وإقناعها. لا نُحاجّ إلا حول ما ليس بَدهيًا أو ما لا يمكن أن يكون موضوعًا لبرهان رياضي.

ليس في الرياضيات حججٌ، وإنما أدلة قاطعة. في جميع المجالات الأخرى لمعرفتنا وممارساتنا؛

ما يدفعنا إلى الحجاج هو أن الحقيقة والعدالة لا تمتلكان تلك البداهة. إن المعنى الذي يجب أن يكون في كل مرة مدافَعًا عنه لا يسمح لنا بأن نفكر من دون باغة، أي من دون لغة، وهي لغة مجسدة في كل لحظة وتتيح لنا الاتصال بالآخر. اقترب غادامير من هذا التصور الباغي للغة والعقانية عندما عالج مشكلة بناء المفاهيم Begriffsbildung في كتاب الحقيقة والمنهج. وقد بحث عن محاربة شبح الاكتفاء الذاتي الكامل للفكر في نظام تكوّن المفاهيم. لم يكن المكان الحقيقي للفكر قطُّ مكان التوضيح المفهومي الخالص.

ويقابل هذا البناء ذا النزعة المنطقية للفكر والفلسفة بفكرة أن الصيرورة الحقيقية للفكر تتحقق في الشرح عبر الكلمات. ولا يزال الموضوع الأوغسطيني حول التجسّد يقوده هنا. يسقط الفكر

في وهمٍ ذي نزعة منطقية عندما يظن أن عمله ينبع من صيرورة مفهومية خالصة. إن الفكر هو أولً وقبل كل شيء بحث عن الكلمات من أجل قول كل ما يراد قوله وسماعه، وكل ما يجب أن يُراعى عندما نسعى إلى تحديد شيء ما. هذا النوع من العمل على تكوين المفاهيم هو ما يستكمل فعل الكام عندما يمر من كلمة أو صورة إلى أخرى؛ بغية بسط فكرة حول شيء ما. في ظل هذا التوجه نحو الشيء، الجهد الحقيقي للكام الذي يفكر أو للفكر الذي يتكلم أقل ارتباطًا بفعل التصنيف منه إلى رصد التشابهات. بحث اللغة هذا يوافق ما يسميه غادامير الاستعارية الجوهرية للغة والفكر: "ما هو عظيم في الوعي اللغوي هو أنه يعرف كيف يعطي تعبيرًا لهذا النوع من التشابهات، ونسمّي ذلك

(21) Gadamer, Vérité et méthode , p. 452; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 1, p. 432.

الاستعارية الجوهرية، ومن المهم أن نعترف أنه بتسليمنا لأحكام مسبقة نابعة من نظرية منطقية غريبة عن اللغة، نصل إلى الحَطّ من الاستعمال الاستعاري لكلمةٍ ما، عادّين إياه استعمالً مجازيًا". إن

كل كلمة هي نفسها ليست سوى صورة، تجسيد للمعنى ضمن صيغة يمكن أن تُفهم وتُشارك وتُعمق دائمًا. الفكر المنطقي والعلمي يبقى مرهونًا بهذه الاستعارية المسبقة للغة: "في أصل منطق الأجناس،

يوجد إذًا عمل قد تمّ إنجازه من لدن اللسان". هذا الأداء الذي يمكن وصفه ب "باغة اللغة" هو ما حرص غادامير على إبراز أهميته ضد نموذج البرهان المنطقي الذي كان قد فُرض على مستوى كوني في أعقاب المنطق الأرسطي (على الرغم من أن أرسطو نفسه، وكما ياحظ ذلك غادامير مع آخرين، لم يتّبع هذا المنطق بقدر ما اتّبع عبقرية اللسان ضمن تحقيقاته العلمية). "ومن نتائج هذه الإحالة على النموذج المنطقي للبرهان أن النقد الأرسطي قد نزع عن الأداء المنطقي للّسان شرعيته العلمية. هذا الاعتراف لم يعد مقبولً إلا من وجهة نظر الباغة، حيث تُصمَّم مثل عملية تقنية لاستعارة. [...] إن ما يُشَكل في الأصل عمق حياة اللسان

وما يشكل منها الإنتاجية المنطقية هو الاكتشاف المبتكر والمذهل للخطوط المشتركة التي بفضلها تنتظم الأشياء، وكل هذا يُهمَّش بِعَدِّه استعارةً، ويساء استخدامه بوصفه صورةً باغية". بالنسبة إلى

الفكر الذي يراد له أن يكون منطقيًا خالصًا، أو ينسى خلفيته الباغية، الاستعارة والباغة لا يمكن أن

تظهرا إلا بوصفهما أنماطًا من المعرفة القاصرة: الاستعارة هي الصورة الأسلوبية لفكر لا يملك بعدُ وضوحَ المفهوم، والباغة هي الحيلة التي نلجأ إليها عندما يتسم دليل قاطع ملزم بالإفراد. في ك  الاختزالين، يدين غادامير الحكم الأفاطوني المسبق، أي نسيان اللغة وكأنها بوتقة فارغة من أي دليل قاطع وأي وضوح وعقانية. في كتاب الحقيقة والمنهج، يكتفي غادامير أيضًا بالاحتجاج على اختزال الاستعارة ضمن أبواب الباغة وعلى فكر مفرط في أداتيته في النظر إلى الباغة. ولكن بعد عام 9601، طوّر غادامير تصورًا أشد طموحًا حول الباغة. بل انتهى إلى الربط بين كونية التأويلية وكونية

الباغة، وبخاصة في كتيّبات مثل التأويلية الكلاسيكية والفلسفة Classical and Philosophical

Hermeneutics 968(1)، و البلاغة، التأويلية ونقد الأيديولوجيات Rhetoric, Hermeneutics, and Ideology–Critique 971(1)، والتأويلية والبلاغة Rhetoric and Hermeneutics (9761)، وعديد من الحوارات الحديثة. وإذا كان غادامير قد تبنى الباغة فإن ذلك يتعلق بتراث من الفكر الذي كان قد

(22) Gadamer, Vérité et méthode , p. 453; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 1, p. 433. (23) Gadamer, Vérité et méthode , p. 455; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 1, p. 435. (24) Gadamer, Vérité et méthode , p. 456; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 1, p. 436. (25) Gadamer, La philosophie herméneutique , p. 111; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 2, p. 111; Hans–Georg Gadamer, L’Art de comprendre , vol. 2 (Paris: Aubier, 1991), p. 334; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 2, pp. 305, 289–291; Gadamer, Langage et vérité , pp. 193–195;

حول الروابط الجوهرية التي تبيح التفكير في الكلية المشتركة بين الباغة والهيرمينوطيقا، ينظر:

Jean Grondin, "Hermeneutik," in: Gregor Kalivoda, Heike Mayer & Franz-Huber Robling (eds.), Historisches Wörterbuch der Rhetorik , vol. 3 (Tübingen: Mohr Siebeck, 1996), pp. 1350–1374; Michael J. Hyde & Walter Jost , Rhetoric and Hermeneutics in Our Times (New Haven: Yale University Press, 1997).

دافع عن شرعية عقانية إنسانية تستلهم الحياة الحقيقية للغة من دون اتباع نماذج حصرية من البرهان المنطقي. "كيف يمكن التأمل النظري حول الفهم ألّ يستلهم من الباغة التي كانت، ومنذ الأزل، الوحيدة المنافحة عن مطلب الحقيقة التي تدافع عن شرعية المحتمل والشبيه Eikos Verisimile، وما يقنع العقل المشترك ضد مطلب العلم باليقين والبرهان؟ أن تقنع وتقتنع بشيء ما، من دون أن تمتلك الدليل القاطع، يشكل الهدف والتدبير لدى كل من فن الفهم والتأويل، وفن الفصاحة والإقناع. وهذا الحقل الشاسع من القناعات الساطعة والمعترف بها جماعيًا لم تختزل شيئًا فشيئًا من قبل تطور العلم. قد يكون هذا الحقل شاسعًا جدًا، لكنه لا يزال يتمدد في كل معرفة جديدة للبحث، من أجل أن يتبناها ويتكيف معها. إن الحضور الدائم للباغة لا حدود له". نفهم أن هذا الاستلهام الباغي قد يكون أزعج نقد الأيديولوجيات لدى هابرماس. لقد أدّت الباغة بالفعل دورًا حاسمًا في النقاش الذي جمع بين هابرماس والتأويلية، كما يشهد على ذلك عنوان رد غادامير البلاغة، التأويلية ونقد الأيديولوجيات، والذي يشير طبعًا إلى الباغة المنمّقة للتحرر الاجتماعي التي يشيعها هابرماس. من حيث الجوهر، يجادل هابرماس بأن الاعتقاد الباغي الذي يحدثه الفهم أو الحوار يمكن أن يستند إلى "تواصل زائف" Pseudo–Communication، أي يستند إلى حجج مضللة أو حجج عقانيتها ذات طابع استراتيجي صرف. وفي مقابل الاقتناع الذي لا يزال باغيًا فقط، يضع هابرماس الفهمَ المرتبط ب "مبدأ الخطاب العقاني الذي تُضمّن فيه الحقيقة بتوافق يُفترض أن

(26) Hans–Georg Gadamer, L’Art de comprendre , vol. 1 (Paris: Aubier, 1982), p. 128; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 2, pp. 236–237;

ويتبنى غادامير هنا بخاصة تصور الباغة الذي دافع عنه فيكو [في:]

G. B. Vico, De nostri temporis studiorum ratione , Godesberg 1947 (rééd: Darmstadt, Wissenschaftliche Buchgesellschaft,

في موضوع كلية الباغة، ينظر:

Jean Grondin (ed.), Gadamer Lesebuch (Tübingen: Mohr Siebeck, 1997), pp. 284, 291;

وملحق الطبعة الثالثة من كتاب الحقيقة والمنهج[الترجمة الفرنسية]، وكذلك:

Gadamer , L’Art de comprendre , vol. 1, pp. 107–108; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 2, p. 467;

وفي سعيه إلى دحض الأحكام المسبقة المبخسة التي كانت الباغة عرضة لها، اتبع ضمنيًا خطوات فريديريك نيتشه الشاب التي

أقر فيها بأن كل لغة هي في الجوهر باغة، ينظر:

Friedrich Nietzsche, Vorlesungsaufzeichnungen (WS 1871/72 – WS 1874/75) , Bearbeitet von Fritz Bornmann und Mario Carpitella (Berlin/ New York: Walter de Gruyter, 1995), p. 426;

يذكر نيتشه نفسه حكم جون لوك حول الباغة، ينظر:

David Hume, An Inquiry Concerning Human Understanding (London: J. B. Bebbington, 1824), p. 34, accessed on 5/1/2022, at: https://bit.ly/3EQS4IF

"يجب أن نقر بأن فن الباغة برمته، إلى جانب النظام والوضوح، وكل تطبيق مصطنع ومجازي للكلمات الذي اخترعته الفصاحة لا يعمل إلا على تسريب أفكار خاطئة وتجييش الانفعالات ومن ثمة تضليل الحكم، وهذا في الواقع غش مكتمل". لذلك لا يسعنا إلا أن نأسف، بعدِّ آخرين عديدين، أن غادامير لم يكن على خُبْر من قرب الصلة بين فكره وفكر نيتشه.

(27) Jürgen Habermas, "La prétention à l’universalité de l’herméneutique," in: Cf. J. Habermas, Logique des sciences sociales et autres essais (Paris: PUF, 1987), p. 268.

يتحقق في ظل شروط مُؤَمثَلة Idéalisées Conditions لتواصل غير محدود ومنزّه عن أي هيمنة، والذي يمكن أن يحافظ عليه على نحو مستدام". سيكون الفهم الحقيقي، إذًا، مجردًا من الباغة، ولكن لا يمكن الوصول إليه إلا في وضعية مثالية كهذه: "الحقيقة هي الإكراه الوحيد الذي يجبرنا على تسليم كُليّ من دون إكراه؛ إلا أن تسليمًا كهذا مرتبط بوضعية مثالية للكام، أي بشكل من الحياة

التي تسمح بتفاهم بيْني كوني من دون إكراه". لكن هذه طريقة للقول إن هذه الحقيقة غير الباغية

لن يُتوصل إليها أبدًا، الأمر الذي لن يدفعنا إلى التقدم فعلً. لا يمكن هابرماس أن يستصغر الباغة إلا باسم عقانية مثالية، ولكن لن تكون هي نفسها عقانية عالم الإنسان. أيجب، إذًا، أن ننتظر يوم القيامة كي نعرف الحقيقة؟ في غضون ذلك، ربما يجب أن نسائل الاستصغار الهابرماسي للباغة باسم تصور أكثر اعتدالً للعقانية. وكان هذا معنى جواب غادامير: "إذا كانت الباغة تخاطب الانفعالات كما هو واضح منذ الأزل، فإن هذا لا يعني أنها تخرج مع ذلك من مجال المعقول Vernünftigen. لقد كان جيامباتيستا فيكو Giambattista Vico 744–1668(1) محقًا عندما أبرز قيمتها المستقلة؛ قيمة النسخة Copia، وقيمة غنى وجهات النظر. وأجد من الاواقعية المخيفة أن ننسب إلى الباغة، وكما يفعل هابرماس، طابعًا إكراهيًّا ينبغي أن

نتجاوزه لصالح حوار عقاني من دون إكراه. إننا على هذا النحو لا نستهين فقط بخطر التاعب الفصيح بالعقل ووضعه تحت الوصاية، ولكن نستهين أيضًا بفرص الاتفاق القائمة بفضل الفصاحة والتي عليها تتأسس الحياة الاجتماعية. إن كل ممارسة اجتماعية، وبالأحرى تلك التي تريد أن تكون ثورية، لا يمكن تصورها من دون وظيفة الباغة [...] إنّنا نعطي معنى ضيّقًا للباغة عندما لا نرى فيها

إلا تقنية بسيطة للتاعب الاجتماعي. في الحقيقة إنها جانب أساس لكل سلوك عقاني". إن تحيزًا منطقيًا لصالح الدليل البرهاني هو الذي يدفعنا كي نربط الباغة بتاعب دنيء بالعقول يجعل

الحجج العقانية زهيدة الثمن؛ وذلك أنّ جميع الحجج العقانية، من حيث هي "حجج" تريد أن تكون مقنعة، لا يمكن التفكير فيها من دون باغة. إن حجة يُزعم أنها عقانية يجب أن تقنعنا أيضًا بأنها عقانية، أي أنّ عللً ومبررات تعمل لصالحها. إذا كان نقد هابرماس يمتلك أساسًا من الحقيقة؛

فلأنه محق عندما يذكّر بوجود تمييز استكشافي ينبغي القيام به بين قناعة مضلّلة يمكن أن تتحقق تحت الضغط، وبين تلك التي تستند إلى حجج "جيدة". ولكن هذا التمييز هو جزء من الباغة متى فُهمت على نحو مائم. ما الحجة الجيدة إن لم تكن، في الواقع، حجة من كان قادرًا على إقناع وعي يقظ سبق أن تلقى تعليمًا كافيًا عن طريق الباغة ليكون حذرًا من الحجج المبهرجة التي تتجاهل الجوانب

المناسبة للشيء موضوع الفهم؟ إذًا، يجب على محاجّة أشد متانة أو أفضل اتساعًا أن تدافع عن هذه

الوجاهة. ولكن أن تتكلم عن الوجاهة والاتساع هو أن تعترف بكونية الباغة التي من دونها العقانية الإنسانية هي مجرد حلم.

(28) Ibid., p. 269. (29) Ibid., p. 270. (30) Gadamer, L’Art de comprendre , vol. 1, pp. 107–108; Gadamer, Wahrheit und Methode , vol. 2, p. 467.

وهكذا، تفضي كونية الباغة إلى تأويلية اليقظة. لا يمكن أن نكتفي بالقلق مع نزعة ما بعد الحداثة السائدة بأنّه إذا ما لم يكن كل شيء ليس سوى باغة، فالعقل نفسه ليس سوى حلم. ولأن بعض الحجج أشد صدقية وأكثر اتساقًا وصابة من أخرى، فإن فكرة عقل تواصلي يجب الحفاظ عليها وممارستها. العقانية التأويلية هي تواصلية بالمعنى الدقيق حيث تحيا بالتواصل والاعتقادات التي يشترك فيها أولئك الذين يفهمون ويتفاهمون. إنه عقل الحجج ذات الصدقية لأنه ينبع من تلك القناعات. لكن هذه العقانية ليست عقانية يوم القيامة، بل هي عقانية من يستطيع أن يقنعنا هنا والآن، والتي في إطارها نناقش دائمًا عِللً تتكلم لصالح ادعاءات الصاحية. وهناك عقانية أخرى لم يُعهَد بها إلينا. أن نقر مع

عرّافة معبد ديلفيDelphes de Oracle أننا لسنا آلهة، هو أن نقر بالطابع الذي لا يمكن تجاوزه

لهذا التجسد الباغي – في كل مرة – للعقانية والمعنى. ولا شيء يَستبعد أن العقل النقدي يخضع

بنفسه لحجج ومواضع مشتركة سفسطائية. لكن إمكانية أن تتسرب السفسطائية إلى حيث لا يمكن الاشتباه فيها، لا يمكن إزاحتها لصالح تأويلية جذرية للزيف. ومن هنا يقظتها الفريدة وغير المسبوقة.

References

المراجع

العربية

دريدا، جاك. في علم الكتابة. ترجمة وتقديم أنور عبد المغيث ومنى طلبة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2005 فتجنشتين، لودفيج. بحوث فلسفية. ترجمة عزمي إسام. الكويت: مطبوعات جامعة الكويت،.1990 فتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة عبد الرزاق بنّور. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

مراجع إضافية

غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. طرابلس: دار أوريا،.2007

الأجنبية

Gadamer, Hans–Georg. L’Art de comprendre. vol. 1. Paris: Aubier, 1982. ________. Gesammelte Werke. Tübingen: J.C.B. Mohr [Paul Siebeck], 1986. ________. L’Art de comprendre. vol. 2. Paris: Aubier, 1991. ________. Langage et vérité. Jean–Claude Gens (trad.). Paris: Gallimard, 1995. ________. La philosophie herméneutique. Jean Grondin (trad.). Paris: PUF, 1996. ________. Vérité et méthode. Pierre Fruchon & Jean Grondin & Gilbert Merlio (trad.). Paris: Seuil, 1996.

((3(معبد إغريقي كان يُقصد لمعرفة المستقبل والمصير بفك الطاسم والألغاز التي تقولها العرافة بيثيا. (المترجم)

________. "Philosophes contemporains." Revue Internationale de Philosophie. vol. 54, no. 213 (Septembre 2000). Grondin, Jean (ed.). Gadamer Lesebuch. Tübingen: Mohr Siebeck, 1997. ________. Introduction à Hans– Georg Gadamer. Paris: Cerf, 1999. Habermas, Jürgen. Logique des sciences sociales et autres essais. Paris: PUF, 1987. Hadot , Pierre. Plotin ou la simplicité du regard. Paris: Folio, 1997. Hume, David. An Enquiry Concerning Human Understanding. London: J. B. Bebbington, 1824. Hyde, Michael J. & Walter Jost. Rhetoric and Hermeneutics in Our Times. New Haven: Yale University Press, 1997. Kalivoda, Gregor, Heike Mayer & Franz-Huber Robling (eds.). Historisches Wörterbuch der Rhetorik. vol. 3. Tübingen: Mohr Siebeck, 1996. Kaegi, Dominic. "Was heißt und zu welchem Ende studiert man philosophische Hermeneutik?" Philosophische Rundschau. no. 41 (1994). Nietzsche, Friedrich. Vorlesungsaufzeichnungen (WS 1871/72 – WS 1874/75). Bearbeitet von Fritz Bornmann und Mario Carpitella. Berlin/ New York: Walter de Gruyter, 1995. Renaud, F. "Gadamer, lecteur de Platon." Études phénoménologiques. no. 26 (1997). Vico, G. B. De nostri temporis studiorum ratione , Godesberg 1947. rééd: Darmstadt, Wissenschaftliche Buchgesellschaft, 1963.