العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مهمات المترجم الجديدة

مهمات المترجم الجديدة

The New Tasks of the Translator: The West-Eastern Divan and the problematic legacy of translation theories from Goethe to Benjamin

شتيفان فايدنر *ترجمة: عبد اللطيف بوستة **

Stefan Weidner Abdellatif Bousseta **

الملخّص

يتبع شتيفان فايدنر في هذا المقال أصول نظرية الترجمة في ألمانيا، وخصوصًا ترجمة الآداب الشرقية، ويسافر بنا عبر مسارات ترجمة الأدب الشرقي، مستقصيًا المواقف الأيديولوجية الكامنة فيها، ومتطلِّعًا إلى فعل ترجمي جديد ومعاصر يتحرر نهائيًا من إرث الماضي ومن هيمنة البعد الاستشراقي.

Abstract

Abstract: In this article, Stefan Weidner examines the origins of the theory of translation in German context, with special reference to the translation of Oriental literature. He carries us across several experiences of translations of Oriental literature, examining the ideological assumptions behind each one of them in detail. His final objective is to discover a new contemporary approach, which Diverges completely from the past heritage and the domination of the Orientalist dimension.

الكلمات المفتاحية:
  • الترجمة
  • الآداب الشرقية
  • الإرث
  • غوته
  • فالتر بنيامين
Keywords:
  • Translation
  • Oriental Literature
  • Legacy
  • Goethe
  • Walter Benjamin

شتيفان فايدنر | Stefan Weidner * ترجمة: عبد اللطيف بوستة | Abdellatif Bousseta **

ترجمة الآداب الشرقية، ويرتحل بنا عبر مسارات ترجمة الأدب الشرقي، مستقصيًا المواقف

الأيديولوجية الكامنة فيها، ومتطلِّعًا إلى فعل ترجمي جديد ومعاصر يتحرر نهائيًا من إرث

الماضي ومن هيمنة البعد الاستشراقي.

2016 مهمة رئيس تحرير مجلة فكر وفنالتي تعنى بالحوار مع العالم الإسامي. ترجم لكبار الشعراء العرب مثل محيي الدين بن عربي

وأدونيس ومحمود درويش. من آخر مؤلفاته: ما وراء الغرب: من أجل فكر كوسموبوليتي جديد (2018)؛ وآداب الشرق.

German writer, Translator, and Literary Critic, born in 1967 in Cologne. He has Studied Arabic and Islamic Studies and Comparative Literature. From 2001 until the closure of the magazine in 2016 he was The editor–in–chief of Art/ Thought – Fikrun wa Fann. As a translator, he has presented to the German public some of the most eminent Arab poets such as Ibn Arabi, Adonis, Mahmoud Darwish, Badr Shakir as–Sayyab and others. His most recent publications Jenseits des Westens. Für einen neuen Kosmopolitismus (Beyond the Conceptions of the West. For a new kind of cosmopolitanism (2018); and 1001 Books. The Literatures of the Orient (2019).

محمد بن عبد الله بفاس ضمن تخصص اللغة الألمانية وآدابها.

Moroccan Writer and Translator. Professor of Qualifying Secondary Education in Tangiers. He holds a Diploma in Deep Studies at the University of Sidi Mohamed Ben Abdallah in Fez, Specializing in German Language and Literature. bousseta2000@yahoo.de

يعدُّ الديوان الشرقي–الغربي ثمرة ترجمة، أكثر من غيره من أعمال يوهان غوته الأخرى؛ أي إنه، بوجه من الوجوه، مرتبة أسمى للترجمة، إنه "محاكاة لإبداع" و"نسج على منوال"، بكل ما يعنيه هذان التعبيران من معنى. وعاوة على ذلك، يتطرق يوهان فولفغانغ فون غوته (832–17491) إلى موضوع الترجمة في "التعليقات والأبحاث" التي ألحقها بالديوان لشرح أرضيته التاريخية والثقافية. ومن ثم يمكننا أن نتلمس في ديوان غوته المحددات الأساسية لتناول الثقافات المترجم عنها، وخصوصًا "الشرق". ولا تزال هذه المحددات الأساسية إلى الآن تسِمُنا بطابعها وتفرض علينا أيضًا، بوصفنا مترجمين من اللغة العربية، سلطتها. كما تنتج هذه المحددات، بتعبير أكثر دقة، الممارسة الترجمية قديمًا وحديثًا، عاقة جدلية مثيرة مع التأمات التي صاغها فالتر بنيامين (940–18921) بنباهة، ملمحًا إلى غوته، في مقاله مهمة المترجم الصادر سنة 1. 921 تدين كثير من مؤلفات غوته إلى ذَيْنكم اللقاء والتعامل مع الآداب الأخرى. لكن الديوان الشرقي– الغربييشكل من هذه الناحية حالة استثنائية، حيث يأتي المحفز من سياق ثقافي مختلف تمامًا، وبواسطة الترجمة من لغة لم يكن غوته يعرفها (خ  بعض تمارينه على كتابة العربية)، خافًا للّغات الأخرى التي شكلت بالنسبة إليه منبع إلهام، مثل الفرنسية والإنكليزية والاتينية واليونانية. سيجد غوته نفسه في لقائه بالشاعر محمد حافظ الشيرازي (725 ه/ 3251 م – 792 ه/ 3901 م) عن طريق ترجمة هامر بورغشتال (1856–1774) المنشورة سنة 8121، في الوضعية ذاتها التي يجد أغلب القراء (وتقريبًا كل القراء الغربيين عندما يتعلق الأمر بالآداب الشرقية) أنفسهم فيها، وهي عدم إمكان الاستغناء عن الترجمة. وعند الاشتغال بالشيرازي فقط، ستحظى الترجمة بتلك الأهمية، وستطرح في الوقت نفسه تلك الإشكالية التي تواجهنا اليوم في الغالب عندما يتعلق الأمر بالأدب المترجم. لا عجب، إذًا، في هذه الوضعية، من أن ينهي غوته "التعليقات والأبحاث"، ومن ثم كل الديوان الشرقي– الغربيبمقال قصير حول الترجمة، يعتبره فالتر بنيامين "أحسن ما نشر في ألمانيا عن نظرية الترجمة". يميز غوته فيه بين ثاثة أصناف من الترجمة: أولًالترجمة "النثرية البسيطة"، ويضرب لها مثلً نَقْلَ مارتن لوثر Luther Martin (83–145461) الإنجيلَ إلى اللغة الألمانية. ويسمي غوته الصنف الثاني ب "الترجمة التي تتوسل المعارضة الأدبية أو الباروديا" (الباروديا لا تعني هنا المحاكاة الساخرة، وإنما تعني الطريقة التي تطمح إلى محاكاة عمل أدبي معين ومعارضته من منظور عصر آخر وواقع مغاير، وذلك لتعديله)، ومن أمثلة ذلك، يشير غوته إلى ترجمات شكسبير التي قام بها فياند.

(1) J.W. Goethe, West–Östlicher Divan , Teil 1 und 2 (Kommentar) (Frankfurt: Ausgabe von Hendrik Birus im Deutschen Klassiker Verlag, 1994). (2) Tillman Rexroth, Walter Benjamin , Gesammelte Schriften, Band 4 (Frankfurt: Suhrkamp, 1991), S. 9 ff 3. (3) Mohamed Schemsed–din Hafis, Der Diwan, aus dem Persischen von Joseph von Hammer–Purgstall, Süddeutsche Zeitung ed (München: Bibliotheca Anna Amalie, 2007).

وفي الأخير يشير غوته إلى صنف ثالث من الترجمة يسعى "إلى أن يكون مطابقًا للأصل". ويورد على ذلك مثال ترجمة هوميروس Homer (يرجح أنه كان حيًا سنة 700 ق.م.) إلى شعر التفعيلة الألماني،

على يد معاصره يوهان هاينريش فوس Voss Heinrich Johann 1).826–1751(وعلى الرغم من أن لكل صنف أو نموذج قيمته الخاصة، فإن الترجمة التي تسعى إلى المطابقة تبقى، بحسب غوته، هي "الأسمى والأكمل"، وذلك لأن المترجم من خالها "يتخلى عن أصالة أمته [...] بحيث ينتج من ذلك شيء 'ثالث' تغتني من خاله اللغة الألمانية وتتوسع"، وهذا من شأنه، بحسب غوته، أن يجعل "صنعة الشعر تنتشر بين الألمان". يتبنى فالتر بنيامين هذا الإطار النظري للترجمة، حيث يكتب: "ولهذا؛ فإن أعظم ثناء تحصل عليه ترجمةٌ ما، في عصر نشوئها، ليس هو أن تقرأ في لغتها بمنزلة أصل [...] الترجمة الحقيقية شفافة، لا تغطي الأصل، وتحجبه عن الأضواء، وإنما تجعل اللغة المحضة، وكأنها قد أشبعت بذاتيتها الخاصة، تنعكس بكل كمالها على العمل الأصل. وهذا ما يقدر عليه الأسلوب الحرفي في نقل بنية اللغة". تصورات مثل هذه عن الترجمة تثير لدينا بعض الأسئلة وتستدعي منا اليوم، نحن المترجمين، أن نتخذ إزاءها موقفًا. في ما يخص الأسئلة، يجب أن نبين، أولً، كيف أن الديوان الشرقي–الغربيوترجمة هامر بورغشتال التي أوحت إلى غوته به، يقعان في سياق نظريات الترجمة لدى غوته وبنيامين كليهما. وعلينا، في خطوة ثانية، أن نتساءل: كيف ينبغي لنا أن نتصرف إزاء هذا؟ أي كيف نترجم اليوم؟ خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمادة "ثقافية–أجنبية". وسنفحص في الختام صحة هذه النظريات المقدمة، بمعنى: هل تقرّها الممارسة الترجمية اليوم؟ لا يشير غوته بوضوح إلى الخانة التي يجب أن يصنف ضمنها، من بين نماذجه الثاثة للترجمة؛ ترجمة بورغشتال للشيرازي، فهو يود لو يصنفه ضمن النموذج الثالث، حيث يكتب بنوع من الحذر: "إنجازات هامر بورغشتال تدل على [واحد من النماذج الثاثة] مثل هذا التعامل مع الروائع الشرقية، حيث تبقى المقاربة الشكلية هي الفضلى". لكن بورغشتال يجسد في الواقع مثالً أساسيًا للترجمة القائمة على الباروديا أو المعارضة. فهو

لا يقترب من الشيرازي من جهة الشكل، أي، في ما يتعلق بالقافية، إلا على استحياء. يعتمد النص الأصل إجمالً وحدة القافية التي تميز النصوص الشرقية الكاسيكية، لكن ترجمة بورغشتال تقوم في أغلبها على أبيات من سطرين أو على رباعيات غير مقفاة. نعثر بالطبع، بصفة

(4) Goethe, Teil, 1 S. 281. (5) Ibid., S. 281. (6) Benjamin, S. 18.

(((ما بين معقوفين إضافة للتوضيح. (المترجم)

(8) Goethe, Teil, 1 S. 281f.

متفرقة، على مقاطع شعرية من بيتين ينتهيان بالقافية نفسها، كتلك التي سيعتمدها مترجمون لاحقون عن الفارسية، بديلً من وحدة القافية. لكن بالرغم من ذلك، لا ينطبق على ترجمة بورغشتال ما يقوله غوته عن النموذج الثالث من الترجمة الذي يسعى إلى مطابقة الأصل: "الترجمة التي تطمح إلى التماهي مع الأصل تقترب في النهاية من صيغة الترجمة بين السطور وتيسر تيسيرًا كبيرًا فهم الأصل. من خالها يتم تقريبنا من الأصل ودفعنا نحوه، وهكذا تكتمل الدائرة التي يتم في مدارها تقارب الغريب والمألوف، المعلوم والمجهول". من الواضح أن غوته كان يعلم جيدًا أن ترجمة بورغشتال للشيرازي لا تنطبق عليها هذه الأوصاف، وأنها لا تقترب في نزعتها حتى من الترجمة بين السطور، لهذا تحاشى التعليق عليها. وأعتقد أن سبب ذلك هو الآتي: لقد رأى غوته نفسه في الديوان الشرقي–الغربي، أي في أشعاره الخاصة، عملً يشبه، على نحو ما، ذاك الصنف الثالث من الترجمة الذي "يتخلى إلى حد ما عن أصالة أمته"، ويتولد منه شيء أسمى "ما زال يجب تربية العامة على تذوقه واستساغته". في هذا السياق ياحظ غوته أن ترجمات فوس لهوميروس لم تستطع في البداية "إرضاء ذوق الجمهور، إلا بعد أن تعوّد على سماعها مرات ومرات". وكأن غوته كان يخشى أن يلقى ديوانه المصير نفسه، كما عبّر عن ذلك في مقدمة "التعليقات والأبحاث". فهو يطمح إلى أن يحرز حتى أولئك "القراء الذين يجهلون الشرق تمامًا أو لا يعرفون عنه إلا النزر اليسير، فهمًا مباشرًا ومن دون وساطة" لديوانه. ويرى في نفسه "مسافرًا [...] يكفيه فخرًا لو يعرف كيف يتأقلم بحب، مع نمط عيش البلد الغريب، ويبذل قصارى جهده في تعلم لغته، ويتقاسم معه أفكاره ومبادئه، ويستوعب عاداته وتقاليده". تحاول "أنا" الشاعر، إذًا، أن تتماهى مع العالم الغريب، كما يمثل المسافر، بنحو ما، التجسيد الحي لشاعر المحاكاة أو للمترجم الشاعر Nachdichter. يدرك غوته جيدًا أن تقمصه هوية المسافر "لن يسعفه إلا بدرجة محدودة"، وأن عليه في الحين ذاته أن يتقمص "دور التاجر الذي يعرض بضاعته عرضًا يثير الإعجاب، ويسعى بكل السبل لجعلها رائقة". هكذا "ينال ما يحمله معه المسافر إلى أهله الرضا والقبول بسهولة".

(((الترجمة بين السطور هي طريقة للترجمة كانت معروفة في العصور الوسطى وكانت تكتب بين سطور النص الأصل وتضع

مقابلً أو أكثر لكل كلمة، وكان الهدف منها تيسير فهم النص الأصل. (المترجم)

(10) Goethe, Teil, 1 S.283. (11) Ibid., S..281 (12) Ibid., S.281. (13) Ibid., S.138. (14) Ibid.

((1(Nachdichter تعني هنا المترجم الذي هو في الوقت ذاته شاعر، حيث تفيد كلمة Nachdichtung في الألمانية الترجمة التي

ينصب فيها التركيز – خافًا للترجمة الحرفية – على الشاعرية في التعبير وعلى نقل المزاج والمحتوى. (المترجم)

(16) Goethe, Teil1, S.139.

تفسر لنا ثنائية المعنى هذه التي يجعلها غوته عنوانًا لصورته عن نفسه؛ فهو، من جهة، المسافر المتحلي بالعوائد الغريبة، ومن جهة ثانية؛ التاجر الذي يسعى إلى أن يحببها إلى جمهوره ويبيعه إياها، ويجعلها تبدو أقل غرابة. تلك ثنائية الهيئة الفريدة من نوعها التي جاء فيها الديوان، فهو ديوان ألهمته الآداب الأجنبية، وهو أيضًا بحث يسعى أن يعرِّف بالآداب الشرقية. نستنتج من هذا أن غوته كان يدرك تمامًا أنه لا ترجمة آداب الشرق إلى الألمانية ولا محاكاتها والنسج على منوالها كما هو الحال في الديوان، يمكن أن ينال أيٌّ منهما التقدير أو يجد القراء من خارج إطار المختصين، إنْ لم تجرِ التوطئة لهما، كما فعل هو نفسه في "الأبحاث والتعليقات". وبعبارة أخرى، يبدو أن المثال الأسمى للترجمة عند غوته (وبعد ذلك عند بنيامين) – أي الترجمة التي "تحاول مطابقة الأصل" – مشروع غير واعد بالنجاح في حال تعلق الأمر بالشرق. وأنه لا هامر بورغشتال ولا غوته استطاعا أن يفلحا في مسعييهما. وسبب ذلك بسيط؛ إذ لقيت ترجمة فوس لهوميروس صدى إيجابيًا (ولو بعد حين، كما كتب غوته) لأن

هوميروس ينتمي إلى المصنفات الأساسية للثقافة الغربية، وهذا يعني أن بضاعته – حتى لا نبتعد عن تشبيه غوته لشاعر المحاكاة ب "التاجر" – لم تكن في حاجة ملحّة إلى إشهار. بل أمكن، على العكس، ترويجها على أنها الأقرب إلى هوميروس من الترجمات الأخرى، وأنها أكثر أصالة، وتعطي صورة حقيقية عن هوميروس مثل النص الأصلي تمامًا. يسري الشيء ذاته على المترجمين الذين ذكرهم بنيامين في حديثه عن الترجمة المنشودة التي تسعى إلى مطابقة الأصل: "لوثر، فوس، فريدريش هولدرلين Hölderlin Friedrich (843–17701)، ستيفان جورج George Stefan (933–18681)، عملوا على توسيع حدود اللغة الألمانية". لكن كل النصوص التي ترجمها هؤلاء المترجمون على النحو المذكور هي نصوص تنتمي أصلً إلى المصنفات الغربية: لوثر ترجم الإنجيل، وفوس ترجم هوميروس، وهولدرلين ترجم بيندار وسوفوكليس، وستيفان جورج ترجم دانتي. لم يكن من الازم في كل هذه الحالات التعريف بهؤلاء الكتاب، ولا توضيح سياقهم الثقافي ولا الإجابة عن سؤال: لماذا نترجمهم؟ بالنسبة إلى الشيرازي والكتاب الشرقيين الآخرين، فإن العكس هو الصحيح؛ إذ يجب أولً تقريبهم من الجمهور. ف  عجب، إذًا، أن تنتمي ترجمة بورغشتال، بحسب تصنيف غوته، إلى الفئة الثانية التي هي فئة المحاكاة. يمكن أن نقول الشيء ذاته أيضًا عن أشعار ديوان غوته نفسه: فهي، حتى نستخدم مصطلحات غوته الخاصة، باروديا أي محاكاة من الدرجة الثانية؛ بمعنى أنها محاكاة لمحاكاة

(17) Benjamin, S.19.

(1((المقصود بالمصنفات هنا تلك النصوص الأساسية التي لا بد لكل متعلم مثقف منتمٍ إلى ثقافة معينة من الإلمام بها ومعرفتها.

وهذا ما يطلق عليه الناقد المغربي سعيد يقطين "النص الثقافي الجامع" (المترجم). ينظر: سعيد يقطين: "النص الثقافي"، القدس

العربي، 2015/3/17، شوهد في 2021/11/22، في: https://bit.ly/3G7xftK

بورغشتال للشيرازي. ولا يعني هذا شيئًا آخر سوى أن الممارسة الإبداعية لِغوته، والترجمية لبورغشتال لا ينطبق عليهما ذاك المثال الأسمى للترجمة وللمحاكاة، كما وضعه غوته وأخذه عنه بنيامين. في القرن التاسع عشر أقدم كتاب ومترجمون ألمان على ما لم ينجح فيه غوته وبورغشتال كاهما، أي الترجمة التي تنشد مطابقة الأدب الشرقي. ونذكر هنا بالخصوص فريدريش روكرت Rückert Friedrich (866–17881)، وأوغست فون باتن Platen Von August 1) 835–1796(اللذَين قلّدا الأشكال الشرقية بكل إتقان. فبفضل روكرت صار لدينا شيرازي ألماني، يعتبر من الناحية الشكلية الأقرب إلى الشيرازي الفارسي من ذاك الذي صوّره بورغشتال، يحترم وحدة القافية كما هي في

الشعر الفارسي. كما ندين لروكرت بترجمة للقرآن ألمانية اللغة، تشبه فواصلها الأصل العربي. ألم ينجح هذا الأمر فعلً في جعل اللغة الألمانية تبدو كأنها لغة هندية؟ (كما عبر عن ذلك رودولف بانفيتس Pannwitz Rudolf (969–18811) الذي اقتبسه بنيامين). وفي حالتنا، ألا يعني هذا تعريبًا

(من اللغة العربية) أو فرسنة (من الفارسية) للغة الألمانية؟ بناء عليه، هل يصلح هذا المثال الأسمى للترجمة لعصرنا هذا؟ هنا يجب أن أقر بأني أشك في ذلك كثيرًا. وأعتقد أن التصورات التي أتى بها

غوته وروكرت وبانفيتس وبنيامين عن الترجمة، قد فقدت صدقيتها، ولم تعد صالحة بالمطلق لترجمة الآداب الشرقية. لماذا؟ بدايةً يجب التنبيه إلى أن نظريات الترجمة هذه لم تكن ثمرة ممارسة، وأنها حتى عندما طبقها – على نحو أكبر، روكرت وهولدرلين – أوشكت الترجمات أن تكون لا مقروءة تقريبًا، كما لاحظ بنيامين،

حيث كتب عن ترجمات هولدرلين لسوفوكليس، قائلً: "فيها يتدحرج المعنى من هاوية إلى هاوية حتى يوشك أن يضيع في أغوار لغوية سحيقة لا قعر لها". إذا كانت ترجمات هولدرلين تقترب كثيرًا من الترجمة بين السطور، فإن ترجمات روكرت تعاني عيبًا آخر

يتمثل في أن لغة روكرت لا تقدر أن تتخلص من تأثير القرن التاسع عشر، مهما كان استخدامه للقافية متنوعًا ورشيقًا، وتسقط، إذًا، بسبب الاستخدام الدوغمائي والتعسفي للقافية في الإجهاد والصعوبة التي لا نجدها في النصوص الأصلية. من يقرأ ترجمات روكرت لا يخطر بباله أن النصوص الأصلية غالبًا ما تلحَّن وتغنى، وأن الناس البسطاء والأميين يحفظون أشعار الشيرازي والرومي والفردوسي عن

ظهر قلب. فإذا أخذنا هذا الأمر في الحسبان، فإن دعوى التطابق التام بين الترجمة والأصل، أو ما أطلقنا عليه سابقًا "تحويل اللغة الألمانية إلى هندية أو إلى فارسية"، تنهار تمامًا. يتضح، إذًا، أن هذا التهجين

(إدماج الآخر في الذات) انتقائي، ويقتصر فقط على المظاهر الشكلية مثل القافية والإيقاع. يبقى معيار المطابقة مع الأصل، إذًا، ظاهريًا ولغويًا فحسب. والنتيجة هي أنه مهما بدا العمل فنيًا فإنه لن يصل

إلى القلوب إلا نادرًا، ليس كما هو الحال بالنسبة إلى النصوص الأصلية والترجمات التي تكون

طبيعية وغير متكلفة. أدرك غوته وبورغشتال هذا الأمر، على الأقل فطريًا، وتخلّيا، على التوالي، عن

الترجمة التي تسعى إلى المطابقة وعن المحاكاة الشعرية، واختارا ما أطلق عليه غوته صيغة الباروديا أو

المعارضة الأدبية. وما استمرار الشيرازي الذي ترجمه غوته بيننا إلا لأن غوته تخلى عن نظريته الخاصة في الترجمة. ليست نتائج الترجمة الساعية إلى مطابقة الأصل فقط هي التي فقدت صدقيتها، بل أيضًا الأيديولوجيا الكامنة وراءها. تتمظهر هذه الأيديولوجيا عند غوته في إيمانه بمسار تطوري طبيعي للّغات والآداب، ينعكس في مختلف "عصور" الترجمة، وفي الختام، في المواءمة المتتالية للآداب القومية. وقد أطلق غوته على هذه السيرورة مفهوم "الأدب العالمي". يرفع بنيامين هذه الفكرة تقريبًا إلى ما يشبه النبوءة الدينية لاكتمال الترجمة: على المترجم أن يقترب من

اللغة المحضة – التي هي بطبيعتها مستعصية – وذلك من خال انتهاك حدود لغته الخاصة. تحمل فكرة اللغة المحضة في طياتها أوتوبيا تجاوز بلبلة الألسن (أسطورة بابل). فعندما تنتهك الترجمة الحدود المتداعية للّغة الخاصة، وبكلمات غوته: "تتخلى عن أصالة الأمة"، يصير وضع الفردوس المنشود، أي ما قبل بابل، وشيكًا. ومن هذا المنظور يعهد للمترجم بالفعل بمهمة المخلص التاريخي، كما يظهر ذلك في عنوان بنيامين "مهمة المترجم". لكن مهما بدت هذه التصورات مشرّفة، فإن الأوان آن لنبذها. فهي قد تكون شجعت سابقًا على تلقي

الآداب الأجنبية والغريبة جدًا، لكنها اليوم تعرقل الترجمة وتحصرها في غايات لا تمتّ إلى الأدب بصلة، قد تكون غايات اقتصادية، سياسية أو فلسفية (حتى لا نقول أيديولوجية، رهينة الديالكتيك الهيغلي) كما هو الحال لدى بنيامين. إن تقليد الآداب الشرقية في ضوء الترجمة بين السطور كما أشاد بها غوته وبنيامين وبانفيتس لا يلغي الحدود، وإنما يقيم في الواقع حدودًا أخرى: فهي تعيد الشرق من حيث أتى؛ إلى "العجائبي". وتؤكِّد، كما في السيرك الاستعماري، على الغريب والمختلف (هكذا فقط تستطيع اللغة الألمانية أن تستحيل إلى لغة هندية). عندما تتطابق الترجمة مع الغريب، فإنها لا تحفز على التماهي والتداني، وإنما بالأحرى على التمايز والتنافر. ينطبق هذا، بصفة خاصة، على الأدب الشرقي المعاصر. حيث لا تسعف هنا بالضبط الترجمة الغرائبية والعجائبية (الترجمة التي تنحو إلى الغريب والعجائبي) كما تخيلها غوته وبنيامين. إن الشعر العربي والشعر الإيراني المعاصرين ليسا غربيين وشرقيين كما قد يظهر ذلك للماحظ البسيط. بل يجب أن ينظر إلى هذا الشعر على أنه جزء من الشعر الحديث الذي يمثل ظاهرة عالمية معاصرة. والشعران – أي العربي والفارسي المعاصران – يشهدان على ذلك، وهما في الحقيقة أقرب إلى الشعر العالمي المعاصر منه إلى

(1((يعود الفضل إلى غوته في بلورة مفهوم الأدب العالمي Weltliteratur كأفق لتطور الآداب القومية. فالأدب القومي، بحسب

غوته، يصبح عالميًا عندما يسعى – فضل عن التعارف والإثراء المتبادل مع الآداب القومية الأخرى – إلى التعبير عن القضايا الإنسانية

الكبرى، والإسهام في حلها، انطاقًا من روح العصر والحسّ الإنساني المشترك. ينطلق غوته في تنظيره للأدب العالمي من اقتناع

مفاده أن الأدب ظاهرة إنسانية كونية تسمو على اللغات والحدود القومية، وتستطيع استشراف أفق كوني أرحب للتعاون والعيش المشترك. (المترجم)

الشعر العربي الكاسيكي أو ما يسميه حميد دباشي "الاتجاه الإنسي في الأدب الفارسي"، أي التراث الذي يعتبر الشيرازي أبرز رموزه. وبالنظر إلى أن غوته اعتمد على هذا الإرث الإنسي الأدبي الفارسي – متقنعًا كفارسي – لكتابة قصائد تحسب من وجهة نظر التاريخ الأدبي على التيار الرومانسي أو على الإرهاصات الأولى للحداثة، فإنه يمكننا أن نقول: إن الشرق أدّى، بالنسبة إلى أوروبا الأدبية، وظيفة القابلة التي يسّرت مياد الحداثة. وحيث إن الكتّاب العرب والفرس يكتبون منذ أكثر من قرن روايات وشعرًا حديثًا، يترجم – بوتيرة

متزايدة منذ ربع قرن – إلى اللغات الأوروبية، فإن الدائرة الأدبية تكون بهذا قد اكتملت، ونبوءة غوته في أحد المقاطع التي ألحقت بالديوان بعد وفاته قد تحققت: "من يعرف نفسه ويعرف غيره سيعرف أيضًا: أن الشرق والغرب لن يفترق أحدهما عن الآخر أبدًا أبدًا". بهذا، يكون قد حان الوقت أخيرًا لأن نكتشف المعاصرة الكامنة في هذا الأدب الذي يوصف ب "الآخر"

و"الشرقي"، وأن نقدّرها حق قدرها. وأن نلتفت أيضًا إلى المعاصرة الكامنة في شعر حافظ الشيرازي، وفي الاتجاه الإنسي في الأدب الفارسي. ليست الوسيلة إلى ذلك هي الترجمات التي تتوه في تتبع تقنيات القوافي حتى تبدو في النهاية كألعاب بهلوانية، وتبحث عن الخاصية الإبداعية والمهم والمتميز والثمين في الشكل خاصة (مقاربة تقليدانية جدًا)، وإنما هي تلك الترجمات التي تستخرج المضمون الروحاني ومعه الشاعري. تلك النصوص المترجَمة التي لا يكون فيها الشكل ظاهريًا كما يتجلى ذلك في النصوص التي تعتمد على القافية، ولكن تلك النصوص التي يمتزج فيها الشكل والمضمون. وبالنسبة إلى الناطقين باللغة الإنكليزية، هناك ترجمات للأدبين العربي والفارسي نجحت في هذا المسعى. لكن الترجمات الألمانية الموجودة للأدبين العربي والفارسي، وهي في غالبها قديمة (بالنسبة إلى النصوص النثرية تبدو الحال أفضل)، بقيت في مجملها حبيسة هذا النموذج الذي تم تطويره في القرن التاسع عشر، والذي انتقدتُه في هذا المقال. تبقى الترجمات الجديدة والمبتكرة للشعر نادرة. لقد ترجمتُ شخصيًا في هذا المنحى المبتكر غير القائم

على التغريب والعجائبي، قصائد من الشعر العربي المعاصر، وغير بعيد أحد أهم الدواوين الشعرية

(20) Hamid Dabashi, The World of Persian Literary Humanism (Cambridge: Harvard University Press, 2012). (21) Goethe, Teil1, S.614.

المطاف بسؤال سخيف: هل هناك دور نشر مهتمة، وتمويات كافية؟

من ذلك وعندنا غوته؟

المراجع

الصوفية في العصر الوسيط  ترجمان الأشواق لابن عربي (855 ه/ 1641 م – 38/6 ه 2401 م). يشجعنا الصدى الإيجابي لهذه المحاولات على المضي قدمًا في هذا الطريق. لكن هذا المسعى يتعلق في نهاية

حاليًا، يأتي الجواب – خصوصًا بالنسبة إلى سوق الشعر الكاسدة – على شكل مفارقة، وهو: ما الغاية

References

Arabi, Ibn. Der Übersetzer der Sehnsüchte. Gedichte. Hrsg. und übers. von Stefan Weidner. Salzburg: Jung und Jung, 2016. Dabashi, Hamid. The World of Persian Literary Humanism. Cambridge: Harvard University Press, 2012. Goethe, J. W. West–Östlicher Divan. Teil 1 und 2 (Kommentar). Frankfurt: Ausgabe von Hendrik Birus im Deutschen Klassiker Verlag, 1994. Hafis, Mohamed Schemsed–din. Der Diwan, aus dem Persischen von Joseph von Hammer–Purgstall. Süddeutsche Zeitung ed. München: Bibliotheca Anna Amalie, 2007. Rexroth, Tillman. Walter Benjamin. Gesammelte Schriften, Band 4. Frankfurt: Suhrkamp, 1991.

(22) Ibn Arabi, Der Übersetzer der Sehnsüchte , Gedichte. Hrsg. und übers. von Stefan Weidner (Salzburg: Jung und Jung, 2016).