العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الصراع الفلسطيني - الصهيوني وإنتاج الأرض الفارغة

الصراع الفلسطيني - الصهيوني وإنتاج الأرض الفارغة

The Production of Terra Nullius and the Palestinian–Zionist Conflict

مارسيلو سفيرسكي ترجمة أن س إبراهيم *

Marcelo Svirsky Anas Ibrahim *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم نموذج تفسيري جديد للصهيونية يتجاوز مركزية الأيديولوجيا في تفسير الصراع الفلسطيني - الصهيوني، وكذلك في تفسير الدوافع المحركة للصهيونية كحركة استعمارية استيطانية منذ ظهورها الأول في فلسطين. وتقدّم الدراسة، التي تربط بين الفلسفة الدولوزية والنظرية ما بعد الاستعمارية، تحليلًا اجتماعيًا سياسيًا للكشف عن الوقائع المادية والظروف التاريخية التي شكلت صيرورات الصراع الأولى، ولا تزال تمنحه استمراريته في الحاضر، وذلك من خلال الاستعانة بمفهوم الأرض الفارغة، الذي يجري ربطه على نحو أساسي بالآلات الصهيونية الراغبة التي تعمل على إخفاء الآخر العربي، والتي تفسر بوصفها آليات الإنتاج الاجتماعي المتواصل للإزاحة والإحلال في إطار شكل معيّن من الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الصهيوني.

Abstract

Nullius, Deleuzian Philosophy,

Abstract: This study presents an explanatory model that moves beyond the centrality of ideology in explaining the Palestinian–Zionist conflict and the driving forces of the Zionist movement as a settler–colonial movement since its emergence in Palestine. The study, which connects Deleuzian philosophy with post–colonial theory, presents a socio–political analysis to unearth the material facts and historical circumstances which represented the initial manifestations of the conflict, and which continue to fuel its protraction, through utilizing the concept of Terra Nullius , which is connected primarily with the Zionist "Desiring–Machines" that seek to hide the Arab Other. These can be explained as the mechanisms of social production for replacement–displacement within the frame of a specific form of settler–colonialism – the Zionist form.

الكلمات المفتاحية:
  • الآلات الراغبة
  • الأرض الفارغة
  • الفلسفة الدولوزية
  • الاقتلاع الإقليمي
  • الاستعمار الاستيطاني
Keywords:
  • Desiring-Machines
  • Terra Nullius
  • Deleuzian Philosophy
  • Deterritorialization
  • Settler Colonialism

شكل معيّن من الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الصهيوني. الاستعمار الاستيطاني.

الأيديولوجيا في تفسير الصراع الفلسطيني – الصهيوني، وكذلك في تفسير الدوافع المحركة

للصهيونية بصفتها حركة استعمارية استيطانية منذ ظهورها الأول في فلسطين. وتقدّم الدراسة،

التي تربط بين الفلسفة الدولوزية والنظرية ما بعد الاستعمارية، تحلياًاجتماعيًا سياسيًا

للكشف عن الوقائع المادية والظروف التاريخية التي شكلت صيرورات الصراع الأولى،

ولا تزال تمنحه استمراريته في الحاضر، وذلك من خال الاستعانة بمفهوم الأرض الفارغة،

الذي يجري ربطه على نحو أساسي بالآلات الصهيونية الراغبة التي تعمل على إخفاء الآخر

العربي، والتي تفسر بوصفها آليات الإنتاج الاجتماعي المتواصل للإزاحة والإحال في إطار

مقدمة

تُعد مدينة عكا من المدن القليلة في إسرائيل التي تضم سكانًا عربًا ويهودًا. في آخر ليلة من

أيار/ مايو 2007، أقدمت بلدية المدينة على إزالة أحرف معدنية تحمل اسم المدينة باللغة العربية من الافتة الرسمية المثبتة على مدخل المدينة الشرقي. تلك الأحرف كان قد وضعها ناشطون يساريون في اليوم السابق، ردًّا على إزالة البلدية لاسم المدينة العربي من الافتة الرسمية. بعد حادثة الإزالة الثانية، عاد

الناشطون مرة أخرى بعد أسبوع ليضعوا لافتة أخرى في الموقع ذاته، كتب عليها: "عكا لجميع سكانها"، بالعربية والعبرية. أزالت الشرطة المحلية الافتة فورًا. وبعد أيام، عادت البلدية لتدرج اسم عكا بالعربية،

وبالإنكليزية وكذلك بالعبرية. كان ذلك انتصارًا صغيرًا للنضال من أجل الاعتراف بالوجود العربي في

إسرائيل. ولكن ما الأساس الذي دفع ببلدية عكا إلى عدم وضع لافتة رسمية تحترم جميع سكان المدينة؟ في الوهلة الأولى، قد تبدو الواقعة تجاهلً متعمدًا وصارخًا للوجود العربي. لكن النظر عن كثب سيكشف

عن الدوافع المؤسِّسة التي تنتج الممارسات النمطية المتعلقة بالتجاهل الرمزي للوجود العربي. وأعتقد أن

بلدية عكا لم تتعمد تجاهل سكان المدينة الفلسطينيين العرب، وأكثر من ذلك، إن البلدية لا تفترض أن الفلسطينيين العرب لا يستحقون التمثيل الرمزي بوصفهم جزءًا من المدينة. وما هو أكثر أهمية من ذلك، هو

الممارسة الضمنية وراء انعدام الاعتراف؛ المتمثل في ذهنية جمعية مهيمنة بُنِيَت على نحو لاواعٍ عبر الزمن

من خال التجربة، ذهنية توجِّه دفقات من التغريب نحو العرب الفلسطينيين في عكا. كيف يمكننا أن نتوقع

الاعتراف بالفلسطينيين بوصفهم جزءًا لا يتجزأ من عكا من خال لافتة الترحيب الرسمية، في حين أن الأغلبية

من سكان من المدينة هم أشبه بجيش من الجثث العمياء التي لا تجد في قلبها أو عقلها مكانًا للآخر؟ إن المسألة المهمة هي أن انعدام الاعتراف بالحضور العربي في عكا ليس إلا حدثًا من حوادث التجاهل المتعمد المتعددة، التي ميزت الممارسات الصهيونية ما يقارب مئة عام أو أكثر. وهدفي هو تبيين أن هذه الوقائع المتعددة، وإن كانت تختلف في طبيعتها، فهي تشترك في مرجعية واحدة، وأنها تشكل عوارض

حِس Sense معيّن يتجاوز وعي الناس. وأجادل بأن الصهيونية بوصفها ممارسة، وعلى نحو أكثر تحديدًا،

الصهيونية بوصفها ممارسة سيادية، منذ نشوء دولة إسرائيل، قد اعتادت الدمج بين الموارد الإقليمية المقتلعة Resources Deterritorialised الخاصة بفلسطين الانتدابية وبين موارد المجتمع الفلسطيني، والاستياء على الفائض من عمليات إعادة أقلمتها Reterritorialisations الاحتكارية، لصالح المستوطنين اليهود بطريقة حصرية. على المستوى السياسي، تظهر عمليات الإخضاع من خال بديهيات تستند إلى تقسيمات إثنية في الترتيبات الاجتماعية التي تنتج مزيجًا ممنهجًا من التمييز العنصري الحاد والموسع ضد المواطنين

العرب الفلسطينيين. وذلك يحدث بالتوازي مع منطق مكاني يستند إلى التقسيم الإثني الذي مكّن من

(1) Eugene Holland, Deleuze and Guattari’s Anti–Oedipus (London: Routledge, 1999), pp. 19–20.

(((لاطاع على خريطة للتمييز ضد السكان العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ينظر: تقارير سيكوي–أفق وهي المنظمة غير الحكومية العربية اليهودية التي تعمل من أجل المساواة في إسرائيل، في: https://bit.ly/3oOalkR؛ عن الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، يُنظر كذلك: تقارير مركز أدفا على موقعهم الإلكتروني، في: https://bit.ly/3oOjSIO؛ وأيضًا جمعية حقوق المواطن

في إسرائيل، في: https://bit.ly/3gKP0EE؛ والمركز العربي للتخطيط البديل، في: https://bit.ly/3JuTjQN؛ ومنظمة بمكوم، في: https://bit.ly/3LxtscD؛ ومركز المساواة: مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل، في: https://bit.ly/3JpRAfl، وهو مركز يقدم نقدًا لمختلف أشكال التمييز العنصري ضد المواطنين العرب.

صعود حوكمة إثنية إقصائية حاضرة في كل مناحي الحياة. والمجادلة هي أن هذه الوضعية الشرطية هي وضعية اشتقت من الكيفية الخاصة التي من خالها مفصلت البنية الصهيونيةُ الكينونةَ الفلسطينية

وغيّرتها، من خال تركيبات معيّنة لرغبة جمعية تنتج على نحو نشطٍ ممارسة الإخفاء المتصاعد للآخر.

وسأستعين بالمفهوم الاستعماري "الأرض الفارغة – Nullius Terra " لفحص هذا النمط من الأداء السياسي والاجتماعي. في مراجعتي لمفهوم الأرض الفارغة، أستعين بفهم جيل دولوز Deleuze Gilles (1995–1925)، وفيليكس غوتاري Guattari Félix (1992–1930)، للفلسفة بوصفها عملية خلق للمفاهيم التي تمكننا من استيعاب أفضل للعمليات في حيواتنا. وغايتي هي إعادة إنتاج هذا المفهوم وتحويله لتقديم منظور بديل لما يعد جوانب غير مدروسة بعدُ لهذا الصراع ما بعد الاستعماري. إن المعنى الأصلي لمفهوم "الأرض الفارغة"

مشتق من ترابطاته مع أسرة المفاهيم المتعلقة بالحدث الاستعماري الأوروبي، لكن تاريخه يتغير بظهور أشكال استعمارية تعمل بدورها على خلق صيرورات جديدة للمفهوم "الذي يعبر، إن لزم الأمر، ويتعرج من خال إشكاليات تظهر أو مستويات مختلفة". وفي سياق الدراسة الحالية، يجري ربط مفهوم الأرض الفارغة بمشكلة اختفاء الآخر أساسًا، وهي مفسرة هنا على أنها الإنتاج الاجتماعي المتواصل للإزاحة

والإحال في إطار شكل معيّن من الاستعمار الاستيطاني وهو الشكل الصهيوني. وقد طرأ تحول على

مفهوم الأرض الفارغة داخل هذا السياق الاستعماري؛ من كونه مفهومًا بوظيفة خطابية قانونية في تاريخ

النظرية الاستعمارية إلى آلة إنتاج اجتماعية. إن ما أسعى إليه هو تتبع النزعات الجينيالوجية للقوى الحاملة للصهيونية بوصف هذه القوى ظاهرة تاريخية اجتماعية وكذلك حدثًا جوهريًا. ليس الهدف تقديم تمثيل نظري آخر للصهيونية من خال نماذج كاليهودية

الديمقراطية، أو الإثنوقراطية، الديمقراطية الإثنية أو الدولة ثنائية القومية... إلخ، ولا النظر في أيديولوجيتها مقارنة بواقعها، بل هو تفكيك الحس، المسار أو "القوة الموجهة" لظاهرة الصهيونية كشكل معيّن من

السياسات الاستعمارية الحديثة. وبلغة دولوزية، يدلّ الحس على الحدث الاستعماري الصهيوني ويفسر الخطاب والفعل داخل الممارسة الصهيونية. وسيجادل بأن ذلك الحس للحدث الصهيوني يتمظهر ماديًا

وخطابيًا، في إطار عاقته بالكينونة الفلسطينية، في عمليات الأرض الفارغة بوصفها تجمعًا وترتيبًا صلبًا

للأشياء التي تنفذ حركتَي الاقتاع الإقليمي Deterritorialization، والتي تعني تحويل طبيعة الأشياء

(3) David Kretzmer, The Legal Status of the Arabs in Israel (Boulder: Westview Press, 1990); Ian Lustick, Arabs in the Jewish State – Israel’s Control of a National Minority (Austin: University of Texas Press, 1980); Uri Davis, Apartheid in Israel (London/ New York: Zed Books, 2003); Gershon Shafir, Land, Labour, and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict, 1882–1914 (Cambridge: Cambridge University Press, 1989); Yoav Peled & Gershon Shafir, Being Israeli: The Dynamics of Multiple Citizenship (Cambridge: Cambridge University Press, 2002); Oren Yiftachel, Ethnocracy (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006); Ghazi Falah, "Israeli ‘Judisation’ Policy in the Galilee," Journal of Palestinian Studies , vol. 20 no. 4 (Summer 2009), pp. 69–85. (4) Gilles Deleuze & Felix Guattari, What is Philosophy? Hugh Tomlinson & Graham Burchell (trans.) (New York: Columbia University Press, 1994). (5) Ibid., pp. 18, 79. (6) Paul Patton, Deleuze & the Political (London: Routledge, 2000), p. 45.

وعاقاتها الداخلية، وكذلك حركة إعادة الأقلمة Reterritorialization التي تميل إلى تثبيت عناصر الأشياء وترسيخها. تستمر العملية الاواعية والجمعية للرغبة الصهيونية الملموسة في آلات الأرض الفارغة المجردة، تستمر في الاستياء على بقعة أرض تاريخية متحضرة، وتجعلها موضعًا للإلغاء الثقافي والإنساني من أجل تحويلها إلى أرض متحضرة من نوع آخر. منهجيًا، تستند الصورة الجينيالوجية إلى الفحص التاريخي للكيفيات التي طبقت من خالها الممارسات الصهيونية وتشكلت في فترات زمنية مختلفة، بداية من موجات الهجرة اليهودية الأولى في نهايات القرن التاسع عشر، لمعرفة كيف شكّلت هذه الممارسات البنى التحتية والرغبات الجمعية التي لا تزال تشكل المجتمع اليهودي الإسرائيلي. ولفهم طبيعة الكيان الصهيوني وكيفيات تطوره كجماعة سياسية واجتماعية منفصلة عن المجتمع الفلسطيني والإدارة البريطانية الانتدابية، على التحقيق الذهاب أبعد من المجال التأويلي، إلى المجال الأدائي أو المجال الآلاتيMachinic، لوصف القوى البنائية التي نشرتها الصهيونية منذ ظهورها التاريخي الأول. يدرس هذا التوصيف القوى الآلاتية من خال تتبع عوارضي لما فعلته وما تفعله هذه الجماعة بعينها؛ كما يشرح إيان بوخانان Buchanan Ian، فهذه هي الخطوة المهمة العملية الأولى للتحليل الفصامي Shizoanalysis؛ أي "فهم سبب بناء عمليات إعادة الأقلمة Reterritorialisations في المقام الأول وبأي طريقة جرى ذلك"؛ لإدراك طبيعة الآلات الصهيونية الراغبة Zionist Desiring–Machines. وإلى حد ما، سيجري التدقيق في آثار التذويت وعملياته لفحص كيفية تمازج الرغبة بالممارسة الأخاقية لتكون ذهنية المستوطن النموذجي تجاه العربي الفلسطيني وتبنيها بوصفه آخر. وفي إطار النظر هذا، يموضع مفهوم الأرض الفارغة Nullius Terra في الإطار النظري للعاقات الصهيونية – الفلسطينية التاريخية. ستساعد فلسفة دولوز وغواتاري بشأن الرغبة، بوصفها "ماهية العاقة الاجتماعية المتحققة في الإنتاج الاجتماعي"، على تفسير عمل آلات الأرض الفارغة الصهيونية التي تعمل من الاوعي منتجة تمظهرات واقعية في الفضاء الاجتماعي. إن المنجز المهم لكل من دولوز وغواتاري هو تقديم سياسات وفلسفة تعترف ب "تداخل الرغبة في الداخل من كل العاقات السياسية والاجتماعية". فالرغبة، استنادًا إلى نموذج عمل دولوز وغواتاري للإنتاج الرغائبي، تستثمر في المجال الاجتماعي الذي فيه تنتشر قوانا البنائية والتغييرية. فالرغبة هي رسم الاوعي البياني، في حين أنّ الحقيقي هو المنتج النهائي وتجسد الرغبة، ولهذا

(7) Ian Buchanan, Deleuze and Guattari’s Anti–Oedipus (London: Continuum, 2008), p. 121. (8) Ibid.

(((أفضّل وصف الصراع بين الشعبين بالصراع "الصهيوني–الفلسطيني"، بدلً من الوصف المتعارف عليه: "الإسرائيلي–الفلسطيني "،

لأنني لا أفكر في الصراع كصراع بين الفلسطينيين وعموم الإسرائيليين بشكل كلي، ولكن بوصفه نتيجةً للفكر والممارسة التاريخية الصهيونية.

(10) Philip Goodchild, Deleuze & Guattari– An introduction to the Politics of Desire (London: Sage, 1996), p. 196. (11) Patton, p. 68.

السبب يكون الإنتاج الرغائبي إنتاجًا اجتماعيًا؛ ف "ليس ثمة غير الرغبة والاجتماعي، ولا شيء آخر ".

ف "الرغبة تنشئ أهدافًا، اهتمامات، غايات واحتياجات تبدو – في الوعي – كأنها هي تقود الرغبة، ولكن استسام الرغبة لأهداف مسبقة التصور سيجعلها رغبة تفاعلية، بدلً من أن تكون إنتاجية وخاقة". في منظور دولوز وغواتاري البنيوي، لا تعمل الآلات كرغبات رمزية، بل هي حقيقية: "وفي كل مكان آلات... آلات... تقود آلات أخرى، وآلات تقودها آلات أخرى، بكل الروابط الازمة والتوافق الضروري". إن أمثل طريقة لفهم التشكيل الجنيني للمجتمع الصهيوني في فلسطين يجري من خال فهم الروابط؛ الإنتاجات والعاقات المتعددة التي ظهر منها بناء فلسطين–الصهيونيّة. لذلك، من الضروري البحث حتى

عن جزء من الإجابة عن تشكّل الممارسات الصهيونية الجمعية السياسية تجاه الفلسطينيين، على مستوى أشغال الرغبة.

أولا: أنا فلسطين: أصبح أرضًا مشاعًا

يُعدّ مصطلح "الأرض الفارغة" مصطلحًا قانونيًّا استعماريًّا يصور أرضًا يسكنها أهلها على أنها أرضٌ غير

مسكونة رسميًا عند وصول المستعمرين. وعمومًا، خدم مذهب الأرض الفارغة الاستعمارَ الأوروبي

حول العالم، من خال تبرير الطرد القسري للسكان الأصانيين من أراضيهم، وكذلك تبرير تطبيق وسائل الاستغال، واحتال الأراضي، والاستياء على مواردها. أما المعنى الضيق، كما يشرحه بول باتون، فهو متعلّق بأن المصطلح يشير إلى مذهب قانوني ينتمي إلى قانون القرن الثامن عشر الدولي، وهو يعترف بالسيادة المفروضة على أي أرض بعد غزوها، أو التنازل عنها، أو استيطانها. لكن المستعمرين الأوروبيين عادة ما اعتبروا الأصانيين شعوبًا متخلفة، مدعين "أن السكان الأصانيين لم يتوطنوا أراضيهم على نحو

كافٍ، أو أنهم لم يحرثوا أراضيهم بالكيفية التي تجعلهم ماكها الشرعيين"، موسعين بذلك مجال تطبيق المذهب، وتمكين فرض القانون الإنكليزي، وادعاء السيادة على الأرض المستوطنة. وبذلك، اعتبر غياب المؤسسات الثابتة والممارسات الزراعية الغربية عن نمط حياة الشعوب الأصانية القبَلي في أميركا

الشمالية وأقيانوسيا مسوغًا لاستياء المادي على الأرض. في أستراليا، عام 1922، تراجعت المحكمة العليا الأسترالية جزئيًا عن عرف الأرض الفارغة الذي مارسه

((1(مع ذلك، من المهم ماحظة أن الإنتاج الاجتماعي يختلف عن الإنتاج الرغائبي في الكيفية فقط حيث يتم الإنتاج الاجتماعي

على المستوى الكلي بينما يتم الإنتاج الرغائبي على المستوى الجزيئي. وذلك اختافٌ في الوظيفة لا في النطاق، فالكلي يمكن أن يوجد في الفرد مثلما يمكن للجزيئي أن يوجد في الجماعة.

(13) Gilles Deleuze & Felix Guattari, Anti–Oedipus: Capitalism and Schizophrenia , Robert Hurley, Mark Seem & Helen R. Lane (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1983), pp. 9–28. (14) Holland, p. 101. (15) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 1. (16) Patton, p. 119. (17) Paul Patton, "Sovereignty, Law and Difference in Australia: After the Mabo Case," Alternatives , vol. 21, no. 2 (1996), pp. 149–170. (18) Patton, Deleuze , p. 120.

تاريخيًا المستوطنون البيض، في حكمها في قضية مابو Mabo Case الشهيرة، وهو ما أدى إلى اعتراف

نسبي بحقوق السكان الأصانيين الأبوريجينال Indigenous Australians في ملكية أراضيهم. ويرى المراقبون أن سياسات اقتاع إقليمية جديدة قد بدأت تظهر في الفضاء العام منذ قضية مابو، حيث ازدهرت سياسات جديدة للأقليات وبدأ نقاش عام بشأن الاستعمار والمصالحة في المجتمع الأسترالي. يوظف مفهوم الأرض الفارغة في هذه المقالة لتفسير الممارسات الصهيونية، لكنه يختلف عن التوظيف المتعارف عليه في الاستعمار الأوربي؛ إذ يجب التمييز، أولً، بين تطبيقات الأرض الفارغة خال المراحل الأولى من الاستعمار الصهيوني والمخططات المعاصرة. ولكن في كلتا الحالتين، على النقيض من الحالة الأسترالية، فإن الصراع القانوني في الحالة الصهيونية الفلسطينية لم يكن قط صراعًا بين الأرض الفارغة وعكسها الديالكتيكي؛ أي ادعاء وجود ملكية أصانية. ففي السياسات الصهيونية يباح الاستياء ونزع الملكية بحجج إثنية–قومية واضحة غير مرتبكة، والحقيقة أن مصطلح الأرض الفارغة في حد ذاته شبه غائب عن الخطاب الاستعماري ل "الآباء المؤسسين" للصهيونية، وذلك يشمل الشخصيات الرمزية الميدانية والأيديولوجية. وبدلً من ذلك، نجد مقولاتٍ تستدعي مقولات أخرى مماثلة عن فكرة الأرض الخالية من سكانها الأصانيين؛ وهي الفكرة التي أصبحت حجر الزاوية في الميثولوجيا الصهيونية، مثل: "إزهار الصحراء" (بالعبرية: Hafrahat hashmama)، و"غزو الأرض" (بالعبرية: kibosh ha ha’adama)، و"خاص الأرض" (بالعبرية: Ge’ulat hakarka). في الأسطورة الأولى، تحمل كلمة الصحراء معنى مزدوجًا؛ فهي الأرض الجدباء التي تفتقر إلى زراعة منهجية، وهي البرية الخالية من أي حضور ذي

جذور عميقة. وقد عُبِّر عن هذا المخيال بوضوح في كتابات القائد اليهودي يسرائيل زانغويل Israel

Zangwill (1926–1864)، الكاتب الإنكلو–يهودي والمتحدث الصهيوني، الذي اعترف عام 1920 بوجود الفلسطينيين، ولكن اعترافه لم يكن بوصفهم شعبًا. والواقع أن إحدى أشهر عباراته كانت أن المشروع

الصهيوني كان مشروع "عودة شعب ب  أرض، إلى أرض ب  شعب "، وكذلك قوله: "ليس هناك شعب عربي يعيش بانسجام حميمي مع الباد، يوظف مواردها ويطبعها بطابع مميز: بل في أفضل الأحوال هناك خيام عربية". أما في الأسطورتين الثانية والثالثة، فثمة باغة عدائية ترتبط بفكرة أن إعادة تأهيل الأرض، التي هي مقدسة ولكنها "مدنسة" بوجود الآخر، أمرٌ لا يمكن تحقيقه إلا من خال الغزو والتدمير. وبهذا

المعنى توظف الصهيونية المفاهيم الأسطورية، إضافة إلى التمثيات الثقافية والأجهزة التأديبية التي توجه حشد السكان؛ دعمًا لقضية مشروع تاريخي.

((1(مابو Mabo هو اسم شخص ينتمي إلى جزيرة موراي الأسترالية، واسمه الكامل إدوارد كويكي مابو Edward Koiki Mabo (1992–1936)، وتقع هذه الجزيرة في شمال أستراليا وقد رفع إدوارد مابو قضية ضد حكومة أسترالیا مطالبًا إياها بحق قبيلته في

ملكية الجزيرة التي يسكنها، وبعد النظر في الدعوى لمدة ناهزت 8 سنوات كاملة، حكمت المحكمة العليا لصالحه، وبأحقية كل القبائل التي كانت تسكن أستراليا قبل وصول الأوروبيين في استعادة الأرض أو المطالبة بتعويض.

(20) David Mercer, "Terra Nullius, Aboriginal Sovereignty and Land Rights in Australia," Political Geography , vol. 12, no. 4 (1993), pp. 299–318; Patton, "Sovereignty". (21) Baruch Kimmerling, Zionism and Territory (Berkeley: University of California, 1983), p. 9. (22) Nur Masalha, The Expulsion of the Palestinians – the Concept of Transfer in Zionist Political Thought, 1882–1948 (Washington: The Institute for Palestinians Studies, 1992), p. 6.

أما في المخططات المعاصرة، فيعتقد باحثون صهيونيون أن مصطلح الأرض الفارغة يمثل حلمًا هو

نتاج مخيال قومي، أو طريقة تفكير تستدعي على نحو أساسي "توقًا للتخلص من أولئك الذين لم يعرفوا بشكلٍ كليٍّ من قبل". وذلك يتجسد في القصة المعروفة عن دافيد بن غوريون David Ben–Gurion

(1973–1886)، رئيس وزراء إسرائيل الأول، الذي كان من عادته إغماض عينيه لدى مروره بالجليل شمالً في سنوات الدولة الأولى، ولمّا كان يسأله سائقه: لماذا كان يفعل ذلك؟ كان يجيبه بأنه لا يكاد يحتمل

مشهد القرى العربية على جانبي الطريق، وذلك كان موقفًا معتادًا من الرجل. نستطيع تخيله بعينين

مغمضتين، يتمتم ويصلي لواقع يفتح عينيه فيه يومًا ما، فيستمتع بمشهد الأرض وقد ابتلعت بأعجوبةٍ

تلك القرى العربية. لكنني سأقترح أن هذه الأمنية لم تكن توقًا أو حنينًا في قلبه، أو أملً في التخلص من الآخر، بل كان الأمر مجرد تجمع خام، مبني تاريخيًا، ومنتج للرغبة، كميكانيزم من شأنه التخفيف من

الآلام الأخاقية الجماعية. وفي هذا الإطار، يفهم جويس دالشايم Dalsheim Joyce الأرض الفارغة في الصهيونية، بوصفها بنية توضح كيف أنّ اليهود الإسرائيليين "يمثلون اليوم أنفسهم أمام أنفسهم"، وكيف أنهم "يعيدون نقش مخيال استيطاني"، بشأن الغياب المزعوم أو المشتهى للفلسطينيين؛ إنه تمثيل يمحي ويعيد بناء الماضي والذاكرة، ويتاءم في الآن ذاته والكيفية التي يفكر بها اليهود الإسرائيليون بأنفسهم كأمة ذات معايير أخاقية عالية. هنا يكون الإنكار وإبادة الذاكرة Memoricide ذات العاقة، من مكونات الممارسة الصهيونية للأرض الفارغة. وفعل إبادة الذاكرة هو عملية الإزاحة أو إحداث الاضطراب في عملية التذكر التي تحدث عند الحركة الأخيرة، أو الحيثية الأخيرة، من عملية تحقيق الماضي في الحاضر. وقد يكون مفيدًا تحليل إبادة الذاكرة الصهيونية من منظور علم النفس السياسي لجون إلستر الذي يوضح كيف أنّ أفعال خداع الذات الذهنية تُفضي إلى اعتقاد جمعي يتضمن محوًا للأشياء المزعجة التي تتعارض والكيفية

الخطابية التي ينفذ بها المشروع الصهيوني. وينطوي خداع الذات، بالنسبة إلى إلستر، على التزام مزدوج بالمعتقدات غير المتائمة أو المتناقضة؛ تلك التي يؤمن بها المرء، وتلك التي يعتقد أنها صحيحةٌ بالأدلة. ويفكك إلستر خداع الذات من خال عملية من أربع خطوات، هي: 1. التوصل إلى اعتقاد مثبت الصحة؛ 2. الاعتراف ببغضه؛ 3. قمعه فقط آنذاك.4 الإيمان باعتقاد آخر أقل بغضًا وأكثر قابلية للتحمل.

(23) Haim Yacobi, "From Urban Panopticism to Spatial Protest: Housing Policy, Segregation and Social Exclusion of the Palestinian Community in the City of Lydda–Lod," Conference Paper: Lincoln Institute of Land Policy (2001); Joyce Dalsheim, "Settler Nationalism, Collective Memories of Violence and the ‘Uncanny Other," Social Identities , vol. 10, no. 2 (2004), pp. 151–170; Julie Peteet, "Words as Interventions: Naming in the Palestine–Israel Conflict," Third World Quarterly , vol. 26, no. 1 (2005), pp. 153–172; Oren Yiftachel, "The Internal Frontier: Territorial Control and Ethnic Relations in Israel," Regional Studies , vol. 30, no. 5 (1996), pp. 493–508. (24) Dalsheim, p. 152. (25) Masalha, pp. xi–xii. (26) Dalsheim, pp. 154, 156. (27) Gilles Deleuze, Bergsonism , Hugh Tomlinson & Barbara Habberjam (trans.) (New York: Zone Books, 1991), pp. 70. (28) John Elster, Sour Grapes: Studies in the Subversion of Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), pp. 149–150. (29) Ibid., p. 152.

إن خداع الذات إشكالي؛ "إذ كيف يمكن أن ينسى المرء، عن عمد، ما يصدّقه حقًّا بطريقة ما؟ وكيف يمكن أن يصل المرء إلى حالة التصديق الإرادي لما يدرك افتقاره إلى الدلائل الكافية لتصديقه؟". لكن، كما يُظهِر إلستر، رغم أن فكرة خداع الذات قد تبدو غير متناسقة، فإن الظاهرة حاضرة في حياتنا اليومية.

يعرّف إلستر آلية تشويه الذاكرة، بشكل خاص، داخل الصهيونية، المرتبطة بمنتجات عملية الأرض الفارغة

ب "الإنتاج المشترك"، بقوله: "سأتمكن من اعتقاد شيء في النهاية، فقط، إن تمكنت أيضًا، بالتوازي مع فعل الاعتقاد، من نسيان مسار عملية الاعتقاد نفسها"؛ أي إنه بمجرد تحقق الاعتقاد، يتكشف الاوعي في الحاضر، يفسر – أي الاعتقاد – من خال إسناد واضح لما يبدو أنه عملية أشد غموضًا. ولكن التشويه يحدث، وفي النهاية يعتمد وجود الاعتقاد على محو عملية التشويه من الذاكرة، ويستتبع قرار النسيان جهدًا لمحو منتج معين من منتجات الاوعي. في الحالة الصهيونية، يكون الموضوع الكريه للذاكرة الجمعية الذي يستدعي محوًا هو التطهير العرقي عام 1948، وتسمح إبادة ذكرى النكبة هذه للصهيونيين بتجاوز

ما لا يطاق سياسيًا. وثمة مثالٌ آخر يوضح الفانتازيا الصهيونية وإنكار النكبة، ومرة أخرى أعود إلى

بن غوريون الذي سئل عن احتمالات السام مع الفلسطينيين في إحدى مقاباته الأخيرة مع التلفزيون الإسرائيلي عام 1972، وكان لا يزال منتشيًا بانتصار حرب عام 1967، وتمكن من مراوغة كل الأسئلة إلا عند

سؤاله عن الاجئين الفلسطينيين، فكانت إجابته: "هؤلاء الذين هربوا من الباد، من قال لهم أن يهربوا؟ [...] من أين أتى هؤلاء المليون ومئتا ألف لاجئ؟ هؤلاء لم يسبق لهم أن كانوا في أرضنا. هذا كله مجرد دجل". يضع بن غوريون الاجئين الفلسطينيين في خانتين متناقضتين في الآن ذاته؛ فمن جهة يقول إنهم هربوا من الباد لسبب يتعلق بهم، ومن جهة أخرى يتساءل: "من أين جاؤوا؟"، وإنهم "لم يكونوا قط في أرضنا". إن مسألة الطرد غائبةٌ كليًّا؛ ذلك أن المعادلة بالنسبة إلى بن غوريون هي معادلة بسيطة: هم لم يكونوا قط في

أرض معيّنة؛ ومن ثمّ فهم لم يطردوا من تلك الأرض المعيّنة. وذلك ما يدفع إلى العودة إلى السؤال: من

أين جاؤوا؟ ولماذا؟ فحقيقة أن بن غوريون يرى الأمر بأكمله "مجرد دجل"، تُعَدُّ مؤشرًا دالًّ على إنكاره

الخاص. وقد فكك الباحثون هذه التناقضات المستحيلة في كلمات بن غوريون من خال تطبيق مفهوم الأرض الفارغة للتعبير عن أداء مخيال "يتخيل إزالة السكان المحليين، غالبًا من دون قوة، ولكن هكذا،

بطريقة سحرية ما". ثمة ماحظتان مهمتان يجب التنبيه إليهما في سياق هذا التحليل؛ أولً، إن الرغبة في عدم وجود شيء تمنحه أيضًا حضورًا ذهنيًا بوصفه موضوعًا لموقف النفي، ذلك أن "الرغبة في عدم وجود الشيء، تضفي

(30) Ibid., p. 149. (31) Ibid., p. 150. (32) Deleuze, p. 71. (33) Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld Publications, 2006), pp. 225–240.

((3(في هذا السياق، يشير مصطلح النكبة إلى كارثة التطهير العرقي القومية خال حرب عام.1949–1984 ((3(ينظر: المقابلة في: wrUHjJ /3 ly. bit:// https (بالعبرية)

(36) Dalsheim, p. 153.

عليه صفة الوجود". بكلمات أخرى، إن محاولة إخفاء الاجئين وذاكرة التطهير العرقي لفلسطين، هي في حد ذاتها كافية لتأكيد وجود تلك الذاكرة؛ ذلك أن قرار النسيان، كما يوضح إلستر، "يتميز بمفارقة أنك كلما حاولت فرضه بشكلٍ أكبر، قلَّ احتمالُ تحققه". وبذلك يساعد فعل إبادة الذاكرة على الإبقاء على المظلومية التاريخية حاضرة في الأجندة السياسية؛ فالنفي الداخلي لحالة معينة من الفكر، المعرفة، الوعي أو واقع معين، لا يعني نفي تلك الحالة على المستوى الخارجي، بسبب مبدأ الواقع. فالدلائل على طرد الفلسطينيين من أرضهم في مختلف الحقب، وحرمانهم الواضح من حقوقهم، مصالحهم وحاجاتهم، كانت دائمًا حاضرةً [في الواقع]. إن الاضطهاد المتبوع بالقمع ليس نتاج فعل مجموعة صغيرة سرية من الأفراد، بل

هو سياسة رسمية للدولة تدعمها وتطبقها الغالبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين. وبغض النظر عن الجهد المبذول لمحو مكونات فعل إبادة الذاكرة من الذاكرة الجمعية الإسرائيلية ومن الأجندة السياسية، فإنها تستمر في التراكم كسجات في الحاضر. ثانيًا، إن الفاعل الذي ينفي يعتمد على موضوع النفي في تحديد

ماهيته: فالآخر يشكل عنصرًا مؤسسًا وحيويًا في تشكل الهوية الفعلية للأنا. وبناءً عليه، فإنّ "من لا يصدق

قد يكون الشخص الوحيد الذي يبقي على الاعتقاد حيًّا، وربما يكون في صراعه ضد ماضيه لا يفعل غير

تأكيد هويته مع مرور الوقت". وهذه الفكرة تحديدًا صادمة في سياق هذا النقاش، بالنظر إلى أن الذات الصهيونية شكّلت من خال عملية العنف التي هي في حد ذاتها تشكّل موضوعًا لفعل الإنكار. أخيرًا، تتبنى الذهنية الصهيونية خداع الذات على نحو رئيس للتعامل مع "الضغط الشعوري" الناتج

من عجز الصهيونيين عن التوفيق بين التهجير التاريخي؛ الطرد والاضطهاد المتبوع بالقمع للفلسطينيين، والخطابات التحررية التي تروجها الصهيونية. ذلك يستتبع رفضًا واعيًا للإدراك البغيض لما ارتُكِب ولا يزال

يرتكب، وتبنيًا لاعتقاد آخر أقدر على التوفيق بين الخطاب والممارسة. ولآلية خداع الذات منافعُ سياسية

واجتماعية وثقافية بالنسبة إلى الذين يتبنون معتقدًا استنادًا إليها؛ أهمّها تمكين إسرائيل من اكتساب الراحة

الأخاقية الذاتية والتسويق لحسها الأخاقي لمواطنيها وللخارج. إلا أنه، على العكس من مقترح إلستر، من الضروري الانتباه إلى أنّ هذه المصالح وحدها لا تفسر تلك المنافع وخداع الذات في حد ذاته، بل هي الرغبة التي تشكل الذات الإسرائيلية التي تنتج الواقع، تلك الرغبة هي التي تطلب الراحة الأخاقية. فالإنتاج الاواعي للغياب الفلسطيني المستثمَر فيه من قِبَل الرغبة، تتولد منه حاجةٌ إلى آلية سيكولوجية

كالأرض الفارغة التي من شأنها جعل الخطأ يبدو صوابًا. مع ذلك، تُظهِر التحولات الجارية في الثقافة السياسية للصراع أنّ تحولً قد طرأ على ذهنية الرأي العام الإسرائيلي اليهودي مؤخرًا، وهو متمثل في الانتقال من الإنكار إلى الوقاحة الصريحة؛ إذ لم تعد الشهية

الصهيونية للتطهير العرقي مقموعة كما كانت من قبلُ؛ وذلك ما يمكن عدُّه الأثرَ الجانبيَّ الإيجابيَّ الوحيدَ

لحالة الإنكار. ويَظهَر ذلك بجاءٍ فيما يتعلق ب "المشكلة الديموغرافية"؛ أي الخطاب العنصري الذي يعبر

(37) Elster, p. 49. (38) Ibid., p. 149. (39) Ibid., p. 50. (40) Ibid., pp. 156–157.

عن الخوف الإسرائيلي من فقدان السيطرة الديموغرافية، وهو الخوف، كما يوضح إيان بابيه Pappé Ilan، الموجود لدى كل حزب سياسي في البرلمان الإسرائيلي، وكذلك لدى المجموعات اليسارية خارج البرلمان التي تروّج مبادرات السام. وعاوةً على ذلك، "يبدو الآن أن جميع صحافيِّي التيار السائد؛ أكاديمييه

وسياسييه في إسرائيل، قد حرروا أنفسهم من موانعهم [الخطابية] السابقة [...] ولم يعد أحدٌ يشعر بالحاجة، على مستوى المشهد المحلي، إلى توضيح المستهدفين أو المتأثرين ب الخطاب الديموغرافي". وتكمن المفارقة في إنتاج هذا الخطاب العنصري آثارًا معاكسة لآلية الأرض الفارغة السيكولوجية؛ لأن شعبيته

الواسعة تساعد على نزع القناع عن الشهية المادية التاريخية للآلة الاستعمارية الصهيونية. عمومًا، تهمل التفسيرات التمثيلية لمصطلح الأرض الفارغة حيثيات مهمة قد تساعد في فهمنا للبنية

الصهيونية الفلسطينية. وليس الأمر أن مفهوم الأرض الفارغة يفتقر إلى سمة تخييلية تتيح تقديم تفسيرات وشروحٍ لما بعد الممارسات الصهيونية، بل إن السمة التخييلية نفسها لا تقترب من إمكانية استنفاد الإمكانات الكامنة في مفهوم الأرض الفارغة في سياق الممارسة الصهيونية. نحن لا نبحث عن تفسير ما ورائي للصراع، ولا عن اختزال يبسط أسبابه ويفسر استمراريته. إن مفهوم الأرض الفارغة، بعيدًا عن التمثيات الأيديولوجية للواقع، مائمٌ لشرح نوع معين من الإنتاج التاريخي لقوى لبيدية تعتنق تطبيقات

ملموسة للإلغاء والطرد الثقافي والبشري. وفي الواقع، يُفهم مفهوم الأرض الفارغة هنا على أنه تطور

لمستوى من القوى الإنتاجية المتأصلة إلى رغبة جمعية تعيد تعريف العاقة بالأرض. إن مفهوم الأرض الفارغة كما نراه ليس أداة شرح ثابتة بأثر رجعي للوقائع، بل رغبةٌ افتراضية نشطة سابقةٌ للوقائع. إنه لا يمثل حالة عامة بقدر ما يمكن من خلقها. فالجموع الصهيونية ليست مخدوعة أيديولوجيًا من قيادة سياسية أو

بوساطة تاريخ من التصويت للتهجير الإثني للآخر، بل هي التي تخدع نفسها بما يتعلق بمنتجات رغبتها الخاصة، بوجودها وبتطبيقاتها على هيئة فرض لمبدأ الأرض الفارغة المتأصل داخلها على فلسطين.

ثانيًا: البنى الاستعمارية

قد تَظهر مشكلة التصادم الثقافي في عدة أنماط، أو مظاهر، تراوح بين "الهيمنة المطلقة على مدار عدد من المراحل الوسيطة إلى أشكال حميدة، أو تمكينية، من عاقات الذات بالآخر". ويشكّل الاستعمار أحد حلول مسألة التصادم، أو كما يصف باتون – بمصطلحات دولوزية أدقَّ – يحل التصادم المتكرر بين الأمم الأوروبية والسكان الأصانيين من خال نمط معتاد من "أشكال الاستياء السياسي والقانوني المختلفة". وبوصف الاستعمار حلًّ للمشكلة الناشئة عن التصادم، يفكر باتون فيه كحدث نقيّ، كوجود لا يمكن

تعيينه زمكانيًا ولا يمكن اختزاله في تمظهراته المادية المتنوعة بتنوع الظروف الاستعمارية المختلفة. إلا أنه

من الممكن ربط شكل معين من الاستعمار، كالصهيونية، بنماذج أخرى من خال نسق واحد مشترك،

(41) Pappé, p. 251. (42) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , pp. 29, 257. (43) Fred Dallmayr, Beyond Orientalism (New York: State University of New York Press, 1996), p. 3. (44) Paul Patton, "The world Seen from within: Deleuze and the Philosophy of Events," Theory and Event , vol. 1, no. 1 (1997), p. 4.

يمكن أن يُستخرج به عرض، أو منطق، للحدث النقي يسمح بتفسيره وإدراكه في التجربة المعيشة.

ويشتق هذا العرض من العاقات المتأصلة التي تؤلف التشكيل الاجتماعي. إن ظاهرة الاستعمار هي حدثٌ نقيّ من هذا النوع، بحيث تتمكن تدفقاتها المختلفة من الطاقة والمادة، على مستويات متعددة من

التحققات المكانية والزمانية، من الوصول إلى مستوى من التناسق والمنطق يمكّنها من فرض نظام دخيل على الفوضى الافتراضية؛ إذ يفكر المستعمر – في الحالة الاستعمارية – في مسألة التصادم من وجهة نظر الجوازية الكونية الممنوحة ذاتيًا، التي تمنحه بدورها امتيازًا مطلقًا للتصرف وفقًا لتقديره في جزء معين

من العالم. وسلطة تبرئة الذات غير المشروطة هذه هي ما يحفز على الارتحال إلى ما وراء التصادم وتفسير تبعاته بأثر رجعي. وقد كانت تَدعم هذه المكانةَ التمييزية مدعومة عمومًا، في التاريخ الأوروبي أيديولوجيةُ

التفوق العرقي الثقافي. أما في التاريخ الصهيوني فقد كانت مصحوبةً بقومية خاصية. لم يعرف المجتمع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري نفسه، منذ بداياته، على أنه شكل كاسيكي من الاستعمار الحضاري الذي يشرع في رحلة استكشافية لمناطق نائية واستراتيجية من العالم، ليثبت فيها بنية رأسمالية تحتية تعتمد على استغال العمالة المحلية، و"تعامل الأصانيين كتجمع كبير للعمالة الرخيصة"، بل جاء ظهور الدافع الاستعماري للصهيونية بوصفه ردًّا محددًا على "المسألة اليهودية"؛ إذ لم يسبق لفلسطين أن كانت جاذبة للمهاجرين كما كانت أميركا الشمالية مثلً، ولم تكن "العمالة الرخيصة" حاضرةً كفرصة لاستغال، بل مثلت إشكالً قيديًّا كان مقدرًا له التحول إلى أشكال جديدة.

ثمّ إنّ المستعمرين في فلسطين لم يصطدموا ببدو رُحّل، بل بمجتمع زراعي مستقر من الفاحين، ولم

يكونوا محصنين داخل ثكنات عسكرية كما كان الأوروبيون في أجزاء أخرى من العالم. وعلى النقيض من مجانية الأراضي التي تصورها الأوروبيون في أوقيانوسيا، وأميركا وأفريقيا، كان على المستوطنين المهاجرين اليهود الانخراط في صراع مع سوق حديث للأراضي يستند إلى ملكية الأرض التقليدية.

(45) Ibid., p. 1. (46) Gilles Deleuze, Difference and Repetition , Paul Patton (trans.) (New York: Columbia University Press, 1994), p. 156. (47) Barbara J. Smith, The Roots of Separatism in Palestine (London: Tauris, 1993), p. 735. (48) Shafir. (49) Kimmerling, p. 31.

((5(كان ثمة نمطان رئيسيان لحيازة الأرض في فلسطين: الأول الذي كان سائدًا حتى نهاية القرن التاسع عشر يتمثل في خضوع

معظم الأراضي لملكية جماعية في القرى تسمى "المشاع"، وهو ما مكن المجتمعات الفلسطينية من منع دخول أراضيهم إلى السوق. وأدى تراجع هذا الشكل من الملكية المشتركة خال الثاثينيات إلى تحويل معظم أراضي المشاع إلى ملكية خاصة يمكن بيعها للمستوطنين اليهود، يُنظر: Kimmerling, p. 32. وكان النمط الرئيسي الآخر يتمثل في الملكيات الخاصة لعقارات كبيرة من

قبل سكان المدن بشكل رئيسي: فكانت الأرض جزئيًا تجري زراعتها من الماك مع عمال مستأجرين، وأيضًا تؤجر للمستأجرين والمزارعين الذين كانوا المالكين السابقين وظلوا مرتبطين بالأرض لأسباب عملية وعاطفية. كان هذا النوع من الأراضي من بين أكثر الأنواع مرونة، وكان استعداد المالكين لبيعها يعتمد على سعرها في السوق. كانت ثمة أنواع أخرى من ملكية الأراضي مثل أراضي الوقف التي كانت، بمصطلحات السوق، من أكثر أنواع الملكية دوامًا؛ حيث كانت الأراضي تعتبر مقدسة من المسلمين وتتكون من المساجد، والمدارس، والجمعيات الخيرية والمؤسسات البيروقراطية الإسامية. إضافةً إلى نوع آخر يسمى بأراضي "الميري"، التي كانت مملوكة بحكم القانون من الحكومة، ولكن عمليًّا كانت مملوكة من المزارعين والسكان مادامت كانت تظل مزروعة. لاطاع على تصنيف كامل لحيازة الأراضي في فترة ما قبل الصهيونية في فلسطين، ينظر:

Kimmerling, pp. 6–34; Smith, pp. 90–94.

ويشكّل التعامل مع الثقافة الأصانية سمة الاختاف الأساسية ما بين الاستعمار الصهيوني والاستعمار الأوروبي الكاسيكي، ف "بدلً من محاولة تطعيمها ببنية فوقية استعمارية تمكّن من الوصول إلى السيطرة غير المباشرة، وتجميد الثقافة الأصانية عن طريق تحويلها إلى موضوع للتحليل الأكاديمي مع فرض شكل جديد من الثقافة الإمبريالية"، عملت الصهيونية على نحو رئيس على استنزاف تدريجي لكل موجودات الأرض الثقافية والبشرية وتعبئتها بأخرى جديدة؛ وهو ما يمكن تعريفه بأنه عملية إزاحة

. Displacement–replacement وإحال اصطناعية

صور المشروع الصهيوني على نحو واسع كبنية استعمارية متطورة نسجها مجتمع استيطاني قومي يهودي في فلسطين ما بين عامي 1882 و 1903، مع وصول موجة المهاجرين اليهود الأولى. وكان لموجات الهجرة اليهودية التي اجتاحت فلسطين في بداية القرن العشرين دور حاسم في تأسيس صيرورة المستعمرة. وقد شرعت قيادة الييشوف اليهودي الصهيونية منذ العقد الثالث، في إنشاء "مؤسسة الحدود وتكوين بيئة داخلية"، مفعلةً آلةً دولانية State–Machine قبل وقت طويل من إنشاء دولة إسرائيل بصفة رسمية عام 1948. "دولة داخل دولة"، ذلك هو الوصف الأدق لتطور المشروع الصهيوني في فلسطين، على الأقل منذ نهاية ثاثينيات القرن الماضي، وذلك يشمل "التنظيم العسكري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي والمؤسسات المالية المنفصلة عن تلك الخاصة بالسكان الأصانيين وكذلك عن إدارة الانتداب البريطاني". يضاف إلى ذلك شروع المؤسسات الصهيونية في تأجير الأراضي

(51) Robert Young, Colonial Desire (London/ New York: Routledge, 1995), p. 174.

((5(في حين أن معظم أشكال الاستعمار الغربي نشأت من مركز وانتشرت فيما يشبه الموجات على مناطق وثقافات الأرض. يُنظر:

Young, p. 171. إلا أن انتشار هذه الموجات في فلسطين العثمانية كان من المهاجرين المحليين ومن دون مركز تحكم خارجي يقع ما وراء البحار. ((5(لاطاع على قائمة قراءات نقدية لتطور الصهيونية في فلسطين، ينظر في تشكيلها الاستعماري المراجع الآتية:

Peled & Shafir; Smith; Kimmerling.

وعن أحداث النكبة وحرب 1949–1948، يُنظر:

Pappe; Walid Khalidi, All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948 (Washington: Institute of Palestinian Studies, 1992); Masalha.

((5("وقع العبء الأكبر في إنشاء إسرائيل على عاتق شريحة صغيرة من العمال الزراعيين اليهود المنظمين من أوروبا الشرقية، والذين وصلوا إلى فلسطين في الهجرة الثانية عامي 1904 و 1914. فقد أسس قادتهم [...] وورثتهم السياسيون من الهجرة الثالثة

1923–1918 شكلً محددًا لمجتمع إسرائيلي في طور النشوء"، يُنظر: Shafir, p. 1؛ تعني ال  Aliyah (الهجرة بالعبرية) حرفيًا:

"الارتقاء"، لأن الهجرة إلى "إيرتس إسرائيل" (أرض إسرائيل) بالنسبة إلى الصهيونية، هي فعل ترق أخاقي وأيديولوجي يختلف كليًا

عن الهجرة إلى أي دولة أخرى. ويعرف الصهاينة هجرة اليهود الإسرائيليين من إسرائيل على أنها "يريدا Yeridah "؛ أي فعل من أفعال الخيانة الدالة على الانحدار والانحطاط الأخاقي. ((5(من ناحية، كان ثمة تركيز مستمر لوجود يهودي مهاجر، واعتداءات من قبله، مصحوبًا بتعزيز لا هوادة فيه للسيطرة على الموارد

الطبيعية للباد. ومن ناحية أخرى، كان ثمة التهميش، والتشتيت، والإضعاف، والمحاصرة للفلسطينيين الأصانيين الذين كانوا يشكلون حتى عام 1948 الغالبية العظمى من السكان: ينظر: Khalidi. ((5(استخدم اسم "الييشوف" في العبرية لوصف الكيان اليهودي الجمعي الناشئ في فلسطين، ويعني "المستوطنة" أو "المكان المأهول."

(57) Patton, Deleuze , p. 990. (58) Smith, p. 3.

التي اشترتها، لمستوطنين من اليهود برفقة حوافز مميزة "مماثلة لتلك الحوافز [...] التي كانت تمنحها الحكومات الاستعمارية في شكل أراض مجانية، أو رخيصة جدًّا، للمستوطنين الأوروبيين". وكذلك كان الترحيل القسري للمزارعين العرب المستأجرين من أراضيهم بعد بيعها "مشابهًا نوعيًا، رغم أن عمليات

الترحيل الصهيونية كانت أقل، لتبعات 'مخططات نقل ملكية الأراضي' من الأصانيين الذين فقدوا حقوق الرعي وممتلكات قروية أخرى في المستعمرات الاستيطانية". يؤكد باتون أن حدث الاستعمار يتضمن "شكلً معينًا من أشكال الاستياء على كل من الأرض أو السطح

الجغرافي وكذلك البشر أو نشاطهم الإنتاجي"، لكن الاستعمار الصهيوني كان أكثر تعقيدًا من ذلك؛ لأن النشاط الحر على سطح الأرض لم يتحول ببساطة إلى أرض وعمل. فقد كان النظام الإقطاعي العثماني الصارم الذي ميز الحكم العثماني قد بدأ بالانهيار خال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مفسحًا بذلك الطريق لنمو بنية تحتية للرأسمالية، بدلً من النظام الإقطاعي الصارم. وإبان وصول موجة

الهجرة الصهيونية الأولى، كانت فلسطين تتألف أساسًا من مجتمع زراعي قائم على نظام شبه إقطاعي

للأرض والعمل، مع انعدام وجود أراض غير مملوكة، فكان الاستئجار والحيازة المشتركة هما الوسيلتين المتاحتين لاستياء على الأرض. ولم تكن فلسطين أرضًا متجانسة للبدو الرحل بحلول الوقت الذي بدأت فيه الصهيونية تنشر آلاتها، ولم يكن المجتمع الفلسطيني أيضًا متألفًا من "النشاط الحر والخاء الأجرد المعدوم القيمة"، وهي تلك الصورة التي وفقًا لباتون، كانت قد مكنت المستعمرين من تجاهل نشاط الأصانيين في أراضيهم المحتلة وعدم اعتبار عملهم في الأرض عملً يشرعن حقوقهم في الأرض، أو "على الأقل ذاك النوع من العمل الذي يمنحهم حقوقًا على الأرض". ولكن لم يكن ثمة "أرضٌ مقابل المال" حتى بدايات الانتداب البريطاني في فلسطين؛ ولذلك لم تكن المواجهة بين المستوطنين اليهود المهاجرين وبين الأصانيين الفلسطينيين تتعلق بالاستياء على أرض يشيع فيها "النشاط الحر". وبدلً من ذلك، اجترحت الظاهرة الصهيونية سلسلة استغال جديدة للأرض نفسها؛ فالأرض ظلت كما هي، والعمل ظل مربحًا، ولكن كان ذلك مع وجود منظومةِ تحكُّمٍ جديدة تتألف من ثاثة عناصر أساسية؛ هي

العمل، والأرض، والناس.

(59) Jacob Metzer, The Divided Economy of Mandatroy Palestine (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 202. (60) Ibid. (61) Patton, Deleuze , p. 122. (62) Areil Ben–Porath, "They didn’t Lay on the Fence," Yunim be Tkumat Israel , no. 4 (1995), pp. 278–298.

[بالعبرية] 6(((اكتسب الاقتصاد الفلسطيني بشكل تدريجي صفات رأسمالية خال خمسين عامًا من الهجرة اليهودية إلى فلسطين وصولً

إلى عشرينيات القرن الماضي؛ مثل آليات تحقيق الربح (من العمل) والضرائب، التوسع الزراعي الملحوظ (من دون تحديث)، والاندماجٌ الجزئي مع السوق العالمية من خال الصادرات (القمح والبرتقال بشكل رئيس)، وتحقيق فائض للصادرات على حساب

الواردات، ينظر: Shafir, pp. 29–30.

(64) Gilles Deleuze & Felix Guattari, A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia , Brian Massumi (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987), p. 491. (65) Patton, Deleuze , p. 123.

من الصعب استيضاح العمليات التاريخية الاستعمارية من خال النظر إلى الآثار التي نتجت من مثل تلك الصات فقط؛ "مثلما لا نستطيع معرفة من زرع القمح بمجرد تذوقه، فالمنتج لا يعطينا أي تلميح عن نظام الإنتاج وعاقاته". ومنذ أن كان إنتاج ما هو واقعي يعتمد على عملية الإنتاج، كانت هناك حاجة إلى بحث جينيالوجي عرضي؛ ما يعني تتبع الانتظام المتطور للتدفقات والصات بين الأجسام والعناصر الناتجة من عمليات الرغبة، وتحوُّلها إلى روابط تصل إلى مراحل مستقرة نسبيًّا مع مرور الوقت تمكّنها من

تكوين عاقات وذوات ومناطق واستهاكات. ويجب أن نسأل: ما الآلات الراغبة التي تعمل وتنتج وتحفز تكتات كلية داخل حقل البنية الفلسطينية الصهيونية، والتي ينشأ عنها تحقق الماضي (في الحاضر) من خال تدفقات معينة من العنف؟ يقدم برغسون إجابة أنطولوجية للجانب النظري من هذا السؤال من خال ما يسميه "الانتباه إلى الحياة" الذي يشير إلى عملية "الانتفاع من الماضي من خال تمثاته في الحاضر". إن هذه الظهورات حساسة تجاه ما هو واقعي؛ ذلك "أن الرغبة دائمًا تظل على اتصال وثيق بشروط الوجود

الموضوعي؛ إذ تعتنقها وتتبعها، وتتحول عند تحولها ولا تبقى بعد زوالها". وذلك الاتصال التحويلي والديناميكي يحدث بين الكيانات الكلية أو المرئية، أي الواقعية، وبين الكيانات غير المرئية أو الجزيئية، أي الآلات الراغبة، وهو الاتصال الذي يعمل على هندستها. هكذا تساعد الجينيالوجيا على تتبع تطور الواقعي من خال الرغبة، وبسبب ذلك التتبع، يمكن أن ندرك طبيعة الآلات الصهيونية الراغبة التي ظهرت مع مرور الوقت وغيرت مفاعيلها الواقع الفلسطيني. في الواقع، إن تلك هي مهمة التحليل الفصامي، "أي البرهنة على وجود استثمار لبيدي لاواعٍ للإنتاج الاجتماعي التاريخي، يختلف عن الاستثمارات الواعية التي تتعايش مع وجوده". ربما يكون وضع البعد الأيديولوجي في منظور الدراسة نقطة بداية جيدة للتحليل الفصامي للصهيونية، وهنا يكون مهمًّا العودة إلى انتقاد شافير للنظريات الغائية التي تبالغ في تقدير الأيديولوجيا. بالنسبة إليه، فإن كلًّ

من المنظرين الصهيونيين التقليديين ونوع معين من نقاد الصهيونية، مثل إدوارد سعيد (2003–1935)، قد أفرطوا في التركيز على غايات الصهيونية الأولية، وهو ما أدى إلى "إسقاط الأحداث الواقعية من التاريخ، واستبدالها ب 'منطق صارم' لا يعترف إلا بمسار تطوري خطي يبدأ بالافتراضات المسبقة ويقود إلى غايات التاريخ الصهيوني". ولكن، من وجهة نظر نيوماركسية، يفسر بن بوراث Areil Ben–Porath، المشروع الصهيوني بأنه تعويل على "مملكة من الفرص". فالتفسيرات لا تكمن في أيديولوجيا المستوطنين ولا في أيديولوجيا المؤرخين، بل يجب أن تنطلق من تعامل المستوطنين المحسوس على الأرض، ومع القيود التي كانت مفروضةً على الأرض. وفقًا لبن بوراث، من الصحيح أن الصهيونية قد صنفت في إطار

(66) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 24. (67) Deleuze, Bergsonism , p. 70. (68) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 27. (69) Buchanan, p. 91. (70) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 83. (71) Shafir, p. 212. (72) Ben–Porath.

الأفكار والغايات السياسية على أنها مشروع استيطاني، ولكن مفاعيل تلك الأفكار والغايات كان محدودًا

ومقيدًا بالظروف التاريخية، في حين أن توقيت الصهيونية هو ما ميزها على نحو خاص؛ فبدءُ تحوُّلِ

الإقطاعية الفلسطينية إلى رأسمالية، أنتج ظروفًا اقتصادية سمحت للمشروع الصهيوني الاستيطاني بالتطور نتيجةً لظهور سوق أراض، ما كان وجودُه ليكون ممكنًا من دون ذلك التحول الاقتصادي. ولا تشكل الأيديولوجيا البنى الاجتماعية، بل هي تنتج من خال الرغبة، و"يتطلب الأمر رغبة – أو تلك الصات التي تعمل على تحسين الحياة – من أجل إنتاج المصالح، والأشكال المشفرة، المنظمة، والجمعية للرغبة". فمن خال تأكيدهم المفرط على "المفاعيل الواقعية للبعد الإرادي للأفكار في خلق المخرجات"، بالغ المؤرخون في التركيز على نيّات المستوطنين المهاجرين اليهود، متجاهلين القيود المادية المفروضة على

البنية التحتية، ومعظمين من شأن القوى الصهيونية المجردة بغض النظر عن الاستثمارات الحقيقية، إلى حدّ تصويرها على أنها "قادرة على فعل ما تشاء". لهذا السبب، وبدلً من تأكيد افتراض مسبق مفاده أنّ نفي الفلسطينيين هو غاية صهيونية متعالية ومحركة، فإن تحويل مفهوم "الأرض الفارغة" من المستوى الخطابي إلى المستوى اللبيدي، يضاعف من أهمية الآلات الراغبة التي تنتج حقائق اجتماعية تاريخية معينة، والتي تستهلكنا كعناصر جزئية؛ كذوات عرقية ثابتة ومنفصلة في البنية الفلسطينية الصهيونية. فهذه الآلات تنشئ نوعًا معينًا من الروابط والاستهاكات الصلبة للأجساد والأشياء، كما تنتج صورةً تثير اهتمامنا للواقع الصهيوني، وتمكننا من فهم الكيفية التي شكلت بها الصهيونية عمومياتها تاريخيًا من استثمارات

سياسية فردية. وتلك هي، كما يشرح بوكانان، ذروة استراتيجية دولوز وغواتاري في التحليل الاجتماعي السياسي: "فهما يرفضان الممارسات السياسية غير الدقيقة المبنية على مفهوم الأيديولوجيا، ويبدلانها بتوليفة ثاثية تتألف من الاتصال Connection، والانفصال Disjunction، والاقتران Conjunction، باعتبارها وسائل أكثر كفاءة من غيرها". إن آلات الأرض الفارغة الراغبة حقيقيةٌ بقدر حقيقية منتجاتها، وهي تشمل منطق الفصل، التطهير العرقي المستمر، الأجهزة العسكرية والقانونية التي تطبق سياسة مراكمة الأراضي القومية، والفصل العنصري وغيرها من السياسات. فرضية غيرشون شافير Shaifr Gershon الأساسية هي أن الاستيطان اليهودي في فلسطين تطور على نحو خاص كاستجابة لصراعات في سوق العمل، وقد بدأ الصراع في المستعمرات الزراعية الصغيرة، خصوصًا، عند وصول موجة المهاجرين الأولى؛ ما فرض على ماك الأراضي الاختيار بين توظيف العمال

الفلسطينيين من المناطق المجاورة للمستوطنات اليهودية، أو توظيف المهاجرين اليهود العاطلين عن العمل الذين وصلوا خال موجة الهجرة الأولى: "وقد وقع الاختيار على المزارعين الفلسطينيين لكونهم

(73) Ibid., p. 287.

((7(تفسر الظروف الإقطاعية التي استقبلت المهاجرين اليهود تفضيلهم للزراعة والأرض على الصناعة، كأساس أولي للمجتمع الجديد، عوضًا عن مفاهيم رومانسية ميزت الخطاب الصهيونية مثل "العودة إلى الأرض"، ينظر: Ibid., p. 294.

(75) Claire Colebrook, Gilles Deleuze (London: Routledge, 2002), p. 91. (76) Shafir, Land , labour , p. 213. (77) Colebrook, p. 93. (78) Buchanan, p. 72.

الأرخص والأكثر مهارة". هذا التوجه تعرض لانتقادات شديدة من عمال موجة الهجرة اليهودية الثانية الذين "طالبوا بإعادة النظر في سياسة تفضيل العمال العرب"، ورغم اضطرارهم في النهاية إلى إعادة صياغة مطالبهم، وحتى مع استراتيجية تخفيض أجورهم، فشلت جهودهم بشأن التساوي مع العمال العرب. وبما أن المهاجرين لم يمتلكوا أراضيهم الخاصة لاستيطانها، وفشلوا في خلق الظروف المناسبة لتأمين العمالة اليهودية في سوق العمل، فقد وجب أن يلجؤوا إلى استراتيجية بديلة صممت لاحتكار سوق العمل تحت شعار "غزو العمل" (بالعبرية avodah ’ ha Kibush). ويفسر شافير هذا المصطلح في ثاثة مستويات: الأول، غزو الذات، أي الانقاب على البنية الوظيفية ليهود أوروبا من أجل اكتساب عادات العمل الزراعي؛ أمّا الثاني، فهو الصراع الطبقي بين المزارعين وماك الأراضي على شروط العمل؛ وأمّا

الثالث، فهو الصراع من أجل الإقصاء الذي عنى الغزو الإثني للعمل من خال إزاحة العمال العرب من سوق العمل. وعلى الرغم من أن الصراع في سوق العمل كان في الأساس صراعًا بين العمال وأرباب العمل اليهود وحول الأجور، فإنه تحول إلى الاشتغال بتحويل العمال الفلسطينيين إلى هدف إثنو–قومي لصراع العمال اليهود، "حتى إن لم تكن الاختافات القومية هي الأسباب المؤسسة لصراعهم". عند هذه النقطة كان دافع "الإزاحة" قد بدأ في الظهور، وسريعًا ما حازت هذه الاستراتيجية دعمًا من المنظمة

الصهيونية العالمية، وجرى تبنّيها سياسيًّا على أنها "شرطٌ ضروري لتحويل الصهيونية إلى واقع".

وقد أضفى هذا التغيير الجزئي طابعًا إثنيًا قوميًا جديدًا على الصراع بين المجتمعين. ففي البداية كانت

الإعانات هي المصدر الوحيد للإنفاق على استراتيجية الإزاحة، من خال الدعم اليهودي الخارجي، ولاحقًا من خال احتكار المهارات لكسب الديمومة اليهودية في المزيد من مناطق العمل الزراعي. وفي هذه الاستراتيجية الإقصائية المتمثلة في الإزاحة التراكمية على يد كيانات عنصرية، نجد الإجراءات المادية الجنينية التي دفعت إلى تقسيم سوق العمل والاقتصاد في فلسطين خال العقود الأولى من القرن العشرين؛ محولة إياه إلى آلة فصل عنصرية اجتماعية، ستتمكن مع مرور الوقت من الهيمنة على الفضاء الزماني–المكاني بأكمله. في تلك اللحظة، أفسح الوعي الطريق أمام بناء لاوعي جمعي جديد، ظهر مرارًا وتكرارًا في شكل رغبة تغمر كل شيء وتترابط ب "المستويات الجزيئية [...] وتشكّل وضعيات، وسلوكيات، وتصورات، وتوقعات، وأنظمة سيمائية، وغيرها". إن القوى التي ترابطت وشكلت العربي الفلسطيني كآخر وكموضوع للإزاحة في سوق العمل، أنتجت بدورها تجمعًا جديدًا للرغبة، على عاقة بتجمعات أخرى موجودة أصلً، وتدفع نحو توسيع الحضور

(79) Shafir, pp. 4–52. (80) Ibid., p. 55. (81) Ibid., pp. 9–58. (82) Ibid., p. 60. (83) Ibid., p. 58. (84) Ibid., p. 60. (85) Ibid. (86) Deleuze & Guattari, A Thousand Plateaus , pp. 35, 215.

اليهودي، منشئةً بذلك شهوة الآلة الصهيونية للتوسع الديموغرافي. وتلك كانت المرحلة التالية التي يجب بلوغها. والواقع أن الاستعمار اليهودي كان لديه نموذج عملي مهم في مجال الإسكان والاستيطان بدايةً من عام 1910، وهو إنشاء المستوطنة التعاونية – الكيبوتس. في هذه المرحلة، دفعت الاعتبارات العملية في الصراع من أجل حماية حياة المهاجرين اليهود، وتحويلهم إلى مهاجرين مستوطنين، إلى الدمج بين العمل اليهودي والاستيطان اليهودي في تجربة إقصائية انفصالية واحدة؛ إذ تكثفت المطامح الصهيونية الاستراتيجية الاستعمارية لتتجاوز مجرد احتكار سوق العمل، وصولً إلى السعي لاحتكار المشترك لكل من الأرض، والاستيطان، والعمل من خال تجريب جمعي للكيبوتس، وذلك ما عنى تجنيد القومية الجمعية في إطار المنافسة في السوق الفلسطينية. وكما هو الحال مع العديد من الآلات الاجتماعية الأخرى، بُنِي الكيبوتس على نحو إحصائي وفقًا لقانون الأعداد الكبيرة؛ كتجمع للآلات الراغبة

الميكروسكوبية بتوليفاتها وديناميكياتها المحتملة. وكان ذلك "ابتكارًا تنظيميًا حاسمًا بتوفيره البنية

التحتية لاستعمار يهودي فعال، وتلك كانت منهجية تشكيل دولة إسرائيل". أنهى ظهور الكيبوتس نموذج الاستيطان الزراعي الإثني الذي روّجه ماك المزارع اليهودية، خال موجة الهجرة اليهودية الأولى، وهو

ما أدى إلى تغيير الاستيطان، استنادًا إلى منطق الاستعمار الإثني البحت. وقد أدمج العمل الديموغرافي والزراعي في القلب من هذ النموذج الاستعماري لضمان السيطرة الإثنية القومية على الأرض. بذلك، كفل نموذج الاستيطان التعاوني عمالةً دائمة وموطئ قدم قوميًا على الأرض، وأصبح مترسخًا بعد الحرب

العالمية الأولى، بحيث "سينظر إلى الكيبوتس كشكل أساسي نموذجي من أشكال الاستعمار في فلسطين من كل الأطراف المعنية". نفذ مشروع الملكية الوطنية للأراضي من أجل الاستيطان التعاوني، أساسًا، من جهة الصندوق القومي

اليهودي JNF، الذي اعتمد في مجلده المخصص لهذا الشأن على قرارات اتخذت من قبل، خال المؤتمر الصهيوني الأول لعام 1879، نصّت خصوصًا على أن الأراضي المشتراة في فلسطين لتوطين

اليهود لا يمكن إعادة بيعها لأنها "أمانة للأمة بأكملها". وهذه الخطوات المحسوسة شكلت بداية انفجار

((8(حدث تغيران حاسمان آخران في الساحة السياسية الحزبية وفي عملية إنشاء الجماعات الصهيونية شبه العسكرية الأولى، وقد

اتبعت التجارب الثاثة "منطقًا مشابهًا" وكانت بمثابة "محاولات لتجاوز ديناميكية سوق العمل". يُنظر: Shafir, pp. 123–134. وحول

التكوين الجمعي والتحولات الأولية للكيبوتس، ينظر: Ibid., pp. 168–186.

(88) Buchanan, pp. 88–90. (89) Shafir, p. 146.

((9(طوّرَ هذا النمط الاستعماريّ النموذجي ناشطون صهاينة بارزون، بالاعتماد على الاستجابة الألمانية للأزمة الزراعية الألمانية

في نهاية القرن التاسع عشر وكذلك التعامل الألماني مع النزاعات الحدودية مع الشعوب السافية. ينظر: Ibid., p. 154.

(91) Ibid. (92) Ibid., p. 172. (93) Ibid., p. 155.

((9(لا يزال هذا القانون قيد التطبيق، وقد تم تحدي مفاعليه فقط في السنوات القليلة الماضية من قبل المنظمات غير الحكومية المعنية بالحقوق المدنية. فمنذ قيام دولة إسرائيل والصندوق القومي اليهودي والوكالة اليهودية يتمتعان بوضع قانوني يمنح الدولة الحق في التمييز بين المواطنين اليهود وغير اليهود فيما يتعلق بتخصيص الأراضي والمساكن. ينظر:

Yiftachel, Ethnocracy , pp. 103–110; Davis, pp. 39–42; Kretzmer, pp. 49–77.

جهود تحقيق التمييز المتصاعد بين "اليهود" و"غير اليهود"، أي التمييز المرمّز في تدفقات رأس المال

في أسواق العمل والأرض المتنامية، والتمييز الذي بدأ في تقسيم الفضاءات الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب إثنية. أنجزت هذه المنهجية، بحسب شافير، ثاث مهمات تكميلية أخرى، بحيث "لم تقتصر على تحقيق إقصاء لغير اليهود من السيطرة على الأرض بمجرد استحواذ الصندوق القومي عليها، بل إنها ألغت في الوقت نفسه الملكية الخاصة للأرض، واستبدلتها بإجراء التأجير الوراثي للأرض، وضمنت من خال حظر التأجير الباطني [أي تأجير المؤجر] حق الانتفاع اليهودي [الحصري] بالأرض". وفي النهاية، "كانت الأرض المشتراة من جهة المنظمات الصهيونية تسحب من السوق على الفور بفضيلة كونها تشكل أمانة أبدية للشعب اليهودي، ويمنع على غير اليهود العمل على هذه الأرض التي أجّرت للمستوطنين

الصهيونيين". وكان الاستياء على الأرض شرطًا ضروريًا "لغرس ثقافة أخرى"، وشرطًا ضروريًا لإضفاء طابع إثني

انتقائي على الأرض المسكونة، وهو الطابع الذي من شأنه تشكيل الاوعي الجمعي. وبهذه الطريقة، سبق الاقتاع الإقليمي الاستيائي على الأرض والعمل الاحتكار الصهيوني الاحق، وهو ما تحقق كتضاد اقتصادي؛ استياء فرض نفسه كوحدة قياس داخل الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني، وهي الوحدة التي يفهم من خالها الآن كل شكل من أشكال التمييز. غيرت المراكمة الإقليمية للأراضي خال الاستعمار الصهيوني، كما يوضح شافير – من طبيعة الاستحواذ بدايةً من نهاية الانتداب البريطاني فصاعدًا – من معادلة "المال إلى السيف" إلى العمل على تحقيق وضمان "استكمال عملية تحويل فلسطين بأكملها". ومن المؤكد أن التطهير العرقي لفلسطين شكّل نقطة التحول التي رسخت استخدام القوة لاستياء على الأرض، وكان قد خطط له مسؤولون سياسيون يهود كبار ونفذته القوات العسكرية الإسرائيلية خال حرب 1949–1948. وبداية من تلك اللحظة، أصبحت "القبضة الصهيونية" مبدأً مؤسسًا في السياسات

الصهيونية وفي الحياة اليهودية في إسرائيل، كما أكد ذلك الفيلسوف الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتز مرارًا

وتكرارًا في مقابات ومقالات عامة خال الثمانينيات. عملت الممارسات الصهيونية على تجزئة الفضاءات الفلسطينية وشطرها من خال ما خلقته من تدفقات جديدة من الأرض، والعمل، والبشر. فقد أدى تقسيم التدفقات المادية إلى تقسيم كلية العمل والأرض التي

(95) Davis, p. 39. (96) Shafir, p. 155. (97) Smith, p. 135. (98) Young, p. 172. (99) Deleuze & Guattari, A Thousand Plateaus , pp. 441–444.

((10(استمرت نماذج الحيازة القومية للأرض في التحول بعد إنشاء نظام إسرائيلي شامل للأراضي، والذي يملك اليوم، يسيطر أو يدير ما يقرب من 93 في المئة من الأراضي الإسرائيلية، إما من خال الدولة أو الوكالات اليهودية التي تعمل مع الدولة بسند قانوني. كما يوضح يفتاخيل:"استند إنشاء نظام جديد للأراضي على عدة مبادئ رئيسية؛ السيطرة المادية، القومنة، التهويد، إنشاء نظام سيطرة مركزية صارم والتوزيع غير العادل". ينظر: , pp. 136–142 Ethnocracy Yiftachel,.

(101) Shafir, p. 43. (102) Pappé.

كانت حاضرة، من أجل خلق مزيد من التطابق بين الأرض، والعمل، والإثنية. وأنتجت هذه الاستياءات ديناميكية الإزاحة والإحال التي غُلِّفت لاحقًا بأيديولوجيا قومية. إذًا، إن المشكلة الأساسية لهذا الشكل المعين من الاستعمار ليست مجرد مشكلة فقهية قانونية، ولا تتعلق فقط "بالكيفية التي من خالها تحولت مواطن السكان السابقين إلى مساحة موحدة من الملكية المأهولة"، وهو ما حدث، كما يوضح باتون، في حالتَي الاستعمار الأميركي أو الأسترالي، بل إنّ المشكلة الأساسية تتعلق، في حالة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، بالتقسيم المستفحل للأرض بقدر ما يمكن إعادة أقلمتها Reterritorialized إثنيًّا. "شكلت الطرائق التي وظف بها العمال اليهود الدروس التي تعلموها خال صراع سوق العمل، أساس القومية الإسرائيلية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي عمومًا". والواقع أن الاستراتيجية المتمثلة في "إفساح المجال" على الأرض لإنتاج موحد ومنفصل، قد أصبحت بمنزلة الميكانيزم النووي للدولة اليهودية. إن النزعة الانفصالية، على النقيض من الادعاء الذي يقول إن النزعة الانفصالية تطورت كاستجابة للصراع المتصاعد بين الصهيونيين والفلسطينيين، هي التي أدّت دورًا في صناعة الصراع نفسه. وبعيدًا عن السياسات الاستعمارية الانتدابية التي شجعت هذه النزعة الانفصالية من خال التمكين الاقتصادي والإداري للصهيونيين، كان قرار إنشاء ثقافة منفصلة ونظام تعليمي قائم على العبرية لليهود حصرًا، أمرًا حاسمًا في إنشاء جيب يهودي منفصل.

(103) Patton, Deleuze , p. 124. (104) Shafir, p. 55.

((10(هذا لا يعني أن إسرائيل ظهرت من سلسلة من التعاونيات فقط؛ فبعبارة "نووي" أعني الإشارة إلى نمط الإنتاج الأكثر تأثيرًا

الذي طورته الصهيونية من خال التجربة. "كانت أهمية الكيبوتس في تشكيل دولة إسرائيل وأمة إسرائيل أكبر بكثير مما تشير إليه حصته من سكان الييشوف؛ ف 'الجودة' تفوقت على 'الكمية' في النهاية". ينظر: Ibid., p. 185. ((10(تكشف سميث بوضوح عن دور الانتداب البريطاني في إنتاج اقتصاد متشعب في فلسطين. فالحفاظ على السام وتحقيق التوازن بين مصالح وحاجات الشعبين المتصارعين كان هو النموذج الظاهري الذي عملت بريطانيا بموجبه. أما في الواقع، فقد كانت "السياسة الاقتصادية البريطانية [...] عنصرًا مهمًا في التطور المتباين لاقتصاد الفلسطيني بعد الحرب العالمية الأولى". ينظر:

Smith, p. 3. وساعدت الصهاينة بشكل فعلي على بناء قاعدة اقتصادية وطنية. فمنذ عام 1921 أدارت الإدارة البريطانية سياسة الهجرة استنادًا إلى مبدأ "القدرة الاستيعابية" للباد، المقيدة ب "أعداد ومصالح السكان الحاليين". لكن الواقع كان أن مفهوم القدرة

الاستعابية الاقتصادية كان أداةً سياسية، شعارًا مفيدًا لإظهار اهتمام الحكومة البريطانية بحماية المصالح العربية، في حين أن الهجرة

كانت تحددها الوكالات الصهيونية لا قدرة الحكومة البريطانية على توفير العمالة والمرافق للوافدين اليهود الجدد، يُنظر:

Ibid., p. 68. اتبعت الإدارة البريطانية نهج عدم التدخل الاقتصادي في عمليات شراء الأراضي الاستعمارية، التي تحولت إلى مسبب رئيسي للصراع، وفشلت في حماية الفاحين العرب من القدرة الشرائية الصهيونية الهائلة والتي رافقها إخاء آلاف المستأجرين من

الأرض، يُنظر: Ibid., p. 115. إضافةً إلى ذلك، قدمت الحكومة البريطانية تنازلات احتكارية تجارية للحركة الصهيونية في محاولة

لاستغال الموارد الطبيعية وتشغيل المرافق والخدمات العامة، يُنظر: Ibid., p. 117، وتبنت سياسة صناعية حمائية تضمنت إعفاءات

ضريبية ولوائح تنظيمية لصالح الصناعة اليهودية المتنامية، يُنظر: Ibid., p. 176. ومن خال عدم منع سياسات القطاع الخاص

التمييزية التي كان شعارها "فقط اليهود"، وضعت الإدارة المدنية وبشكل واضح التزامها بتعزيز الوطن القومي اليهودي فوق التزامها بحماية حقوق السكان غير اليهود، يُنظر: Ibid., p. 159.

(107) Shafir; Smith, p. 3. (108) Smith, p. 12.

ثالثًا: الأرض الفارغة: الآلات الراغبة الفاعلة والإنتاجية

"تبدأ الرغبة بالاتصالات"؛ جسد مع جسد، أرض مع أرض، وعناصر تدفع الطاقات المستثمرة في أشكال وحركات مختلفة. كشكل من أشكال كتابة الجغرافيا، ثمة ثاث عمليات تكميلية تميز الآلات الراغبة الصهيونية؛ أولً، الإفراغ السكاني الذي يمثّل شكلً من سياسات الاقتاع الإقليمي Deterritorialises للأمكنة والمواقع، والذي يعمل على استنزاف الطاقة من التربة. يتأسس الاتصال اللبيدي بين الذوات الإنسانية، وفي هذه الحالة، فإنّ الطاقة المرنة بين الأجساد هي التي تنتج الإفراغ المكاني. فكل طرد Expulsion بشري يزيح تدفقات الطاقة من نقطة إلى أخرى نتيجة لاستثمار اللبيدي، وذلك ما يشار إليه ب " الإزاحة" Displacement. ثانيًا، إن كان الإفراغ السكاني Depopulation هو الاستثمار الامادّي، فإن التهويد

هو الاستثمار المادي في الذوات الإنسانية، بوصفها جزءًا من كيان جمعي، فضلً عن أنها تعبئ نفسها في

تجاويف الفراغ المكاني وتسد النقص البشري الناشئ عن الإفراغ السكاني عبر حركة نشطة وحرة تتمثل في

السكن، والتكاثر، والتشجير، وتعبيد الطرق والمسالك، بكل شيء يحل محل ما قد أفنُِي من قبل. تلك هي الروابط اللبيدية الامتناهية، التفكيكات والترابطات التي تصلب الكيان الجمعي المستورد، تلك هي فيزياء الاوعي المكروية التي تفسر تمظهرات التشكيات الاجتماعية. ويقول دولوز وغواتاري موضِّحًا: "تلك

الأقاليم التي تقتلعها المجتمعات المتحضرة بيدٍ، تعيد أقلمتها Reterritorialize باليد الأخرى"؛ "لأنّ هاتين العمليتين تنفذان على نحو متواز"، وتعيدان على نحو دائم تشكيل معالم الأرض، معبرةً عن دورات من التدفق، "ومحيلةً إلى حركتَي الفصل وإعادة الإدماج للطاقات الإنتاجية بشكل عام"، وذلك

ما يشار إليه بالإحال Replacement. وهو يتضمن استثمارًا في وسائل جديدة للإنتاج الرغائبي الذي يربط

بين القوى الموجهة لسياسات إعادة الأقلمة والتوسع الإثني، من خال التسييج الذي يمنح الكيان الجمعي مخيالً، أي مسارًا لانفصال عن الروابط السابقة، والذي يجعل من حدود الوجود عينية ملموسةً ومحددة

طبيعة الشروط السلوكية ضد الآخر، وهو ما يشار إليه بالتسييج Fencing؛ أي تقييد حركة تدفق البشر، الثقافة والثروة [والإحاطة بها]. لقد أعيد تعريف العاقات بالتربة والمحيط، وأعيد ضبط الرغبة وتكييفها اجتماعيًا

لتنتج حالة إقصائية دائمة. عند هذه النقطة يكون الفضاء المكاني الزماني مفتوحًا أمام الاستثمارات

التمييزية العنصرية داخل عدد من حقول الحياة الاجتماعية كالتعليم، والإسكان، وأماكن العمل وغيرها من الحقول؛ ما يتمخض عن ظهور نظام تمييزي يستند إلى مواطنة تراتبية متعددة.

(109) Colebrook, p. 91. (110) Young. (111) Holland, p. 26. (112) Ian Buchanan, "Space in the Age of Non–Place," in: Ian Buchanan & Gregg Lambert (eds.), Deleuze and Space (Toronto: University of Toronto Press, 2005), p. 29. (113) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 257. (114) Buchanan, Deleuze and Guattari’s , p. 29. (115) Deleuze & Guattari, A Thousand Plateaus , p. 509. (116) Holland, p. 20. (117) Buchanan, Deleuze and Guattari’s , p. 93. (118) Peled & Shafir.

تعمل سياسات الاقتاع الإقليمي على تدمير أنماط الحياة الموجودة وإزالة البنى من على الأرض، ممهدة للتأسيس العنيف لتركيبات جديدة يتبعها الاستياء السياسي على المكان وتفريعه إلى شبكات إثنية جديدة. ولهذا السبب، يُعد الاستعمار الصهيوني شكلً سلبيًّا من الاقتاع الإقليمي النسبي؛ فالعنصر المقتلع

يخضع، بصفة فورية، لشكل من أشكال الأقلمة Territorialise وإعادة الأقلمة Reterritorialize؛ ما يؤدّي إلى حظر مسارات التملص أو عرقلتها. وهو، بعبارة أكثر وضوحًا، يقتلع إقليميًا لغاية إعادة الأقلمة من

خال الاستياء الإثني. وربما يكون ثمة وظيفة سياسية بديلة لاقتاع الإقليمي أكثر إيجابية؛ فالآلات الراغبة قد تخلق نموًّا ثوريًّا من خال إعادة تشكيل أنماط اتصال الذوات بالعالم (داخل البنية الفلسطينية

الصهيونية) وتغيير المخطط [الاجتماعي]، محولةً البنية التحتية نفسها من خال "الاستياء"؛ أي إنها تتجاوز شروط الواقع وتشارك في أفعال خاقة، وذلك ما يحدث هذه الأيام في عدد من الثقافات في قطاعات معينة من التعليم الإسرائيلي، المجتمع المدني وقطاعات سياسية، حيث تغذي التقاطعية. توليفات ضامة جديدة Intersectionality ويوضح روبرت يونغ أن البنية الاستعمارية تعمل على تدمير وإعادة الأمكنة والثقافات وبنائها من خال تطبيق "إجراءات مادية وأيديولوجية عنيفة كالاستعمار، التجريد الثقافي Deculturation، والتثاقف Acculturation، ومن خالها يجري تفكيك الفضاء المكاني والثقافي للمجتمع الأصاني وتذويبه؛ ومن ثم إعادة نحته استنادًا إلى حاجات القوة المحتلة". ويوضح التحول الحاصل في المشهد الفلسطيني الجغرافي الثقافي كيف أنّ الصهيونية أعادت تعريف العاقة مع الأرض. فمنذ ظهور الصهيونية والعاقة المسامية والطليقة بين المجتمعات الفلسطينيّة المستقرة بالأرض قد تأثرت بالتقسيم الإثني المتزايد

لسطحها؛ ذلك أنّ المشهد الطبيعي، الذي كان سائدًا قبل ظهور الصهيونية، كان مشهد القرى الفلسطينية التقليدية المؤلف من مساحات مفتوحة "بمنازل حجرية طبيعية ومسارات تسهل وتتيح الوصول من دون عوائق إلى الحقول المجاورة، وإلى الكروم وبساتين الزيتون المحيطة بها". ولا يزال ذلك المشهد حاضرًا حضورًا كبيرًا في الوقت الراهن بسماته المميزة بالمداخل المتعددة للقرى ومراكزها، والتصاميم

الإنشائية المنسجمة مع تضاريس الأرض وقربها من الحقول الزراعية التي تتموضع بغرابة مع مخططات المستوطنات الصهيونية الريفية. ف "المستعمرات الصهيونية" كانت قد بنيت خال حقبة ما قبل الدولة "في المناطق الريفية كحاميات عسكرية لا كقرى: فتصميمها وتخطيطها لم يكن منشغلً بالسكن البشري، بل بالاعتبارات الأمنية".

(119) Deleuze & Guattari, A Thousand Plateaus , pp. 508–510. (120) Buchanan, Deleuze and Guattari’s , p. 106. (121) Marcelo Svirsky, "The Politics of Familiarity: An Intercultural Alternative to the Politics of Recognition," Hamerhav HaTziburi (The Public Space) , vol. 2 (2008), pp. 39–80 []بالعبرية ; Marcelo Svirsky et al., "Bilingual Education and Practical Interculturalism in Israel: The case of the Galilee," The Discourse of Sociological Practice , vol. 8, no. 1 (January 2007), pp. 55–81, accessed on 16/3/2022, at: https://bit.ly/3JwtH5M (122) Young, pp. 70–169. (123) Pappe, p. 30. (124) Ibid.

وقد شكّلت الاعتبارات الديموغرافية الأمنية، أيضًا، حافزًا لمشروع "تهويد الجليل" السيّئ السمعة منذ

نهايات السبعينيات، وفي القلب من "التهويد" كان ثمة فرضية أن الوجود الفلسطيني في مناطق معينة داخل إسرائيل يجب موازنته ديموغرافيًا بمواطنين يهود، وهذا ما شمل ابتاع الأراضي المحيطة للقرى

بوصفها موردًا للقرى العربية وإحاطتها بدلً من ذلك بمجتمعات يهودية. وقد نشأ عن المشروع بناء نوع جديد من المجتمعات الاستيطانية لليهود حصرًا يشار إليه ب "المنطرة" Mitzpeh The. والمصطلح

يعني، حرفيًا، بؤرة مراقبة استيطانية مموضعة طبوغرافيًا في مكان مرتفع ومطلّ، على نحو فوري، على

مكان بعينه من أجل الإبقاء عليه تحت المراقبة؛ إذ يعرف هذا النمط النموذجي من الخطاب العسكري الإسرائيلي المناطق العربية كفضاءات يجب إخضاعها للمراقبة، فالتنظيم البانوبتيكي [شمولي الرؤية] ينشغل في التأسيس للتحديق الفوكوي كوسيلة للسيطرة على العربي وتأطيره ككائن يجب مراقبته وحراسته حذرًا منه، في حين يعرف المستوطن اليهودي على أنه حارسه. وتعكس عاقة الحارس

بالسجين هذه الطريقة التي لطالما نظرت بها الدولة إلى السكان العرب، أي بوصفهم "طابورًا خامسًا"

يجب إبقاؤهم تحت المراقبة. تقسم هذه القرى الصغيرة المشهد الثقافي الجغرافي بوضوح، فهي محاطةٌ بأسوار حديدية، ولديها بوابات كهربائية مشفرة، وضباط أمن، ومجموعة من السكان وسارية علم تلوح بالعلم الوطني بالقرب من المدخل – البوابة الوحيدة. ويجرد حضور هذه المصنوعات والممارسات في مستوطنة بشرية سكانها من حسهم المدني، وهو أمر يجري من خال تبني نموذج الشخصية شبه العسكرية الذي يعمل على تعميق المسافة الثقافية والفيزيائية بين البشر وبيئتهم المباشرة. وتؤكد هذه العمارة المرئية للمجتمعات اليهودية "بنية الحدود Boundaries، والحدود التي تفرق بين أولئك الذين ينتمون وأولئك الذين لا ينتمون، وتحدد معنى معينًا لذلك الانتماء".

كما تنتج هذه الأنظمة الاجتماعية ما يسميه بابيه "إسرائيل القلعة البيضاء"، أي المكان الذي يصبح فيه البشر "أسرى واقعهم المشوه"؛ دلالةً على نمط عمل الاوعي الصهيوني الجمعي الاشرعي في تركيب أشغال الرغبة ومزج ما هو حقيقي بمشهد عنيف يتألف من ثنائية إثنية، وتحالفات معينة، وذوات ثابتة ومنفصلة. خلقت هذه القوى على مدار ما يقرب من قرن من الزمان مستوى معقدًا من الإنتاج اللبيدي الجمعي الذي يصنع الإخفاء الإثني للآخر عبر الإزاحة، والإحال، والتسييج. هكذا تعمل آلات الأرض الفارغة؛

((12(الآن وفي عامه الأربعين من التنفيذ، تطور مشروع "التهويد" إلى مفهوم مكاني اجتماعي – إقليمي، يتميز بدرجة كبيرة بذهنية إثنية انفصالية تبعًا لها يظل المواطنون العرب الفلسطينيون محاصرين في قراهم ومدنهم، ويستمرون في المعاناة من سياسات الدولة التمييزية ضدهم في كل مناحي الحياة، في حين يعيش اليهود الوافدون الجدد إلى المنطقة بانفصال داخل "المنزل برفقة الحديقة" في مجتمعاتهم الصغيرة المسيجة، والمستثمر فيها بشكل كبير من خال تعبيد الطرق الجديدة، والأنظمة التعليمية المتطورة، والمراكز الثقافية والرياضية، مغلفين بغاف الدعم الدافئ الأيديولوجي والاقتصادي الحكومي. ينظر:

Isabelle Humphries, "From Gaza to Galilee," The Washington Report on Middle East Affairs , vol. 7, no. 24 (2005), p. 12; Yiftachel, Ethnocracy ; Falah. (126) Nira Yuval Davis, Floya Anthias & Eleonore Kofman, "Secure Borders and safe haven and the Gendered Politics of Belonging: Beyong Social Cohesion," Ethnic and Racial Studies , vol. 28, no. 3 (2005), p. 521. (127) Pappe, pp. 248–256. (128) Buchanan, Deleuze and Guattari’s , p. 72.

فالتجميعات الإحصائية لعمليات الرغبة هذه "تشكّل في النهاية كليات اجتماعية؛ فعند تواصل كيانات مع كيانات أخرى لتحسن من قوتها، تنتهي إلى تشكيل جماعات أو مجتمعات". تستثمر الكيانات الاجتماعية، كالتشكيل الجمعي الصهيونية، في الحقل الاجتماعية بالكيفية التي فيها يستثمر "اللبيدو [...] في الحقل الاجتماعي بالأشكال الاشعورية المتبوعة بهلوسة تاريخانية تتوالد في هذيانات حضارات، أعراق، وقارات بأكملها، وعلى نحو مكثف 'تخلق شعورًا' بصيرورة دنيونية". وتُبنَى الآلات الراغبة في

سلسلة متتالية من الاتصالات الجمعية وتتغير، مع مرور الوقت، مميزةً نفسها بكيفيات متعددة داخل نظام الأشياء والموجودات الفعلي. ومن هذا المنظور الإنتاجي علينا فهم حقول الظاهر والجلي في مجتمعينا؛ فعلى الرغم من أن تطبيع الممارسات يطور من خال الضبط والسيطرة، فإنها تظل في أساسها قد خلقت وتحولت من قبل الرغبة والعاطفة. فمسألة ممارسات التوظيف اليهودي الحصري، كما لاحظ أحد الباحثين في الصهيونية، "قد تركت بصماتها على جميع العاقات الاجتماعية في الييشوف، وأثارت العاطفة أكثر من أي مسألة أخرى". وشكّلت أنماط الحياة في الواقع استنادًا إلى هذا الماضي الافتراضي وانطاقًا من هذه الأطر الأنطولوجية، ونظر إليها بوصفها أنماطًا طبيعية، كتمظهرات للأفعال الغريزية التي – على المستوى الجمعي – أبقي عليها بوصفها صحيحة أخاقيًا، وذلك ما يفسر عمق الأشكال المعاصرة للقمع

والتمييز العنصري وما يفسر قبولها العام. نحن أسرى لماضينا، ولكن الأسر ليس حتميًا، بل ضمن الأشكال المعطاة التي نشأت عن عمليات

إنتاج الحياة. يقول تود ماي: "أن تعيش، يعني أن تجول في عالم مستغرق في سياق تاريخي معطى [...] يوجد الماضي داخلي ويظهر في كل لحظة اتصل فيها مع العالم". والواقع أننا لا نزال نستطيع رؤية "عواقب الاستعمار [...] في الحياة الاجتماعية وفي ذكريات أولئك الذين وقعت عليهم مفاعيله، حتى بعد وقت طويل من أفعال الاستيطان الأولى". هذا الماضي ليس مجرد ماضينا الشخصي، بل هو الماضي بكليته، وفي هذه الارتباطات يحدث تحقق الافتراضي؛ ف "المرء من خال الفعل، الذاكرة أو التصور، يجلب الماضي ليلقي بعبئه على اللحظة الراهنة، وفي هذه الحالات كلها يمتزج الماضي بالحاضر: يتكشف الماضي والحاضر يخلق ويبتكر". لا يمكن أن تفسر البنى السلطوية من خال أحداث تاريخية بعينها، بل بكلية الماضي الذي يتجسد في لحظات معيشة من خال عمليات الرغبة. ربما يفهم إنكار الجماعة الفلسطينية على أنه نتاج توق جمعي غير واعٍ لعدم وجودها أصلً، إنه لاوعيٌ

لا يزال متجذرًا في الغالبية العظمى من اليهود الإسرائيليين، وهو يعمل كمحرك لإنتاج فضاء عام

إقصائي. وربما تفسر آلات الأرض الفارغة الراغبة، على نحو معقول، التفاصيل العملية داخل بنية فلسطين الصهيونية، ومثال ذلك التخطيط والتنفيذ للتطهير العرقي في فلسطين، وما تاه من فقدان

(129) Colebrook, p. 91. (130) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 98. (131) Shafir, p. 215. (132) Todd May, Gilles Deleuze: An Introduction (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), p. 51. (133) Patton, "The world seen from within," p. 5. (134) May, Gilles Deleuze: An Introduction , p. 52.

جمعي للذاكرة في أعقاب أحداث؛ كالتهجير الصادم، والخراب الذي حل في فلسطين عام –1948

"في ظهيرة يوم أربعاء بارد، 10 آذار/ مارس 1948، وضعت مجموعة من أحد عشر رجلً من قادة صهيونيين مخضرمين مع ضباط يهود عسكريين شباب، اللمسات الأخيرة لخطة التطهير العرقي لفلسطين. وفي مساء اليوم نفسه، أرسلت الأوامر العسكرية إلى الوحدات الموجودة على الأرض للإعداد لطرد الفلسطينيين المنهجي في مناطق واسعة من الباد. وكانت الأوامر قد وصلت مصحوبة بوصف تفصيلي للوسائل الواجب استخدامها لإخاء الناس قسرًا، كالترهيب على نطاق واسع؛ من خال محاصرة القرى والتجمعات

السكانية وقصفها، وإشعال النار في المنازل والممتلكات والبضائع، والطرد، والهدم، وزرع الألغام بين الأنقاض لمنع عودة السكان المهجرين. كل وحدة كانت قد كلفت بقائمة القرى والأحياء الخاصة بها كأهداف لهذه الخطة الرئيسة. وكانت الخطة التي حملت اسم 'دالت'، هي الخطة الرابعة والنهائية من عدد من الخطط الأقل أهمية، وهي التي حددت المصير الذي يخبئه الصهيونيون لفلسطين وسكانها الأصانيين [...] وقد قالت الخطة على نحو واضح لا لبس فيه: لا بد من رحيل الفلسطينيين [...] وتطلب الأمر ستة أشهر لإتمام المهمة بمجرد اتخاذ القرار بالبدء". كان ذلك ب  شك الحدث التكويني الأبرز في بلورة العاقة بين الصهيونية والشعب الفلسطيني، الحدث الذي يلخصه بابيه بقوله: "عندما انتهى الأمر، كان قد اقتلع أكثر من نصف سكان فلسطين الأصانيين، أي ما يقرب من 800 ألف نسمة، إضافةً إلى تدمير 531 قرية وإفراغ أحد عشر حيًّا مدينيًّا من السكان".

لكن القرى لم تكن "أخليت من سكانها فحسب، بل دثرت، ونسفت منازلها أو هدمت".

((13(إن الاعتذارات التي تستند إما إلى الدوافع القومية ما بعد الهولوكست، أو العواقب الحتمية للحرب أو الإصرار على أن كل

التخطيط كان مدفوعًا بالأيديولوجيا، هي اعتذارات مضللة. أول، على مستوى آلات الدولة الإسرائيلية، لم تكن المحرقة اليهودية قط

أكثر من حادثة مفيدة يمكن التاعب بها وتعبئتها وتوظيفها قوميًا؛ إذ لا يمكن لتطهير فلسطين العرقي أن يفسر على أنه ردٌ فعل حانق

من الشعب اليهودي بعد الهولوكست في محاولة لضمان وطن قومي يمنع تكرار أي شيء من ذلك القبيل في المستقبل. لقد أتيحت للدولة فرصة الرد على أهوال المحرقة من خال ضمان رفاهية أولئك الناجين الذين وصلو إلى إسرائيل. لكن ذلك ما لم يحدث كما تدلل احتجاجات الناجين من المحرقة حتى يومنا هذا. ثانيًا، إن التطهير العرقي ليس عاقبة حتمية لكل الحروب، حتى تلك التي

تتضمن غزوًا إقليميًا. ثالثًا، وكما تم توضيح ذلك مسبقًا، إن الأيديولوجيا لم تؤدِ إلا دورًا محدودًا في الممارسة الصهيونية. ينظر:

Ilan Gur–Ze’ev, Modernity, Postmodernity and Education (Tel Aviv: Ramot, 1999). (Hebrew).

(13((يعتبر كتاب إيان بابيه التطهير العرقي في فلسطين، كتابًا ثوريًا، ويرجع ذلك بالأساس إلى تخليه عن نموذج الحرب باعتباره

مفسرًا لأحداث عام 1948، وهو النموذج الذي عمل على تبرير الفظائع ضد الإنسانية باعتبارها نتائج "طبيعية" للحرب، وهو ما يمكن

رؤيته في عمل المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس Morris Benny. بدلً من ذلك، يتبنى بابيه نموذج التطهير العرقي كإطار تفسيري للتحليل، وهو منظور يتيح فهمًا أعمق؛ ليس لأحداث الماضي فقط، بل أيضًا لتداعياتها في المستقبل.

(137) Pappe, pp. xii–xiii.

(13((اكتشف باحثون مؤخرًا أن التدمير المخطط للمجتمع الفلسطيني، وللبلدات والثقافة الفلسطينية شمل أيضًا مخطط ا تفصيليًا

لتدمير المواقع الأثرية والمساجد بتحريض من [العسكري والسياسي الإسرائيلي الأسبق] الأسطوري موشيه ديان. ينظر:

Raz Kletter, Just Past – The making of Israeli Archeology (London: Equinox, 2006); Meron Rapoport, "The operation to the detonation of the mosques," Haaretz , 6/7/2007, The supplement. (139) Pappe, pp. xii–xii. (140) Khalidi, p. xv.

يجب تذكر أن الذاكرة الأنطولوجية تعمل كأرضية لتكشف الزمن، وهو أمرٌ ينتج من عمليات الاوعي

وآلاته الراغبة: "وكيف تعمل هذه الآلات الراغبة؟ آلاتك وآلاتي؟"، ذلك هو سؤال دولوز وغواتاري. تعمل هذه الآلات بشكل جمعي لتطوير مستويات التأصل الذاتي وتجسيدها في مسالك الحياة الاجتماعية السياسية. وتشكّل كل من المستويات الاجتماعية، والعاقات الفعلية بين الجماعات، المنتج النهائي للرغبة والتوليفات الجديدة التي تغذي هذه الرغبة، وبهذه الطريقة يمتزج العيش بالإنتاج. فالتشكيات الصهيونية تتميز بأشكال مختلفة من التمظهر في أنماط وسمات محددة، كاستمرار عقلية "اليهود فقط" في سوق العمل؛ مثل الروابط التي ولدت الاستيطان الزراعي الإقصائي، وضغط المنظمات الصهيونية المستمر على الإدارة البريطانية "للحرص على إنفاق العائدات الخاصة بنشاطات الييشوف لصالح حركة المستوطنين"، إضافةً إلى السياسات الاقتصادية التي كانت سائدة خال سنوات تكوّن المجتمع اليهودي، والتي نصت

على تصميم الإنتاج اليهودي بشكل رئيس لمصلحة الاستهاك اليهودي والتصدير، وليس لمصلحة السكان الفلسطينيين، فضلً عن التطهير العرقي لفلسطين والإزالة المستمرة للآخر العربي. في الصهيونية، كل ذلك هو ماضينا الذي يوجد بالتوازي مع كل حاضر، وكل فعل من أفعال التذكر ينطوي على حركة تكييف للماضي مع الحاضر، وهي حركة مفيدة تلتئم في صورة تتقاطع فيها متطلبات حالة معينة للحظة مع البنية الافتراضية للماضي. فرائد موجهات الهجرة اليهودية الأولى، والذي تضرب بأفعاله المثل، ينهض مرة أخرى من كلّية ماضي البنية الصهيونية الفلسطينية، ينهض في الحاضر ليهجر ويدمر القرى الفلسطينية، متجسدًا في سياق خصوصية الظروف المعطاة. ليس الجنود وحدهم من ينفذون

مثل هذه الأفعال: فالشعارات السياسية الشهيرة مثل "غزو العمل والأرض" متورطة أيضًا، وحاضرة في السياقات المعاصرة التي تستمر في فصل المواطنين اليهود عن شركائهم الفلسطينيين المحتملين. والواقع أننا نستطيع أن نجد في بنية اللبيدو الصهيونية تفسيرات لطبيعة العاقة السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية بين دولة إسرائيل والأقلية الفلسطينية، في الطابع المنقسم المنفصل لاقتصاد، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية في فلسطين خال سنوات الانتداب البريطاني، وفي قوى الإزاحة والإقصاء الصهيونية الحياتية. في هذا الصدد، ومنذ عام 1948، والمسافة التي تفصل المجتمع الفلسطيني عن مراكز السيطرة والثروة توازي الفصل الذي نشأ بين المجتمعين في الماضي، وتمثّل امتدادًا له. وتشير المواقف السائدة تجاه الفلسطينيين إلى أن السياسة الصهيونية لا يزال من طبيعتها التوسع في لحظات الانقباضات الزمانية، وهو ما يمكّن عمليات الأرض الفارغة من اجتراح أشكال جديدة لإخفاء الآخر؛ إما عن طريق 'تحسين' النسبة الديموغرافية، وإما عن طريق التهجير السريع. وفيما يتعلق بالمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، فإنّ التكتيك المعاصر يتمثل في إضعاف الحياة من خال التمييز المنهجي، وهي الممارسة الأكثر اتباعًا في ظل ديمقراطية رسمية شبه منعدمة.

(141) Deleuze, Bergsonism , p. 59. (142) Deleuze & Guattari, Anti–Oedipus , p. 109. (143) Smith, p. 60. (144) Ibid., p. 179. (145) Deleuze, Bergsonism , p. 59. (146) Ibid., pp. 5–63.

في ضوء ما سبق، نكون في وضع يمكننا من فهم السياسات الإثنية الإسرائيلية؛ مثل مشاريع التهويد في مناطق ذات أغلبية من المواطنين العرب الإسرائيليين، والتغييرات في قانون المواطنة الإسرائيلية التي تبدو أقرب إلى قوانين منع الزواج خارج صلة الدم أو القربى [أو العائلة اليهودية الكبرى] وهي قوانين تسعى إلى تقييد حق الزواج بين عرب إسرائيل وفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الاستخدام المتزايد لهندسة جدران فصل السكان وعزل بعضهم عن بعضهم الآخر. ويمثل مشروع تهويد الجليل مثالً توضيحيًا، فبحسب يفتاخيل وكارمون، فإنّ "الغاية أو الدافع المحرك لاستيطان الجديد في الجليل

كان جغرافيًا سياسيًا – تمثل في رغبة الحكومة [...] في توطين مناطق واسعة من الجليل بمستوطنين

يهودًا لوقف ما تزعم أنه احتال عربي مستمر لأراضي الدولة". مرة أخرة، تدفع عناصر آلة الأرض الفارغة الدمجية المزيد من تدفقات إعادة الأقلمة وتضخُّها، وتنشر الرغبة

في أرض من دون آخر، وهو ما يوضح أن القوى التي أجازت التطهير العرقي لا تزال حية ومستمرة "في الدفع نحو التطهير الصارم الذي يتعذر أحيانًا تمييزه بالنسبة إلى هؤلاء الفلسطينيين الذين يعيشون هناك في

الوقت الحاضر". إن حدود الاتصال بين الماضي الأنطولوجي والحاضر الفعلي الذي تعمل من خاله الآلات الراغبة تثير القلق؛ فذلك هو المستوى الذي من خاله يجد شذوذ الأرض الفارغة مرة أخرى ظروفًا وأشياء لضبطها، وللتأكد على نحو آلي من "أدائه في الحاضر ومن الانتفاع المائم من كل شيء"، "مجترحًا بكل لحظة ابتكارات جديدة". لكن الابتكارات الصهيونية لم تؤدّ إلا إلى إعادة أقلمة الأرض

الفلسطينية استنادًا إلى رغبة عدائية أدت إلى تحقق سياسات محو الفلسطينيين. وفي وقت كانت فيه أشكال الاستعمار الأسترالي، والنيوزيلندي، والكندي، قد تحولت خال السنوات الثاثين الماضية إلى ما يمكن وصفه ب "صيرورات ديمقراطية متعددة الثقافات"، ظل الانتباه الذي توليه الصهيونية للوجود المادي للآخر متمايزًا بسعيه لإلغاء وجوده. ينظر دولوز إلى "الآخر" بوصفه البنية ذاتها

(147) Oren Yiftachel, "Spatial Planning, Land Control and Arab–Jewish Relations in the Galilee," Ir Ve’ezor (City and Region) no. 23 (1994), pp. 35–55 (Hebrew); Oren Yiftachel & Haim Yacobi, "Urban democracy: Ethnicisation and the Production of Space in an Israeli 'Mixed' City," Environment and Planning D: Society and Space , vol. 21, no. 6 (2003), pp. 322–343. (148) "The Citizenship and Entry into Israel Law (temporary provision) 5763–2003," Knesset , accessed on 6/3/2022, at: https://bit.ly/3JryO7j (149) Haim Yacobi & Shelly Cohen, Separation: The Politics of Space in Israel (Tel Aviv: Xargol and Am Oved, 2006).

((15(ولتحقيق هذه الغاية، يضيفون: "أنشأت حكومة إسرائيل والوكالة اليهودية (هيئة شبه حكومية لها صاحيات تطويرية) مجموعة من الحوافز لجذب السكان المرغوب فيهم إلى المنطقة: أراضيَ دولة بتكلفة منخفضة جدًا، بنية تحتية مادية بتكلفة

ضئيلة، مساعدات سكنية سخية وخدات تعليمية وبلدية عالية الجودة. كانت العملية 'الطبيعية' التي ساعدت النشاط الاستيطاني هي زيادة أعداد العائات اليهودية الشابة من الطبقة الوسطى التي تبحث عن نمط حياة شبه ريفي [...] كان هؤلاء الناس يبحثون عن تحسين نوعية بيئتهم السكنية والاجتماعية، بعيدًا عن المراكز الحضرية ذات الكثافة العالية في إسرائيل". ينظر:

Yiftachel, Ethnocracy , p. 220. (151) Oren Yiftachel & Naomi Carmon, "Socio–spatial Mix and Inter–ethnic Attitudes: Jewish Newcomers and Arab– Jewish Issues in the Galilee," European Planning Studies , vol. 5, no. 2 (1997), p. 219. (152) Pappé, p. 259. (153) Deleuze, Bergsonism , p. 71. (154) Todd May, "Gilles Deleuze and the Politics of Time," Man and World , vol. 29, no. 3 (1996), pp. 293–304, 52.

للغيرية؛ ف "هو ليس موضوعًا في حقل إدراكي، ولا ذاتًا تدركني، بل هو بنية الحقل الإدراكي الذي من دونه لا يمكن أن يعمل الحقل كما ينبغي أن يعمل". وللآخر أيضًا "وجود مسبقٌ كشرط للتنظيم على نحو عام" يتجاوز موقعه تحققات الآخر المادية، وهو ما يشير إليه كولويل على أنه المجال ما قبل الشخصي. لقد شرعت الصهيونية، بتأثير من آلات الأرض الفارغة الراغبة، في سياسة "روبنسوية" [نسبة إلى رواية روبنسون كروزو] في خلق "عالم من دون آخرين "، من خال إقصاء الآخر من مستويات التجارب الشخصية والجمعية، ما تمخض عن مكننة قمعية متأصلة في البنية التحتية تعمل على قمع التعدد ما قبل الشخصي. فالتحريف متأصلٌ في الصهيونية: إن عالم المحرف هو عالمٌ خالٍ من الآخرين؛ ومن ثمّ يكون عالمًا خاليًا من الممكن. إن الآخر ما يجعل

الممكن ممكنًا. العالم المحرف هو عالمٌ حل فيه الضروري محل الممكن [...] إن كل تحريف هو بمنزلة "قتل للآخر". يفترض سلوك المحرف دائمًا الغياب الجذري للآخرين، أرضًا نقية، كما يرى دولوز،

ونحن نرى أن الصهيونية قد أتقنت، تقريبًا، فن التحريف بعد قرن من إنتاج إخفاء حقيقي. وربما نتساءل

مثل دولوز: لماذا ينزع المحرف إلى تخيل نفسه ماكًا مشعًّا، ماكًا مخلوقًا من الهيليوم والنار؟

خاتمة

إن المكون الفعلي لتجمع معين من الرغبة ليس الرغبة في الأرض الفارغة أو الفراغ الإثني – ف "ليس ثمة رغبة في الثورة [...] ولا في السلطة، أو رغبة في أن تكون مضطِهدًا أو مضطهَدًا" – بل إنّ المكوّن هو

الرغبة في إلغاء الطابع الإثني للأرض، الذي ينفذ من خال حركتَي الاقتاع الإقليمي وإعادة الأقلمة. لم يتخيل المستوطنون الأرض مشاعًا، بل هم الذين أجلبوا عليها الفراغ، فالصهاينة لا يكتفون بالإزالة الخطابية للسكان المحليين من خال المحو الرمزي كما اقترح من قبل. والأهم من ذلك، هو أن الرواية الصهيونية نفسها هي نتاج البنية اللبيدية الاستعمارية التي تخلق الواقع.

(155) Gilles Deleuze, The Logic of Sense , Mark Lester (Trans.) (New York: Columbia University Press, 1990), pp. 306–

(156) Ibid., pp. 203, 9, 318. (157) Chip Colwell, "Deleuze and the Prepersonal," Philosophy Today , vol. 1, no. 41 (1997), pp. 160–168; Chip Colwell, "Agencies of the Body," International Studies in Philosophy vol. 4, no. 32 (2000) pp. 13–22.

(15((روبنسون كروزو Crusoe Robinson هي رواية شهيرة ألفها الروائي البريطاني دانيال ديفو Defoe Daniel (1731–1660)،

وتحكي بطريقة خيالية كيف عاش شاب منعزلً عن العالم في جزيرة لمدة تربو على 28 سنة من دون أن يقابل أي شخص خالها.

إلى أن يأتي اليوم الذي يصادف شخصًا يعلمه بأن هناك عالَمًا قطع شوطًا في التحضر ويجعل منه خادمًا له. نقلت هذه الرواية إلى

اللسان العربي عن طريق بطرس البستاني، وترجمها ب  كتاب التحفة البستانية في الأسفار الكروزية أو رحلة روبنصن كروزو). 1861((المترجم)

(159) Deleuze, The Logic of Sense , p. 319. (160) Ibid., p. 320. (161) Gilles Deleuze & Clair Parnet, Dialogues II , Hugh Tomlinson & Barbara Habberjam (trans.) (New York: Columbia University Press, 2002), p. 133. (162) Dalsheim, p. 166.

عندما اختارت بلدية عكا لافتة تجاهلت الوجود العربي، اعتقد موظفوها، بصدق، أنهم لم يتجاهلوا أي شيء؛ ذلك أنه من غير الممكن تجاهل ما أزيل بالفعل. فالشعور العام لدى معظم اليهود هو أنهم "[هم، أي العرب] لا يفترض أن يكونوا حول [نحن، أي اليهود]"؛ وتلك رغبة لاواعية وشعور يكمن وراء معظم سياسات الدولة؛ إنها الرغبة الكامنة التي تحفز التهجير المستمر، وتثير مشاعر الانزعاج التافهة التي تظهر أثناء التحدث بالعربية في الأماكن العامة، أو أثناء خروج تظاهرات عربية ضد التمييز العنصري مطالبةً بالمساواة، وحينئذ يكون لسان حال القلب الصهيوني:"[هم] لا يفترض أن يكونوا حول [نحن]". لا يمكن أن يفسر تجمعٌ من آلات الأرض الفارغة جوهرَ الصهيونية أو كلّيتها، فجميع الظواهر الاجتماعية التاريخية

تشتمل على عدد من الخيوط الاواعية التي تترابط على مستويات باطنية متمايزة عن بعضها، ولكنها في حالة ترابط. ومع ذلك، ربما يكون استمرار [آلة] الأرض الفارغة في الهيمنة على الشهية الصهيونية للتهجير الفلسطيني بأي ثمن، ربما يكون ذلك ممكنًا [ويستمر أيضًا] من دون ظهور أفكار جديدة، أو خلق

مفاهيم جديدة. وذلك ليس مجرد تصلب أو عناد، بل هو الرغبة وآلاتها؛ ما يفسر عدم القدرة السياسية على التوصل، في الممارسة العملية، إلى مسار سلمي في العاقة بين المجتمعين الصهيوني والفلسطيني. فمن دون تغيير في البنية التحتية وأشغال الرغبة، لا يمكن أن تغير جماعة موقفها من الحياة.

References

المراجع

Ben–Porath, Areil. "They didn’t lay on the fence." Yunim be Tkumat Israel. no. 4 (1995). Buchanan, Ian. Deleuze and Guattari’s Anti–Oedipus. London: Continuum, 2008. Buchanan, Ian & Gregg Lambert (eds.). Deleuze and Space. Toronto: University of Toronto Press, 2005. Colebrook, Claire. Gilles Deleuze. London: Routledge, 2002. Colwell, Chip. "Deleuze and the Prepersonal." Philosophy Today. vol. 1, no. 41 (1997). ______. "Agencies of the body." International Studies in Philosophy. vol. 4, no. 32 (2000). Dalsheim, Joyce. "Settler Nationalism, Collective Memories of Violence and the ‘Uncanny Other." Social Identities. vol. 10, no. 2 (2004). Dallmayr, Fred. Beyond Orientalism. New York: State University of New York Press,

Davis, Uri. Apartheid in Israel. London/ New York: Zed Books, 2003. Deleuze, Gilles. Bergsonism. Hugh Tomlinson & Barbara Habberjam (trans.). New York: Zone Books, 1991. ______. The Logic of Sense. Mark Lester (trans.). New York: Columbia University Press,

______. Difference and Repetition. Paul Patton (trans.). New York: Columbia University Press, 1994. Deleuze, Gilles & Felix Guattari. Anti–Oedipus: Capitalism and Schizophrenia , Robert Hurley, Mark Seem & Helen R. Lane (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press,

______. A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia. Brian Massumi (trans.) Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987.

______. What is Philosophy? Hugh Tomlinson & Graham Burchell (trans.). New York: Columbia University Press, 1994. Deleuze, Gilles & Clair Parnet. Dialogues II. Hugh Tomlinson & Barbara Habberjam (trans.). New York: Columbia University Press, 2002. Elster, John. Sour Grapes: Studies in the Subversion of Rationality. Cambridge: Cambridge University Press, 1983. Falah, Ghazi. "Israeli 'Judisation' policy in the Galilee." Journal of Palestinian Studies. vol. 20, no. 4 (2009). Goodchild, Philip.  Deleuze & Guattari– An introduction to the Politics of Desire. London: Sage, 1996. Holland, Eugene. Deleuze and Guattari’s Anti–Oedipus. London: Routledge, 1999. Humphries, Isabelle. "From Gaza to Galilee." The Washington Report on Middle East Affairs. vol. 7, no. 24 (2005). Gur–Ze’ev, Ilan. Modernity, Postmodernity and Education. Tel Aviv: Ramot, 1999. Khalidi, Walid. All That Remains: The Palestinian Villages Occupied and Depopulated by Israel in 1948. Washington: Institute of Palestinian Studies, 1992. Kimmerling, Baruch. Zionism and Territory. Berkeley: University of California, 1983. Kletter, Raz. Just Past – The Making of Israeli Archeology. London: Equinox, 2006. Kretzmer, David. The Legal Status of the Arabs in Israel. Boulder: Westview Press, 1990. Lustick, Ian. Arabs in the Jewish State – Israel’s Control of a National Minority. Austin: University of Texas Press, 1980. Masalha, Nur. The Expulsion of the Palestinians – the Concept of Transfer in Zionist Political Thought, 1882–1948. Washington: The Institute for Palestinians Studies, 1992. Masalha, Nur. A Land Without a People – Israel, Transfer and the Palestinians 1949–1996. London: Faber and Faber, 1997. May, Todd. "Gilles Deleuze and the Politics of Time." Man and World. vol. 29, no. 3 (1996). ______. Gilles Deleuze: An Introduction. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Mercer, David. "Terra Nullius, Aboriginal Sovereignty and Land Rights in Australia." Political Geography. no. 12 (1993). Metzer, Jacob. the Divided Economy of Mandatroy Palestine. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Morris, Benny. The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947–1949. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. Morris, Benny. And After 1948: Israel and the Palestinians. Oxford: Clarendon Press,

Pappe, Ilan. The Ethnic Cleansing of Palestine. Oxford: Oneworld Publications, 2006. Patton, Paul. "Sovereignty, Law and Difference in Australia: After the Mabo Case." Alternatives. no. 21 (1996). ______. "The World Seen from within: Deleuze and the Philosophy of Events." Theory and Event. vol. 1, no. 1 (1997).

______. Deleuze & the Political. London: Routledge, 2000. Peled, Yoav & Gershon Shafir. Being Israeli: The Dynamics of Multiple Citizenship. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Peteet, Julie. "Words as Interventions: Naming in the Palestine–Israel Conflict." Third World Quarterly. vol. 26, no. 1 (2005). Rabinowitz, Dan. Overlooking Nazareth – The Ethnography of Exclusion in a town in Galilee. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Said, Edward. The Question of Palestine. London: Routledge & K. Paul, 1979. Smith, Barbara. The Roots of Separatism in Palestine. London: Tauris, 1993. Shafir, Gershon. Land, Labour, and the Origins of the Israeli–Palestinian Conflict, 1882– 1914. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. Svirsky, Marcelo. "The Politics of Familiarity: An Intercultural Alternative to the Politics of Recognition." Hamerhav HaTziburi. (The Public Space) , vol. 2 (2008). Svirsky, Marcelo et al. "Bilingual Education and Practical Interculturalism in Israel: The case of the Galilee." The Discourse of Sociological Practice. vol. 8, no. 1 (January 2007). Yacobi, Haim. "From Urban Panopticism to Spatial Protest: Housing Policy, Segregation and Social Exclusion of the Palestinian Community in the City of Lydda–Lod." Conference Paper: Lincoln Institute of Land Policy (2001). Yacobi, Haim & Shelly Cohen. Separation: The Politics of Space in Israel. Tel Aviv: Xargol and Am Oved, 2006. Yiftachel, Oren. "Spatial Planning, Land Control and Arab–Jewish Relations in the Galilee." Ir Ve’ezor (City and Region). no. 23 (1994). ______. "The Internal Frontier: Territorial Control and Ethnic Relations in Israel." Regional Studies. vol. 30, no. 5 (1996). ______. Ethnocracy. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2006. ______. "Urban Democracy: Ethnicisation and the Production of Space in an Israeli 'Mixed' City." Environment and Planning D: Society and Space. vol. 21, no. 6 (2003). Yiftachel, Oren & Naomi Carmon. "Socio–spatial Mix and Inter–ethnic Attitudes: Jewish Newcomers and Arab–Jewish Issues in the Galilee." European Planning Studies. no. 5 Young, Robert. Colonial Desire. London/ New York: Routledge, 1995. Davis, Nira Yuval, Floya Anthias & Eleonore Kofman. "Secure Borders and Safe Haven and the Gendered Politics of Belonging: Beyong Social Cohesion." Ethnic and Racial Studies. vol. 28, no. 3 (2005).