العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب تاريخ موجز للعلمانية لغرايم سميث

مراجعة كتاب تاريخ موجز للعلمانية لغرايم سميث

Book review A Short History of Secularism by Graeme Smith

كمال طيرشي

Kamel Tirchi

الملخّص

الكتاب يحاول المنافحةَ عن مسألة طالما فُهمت فهمًا مغالطًا، وفُسِّرَتْ وفق رؤية ضيقة حجبت الفهم الصحيح للعلمانية، وأخرجتها من جوهرها الذي تأسست به وانبنى عليه أهم مرتكزاتها، خصوصًا ضد أولئك الذين يقرنون ظهورَ العلمانية بأفول الدين (المسيحية تحديدًا)

Abstract

غرايم سميث Graeme Smith) (.

الكلمات المفتاحية:
  • العلمانية
  • الدين
  • المسيحية
  • غرايم سميث
Keywords:
  • Secularism
  • Graeme Smith
  • Religion
  • Christianity

الكتاب:

تاريخ موجز للعلمانية. المؤلف: المترج م:

مصطفى منادي إدريسي. مراجع ة:

نازك يارد. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

276 صفحة.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies. kamel.terchi@dohainstitute.org

مقدمة

يحاول كتاب تاريخ موجز للعلمانية

A Short History of Secularism

(2007) لغرايم سميث Smith Graeme المنافحة عن مسألة طالما فُهمت فهمًا مغالطًا، وفُسِّرَتْ وفق

رؤية ضيقة حجبت الفهم الصحيح للعلمانية Secularism، وأخرجتها من جوهرها الذي تأسست به، وانبنى عليه أهم مرتكزاتها، خصوصًا ضد

أولئك الذين يقرنون ظهورَ العلمانية بأفول الدين

(المسيحية تحديدًا)، ولكأن العلمانية جاءت لتُجهز

على الدين وتعلن موته، بسببٍ من تنامي الإلحاد في الغرب (ص. 14). هذا التصور الفلسفي سبق أن تبناه أيضًا الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، ولا سيما في جل كتاباته المتأخرة التي نذكر في مقدمتها كتابه الدين في حدود مجرد العقل Religion within

the Bounds of Bare Reason، مؤكدًا أن الصلة

(((يعرّف عزمي بشارة العلمنة بقوله إنها "نموذج سوسيولوجي

في فهم المراحل الحديثة وتفسيرها في عملية تمايز وتمفصل، بدأت منذ وعي الدين باعتباره دينًا، وهي صيرورة تاريخية لتمايز

العناصر الدينية والمجتمعية بأشكال مختلفة، حيث لا تقبل أي تنميط أيديولوجي نهائي لها. ومن السذاجة اعتبارها مجرد مفهوم أو عملية فصل الدين عن الدولة أو قصرها على آخر تجليات هذا الفصل، وهو خصخصة القرار في الشأن الديني وتحييد الدولة عن فردانية الدين. أما العلمانية بهذا الشكل، فقد تحولت إلى أيديولوجيا سرعان ما تحارب الدين في الحيز العام

وتدعو إلى إقصائه كخطوة إلى الحداثة، وهي هنا تشكّل أديانًا

علمانية بديلة". ينظر: عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق

تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين، ط  2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.439 (((يُمكن أن نُجمل الموضوع الجوهري لهذا الكتاب في هذه

العبارة الكانطية: "إنّ الوهم والتعصب الديني هو الموت الأخاقي للعقل، وبدون العقل لا يكون هناك دين ممكن". يُنظر: إيمانويل

كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2012)، ص 155. ونفهم منه أن الأهم هو الأخاق التي نستشفها من هذا الدين؛ كونها ما يُمكن أن

تُجمع عليه كل العقول في هذا الكون. على خاف التأويات

والسجالات الناجمة عن تعدد مذاهب الناس ونحلهم وعقائدهم.

متينة بين ما هو أخاقي وما هو ديني، من حيث إن الأخاق ليست في حاجة إلى الدين من أجل نهوضها، بل هي مفاهيم مستقلة بذاتها بناءً على

ما يوضع لها من قواعد العقل العملي Practical reason، كما أن القانون الأخاقي الذي يحتكم إليه جميع الكائنات العاقلة يلزم عنه التسليم بوجود كائن أعظم لهذا الكون، وهو في الأساس مسلَّمة تمخضت عن الأخاق، وطبعًا من دون أن نعتبرها

الأصل في ظهور الأخاق. وهو ما يتبناه المؤلِّف حرفيًّا؛ فنجده يقول إن العلمانية "هي الالتزام بعمل

الخير، بمفهوم المسيحية التقليدية، ومن غير أدنى اهتمام بتفاصيل التعاليم الكنسية، هكذا تصبح الرغبة في أن نكون خيّرين وفاعلي خير، رغبة

يدعمها شعور متعاطف تجاه فكرة 'الله'" (ص. 14) وفي مقابل ذلك، يهاجم المؤلف بشدة الطرح القائل بأن المنزع الأيديولوجي الذي تسير على خطاه العلمانية في صراعها المستميت مع المسيحية أوجد رهطًا من العلمانيين يتصارعون ضد قطبين؛ الأول يجسده المتدينون الذين يُمكن التعبير عنهم بضمير "هم"، والآخر يمثله

العلمانيون الذين يُمكن أن نعبر عنهم بضمير

(((يُنظر: زكريا إبراهيم، كانت أو الفلسفة النقدية (القاهرة:

مكتبة مصر، 1972)، ص.206 (((لا نعتقد أن المؤلف ابتعد، على نحو صريح، عن التصور الذائع الصيت الذي طرحته فلسفة إيمانويل كانط في دراسته وتعليقه على مسيحية عصره، فقد تهكم كانط بالطابع الشكلي للممارسة الطقوسية للعبادات، وكان يفرّق بين العبادة الصحيحة

والعبادة الزائفة التي تعمد إلى قلب المفهوم المعهود للعبادة الحقيقية، والسلوك الأخاقي المستلزَم عنها، فتصبح العبادة

فوق السلوك، وهو ما يحصل في المؤسسات الدينية القائمة

بأمور الدين (الكنيسة مثلً)؛ وبهذا، يمايز كانط بين دين تجاري

أناني تكون بُغيته تحقيق متعٍ مادية ونعمٍ؛ عن طريق إقامة طقوس

وشعائر دينية، من جهة، ودين أخاقي متواضع أو دين السيرة الحسنة كما ينعته، بعيد كل البعد عن الطرق السيئة والغريبة في التدين، ولا يستهين بالعقل البشري، من جهة أخرى. يُنظر:

كانط، ص 18.

"نحن"، هؤلاء الذين يسعون للنيل من المسيحية، معتبرين الكنيسة عدوًّا أكبر لهم، لأنها توظف

أشخاصًا "مخادعين" يتكلمون نيابة عن الرب،

ويعتبرون أنفسهم وسطاء لاهوتيين، ويجري اختيار النخبة منهم لتخطب في الناس يومًا

في الأسبوع، وهذا كله تعمله الكنيسة لتحافظ على وضعها النخبوي في المجتمع (ص. 15). بناءً على هذا، نعتقد أن المؤلِّف ربما يقصد

الأطروحات التي درجت في بعض الفلسفات الاهوتية الأوروبية المعاصرة، والتي نذكر منها على سبيل المثال ما تبناه الوجودي الاهوتي سورن كيركيغارد Kierkegaard Søren –1813(1855)، الذي يمكن تمثُّلُه علمانيًّا ينافح عن إيمان

مسيحي بعيدٍ عن الطابع المؤسسي للكنيسة، لما فيها من تزلف ورياء وسمعة؛ كون المسيحية التي ينادي بها كيركيغارد وصفها المطران يعقوب بيتر مينستر Mynster Peter Jacob –1775(1854) بأنها مسيحية تبحث عن المسيح في الصحراء، بدلً من أن تبحث عنه في الكنيسة والتاريخ. سيعمد المؤلف في كتابه هذا إلى دراسة البراهين المؤكدة لعلمانية المجتمعات في الغرب، مستأنسًا في ذلك بمناهج التحليل

الاجتماعي والتاريخي، وما طرحته النظريات الثقافية، والأطروحات الاهوتية المعاصرة، وهذا كله من أجل أن يرسم صورة دقيقة لهوية هذا الغرب دينيًا وعلمانيًا (ص. 19)

أولا: النزعة العملية والتقانة الجديدة في الغرب

يناقش المؤلف في كتابه الرواية الكاسيكية المتعلقة ببزوغ العلمانية ونشأتها، عائدًا في ذلك

(((يُنظر: حسن يوسف طه، فلسفة الدين عند كيركجارد

(القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2001)، ص.59

إلى العهود الغابرة من التاريخ الإغريقي واللبنات الأولى التي شيدها المتفلسفة الأوائل، وفي مقدمتهم الفيلسوف أناكساغوراس Anaxagoras (500 ق.م 28–. 4 ق.م.)الذي اعتبره المؤلف منتميًا إلى التقليد العلمي والعقاني الأيوني،

وهو أحد الفاسفة الطبيعيين الأوائل على غرار طاليس Thales (24546–.6 ق.مق.م.)، وأنكسيمانس Anaximenes (–.588 ق.م 525 ق.م.)، وأنبادوقليدس Empedocles (9030–.4 ق.م 4 ق.م.)، وبارمينيدس Parmenides (540 ق.م 80–.4 ق.م.)، وهرقليطس Heraclitus (540 ق.م 80–.4 ق.م.). ويعتقد المؤلف أنه أول علماني عرفته أوروبا بمفهومها المعاصر؛ إذ تلقى علمه في مدرسة الفيلسوف الطبيعي أنكسيمانس كما يذكر ذلك يوسف كرم (1959–1886)، ولما بلغ الأربعين من عمره هاجر إلى أثينا، وربطته عاقة متينة بصديقه بريكليس Pericles (9029–.4 ق.م 4 ق.م.) الذي عُرف عنه استقدامه

العلماء والأدباء إلى أثينا، فدخل أنكساغوراس أثينا بدعوة من صديقه. ولكن مع أفول منزلة بريكليس في أثينا، أصبح الفيلسوف خصمًا سياسيًا، واتُّهِم

بالهرطقة والإلحاد، فأرادت السلطات النيل منه ومن صديقه بريكليس. ومن التهم التي وجهت

(((يضع هذا الفيلسوف العقل في أسمى مرتبة في الوجود،

ويعتبره مطلقًا غير ممتزج بالمادة، وهو نفسه بنفسه، ولو لم يكن بنفسه لكان ممزوجًا ببعض الأشياء، وإذا كان ممزوجًا ببعض

الأشياء، فإن الأشياء التي امتزجت به تعوقه عن السيطرة على

الأشياء الأخرى. يُنظر: عبد الجليل كاظم الوالي، الفلسفة

اليونانية (عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، 2009)، ص.139 (((هي مدرسة فلسفية ينتمي فاسفتها إلى مدينة ملطية بأيونيا، وقد اشتهرت في القرن السادس قبل المياد، ولقبت بمدرسة الطبيعيين الأوائل، كما أبرزت مفهوم الكوسموس، كمنظومة متناسقة من المبادئ المتناغمة معًا، يُمكن استيعابها وفهمها

كبناء متناسق. يُنظر: وريف عوادين، الفلسفة اليونانية (عمان:

دار الجنان للنشر والتوزيع، 2021)، ص.17

له قوله بأن القمر أرض فيها جبال وأودية، وأن الشمس والكواكب أجرام ملتهبة لا تختلف طبيعتها عن طبيعة الأجسام الأرضية، ولم يكن أهل أثينا يطيقون هذا الكام والتفسير لأنهم كانوا يعتقدون أن كل ما هو سماوي هو بالضرورة إلهي؛ فاضطر أنكساغوراس إلى مغادرة أثينا، وعاد أدراجه إلى آسيا الصغرى، حتى وافته المنيّة. يعتقد المؤلف أن ما جرى لأنكساغوراس في اليونان، هو من جنس ما جرى لغاليليو غاليلي Galilei Galileo (1564–1642)، ومن بعده تشارلز داروين Darwin Charles –1809(1882)، وأنه على الرغم من الإرهاصات التي بشرت بظهور العلمانية مع بعض فاسفة الإغريق، فإنها – سياقيًّا وتحديدًا تاريخيًا – يُمكن اعتبارها

تبدأ مع أفول عصر الظام في أوروبا، وبزوغ شمس النهضة، ومعه بدأ عصر الأنوار وتجلت معه النزعة الإنسانوية Humanism. ويعتبر Desiderius Erasmus دسيدريوس إراسموس (1536–1466) عرابها الأكبر، الذي لخص عصر النهضة برمته في شخصه، وكان هولنديًّا من روتردام. وفي كل هذا، لم تُهَن المسيحية؛ من

(((يُنظر: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، تعليق مصطفى

النشار (القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب، 2019)، ص –71 (((الإنسانوية النهضوية هي نزعة امتازت بمنحى تفاؤلي شديد، وتصورت الكون تصورًا واعدًا عامرًا بالأنوار، واعتقدت

أنّ الإنسان مقياس لكل شيء ولمركز الكونية، لأنه المخلوق المتميّز المحقق لإرادة الرّب على وجه الأرض، وذلك بفضل

العقل والنعمة الإلهية، وأنّ هذه النزعة اقتدرت على تمثيل أخاق النبل الإنسي، الممجد لقيم الإبداع، مواجهة لقوة الطبيعة الميّتة بالقوة الحيّة للإنسان، وعن طريق الاتساق الصارم

والممنهج لكل الطاقات الإنسانية. ينظر: هاشم صالح، مدخل

إلى التنوير الأوروبي، رابطة العقانيين العرب، ط  2 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2007)، ص.82 ((1(المرجع نفسه، ص.75

حيث إن العلم والنزعة العلموية لم يشكّ في بداياتهما تهديدًا لها، وربما يعود ذلك إلى أنّ هؤلاء العلماء الأوائل في أوروبا القرن التاسع عشر متدينون في الأساس، وأنّ فلسفاتهم تَظهَر خادمةً للدين، ولا أدل على ذلك من الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، وعالم الفيزياء إسحاق نيوتن Newton Isaac)1727–1642(وغيرهما (ص. 1)4 لكن ما لاحظناه في هذا السياق أن المؤلف لم يتوقف عند شخصية ديكارت، الذي يُمكن أن نعتبره المنعطف الأكبر في العلمانية الأوروبية، في حال اعتبارنا إيّاه علمانيًا حقيقيًا، وخصوصًا مع صدور

كتابه تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى

)1641(Meditations on First Philosophy

الذي أهداه إلى رجال الدين الاهوت في جامعة السوربون، رغم أنه يطرح مضامين على الضد

((1(تكمن أهمية نيوتن الفلسفية والاهوتية في تقديمه ثاث خدمات جليلة للتفلسف؛ أولها: تأسيسه لعلوم فيزيائية منفصلة عن الفلسفة، لتصبح فيما بعد برَدايمًا للتفلسف، وصياغته نظرية

فينومينولوجية للعلم، إضافة إلى ربطه الوثيق بين علوم فيزياء الميكانيكا والاهوت أساسًا، وتحديده في شكل إثباتات ودلائل

يطلق عليها "البرهان الطبيعي – الاهوتي" لوجود الإله. يُنظر:

فوادسواف تاتاركيفتش، الفلسفة الحديثة من عصر النهضة حتى

التنوير، ترجمة محمد عثمان مكي العجيل (القاهرة: دار كنوز للنشر، 2012)، ص.159 ((1(يرى الباحث ميمون أن ديكارت بإهدائه كتابه لأساتذة الاهوت بالسوربون يكون قد صنّف نفسه في زمرة الفاسفة

المسيحيين. يُنظر: ربيع ميمون، مشكلة الدور الديكارتي

(الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الوطنية، 1982)، ص 193. إلا أن الحقيقة المتوارية بالحجب هي أن ديكارت اعتمد حيلة بارعة في كتابه، ليعيد تشكيل العقل الغربي بعيدًا

عن التراث الاهوتي المسيحي، منطلقًا من مقولة "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، لرفض التراث الغربي المسيحي الوسيط كليًّا، ومن ثمّ

إعادة موضعة العقل الغربي، بانتقاء ما يائمه من المعارف السائدة، متجنبًا في ذلك الدخول في عملية نقد عالمي لتلك

المعارف. يُنظر: لؤي صافي، "العقل والتجديد"، مجلة المستقبل

العربي، مج 20، العدد 223 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص.24

تمامًا مما ينهجه هؤلاء. وربما كان في ذلك نوع

من المداهنة، حتى لا يتعرض لما تعرض له سالفه كوبرنيكوس أو غاليلي. ولكن المؤلف يؤكد في المقابل أن الأفكار التي جاء بها هؤلاء الفاسفة والعلماء، على الرغم من ولائهم للدين، وسعيهم

للبرهنة لإثبات وجود إله للكون، استُخدِمت

على عكس ذلك تمامًا، وأخرجت مفهوم "الإله"

من الفضاء العام، وبينما كانت علوم الحياة والأنثروبولوجيا والفلك تمضي قدمًا في القرن

التاسع عشر، كان الدين يزداد تهميشًا مع مرور الوقت (ص. 42) وبذلك، وقفت المسيحية على الند في مجابهتها العسيرة مع ما يُمكن اعتباره انتصارًا للعلمانية.

وعلى الرغم من ذلك، تجلت معضات جعلت من الدين المسيحي يقول كلمته ويحظى بمقام كريم، وخصوصًا في الصراعات الثقافية التي

كانت تخاض في السياسة الأميركية. ومن تلك المعضات ما تجلى في أنّ جل المسيحيين لهم المقدرة على الجمع بين إيمانهم الجيني ومعارفهم العلمية، وفي بعض الأحيان، بين إيمانهم وخبراتهم الواسعة، وهو ما يتطلب سردية مختلفة عن الصدام بين العلمانية والعلم من جهة، والديانة المسيحية من جهة ثانية، والرواية الأكثر اعتدالً في هذا السياق تُبيّن، على نحو لا يدع أي

مجال للشك، أن العلم حلَّ محل الدين، فأصبح على إثر ذلك هو التقنية الناجعة في المجتمعات الغربية؛ بحيث يتفوق العلم على المسيحية في المنحى الوظيفي، ويعمد إلى تحليل الطبيعة وتفسير الحياة البشرية على نحو أفضل. ومع ذلك، لم يقدر العلم أن يُطوِّر حتى هذا الحين

مسلكًا أخاقيًا مائمًا، ولم يقدر كذلك أن يقوم

مقام الدين المسيحي فيما يتعلق بالشق الأخاقي (ص. 63)

ثانيًا: علمانية وتاريخ سوسيولوجي

يستنجد المؤلف بمسلك التاريخ الاجتماعي الذي يعتقد أنه الأكثر اعتمادًا في الأبحاث المتعلقة بتقصي ظهور العلمانية في العالم الغربي. وفي خضم هذا السجال، تبرز فكرة العلمنة التي أخذت حظًّا وافرًا من التمحيص، ولا سيما في

مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، وعمد باحثون كُثر إلى تطوير النسخة المعاصرة له، وكان في مقدمة هؤلاء بيتر بيرغر، وهو أحد أهم النقاد الذين عمدوا إلى جعل الثقافة تكتسي طابعًا مركزيًا في التحليل السوسيولوجي؛ بُغية الحصول

على نظرية اجتماعية، وقد تجلى ذلك في كتاباته، ومنها على سبيل المثال البناء الاجتماعي للواقع الذي يُمثل طرحًا فكريًّا معمّقًا للنظرية الاجتماعية

فيما بعد الحرب العالمية الثانية، إضافةً إلى عالم الاجتماع الديني البريطاني بريان ولسون الذي أشار إلى جانب مغاير من علمنة العاقات الاجتماعية في العالم الحديث أو العالم المنظم، كما يُحب أن ينعته؛ إذ يوضح أن هذا العالم،

بحسب الأدوار الرسمية والتعاقدية والعاقات الاجتماعية غير الشخصية والمبنية على حالات التعاون المهني، لا يكون فيه البتة مجال للفضائل الشخصية باعتبارها عاملً مستقلً عن ضرورات الدور ومقتضياته. إلا أن المؤلف يدّعي أنّ هذه النسخة المعاصرة للنظرية تعود إلى القرن التاسع عشر مع علماء اجتماع وفاسفة، من أمثال إيميل

(1((يُنظر: محمود الذوادي، مختصر الجدال حول النظرية

الاجتماعية اليوم (بيروت: المعهد العالمي للفكر الإسامي، 2014)، ص.33 (1((يُنظر: محمد تقي سبحاني [وآخرون]، العلمانية مذهبًا:

دراسات نقدية في الأسس والمرتكزات، ترجمة حيدر نجف (بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسامي، 2014)، ص.58

دوركهايم، وأوغست كونت، غير أن أكثر الباحثين راهنية في تمثل هذه النظرية، وفقًا للمؤلف، هو ستيف بروس. قدّم المؤلف في كتابه إحصاءات توحي بنكوص الكنيسة، وهي إحصاءات لا مراء فيها، وتكشف عن التفسيرات المتباينة للعلمنة في تمظهرها الغربي، مستحضرًا في ذلك ما قدّمه

السوسيولوجي بروس من نظريات حول التحديث والعقانية التقنية والتصدع الاجتماعي، ومستشهدًا بالاعتراضات الشديدة التي جابهت هذه الرؤية البروسية من لدن الكثير من الدارسين؛ وذلك لأنها مجرد تفسيرات لتقهقر دور الكنيسة، ولا تعني البتة نكوص الإيمان المسيحي، وأن ما قدمه بروس حول الإيمان والممارسة المسيحية ضيق جدًّا. فإن ما يدعو إليه من تحديث، إذا ما أسقطناه على الوضع في أميركا مثلً، سنجده مغايرًا تمامًا؛ إذ تُوضِّح الإحصاءات أن الإيمان

المسيحي والانتساب إلى المؤسسة الكنسية أقوى كثيرًا مما يُعتقد (ص. 8)6 ثمّ إنّ التصور القائل

إن المجتمعات في الغرب أصبحت تميل إلى العلمانية آخذًا في الاعتبار ما تُقدمه الإحصاءات، غير دقيق، ولا يعبر عن حقيقة الأمر؛ وذلك لأنه توجد شواهد تؤكد أن هذا الأنموذج لا يصدق على كل المجتمعات الغربية، حيث تجسد أميركا

((1(يؤسس هذا السوسيولوجي البريطاني لروحانية العصر الجديد بمنزلة بديل من العلمنة، من خال نقده البرَدايم

العلماني الذائع صيته في الغرب عمومًا، وفي المجتمعات

الأنكلوسكسونية في بريطانيا خصوصًا، وبذلك يعتبر بروس أن

النزوع الذي ينعته ب "روحانية العصر الجديد"، هو مسلك يعمد إلى الجمع بين نقد العلمانية الشديد، واعتناق روحانية سوسيولوجية تتأسس على النهل القيمي من كل الأديان على المنحيين الفردي والاجتماعي. يُنظر: ستيف بروس، "روحانية

'العصر الجديد' بديلً من العلمنة: بطان الديانة الفردية"، ترجمة

رامي طوقان، مجلة الاستغراب، العدد 2(شتاء 2016)، ص.191

الاستثناء الذي يستدعي دراسات قائمة بذاتها. وليست كل البلدان في أوروبا، ولا سيما أوروبا

الغربية، متماثلة؛ إذ تبيّن التقارير التي رُصِدَت عن

حضور الصلوات الدينية، كل يوم أحد، أنّ هذا الحضور حظي بنسبة أعلى في البرتغال وإيرلندا، مقارنةً بكلّ من فرنسا والسويد. ويمكننا تفسير ذلك بالثقافات الدينية المتباينة لهذه البلدان، إضافة إلى التاريخ السياسي للدولة القومية (ص. 69)

ثالثًا: الناس العاديون يعيدون ابتكار المسيحية

وضح المؤلف في هذا الفصل فكرة إعادة ابتكار المسيحية على أيدي الأفراد المنتسبين إليها، وكيف أن تاريخ المسيحية كان دومًا تاريخَ

تحولات وتغيرات وإعادة لابتكار والتجديد؛ فالمسيحية امتدت وتجذرت من الناحية التاريخية عبر خضوعها للصياغة وإعادة الصياغة في ثقافات  97 متباينة (ص). ويُمكن أن نستدلّ

على ذلك بما حصل من تغيرات مفاهيمية في الاهوت الأوروبي في الأزمنة الحداثية، بمفهوم "الرُّجعى" المسيحي الذي أورده كيركيغارد؛ إذ

نجده أشبه بإعادة ابتكار المدلول نفسه الذي كان عند الاهوتي اليوناني أيرينيوس Irenaeust (130–202)، الذي نعت الخاص المسيحي ب "الاسترداد" الذي يتحدث فيه عن توقف الخاص البشري مع النبي آدم واسترجاعه من لدن المسيح، ومن خاله استرد يسوع النموذجَ الآدميَّ

مرة أخرى على نحوٍ أكمل الإنسانية، وأتمّها

على نحو أعظم. هذا تقريبًا مدلول الرجعى

(1((بول تلش، تاريخ الفكر المسيحي من جذوره الهلينستية

واليهودية حتى الوجودية، ترجمة وهبة طلعت أبو العا، ج 1 (القاهرة: مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة، 2012)، ص.96

الكيركغاردية نفسه، وإن كانت عند الفيلسوف محملة ببعض الدلالات التعاطفية المتعلقة باسترجاع حُب مهدور لأنثى تمت التضحية بها،

إرضاءً لمحبةٍ أعظم، هي محبة الرب الذي توقع

منه أن يكافئه على هذه التضحية. كان سعي المؤلف إلى تقصي ماهية يسوع التاريخي مُحاوَلةً لفك طاسم الحواجز

والمعوقات التي نصبها التاريخ، وبذلك نقتدر على تقريب الفجوة التي تفصلنا عن المعايير السوسيولوجية والسياسات والثقافات الغربية، والعمل على إحقاق تاحم وتواشج بين الألسن المتنافرة كي نستطيع معرفة المقصود أصلً، حتى إن كان ما يجري قوله وعمله واقعًا في أزمنة وأمكنة لا يدان لنا بتمثلها على التقريب. ثمّ إن

الفرد الذي يتلقى تعاليم ومعتقدات جديدة، وكذلك قيمًا جديدة، سوف يقارنها – لا محالة –

بما ألفى عليه آباءه، وربما يعمد إلى استخدام معارفهم السابقة لحذق المفاهيم الجديدة التي نُقلت إليه، أو لقنته إياها الكنيسة أو المدرسة، وهذه عينها يُمكن نعتها بإعادة صياغة المعنى

الجديد بآذان القديم، وهي التي ستضمن حتمًا

مرونة الهوية المسيحية في التاريخ (ص. 122)

رابعًا: الحياة المسيحية الوسيطية والحياة المسيحية المعاصرة

أكد المؤلف أن مسألة الالتزام بالذهاب إلى الكنيسة كانت مرتهنة أساسًا بعوامل محلية، في

مقدمتها مدى حب أهل القرية أو الحي الذي يقطنون فيه لكاهن ذي ضمير حيّ وأخاق عالية،

وذي شجاعة في طرح قضايا قريته والمساوئ التي تتخبط فيها في خطبه الدينية ومواعظه؛ فهذا

ما يُشجع الناس على الحضور بقوة لمواعظه،

بخاف الكاهن المتغيب الجاهل النمطي الذي لا يستفيد، ولا يفيد الناس، ويكون مجرد موظف عند الدولة يتقاضى راتبًا شهريًا ويشعر بالملل من

عمله الوعظي. وقد لا يكون مؤمنًا بما يقوله للناس، ومن ثمّ لن يجتذب إليه كثيرًا من الناس

إلى القداس (ص. 159) ويبسط المؤلف في كتابه المميزات المشتركة بين الهوية الدينية في صورتها الغربية المعاصرة، والهوية الدينية في القرون الوسطى المسيحية، حيث يمتاز المجتمعان بحضور معرفة تقنية بالدين الشعبي، كما يُجمعان على هذه المعرفة الدينية؛

إذ تتباين عن العقيدة الأرثوذكسية القويمة الرسمية للكنيسة، وعن المؤسسة الاهوتية الأكاديمية. وكثيرًا ما نجد هذه المؤسسة الاهوتية تفقد

أهميتها، ومع ذلك تبقى منهلً لكثير من الناس الساعين إلى الهناء والطمأنينة في حياتهم. وإلى جانب التدين الشعبي، توجد أيضًا فكرة

((1(يُمكن أن ناحظ الأمر عينه في بعض مجتمعاتنا الإسامية

المعاصرة، إذ يعزف الكثير من الناس عن حضور صلوات الجماعة والجمعة بحجة أن الإمام لم يعد يقول شيئًا جديدًا

يكتسي راهنية، ولا يناقش قضايا وهمومًا يعانيها الناس في

حياتهم ويومياتهم، بل تجده يردد مواعظ نمطية، يعرفها القاصي والداني، أو يركز على طرائق الإتيان بالفرائض والعبادات،

ويُذكّر الناس بعذاب جهنم ونعيم الجنة، سعيًا إلى زيادة تقوى

الناس. وهذه التقوى، سرعان ما يخبو مفعولها بمجرد الخروج من صاة الجمعة. ((1(لاحظنا هذه الحالة عندما تفشى فيروس كورونا، وأصبح الناس يستنجدون بالمدد السماوي، بعد أن فشلت حلول الأرض، وأصبحت الشعائر الدينية والتفسيرات الاهوتية طاغية على المسرح الوجودي، وخصوصًا بالنسبة إلى الإنسان الغربي

الذي آمن دومًا بقدرته الخارقة في ترويض مصاعب الطبيعة،

وإمكاناته القوية للسيطرة على الأمراض والأوبئة. لكن عندما انتشر الوباء وفشلت القطاعات الصحية الضخمة في متابعة هذه الزيادات وتافي مشكاتها، ذهب الناس إلى الكنيسة داعين الرب أن يُمدهم بالقوة، ويكشف عنهم الباء،

ويخلصهم من المرض.

الدين بالإنابة التي تمارس تأثيرها، وهو ما قد يقابله عند المسلمين ما يسمّى "فروض الكفاية"

التي إذا فعلها البعض سقط الإثم عن الباقين، وأنهم إذا تركوها جميعًا أثموا. وهناك ماحظة

مهمة تتعلق بمجتمع القرون الوسطى المسيحية، فقد كان الفرد منهم أكثر اهتمامًا بالضعيف والفقير

والمحتاج، وما يزال إلى حد الساعة هذا الاهتمام الأخاقي راسخًا، بعد أن تضعضعت الممارسة الدينية وانكمشت في الغرب، وسيطرت النزعة الرأسمالية المتوحشة، وقوة المال والنفوذ؛ وبناءً

عليه، فلن نجد لهذا الغرب من قيومية أخاقية إلا في ضوء هذا التراث المسيحي (ص. 178)

خامسًا: تأثير التنوير

لا يبدو أن المؤلف ابتعد كثيرًا عن طموحات

التنوير والتغني بها، حالُه في ذلك حال فاسفة الأنوار في الأزمنة الحداثية في أوروبا، مستندًا ومستهديًا في ذلك بما بناه الفيلسوف الألماني

إيمانويل كانط من أُسسٍ لهذا التنويرلم تخرج عن عباءة الأخاق المسيحية التي آمن بها الفيلسوف ووضع لبناتها الأولى في سبيل تشييد صرح فلسفته النقدية النظرية منها والعملية؛ بسبب التربية التقوية البروتستانتية التي تشبع بها، وتجلى ذلك في التنشئة المتشددة الصارمة التي خضع لها في مرحلة الطفولة. إلا أن الفيلسوف

((1(يُعرّف كانط التنوير بأنه: "انعتاق المرء من حالة العجز

الذاتي. العجز هو عدم قدرة المرء على استخدام فهمه الخاص دون توجيه الآخر. إذا لم يكن سبب هذه الحالة، من عدم النضج الذاتي، هو نقص في ملكة الفهم، فهو بالأحرى، نقص في الشجاعة والإقدام لاستخدامها دون إرشاد الآخر. لذلك، يكون

شعار التنوير إذًا: تحلَّ بالشجاعة لاستخدام عقلك بنفسك". يُنظر: إيمانويل كانط، "إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟"، ترجمة

عبد الله المشوح، موقع حكمة، شوهد في، في:2022/3/22

https://bit.ly/3N7VXyv

((2(إبراهيم، ص.40–39

كانط على الرغم من اعتزازه بذكرى التقوية التي تربى وترعرع عليها في صغره، واحترامه الشديد لجدّية هذه النزعة البروتستانتية التقليدية وهدوئها، لم يكن لديه سوى احتقار النسخة الرسمية من المذهب التقوي الذي عرفه في معهد فريديريك؛ أي شكليات المذهب التقوي وبعض البدع الطقوسية التي دخلته فيما بعد، لأن الذي جذب الفيلسوف كانط إلى الاهتمام بالتقوية، هو اهتمامها بالسريرة ودين القلب والسلوك الأخاقي العملي. يعلق المؤلف على التصور المطروح من لدن كانط بخصوص التنوير من حيث إن عباراته رنانة جميلة، لكنّ إجراءها على أرض الواقع أمر في غاية من التعقيد؛ إذ إن العصر كان تنويريًا بامتياز،

لكن لم يكن لكل فردٍ فيه أن يكون متنورًا على

نحو تصدق بشأنه العبارة. صحيح أن المزاج تنويري، لكن القدرة على وصول الشخص إلى مرتبة "المتنور" أمرٌ يصيبه الكثير من المعوقات

والتشعبات، ولا سيما ما تعلق منها بالجانب الوحدوي لهذا المدلول، ولطابعه الذي يبدو للقارئ والمتقصي ذكوريًا ونخبويًا إلى حدٍّ ما؛

لكونه يبجل الرجال العظماء وأفكارهم بحسب نعت الباحثة دوريندا أوتردام، في كتابها التنوير الصادر سنة 2005، التي نظرت إلى التنوير أنه أغفل وهمّش مساهمات النساء والفقراء

والمضطهدين والأصوات غير الغربية (ص. 188) وعلى الرغم من هذه الرؤية النقدية للمؤلف، وربما تحفُّظه في كثير من الحالات عن مضمون هذا التنوير ومقصوده، فإنه نظر إليه من زاوية مجالاته، وكيف أنه عبر عن تطور الذهنية العلمية أولً، وعن استمرار الهوية المسيحية للأخاق

((2(كانط، ص.173

الليبرالية الغربية المعاصرة ثانيًا؛ فثمّة ق يمٌ بقيت

راسخة في المجتمعات العلمانية في عصر التنوير،

ذات جذور في الاهوت المسيحي، تثبت بجاءٍ الأهمية الدائمة لهذه القيم على المدى الذي يجعل المسيحية ركيزةً في فهم المجتمع الغربي العلماني. وبهذا، يكون هذا المجتمع منقسمًا إلى ملمحين

مزدوجين، إن صح التعبير. فالملمح الأول متعالق بالذهنية العلمية التي حلّت محل المسيحية باعتبارها تقنية الغرب المسيطرة، وموجودة جنبًا

إلى جنب مع أخاق مسيحية يدعمها إيمان شعبي متأصل بالرب (ص. 181)

خاتمة: مجتمع الأخلاق

يستغرب سميث من المواصفات التي تجبل المجتمعات الغربية، والتي في مقدمتها الإيمان الراسخ بوجود الرب، ثمّ إنّ تعبيرهم عن هذا الإيمان ليس مجرد هذر، بقدر ما هو مسألة يأخذونها على محمل الجد، كما أن الثقافة المسيحية تغيرت منذ العصر الفيكتوري،

((2(انتقد كثير من الفاسفة والمفكرين أخاقيات العصر الفيكتوري، ونذكر منهم جون ستوارت مل، وماثيو أرنولد، اللذين تقاسما الافتراضات بشأن مامح الشخصية التي استحوذت على الفكر الفيكتوري كالمثابرة، والشجاعة في

المحن، وتأكيد واجبات الفرد. يُنظر: فريديريك روزن، مل،

ترجمة عاطف يوسف سليمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.9

المراجع

إبراهيم، زكريا. كانت أو الفلسفة النقدية. القاهرة: مكتبة مصر،.1972

طوقان. مجلة الاستغراب. العدد  2 (شتاء.)2016

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013

فصارت أقل هيمنة مما كانت عليه (ص. 260). ولعل هذا ما جعل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو يشير إلى القمع والمنع اللذين شم  الحياة الجنسية في الحقبة الفيكتورية. لكن هذا التحفظ الذي نال التعامل مع المسيحية، لا يدان لنا بفهمه أنه تراجعٌ للمسيحية، بل بالعكس من ذلك تمامًا؛ إذ صار الاحتكام إلى المسيحية أكثر

اعتيادية للإيمان والممارسة الدينية، وصار نوعًا من تكيف المسيحية مع الظرف الحاصل في ذلك الوقت من أجل مسايرة التغيرات والتكيف معها أكثر فأكثر. وبناءً على ذلك، لا يُمكن القول

إن المسيحية تأفل في زمن وتعود إلى البزوغ في زمن آخر، بل هي مما يشمله التغير الذي يتواءم ومستجدات الحياة الاجتماعية والثقافية الحاصلة في زمان ومكان معينين، وهذا ما حصل في الحقبة الفيكتورية مثلً. إلا أن الأمر الوحيد الذي يبقى ماثلً وباقيًا من المسيحية هو الأخاقيات،

حيث يواصل الناس إيمانهم بالرب وحضور المناسبات المسيحية كي يحفزوا اهتمامهم بالأخاق، وهذه السمات والمواصفات جميعها تؤلّف ما ينعته المؤلف ب "مجتمع الأخاق"، وهذه الهوية الثقافية والدينية هي المهيمنة على المجتمع العلماني الغربي (ص. 260)

(2((يُنظر: منى فياض، فخ الجسد، ط  2 (بيروت: دار النهضة

العربية، 2013)، ص.141

References

بروس، ستيف. "روحانية 'العصر الجديد' بديلً من العلمنة: بطان الديانة الفردية". ترجمة رامي

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الأول: الدين والتدين، ط  2. الدوحة/ بيروت:

تاتاركيفتش، فوادسواف. الفلسفة الحديثة من عصر النهضة حتى التنوير، ترجمة محمد عثمان مكي العجيل. القاهرة: دار كنوز للنشر،.2012 تلش، بول. تاريخ الفكر المسيحي من جذوره الهلينستية واليهودية حتى الوجودية. ترجمة وهبة طلعت أبو العا. ج 1. القاهرة: مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة،.2012 الذوادي، محمود. مختصر الجدال حول النظرية الاجتماعية اليوم. بيروت: المعهد العالمي للفكر الإسامي،.2014 روزن، فريديريك. مل. ترجمة عاطف يوسف سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 سبحاني، محمد تقي [وآخرون]. العلمانية مذهبًا: دراسات نقدية في الأسس والمرتكزات. ترجمة

حيدر نجف. بيروت: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسامي،.2014 صافي، لؤي. "العقل والتجديد". مجلة المستقبل العربي. مج  20. العدد.223.)1997(صالح، هاشم. مدخل إلى التنوير الأوروبي، رابطة العقانيين العرب، ط  2. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2007 طه، حسن يوسف. فلسفة الدين عند كيركجارد. القاهرة: مكتبة دار الكلمة،.2001 عوادين، وريف. الفلسفة اليونانية. عمان: دار الجنان للنشر والتوزيع،.2021 فياض، منى. فخ الجسد. ط  2. بيروت: دار النهضة العربية،.2013 كانط، إمانويل. "إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟". ترجمة عبد الله المشوح. موقع حكمة. في:

https://bit.ly/3N7VXyv

_______. الدين في حدود مجرد العقل. ترجمة فتحي المسكيني. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،

كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة اليونانية. تعليق مصطفى النشار. القاهرة: مكتبة الدار العربية للكتاب،

ميمون، ربيع. مشكلة الدور الديكارتي. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الوطنية،.1982 الوالي، عبد الجليل كاظم. الفلسفة اليونانية. عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع،.2009