تأملات في مسألة الهوية
Reflection on the Question of Identity
الملخّص
تتأمل هذه الدراسة في مفهوم الهوية؛ بغية تبيّن دلالاته المتعددة وتوضيح أسباب تضخّمه، عربيًا وعالميًا، لدرجة أن هناك قضايا كبيرة جرى إخفاؤها تحت عباءة ما بات يعرف بـ "أزمة الهوية". واشتغلت الدراسة أيضًا بفك التباسات تداخل مفهوم الهوية مع مفاهيم أخرى كالشخصية الحضارية، والطائفية السياسية، والإيمان الديني والمظلوميات على أنواعها، مثلما سعت لنقاشٍ فلسفي بشأن علاقة الهوية بالكرامة، وتبيان الفروق بين الهوية الفردية والهوية الجماعية والتداخل بينهما، والصلة بين الهوية والأخلاق. واستعانت كذلك بعلم النفس الاجتماعي لمناقشة قضايا تتعلق بأسس الانتماءات ووظائفها، وسياقات نشوء التمييز بين "نحن" و"هم"، وشرط الوعي الحديث للأفراد بذواتهم بصفتهم أفرادًا في تشكيلات الهوية. وتُختم الدراسة بتحليل قضايا الهوية العربية والتداخل والتنافر بين الهوية الوطنية والهوية القومية، وبين الهوية القومية والعولمة، وفحصت إمكانية تكامل الهوية والمواطنة.
Abstract
Abstract: This study reflects on the concept of identity within its philosophical, social, anthropological, psychological and logical context in order to illustrate its multiple connotations and explain the reasons for its inflation, Arab and global, to the extent that there are large issues hidden under the cloak of what has come to be known as the "identity crisis". It also seeks to separate the concept of identity from other concepts such as cultural or civilizational character, political sectarianism, religious faith and oppression, as well as seeking to establish a philosophical debate on the relationship of identity to dignity, and to show the differences between individual identity and collective identity and the overlap between them, and the link between identity and morality. The research utilizes social psychology to discuss issues related to the foundations and functions of affiliations, contexts that create a distinction between "us" and "them", the effects of individuals’ modern self–awareness as individuals on identity formations, and the link between identity and populism. The paper concludes by analyzing issues of Arab identity and the dissonance and intersection between state–national identity and pan–Arab identity, and national identity and globalization, and how identity and citizenship can be complementary.
- الهوية الفردية
- الهوية الجماعية
- الكرامة
- الشخصية الحضارية
- الانتماء
- التعاطف
- الأخلاق
- الإثنية
- القومية العربية
- الجماعة المتخيلة
- Individual Identity
- Collective Identity
- Dignity
- Civilized Personality
- Belonging
- Sympathy/Empathy
- Ethics
- Ethnicity
- Arab Nationalism
- Imagined Community
تضخّمه، عربيًا وعالميًا، لدرجة أن هناك قضايا كبيرة جرى إخفاؤها تحت عباءة ما بات يعرف
ب "أزمة الهوية". واشتغلت الدراسة أيضًا بفك التباسات تداخل مفهوم الهوية مع مفاهيم أخرى
كالشخصية الحضارية، والطائفية السياسية، والإيمان الديني والمظلوميات على أنواعها،
مثلما سعت لنقاشٍ فلسفي بشأن ع قااة الهوية بالكرامة، وتبيان الفروق بين الهوية الفردية
والهوية الجماعية والتداخل بينهما، والصلة بين الهوية والأخلاق. واستعانت كذلك بعلم النفس
الاجتماعي لمناقشة قضايا تتعلق بأسس الانتماءات ووظائفها، وسياقات نشوء التمييز بين "نحن"
و"هم"، وشرط الوعي الحديث لأفراد بذواتهم بصفتهم أفرادًا في تشكيلات الهوية. وتُختم
الدراسة بتحليل قضايا الهوية العربية والتداخل والتنافر بين الهوية الوطنية والهوية القومية، وبين
الهوية القومية والعولمة، وفحصت إمكانية تكامل الهوية والمواطنة.
التعاطف، الأخلاق، الإثنية، القومية العربية، الجماعة المتخيلة.
مقدمة: بشأن منزلقات البحث في موضوع الهوية
ترمي هذه الدراسة إلى تقديم مقاربة تحليلية مكثفة لمسألة الهوية؛ إذ يشوبُ بحثَها بعضُ
الارتباك بسبب رواج المصطلح في المجال التداولي في الحياة اليومية والإعلام والأدب والعلوم الاجتماعية، إلى درجة تعقد مهمة تحديد دلالته، فضلً عن مفهومه. وقد أصبح تعبير "أزمة هوية" الذي يلصق بفرد أو جماعة أو كيان سياسي رائجًا حتى في اللغة الدارجة، ومصدر نزاعات
وسجالات يتسم معظمها بالحدة والتكوّر حول ما يُعَدّ هوية؛ ما يشوش الأفق والطرق إلى المفهوم. إن الخوض "العلمي" في الموضوع محفوف بمنزلقات عديدة، أذكر هنا ثلاثةً منها لأهميتها: الأول، هو توسيع نطاق مسألة الهوية، والإفراط في إدراج قضايا كثيرة تحت عنوانها، والتعتيم بذلك على مصادر اقتصادية واجتماعية وسياسية معقّدة للقضايا لا تقود معالجتها بالأدوات التي تُقارَب فيها مسألةُ
الهوية إلا إلى غموض أكثر. خذ مثلً هشاشة الدولة وعدم تماسك المجتمعات الوطنية وتزعزعها في وجه التقلبات التي تتعرض لها الأنظمة السياسية، والتي تتقاطع مع العديد من قضايا الهوية، ولكن لا يمكن مقاربتها حصريًا من زاوية أزمة الهوية الوطنية الجامعة للمجتمعات، أو أزمة هوية الدولة.
وهذا استخدامٌ ممكن، ولكنه أيضًا تمويهٌ يعوق فهم القضية المركَّبة المتعلِّقة بتاريخ نشوء الدولة وترسيم حدودها الإقليمية، وطبيعة النظام الحاكم، وتقاطع التفاوت الاقتصادي الاجتماعي مع تنوع الجماعات الإثنية والإقليمية، والتحديث من أعلى، وإخفاق النّخَب الحاكمة في عملية دمج المجتمع اقتصاديًّا
وحقوقيًّا وبناء الأمة بوصفها أمة الدولة، وغيرها من السياقات التي تثير قضايا يُصطلح على تسميتها
صراعات الهوية وأزمات الهوية. خذ مثالً آخر أيضًا؛ وهو تصوير الصراعات في منطقتنا في العقدين الأخيرين على أنها صراعات طائفية. هل هذه مسألة هوية؟ لا شك في أن الطائفية السياسية تستثمر في الهوية الطائفية. لكن قضية الطائفية السياسية ليست مسألة هوية طائفية أساسًا، فهذه، إن وجدت، هي
انتماء إلى جماعةٍ من البشر يجمعهم اعتناق دين أو مذهب، ويمكنها أن تدوم وتعمّر قرونًا من الزمن
بوصفها هويةً جماعية محلية (أهلية) من دون تسييس؛ أي من دون أن ينطق باسمها "ممثلون" سياسيون لجماعات الهوية في سياق الصراع على السلطة في الدولة. لا الطائفةُ المذهبية ولا الدينية هويةٌ ثابتة عبر الزمن، ولا هي مصدر الطائفية السياسية، بل إنّ مصدر الأخيرة في صراعاتٍ اجتماعية وسياسية يجري عبرها تطييفُ ما لم يكن طائفيًا، وتسييس الطوائف ليصبح انتماء
الناس الطائفي انتماء سياسيًّا في الوقت ذاته. يضاف إلى ذلك، أنه يمكن أن يكون الإيمان الديني، والذي
يشكل أحد مكونات الهوية الذاتية للمؤمن، محفزًا لرفض تحويل الدين إلى عصبية طائفية. (لنلاحظ أننا استخدمنا تعابير مثل الهوية الذاتية والهوية الجماعية من دون أن نشرحها. سوف نفعل ذلك لاحقًا).
(((لفت نظري كتاب صدر عام 1998 بالفرنسية يناقش مؤلفه (جان فرانسوا بايار) أوهام الهوية والثقافة (الدينية أو الثقافية أو القبلية) بمعنى اعتمادها مباشرة من طرف السياسيين والإعلام في فرنسا في شرح ظواهر مثل الثورة الإيرانية، والنجاح الاقتصادي لدول شرق آسيا وجرائم الإبادة في رواندا وبوروندي. وهي ظواهر لا يمكن تفسيرها من دون العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (مثل دور الاستعمار). وما كتبه صحيح، ولكن لا شك في أن للهوية دورًا في فهمها، ولكن ليس عبر افتراض هويات ثابتة وجواهر ثقافية
غير متغيرة، ومن دون فهم عملية تشكلها وتغيرها وكيفية استثمارها. ينظر:
Jean–Francois Bayart, The Illusion of Cultural Identity (Chicago: University of Chicago Press, 2005), pp. 10–33.
هنا يبرز المنزلق الثاني الذي يحفّ بمعالجة مسألة الهويّة؛ وهو اعتقاد بعض الباحثين أنه بما أن الدراسات تبيّن أن الهويات تاريخية ومتغيرة وليست طبيعية وثابتة، أي بما أنها مصنوعة ومركَّبة،
فهي مجرّد أوهام لا تستحق كل هذا الاهتمام. والحقيقة أن غالبية المؤسسات والكيانات الاجتماعية
المهمة في حياتنا مصنوعة ومركَّبة. وكون هويات جماعة معينة ناشئةً، خلال الصراع ضد المستعمِر مثلً، أو متشكّلةً بفعل النخب السياسية والثقافية وبواسطة إبراز انتماءاتٍ معيّنة للناس في الخطاب
السياسي وبرامج التدريس وبرامج الترفيه وتهميش غيرها، والتشديد المبرمج على التميّز من انتماء
أشمل تتفرع منه الهوية المتميّزة، ومن جماعات تُعدّ مختلفة، وأخرى تُعدّ خصمًا، فهذا كله لا يعني
أن مسألة الهوية غير مهمة ونافلة. فلا يجوز التقليل من أهمية مسألة هوية الإنسان الفردية، رؤيته هو لشخصيته وخصوصيتها، وهويته الجماعية، أي شعوره الواعي بالانتماء إلى جماعة وتحول الجماعة إلى جماعة هوية، ولا الاستخفاف بعلاقة مسألة الهوية ببحث الناس عن معنى لحياتهم وعلاقة ذلك بمسألة الأخلاق. هذه كلها مكونات أساسية في حياة البشر وعلاقاتهم الاجتماعية في المجتمعات الحديثة، ولا يمكن تصوّر مجالات الأخلاق والسياسة والثقافة، بما في ذلك الأدب والفن، من دونها. وقد يتولّد الوهم، خصوصًا لدى الباحثين المتخصصين في العلوم الاجتماعية، أنه ما دامت هوية جماعية ما قد فُكّكت نظريًا بتبيين ظروف نشوئها، ومصادر تشكُّلها والقوى التي أسهمت في صناعتها، فإن هذا يعني أنها فُنِّدت، والمسألة منتهية. بيد أن تحليل الظواهر، أو ما يُعدّ حلًّ للقضايا نظريًّا، لا يعني تلاشيها في الواقع، كما أن الانتماء إلى جماعات لا يكون غالبًا نتاج استنتاجات عقليّة، يمكن
دحضها بالحقائق التاريخية. فمثلً، تختلف متطلبات حل إشكالات ما يُسمّى سياسات الهوية (أي التحوّل إلى مطالب سياسية باسم جماعات هوية، والتعبئة السياسية بناءً على استثارة هوية المخاطبين
وليس على البرنامج السياسي، وادعاء نخب سياسية تمثيلَ جماعاتِ هويةٍ، وأن هذا بحد ذاته هو موقفها السياسي)، عن ظروف نشوئها. فمثلً يمكن التوصل إلى جذور تعامل اليمين الشعبوي في الدول الأوروبية مع الأجانب اللاجئين والمقيمين في الطبقات الاجتماعية المتضررة من السياسات النيوليبرالية، وفي السياسات الحزبية في أوروبا والإعلام الجديد. ولكن ثمة واقعة حصلت وواقع نشأ، يتمثّل في انتشار تصوّر اليمين للهوية الوطنية بوصفها هوية إثنية وحضارية متجانسة، لا تقبل التعددية
داخلها. ولا بد من خوض صراع ثقافي مع هذا التصور. وفي المقابل ثمة واقعة أخرى تتمثل في تحول أوساط واسعة من اليسار من تمثيل العمال والطبقات الفقيرة إلى سياسات هوية معاكسة، والانتقال من طرح حلول شاملة للمجتمع إلى مطالب متعلقة بجماعات محددة مثل "الأقليات" والمهاجرين والسكان الأصليين (في الدول التي نشأت عن استعمار استيطاني) والنساء (في بعض الخطابات النسوية جرى تحويل النساء إلى جماعة هوية) والمثليين. وفي المشرق العربي، انتشرت السياسات الطائفية التي ترفع المطالب من منطلق مظلوميات طائفية أو قبلية أو إقليمية، وتنشر شعبيًّا، عبر الإعلام وغيره، قراءةً طائفية للتاريخ. ولا تطرح نماذج شاملة
لحلولٍ لقضايا الظلم والتمييز من منطلق العدالة، بل من منطلق مصالح جماعة الهوية كما تتبدى للنخب الطائفية التي تزعم تمثيل الهوية وتسهم بذلك في إعادة إنتاجها. يمكن تحليل جذور هذه
الظاهرة وكيفية تشكّلها. ولكن "حلّ " معضلة الطائفية في الواقع المعاصر هو في الحقيقة مواجهة فكرية وسياسية واقتصادية مع ظاهرة قائمة. لا تُحلّ قضايا الهوية بمجرد تحليلها نظريًّا، ولكنها لا تُحلّ أيضًا بأدوات طائفية، فهذه الأدوات تعيد إنتاج الطائفية وتكرسها. أما المنزلق الثالث، فهو الخلط بين مسألة الهوية وما يُسمّى الشخصية الحضارية لشعب أو أمة أو حتى قارة، كما يُدّعى عند الحديث عن شخصية حضارية أوروبية، أو يهودية – مسيحية، أو إسلامية، أو عربية – إسلامية، أو بوذية أو غيرها. فأيديولوجياتٌ مختلفة وقوى سياسية ونظريات أنثروبولوجية تدّعي تشخيص سمات حضارية مشتركة لجماعات كبرى من البشر، وتقوم بإسقاطها على التاريخ أيضًا، بوصفه تاريخَهم المشترك. وثمّة نقاش طويل عريض حول وجود شخصية حضارية أوروبية، وحول مزاياها. يمكن أن يتبنى الفرد أو جماعات من الأفراد (أحزاب، اتحادات، جمعيات، وغيرها) قيمًا يُروَّج على أنها هي القيم الحضارية. ولكن هذا لا يعني الانتماء إلى حضارة، مثل الانتماء إلى جماعة هوية؛ إذ قد توجد شخصية حضارية متخيلة ومهيمنة، يتبناها الفرد على نحو واع، بحيث تصبح جزءًا مما يحب
أن يكون عليه. ولكن لا وجود لجماعة متخيّلة حضارية كبرى، وأقصد أنه من الصعب على الفرد أن
يتخيل جميع الشعوب المنضوية إلى حضارة ما، بوصفها جماعة انتماء واحدة ينتمي إليها فرديًا (وثمة استثناءات لأي قاعدة بالطبع). هل يمكن أن تشكّل الحضارة الأوروبية هوية جامعة أو جماعية لسكان قارة شهدت حربين عالميتين بين الأوروبيين، وتشهد الآن حربًا ضاريةً لا يتسع المجال للخوض فيها؟ قد يصح ذلك، ولكن بتفسيرات مختلفة، وأحيانًا متناقضة، لهذه الشخصية الحضارية المدعاة من طرف متبنيها. وماذا يمكن أن تعني الشخصية الحضارية اليهودية – المسيحية التي يروَّج لها بعد المحرقة؟ ماذا تعني الهوية الأوروبية المشتركة، عدا إبرازَها على نحو سالب في مقابل غير الأوروبيين؟ وهل يمكن تبينها مباشرة من دون المرور بالهوية القومية لأحد الشعوب الأوروبية؟ هل ثمة هوية يهودية – مسيحية سوى في محاولات قوى سياسية ومؤرخين أوروبيين القفز فوق مكونات حضارية أوروبية (مثل أداتية العلم والعرقية والعداء للسامية) أسهمت في الوصول إلى المحرقة (الهولوكوست)، وفي محاولات إسرائيل الحالية الانتماءَ إلى ما يُسمّى "الغرب" في مقابل الشرق؟ يصعب أن تتجذر هذه التصنيفات التي تضعها الدراسات النظرية على مستوى هوية الناس؟ ينطبق ذلك على ما يُسمّى الشخصية الحضارية في الحالات الأخرى، والتي تدّعي قوى سياسية حزبية أو مدارسُ
فكرية رسمَ معالمها، لتتصارع عليها من دون التوصل إلى اتفاق، ومع ذلك تحاول خلطَها بمسألة الهوية، بمعنى انعكاس ذلك في وعي الأفراد والجماعات وإسقاطها على التاريخ بأثر تراجعي. أعتقد أن الهوية الجماعية، بمعنى الانتماء، تقع غالبًا في سياقات أضيق مما يُسمّى الحضارة. وربما تتبنى
غالبية الأوروبيين هوية أوروبية في مقابل العرب وأفريقيا، وحتى روسيا، ولكن هذا التبني لا يعني بالضرورة انتماء الأفراد إلى جماعة أوروبية تجمع الفرنسيين بالأوكرانيين وما بينهم من شعوب، بل هو تقمص لشخصية حضارية يتلخص بمشتركات يتغير تفسيرها في المراحل التاريخية المختلفة. إنها هوية بمعنى مجموع الصفات المتخيلة لأوروبي، وليس بمعنى الانتماء إلى جماعة. وهي في عصرنا لا تتغلب على الهوية الفرنسية أو السويدية أو الإيطالية؛ فالفرد ليس أوروبيًا مباشرة، بل هو أوروبي
بوصفه فرنسيًا أو سويديًا أو إيطاليًا؛ في حين أن العربي هو عربي مباشرة بفعل اللغة والثقافة والانتماء
إلى جماعة متخيلة مؤلفة من العرب، وليس بوصفه سوريًا أو لبنانيًا أو تونسيًا. وأخيرًا، لا يقتصر موضوع الهوية على الانتماء الواعي إلى جماعة (هوية جماعية)، بل يعود أصل
موضوع الهوية في العصر الحديث إلى الوعي الذاتي، الوعي الانعكاسي بالذات، أي إدراك الهوية الفردية المرتبطة بظاهرة الفرد صاحب الشخصية المستقلة الذي يمكن أن يفكر بذاته بوصفه شخصًا له كيان وقيمة، ويرغب بشدة في أن يُعترَف له بذلك (مسألة الكرامة)، وأكثر من هذا، إنه يؤمن بأن
له ذاتًا، أو شخصية فردية؛ ويمكنه أن يقدّر (سواء أفعل ذلك أم لم يفعل) أن هذه الذات الداخلية مختلفة عن المتوقع منه اجتماعيًا، وعن الوسط الاجتماعي الذي يتحول إلى ضغوط تمارس عليه لكي
يمتثل لمعاييره وتقاليده. وتقوم مسألة الهوية الجماعية في العصر الحديث على وعي الفرد بانتمائه إلى جماعة، والوعي يتضمن إمكانية التوعية أيضًا، وإمكانية أشكلة هذا الانتماء، أو الانتماءات. ولا شك في أن الهوية الجماعية، أي شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة، هي في العصر الحديث مكوّن من مكوّنات الهوية الفردية؛ ولذلك يمكن أيضًا أن يتحوّل المس بالجماعة إلى مسألة كرامة شخصية. بل قد يجيب الانتماء إلى جماعة عن سؤال الكرامة الفردية أيضًا، ولا سيما في حالة تعرّض الجماعة
هذه إلى ظلم وتمييز وترويج أفكار سلبية مسبقة عنها وغيره. ومن ناحية أخرى، يمكن أن تجري التنشئة على هوية جماعية على نحو يقمع الهوية الفردية وينكر قيمة الفرد. تقوم هذه الدراسة على افتراضات مفادها: 1. التمييز بين الهوية بمعنى التساوي، أو بوصفها مجمل صفات الشيء، والهوية بوصفها: أ. وعي الإنسان لذاته والتفكير فيها (مسألة هويته الفردية)، ب. الهوية بمعنى الانتماء إلى جماعة، وهي أيضا هوية فردية ولكنها تسمى هوية جماعية، لأن أساسها هو الانتماء إلى جماعة ولأن العديد من الأفراد يتشاركون بها. 2. إمكانية التمييز في العصر الحديث بين الهويتين الفردية والجماعية لغرض فهم تداخلهما. 3. الفرق بين الانتماء إلى جماعة بشرية والتصنيف إلى فئات. 4. كون الهويات مصنوعة ومركّبة ومتحوّلة ومتغيّرة لا يعني أنها ليست ظواهر اجتماعية مهمة ومقررة
في حياة البشر. 5. ثمة صلة مباشرة بين الهوية والأخلاق. 6. لا توجد مسألة هوية حين يكون الانتماء إلى جماعة مباشرًا غير مفكر فيه، أما مع تمايز الذات الفردية المستقلة عن الانتماء إلى الجماعة فتنشأ
مسألة الهوية، مثلما لا توجد مسألة أخلاقية إذا لم يحصل تمايز بين الأخلاق والأعراف بحيث يظهر التداخل والتفارق بينهما. إن وعي الذات الفردية بوصفها كيانًا مستقلً، ووعي الانتماء إلى الجماعات أو أشكلته، هما ركنا مسألة الهوية في الحداثة.
أولا: من فكرة التساوي المجرد إلى الهوية الفردية والجماعية
بدأ استخدام لفظ الهوية في الفلسفة، ولكنه درج في الاستخدام اليومي في العصر الحديث، وأصبح كذلك مصطلحًا في العلوم الاجتماعية. سوف أحاول فيما يلي تبيين الفرق بين مصدر سؤال الهوية فلسفيًّا ومسألة الهوية كما نفهمها في الواقع الاجتماعي، وهي الأقرب إلى الإشكاليات التي تثيرها
تخصصات مثل علم النفس الاجتماعي والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية، والسيميولوجيا الاجتماعية؛ وهي تخصصات متشابكة، حين يتعلق الأمر بسؤال الهوية. ولم ينتقل مصطلح الهوية من الفلسفة (المنطق ونظرية المعرفة والأنطولوجيا) إلى المعنى المتضمَّن
في سؤال الهوية: "من؟" (من أنت؟ من هو؟... إلخ) كما في "بطاقة الهوية" وغيرها من الاستخدامات في اللسان العربي وحده، بل حصل ذلك في لغات عديدة أخرى. فاللفظ نفسُه يرد في الفلسفة
وكذلك في مقاربة العلوم الاجتماعية للهوية الفردية والجماعية: بالإنكليزية Identity، والألمانية identität، والفرنسية identité، والعبرية זהות (زهوت)، ولغات أخرى. أما في اليونانية، حيث وجد الأصل الفلسفي، فإن لفظين مختلفين يعبران عن الدلالتين. فالكلمة اليونانية التي تعني التساوي أو التطابق (omoiótita) ομοιότητα sameness) (لا تستخدم هي ذاتها للتعبير عن الهوية بوصفها إجابة عن سؤال: من؟ أو ما؟ بل يستخدم لفظ (taftótita) Ταυτότητα لهذا الغرض، والكلمة نفسها باليونانية تعني جماعة، ما يقرّبها أكثر من دلالة الانتماء إلى جماعة، والمتضمن في الهوية
الجماعية. ثمة أساس دلالي ما لهذا التحول في استخدام اللفظ نفسه في عدة لغات. وهو ليس خصوصية عربية، أو تعبيرًا عن أزمة. وانحسار المصطلح الفلسفي في المنطق والأنطولوجيا، والانشغال الأنثروبولوجي
الثقافي بالهوية الاجتماعية، لا يقتصران على العرب. فشعوب العالم كلها ونخبها منشغلة بأسئلة: "من هو؟" و"ما هو؟" (مثلً، من هو الفرنسي؟ وغالبًا ما يعني السؤال: ما هي مكوناته الثقافية،
والذاكرة الجماعية التي يشارك فيها؟ والانشغال قائم في الولايات المتحدة الأميركية والصين وغيرها بالأسئلة ذاتها وإجابات مختلفة). وفي رأيي، ليس تداول مفهوم الهوية في تخصصات علمية مختلفة هو مبرر الانشغال الفلسفي بالهوية، كما يغري الأمر بعض أساتذة الفلسفة. فالتخصصات العلمية المختلفة، لا تتداول مفهوم الهوية نفسه، بل مفاهيم مختلفة. وثمة أسس دلالية لذلك بما يكفي لمعالجة فيلولوجية. ولكن المعالجة الفلسفية لمفهوم الهوية تختلف عن استخداماته في علم النفس الاجتماعي والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا الثقافية وغيرها. ولكي تتمكن الفلسفة من التعامل مع الموضوع من زاوية أكثر شمولً منها، فإنها تحتاج إلى التعرف إلى أدوات هذه العلوم واستنتاجاتها، وإلى تجاوز المصطلح الأصلي في الفلسفة اليونانية، والذي لا يحمل معاني كثيرة على الرغم من النزعة إلى تحويل كل لفظ يوناني إلى لفظ فلسفي، بوصفه أول تعبير مكتوب عن فكرة مجردة خارج
سياق الأساطير فيما يُعدّ (خطأً) الحضارة الأوروبية. يعود أصل لفظ الهوية، الذي يحظى بكل هذا الاهتمام، إلى محاولات العرب في القرن الثالث الهجري إيجادَ ترجمةٍ للمصطلحات الفلسفية اليونانية المتعلقة بوجود الموجودات
is) (it ειναι το أو ον το being) the (، ولا سيما في نصوص أفلوطين التي نسبوها خطأً إلى أرسطو.
(((فتحي المسكيني، الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة "النحن" (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص 11، 17،.20 (((لم تكن الحكمة اليونانية أوروبية، إلا بمعنى تملك النهضة الأوروبية لها بأثر تراجعي. فلم توجد أوروبا في ذلك العصر. ولم يتعامل المسلمون معها بوصفها أوروبية أو غربية، فلم تكن هذه التقسيمات قائمة.
واستطرادًا، نضيف أنه ليس العرب وحدهم فعلوا ذلك؛ فالصلة بين لفظ id اللاتيني (ويعني it بالإنكليزية) وكلمة الهوية باللاتينية identitatis واضحة بيّنة. قال الجاحظ متحدثًا عن المتكلّمين والنظّار: "وَهمُ اصْطلَحُوا علَى تَسْمِيَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي لُغَةِ العرَبِ
اسْمٌ، فصَارُوا في ذَلِكَ سلَفًا لِكُلِّ خلَفٍ، وَقُدْوَةً لِكُلِّ تَابِعٍ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: العرَضُ، وَالجَوْهَرُ، وأَيْسَ
ولَيْسَ، وفرَّقُوا بَيْنَ البُطْلَنِ وَالتَلّاشِي، وذكَرُوا الهَاذِيَّةَ، والهُوِيَّةَ وَالمَاهِيَّةَ، وأَشْبَاهَ ذَلِكَ". لفظ هوية
إذًا هو ترجمة عربية لمصطلح يوناني يتعلق بالموجودات في وجودها هي بالذات. الشيء هو ذاته وليس غيره. والهوية هنا تقابل الغيرية. وفي مرحلة الجاحظ نفسها، جاء في ترجمة ابن ناعمة الحمصي لأثالوجيا أفلوطين (الذي أصلحه الكندي كما يقال)، ونسبه كلاهما خطأً إلى أرسطو ما يلي: "إن الأوائلَ إنما هي العقلُ والآنيةُ والغيريةُ والهويةُ. وينبغي أن يضاف إليها الحركةُ والسكونُ، أما الحركةُ فإنّ العقلَ إنما يعقل بحركةٍ، وأما السكون فأنَّ العقلَ وإن كان يعقلُ بحركةٍ فإنه لا يتغير ولا يستحيل من حال إلى حال، وأما الغيرية فمن أجل العاقل والمعقول فإنه إن رفع رافعٌ الغيريةَ من العقلِ صار واحدًا محضًا فيلزم الصمت، ولا يعقل شيئًا. وينبغي أن تكون الأشياءُ المعقولةُ مضافةً إلى الأشياء
العاقلة، وأما الهوية فمن أجل أن العقلَ عقل المعقول من غير أن يخرج عن حاله ولا يتغير، بل عقل المعقول وهو هو". العقل يبقى هو هو حين يعقل، إنه يساوي ذاته، ولكن الغيرية فيه تمكنه من أن يعقل الأشياء. وإذًا، فإن الأنا الإنسانية ممكنة لأنها تبقى واحدة على الرغم من التغيرات التي يمر بها الإنسان. وأيضًا "فإن الشيء الذي يضم الجواهر العقلية هو الهوية، والفرقان الذي يفرق تلك الجواهر هو الغيرية". أي إن العقل، وهو كما هو؛ أي يبقى هو ذاته، حين يعقل الموجودات المتغيرة التي تختلف عنه، ولكنه يعقلها وهي موجودة بذاتها. وعمومًا انشغلت الميتافيزيقا بموضوع الهوية والتغير في الوجود. والمعضلات الفلسفية التي طرحت منذ بدء الفلسفة الما–قبل سقراطية كثيرة: ما هو التغير، وإلى متى يبقى الشيء هو ذاته، هو هو، رغم التغير، أو متى يتوقف عن أن يكون مساويًا لذاته؟ وكيف يمكن أن تتغير الأشياء ما دامت مساوية لذاتها؟ ومن الواضح أن لهذا الانشغال الفلسفي علاقة دلالية بمفهوم الهوية المستخدم في العلوم الاجتماعية. إن مقولة أن العقل يبقى ذاته غير متغير هي مقولة فلسفية، تفترض أنه من الضروري وجود نقطة ارتكاز ثابتة لمعرفة الأشياء المتغيرة، مثلما أن الله واحد وثابت ومطلق في مقابل كون متغير. ولكن لولا تضمنه للغيرية لما وقع فعل الخلق. إنه الثابت المطلق الذي يتضمن الغيرية والنسبية فيه، وليس هو متضمَّنا فيها.
(((أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتّبيين، تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون، ج 1، ط 7 (القاهرة: مكتبة الخانجي –
مطبعة المدني، 1418 ه/ 1998 م)، ص 139. ينظر: معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، في: www.dohadictionary.org (((كتاب أثولوچيا أرسطاطاليس وهو القول على الربوبية، تصحيح ومقابلة فريدرخ ديتريصي، ترجمه ابن ناعمة الحمصيّ
(عبد المسيح بن عبد الله) 250 ه/ 864 م، والكنديّ (يعقوب بن إسحاق) 260 ه/ 874 م (لايبزيغ– برلين: دار نشر ج. هاينريش،
لايبزيغ – برلين،.)1882 (((أفلوطين عند العرب، نصوص حققها وقدم لها عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار القلم، 1944)، ص.113
إن اختزال ظواهر اجتماعية مركّبة، مثل الثقافة وجماعات الهوية، لتعني تساويها مع مجموعة صفات ثابتة وقصرها عليها، هما أساس الجوهرانية التي وقعت فيها الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية في بعض الحالات؛ إذ تعاملت مع الثقافات والحضارات، بوصفها معرّفة بصفات جوهرية ثابتة بحيث
تساوي ذاتها دائمًا. والهوية في المنطق والرياضيات هي التساوي. وثمّة مقولة للودڤيغ ڤيتغنشتاين Wittgenstein Ludwig
(1951–1889) أن القول بأن شيئين متساويين بالتمام identical) (ليس صحيحًا؛ إذ لا يُمكن أن يكونا
شيئين وفي الوقت ذاته متساويين، وإذا كانا الشيئان متساويين، أي متطابقين، ففي هذه الحالة عمليًّا
لا يكونان شيئين مختلفين، بل الشيء ذاته. والقول إن الشيء يساوي ذاتَه (أ=أ) هو كلام لا معنى له. وحتى مقولة مفيدة تعرّف الإنسان بأنه كائن حي يملك عقلً ومقدرة لغوية ويمشي منتصبًا
على قدمين، أو الإنسان هو كائن أخلاقي، إنما تتجاوز مقولة الإنسان هو الإنسان إلى تفصيل مكوناته التي تميزه وليس جميع مكوناته، ولذلك فهي ليست أ=أ، بل إن س هي ص ول وع وم... إلخ. ولكن التطابق ممكن، في رأيي، في الأفكار المجرّدة فقط، كما في الرياضيات. والأشياء، حينما تتساوى،
فإنها تتساوى في صفة من صفاتها يمكن تحويلها إلى فكرة مجرّدة. فهي تتساوى في الوزن أو الحجم
أو الطول أو العرض... إلخ. إن مقولة التطابق أو التساوي في المنطق الشكلي أو الرياضي يمكن استخدامها للتعبير عن مقولة مثل دونالد ترامب كان الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. فالمقولتان صحيحتان. ترامب يساوي رئيس الولايات المتحدة منطقيًا في مقولة صحيحة من مبتدأ وخبر، أو موضوع
ومحمول، تصور الواقع. ويصح أيضًا القول إن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة كان ترامب. فلا أحد غيره شغل هذا المنصب. هذه الهوية المنطقية هي غير الهوية الأنطولوجية. فهو لم يكن دائمًا رئيسًا، كما أن لديه صفات أخرى سوى أنه كان رئيسًا. وليست كل صفة في شخصه تنطبق
على رئيس الولايات المتحدة. كما لا ينطبق على ذلك قانون الهوية المنطقي الثاني وهو قانون لايبنتز: إذا كان س=ص، فإن م س=م ص. فمقولة مثل س=ص تنطبق على مقولة مثل: إن ترامب الذي قصدته هو هو الذي شغل منصب رئيس الولايات المتحدة في الفترة 2022–2018، أي إن ترامب هو هو. ولكن مهما كانت شخصية ترامب تافهة، فإنها لا يمكن أن تقتصر على صفة واحدة. ولهذا يجب أن نضيف صفات كثيرة أخرى لكي نتجاوز تساوي المقولات في المنطق نحو الهوية بالمعنى الأنطولوجي، فضلً عن المعنى الثقافي والاجتماعي في الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع للهوية الفردية والجماعية. ولهذا يصح أن أقول إن هوية ترامب أكثر تركيبًا من الخبر الوارد
في الجملة. وبالتأكيد لا يمكننا تشخيص هوية ترامب من تلك المفارقة العجيبة وحدها التي جعلته
(7) Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus , C.K. Ogden and F. Ramsey (trans.), with an introduction by Bertrand Russell (London: Routledge and Kegan Paul, 1922), pp. 138–139.
نُشر بالأساس باللغة الألمانية في عام 1921 بعنوان: Logisch–Philosophische Abhandlung. (((أي إن الخبر فيها يضيف معلومة عن المبتدأ، بحيث لا يساوي المبتدأ نفسه فقط وفق تصنيف فريجه Gotlob Frege –1848(1925) لأنواع التساوي.
رئيسًا للدولة العظمى مع أنها أصبحت أبرز صفاته، التي تميزه من غيره من فئة رجال الأعمال في مجال التطوير العقاري التي ينتمي إليها. لقد جرت محاولات فلسفية لتجاوز المنطق الرياضي، أو الشكلي، وذلك ليس بمعنى تخطيئه، بل بإضافة أدوات معرفية مثل المنطق الجدلي كما في محاولة هيغل في علم المنطق الخاص به، الذي يحاول أن يقترب من جوهر الظواهر، وذلك بنفي التعارض المطلق بين الهوية والاختلاف وربطهما سوية في جدلية جوهر الأشياء. وفي الحقيقة أصبح ممكنًا تأريخ الفلسفة من زاوية نظر الفلاسفة للفصل بين الهوية والاختلاف، أيهما يقدّمون وأيهما يؤخرون؟ وثمة مبالغات في هذا التصنيف والاستنتاجات منه. ولكن هذا ليس موضوعنا. وفي رأيي، لا يمكن بناء منطق خاص بالموجودات وبنية الواقع بمنطق استنباطي، مقابل للمنطق الرياضي، ينطلق من مقولات عامة كما فعل هيغل، على الرغم من لمعات منطقه الجدلي في فهم التطور من خلال النفي الجدلي ووحدة الأضداد، انحلال وحدات وتأليف وحدات جديدة على مستوى "أعلى" من التطور. وفي الميتافيزيقا عمومًا نزوع إلى الإقدام على مثل هذه الجهود. ولكن الفلسفة تجد نفسها مرة بعد أخرى مضطرة إلى التنازل عن هذا الطموح للعلوم التجريبية. فمنطق الظواهر هو ما تتوصل إليه العلوم التجريبية من قوانين أو ما تفترضه العلوم النظرية من نماذج تفسّر هذه الظواهر، وليس أي "منطق أنطولوجي" موازٍ للمنطق الرياضي. لا يمكن حتى التفكير من دون قانون الهوية في المنطق، ولكن العودة إلى مصطلح الهوية في المنطق لغرض التأصيل للهوية الفردية والاجتماعية في عصرنا لا تفيد في فهم خصوصيته، وإن كان ثمة أساس دلالي لاستخدام المصطلح نفسه كما بينت في الفقرة السابقة. فرانسيس فوكوياما مثلً، في كتابٍ له حول التأصيل الفلسفي للهوية، لم يعد إلى هذا المفهوم الفلسفي اليوناني، بل إلى مصطلح آخر عند أفلاطون في الكتاب الرابع من الجمهورية (وكأنه لا بد أن نجد جذور المفاهيم في ألفاظ ومصطلحات الفلسفة الكلاسيكية اليونانية مع أن علم النفس المعاصر يغنيه عن هذه العودة)، وهو θυμός (thymos)؛ أي ذلك الجزء من النفس الذي يشكّل موطن الاندفاع والانفعال في مسائل الشرف والكبرياء وغيرها، والذي نقله مترجمو الفلسفة الإغريقية إلى العربية عبر مصطلح النفس الغضبية، وهو أساس الاعتداد بالنفس والشعور بالكرامة. ويقابل العقل logos، وموطن الرغبات أو النفس الشهوانية eros، في تقسيم النفس البشرية، والتي تتوافق معها وظائف المزارعين والعاملين والحراس المقاتلين والفلاسفة الحكام في الجمهورية. فالجمهورية مثالية، لأنها تقسم الوظائف في الدولة إلى طبقات من البشر تتوافق كفاءاتهم مع تقسيم النفس البشرية. فالإنسان يتأهل للعضوية في الطبقة التي تناسب وظائفها تكوين شخصيته. وإذا كان دافع البحث عن المصطلح
(9) Francis Fukuyama, Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018), pp. XIII, 16–19.
يستخدم فوكوياما هذا المصطلح على طول كتابه أعلاه، وكما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the
Last Man يشتق من مصطلح isothymia وأيضًا megalothymia. الأول بمعنى التطلع إلى الاعتراف، وقد يشكّل دافعًا لطلب
المساواة مع الآخرين. والثاني بمعنى الدافع للتميز والتفوق، وقد يكون إيجابيًا أو سلبيًا.
المناسب هو التأسيس للرابط القائم فعلً بين الكرامة والهوية (سواء أكانت هوية ذاتية أم جماعية) والمعبّر على نحو أفضل عن إشكالية الهوية في عصرنا، فإن اختيار فوكوياما هذا الأصل اليوناني، بدلً
من لفظ متعلق بوجود الأشياء والذي تطور عنه مصطلح الهوية بمعنى التساوي وبمعنى مجمل صفات الشيء، هو اختيار في مكانه. وإذا غادرنا الهوية باعتبارها التساوي أو التطابق في علم المنطق، ومجملَ المميزات والصفات التي تجعل الشيء الموجود "هو هو" في حقل الأنطولوجيا الفلسفية، إلى الهوية بوصفها وعي الإنسان لذاته المتفردة والانضواءَ تحت فئة Category نجد أنفسنا، مرة أخرى، مرغمين على فصل مصطلح الهوية
الذي نتعامل معه في التعبير عن انتماءٍ إلى جماعة عن التصنيف إلى فئات في الرياضيات والعلوم الطبيعية أيضًا. العدد 3 مثلً يُصنَّف ضمن الأعداد الطبيعية الحقيقية الفردية والأوّلية؛ فنقول إنه عدد طبيعي حقيقي فردي أوّلي. ويمكن إضافة فئات أخرى "ينتمي" إليها (بمعنى يُصنّف إليها بموجب صفات معيّنة،
فالعدد لا ينتمي). وليس التصنيف هنا اختياريًا؛ إذ لا يمكننا أن نقرر تصنيف العدد 3 إلا بوصفه عددًا طبيعيًا فرديًا... إلخ؛ فهذه صفاته. وصفاته هي الفئات التي ينتمي إليها، والتي من دونها لا يكون هو
العدد 3. صفات العدد والفئات التي ينتمي إليها هي الشيء ذاته. هذا التصنيف قائم على فكرة العدد 3 ذاتها. ومن هنا، فإن "الهوية" هنا منطقية بسيطة 3 يساوي بالتمام 1+1+1، و 2+1، كما يساوي 1+2. وهو لا يعني شيئًا آخر. فهو هذه الفكرة ذاتها. هذا القول لا يعني الكثير. وهذا بالتأكيد لا يعني هويةَ العدد 3 بالمعنى المتداول للهوية في العلوم الاجتماعية وحتى في الحياة العادية. ولكن لا يمكننا حتى التفكير من دون هذه البديهية، ومثلها المقولات الرياضية الأساسية الأخرى. والبديهيات عمومًا هي مقولات بسيطة لا تعني الكثير، أي إنها ليست غنية بالدلالات، ولكن يصعب التفكير عقلانيًا من دونها. وهكذا حالما نخرج من عالم المقولات والأفكار المجرّدة والرموز التي تشير إليها إلى ما يسمى عالم
الموجودات، تختلف الصورة، فتزداد صعوبة حصر الفئات التي يُصنّف بموجبها الشيء مع ازدياد صفاته، وتزداد صعوبة قصره على هذه التصنيفات عند الانتقال إلى الكائنات الحية. ويصبح الأمر مستحيلً تمامًا في حالة الكائن العاقل. فمثلً، ينتمي الإنسان إلى صنف الكائنات الحية، وينتمي إلى الثدييات. ويمكن إضافة قائمة طويلة من الأنواع التي يمكننا موضعته فيها بموجب هذه الصفات. وتنتهي هذه المحاولات في التصنيف الموضوعي مع قولنا إنه كائن ناطق عاقل عاطفي أخلاقي... إلخ. فهذه هي التصنيفات الموضوعية الأكثر عموميةً، آخرُ التجريدات التي يمكننا القيام بها عن الإنسان، ولكن لا يمكن اختزاله
فيها. وذلك لأنه يفكر في ذاته، ولأنه ينتمي إلى مجموعات فعلً؛ أي ليس فقط بفعل تصنيفه بموجب "صفاته الموضوعية" من طرف العاقل (الباحث أو غير الباحث) بوصف الإنسان في هذه الحالة معقولً؛ بل أيضًا لأن هذا الموجود العاقل الذي يقوم بالتصنيف، والموجود المعقول المعرَّض للتصنيف، يدركان
ذاتيهما، وينتميان بفكرهما وعاطفتهما إلى جماعات، إنهما يشعران بهذا الانتماء، وتكمن فيهما القدرة على التفكير فيه بوصفه مكوّنًا من مكوّنات هوياتهما.
والإنسان الفرد لا يصنَّف بالضرورة إلى جماعات الهوية، وذلك خلافًا لتصنيفه بوصفه إنسانًا، أو كائنًا ناطقًا، أو عاقلً، أو كائنًا أخلاقيًا. فثمّة جماعات ينتمي إليها ذاتيًا، أي ينتمي إليها فعلً، ولكن ليس
بالضرورة. وتتغير انتماءاته الفعلية هذه إلى الجماعات الممكنة، أي تتغير هوياته وتتشكل، تبعًا لمؤثرات كثيرة داخلية نفسية وأخرى اجتماعية، ولا يصنّف بموجبها بحكم الضرورة خلافًا لتصنيف
الفئات في الرياضيات وتصنيفِ العناصر في الكيمياء وتصنيف الكائنات الحية الأخرى وحتى تصنيفِه هو بوصفه كائنًا عاقلً مثلً. وليس حتميًا أن يكون الإنسان واعيًا بهذه الإمكانيات الكامنة في النفس البشرية. قبل صعود ظاهرة
الفرد إلى مسرح التاريخ لم يفصل الإنسان بين هويته الذاتية والهويات الجماعية القليلة التي انتمى إليها، بحكم الضرورة من زاوية نظره. ومن ثم فهو لم ينظر إلى الموضوع أصلً من زاوية التأمل في هويته الذاتية وفي انتمائه إلى العائلة الممتدة، أو القبيلة، أو الجماعة الحرفية، أو القرية. لا تفقد بديهية الهوية الرياضية الأولى (والفلسفية أيضًا إن شئتم) ضرورتها وفاعليتها، بمعنى أن الإنسان يساوي ذاته بما هو كائن عاقل، هو هو، وأيضًا بمعنى أنه مجموع الصفات أو الفئات التي ينتمي إليها، لو أمكن حصرها. فهي تبقى قائمة، ولكن بوصفها شرطًا بدائيًا أوليًا للتفكير في الإنسان بوصفه موجودًا من
الموجودات، ولكنها تفقد فاعليتَها عند محاولة فهمنا خصوصيةَ الإنسان، وكذلك عند محاولة الإنسان فهمَ ذاته في وعي انعكاسي. إنه يتطور؛ أي يساوي ذاته ولا يساوي ذاته في كل لحظة، مع ديمومة "أنا" مدركة لذاتها عبر التغيرات والتطورات وعبر المراحل التي يمر بها، ف "أناه" هي ذاته المتواصلة التي تشتمل على التساوي والاختلاف في كل لحظة. وإضافة إلى ذلك فبما أنه كائن عاقل ومفكر؛ فهو قادر على اختيار انتماءات أخرى غير التي تحولت إلى معطيات في حياته، إنه أيضًا صانع للهوية، بعقله وعاطفته، وقبل كل شيء بقيمه. والأهم من هذا إنه قادر على أن يقرر ما يعني له هذا الانتماء. ولكن توافر هذه الإمكانيات والقدرات أمر، وممارستها أمر آخر مختلف؛ ومهما حاول الفرد حساب الأثمان المترتبة على هذه الخيارات في مقابل الأهمية القيمية التي يضفيها عليها، يبقى الحساب متعذرًا، لأنه حتى عملية الحساب هذه للتكلفة في مقابل القيمة الأخلاقية أو العاطفية هي ذاتها خيار قيمي تفضل فيه حسابات الثمن والعواقب على الاندفاع العاطفي غير العقلاني أو على الخيار الأخلاقي الذي لا يخلو من العاطفة أيضًا.
ثانيًا: لا جماعة من دون انتماء إلى الجماعة
هل ينتمي الإنسان إلى الإنسانية بوصفها جماعة هوية؟ يمكن أن ينتمي الإنسان في رأيي إلى الإنسانية فقط، عبر بلورة أخلاق كونية متعلقة بالتعامل مع الإنسان بوصفه إنسانًا، وليس كجماعة هوية. وثمة
((1(مع أن بطاقات الهوية الشخصية الرسمية التي تصدرها وزارات الداخلية تصنفه بموجب العائلة ومكان السكن وأحيانًا حتى الديانة، فإن المسوح الإحصائية التي تقوم بها الدول فتقوم بمزيد من التصنيفات التي تصمم سياسات الدولة بموجبها. وقد تتحول السياسات المبنية على تصنيفات معينة إلى نبوءة تحقق ذاتها، أي إنه من الممكن أن تصنع التصنيفات انتماءات فعلية ناجمة عن السياسات وردود الفعل عليها.
محاولات عند بعض الفلاسفة الرواقيين، ولا سيما عند ماركوس أوريليوس، لتركيب فلسفي لمدينة العالم التي ينتمي إليها الرواقي، والتي تقوم على كونية العقل التي تنبع منها كونية القوانين. ثمة مدينةٌ عالميةٌ الرواقي مواطن فيها. وهي مدينة تدار على أسس عقلانية مشتركة بين البشر. "عش كأنك وحيد على جبل. لا يهم هنا أو هناك، إذ كان الإنسان حيثما وجد يعد الكون مدينة. دع الناس يروك ويعرفوك على أنك إنسان، يعيش وفق الطبيعة. إذا لم يحتملوك، دعهم يقتلوك، لأن هذا أفضل من العيش مثلهم". هنا أيضًا، الانتماء إلى الإنسانية رديف الفردية (الفرد هنا مقابل الناس)، وهذا سابق على مارتن لوثر وإيمانويل كانط وغيرهما من الذين ينصَّبون من طرف الفلاسفة وكأنهم من أوجدوا فكرة الإنسان الفرد، فيُرتكب بذلك خطأ أيضًا في حق منجزاتهم الثيولوجية أو الفلسفية الحقيقية. هذا النوع من الانتماء إلى المدينة الكونيّة هو من النوع التأملي والأخلاقي. ولا أنفي تمامًا احتمال أن
يصل، عند بعض من يتشربون القيم الأخلاقية الكونية والاعتقاد بالتساوي الجوهري بين البشر، إلى حد الشعور بالانتماء إلى الإنسانية على مستوى الهوية الجماعية. ولكن بما أن بقية البشر لا يبادلونهم هذا الشعور بالانتماء إلى جماعة واحدة، فإنهم يجدون أنفسهم ينتمون في حقيقة الأمر إلى جماعة نخبوية تبادلهم هذا الشعور، والتي قد تكون أخويات اعتقادية يتملك كل منها أنظمته الرمزية والطقسية التي تدل على هويته أو انتمائه، ويشكل كل منها في مفهومه عن نفسه جماعة هوية. ولا توجد جماعة هوية اسمها الإنسانية. ومع ذلك من المهم التأكيد على أن الإنسان المتأمل في أعماق ذاته يمكن أن يكتشف جوهره الإنساني الذي يجمعه ببقيه البشر، وليس فقط فرديته المميزة. هذا الجوهر الإنساني المشترك يشكل أساسًا لقيم أخلاقية كونية ضمن هويته الفردية، وليس أساسًا لجماعة هوية. وقد وفَّق رواقي آخر هو لوكيوس سينيكا بين الشعور بالانتماء إلى الإنسانية وبين الانتماء إلى الوطن. واعتبر أنّ الانتماء الإنساني الأخلاقي هو انتماء في فترات التأمل والتثقيف الذاتي، أما ضرورات الحياة اليومية فتُلزِم الإنسان أساسًا بالانتماء إلى الدولة (والمقصود بالدولة هنا ليس الدولة الحديثة،
بل المدينة، وبمعنى أشمل الكيان الذي يجمع الحاكمين والمحكومين). وعلى كل حال، حاول الفلاسفة الرواقيون التأسيس لأخلاقيات المواطنة، أخلاقيات الواجب تجاه الصالح العمومي، عبر الانتماء إلى الدولة. لكن الإنسان ينتمي أيضًا إلى عائلة مصغّرة أو ممتدة وقد يحمل اسمها لقبًا، وإلى
الذين يساكنهم في حي ومدينة ووطن، وقد يحمل اسم هذه الجماعات حين يتنقل خارجها. وتبرز بعض هذه الجماعات ضمن انتماءاته وتتراجع أخرى كما تتشكل جماعات جديدة ومعها انتماءات وهويات اجتماعية. صنف كارل ماركس وفريدريك إنجلز وأتباعهما الناس إلى طبقات، بوصفها الفئات الرئيسة التي يتألف منها المجتمع، والتي عدّت الماركسية الصراع بينها (ولا سيما بين المستغِلّين والمستغَلّين) محرّكَ
(11) Derek Heater, A Brief History of Citizenship (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2004), p. 40. (12) Ibid., p. 41; James Moore & Michael Silverthorne (eds.), Francis Hutcheson & James Moore (trans.), The Meditation of the Emperor Marcus Aurelius Antoninus, Book X–15 (Indianapolis: Liberty Fund, 2008), p, 125. (13) Heater, p. 41.
التاريخ. هذا تقسيم نظري، يقوم عليه أيضًا نموذج نظري في فهم المجتمع. فهل يتصرف الناس على أنهم طبقات؟ يتوقف ذلك في رأيي على مدى انتمائهم الفعلي إلى الطبقات بوصفها هويات جماعية، وإدراكهم لأهمية هذا الانتماء. الارستقراطيون والإقطاعيون ونبلاء الدم كانوا يعون انتماءهم إلى مكانة اجتماعية/ اقتصادية بالذرية والنسب وبثقافة المكانة والشرف، وليس بفعل الانتماء الاجتماعي الاقتصادي إلى طبقة واحدة. وكانت الحروب فيما بينهم تفوق التضامن ضد عدو مشترك. ولم يشكّل الفلاحون طبقة متضامنة من أي نوع؛ إلا بوجود قيادات تحرر وطني أو أحزاب تعتبرهم كذلك وتقوم بتعبئتهم على هذا الأساس في مراحل محددة. وفي إحدى المراحل، ولا سيما في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تمكنت الأحزاب والنقابات من خلق الشعور بالانتماء إلى الطبقة العاملة لدى فئات واسعة من العمال. وما كان لهذا الشعور أن ينشأ، إلا بوجود مؤسسات ودعاة ورموز وشعارات جذابة تخاطب الوجدان وسهلة الترديد ولاحقًا حتى أناشيد وقصائد، أسهمت جميعها في تكوين ما سُمّي ثقافة الطبقة العاملة. ولكن الانتماء الطبقي ضعف، حين ضعفت هذه المؤسسات، ونشأت صفقات العمال الكبرى مع المشغلين، والتي ضمنت حقوق العمال النقابية، وحسنت ظروف العمل بعد نضال مديد. وفي الحروب (ولا سيما الحرب العالمية الأولى) وغيرها من الأزمات الكبرى، تغلبت انتماءات أخرى على هذا الانتماء. لقد تغلبت الانتماءات التي يسهل تخيلها بوصفها جماعة هوية عبر اللغة والإثنية والمشاعر الوطنية وغيرها. كما أنه حتى في مرحلة ازدهار الحركات العمالية لم تنشأ طبقة عاملة عالمية مثلً، على الرغم من نشوء مؤسسات حزبية عالمية، وظل أفق نضال العمال هو تحصيل حقوقهم داخل الدولة، وظلوا يقارنون أنفسهم بغيرهم من الفئات الاجتماعية في إطار الهوية القومية أو في إطار الدولة. وأصبحوا يشددون على الانتماء الإثني أكثر من الطبقي بوصفه أساس العضوية في الدولة، ومن ثمّ أساس الاستحقاق. أتظل الطبقة فئة اجتماعية فعلً بعد زوال الانتماء إليها، أم تبقى فئة تصنيف نظرية؟ إنها تبقى أداة تحليل نظرية، بوصفها فئة تقوم على وجود مميزات اقتصادية–اجتماعية "موضوعية" مشتركة. ولكن لا وجود للطبقة كجماعة بشرية في الواقع، إذا لم يتصرف الناس بوعي أنها جماعة ينتمون إليها. ومن دون ذلك، لا يمكن فهم ميل فئات واسعة من العمال في عصرنا، في ظروف ضعف الأحزاب الاشتراكية والنقابات، إلى قوى اليمين الشعبوي المتطرف. ويتعذر فهم ذلك الميل، من دون آلية تحويل الحرمان النسبي والفجوة بين المالكين والأجراء والمديرين والموظفين وغيرها إلى مس بالهوية/ الكرامة الشخصية وكرامة عائلة العامل وأبنائه الذين يقارنهم بأبناء الآخرين، وربط ذلك بهوية/ كرامة جماعات الانتماء الإثني أو الثقافي مثلً في مقابل ثقافة النخبة، أو في مقابل جماعات انتماء ثقافية أخرى يعدّها دخيلة. يشعر الإنسان بالانتماء إلى عائلته؛ هويته العائلية. هذه ليست مجرد فئة يصنَّف إليها. ويشعر أيضًا بالانتماء إلى جماعات حميمة أخرى يشعر تجاهها بالألفة: أهالي حي أو قرية أو بلدة معينة. ثمة علاقة بين وجود أمور مشتركة بين الأفراد – والأهم هو تصورات مشتركة عن هذه المشتركات – والانتماء إلى
الجماعة. وتتعمق المشتركات بوجود ثقافة مشتركة وذاكرة جماعية يتبناها الأفراد بوصفها ذاكرتهم، تمثلها رموز (قادة عظام، أبطال/ شهداء، ضحايا، مآثر وانتصارات، أعداء الجماعة، أماكن، أزمنة أو مواسم) يعاد إنتاجها في المحفوظات المدرسية والأدب والفن. والذاكرة الجماعية تشتمل دائمًا على نسيان جماعي. فهي انتقائية بحكم تعريفها. يصبح الشعور بالانتماء والحاجة إليه جزءًا من شخصية الفرد إلى درجة إسقاطه على جماعات كبيرة
من الناس لا يعرفهم ولم يلتقِ بهم في حياته: قومية إثنية أو وطنية أو جماعة إيمانية أو حتى سياسية. إنه ينتمي إليها، بوصفها جماعته بفعل مشتركات على المستوى القومي، أو الديني أو الثقافي أو السياسي أو غيره، التي تمس تكوينه العاطفي والوجداني والتي يشعر بالانتماء إليها. وتؤدي هذه الانتماءات دورًا مهمًا في تشكّل أخلاقه ومواقفه وسلوكياته واتجاهاته، مثلما تؤدي في تجسدها، بوصفها جماعات فاعلة ذات مؤسسات وقيادات وغيرها، دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، وحتى في السياسة العالمية أيضًا. وهذه الهويات معرّضة للتغيير بعد فترة طويلة من تفكك الكيانات السياسية
والاندماج في كيانات أخرى... إلخ، والأمثلة كثيرة من الاندثار حتى إعادة التشكّل في رد فعل على خطر الاندثار، أو في حالات فقدانها لوظيفتها في الحفاظ على الجماعة، كما في حالة تفكك القبائل الكبرى وفقدان القبيلة وظيفتها الاجتماعية/ الاقتصادية وحتى الحمائية، أو عندما تكتسب وظائف جديدة بتحويل هويتها إلى أيديولوجية سياسية. وتطرأ ظروف تجعل انتماءً يتراجع مقابل انتماء آخر مشكّل لهويته، وهو انتماؤه العقيدي، أو الديني أو
الحزبي أو غيره. فمثلً قد يكون انتماؤه العربي بارزًا جدًا ومسيّسًا إلى درجة الإيمان بالمصير المشترك
للعرب في وحدة أو اتحاد سياسي، وقد يتراجع إثر خيبة أمل من تبدد أوهام عن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، إذا كان انتماؤه معززًا بتوقعات منها، أو إذا كان قائمًا على الأيديولوجيا وليس على الثقافة العربية المشتركة وحدها. وقد يبقى عربيًا باحثًا عن معنى جديد لهذا الانتماء في اللغة والثقافة
والتوق إلى التحرر، أو يتنكر لهذه الهوية ويحتل مكانها انتماءٌ آخر في وعيه. ويمكن أن يكون انتماؤه
إلى الجماعة الدينية قويًا إلى أن يُصدم بجماعات دينية يشاركها العقيدة ترتكب أعمالً تتناقض مع قيمه، فيبقى متمسكًا بقيمه وعقيدته بوصفها هوية فردية مع تراجعِ انتمائه العصبوي إلى الجماعة، أو يعيد النظر في فهمه لعقيدته، وغير ذلك من الاحتمالات. من ناحية أخرى، تقوم جماعات أخرى أو أفراد آخرون أو حتى مؤسسات بتعريف الفرد على أساس الانتساب إلى جماعات لا ينتمي إليها شعوريًا فعلً، أي لا يعتبرها جزءًا من هويته الفردية. فيسهم
التعامل القائم على هذا التصنيف في تحويل هذا الانتساب إلى انتماء فعلً، أو يسهم في رفض هذا
((1(الذاكرة فعل عقلي، ومن ثمّ فالجماعة لا تتذكر، إن الذاكرة الجماعية هي تصورات يتبناها الأفراد عاطفيًا ووجدانيًا. وهذا التبني
الذي غالبًا ما يكون مدعمًا ببعض الحقائق التي تجعل منه أمرًا عقلانيًا، هو من دلائل الهيمنة الثقافية لتصور ما. ((1(كتب جويل كاندو: "يمكننا أن نجد في الصحافة أو في الأدب أيضًا، اللذين يثمنان الإرث الوطني المشترك، أمثلة عديدة على هذه المنطوقات التي تورد الذاكرة الجمعية لقرية، أو لمدينة أو [...] وهي منطوقات ترافق على وجه العموم إبراز هوية محلية."
جويل كاندو، الذاكرة والهوية، ترجمة وجيه أسعد (دمشق: الهيئة السورية العامة للكتاب، وزارة الثقافة، 2009)، ص.24
الانتساب، فيصبح قبول هذا التنسيب أو رفضه جزءًا من هويته الفردية، وذلك بسبب تفاعل طريقة
تعامل الآخرين معه على هذا الأساس مع طبيعة شخصيته بما في ذلك تكوينه القيمي. يتحول التنسيب الجماعي أو المؤسسي إلى انتماء يجمعه بآخرين بالطبع. ولكن رفض هذا التحول ذاته يجمعه بآخرين أيضًا ويصبح أساسًا لانتماء آخر. وعلى كل حال، لا توجد جماعة من دون انتماء إلى الجماعة. وبعد نشوء الفرد الذي يعي استقلالية ذاته وهويته الفردية، لم يعد ممكنًا وجود جماعة بلا هوية؛ هوية فردية وهوية جماعية تقوم على الانتماء الواعي إلى الجماعة.
ثالثًا: من الفلسفة إلى علم النفس الاجتماعي
ثمّة نظريات في الهوية على مستوى تخصصات مختلفة. ومنها ما يُسمّى كذلك من دون أن يمتّ بصلة مباشرة لموضوعنا. خذ مثل Mind–Brain Type Identity Theory! هذه تُسمّى نظريةً في الهوية؛ لأنها تساوي بين الحالات النفسية ومجريات معينة في الدماغ البشري. ثمة محاولات لإثبات تناسق بين العمليتين يسمونها Mind–Brain Type Identity. تُستخدم كلمة هوية في علم الدماغ هنا بمعنى تساوي، لا أكثر ولا أقل. ولكن على مستوى علم النفس التطوري أو علم نفس النمو، ثمّة نظريات في تَشكُّل الهوية الفرديّة ذات علاقة مباشرة بما نناقشه في هذه الورقة. نجدها مثلً عند أحد ممثلي مدرسة التحليل النفسي، إريك إريكسون Erikson Erik (1994–1902)، ولا سيّما بشأن تشكُّل الهوية
الفردية في مرحلة البلوغ، وهو ليس بالضبط تشكّل الشخصية الفردية، بل المقصود هو الوعي بها. وثمة مقاربات أنثروبولوجية ثقافية ونظريات في علم النفس الاجتماعي حول الهوية، بمعنى الهوية الفردية. وربما انطلقت عند هيربرت ميد Mead Herbert George (1931–1863) في عشرينيات القرن الماضي، ولكن شهدت تحولً كبيرًا عند هنري تاجفيل Tajfel Henri (1982–1919) في نظرية الهوية
الاجتماعية التي عمل عليها مع جون تيرنر Turner John (2011–1947) في عام 1979، والتي تشدد على أهمية الانتماء إلى جماعة بوصفه مصدرَ فخرٍ واحترام ذاتي (يمكن أن نسميه شعورًا بالكرامة) لأفراد، وأن جماعات الانتماء هي جسر الأفراد للعالم الاجتماعي. وتفيد هذه النظرية بوجود نزوعٍ معرفي لدى الإنسان إلى تصنيف الناس جماعاتٍ. وهذا النزوع إلى تصنيف الناس جماعات يشبه عملية التصنيف التي نعرفها في العلوم الطبيعية؛ إذ نقسّم العناصر والظواهر الطبيعية عمومًا إلى فئات Categorization. نحن ننسب الشيء أو العنصر الكيماوي أو الظاهرة الطبيعية إلى فئة معيَّنة تشترك في
صفات نعتبرها أساسية، بحيث نقوم على أساسها باستنتاج تعميمات وروابط داخل الفئة وبين الفئات. لكن الإنسان حين ينضوي في جماعة مقابل جماعات أخرى، ولو كان الانضواء مع آخرين لم يلتقِ بهم من قبل كما في تجربة تاجفيل، فإنه يميل خلال التجربة إلى تفضيل الجماعة التي صُنِّف ضمنها،
ويرغب في أن تحصل على منافع أكبر في مقابل الجماعات الأخرى، كما في حالة عضوية الفِرَق
المتنافسة. يبحث الفرد سريعًا عن "نحن" يفضلها على الآخرين.
وإذا تجاوزنا تجربة تاجفيل إلى الجماعات التي ينتمي إليها الفرد، نجد أن هذا النزوع إلى الجماعة يقود، ثانيًا، إلى نزوع معرفي آخر يتلخص بتقليل الفوارق بين الأفراد داخل الجماعة الأخرى وزيادة
الفوارق بين الجماعات، بما في ذلك الفوارق بين الأفراد المنتمين إلى جماعات مختلفة، وهو ما يُعَدّ
هويات مختلفة. يبرر تقليل الفوارق داخل الجماعة التعميم على الجماعة بأسرها بنسْبِ صفاتٍ معينة
إليها، وتجاهلِ صفاتٍ أخرى، وتضخيم الفوارق بين الجماعات لتمييزها عن بعضها؛ أو العكس، أي أن الميل إلى إطلاق التعميمات على الفئات يؤدي إلى عدم رؤية الاختلافات. وينشأ، ثالثًا، نزوع آخر إلى تشخيص الصفات السلبية لدى جماعات ال "هم" والإيجابية لدى جماعة ال "نحن" (أو العكس تمامًا في حالة الشعور بالنقص تجاه الجماعة الأخرى). نقسم الهويات في الحداثة لغرض البحث إلى هويتين أساسيتين: هوية ذاتية فردية تتلخّص بتعريف الإنسان لذاته وصفاته التي يختارها لكي يعتبرها أساسية في تعريف ذاته، ومنح حياته معنى على هذا الأساس (وهو ليس السبيل الوحيد الممكن إلى المعنى)، وهوية اجتماعية بمعنى تعريف الإنسان لذاته بوصفه منتميًا إلى جماعة أو جماعات؛ إذ يمكن في المجتمعات المعاصرة الحديث عن هويات اجتماعية
للفرد، وليس هوية اجتماعية واحدة. ولا شك في أن صفات الفرد التي يشدد عليها، أو التي يرغب في امتلاكها، تسهم في الانتماء إلى جماعة أو جماعات تشاركه هذه الصفات، والعكس صحيح. بمعنى أن الانتماء إلى جماعة محدَّدة تجعل الفرد يشدّد على صفات معيّنة لديه، كما قد تتشكل لديه صفات
أخرى نتيجة لهذا الانتماء. خذ مثلً تقييم الإنسان لذاته بوصفه متدينًا، أو وطنيًّا، أو قبَليًّا، أو منتميًا إلى
قرية، أو مدينة، أو منتميًا إلى جماعة العاملين في مهنة تنشأ بين أفرادها روابط وثيقة بحيث يبرز الانتماء
إليهم أكثر منه إلى بقيّة الجماعات التي يَنتمي إليها، ولا سيما عند الحديث عن المهن الخطرة التي تنمّي
علاقات قوية بين أفرادها مثل مهن الإطفاء أو الإنقاذ أو الفرق العسكرية المحترفة وغيرها. وفي الماضي، كان الانتماء إلى جماعة حرفية يشكّل أهم انتماءات القاطن في المدينة، وسميت طوائف الحرف وغالبًا
ما تقاطعت مع الطرائق الصوفية، ولكن مدن ما قبل الحداثة ليست موضوعنا هنا. وحين يشخّص الإنسان الحديث ذاته، أو ينظر في ذاته، يجد أنه يمتلك صفات أو ميزات يعدّها إيجابية وسلبية وفق تقييمه. ولكن ما يُظهِرُه يشمل غالبًا ما يعدّه هو صفات إيجابية، أو ما يعتبره الأفراد
((1(لا نتناول في هذه الدراسة هوية الكيانات، مثل المؤسسات والدول. فهذا موضوع آخر. الهوية في هذه الحالات غالبًا ما تكون
استعارة تصور طابع الدولة. فمثل، إذا قصدنا أن نعرف هوية الدولة بوصفها مسلمة أو غيرها من الصفات، فإن القصد هو بالحد الأدنى احترام مؤسسات الدولة لديانة الأغلبية فيها وتبني مؤسساتها الأعياد والمناسبات والرموز الإسلامية. وهو السائد حاليًا في
الكثير من الدول العربية. ويتصالح العلمانيون عمومًا مع هذا التعريف، ولكن بعضهم يدعو إلى التخلي عنه، فثمة احتمال أن يتجاوز
تحديد "هوية الدولة" هذا التعريف إلى اعتبار أن مؤسسات الدولة تدين فعلً بدين مع أنها ليست ذاتًا؛ وبما أنها عبارة عن مؤسسات تحتكر العنف وقادرة على الفرض والإملاء فيمكنها أن تفرض تفسير الحكام للدين وفرائضه على المجتمع. ((1(يشدد بعض الباحثين على الفرق بين الأدوار الاجتماعية (أب، أم، طالب، مدرس... إلخ) من جهة، والهوية من جهة أخرى. ولكن بعض الأدوار، وفق تعبيرهم، يمكن أن يتحول في ظروف معنية إلى هويات. والتصنيف الصارم لا يفيد في هذه الحالة. ينظر:
Manuel Castells, The Power of Identity , 2 nd ed (Oxford: Blackwell, 2004), p. 7. (18) Helen Spencer–Oatey, "Theories of Identity and the Analysis of Face," Journal of Pragmatics , vol. 39, no. 4 (2007), p. 644.
الآخرون الذين ينتمون إلى جماعة الهوية نفسها صفات إيجابية، وغالبًا ما يتقاطع الأمران. فما يظهره
للآخرين بوصفه إيجابيًا ناجمٌ غالبًا عن تأثره بما يعدّه الآخرون صفاتٍ مقبولة أو مرغوبة؛ فهو شديد
التأثر بما يعتقده الآخرون، ولكن بحسب درجة "غيرية" هؤلاء "الآخرين" أيضًا. فثمّة خصال قد يهتم بإظهارها على مستوى العلاقات الشخصية الحميمة، ونقاط ضعف لا يخجل بها على مستوى المجموعة القريبة، وأخرى يظهرها في سلوكه في الفضاء العام بين مجموعات ينتمي إليها من دون أن يعرف أفرادها شخصيًا. فهو يدرك أن التقييمات لصورته الخارجية قد ترتسم في أعين
الآخرين بوصفها هويته. وهذه التقييمات الخارجية السلبية والإيجابية تعود وتؤثر فيه وتُحدِث فيه مشاعر إيجابية أو سلبية من جديد؛ مشاعر الثقة وخيبة الأمل والإحباط؛ وتعود لتؤثر مرة أخرى في كيفية تعامله مع ذاته، وقد يؤدي ذلك إلى تحولات عديدة في النفس البشرية، على مستوى توقعات الإنسان من ذاته وإحباطاته وتوتراته النفسية ورضاه عن ذاته... إلخ. صيرورةٌ شبيهة بها يمكن تشخيصها عند الحديث عن الهوية الجماعية، فثمّة انطباعات يهمّ الأفراد أن ينقلوها عن جماعتهم التي ينتمون إليها، فهم يشدّدون على صفات معينة للجماعة، إيجابية غالبًا،
يهمهم أن ينقلوها إلى الآخرين، ولكن أهمية الجماعة للفرد قد تتمثّل في موقف سلبي جدًا من بعض
الصفات التي ينسبها إلى هذه الجماعة. فنقد الجماعة ليس دليلً على عدم انتماءٍ، بل قد يكون دليلً على الانتماء الذي يولّد الخيبات والمرارات. ليست الجماعة كائنًا خارجيًّا بالنسبة إلى الفرد، فهي تصبح بالتنشئة الاجتماعية جزءًا من شخصيته.
ثمة نزعات مطبوعة في النفس البشرية ومتعلقة بالنفور من العنف الجسدي والتسبب بالأذى والألم والإذلال. وثمة نزعة أخرى علّق عليها آدم سميث أهمية كبيرة وهي التعاطف. وهو نابع من الرغبة في إثارة الانتباه إيجابيًا، أي الرضا والاستحسان، وتلقّي المحبة والإعجاب والتعاطف Empathy. هذه
المشاعر هي أساس التعاطف والشعور مع الآخرين؛ فالنفس الإنسانية تتوقع منهم أيضًا تلقي التعاطف وتجنب الذم، وحيازة الاستحسان وتجنب الهجاء. وأعتقد أن النزوع الأول أكثر أهمية، وإن كنت أؤكد بشدة الدافع الطبيعي القوي لدى الإنسان لأن يكون محبوبًا وأن يكون موضع رضا وإعجاب، ولكنه لا يؤدي بالضرورة إلى التعاطف مع الآخرين. لكن عدم تلقيه قد يؤدي إلى الانطواء والغضب، وربما العنف، وربما التشوهات الشخصية. وعلى كل حال، فإن لهذا الدافع (طلب الاعتراف، رغبة الإنسان أن يكون محبوبًا) علاقة متينة بالهوية الذاتية والإحساس بالكرامة. هذه، وأمور أخرى، مثل النفور من الأذى الجسدي، والنزوع إلى الانتماء، هي أصول الأخلاق المطبوعة في النفس البشرية. فهذه الدراسة تنطلق من أنّ النزوع إلى الانتماء هو ميل عاطفي طبيعي، فطرة إنسانية، عدا عن كون العيش في جماعة من ضرورات البقاء. ولا يوجد تناقض بين الأمرين؛ فكثير من ضرورات البقاء تلبيها فطرة إنسانية تشكل أيضًا أساسًا لأخلاق، من محبة الأم والعائلة، وحتى رغبة الإنسان في أن يكون محبوبًا، وميله إلى الانتماء إلى جماعة. وتنبني منظومة القيم/ الأعراف (المنسجمة أو المتناقضة
(19) Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments (New York: Augustus M. Kelley, 1966 [1759]), pp. 26–30.
داخليًا) بناء عليها، وفي سياق تنشئة الفرد ضمن الانتماء إلى جماعة أو جماعات، والتوقعات منه في
سلوكه بموجبها، وبموجب الجيل والجنس والمكانة وغيرها من المحددات التي تتغير عبر التاريخ. لا يمكن تخيّل قيم سائدة أو أعراف خارج النزعات الأخلاقية المطبوعة في الإنسان بما هو إنسان
من جهة، والتنشئة الاجتماعية والقيم السائدة من جهة أخرى. وهذا لا يعني أن الفرد ينشأ بالضرورة بموجبها، بل قد يعني السياق التوتر والرفض والنقد، وأمورًا عديدة أخرى. من ناحية أخرى، قد يؤدي الامتثال الكامل لهذه الأعراف والتوقعات الاجتماعية إلى قمع شخصية الفرد وقدرته على الحكم أخلاقيًّا وعقلانيًا على الأمور، ومن ثمّ قابليته لتطوير ذاته على نحو خلاق،
لا سيما في مقابل تقاليد تخنق ملكات الحكم هذه لديه. وكما أسلفت، يستحيل الحديث عن أخلاق اجتماعية من دون انتماء. والانتماء أساسي في تقدير الفرد لمسألة السلوك الأخلاقي؛ إذ تربطه بالجماعة علاقة احترام، وخوف أو حب، ومن دون ذلك من الصعب الحديث عن تهذيب النفس ودفعها للسلوك الأخلاقي. لكن السياق نفسه يمكن أن يؤدي إلى قمع السلوك الأخلاقي في قضايا معيَّنة، والانجرار خلف العصبيات بدلً من الحكم الأخلاقي حيث
يلزم، والحكم العقلاني اللازم في حالات أخرى. تركز غالبية دراسات ما يُسمّى "الهويات الاجتماعية" على المجموعة الأكثر أهمية للفرد في تعريفه لذاته. ويعي الخبراء جيدًا ما يجري في المسوحات واستطلاعات الرأي، حين يُسأل الفرد المستجيب "كيف تُعرِّف ذاتك؟" ويُطلب منه أن يُدرج انتماءاته بحسب الأهمية، فيبدأ مثلً بانتمائه الديني أو القومي
الإثني أو الوطني أو العائلي، وكأنها قائمة مشتريات List Shopping. وقد يتغير الترتيب ويحكم الباحثون على هويته بموجب هذه الأفضليات التي يضعها. مع أنه قد يرتبها على هذا النحو لكي يبدو كذلك، أو لأنه يعتقد أن هذا ما يليق. ومن الظلم ان يطلب من الفرد أن يدرّج انتماءاته وفق الأهمية، مع أنه لا يتصرف في حياته بموجب هذه التفضيلات. وعلى الباحث أن يقرر كيف يوازن بين كيفية عرض الإنسان لنفسه وما يتضح عن شخصيته من إجاباته عن أسئلة أخرى غير مباشرة. يُحدِّد بيرند سايمون وظائف هوية الإنسان الجماعية بأنها أولً، تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء وأيضًا شعورًا بالتميز؛ وثانيًا، تسهم في موضعة الإنسان لذاته في العالم الاجتماعي، أين يقف في العلاقة مع
الآخرين؟ إلى من ينتمي؟ وإلى من لا ينتمي؟ ثالثًا، يمنح الشعور بالهوية الإنسان نوعًا من التقدير الذاتي (الكرامة)، بمعنى رفض المسّ بما يعتبره هويته. وتصبح مسألة المسّ بالهوية، هويته الفردية
كما يراها، وهويته الجماعية بمعنى انتماءاته التي يعدّها مهمة، ومحاولة فرض هوية أخرى من قوة خارجية مسًا بالكرامة ودافعًا للاحتجاج، ولا سيما في حالات ما نسميه أزمة الهوية، وذلك في غياب
الثقة باستقرار المسلمات الثقافية المهيمنة في ظروف التقلبات والتبدلات الاجتماعية، أو في حالات رهان القوى المحافظة في المجتمع على سياسات الهوية. فعند ذلك، تقوم هذه القوى باستنفار مشاعر
(20) Bernd Simon, Identity in Modern Society: A Social Psychological Perspective (Oxford: Blackwell, 2004), pp. 66–67.
الغضب على المس برموز جاعلة المس بها مسًا بالمشاعر، أو مسًا بالكرامة. وثمة حالات يتبنى فيها المقاومون للمس بانتماءاتهم نفس الصفات التي يُنعتون بها والتي تبدو سلبية لمن يصفهم بها، فيفاخرون بهذه الصفات بتشكيل نوع من هوية التحدي التي تمنع الهجاء العنصري من النيل منهم، كما في حالة الافتخار باللون الأسود لدى الأفارقة الأميركيين ورفع شعار black is beautiful، أو في تبني بعض جماعات المثليين صفة queer (التي تعني في الأصل غير طبيعي أو منحرف) والمفاخرة بها. لكن هذه الاستراتيجية على كل حال تشدد بذلك على حدود الهويات، خلافًا لمطلب المساواة المجردة الذي لا يتضمن الاختلاف. وقد قسّم تاجفيل وتيرنر ثلاث عمليات عقلية تقود إلى تقسيم الجماعات إلى "نحن" و"هم": أولً، التصنيف الاجتماعي إلى فئات Social Categorization؛ ثانيًا، التضامن والتماهي الاجتماعي
مع مجموعة محدّدة Social Identification وهو ما يعني اكتسابَ هويةٍ بالانتماء؛ ثالثًا، المقارنة الاجتماعية Social Comparison، الذي عبره تنشأ عملية بناء صور إيجابية وسلبية للجماعات. وهذا الميل إلى التصنيف طبيعيٌ وربما ضروريٌ لفهم ما حولنا في المجتمع والطبيعة. لكن المشكلة
تكمن في أمرين أساسين؛ أولً، أنّ تقسيم الناس إلى جماعات قد يقود إلى اعتبار الجماعة مفتاحًا لفهم الفرد؛ أي الإسقاط من هذه الصفات المنسوبة إلى جماعة على الفرد، وهو ما قد يؤدي إلى نوع من العنصرية يفترض في الأفراد صفات جوهرية كامنة ثابتة ناجمة عن الانتماء إلى جماعة بعينها، وهو ما يُسمّى أحيانًا Stereotyping. وثانيًا، نشوء "نحن" و"هم" داخل المجتمعات نفسها (يمكن أن نستخدم مصطلح المجتمعات الوطنية
مثلً)، ما يهمّش المشتركات الضرورية للحياة الاجتماعية في عصرنا، خاصة في الدولة الحديثة، ولا سيما المواطنة، أو يعوق تشكّلها. ويعوق الانقسام العصبوي إلى نحن وهم، داخل الجماعة الوطنية نفسها، تشكُّلَ رؤية عقلانية لمصلحة المجتمع، بوصفه كلً واحدًا يُسمّى شعبًا أو أمة، والمقصود هنا
هو الأمة المدنية أو المواطنية Civic Nation، التي تعني مجمل مواطني الدولة وتفترض رابطة مشتركة بينهم تتجاوز العيش في دولة واحدة إلى اعتبارها دولة جميع المواطنين. والأخطر أن يصبح الانقسام إلى "نحن" و"هم" بديلً أيضًا من الأحكام الأخلاقية القيمية؛ فيجري التسامح مع رذائل الفرد المنتمي إلى جماعة "نحن" من جهة، وعدم تقدير فضائل من ينتمي إلى جماعة "هم" مثلً، الأمر الذي يمسّ بالأخلاق مباشرة. فمن الناحية الأخلاقية، يمكن أن يفضي تحديد انتماء الفرد إلى جماعة "نحن"، أي الشركاء في الهوية، إلى التسامح مع سيئاته وتبرير رذائله أو التستر عليها، أما من ينتمي إلى جماعة "هم" فينظر إلى فضائله بريبة، ونفسر رفضنا الاعتراف بها بأن مقاصد سيئة تقبع خلفها، أو أن الأهداف السيئة تجعل الفضائل أكثر خطورة من الرذائل في نظر الخصم. هنا تنتفي الأحكام الأخلاقية؛ ما يضر بالمجتمع عمومًا.
(21) Henri Tajfel & John Turner, "An Integrative Theory of Intergroup Conflict," in: William G Austin & Stephen Worchel (eds.), The Social Psychology of Intergroup Relations (Monterey, CA: Brooks–Cole, 1979), pp. 38–43.
من ناحية العقلانية، إذا كان المعيار للتفكير العقلاني في الدولة والمجتمع هو البحث عن أنجع الطرائق في خدمة الصالح العام، وإدارة الحوار بشأن تحديد ماهية الصالح العام، كتشخيص نقاط التقاطع بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، أو لنقل مجتمع الدولة، وأقصد بذلك مجتمع المواطنين، فالانطلاق من مصلحة ال "نحن" في مقابل "هم" ضمن الجماعة الوطنية نفسها، بحيث يكون الهدف هو تحقيق مصلحة الجماعة كما تبلورها قيادتها ضد مصالح جماعات أخرى، لا يتيح إجراءَ حوارٍ
عقلاني بين آراء مختلفة حول الصالح العام. ويصبح الحوار في أفضل الحالات تفاوضًا أو مساومةً بين قيادات لجماعات الهوية للتوصل إلى حلول وسط في تقاسم المجتمع الوطني والدولة؛ ما يضعفهما، ويضعف معهما الانتماء إليهما، ولا سيما إذا كانت الحقوق والواجبات التي تمر عبر المواطنة ذاتها ضامرة، لأنّ غالبية المطالب لا تتحقق بفضل المواطنة، بل عبر توسط الجماعات. وهذا بذاته يضعف مفهوم المواطنة وواقع ممارستها. لا يعني نقد هذه الصيرورة بالضرورة عدم الاعتراف بجماعات الهوية وخصوصيتها. فمن الممكن الاعتراف بها وحتى بحقوقها الجماعية الثقافية، ولكن ضمن "نحن" مواطنية. وعلى كل حال، يعتمد تفضيل جماعة الهوية التي تحتمل التعددية الهوياتية داخلها، بحيث تنضوي تحتها وتخضع لها، على طبيعة النظام الاجتماعي السياسي القائم.
رابعًا: الذاتية والجماعية
قلنا إن الهوية الذاتية للإنسان لا تُختزَل في تصنيفه إلى جماعات، كما لا تُختزَل هويته الاجتماعية في عملية إدراجه ضمن الجماعات، أي الفئات (الأصناف، الأنواع) التي ينتسب إليها موضوعيًا، أي بغض
النظر عن فكره ومشاعره. ويفيد أن نتذكر أن مسألة الهوية الذاتية والاجتماعية للفرد هي مسألة حديثة نسبيًا، إذا ما أخذنا في
الاعتبار أن الجماعة ومكانة الإنسان فيها شكلت كيان الإنسان الرئيس عبر مراحل تاريخية طويلة، وأنه انتمى بالولادة إلى جماعات ومراتب اجتماعية وطبقات (بمعنى Estate وليس بمعنى Class)، لم يكن ممكنًا تغيير الانتماء إليها إلا بوقوع الكوارث أو العجائب، مثل السبي والأسر أو ما تسرده الأساطير وحكايات الأدب الشعبي عن بطولة ابن الفلاح التي فرضته على الحكام، أو وقوع الأميرة في غرامه. وكان شراء المماليك والأسر العثماني من أعجب قنوات الانتقال الاجتماعي في التاريخ: من الفلاحة إلى العسكرية أو بيروقراطية الدولة وحتى تولي السلطنة في حالة المماليك. ولم ينشأ الفرد الحديث نتيجةً لحدث واحد كبير مثل الإصلاح الديني ومقاربات مارتن لوثر لتفرد المؤمن أمام الله، واكتشاف المؤمن نفسه الداخلية الملعونة بالخطيئة الأولى والمسكونة بالميل إلى الشر والرذيلة، وسعيه للتحرر من هذه الميول بالإيمان، ولا بتركيب جان جاك روسو الفلسفي لإنسان طبيعي خيّر يعيش وحده في حالة الطبيعة أو قبل الحضارة وتفسد طيبتَه الفطرية متطلباتُ العيش في
جماعة؛ وذلك خلافًا لما يكتب فوكوياما وغيره في تقليد انتقائي جدًا وإسقاطي على التاريخ يعيد
(22) Fukuyama, pp. 25–36.
نشوء الفردية إلى البروتستانتية. ومع أن البروتستانتية الأولى وبعض فروعها اللاحقة ألغت الحاجة إلى الوساطة بين المؤمن والله، وجعلت المؤمن مسؤولً أمام الخالق، فإنها كانت قمعية للغاية بشأن خيارات الفرد، وفرضت تفسيرات متزمتة سلفية للدين على طائفة الكنيسة، لا سيما أنها انطلقت من مقولة فساد الإنسان منذ الخطيئة الأولى. ولا شك في أن لارتدادات الإصلاح الديني الفكرية دورًا في نشوء فكرة الفرد المستقل أخلاقيًا والمسؤول عن أفعاله، لكن الإنسان الفرد القادر على التأمل في ذاته
نشأ بالتدريج؛ وذلك عبر عمليات تاريخية وثقافية معقدة في جميع الحضارات التي نشأت فيها مدن وتجار متنقلون، ورجال دين متجولون عابرون للثقافات المحلية، وشعراء ومغامرون ورحالة، ودعاة متمردون، ومدرسون يتنقلون من بلاط أمير أو نبيل إلى بلاط آخر. ولا يمكن فهم شاعر مثل أبي الطيب المتنبي، من خلال انتمائه القبلي أو هوية جماعية أخرى فقط، ولا بد من رؤية إدراكه لفرديته بوصف هذا الإدراك هو نواة إبداعه. وينطبق ذلك على أبي العلاء المعري وغيره. وقد عبر رينيه ديكارت وكانط وغيرهما عن نشوء الفرد فلسفيًا، وكتب أبو حامد الغزالي (في المنقذ من الضلال) وبليز باسكال Blaise
Pascal (في كتابالأفكار) تأملاتهما بوصفهما فردين يعيشان أزمة وجودية ينقبان في نفسيهما بحثًا عن اليقين فيجدانه في الإيمان. ومع أن الهدف لم يكن التوصل إلى ذات داخلية فردية، فإن منهج الشك والبحث عن اليقين كانا جهدًا فرديًا في التنقيب داخل الفرد نفسه/ الفيلسوف نفسه. وتميز كانط من معاصريه بتأكيد استقلالية الفرد الأخلاقية، واعتبار كرامته هدفها قائمًا بذاته، باعتبار الإنسان هدفًا قائمًا
بذاته وليس وسيلة. ولكنهم جميعًا لم ينشِئوا الفردية الإنسانية، بل نظّروا لها بأشكال مختلفة، بحيث تمايزت وتداخلت فيها عناصر عقلانية وإيمانية وأخلاقية بتركيبات مختلفة. وقد تعمم نموذج الفرد مع نشوء الرأسمالية والعمل المأجور، وتقسيم العمل، وتطور وتنوع وظائف الدولة، وتوسع الطبقة الوسطى، وانتشار التعليم، ونشوء فئة الأنتلجنسيا وتوسعها المستمر، وتطور المواصلات والقدرة على التنقل، وارتخاء قبضة الجماعات العضوية على الأفراد وفقدانها لوظائفها الاقتصادية والسياسية. نشأت الفردية مع نشوء الفرد القادر على التفكير في "أناه" المتواصلة المستمرة رغم التحولات والتبدلات في مسار حياته، بحيث يلتقي وجودُها بجوهره كذات متصلة عابرة للتغيرات، وبهويته بوصفه فردًا عاقلً له ذاته الداخلية وشخصيته، وليس مجردَ جزء من جماعة عضوية وشائجية وُلد فيها ويحتل فيها مكانةً محددةً تُشتَق منها واجباته. وهو ليس فقط القادر على مثل هذا التفكير، بل أيضًا الذي تتطلب منه الحياة العملية ذلك. إنه الإنسان الذي يرى أن خلف مظهره الخارجي، ودرجة تعليمه، ومستواه المعيشي، نفسًا راضية عن
هذا كله، أو غير راضية، مكتفية أو غير مكتفية، حققت ذاتها أو لم تحقق ذاتها... ولكن لديها كرامة، وتستحق على الأقل أن لا تتعرض للإذلال، سواء بالعنف الجسدي أو المعنوي. كما أن الإنسان نفسه قادر على التفكير في انتماءاته إلى أكثر من جماعة واحدة، مثل جماعة المهنة وسكان المدينة والطائفة الدينية والفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها. تنشأ مسألة الهوية من التفكير في هذا التفكير؛ أي
التفكير في الذات وأَشْكَلةِ العلاقة بين الذات الفردية والجماعة، ومساءلتها. وتطرح العلوم الاجتماعية أسئلة عن إمكانية وجود ذاتٍ جماعية غير الذات الفردية.
والحقيقة أنه لا توجد ذات جماعية. فالذات فردية بحكم تعريفها. تتطلب الذات أنا تفكر وتتخذ قرارات أخلاقية. ولا توجد أنا جماعية. أما وجود "نحن" فهو في الذوات الفردية التي تتشارك الانتماء. ويعبر عن هذا التشارك أفعال مشتركة ومؤسسات ورموز ونصوص وغيرها تنتج تصورات لهذه المشتركات وتقوم الذوات الفردية بتذوّتها. وإذا جرى ذلك على نحو امتثالي غير نقدي وغير متحفظ، تنشأ إمكانية ذوبان الذات الفردية في ال "نحن"، بما في ذلك في حالات الإتيان بأعمال عظيمة والتفاني والأثرة والتضحية في الدفاع عن الجماعة ورموزها كأنها دفاع عن الذات؛ ولكن ينشأ أيضًا تجييش الناس ضد الآخر، وفي إقصاء الآخرين وحتى الاعتداء على الجماعات الأخرى بوصف الغيرية تهديدًا للهوية؛ احتمال التورط في ارتكاب الموبقات والفظائع باسم الهوية الجماعية بعد تهميش الذات الأخلاقية. وكلما تفرّد الإنسان العاقل وأحسّ بذاته، ازداد وعيًا بالجماعات التي ينتمي إليها: أولً، تلك التي
وُلِد ونشأ فيها وتشرّب قيمها ومسلماتها وأعرافها. وتربطه بها مشاعر الألفة التي تتحول إلى حنين في
المستقبل، فما الحنين إلا الشعور بفقدان الألفة والتوق إلى ما هو حميم؛ ثانيًا، تلك التي ولد فيها من
دون أن تربطه بها علاقة حميمة، فغالبية البشر يولدون في جماعة مؤلفة من أفراد كثيرين لا يعرفون غالبيتهم، كما في الطائفة الدينية أو الجماعة القومية. ليست هذه جماعات عضوية مولودة، ولا هم يختارون العضوية في هذه الجماعات. ولكنها، مع ذلك، تسهم في تحديد قيمهم وثقافتهم ومعنى حياتهم وجوانب أخرى من شخصيتهم؛ ثالثًا، تلك الجماعات التي ينتسب إليها لاحقًا بحكم ظروفه الاجتماعية كشخص بالغ، مثل الزمالة الطلابية والرابطة المهنية وغيرها التي قد تبقى دورًا أو وظيفة ولا تتحول إلى هوية؛ رابعًا، أخيرًا، تلك التي اختارها (أو يحسب أنه اختارها) مثل جماعة الناس
الذين يشترك معهم في رؤية المجتمع والعالم بتقاطع مع الثالثة، وقد تبقى المشاركة عقلانية فحسب، وربما تتحول عبر المشاركة في أعمال مشتركة ومواجهة التحديات إلى انتماء وهوية، كما يحصل للكثير من الأحزاب والروابط التي تصبح جماعة انتماء. يقال إن الظروف الاجتماعية والمعطيات الجينية تحكمت في خيارات الفرد هذه؛ ولكني لا أعتقد أنها تستنفد عملية الاختيار. ولا شك في أن ملكتَي الحكم الأخلاقية والعقلانية والأمل والإرادة كلها تتأثر بشدة بالمعطيات الجينية والبيئية والاجتماعية، بوصفها العوامل الرئيسة في تخلّق شخصية الفرد، ولكنها لا تختزل فيها. ولذلك يمكن توقع فعل هذه المعطيات فقط على درجات مختلفة من الاحتمال. وبالطبع، ليس تغيرُ الهوية بوصفها انتماءً إلى جماعة ناجمًا عن الإرادة الحرة، بل تبقى العوامل الرئيسة
هي المعطيات الاجتماعية البيئية المتغيرة، وبنية الفرد العاطفية والقيمية، وأخيرًا الإرادة الحرة. تبدأ الانتماءات بجماعات قائمة يولد فيها الإنسان، وينتمي إليها عاطفيًا وتسهم في تنمية شخصيته
وذوقه وقيمه وغيرها، ولا تنتهي بوجود أفراد عاقلين آخرين يتواصل معهم على مستويات مختلفة مثل
((2(استخدم الفعل ذوّت، والاسم تذويت بمعنى جعل الشيء أو الفكرة جزءًا من ذاته. وهي تقارب معنى internalize التي تترجم
بفعل استبطن، ولكني أرغب في التشديد على فكرة الذات.
العلاقة الشخصية من قرابة وصداقة وزمالة وغيرها، وأخيرًا علاقة الانتماء المشترك إلى جماعة من دون
وجود علاقة شخصية (كما في الجماعات المتخيلة)، بحيث ترتسم الصورة وتتشكل التوقعات منه بناءً
على هذا الانتماء المشترك أو ما يُسمّى الهوية الجماعية. ولكنّ هذه كلها يمكن أن تتغير وتتبدل، إذا استنفدت الجماعة وظيفتها بالنسبة إلى الفرد، أو إذا كانت الهوية الجماعية فقيرة بالمضامين فلا يبقى منها سوى تأكيد التميّز من الآخر فتصبح عصبوية بلا مضمون، أو في حالة صراع بين الجماعة التي
ينتمي إليها وبين جماعات أخرى، أو إذا قام نظام سياسي جديد في الدولة التي يعيش فيها يشدّد على الهوية الوطنية أو الدينية، أو يعمل على تفضيل جماعة على غيرها، أو يحاول أن يضمن الولاء للنظام بناءً على علاقات عشائرية أو طائفية أو جهوية. ويزداد الأمر تعقيدًا عند الحديث عن ملايين البشر والجماعات التي تتقاطع إراداتها، والمؤسسات والدول وبرامج التدريس وكتب التاريخ والشعر والأدب وغيرها، بحيث تنشأ من ذلك هوياتٌ لم يخترها الفرد، ولكنه ينتمي إليها. وهو يظل قادرًا على اتخاذ القرار ضمن محاولات الإجابة عن سؤال المعنى لحياته؛ فما الذي تعنيه هذه الانتماءات ضمن مسعاه لأن يجد معنى لحياته؟ ولماذا يتحرر منها، إذا كان التحرر يعني التنكّر لأمور مهمة قد يؤدي التنكر لها إلى تشويه شخصيته؟ وما دام الانتماء إلى الناس الذين يعنون له، أو يشعر تجاههم بمشاعر المودة، لا يتناقض مع خياراته الأخلاقية، فمن الأجدى في بعض الحالات التحرر فيها من دون التحرر منها. في هذه الحالة، تكتسب الهوية معنى آخر تمامًا غير ذلك المعنى البدهي؛ فهي تشير إلى انتماءات
الشخص، وهويته كما يحدّدها، وذلك في تقاطعٍ مع هوياته الأخرى، وتعايشٍ وصراع مع جماعات ينتمي إليها آخرون. الهويات هذه كلها مصنوعة، أو كما يقال مركّبة. فتعريف الناس لهوياتهم الجماعية يتغير عبر المراحل التاريخية، وأحيانًا في المرحلة ذاتها، وفق تغير النظام الاجتماعي والسياسي القائم، وكذلك وفق تحديد الآخر الذي ترتسم بموجبه صورةُ جماعةِ الانتماء في كل مرة بوصفها مختلفة عن الآخر. متى تكون جماعة الانتماء الرئيسة هي الجماعةَ القومية أو الوطنية؟ ومتى تكون جماعةَ الناس التي تعتنق الدين نفسه أو الأيديولوجيا؟ ولماذا؟ أليس ثمة فرق بين الإخلاص للعقيدة الدينية أو الأيديولوجية والتعصب لجماعة تعتنق هذه العقيدة وفيها المؤمن وغير المؤمن؟ وكيف تُفهم مزايا الجماعة الرئيسة؟ ومتى يتشكّل الزي الخارجي الذي بموجبه تتميز مظهرًا؟ وكيف تنشأ السلوكيات
التي تعرف بأنها عادات؟ غالبًا ما تكون هذه كلها حديثة العهد نسبيًا، ولكنها تُعدّ عادات متوارثة رغم
ذلك. فالتقاليد تخترع، وتتحول اجتماعيًا بلغة بيير بورديو إلى بنية مبنيّة. وثمة أسئلة كثيرة أخرى يمكن
الإجابة عنها، ضمن الأبحاث التاريخية وغيرها. ولكن هذه الأسئلة تكثر في الحداثة على نحو خاص، وليس بالضرورة بحثًا عن إجابات علمية بشأن عملية تركيب الهويات، بل أيضًا في سياق البحث عن معنى للحياة، أو في خضم الصراع السياسي والأيديولوجي وغيرها من سياقات الحداثة. فالجماعات في العالم ما قبل الحديث كانت غالبًا هي الجماعةَ الأولية التي يولد فيها الإنسان ويفهم
ذاته ليس بوصفه جزءًا منها فحسب، بل أيضًا، وأساسًا، بوصفها جزءًا منه؛ إذ يتحدد دوره وسلوكه، وإن
شئتم معنى حياته، بموجب مكانته المولودة معه، ولا معنى لحياته خارجها، ما عدا في حالات التمرد والصعلكة وغيرها من الاستثناءات. هل كان الانتماء إلى هذه الجماعات هوية؟ لا أدري جوابًا على هذا السؤال. ولكن ما هو مؤكد أن عامة الناس لم تتعامل معها من زاوية الهوية المفكر فيها، أي من زاوية انتماء الفرد إلى جماعة، بل عضويته المفروغ منها فيها، وكأنها جسد، وهو عضو من أعضائه. فقد كانت الجماعة تسكن الفرد قبل أن يسكن فيها، إنه ينشأ وينضج بوصفه عضوًا فيها. ربما شهد ماضي الجماعات هذه التي نسميها جماعات عضوية منعطفات فكّر الناس فيها استثنائيًا على نحو انعكاسي،
مثلً بالقبيلة، بما يتجاوز التفاخر حين حققت انتصارات، أو بما يتجاوز الحسرة والإحساس بالخسران حين تعرضت للهزيمة والإذلال. يمكننا تصور أن الناس فكروا في معنى انتمائهم إلى القبيلة. ولكن في جميع الحالات لم ير الفرد نفسه منفصلً عن الجماعة، إلا في حالة كونه منبوذًا من طرفها، أو متصعلكًا ضدها؛ أي إنه لم يفكر في الانتماء إلى الجماعة بوصف هذا الانتماء مكونًا من مكونات هويته. فهذه ظاهرة حديثة. يستثنى من ذلك، كما أسلفت، التجار المتجولون والرحالة والمثقفون المتجولون سواء أكانوا وعّاظًا، أم شعراء، أم مدرسين مترحلين. ولكن هؤلاء، إذا صح تقديري لحتمية نشوء الهوية الفردية عند بعضهم على الأقل، كانوا الاستثناء الذي أكد القاعدة. في العصر الحديث، تحصل ثورة في أدوات تشكيل الهويات وتركيبها، بسبب وعي الأفراد بذواتهم كونهم أفرادًا قادرين على التعاقد في سوق العمل، وقادرين على التنقل واختيار المهنة ومكان السكن وغيرها، وبسبب تنامي دور الدولة والتعليم العمومي والإعلام ووسائل الاتصال عمومًا، وصناعة الترفيه، بما فيه
الترفيه الثقافي والفولكلور؛ أي الثقافةَ المصنعة من عناصر مختارةٍ من الثقافة الشعبية وصقلها وتلميعها وتزييفها وتجاهلِ أخرى في هذه الثقافة وتهميشها، وأيضًا تنامي القدرة الإنتاجية والإخراجية على: • صناعة الآخر وتنميطه وتحديد الذات بناءً على تنميط الآخر. • صياغة تصورات عن الجماعات، بما في ذلك تاريخها ومميزاتها ومزاياها التي يفترض أنها تتفوق بها، والمظالم التي تعرضت لها وغيرها، بحيث تُقدَّم إليها (أي للجماعات) على أنها هويتها لكي تتشرب هذه الصور المرتسمة عنها بحيث تتحول إلى تصوراتها الذاتية.
خامسًا: الكرامة الفردية والجماعية
ربما لم يكن الشعور بالكرامة نزوعًا طبيعيًا، أي مطبوعًا في النفس الإنسانية. ففي عصور بشرية مختلفة،
اعتُبِرت الكرامة هي كرامة النسب والجماعة العضوية، وكان الانتقام على المس بها من الشيم التي يعتز بها. وفي مراحل أخرى، اعتبرت شيمًا مقصورة على المنتمين إلى طبقات معينة، ولا سيما أولئك المستعدين للقتال والموت من أجل الملك أو الدين أو الشرف نفسه، مثل الفرسان والنبلاء بالوراثة. وعمومًا، اختلط فهم الكرامة بمسألة الشرف الذي يتغير تفسيره لدى الطبقات المختلفة. لقد مرت في تاريخ البشرية بنى اجتماعية ونظم سياسية تربى فيها جزء من الناس على تقبل مكانتهم الاجتماعية، بوصفها منزوعة الشرف والكرامة، وعدّوا تعامل الحكام أو الفرسان أو أصحاب الأرض معهم،
بوصفهم لا يمتلكون شخصية مستقلة تستحق الاحترام، أمرًا طبيعيًا. ولا يخامرني شك في أن هؤلاء
شعروا بالمعاناة من الألم الجسدي والنفور من الإذلال المعنوي، وإن تقبّلوه بوصفه معطى "طبيعيًا"
متعلقًا بحق يمتلكه من يلحق بهم الأذى على أجسادهم ونفوسهم. فمعطيات التراتبية الاجتماعية، تشبه المعطيات الطبيعية، وحتى الإلهية، وفقًا للعقائد التي بررتها. ولكن لم تخل مرحلة تاريخية من التمرد على هذا الواقع. ولا شك لدي في أن لا أحد يتقبل العنف والإذلال الجسديين اللاحقين به؛ أمّا عدّهما أمرًا طبيعيًا فهو قمع اجتماعي عرفي لميول مطبوعة في النفس البشرية يصل إلى درجة طمسها،
أو هو حالة نفسية "غير طبيعية" قياسًا على الطبيعي وهو 1. النفور من الأذى الجسدي، 2. التعاطف، 3. الشعور بالانتماء، 4. رغبة الإنسان في أن يكون محبوبًا ومقدّرًا. وفي عصرنا، أصبحت للإنسان الفرد كرامته، بما هو إنسان فرد له شخصيته (هويته الفردية)، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية. لقد نشأ وتعمّم تصوّر جديد للإنسان، بوصفه فردًا يفكر في ذاته، ويتمثل هذا التصور أفرادٌ يؤمنون
بأن لدى كل منهم ذاتًا بشرية تستحق الاحترام. ونمت في هذا السياق منظومات مؤسسية وفكرية، تقوم على حماية حقوق الأفراد، وكرامتهم الشخصية. هذه الذات الفردية، سواء أكانت متوارية خلف المظاهر، أو تجاهد لإبراز نفسها عبر المظاهر، هي هوية الفرد وكرامته. أصبح هذا التصور قائمًا، إلى درجة لم يعد معها ممكنًا أن لا يكون النفور من الإذلال إلا انتصارًا للكرامة الإنسانية. وأصبحت فكرةُ
تقبّل الفردِ الإذلالَ، لأنه أمر طبيعي قياسًا على وضعه ومكانته وربما حتى لونه، مستهجنةً. ومن ناحية أخرى، فبما أن انتماءات الفرد، أو هوياته الجماعية، هي جزء من هويته الفردية، ومن ثم جزء من كرامته، فثمة مجال واسع للعبث بهذه الهوية عبر تضخيم بعض الهويات الجماعية وتهميش غيرها، والتلاعب بمشاعر جماعات من البشر على مستوى الهوية والكرامة وتجييشها في خدمة مصالح أو أيديولوجيات، بحيث تسخّر "سياسات الهوية" التي تخاطب هذه الموضوعات في توجيه مشاعر الكبرياء والغضب، إما إلى قضية عادلة متعلقة بحقوق هذه الجماعات بوصفها جماعات هوية، أو إلى صرف النظر عن قضايا رئيسة تواجه الأفراد والجماعات وللتغطية على فشل الدول والحكومات والنخب الحاكمة في هذه القضايا الرئيسة. وقد أصبح الاقتصاد الاستهلاكي قادرًا ليس فقط على خلق أنماط استهلاك جماهيرية، بل أيضًا على طمس تميز الفرد بتعميم الفردانية، بوصفها هي أيضًا هوية جماعية في مجتمعات يمكن فيها صناعة تصورات لما هي الفردانية والتميز في المظهر ونمط السلوك وغيره، لتتحول هي أيضًا إلى سلعة جماهيرية. وتسهم في ذلك أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي. فكما يمكن أن تذيب الهوية الجماعية الهوية الفردية داخلها، يمكن أن تتحول الفردانية إلى هوية جماعية في المجتمع الاستهلاكي، والنتيجة واحدة. لا فرد متميز فعلً بفردية ولا جماعة انتماء حميمية فعلً. هذا الواقع هو من أهم حواضن تفريخ الشعبوية السياسية الما بعد حداثية وأدواتها في الوقت ذاته، وإن لم يقتصر نشاطها على هذه الميادين. يصعب أن تجذب الشعبوية أصحاب الهوية الفردية فعلً. فهي تخاطب الفرد المنغمس ضمن جماعة من الأفراد المغتربين عن ذواتهم، الفرد الذي يخلق لديه المجتمع
الاستهلاكي حاجات جديدة باستمرار، وتستغل اختلاط الغضب الناجم عن تدهور أحوال الطبقة العاملة في الدول الرأسمالية المتطورة مثلً، مع الشعور بتهديد الهوية الإثنية الثقافية بحضور متزايد للمهاجرين في هذه الدول، ولا سيما القادمين من دول غير أوروبية، لتوجيه الغضب ضدهم بوصفهم يشكّلون تهديدًا لنمط الحياة وفرص العمل ومستوى الأجور في الوقت ذاته، وأيضًا ضد النخب الثقافية والسياسية الليبرالية التي تُتّهَم بأنها متحللة ضعيفة الهوية الجماعية، وبأنها تفرض وصاية على الثقافة الأصيلة للناس وتركز على الخيارات الفردية من جهة، وغير مكترثة لأحوال الفئات الشعبية من جهة أخرى. فمن منظور الشعبوية، حين تسعى النخب الليبرالية لاحترام هويات المهاجرين، فإنها تهمّش هوية الوطنيين البيض من الطبقات العاملة وغيرها. هذا ادعاء اليمين الشعبوي الذي يدعو جماهير الساخطين على تدهور أحوالهم المعيشية في الغرب إلى المجاهرة بهويتهم، وألا يخجلوا من أفكارهم المسبقة وتعميماتهم على الآخرين، وذلك في سياق دفاع مزوّر عن حرية التعبير وضد "الصواب السياسي". وسبق أن بينت أن النعوت السلبية يمكن أن تتحول إلى شيم يجاهر بها أولئك الذين يقومون بتركيب "هوية متحدية". تجاهر بالذكورية مثلً التي تتهم بها، أو بالموقف السلبي من المسلمين. تشهد الدول المتقدمة أيضًا سيرورة تحوّل الامتعاض الناجم عن الفجوة الطبقية إلى اغترابٍ ثقافي عن
النخب، ولا سيما الثقافية؛ بسبب تزامن الحرمان النسبي مع انتشار الثقافة الليبرالية والشعور بأن النخب تحمل ثقافة عابرة للحدود الوطنية وتهتم بحقوق النساء والأقليات وحرية التوجه الجنسي وما يسمى الصواب السياسي، وبالتمثيل Representation على مستوى المناصب (تمثيل المرأة والملونين والمثليين والشباب وغيرهم، وتحويلهم بذلك إلى جماعات هوية) والتمثيل على مستوى الثقافة واللغة، مثلً باختيار المفردات اللائقة عند التحدث عن النساء والأقليات وغيرهما، أكثر من الاهتمام بالحقوق والعدالة؛ ما يجعل حاملي الشعور بالحرمان أكثر تمسّكًا بهويتهم الإثنية وثقافتهم المحلية
التي يفترض أنها هوية الدولة التي فُقِدت ويجب استعادتها. وتظهر نخب تخاطب هذه المشاعر وتعوض عن اللامساواة بمنح الذين يعانون الحرمان النسبي شعورًا بالكبرياء بسبب هويتهم. تنشأ فئة السياسيين الذين يخاطبون مشاعر الناس بالانتماء والكرامة (الهوية)، ويدّعون تمثيل هوية الشعب الأصيلة ضد هوية النخب الملوثة والهجينة وضد المهاجرين وأبناء المهاجرين النشطين والطموحين، ولكنهم لا يمثلون مصالحهم. وفي البلدان الفقيرة، تلك التي يتحدّر منها هؤلاء المهاجرون، غالبًا ما تُستخدم سياسات الهوية
للتعويض عن فقدان الكرامة الشخصية نتيجة للفقر والعوز من جهة، وعدم احترام أجهزة الدولة لحقوق الإنسان من جهة أخرى، بتأجيج الهوية الجماعية والكرامة الوطنية، أو التعويض عن المس بالكرامة الوطنية والسيادة نتيجة لهزائم عسكرية أو فشل السياسات الخارجية أو تبعيتها لدول أخرى، بالتعبئة على الهوية الطائفية أو الدينية. وثمة حالات معلومة، يجري فيها تركيب الهوية الوطنية في مناهج التدريس وفي الإعلام وفي خطابات الأنظمة الحاكمة، وبعض القوى المعارضة، وغيرها لشحن الناس بهوية وطنية إقصائية ضد آخر داخلي يسهل ربطه بمؤامرات خارجية لا تنتهي؛ ما يسهم في تهميش القضايا السياسية والاجتماعية.
لا شك في أنه لا يمكن أن يقتصر الانتماء الوطني على المدى البعيد على الحقوق والواجبات، وأنه إذا لم تتطور هوية جامعة لا تقتصر على المكانة القانونية للمواطنة، فإنه يصعب تحفيز المواطن للقيام بأيٍّ من واجباته تجاه المجموع، من الالتزام بأخلاقيات العمل ونظافة المرافق العمومية وسلامتها وصولً إلى الدفاع عن بلده في زمن الحرب؛ كما يصعب من دونها الحفاظ على الوحدة الوطنية في زمن الهزات الداخلية، بما في ذلك التمييز بين الدولة ونظام الحكم السائد والذي لا يفترض أن تعني معارضته موقفًا من الدولة. ومن ناحية أخرى، لا تسود قيم وأعراف مدنية بقوة القانون فقط، بل يفضل أن تجمع المواطنين ثقافة قومية تتضمن أعرافًا ونماذج سياسية وثقافية موجِّهة، أو رابطة وجدانية ما وتجمعهم بالدولة (وليس نظام الحكم بالضرورة) بوصفها مؤسسة لازمة للحياة المشتركة وأمن المجتمع وخدمته ولتحويل الفرد إلى مواطن والمجتمع إلى أمة ذات سيادة. لا شك في أنه لا بد من أن يتوافر بُعدٌ ثقافي معنوي وجداني ما لكي تتماسك الهوية الوطنية. قد يكون هذا البعد قوميًا،
بحيث يرى المواطنون في الدولة تعبيرًا عنه، ولكنه ليس أمرًا ثابتًا غير متغير فهو يتعرض لضغوط
من أعلى (العولمة) ومن أدنى (الأقاليم والأقليات القومية والمهاجرون). وتعمل الدول على إيجاد مشتركات ثقافية، ولا سيما على مستوى نشر اللغة الرسمية، ومناهج التدريس، وتعميم احترام الرموز الوطنية، والطقوس والاحتفالات الرسمية. والاندماج القومي هو النموذج الغالب على الحداثة، وهو بحد ذاته ليس إملاء فقط، بل تضمّن دائمًا نوعًا من التهجين نشأت عنه ثقافة قومية. ولكنه ليس هو الحل دائمًا، فقد يكون الاندماج الوطني ممكنًا بوجود تعددية قومية. والحد الأدنى في رأيي هو اعتبار مجال سيادة الدولة وطنًا مشتركًا على الرغم من غياب التجانس الإثني أو الديني. الهوية الجماعية شرط الأخلاق العمومية التي لا تعتمد على وازع الضمير الفردي وحده. ولكنها (الهوية وأزماتها، الانتماء إليها ونقد هذا الانتماء) تشكّل أيضًا الحاضنة لأعظم المنجزات العمرانية والأدبية والفنية. وقد تكون من ناحية أخرى بيئة التعصب، وكراهية الآخر، والمحلول الذي تذوب فيه أخلاق الفرد وضميره، والعصبية التي تُحِلّ التصنيفات على أساس الهوية محلّ الحكم الأخلاقي، وأداة توليد استقطابات "نحن" و"هم". والأمر لا يتعلق بالهوية ذاتها، ولا يتعلق بالانتماء وأسس هذا الانتماء، سواء أكان اللغة، أو الإيمان بالأصل المشترك، أو غيره، فهذه في حد ذاتها ليست أمورًا ضارة، بل بنهج القوى الفاعلة والمؤثرة في المجتمع باستثمار الهويات الجماعية في التعامل مع الظروف الاجتماعية والسياسية. لا توجد هوية تحررية (تقدمية كما كان يقال) بحكم تعريفها، وأخرى قمعية (أو رجعية) بحد ذاتها. يتوقف الأمر على الظرف التاريخي والعلاقات الاجتماعية والأهداف التي من أجلها يُستَثمَر في الهويات.
سادسًا: ملاحظات بشأن الهوية العربية
في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، توقّع عديد من الباحثين العرب أن تُلحِق العولمة أذَى بالهوية العربية يضاف إلى ما عدّه بعضهم أزمات هوية ماثلة في تنافر
(24) Montserrat Guibernau, The Identity of Nations (Cambridge: Polity Press, 2007), p. 189.
بين الهويات الوطنية في الدول العربية والهوية القومية العربية الجامعة من جهة، وصعود الحركات الإسلامية السياسية في تلك المرحلة من جهة أخرى. وفي الحقيقة، تستحيل معالجة جميع هذه القضايا من زاوية مفهوم الهوية وحده. ولكن، على كل حال، لا يوجد تناقض بين الهويات القطرية والعربية، إلا إذا كانت ثمة سياسات موجهة لإحداثه. إذ يمكن أن يحمل الفرد أكثر من هوية جماعية، وكان من الطبيعي أن يعرف العربي ذاته بوصفه عربيًا فلسطينيًا، أو عربيًا تونسيًا أو جزائريًا. وحتى لو لم
يكن هذا مألوفًا لدى المصري، فمصر تشكّل أهم مركز ثقافي عربي، وتُعرف على أنها أكبر دولة عربية، والمصري على الرغم من قوة انتمائه إلى مصر، يعرف ذاته بوصفه عربيًا بين العرب؛ وثقافيًا لم تحلّ
أي ثقافة محلية وطنية محلّ الثقافة العربية، وغالبًا ما تكاملت معها. أما الإسلام فهو دين العرب وغير
العرب؛ وإذا اعتبرناه صفة مميّزة لحضارة، فقلنا حضارة إسلامية، فإنها في حالة العرب لا تشكل ثقافة
منفصلة عن الثقافة العربية، فالعربي يتعرّف إلى كل ما هو إسلامي من خلال لغته العربية، ووجدانه
العربي لمن شاء. ولم تنجح محاولات تهميش البعد العربي في هوية الفرد واستبدالها بانتماء إلى أمة إسلامية، إلا على هوامش المجتمع. فحتى التيار الرئيس لدى الإسلاميين لا يقوم بمثل هذه المحاولة للاستبدال. أما بالنسبة إلى العولمة، فما يمكن تأكيده هو أن العولمة الاقتصادية وعولمة وسائل التواصل وكذلك بعض أنماط الاستهلاك المادي والثقافي، لم تؤثر في هذه الأثناء في اتجاه إضعاف الهويات القومية والإثنية، بل تفاعلت معها، بما يعيد صياغتها، وحتى تعزيزها في بعض الحالات، سواء أكان هذا التعزيز ناجمًا عن رد فعل على الاجتياح الثقافي المعولم بالتأكيد على الانتماء والفخر بالخصوصية
الثقافية وغير ذلك، أم ناجمًا عن تعزيز وسائل الاتصال والتواصل داخل الفضاء اللغوي الثقافي الواحد
أيضًا، وليس فقط بين الثقافات، وذلك قبل نشوء وسائل التواصل الاجتماعي. وليست العولمة أساسًا مسألة هوية، ولا هي تهدف إلى تقويض القومية العربية. وفي نهاية الموجة
الأولى من المناقشات بشأن العولمة والهوية الثقافية في التسعينيات، تبدد الانطباع بأن العولمة يمكن أن تمحو خصوصية كل شعب ومميزاته، أو تفرض عليها هوية واحدة؛ فقد نشأ انطباع معكوس بأنها تهمّش دور الدولة، وتستدعي الهويات الجزئية داخلها (تفكك دول البلقان وبعض دول أوروبا الشرقية
((2(القضايا التي أثارها طه حسين في بداية القرن الماضي بشأن هوية مصر، سواء أكانت فرعونية أم متوسطية، هي بالضبط القضايا المتعلقة بمسألة الهوية في الحداثة. لكن الزوبعة التي أثارتها طروحاته، والانشغال بمتوسطية مصر أو فرعونيتها، ظلت مقتصرة على أوساط نخبوية تعاملت مع مسألة الهوية من منطلق ثقافي محض، بالمعنى الضيق للثقافة بوصفها ثقافة النخبة. ولذلك مع أن الانشغال به وصل إلى المؤسسة الدينية وغيرها، فإن الجمهور الواسع من المصريين بقي بعيدًا عن هذا النقاش لأن هويته المصرية،
وهي بالتأكيد هوية قوية، غير منفصلة عن العربية والإسلامية إلى حد بعيد. هذا مع شح التنظير للهوية العربية لمصر قبل جمال عبد الناصر، فإن هوية مصر العربية ليست هوية قومية أيديولوجية كما رأى عبد الناصر والناصريون، بل هي فضاء مصر الثقافي وأيضًا
الجيو – استراتيجي. ولكن كلمة قومية في مصر ظلت تصف مؤسسات مصرية (الصحف القومية مثلً). وقد اعتبر صاحب شخصية
مصر جمال حمدان أنّ العروبة ثقافة، مستخدمًا استعارة أنّ المصريين ذوو جد فرعوني وأب عربي. والإشكالية الحقيقية للهوية في
مصر ليست متوسطيتها أو فرعونيتها، وإنما كيفية تغليب الهوية المصرية المشتركة للمواطنين المصريين على الاختلاف الديني بين
المسلمين والأقباط. وأتفق مع برهان غليون في أن مصر ليست الدولة العربية أكثر سكانًا وروسخًا في التاريخ فحسب "لكنها هي
أيضًا التي أصبحت، منذ الحروب الصليبية، مركز ثقل الثقافة العربية والإسلامية معًا". برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة،
(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص.170
وصعود القوميات الإثنية، مسألة كاتالونيا، إسكتلندا... إلخ). ولكن مع مرور الوقت تبيّن أن أهمية
الدولة لم تتراجع، بل ربما ازدادت، أيضًا في مواجهة تحديات العولمة. ليس للعولمة هدف ولا هي مؤامرة، ولا توجد لها غايات أو أهداف، والقول بأنها تهدف إلى بناء هوية واحدة وثقافة واحدة هو نوع من زرع مقاصد وحتى أهداف تآمرية في صيرورة تاريخية اقتصادية اجتماعية نابعة أساسًا من تطور قوى الإنتاج، ولا سيما الحوسبة وتكنولوجيا الاتصالات. ولا شك في أن الشركات العابرة للحدود تستفيد منها، ولكن ليست وحدها المستفيدة منها. فقد تراجعت نسب الفقر المدقع، مثلما تراجعت نسب وفيات الأطفال في العالم الثالث، ووفيات الأمهات، وارتفع معدل العمر المتوقع عند بدء الحياة. ولكن توسعت الفجوة الاقتصادية التي تفصله عن العالم المتقدم وتعمق الوعي بها. وليس الهلع من العولمة ظاهرة خاصة بالعرب. فقد عرفت فرنسا طوال العقد الأخير من القرن العشرين فزعًا مشابهًا من العولمة بوصفها عملية أمركة. ولكن في غياب تيار سياسي قومي عربي قوي، أو على الأقل دولة عربية واحدة وازنة لديها مشروع قومي، فإن القلق يصبح مبررًا، ويتخذ أبعادًا أخرى بالتأكيد. هنا تكمن المشكلة؛ أي في الدول والاقتصاد، وليس في الهوية العربية. ففي غياب مشروع سياسي واقتصادي عربي، ما يتبقى في الحقيقة هو الثقافة العربية بما فيها الأدب، والتربية والتعليم، ووسائل الاتصال والتواصل، وشعور العربي بالانتماء إلى العرب (وقد يكون انتماءً نقديًا)، واعتبار الثقافة العربية جزءًا من هويته الفردية. لكن إذا كان هذا ما تبقى، فهو ليس بقليل على الإطلاق. وفي رأيي، لا تشكل العولمة خطرًا عليه، إذا كانت الثقافة العربية قادرة على التفاعل مع العولمة، بوصفها فاعلً وليس متلقيًا فقط. ولإدراك هذه الحقيقة، لا بد من التحرر من وهم بعض
تيارات الأنثروبولوجيا الثقافية وتعاملها مع الهوية بوصفها هي هي، ظاهرة غير متغيرة مساوية لذاتها. وهو تعريف الهوية الابتدائي الذي لا يصلح إلا في الرياضيات والأفكار المجردة. لا يوجد جوهر ثابت للثقافة العربية. وأتفق مع الجابري في أن "مسألة الهويّة عندما تطرح نفسها على شعوب عريقة، كالشعوب العربية والفارسية والهندية والصينية... إلخ، التي اجتازت خلال تاريخها المديد تجارب قاسية، يجب أن يُنظَر إليها على أنها تعبير عن الحاجة، لا إلى تحديد الهويّة، بل إلى إعادة ترتيب عناصرها وإعادة إرساء علاقتها بالمحيط [...] إنها في الغالب 'حالة نفسية' أشبه بأزمة على صعيد الوعي، قد تشتد لدى أشخاص أو شرائح اجتماعية، إلى الدرجة التي تؤدي إلى طرح سلبي لمسألة الهويّة، إلى تضخيم شأنها أو إنكارها بالمرة! هذا في حين إن المسألة كلها تؤول في نهاية الأمر، وفي الغالب، إلى إعادة التوازن داخل الوعي، الفردي والجماعي". ولكني لا أتفق معه قي أن العولمة "تسعى" لأن تفرض نفسها كهوية جامعة.
(2((عماد إبراهيم عبد الرزاق، "الهوية مخالب العولمة" في: الهوية وتحديات العصر: جدل الهويات، حوار المجاورة أو صراع
الاختلاف، تحرير عامر عبد زيد الوائلي (الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع، 2017)، ص.102 (2((محمد عابد الجابري، الهوية.. العولمة.. المصالح القومية، أوراق عربية 1: شؤون سياسية 1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.13 ((2(المرجع نفسه، ص.24
ويبقى من الطبيعي أن يظهر صاحب النظر الثاقب قلقًا من تحول الفجوة الطبقية إلى هوة ثقافية أيضا نتيجة لممارسات مثل دراسة أبناء الطبقات الميسورة في مدارس خاصة تدرس باللغة الإنكليزية وترك المدارس العمومية لعامة الشعب. ومن الطبيعي أن ينتشر في الدول المغاربية قلق على اللغة العربية، في ظل إرث استعماري مقلق في هذا الشأن. ففي الذاكرة الجزائرية أن رئيس وزراء فرنسي، هو كاميل شوتان Camille Chautemps (1963–1885)، أصدر في 8 آذار/ مارس 1938، مرسومًا عُرِفَ ب "مرسوم شوتان" Décret Chautemps الذي بموجبه اعتُبِرَت اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر وحظر استعمالها. انشغل المثقفون العرب كثيرًا في العقود الأخيرة من القرن العشرين بمسألة الأصالة والحداثة وقضايا
الهوية الثقافية. والنقاش في رأيي طبيعي، لكنه يصبح مفيدًا فعلً إذا شكّل دافعًا لإنتاج ثقافي يعدّ الأصالة شرط الحداثة، والحداثة شرط الأصالة في عصرنا، ولا يخاطب فقط الهوية الجماعية للفرد العربي بل يأخذ في الاعتبار الهوية والكرامة الفرديتين؛ فلا مخرج من الحداثة. وحتى ما اعتبر "عودة" إلى الهوية الإسلامية في تركيا المعاصرة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية لم يُعِد تركيا إلى العثمانية؛ إذ لا توجد عودة في التاريخ. فتركيا دولة قومية حديثة يحكمها حزب محافظ ذو مرجعية أيديولوجية إسلامية (أو ذات صبغة إسلامية). لا عودة إذًا إلى أصالة بمعنى الأصل، وإنما القضية هي الحفاظ على خصوصية ثقافية عربية منفتحة على العالم. بهذا المعنى، الحداثة لا تُهدِّد الهوية العربية إنما في الحقيقة تُعيد صياغتها؛ وهي وبمعنى ما أوجدتها، سواء نتيجةً لانتشار التعليم ووسائل الاتصال، أو انتشار الأيديولوجيات القومية التي قومنت المكون الإثني المشترك، أو رد الفعل على الهيمنة الغربية. وقد رافق نوع من العولمة جميع الإمبراطوريات في التاريخ. وبالتأكيد فإن العولمة، بمعنى توسّع
السوق الرأسمالية وانتشار التسليع والعمل المأجور، هي من مميّزات نشوء الرأسمالية وانتشارها.
لكن العولمة بالمعنى المعاصر مختلفة جذريًا عن كل ما سبقها، بما في ذلك مراحل تمدّد النشاط الرأسمالي والتجارة العالمية. فهي تشمل تصدير صناعات كاملة إلى حيث توجد أيدي عاملة رخيصة ولا توجد ضرائب وحقوق نقابية، وعولمة وسائل الاتصال، ونشوء أنماط عالمية للاستهلاك، وعولمة صناعة الترفيه، وأيضًا عولمة بعض أنماط السلوك والمظاهر. وفي الحقيقة، لم يشكل ذلك "تهديدًا" فقط للثقافات في العالم الثالث وغيره، بل استنفرت القومية والخصوصية حتى أوروبا، لا سيما في فرنسا. وبمعنى ما، وصل الخوف من العولمة إلى الولايات المتحدة ذاتها. وإذا كانت العولمة هي أمركة، فقد وصل الخوف من هذه "الأمركة" إلى الولايات المتحدة ذاتها، لأن "الأمركة" المقصودة هي تصدير ثقافة الساحلَين الغربي والشرقي، وليس المناطق الوسطى من الولايات المتحدة. إذا لم تكن هوية الناس أحادية البعد، فإنهم لا يفزعون من الانفتاح على التطور والتغيير والتفاعل مع الحضارات الأخرى، لأنهم واثقون من غنى ثقافتهم وقوتها، وتأصيلها في هويتهم. فمثل هذا التفاعل، إذا لم يجر من زاوية الشعور بالدونية، ولم يكن مجرد تقليد، يغني هذه الثقافة ويطورها ولا يمس بالانتماء إليها.
(2((عبد الرحمن سلامة، التعريب في الجزائر: ماضيًا وحاضرًا ومستقبلً(دمشق: وزارة الإرشاد القومي، 1976)، ص.15
لا تحتاج الهوية القائمة على انتماء إلى جماعة مباشرة إلى مكونات ثقافية وحضارية؛ لأنها تقوم على المحبة والتعاطف، ويمكنها أن تتغذى على عاطفة الانتماء وحدها. أما الانتماء إلى جماعات أكبر، فتغنيها المكونات الثقافية إلى جانب مشاعر الانتماء. وإذا كانت خاوية من المضمون، ولا سيما لدى فئات تعيش على هامشها، يصعب أن تضرب جذورًا في هوية الأفراد الجماعية، من دون استخدام
متواصل لنفي الآخر وسيلةً لترسيم حدود الهوية. يمتلك العربي لغة عربية (وثقافة عربية ولو بالحد الأدنى)، وهي أساس انتمائه إلى الجماعة العربية المتخيلة، وتصورات تاريخها المشترك وحتى المصير المشترك والتأثر بكل ما يجري في البلدان العربية. وليست اللغة العربية الجامعة بين الفصحى والمحكية وآدابهما أداةَ تواصل فحسب، بل هي أيضًا أهم مكونات الثقافة، ولا يمكن إحداث نهضة حداثية من دونها. وثمن إنكار هذه الهوية هو تشويه ثقافي، فليست للعرب ثقافة بديلة، قد يجد الأفراد لأنفسهم بدائلَ، ولكن لا يوجد بديلٌ جماعي من الثقافة العربية. كما لا بديل في العالم العربي للغة العربية فيما يتجاوز التواصل اليومي الاجتماعي إلى الإعلام والعلم ولغة المؤسسات، سوى اللغات الأوروبية، لغات المستعمرين السابقين. ولا يفضي الموقف الهوياتي من العربية إلى استبدالها باللغات المحلية غير العربية التي عمّرت (ومن الضروري
الاعتراف بها) بل إلى لغات المستعمرين السابقين. ليست اللغات الأقوامية المحلية بديلً من العربية على مستوى الدولة والعلم والتعليم والإعلام وغيرها. وغالبًا ما يكون الهجوم على العربية، باسم هذه
اللغات التي تعايشت معها دائمًا، ممرًا إلى الفرنسية أو الإنكليزية. لا اللهجات العامية تعدّ بديلً من
العربية المعيارية ولا اللغات الأقوامية المحلية، وإنما البديل الجدي النافي للثقافة العربية هو اللغات الكبرى الأخرى، لغة المستعمِرين السابقين. وهو على جديته ليس بديلً حقيقيًا، ولا يمكن أن يحلّ
محلّ العربية سوى لدى نخب معتبرة من مجتمعها أرادت أن تمشي مشية "الخواجات" فنسيت مشيتها. ثمة تطرف أيديولوجي، متمثل بإنكار الهوية العربية والتنكر لها، ولكنه لا يشكل تيارًا وازنًا في البلدان
العربية. وفيما عدا هذا التطرف الأول المعروف برز تطرفان آخران. يتمثل الثاني باعتبار العروبة عرقًا متحدرًا من أصل مشترك، أو رابطة دم متخيلة كالقبيلة. وقد تجسّد الثالث في اعتبار العروبة أيديولوجية
شاملة وحزبًا سياسيًا. وكلا التطرفين يولّدان صراعًا على الهوية العربية، ويلتقي الثاني مع الأول إذ
يخرج الأقوام التي تعرّبت ثقافيًا وحضاريًا عبر التاريخ من إطار الهوية العربية أو يحاول أن يختلق قرابة
بالدم بلا جدوى؛ كما ينكر التفاعل والتدامج بين القبائل والإثنيات (الأعراق إن شئتم) والثقافات؛ ما يجعل من نقاوة العرق خرافة بحتة. هو ذلك التفاعل والاختلاط والتهجين عبر التاريخ الذي تشكلت منه الحواضرُ العربية وتشكلنا منه نحن العربَ المعاصرون. أما الثالث (أي اعتبار العروبة أيديولوجية
سياسية شاملة) فيخطئ في قلب الهوية إلى أيديولوجيا؛ والأمر الأهم أنه ينفّر كل من بات ينفر من هذه الأيديولوجيا، ولا سيما حين ارتبطت بأحزاب حاكمة في دولة سلطوية. والهوية العربية إطار ثقافي وقاعدة استناد للتفاعل مع العولمة من دون التضاؤل أمامها بالتحول من ذوات إلى مواضيع، وهي داخليًا من أنجع المضادات للطائفيات على أنواعها، لأنها تنافسها بقوة على
حلبة الهوية والانتماء، وليس على مستوى التنظير والنقاش العقلاني، وتملك المقومات لمنافستها.
ومثلما أن الطائفية وإضعاف الهوية العربية سياسيًا مهّدا لتدخل قوى خارجية في البلدان العربية، فإن
الهوية العربية تشكّل أحد الدفاعات الرئيسة ضد مثل هذا التدّخل. ومثلما لا يوجد تناقضٌ، بل تكامل بين المكونين العربي والإسلامي في الحضارة العربية، فإنه لا يوجد تناقضٌ أيضًا بين العروبة والمواطنة. فالهوية العربية، هي هوية الأكثرية في البلدان العربية، وهذا لا يمنع أن تجمع المواطنين العرب بغير العرب الهويةُ الوطنيةُ والمواطنة المتساوية في دولة، مع احترام هويات غير العرب القومية والثقافية. ولكن هذا الأمر يتطلب مواطنة متساوية، مواطنة تمنح معنى للانتماء المشترك إلى مجال سيادة الدولة بوصفه وطنًا. المواطنة أساس الانتماء إلى الدولة الحديثة، وإذا كان نظام الحكم رشيدًا وواعيًا بمسألة الهوية، فإنه
يعمل على أن تصنع المواطنة المشتركات الثقافية التي تميز مواطني دولة ما بالتدريج. وتفتعل الأنظمة السلطوية، في حالة ضعف المواطنة، الهويةَ الوطنية غالبًا بالسلب، أي بالتنكّر للهوية العربية المشتركة
مع بقية الدول العربية، مع أن الهوية العربية المشتركة للعرب ضرورية للحفاظ على وحدة الدولة، قبل أن تكون أساسًا لاتحاد عربي في مرحلةٍ تاريخيةٍ ما. لم تتحول الهوية الوطنية المرتبطة ببناء الدولة الحديثة في بلداننا إلى هوية ثقافية مشتركة؛ فهي تقوم على المواطنة أساسًا، وإذا كانت المواطنة ذاتها ضامرة فقيرة بالحقوق والواجبات، فإن جسر الانتماء هذا إلى الدولة يتضعضع. وأما المشتركات الثقافية الضرورية لتعزيز الهوية الوطنية، فتنشأ بالتدريج وتتعزز بالتنشئة المدرسية، ونتيجة للعيش المشترك في دولة والشعور بالانتماء إليها، بدءًا من احترام
رموزها وطقوسها الوطنية، وحتى تشجيع فريق كرة القدم الوطني، وليس بالتميّز المفتعل ونفي الآخرين.
References
المراجع
العربية
أفلوطين عند العرب. نصوص حققها وقدم لها عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار القلم،.1944 الجابري، محمد عابد. الهوية.. العولمة.. المصالح القومية. سلسلة أوراق عربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. البيان والتّبيين. تحقيق وشرح عبد السلام محمّد هارون. ط. 7 القاهرة: مكتبة الخانجي – مطبعة المدني، 1418 ه/.1998 م سلامة، عبد الرحمن. التعريب في الجزائر: ماضيًا وحاضرًا ومستقبلً. دمشق: وزارة الإرشاد القومي،
غليون، برهان. المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 كاندو، جويل. الذاكرة والهوية. ترجمة وجيه أسعد. دمشق: الهيئة السورية العامة للكتاب، وزارة الثقافة،.2009
كتاب أثولوچيا أرسطاطاليس وهو القول على الربوبية. تصحيح ومقابلة فريدرخ ديتريصي. ترجمه ابن ناعمة الحمصيّ. (عبد المسيح بن عبد الله) 250 ه/ 864 م، والكنديّ (يعقوب بن إسحاق)
260 ه/ 874 م. لايبزيغ – برلين: دار نشر ج. هاينريش، لايبزيغ – برلين،.1882 المسكيني، فتحي. الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة "النحن". بيروت: دار الطليعة،
الهوية وتحديات العصر: جدل الهويات، حوار المجاورة أو صراع الاختلاف. تحرير عامر عبد زيد الوائلي. الإشراف اللغوي ظاهر محسن جاسم. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع،.2017
الأجنبية
Austin, William G. & Stephen Worchel (eds.). The Social Psychology of Intergroup Relations. Monterey, CA: Brooks–Cole, 1979. Bayart, Jean–Francois. The Illusion of Cultural Identity (Chicago: University of Chicago Press, 2005), pp. 10–33. Castells, Manuel. The Power of Identity. 2 nd ed. Oxford: Blackwell, 2004. Fukuyama, Francis. Identity: The Demand for Dignity and the Politics of Resentment. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2018. Guibernau, Montserrat. The Identity of Nations. Cambridge: Polity Press, 2007. Heater, Derek. A Brief History of Citizenship. Edinburgh: Edinburgh University Press,
Moore, James & Michael Silverthorne (eds.). Francis Hutcheson & James Moore (trans.). The Meditation of the Emperor Marcus Aurelius Antoninus. Book X–15. Indianapolis: Liberty Fund, 2008. Simon, Bernd. Identity in Modern Society: A Social Psychological Perspective. Oxford: Blackwell, 2004. Smith, Adam. The Theory of Moral Sentiments. New York: Augustus M. Kelley, 1966
Spencer–Oatey, Helen. "Theories of Identity and the Analysis of Face." Journal of Pragmatics. vol. 39, no. 4 (2007). Wittgenstein, Ludwig. Tractatus Logico–Philosophicus. C.K. Ogden and F. Ramsey (trans.), with an introduction by Bertrand Russell. London: Routledge and Kegan Paul,