العودة إلى تفاصيل المؤلَّف لماذا عادت الهويّات لتتصدر عالم اليوم؟ نقد تايلر للحداثة وعلمانيتها

لماذا عادت الهويّات لتتصدر عالم اليوم؟ نقد تايلر للحداثة وعلمانيتها

Why the Return of Identity? Charles Taylor’s Critique of Modernity and Secularism

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

تعود أهمية أفكار تشارلز تايلر حول الهوية إلى طرحه لمفهوم الهويّة من منظور عملي معاصر، يأخذ في الاعتبار الصراعات السياسية التي أخذت في الظهور حول الانتماءات والهويات بعد ثمانينيات القرن المنصرم، دون أن يتجنب المسائل الحساسة والجوهرية التي تتطلب إعادة التفكير في طريقة تكويننا لهوياتنا في عالم متعدد الثقافات والأعراق والأديان. والبحث هو تحليل للنقد الواسع الذي قدمه تايلر لمختلف الأفكار التي كونتها الحداثة خلال الفترة السابقة حول الهوية، ولا سيما النقد الذي وجهه إلى "المنظور اللاثقافي" للحداثة من حيث إنه منظور شوّه الحداثة، وقدم تفسيرًا مغلوطًا للعلمانية ودور الدولة، ولم يعط مسألة التعدد الثقافي الاهتمام الذي تستحقه؛ الأمر الذي انتهى بتايلر إلى تقديم تفسير مختلف لأهم قضية يتناولها التفكير الفلسفي ما بعد الحداثي، وهي: السبب في عودة الأديان والهويات لتتصدر عالم اليوم. يبدأ البحث بتحديد الأنطولوجيا الأخلاقية المؤسِسة للهوية عند تايلر، ثم ينتقل ليقف على العلاقة بين الهوية السياسية والدولة الحديثة، وكذلك علاقة الهوية بالتعددية الثقافية، وسوء التفاهم الذي نشأ بين الدين والعلمانية في عصر الحداثة وما بعدها. وفي النهاية يقدم البحث تصورًا عامًّا لملامح مفهوم الهوية عند تايلر ومدى تجاوبه مع مشكلات ما بعد الحداثة، ولا سيما تضخم الحياة النفعية، وشطط العلمانية والإفراط في النزعة الفردية.

Abstract

Abstract: The importance of Charles Taylor’s ideas on identity is due to his introduction of the concept of identity from a contemporary practical perspective, taking into account the political conflicts that emerged about affiliations and identities after the 1980s without avoiding sensitive and fundamental issues that require a rethinking of how we shape our identities in a multicultural, multi–ethnic and religious world. This paper is an analysis of Taylor’s broad criticism of the

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • الحداثة
  • العلمانية
  • الأخلاق
  • التعددية الثقافية
  • تشارلز تايلر
Keywords:
  • Identity
  • Modernity
  • Secularism
  • Ethics
  • Cultural Pluralism
  • Charles Taylor

عملي معاصر، يأخذ في الاعتبار الصراعات السياسية التي أخذت في الظهور حول الانتماءات والهويات بعد ثمانينيات القرن المنصرم، من دون أن يتجنب المسائل الحساسة والجوهرية التي تتطلب إعادة التفكير في طريقة تكويننا لهوياتنا في عالم متعدد الثقافات والأعراق والأديان. والبحث هو تحليل للنقد الواسع الذي قدمه تايلر لمختلف الأفكار التي كونتها الحداثة خلال الفترة السابقة حول الهوية، ولا سيما النقد الذي وجهه إلى "المنظور اللاثقافي" للحداثة من

حيث إنه منظور شوّه الحداثة، وقدم تفسيرًا مغلوطًا للعلمانية ودور الدولة، ولم يعط مسألة

التعدد الثقافي الاهتمام الذي تستحقه؛ الأمر الذي انتهى بتايلر إلى تقديم تفسير مختلف لأهم قضية يتناولها التفكير الفلسفي ما بعد الحداثي، وهي: السبب في عودة الأديان والهويات

لتتصدر عالم اليوم. يبدأ البحث بتحديد الأنطولوجيا الأخلاقية المؤسِسة للهوية عند تايلر، ثم ينتقل ليقف على العلاقة بين الهوية السياسية والدولة الحديثة، وكذلك علاقة الهوية بالتعددية الثقافية، وسوء التفاهم الذي نشأ بين الدين والعلمانية في عصر الحداثة وما بعدها. وفي النهاية يقدم البحث تصورًا عامًّا لملامح مفهوم الهوية عند تايلر ومدى تجاوبه مع مشكلات

ما بعد الحداثة، ولا سيما تضخم الحياة النفعية، وشطط العلمانية والإفراط في النزعة الفردية.

A Syrian academic and researcher, he holds a PhD in logic and research methods from Damascus University. He is the managing editor of Tabayyun. rasheed.hajsaleh@dohainstitute.org

various ideas of identity that modernity developed during the previous period, particularly his argument that the "non–cultural perspective" of modernity has distorted modernity, misinterpreted secularism and the role of the State, and has not given the issue of multiculturalism the attention it deserves. This argument formed the basis of Taylor’s alternative interpretation of the most important issue of postmodern philosophical thinking; namely, why religions and identities are returning to the world of today. The paper begins with Taylor’s founding moral anthropology, and then moves on to the relationship between political identity and the modern state, as well as the relationship of identity to multiculturalism, and the disagreements that arose between religion and secularism in modernity and beyond. It ultimately provides a general picture of Taylor’s concept of identity and its response to postmodern problems, particularly the bloating of utilitarian life, the rise of secularism and over–individualism.

مقدمة

ينطلق الفيلسوف الكندي المعاصر تشارلز تايلر Taylor Charles في مشروعه الثقافي حول الهوية من أن الحضارة الغربية قد وقعت في خطأٍ ما، هو الذي أوصلها إلى أزمتها الحالية، وأن ثمة شيئًا مفقودًا في تلك الحضارة، هو الذي انتهى بها إلى هذه النقطة من التاريخ. وهذا ما دفعه إلى استرجاع تاريخ الحداثة لكي يفهم شيئًا عن الحالة التي وصلنا إليها الآن. فإذا كان أنصار "المجتمع النفعي" يعتقدون اليوم أن الوضع الحالي للحداثة يمثل النهاية الطبيعية والمنطقية لتطورها، وأن المجتمعات عليها أن تقبل بالصراعات وأولوية المنافع والتراتب بين الثقافات والقوميات على أنها مسألة منسجمة مع تصورات الحداثة عن الطبيعة البشرية، فإن تايلر لا يستسلم لهذه القدَريّة غير الطبيعية، ويعتقد أن هناك تشويهًا ما، حصل في مجرى الحداثة، وهو المسؤول عن انحراف مسارها، وما خلفه هذا الانحراف من تداعيات في فهمنا لمختلف القضايا التي تتعلق بالهوية، والعلمانية، والليبرالية، والتعددية الثقافية ومكانة الدين في عالم ما بعد الحداثة.

(((يعدّ تشارلز تايلر واحدًا من أهم الفلاسفة المعاصرين المهتمين بقضايا الهويات والأديان والتعددية الثقافية في العالم الغربي.

وهو أستاذ الفكر السياسي في جامعة ميغل في مونتريال بكندا عدة سنوات. أُوكِلَإليه عام 2007، عضوية لجنة للوقوف على وضع الاختلافات الثقافية في مقاطعة كيبيك الكندية المعروفة بتنوعها الثقافي: الديني واللغوي والعرقي، قدم من خلالها مجموعة من التصورات عن التعايش الثقافي، وضرورة أن تحترم الدولة الخصوصيات الثقافية لكل الجماعات المكونة للمجتمع، بما فيها الأقليات. انتهت لجنته بأن قدمت نموذجًا لحل الخلافات الثقافية أسماه (الفدرالية المجدَّدة)، يقوم على إمكانية أن تتعايش

الجماعات الثقافية في فدرالية مرنة، ولا داعي لانفصال الجماعات الثقافية في دول مستقلة. كما ألَّف مجموعة واسعة من الكتب

نذكر منها: هيغل والمجتمع الحديث (1979)، منابع الذات: تكوين الهُوية الحديثة (1989)، المتخيلات الاجتماعية الحديثة (2003)،

عصر علماني (2007)، أخلاقيات الأصالة (1991)، الحداثة وصعود المجال العام (1992)، التعددية الثقافية: دراسة سياسات

الاعتراف (1992)، قوة الدين في المجال العام (2011)، بالاشتراك مع يورغن هابرماس Jürgen Habermas، وجوديث بتلر Judith

Butler وكورنيل ويست Cornel West.

يجد المتابع لفلسفة تايلر أنه ينطلق من فكرة مفادها أن البشر يفكرون في الهوية بناءً على رؤيتهم

الأخلاقية، أي إن فكرة الهوية نابعة من تصوراتنا الأخلاقية التي نكوّنها عن وجودنا. وهذا يعني أن الهوية عنده كائن أخلاقي، أما أساس الأخلاق عنده فهو أساس أنطولوجي. هذه الرؤية ترسم استراتيجية تايلر في تناوله للهوية. وتقوم هذه الاستراتيجية على استرجاع تاريخ أفكارنا الأخلاقية لمعرفة الأساس الذي نبني عليه فكرتنا عن الهوية. وبما أنه وجَد أن الأخلاق الحديثة مختلفة اختلافًا كليًّا عن الأخلاق في العصور السابقة، فقد انتهى إلى أن تَكوين الهوية الحديثة أيضًا

تكوين مختلف كليًّا عن الهوية في العصور السابقة، حتى إنه يكاد يقصر بحثه على منابع الهوية على

العصر الحديث.

أولا: الأنطولوجيا الأخلاقية أساسًا للهوية

قلنا إن تايلر يعتقد أن أساس تفكيرنا في حياتنا، وما نضفيه عليها من معانٍ، مرتبط أساسًا بحدوسنا الأخلاقية، أو بما يسميه "الأنطولوجيا الأخلاقية". أما ما يقصده بالأنطولوجيا الأخلاقية فهو تفكير البشر، منذ العصور القديمة وحتى اليوم، بمسائل من قبيل: ما الذي يجعل الحياة الإنسانية جديرة بالحياة، وكيف ينشئ الناس فكرتهم عن الخير؟ ولماذا يتوقون إلى العدالة؟ وما الذي يضفي معنى على حياتهم الفردية؟ ومن أين يستمد الإنسان شعوره بالكرامة؟ ويعود إلحاح تايلر على البعد الأنطولوجي لأخلاق، لاعتقاده أن هذا البعد غالبًا ما يكون مضمَرًا أو

غير مفكَّرٍ فيه. ويبدو أن هذا الأمر هو الذي دفعه إلى "استرجاع" التاريخ الأخلاقي للحضارة الغربية، منذ عصر اليونان وحتى اليوم، بغية الكشف عن ماهية تلك الأنطولوجيا، وكيفية بناء الناس مبادئهم الأخلاقية عمومًا. وقد وجد في بحثه في الأنطولوجيا الأخلاقية أن أساس الأخلاق مرتبط بفكرتنا التي نكوِّنها عن "الطبيعة البشرية"، وإن اختلفت التصورات حول تلك الطبيعة. فقد بنى أفلاطون، مثلً، أنطولوجيته الأخلاقية على فكرة عن الطبيعة البشرية مفادها أن العقل هو أساس الأخلاق، وبناء على ذلك "فنحن أخيار عندما يكون العقل هو الذي يحكم، وأشرار عندما تسيطر علينا الرغبات"، وحجته في ذلك أن العقل عندما يسيطر على الرغبات يصبح الإنسان سيد نفسه، أي يصبح إنسانًا صالحًا، لأن الإنسان الصالح هو من يستطيع أن يسيطر على رغباته وأفعاله سيطرة عقلية، أما سيطرة العقل فتتمثل في أخذه للمبادئ العامة لأخلاق من "عالَم المُثل" المشهور عند أفلاطون. أما القديس أوغسطين فقد وجد أن الخير يكمن في اكتشاف النظام الذي أودعه الله في الكون، واحترامه، وهذا الاكتشاف يكون عن طريق

(((تشارلز تايلر، منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2014)، ص.48 (((المرجع نفسه، ص.187 (((المرجع نفسه.

العقل، غير أن "المحسوسات" هي التي تُفوّت علينا ذلك الاكتشاف؛ ولذلك، على الإنسان أن يوجِّه

نفسه إلى ما هو روحي، وأن يركز على ما يمكن تسميته ب "الإنسان الداخلي" القابع فينا، حتى نتحرر من تلك المحسوسات ونتمكن من تمثل نظام الكون الإلهي. غير أن تغيرًا كبيرًا حصل مع بداية العصر الحديث. فإذا كان أساس الأخلاق في العصرين اليوناني

والوسيط يكمن خارج الإنسان، عالَم المُثل عند أفلاطون والنظام الإلهي عند أوغسطين، فإن العصور

الحديثة بدأت تقيم الأخلاق على أساس إنساني. وينطلق هذا الأساس الجديد من أن الإنسان نفسه أصبح غاية الأخلاق ومصدرها. وقد بدأ هذا التغير مع ديكارت، الذي يعتبره تايلر "واضع المنابع الأخلاقية في داخلنا"، واستمر مع جون لوك ودنيس ديدرو وديفيد هولباتش وجيريمي بنثام وفولتير وديفيد هيوم وغيرهم، حتى وصلنا إلى عصر أصبح فيه الإنسان هو مركز التفكير الأخلاقي من دون منازع. وعلى العموم، يمكن إيجاز الأنطولوجيا الأخلاقية التايلرية، التي شكلت الخلفية المضمرة للهوية الحديثة، بالأفكار الآتية:

1. قوننة احترام الذات والعلاقات الاجتماعية

من نتائج تركيز الأخلاق – والفكر الحداثي عمومًا – على الإنسان، أي النظر لأخلاق من حيث إن عليها صون الإنسان بوصفه مصدر الأحكام الأخلاقية، وظهور التشريعات الخاصة بحقوق الإنسان، وحرياته، وكرامته، واستقلاله الذاتي بوصفها أساسًا للتفكير الأخلاقي، ولا سيما مع جون لوك، حيث

أخذت مسألة حقوق الذات واحترامها أهمية خاصة. من نتائج كل ذلك توصل الحداثة إلى أن حقوق الإنسان هي "حقوق طبيعية" للذات الإنسانية. والجديد الذي يريد أن يركز عليه تايلر هنا يتمثل في نقطتين: الأولى، أن صياغة "مبدأ الاحترام كانت بلغة الحقوق"، بحيث أصبحت المعايير الأخلاقية توظف بلغة حقوقية. أما النقطة الثانية فهي أن الأساس في النظام المعياري الجديد أصبح يقوم على الاحترام المتبادل بين الأفراد المكونين للمجتمع. ومن نتائج ظهور ثقافة احترام الذات تراجعُ الأخلاق التي تُعطي الشريفَ أو النبيل مكانة خاصة، بحيث أصبح جميع أفراد المجتمع من كل الأعراق والمذاهب والطبقات متساوين أمام القانون، لكنْ بما أن العالم الغربي كان يضم دولً متجانسة عرقيًا ودينيًا إلى حد بعيد، فإن الليبرالية الغربية، على الرغم من

تأكيدها على قيم الحريات والمساواة واستقلال الذات؛ انجرفت أيضًا وراء التأكيد على وحدة المجتمع وانسجامه، غاضةً الطرفَ عن الحقوق الثقافية لأقليات. وهو الأمر الذي سيتوقف عنده تايلر مطولً.

(((المرجع نفسه، ص.205 (((المرجع نفسه، ص.225 (((المرجع نفسه، ص.52 (((تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.24–23

2. مسؤولية الذات عن نفسها وتحررها

مع بداية العصر الحديث ولدت "الذات" بوصفها منبعًا أساسيًّا لكل قيمنا وأفكارنا، وحدثَ ما يسميه

تايلر ب "التحول إلى داخل الذات"، بعد أن كان التفكير في الذات ملحقًا بتفكير الإنسان في الكون والميتافيزيقا. وهذا هو المعنى النهائي لكل جهود ديكارت ولوك وعصر التنوير. فالإنسان الحديث أصبح يشعر بنوع عالٍ من الفعالية في داخله، وظهرت له معان جديدة لمفاهيم الخير والحرية والعقل ترتبط بتحسين أوضاع حياته وتوفير الظروف المناسبة التي تحفظ كرامته وحقوقه وتفتحه، وبذلك أصبحت الحياة ليست سوى البحث عن مزيد من التحرر الداخلي والعناية بالذات.

3. التركيز على الحياة العادية

أي تحول التفكير الحديث من الاهتمام بالمثاليات، كما وجدناه عند اليونان والحضارات السابقة، إلى الاهتمام بالحياة الدنيا والأرزاق والأعمال والعائلة والزواج والصناعة والتجارة، بوصفها غايات في ذاتها. فمع العصر الحديث لم تعد الحياة العادية تشكل الأساس المادي الدوني لحياة التأمل الحقيقية، بل غدت هي الحياة الحقيقية التي على الإنسان أن يوليها الأهمية الأولى. وهذا هو المعنى الحقيقي للقول بأن الحياة الحديثة أصبحت حياة مدنية.

4. التحرر من السلطات

والتحرر هنا، هو التحرر من مختلف أنواع السلطة سواء كانت سلطات اجتماعية، أو سياسية، أو دينية، أو معرفية. وقد تمثل هذا السعي للتحرر من السلطات في كلام ديكارت حول "الإرادة الحرة"، من حيث هي "أنبل شيء يمكننا أن نحوز عليه". فقد أدرك العصر الحديث أن الحياة في ظل السلطات

التي وضعها الإنسان على نفسه أَرْوحَ بكثير من الحياة بلا سلطات، ولكن التحرر من السلطات يجعل

الإنسان يعيش بكرامة، مثلما يجعله مسؤولً عن حياته؛ الأمر الذي يمنحه الشعور بالمسؤولية.

5. المخاوف من النزعة الذرّية والنفعية

وهي نزعة ترى أن الأفراد مجرد ذرات تعيش في المجتمع بشكل منفصل وفردي، وأن على الناس أن يهتموا بمنافعهم وراحتهم أكثر من أي شيء آخر، بعيدًا عن المجتمعات وحميمية العلاقات مع الآخرين. وقد أدى مثل هذا التفسير للحياة الحديثة إلى انزلاق المجتمعات الحديثة إلى ما يسميه تايلر: "نمط الحياة النفعية المتحرر"، والذي يعطي الأولوية لقضايا من قبيل: الراحة، المتعة، المنفعة، الربح، الفردية، التجارة، العمل، وغيرها.

(((المرجع نفسه، ص.275 ((1(المرجع نفسه، ص.324 ((1(المرجع نفسه، ص.231 ((1(المرجع نفسه، ص.474 ((1(المرجع نفسه، ص.713 ((1(المرجع نفسه، ص.715–714

وأكثر ما يركز عليه تايلر في نقده للنزعة النفعية الذرية هو فقدان الإنسان حياته الاجتماعية، حيث انتُزع "من حياة اجتماعية ثريّة وأُدخل الآن، عوضًا عنها، في سلسلة من الجمعيات المتحركة والمتغيرة التي غالبًا ما تكون مصممة لغايات محددة". حتى إنه يحذر من أن الحكومات الغربية قد تدمر الحياة الاجتماعية إذا ما اتبعت سياسات المنفعة، لأن "النظرة الذرّية التي يرعاها ويعززها المذهب النفعي لا تجعل الناس واعين بتلك الشروط، لذا، فهم يدعمون، وبسعادة، السياسات التي تدمرهم، كما كان في سلسلة التدابير المحافظة المتجددة في بريطانيا والولايات المتحدة التي قطعت برامج الرعاية الاجتماعية وأعادت توزيع الدخل بشكل تراجعي، فقضت على أسس تعيين هوية المجتمع". طبعًا، لا يعني هذا أن هذا النقد يقف على الضد من الليبرالية الحديثة، جملة وتفصيلً، بل يعني فقط أن هناك تذمرًا واسعًا من الليبرالية الفردية المفرطة، ولذلك فإن هذا التيار الناقد لليبرالية يطالب بإعادة التوازن للعلاقة بين الفرد والمجتمع. إن مثل تلك التغيرات في النظام الأخلاقي لم تقتصر على فئات النخبة في العالم الغربي الحديث، بل إنها – وهذا يشكل أهمية قصوى عند تايلر – انتقلت إلى المجال العام ومختلف الفئات الاجتماعية لتشكل "جزءًا لا يتجزأ من مُتخيّلنا الاجتماعي". هكذا نُظِر إلى هذا النظام الأخلاقي الجديد "باعتباره شيئًا يجب العمل من أجله"، وأنه سيزداد اعتمادنا عليه في فهمنا لحياتنا السياسية والاجتماعية. غير أن المهم في هذه الأنطولوجيا الأخلاقية هو ما ترتب عليها في الحياة العامة. فأشكال الإدانة للتراتبية الاجتماعية أخذت تتسارع، وهذا واضح من خلال ملاحظتنا أن مفهومًا جديدًا عن الطبيعة البشرية، بدأ يزيح النظام الطبيعي اليوناني والوسطوي الذي يقول بالتراتبية، وسمو مرتبة المشتغلين بالتأمل والمثاليات ورؤوس الأموال لصالح نظام طبيعي جديد لا يعترف بالفصل المسبق بين الفئات الاجتماعية، ولا يعتقد أصلً وجودَ فوارق اجتماعية ذات أساس طبيعي. كما أخذت مسائل من قبيل: أولوية الأمن والرخاء، والاعتراف بالمنفعة المتبادلة كأساس للتعامل بين البشر، والخدمات التي يقدمها المجتمع للفرد، والمساواة في الحقوق والواجبات، وغيرها، تشقُّ طريقها إلى المجال الثقافي العام. ولكن إذا كانت هذه هي التغيرات الأخلاقية الكبرى التي حملها العصر الحديث على كاهله وجعل منها مبادئ لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية، فما تأثير كل ذلك على فكرتنا عن الهوية الحديثة؟

((1(المرجع نفسه، ص.716 ((1(المرجع نفسه، ص.721 ((1(المرجع نفسه، ص.16 ((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه، ص.22 ((2(المرجع نفسه، ص.33–30

ثانيًا: الهوية السياسية والدولة

يُرجع تايلر مفهوم الهوية إلى "الشعور بالرابطة" و"الهدف المشترك". فالشخص يشعر أنه ينتمي إلى شعب معين، أو أنه جزء من هذا الشعب، عندما يشعر ب "رابطة مع أولئك الذين يكوّنون الشعب"، وتربطه معهم "قيمة مشتركة قوية أو هدف قوي". وهذا يعني أن قيم ذلك الشعب ونظامه الأخلاقي تصبح جزءًا عزيزًا من هوية هذا الشخص، لا بل هي التي تحدد هذه الهوية. وهذا يعني أن تايلر من القائلين ب "الجماعاتية"، والجماعاتية تيارٌ فكري ناقد للنزعة الليبرالية الفردية المفرطة، بدأ ينتشر في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ويرى أن على الليبرالية أن تخفف من تحيزها المفرط للفرد وحرياته الشخصية، وذلك بمنحها مجالً معينًا للتفكير في الفرد بوصفه كائنًا يعيش ضمن جماعة، وأن لهذه الجماعة، سواء أكانت دينية أو قومية أو أيديولوجية، دورًا كبيرًا في

وعيه بذاته ووجوده الاجتماعي. فنحن عندما "نرى أنفسنا أيضًا (من منظور الكل) يمكننا أن نرى الذات في الخيال بأنها، ببساطة، مظهر من مظاهر نظام كبير"، حتى إن الإنسان الذي يعيش في مجتمع ديمقراطي يشعر أن الحرية جزء من هويته، مثلما يشعر أن قيم مجتمعه التي يكوِّنها عن الخير والرفاه والعمل والحقوق، هي أيضًا جزء من شعوره بالرابطة المشتركة مع ذلك المجتمع. بل إن الفرد يبقى يشعر بالإرادة المشتركة مع مجتمعه، حتى لو رأى أن المجتمع اتخذ مسارًا خاطئًا غير الذي يرغب فيه، لاعتقاده أن عليه أن يقدم خير مجتمعه على خيره الشخصي. وهذا هو تفسير تايلر لقبول فرد ما بقيمة الحرية مثلً، حتى لو كانت نتائجها على الضد مما يريد، ولذلك فإننا كثيرًا ما نجد

أناسًا "مستعدين لقبول أنهم أحرار في ظل نظام ديمقراطي، حتى إذا جرت الأمور على غير ما يريدون

((2(المرجع نفسه، ص.213 ((2(المرجع نفسه. ((2(نشأة النزعة الجماعاتية، أو المجتمعية في تسعينيات القرن العشرين نوعًا من النقد الموجه للسياسات الليبرالية المفرطة التي

ظهرت على يد بعض الأحزاب المحافظة، ولا سيما سياسات رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر، والتي أدت إلى إضعاف "التماسك الاجتماعي" في البلدان التي تحكمها، وذلك من خلال إعطائها الأولوية المطلقة للنزعات الفردية والتحررية واقتصاد السوق الحر؛ الأمر الذي أدى إلى تقويض أخلاقيات المسؤولية الاجتماعية. وقد وصلت تلك النزعة التحررية المفرطة أوجَها

عندما أطلقت تاتشر شعارها الشهير: "لا يوجد ما يسمَّى مجتمعًا". كما قدمت النزعة المجتمعية أيضًا نقدًا لسياسات بعض

الحكومات التي تراجعت عن تقديم الدعم للرعاية الاجتماعية ومساعدات الأسرة. وقد وصلت هذه النزعة حد التوقع أن هناك

أزمات كبرى تنتظر المجتمعات الغربية إذا لم يُصلَح ذلك الخلل. ومن أمثلة ذلك التيار، إضافة إلى تشارلز تايلر، هناك: روبرت بوتنام

في كتابه لعب البولينج منفردًا: انهيار المجتمع الأميركي وصحوته. ينظر: علي راتانسي، التعددية الثقافية، ترجمة لبنى عماد تركي،

مراجعة هاني فتحي سليمان (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013)، ص 96–95. يذكر أن تايلر يميز بين معنيين لمصطلح الجماعاتية، الأول الذي ذكرناه للتو، ومعنى ثان "تحقيري" يتهم أصحاب النزعة الجماعاتية بأنها تنظر للمجتمع كجماعات شبه منعزلة. وهو معنى يرفضه تايلر ويحذر منه دائمًا. ينظر: فرنسوا غوفان، "حوار مع الفيلسوف تشارلز تايلر"، ترجمة عبد الستار

الجامعي، مدارات، العدد  31 (2018)، ص 46. (2((سايد مطر، مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية: مدخل إلى دراسة أعمال تشارلز تايلر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.72 (2((تايلر، منابع الذات، ص.748 (2((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.213

في مسائل مهمة". فللدولة الديمقراطية الحديثة هنا "هوية سياسية" تتمثل في أن الأفراد ينظرون إليها على أنها الكيان الذي ينتمون إليه بالرغم من كل شيء، أي إنها كيان للجميع بلا استثناء، ولا أحد يستطيع أن يدعي أن له صدر المجلس في هذه الدولة، لأنها الكيان الذي يعبرون فيه عن ذواتهم بحرية ومساواة. وهذا معنى جديد للدولة الحديثة لا يرى تايلر أنه كان موجودًا في السابق. وبكلمات أخرى "تحتاج الدولة الديمقراطية الحديثة إلى (شعب) يمتلك هوية جماعية قوية. تفرض علينا الديمقراطية إبداء قدر أكبر من التضامن ومن التزام بعضنا تجاه بعض في مشروعنا السياسي المشترك، مما كانت تطلب المجتمعات التراتبية والتسلطية في وقت ما من الماضي". وهذا يعني أن الدولة الديمقراطية لا تستطيع أن تستمر في الوجود والفاعلية من دون هذه الهوية السياسية. ولذلك يعتقد تايلر أن هذه "الهوية السياسية" أمرٌ

بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدول الديمقراطية الحديثة، لأنها "غالبًا ما تُعرَّف جزئيًا بصيغة المبادئ الأساسية

(الديمقراطية، حقوق الإنسان، المساواة)، وجزئيًا بصيغة تقاليدها التاريخية، أو اللغوية، أو الدينية. ومن

المفهوم أن ملامح هذه الهوية يمكن أن تكتسب مكانة شبه مقدسة، لأن تغييرها أو تدميرها قد يهدد أساس الوحدة نفسه الذي لا تستطيع الدولة الديمقراطية تأدية وظيفتها بدونه". ومن معاني هذا أن هناك صعوبة في أن تنمو هوية حديثة في الدول غير الديمقراطية، لأن الدولة الحديثة، وبسبب كونها ديمقراطية، تجعل أفرادها يحملون شعورًا قويًّا بالتماهي معها. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع بتايلر إلى التأكيد على أن الهوية اليوم ليس لها معنى إن لم تكن مرتبطة ب "المواطنة"، وهذا الرابط بين الهوية الحديثة والديمقراطية ينطبق على كل الشعوب في كل القارات، وليس مقتصرًا

على الغرب، وهذا هو تفسير تايلر لديمقراطيات الهند ودول شرقية وغربية بقيت للهوية مكانة كبيرة فيها، من حيث إن الوعي بوصفي مواطنًا، أي لدي حقوق متساوية مع الآخرين، هو الذي يشكل في النهاية هويتي، ووعيي السياسي ككل، على الرغم من بقاء الانتماءات العرقية والدينية حاضرة وبقوة. ويبدو أن المكسب الذي يريد أن يبرزه تايلر هنا أنه، مع ظهور الدولة الديمقراطية الحديثة، توافرت إمكانية لظهور هوية سياسية متميزة من الانتماءات المذهبية والدينية، وإن كان الأمر لا يسير في هذا الاتجاه دائمًا. فالتفكير في الهوية، حتى عندما يعطي مكانة مهمة للقومية أو المذهب الديني، فإنه في

النهاية تفكير يعتقد، على الرغم من ذلك، أن هدفه النهائي هو "الأخلاق والحرية والحق". ولذلك، فإن تايلر لا يستغرب وجود نوع عالٍ من "الشوفينية" والتعصب القومي، حتى عند من يعتقدون أنّ لديهم أهدافًا أخلاقية سامية، وأنهم نذروا أنفسهم لخير البشرية وسعادتها.

((2(المرجع نفسه. (2((تشارلز تايلر [وآخرون]، قوة الدين في المجال العام، ترجمة فلاح رحيم (بيروت/ بغداد: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع؛ مركز دراسات فلسفة الدين، 2013)، ص.81 ((2(المرجع نفسه، ص.83 (3((تايلر، منابع الذات، ص.770 (3((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.219

وإذا كانت الهوية الحديثة مشبعة بالشعور بالحرية، وبالتفكير في الدولة بوصفها التحقق الفعلي لهذه الحرية، فإن تلك الهوية أصبحت تُبنى أيضًا على أساس تصوّر جديد ل "الزمن"، مفاده أن الحضارات

في تقدم دائم، وأننا في مرحلة هي الأكثر تقدمًا والأفضل حالً، وأن الحاضر والمستقبل يمتلكان

إمكانات كثيرة علينا أن نعمل على تحقيقها. وبذلك فإن الهويات الحديثة لا تعتقد استرجاع "نظامٍ مُقامٍ في زمن أسمى"، ولم يعد هذا النظام من هواجسها. فالهوية الحديثة نمت في ظل فهم للتاريخ

يقوم على أنه "نمو بطيء لقدرة البشر وعقولهم وصراعاتهم مع الأخطاء والخرافات. ويأتي التأسيس عندما يصل الناس إلى مرحلة بعينها من مراحل الفهم العقلاني". وهذا يعني أن مسار الهوية مسار تطوري، وليس دائريًّا، مثلما هو حال التصورات التقليدية للهوية التي تؤمن بانبعاث الهوية من أمجاد

الماضي. مثلما يعني أنه مسار عملي وليس مسارًا تجريديًا، لأنه يتفاعل مع قضايا التنوع الثقافي

والانتماءات الدينية وطرق العيش المشترك.

ثالثًا: الهوية والتعددية الثقافية

يعود ظهور مسألة التعددية الثقافية إلى العقود القليلة الماضية. ويقصد بها الحقوق الثقافية والدينية للمهاجرين إلى الغرب عمومًا، وكيف يمكن هذه الأقليات "الاندماج" في المجتمعات الحديثة،

والتوفيق بين معتقداتها الثقافية – ولا سيما الدينية – والقيم الثقافية لأكثرية، والتي هي قيم الثقافة الغربية المعاصرة. ثم بعد ذلك توسعت النقاشات حول التعددية الثقافية لتشمل الكيفية التي على الدول أن تتعامل بموجبها مع الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، كما هو حال الهند والصين ودول أخرى كثيرة، اعتقادًا منها أن الأقليات إذا لم تنل حقوقها الثقافية وتتمتع بالاعتراف الاجتماعي، فإنها تبقى مصدر قلق في المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في تلك الدول. وإذا كانت الليبرالية الغربية قد منحت الأقليات التي تعيش في كنفها حقوقًا سياسية كاملة، فإنها لم تهتم بإعطاء تلك الأقليات حقوقهم الثقافية والدينية، على اعتبار أن الديمقراطية تعني في النهاية حكم الأكثرية لأقلية. وهذا يعني أنه إذا كانت الحقوق السياسية مكفولة للجميع، فإن تحديد ما هو مقبول ثقافيًا وما هو غير مقبول في "المجال العام" sphere Public للمجتمعات الغربية متروك للفئات الأقوى

في المجتمع أو الأكثرية.

((3(المرجع نفسه، ص.199 ((3(المرجع نفسه، ص.200 ((3(مطر، ص.72 ((3(تقوم سياسات الاندماج المتبعة في غالبية البلدان الغربية على مساعدة المهاجرين لتشرّب قيم المجتمعات التي وفدوا إليها،

وثقافتها وسلوكياتها وطريقة حياتها، مقابل حصولهم على كافة الحقوق السياسية. وبعبارة أخرى تحويلهم مواطنين طبيعيين. غير أن مثل تلك السياسات لاقت مقاومة الأقليات التي سعت لدفع المجتمعات الغربية للاعتراف بخصوصياتها الثقافية والدينية، كما بقيت تشتكي من تعرضها للتمييز بطرق مختلفة؛ الأمر الذي أبقاها على مسافة من المجتمعات التي تعيش فيها. يضاف إلى ذلك أن الأوساط الغربية وضعت، في بعض الأحيان، معايير مفرطة في خصوصيتها على المهاجر أن يتمثلها. من قبيل ما ذكره بعض علماء الاجتماع من أن المهاجر لا نقول عنه إنه مندمج في بلده إلا إذا: شجع فريق بلده الجديد في حال حصول مباراة بين بلده القديم وبلده الجديد، أو يتبنى بشكل كامل "القيم المشتركة" لمجتمعه الجديد، أو كانت مشاركته الاجتماعية مرتفعة. ينظر: راتانسي، ص.97–96

ولذلك أخذت تلك الأقليات تشعر أن المجتمع الغربي عمومًا لا يعترف بقيمها الثقافية في الحياة عامة، وأن هناك قيودًا موضوعة على تلك القيم؛ الأمر الذي يجعل من عملية اندماجها في المجتمعات الغربية عملية منقوصة. وهنا نجد تايلر يتهم الليبرالية الغربية بأنها تجازف، من دون مبرر، بتقييد الحريات الدينية لأقليات المهاجرة، اعتمادًا على قوة "ترتيباتنا الدستورية التاريخية"، أي اعتمادًا على الدستور الذي يكفل أحقية الأكثرية في حكم الأقلية. والمشكلة في مثل هذه الطريقة في التفكير أنها "تبعث إلى هذه الأقليات نفسها برسالة مفادها أنهم لا يتمتعون، بأي حال، بالندّية مع التيار السائد الذي تأسس منذ زمن طويل". وهذا يعني أن الليبرالية الغربية أعادت التراتبية من الشبّاك بعد أن أخرجتها من الباب؛ إذ كيف يمكن

ليبرالية، أن تقوم على المساواة، وتهمش الحقوق الثقافية لأقليات في الوقت ذاته؟ ففي الدول الديمقراطية؛ من يسيطر على المجال العام هم فئة الأكثرية، وهم من يقررون ما هو مسموح به ثقافيًا

وما هو مرفوض، وقد استخدمت هذه السلطة لتهميش القيم الثقافية لتلك الأقليات، وهو وضع يعتقد تايلر ضرورة إصلاحه. يقوم الموقف العام لتايلر على أنه يجب الاعتراف لأقليات بحقوقها الثقافية، لأن مثل هذه الخطوة تزيد من اندماج تلك الأقليات في المجتمعات التي تعيش فيها أولً، كما أنها تتوافق مع مبادئ حقوق الإنسان، التي تشكل القيمة المحورية في قيم الحداثة ثانيًا. أما القاعدة التي يجري بموجبها الاندماج فهي قاعدة "الاعتراف" Recognition بالخصوصية الثقافية للمواطنين والجماعات أيًا كانت ثقافتهم، وليس بتبني الأقليات قيم الأكثرية. وذلك لأن عدم الاعتراف أو التهميش الذي يمكن أن تتعرض له فئة ما، يمثّل أكبر حافز لبروز الانغلاق وتراجع رغبتها في الاندماج في المجتمع الجديد؛ الأمر الذي ينتهي بهذه الفئة إلى الوقوع في نوع من "الإحباط النفسي". فالهويات في "حاجة إلى الاعتراف" Recognition For Need The أولً، حتى لا تقع في براثن التعصب والعدوانية. وتتطلب "الاعتراف من قبل الآخرين"، ثانيًا، لأنها لا تتشكل إلا في

حالة الحوار مع الآخرين others with Dialogue والحصول على القبول منهم. وهذا يعني أن الأفق العام الذي تتشكل فيه الهوية هو الأفق الاجتماعي، لأن الاعتراف يقوّي شعور الأقليات ب "المواطنية السياسية" citizenship Political، ويجعلها تتصرف بدافع من "شعورها بالواجب والولاء تجاه المجتمع السياسي".

((3(تايلر [وآخرون]، ص.87 ((3(المرجع نفسه، ص.201

(38) Charles Taylor, The Ethics of Authenticity (London: Harvard University Press, 2003), p. 52. (39) Ibid., p. 45. (40) Ibid., p. 43.

فسياسة "الاعتراف على قدم المساواة" recognition Equal بين جميع الفئات يعتبرها تايلر من أهم ركائز الحداثة التي جرى تغييبُها، ولذلك يطالب باحترامها، لأن مخالفتها قد تطيح الليبرالية من أساسها.

وحجته في ذلك أن الاعتراف لم يكن من الأمور الضرورية سابقًا لأن المجتمعات كانت تراتبية، ومن ثم كانت اللامساواة بين الجماعات أمرًا مقبولً في حينها. أما اليوم فإن الأمر مختلف؛ إذ لا تقبل أي

جماعة بأن لا يُعترَف بحقوقها الثقافية، وتعتبر ذلك انتقاصًا لكرامتها. ولذلك، يعتقد تايلر أن على الليبرالية الحديثة أن تبني مجتمعاتها الحديثة على مفهوم "الكرامة" Dignity، وليس على مفهوم "الشرف" Honour؛ ذلك أن مفهوم الشرف في العصور السابقة يجعل لبعض الفئات مكانة أشرف من غيرها، وهذا هو أصل التراتبية الاجتماعية hierarchies Social التي تجعل مكانة بعض الفئات أعلى من الفئات الأخرى على نحو بديهي، ذلك أن المجتمع الذي يبني قيمه على مفهوم الشرف التراتبي يقوم على نظام المِنَح، أي مَنْح بعض الفئات امتيازات معينة، دون غيرها من الفئات الأخرى. ولذلك، يصف تايلر مجتمع الشرف، مستعينًا في هذا الوصف بمونتسكيو وروسو، بأنه مجتمع فاسد وظالم. وفي المقابل، إن المجتمعات الحديثة لا بد من أن تقام على مفهوم الكرامة، ويقصد به الحياة التي تقوم على الاعتراف والمساواة والمشاركة بين جميع أفراد المجتمع، وفئاته المختلفة، كما يعدّه الأنسب للمجتمعات الديمقراطية الحديثة. كما أن الاعتراف يقوّي لدى مختلف الفئات "تحقيق الذات"

Self–realization، لأن هذا التحقيق يجب أن يتم في إطار شعور الفرد بمجتمعه بوصفه شريكًا في فرديته. فتايلر يرى أن على الفرد أن يسأل نفسه دائمًا: كيف يمكن أن أعيش مع الناس في الوقت الذي أحقق فيه فرديتي؟ ويبدو أن إيجاد علاقة متوازنة بين فردية الأشخاص وتفكيرهم في الواجبات تجاه المجتمع، هو ما شكل الهمَّ الأساسي عند تايلر، لأن الإنسان عندما يحقق هذا النوع من التوازن يكون قد وصل إلى حياة "الأصالة" Authenticity. ويبدو أن قضية منع حجاب الطالبات المسلمات في فرنسا، ومطالبة الأقلية المسلمة في كندا بتطبيق الشريعة الإسلامية، والسماح للطالبات المسلمات بارتداء الحجاب في ألمانيا – وهي قضايا انشغل بها الرأي العام الغربي عدة سنوات – كانت مناسبة لتفكير تايلر في موضوع الأقليات وحقوقها الثقافية، بل إعادة تفكيره في معنى مصطلحات من قبيل: العلمانية، والاعتراف، والاندماج، ودور الأديان في المجتمعات الحديثة، وعلاقة الدين بالسياسة. أما المشكلة التي واجهت تايلر فهي أنه عندما طالب بالسماح لفئة ما بارتداء "رمز ديني" (الحجاب)، فإن انتقادات وُجهت إليه بأن ذلك سيطيح علمانية الدولة أولً، وسيدفع الفئات الأخرى إلى إظهار رموزها الدينية ثانيًا، بحيث يعود الديني للتحكم في السياسة من جديد، ومن ثم فإنه من غير المبرر

(41) Ibid., p. 48. (42) Ibid., p. 46. (43) Ibid., p. 44.

إعطاء الثقافة الدينية مكانًا خاصًا في الليبرالية المعاصرة. غير أن تايلر يقدم القضية من منظور مختلف مفاده أن الدولة الغربية ترسل رسائل متناقضة للمسلمين: فهي تقول لهم: "عليكم عدم ارتداء الحجاب"، ثم تدعوهم إلى الاندماج في المجتمع الغربي، مع العلم أن المطلبين متناقضان. ولذلك فإن المبدأ العام يجب أن يقوم على "النظر إلى الجماعات الدينية بوصفها شريكة في الحوار إلى أقصى حد، وبوصفها تمثل خطرًا إلى أدنى ما تسمح به الحالة". غير أن هابرماس يوجه بعض النقد لطريقة تايلر في تناوله العلاقة بين الديمقراطية والأديان عمومًا، لأنه يعتقد أن الاعتراف بحقوق دينية معينة يجب أن يتم على أساس ديمقراطي أولً، وأن يرتبط

بمدى رغبة هذه الجماعة الدينية في المشاركة في المجال العام ثانيًا، وبتحقيقها لقدرٍ من العقلانية

ثالثًا. وعلى ذلك فهابرماس ليس ضد أن تنال الحقوق الثقافية الدينية عمومًا قدرًا من الوجود في المجتمعات العلمانية، ولكن بشرط أن تعبّر تلك الحقوق الدينية عن نفسها بلغة ديمقراطية.

ويسمي هابرماس هذه الحركة ب "الترجمة"، ويقصد بها التعبير عن المطالب الدينية "بلغة مقبولة على نطاق واسع"، أي لغة عقلانية، حتى تناقَش على نحو رسمي وقانوني وسياسي، وليس عن طريق اللغة الدينية. وهذا الترتيب يستتبع مسؤولية أيضًا من جانب العلمانيين، من حيث ضرورة قبولهم للآراء الدينية عندما تقدم بلغة عقلانية. وإذا تحقق مثل هذا الأمر، ف "لا بد للمواطنين العلمانيين والمتدينين اللقاء كأنداد في استخدامهم العام للعقل. فبالنسبة للعملية الديمقراطية لا تكون مساهمات جانب أقل من مساهمات الجانب الآخر". وهذا يعني في النهاية، بالنسبة إلى هابرماس، أن عقلانية المجال العام هي المرجع الأخير للنقاشات حول القضايا والمطالب التي يطرحها المتدينون من حين إلى آخر، ويعني ثانيًا تراجعًا للمفهوم التقليدي

للعلمانية الذي ينظر لكل ما هو ديني نظرة شك وارتياب. يتفق تايلر مع هابرماس في أن الدين أصبح من المكونات الأساسية للمجتمع الغربي الحديث، ومن الحكمة عدم تجاهله، ولذلك نجده يقوم بمراجعة واسعة لمفهوم العلمانية، محاولً أن يستخرج معانيَ جديدة لهذا المفهوم، فرضتها التطورات

الثقافية في العقود الأخيرة للعالم الغربي.

رابعًا: الهوية والدين والعلمانية

من الواضح أنّ لدى تايلر رغبة عارمة في إعادة كتابة تاريخ الحداثة من منظور مختلف عن المنظور السائد. فهو يعتقد أن كُتَّاب تاريخ الحداثة قد تخيلوها بطريقة بعيدة عمّا حصل بالفعل، وارتكبوا أخطاء في فهمها، وقد أدت تلك الأخطاء الفادحة إلى أزمات في الحداثة المعاصرة.

((4(تايلر [وآخرون]، ص.68 ((4(المرجع نفسه، ص.59 ((4(المرجع نفسه، ص.61

ولعل أهم تلك الأخطاء كان النظر إلى الحداثة من منظور لاثقافي Acultural بدلً من أخذ المنظور الثقافي Cultural في الاعتبار. ويقصد تايلر بذلك أن المنظور اللاثقافي للحداثة لم يركز على الثقافة من حيث هي مجموعة من التصورات التي تحدد أفكار فئة ما عن القيم الأخلاقية والجوانب الروحية للبشر، واكتفى بالاهتمام بالمنجزات العلمية والمادية والاجتماعية للحداثة، من حيث هي تشكل لب هذه الحداثة. أما "النظرية الثقافية للحداثة" modernity of theory Cultural – والتي يطالب بها تايلر – فإنها تفهم الحداثة الغربية عمومًا على أنها عملية متكاملة لصعود نوع جديد من الثقافة، يحمل منظورًا مختلفًا لمسائل الطبيعة البشرية والخير والفرد والدين، بعيدًا كل البعد عن الثقافة الأوروبية السابقة له، على الرغم من وجود قواسم مشتركة بينهما، ويعدّ نيتشه وماكس فيبر أمثلة على هذه النظرة الثقافية للحداثة، من حيث هي تغيرات في القيم والأفكار قبل كل شيء: نيتشه الذي اعتبر الحداثة ثورة على القيم المسيحية الوسطوية، وفيبر الذي اعتبر أن الرأسمالية لم تكن لتظهر لولا بروز الأخلاق البروتستانتية. وباختصار، يرفض تايلر الفهم المادي للحداثة من حيث اقتصارها على عمليات تغير مادية واجتماعية وعلمية بالدرجة الأولى، إضافة إلى أن هذه الجوانب المادية هي الأساس في كل تغير لاحق على مستوى الأفكار والقيم والأخلاق. ويعدّ ماركس وجماعة الوضعية المنطقية مثالً على هذه النظرة اللاثقافية، التي انتهت إلى القول بضرورة أن نُحكِّم المناهج التجريبية في حياتنا ومعارفنا، من حيث هي مناهج لا تؤمن بالروحانيات ولا بالأفكار ذات الطابع الميتافيزيقي، وتعتبرها نوعًا من الخرافات الضارة التي سيطرت على تاريخ البشرية لعصور خلت، ولا بد للبشرية من أن تتحرر منها، وأن العمل على تحريرنا من تلك الروحانيات والمثاليات الجوفاء يمثّل جوهر الحداثة. بناء على ذلك، يتهم تايلر أصحاب المنظور اللاثقافي بإيجاد نوع معين من "المتخيل الاجتماعي" عن العلمانية، يُفهم منه نهاية "حضور الدين أو الإلهي في المجال العام"، وليس فقط نهاية تصور الأصل الإلهي للسلطة، وهناك فرق بين الاثنين. فإذا كانت العلمانية قد أنهت التصور الإلهي لأصل السلطة من حيث إنهما "كانا متشابكين تشابكًا كبيرًا مع بنيات السلطة التي لا يمكن فهمها على نحو منفصل عن

الإلهي، أو عن الأعلى، أو ما يستدعي الخشوع"، فإن تلك العلمانية لم تكن تعني نهاية ما يسميه تايلر ب "الدين الشخصي"، أي حضور الدين في المجال العام بقدر ما كانت تعني أنه "يمكن أن يوجد الإيمان وعدم الإيمان باعتبارهما بديلين متعايشين".

(47) Charles Taylor, Modernity and the Rise of the Public Sphere: The Tanner Lectures on Human Values (Stanford: Stanford University, 1992), p. 204. (48) Ibid. (49) Ibid. (50) Ibid., p. 209.

(5((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.211 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه.

فالمنظور اللاثقافي يعاني "فقدان الأفق قبل فقدان الجذور"، ويبدو أن هذا الفقدان هو ما يشغل بال تايلر، وأصحاب النظرية الثقافية عمومًا، على اختلاف مشاربهم، لأنه هو المسؤول عن أزمة الحداثة الحالية. فالمنظور اللاثقافي سيطر على القرنين التاسع عشر والعشرين، وفعل فعله في توجيه الحداثة نحو العوامل الاجتماعية والاقتصادية؛ الأمر الذي يستوجب إصلاح هذا الخلل. من هنا تأتي أهمية المنظور الثقافي للحداثة الغربية بالنسبة إلى تايلر، فهذا المنظور هو الذي يعيد فهم الحداثة من حيث هي عملية فكرية تؤدي القيم والأفكار والروحانيات دورًا أساسيًا فيها، وعاملً موجهًا للعوامل الاجتماعية والعلمية والاقتصادية، وليس العكس. فالعلمانية، من خلال الفهم الثقافي لها، تسمح بحضور واسع للدين في المجال العام، وهذا ما تؤكده الحياة العامة في المجتمعات الغربية المعاصرة. ولذلك فإن شعارات من قبيل: "فصل الدين عن الدولة"، و"إزاحة الدين من المجال العام"، يمكن أن يعاد النظر فيها لتبيان ما عانته من زيف ومبالغة سادا في مراحل معينة من التاريخ الأوروبي الحديث. كان القصد من العلمانية إقامة السياسة على نحو مستقل عن الصراعات بين المذاهب الدينية، بحيث يصبح مصدر السلطات هو "الإرادة الشعبية" وليس "الإرادة الإلهية". وبتعبير آخر، لا يعتقد تايلر أن العلمانية معنية بالعلاقة بين الدين والدولة بقدر ما هي معنية ب "الاستجابة الصحيحة التي تصدر من الدولة تجاه التنوع". والمثال الذي يركِّز عليه تايلر هو السياق الأميركي الذي ظهرت فيه العلمانية، وهو سياق يشير إلى أنه كان هناك صراع حاد بين البروتستانت والكاثوليك وغيرهم حول مَنْ هو المؤهل لأن يفرض عقائده على المجتمع والدولة، فكان الحل هو العلمانية، أي مساواة الجميع أمام الدولة، ومنذ ذلك الحين يرفض الكونغرس أن يقر "أي قانون يؤسس للدين أو يعرقل الممارسة الحرة له". وللكشف عن سوء الفهم الذي حصل للعلاقة بين الدين والعلمانية، يرى تايلر أن العلمانية كانت تعني أربع قضايا أساسية، هي: • الحرية الدينية: بألّ يمارس الإكراه في ميدان الدين والعقائد الأساسية، ويشمل ذلك حرية التدين وعدم التدين أيضًا. وقد عبر عنها الدستور الأميركي بضمان ما أسماه ب "الممارسة الحرة" للدين.

(54) Taylor, Modernity and the Rise , p. 207. (55) Ibid., p. 208.

(5((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.213 ((5(المرجع نفسه، ص.212 ((5(المرجع نفسه، ص.69 ((5(المرجع نفسه، ص.71

• المساواة: أي المساواة بين الناس من مختلف العقائد الدينية وغير الدينية، وبهذا لا يمكن وجهة نظر معينة، دينية أو غير مهتمة بالدين، أن تتمتع بمكانة مميزة في المجتمع، أو تحوّلها مذهبًا رسميًا للدولة. • مشاركة الجميع في المجتمع: بحيث يكون لكل المذاهب والأديان الحق في أن تشارك في النقاش حول غايات المجتمع وهويته ونظام الحقوق الذي يجب أن تعتمد عليه. • الأخوة: أي ضمان الاحترام المتبادل بين المذاهب الدينية، والإبقاء قدر المستطاع على علاقة التناغم بين مناصري الأديان والرؤى المختلفة إلى العالم. يتفق أوليفييه روا مع تايلر في النظر للدولة العلمانية من حيث هي دولة قائمة على مبادئ حقوق الإنسان والمساواة والديمقراطية وحكم القانون، ولا يمكن أن تكون دولة على الضد من الأديان، لأن الأديان في كلّيتها تقر بمثل تلك المبادئ العامة، حتى إن روا يذهب إلى أن العلمانية كانت مطلبًا ل "المحافظين الدينيين والأصوليين"، لأنها يمكن بطريقة ما أن تساعد في "حفظ الشأن الديني"

ومنحه خصوصية. ولذلك، فإن كل ما تفعله الدولة العلمانية هو تجريد الأسباب الخاصة بكل دين، والاكتفاء بأخذ المبادئ العامة لتلك الأديان. وهذا يعني أن أي دين أو مذهب يمكن أن يجد نفسه في الدولة الديمقراطية العلمانية، وإلا فإنّ المشكلة تعود إلى الفهم الملتبس للعلمانية. ولذلك، فإن العلمانية عند تايلر وروا هي علمانيات والفروق بينها كبيرة، نظرًا إلى الوضع التاريخي والسياق

السياسي، مثلما هناك الكثير من الفهم الخاطئ للمسارات التي سلكتها. وهنا يشير تايلر إلى "الطريقة التي استُهدفت بها الكاثوليكية الأميركية في القرن التاسع عشر بوصفها غير قابلة للاستيعاب في الأعراف الديمقراطية. حدث ذلك بطرق تشبه كثيرًا الشكوك التي تلح على

الناس بصدد الإسلام اليوم. ويرينا التاريخ اللاحق كيف أن الكاثوليكية الأميركية قد تطورت، وفي خضم تلك العملية غيّرت بدورها الكاثوليكية العالمية على نحو مهم. لا يوجد سبب مخطوط في

جوهر الأشياء يمنع أن يقع تطوّر مشابه في الجماعات الإسلامية. إن لم يحدث ذلك فسيكون الاحتمال الأكبر أنه لم يحدث بسبب التحامل وسوء الإدارة".

خامسًا: كيف تبدو ملامح الهوية عند تايلر؟

1. الهوية لا يمكن أن تتحرر من الرؤى الكبرى والمثل العليا

على الرغم من أن المُثل العليا والأفكار المثالية تحظى بسمعة طيبة عند غالبية الناس، فإن تايلر يأخذ، في بعض الأحيان، بتقليد نيتشوي وفرويدي يعتقد أن مثل تلك المُثل والأفكار كانت أيضًا وبالً على البشر، حتى إن تايلر يذهب إلى حد القول إن "الرؤى الروحية العظمى للتاريخ الإنساني،

((6(المرجع نفسه، ص.67–66 (6((سلفي توسيغ (إشراف)، شارل تايلر: الدين والعلمانية، ترجمة محمد أحمد صبح (دمشق: دار نينوى، 2016)، ص.144 ((6(تايلر [وآخرون]، ص.69

كانت أيضًا، كؤوس القربان، أسباب تعاسة لا توصف ووحشية"، وأنها وضعت أعباء ساحقة على البشرية. ولذلك نجد تايلر يشير إلى جهود نيتشه وفوكو؛ نيتشه عندما نقد الأخلاق والمُثل العليا للدين المسيحي من زهد وتضحية، واعتبرها من صنع الضعفاء وأنها أمر مدان لأنها تعبر عن الحسد والغيرة، وليست أكثر من مراوغة ذكية لكي يتجنب الضعيف بطش القوي ويحصل على ميزات تتجاوز حدود ضعفه. أما فوكو فقد بين أن تلك المُثل والأفكار المثالية تخفي وراءها شبكة مرعبة من السلطات وعلاقات السيطرة، وأن المعرفة والقيم والأخلاق والمثاليات ليست سوى أدوات للتسلط، أو ممارسة الطرق التقليدية في الاستقواء والهيمنة، ولكن بأساليب حديثة. يوافق تايلر على مثل هذا النقد لأخلاقيات والمثاليات، ويعترف ب "الدمار المروع الذي حصل في التاريخ باسم الإيمان، وأن أخلاق أفلاطون يمكن شطبها بوصفها مجرد أوهام"، إلا أن موقفه يبقى متحفظًا من مِثل ذلك النقد للمثاليات، لاعتقاده أن لتلك الأخلاقيات والمثاليات جوانب إيجابية أيضًا، وأنها يمكن أن توجهنا إلى "خيرات حقيقية". فتايلر لا يؤمن في النهاية بحياةٍ بلا روحانيات ومُثل عليا، لأن الحياة البشرية يجب أن توازن بين المطالب الدنيوية والروحية. ولذلك نجده يؤكد في خاتمة كتابه الضخم منابع الذاتأنّ "تبنّي نظرة

مدنية دنيوية بلا بعدٍ ديني أو أمل راديكالي في التاريخ، ليس السبيل لتجنب المعضلة، بالرغم من إمكانية أن تكون طريقة جيدة في الحياة. فهي لا تتجنبها، لأن هذه، أيضًا، تشتمل على 'تشويه'. وهي تشتمل على خنق الاستجابة لدينا لبعض الروحية الأعمق والأقوى التي تصوَّرها البشر".

2. لا يمكن الهوية الحديثة أن تتجاهل الجانب الديني

كل النقاشات التي عقدها تايلر في كتبه العديدة تنتهي إلى نتيجة واحدة، وهي عودة الديني من جديد إلى الحياة العامة الحديثة، وعلى نحو أدقّ؛ إنه يريد أن يقول: إن كل التحليلات التي جعلتنا نتخيل أن الدين انتهى بفعل الحداثة تبين أنها تحليلات وهمية، حتى إن جان مونتينو يرى أن المستقبل، بالنسبة إلى تايلر هو للديني لأن "الأفق المادي" لإنسان اليوم لم "يعد لديه القدرة على إعطاء معنى لأفعاله ولوجوده". فاليوم كثير من الناس ينتمون إلى قيم الحداثة، ويعتبرون أنفسهم من المنافحين الأشداء عن الحريات والحقوق والمساواة، ومع ذلك فإن "إرادة الله" بالنسبة إليهم موجودة "في تصميم الأشياء، وفي الكون، والدولة، والحياة، والشخصية. وقد يبدو الله مصدرًا لا غنى عنه من أجل

الطاقة اللازمة لإدخال النظام في حياتنا، الفردية والاجتماعية على حدٍ سواء".

(6((تايلر، منابع الذات، ص.739 ((6(المرجع نفسه، ص.740 ((6(المرجع نفسه. ((6(المرجع نفسه. ((6(توسيغ، ص.14 (6((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.218

وما يريد تايلر أن يقوله هنا: إن شكل حضور الدين في المجتمع اليوم مختلف كثيرًا عما كان عليه قبل

خمسة قرون مثل. فحضور الدين في كل عصر مرتبط بالزمان والمكان والخلفية العامة، وهذا هو السبب في ظهور قراءات مختلفة لكل دين في كل عصر. والأديان لا يمكن أن تنتهي من حيث إنها هي التي تحقق للإنسان الشعور بالامتلاء fullness of Sense الذي يحتاج إليه، ويعطي حياته معنى، غير أن الوعي بالأديان هو الذي يختلف من مرحلة إلى أخرى. وهنا، يلجأ تايلر إلى القسمة الشهيرة بين الظاهر والباطن لتوضيح فكرته. فجوهر الدين واحد غير أن الذي يتغير من زمن إلى آخر هو ظاهره. والتغيرات في الظاهر لا تعني أن هناك تغيرًا مس الجوهر، على الرغم من أن الظاهر يؤدي دورًا أيضًا في كيفية تشكل التدين في مجتمع ما. ومن ذلك يمكن القول إن وضع الأديان اليوم في عصر العلمانية الغربي له شكل مختلف عما كان عليه سابقًا. ويتمثل هذا الوضع المختلف الجديد لأديان في عصر العلمانية بسمتين أساسيتين: • السمة الأولى، وتتمثل في أن لأديان في الغرب اليوم حضورًا سلميًا تعايشيًا، بحيث لم يعد واردًا أن يحاول أحد الأديان أو المذاهب فرض نفسه على الآخرين. وعلى المتدينين أن يتقبلوا وجود غير المؤمنين في مجتمعاتهم. ويبدو أن هذه الوضعية الجديدة لأديان، بعد أن كانت تلك الأديان والمذاهب هي التي تأمر وتنهى في المجتمع، هي التي سمحت للبعض بالاعتقاد خطأً أن الدين انتهى في عصر ما بعد الحداثة. • السمة الثانية، تتمثل في امتزاج الأديان بالنزعة الإنسانية الخالصة humanism Exclusive. صحيح أن كل الأديان على مر التاريخ تتبنى نوعًا من النزعة الإنسانية التي تدعو البشر إلى الأخوة والسلام وما إلى ذلك، غير أن تايلر يعتقد أن الحداثة قد شحنت أديانها بنوع عميق للإنسانية غير متوافر من قبل، وأن هذا الأمر يسمح لنا بالقول: إن الأديان المتسربة للحداثة قد دخلت "سياقًا جديدًا" مختلفًا عمّا مضى. ولعل هذا ما يفسر بالنسبة إلى تايلر حضور الديني في الهويات الحديثة. فالجانب الديني "ظل مركزيًا بالنسبة إلى الهويات الشخصية للجماعات والأفراد. ومن هنا فإن من الممكن أن يكون مكونًا محددًا للهويات السياسية"، حتى إن فيليب بورتييه يشبّه حضور الديني في عالم تايلر ب "مدونة قوانين" يستمد منها كل شخص ما يتوافق مع قناعاته الشخصية.

(69) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA/ London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007), p. 13. (70) Ibid., p. 18. (71) Ibid. (72) Ibid., p. 19.

(7((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.219 (7((توسيغ، ص.82

غير أن تايلر، وعبر نقاشاته مع هابرماس وفلاسفة هنود، توصل إلى ضرورة تنظيم الهويات الدينية حتى لا تنزلق إلى نوع من الانتماءات المذهبية. ويقوم هذا التنظيم على ضرورة أن تكون الهوية الدينية مبنية على قيم الحداثة، أو على ما أسماه بالنزعة الإنسانية الخالصة، وإلا كان انزلاقها إلى هوية مذهبية أمرًا قائمًا، إذا لم يكن محتَّمًا. أما الخطر الذي ينبه له تايلر فيتمثل في أن تلك الهوية الدينية

عندما تنزلق لتصبح هوية مذهبية، فإنها تتحول لتصبح أيضًا أساسًا للهوية السياسية. وهذا ما حصل مع

بعض الأحزاب الدينية في بلدان آسيوية وأفريقية، ولا سيما الهند. وعلى الرغم من كل تلك المخاوف يبقى اعتقاد تايلر الراسخ أن لأديان مكانة مهمة، ليس في هويات الحاضر فحسب، وإنما في هويات المستقبل أيضًا؛ لقناعته ب "الطاقة الكامنة لنظرة دينية أعظم، بشكل لا يضاهى".

3. الهوية المعاصرة تفترض تعدد نماذج الحداثة

لا يكتفي تايلر بنقد الليبرالية الحديثة من حيث إنها تحاول تهميش الحقوق الثقافية لأقليات، بل يتجاوز ذلك إلى نقد الحداثة الغربية ذاتها، من حيث إنها تقدم نفسها بوصفها النموذج الوحيد والنهائي الذي على البشرية أن تحتذي به. وحجة تايلر أن عالمنا اليوم زاخر ب "حداثات متعددة"، لكلٍّ منها مشروعيته في الوجود والتطور، أما العلاقة التي يجب أن تكون بين هذه الحداثات فهي علاقة التفاعل الإيجابي الفعّال. وحتى لو قدّر للنموذج الحداثي الأوروبي أن يبقى وينتشر ويصبح بالفعل المثل الأعلى، فإن على هذا النموذج التخلي عن فكرة كونه النموذج الأعلى أوّلً، مثلما عليه أن يأخذ خصوصيات النماذج الأخرى في الاعتبار ثانيًا، وعليه أن يقيم علاقة مع النماذج الأخرى تقوم على السلمية والتفاهمية ثالثًا. فتايلر

يطالب بما يسميه ب "ترييف أوروبا"، أي أن نكف "عن النظر إلى الحداثة باعتبارها عملية وحيدة تكون أوروبا نموذجًا له". وبناء عليه، فإن من غير المطلوب أن تندمج الحضارات في نموذج واحد، لأن لكل حضارة في النهاية خصوصيتها، وهذه الخصوصية هي التي تصنع الفوارق، وهذه الفوارق لا يرى تايلر أنه يجب أن تمحى، بل يجب أن تكون موضوع تفاهم، لأن حقيقة أن "الحضارات تتقارب فيما بينها، ويتعلم بعضها من بعض، لا تلغي هذه الفوارق، بل تموهها فحسب. وذلك لأن فهم معنى الاستعارة من الآخر أو الاقتراب منه، يكون في غالب الأحيان مختلفًا جدًا بحسب زوايا النظر المختلفة إليه".

4. مشكلة الهوية مشكلة أخلاقية

الأخلاق هي التي تعطي المعنى لحياتنا، وتجعلها حياة أصيلة، والأصالة – كما مر معنا – تعني أن تعيش وفق قيم الحداثة الأخلاقية، أي قيم الحرية والتوق إلى العدالة والمساواة والتحرر من السلطات،

(7((تايلر، منابع الذات، ص.737 (7((تايلر، المتخيلات الاجتماعية، ص.222 ((7(المرجع نفسه.

وعدم الاكتفاء بالبعد الفردي لقيم الحداثة. وهذا يعني أنه – لتجاوز أزمة الحداثة المعاصرة – لا بد من إعادة شحن قيم الحداثة بشحنة أخلاقية، تعيد إلى تلك القيم أصالتها: فالحرية، مثلً، تعني أن يمارس الفرد حقوقه على نحو مطلق ومن دون أي قيود، غير أنه لا بد لتلك الحرية من أن تجعلنا أناسًا مسؤولين عن أفعالنا أمام المجتمع أيضًا. وإذا كانت المساواة تعني حصول الإنسان على كامل

حقوقه بشكل مُنصف ويحقق العدالة في تكافؤ الفرص، فيجب أن تعني هذه المساواة أيضًا المساواة

بين الجماعات، سواء كانت جماعات عرقية أو مذهبية. وقل مثل ذلك في العدالة التي يجب أن تمتد لتشمل العدالة بين الجماعات ولا تقتصر على العدالة بين الأفراد.

5. الهوية في التفاعل بين المجتمع والفرد

لا يكلّ تايلر ولا يمل من التأكيد أنه ليس هناك أي تعارض بين الذات والمجتمع، وأنه لا يريد أن ينتصر لجانب على آخر، لأنه يلحّ على أن تأكيد الذات والاعتراف بها من أهم مصادر هوية الفرد، مثلما يؤكد

أن هذه الهوية هي في النهاية لا تنمو وتحقق وجودها إلا في كنف الجماعة. وعندما تدرك الذات أن المجتمع جزء من مسؤولياتها تستطيع عندها أن تقدر التنوع الثقافي والديني الموجود فيه، من حيث إنه تنوع يغني الذات، لأنه يغني المجتمع.

خاتمة

يمكن القول في النهاية: إن مشكلة الهوية اليوم ناتجة، عند تايلر، مما يسميه "المتخيلات الاجتماعية" أو السرديات السائدة. متخيلات رسمت صورة عن الواقع مختلفة عن حقيقة ما حدث في التاريخ، وأنشأت تاريخًا لاثقافيًّا للحداثة، أدى بدوره إلى التركيز على الماديات والعلم والاقتصاد والحرية

الفردية، وإبعاد الإنسان عن الروحانيات والثقافة والأديان والحميمية الاجتماعية. وبسبب هذه الأخطاء أخذ الإنسان الحديث يعيش حالة اغتراب عن ذاته ومجتمعه ودينه. أما أول تلك الأخطاء فهو ذلك التقليد الفلسفي الذي عزل بين الجانب النفسي للحياة والجانب الفيزيائي، أو بين الفكر والطبيعة، وجعل من السيطرة على الطبيعة وتأمين أكبر قدر ممكن من المنافع المادية هدف الحياة النهائي. فالإنسان، في تقدير تايلر، يجب ألّ يركز فقط على الماديات التي "تحفظ حياته"، وإلا عاش عيشة أشبه بعيشة العبيد والحيوانات. الحياة الحقيقية هي حياة العائلة والمجتمع والأهداف الأخلاقية الكبرى، الحياة مع الآخرين الذين "لا نستطيع بناء هوية حقيقية بدونهم". صحيح أن الوجود الإنساني لا يجد معناه إلا في تأكيد الذات واستقلاليتها، إلا أن الحياة العادية مع الآخرين هي التي تعطي حياتنا "الأصالة"، الأصالة التي تعني العيش بحميمية مع الآخرين وفقًا لقيم الحداثة. ويبدو أن تايلر يسعى لإجراء تعديل على نظريات العقد الاجتماعي التي تفسر بدورها نشأة الدولة الحديثة بعقد اجتماعي افتراضي بين الدولة والأفراد، بحيث يتساوى جميع الأفراد أمام الدولة. يقوم

(7((جان فرانسوا دورتي، فلسفات عصرنا، ترجمة إبراهيم صحراوي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2009)، ص.187 ((7(المرجع نفسه، ص 189.

تعديل تايلر على مد المساواة لتكون مساواة بين الجماعات الثقافية والدينية أمام الدولة. وبهذا المعنى لا تكون الدولة حيادية، بالمعنى السلبي، أمام الجماعات الثقافية المكونة للمجتمع، بل فاعلة وفاعليتها تكمن في منح حق الاعتراف للجماعات، وضمان حق وجودها في الفضاء العام أيضًا. وعلى ذلك، يكون تايلر، وهو المعجب بهيغل، ومؤلف كتاب مشهور عنه، قد أمسك العصا من الوسط، وخرج جزئيًا على تراث هيغل الذي يعطي الجماعة الأولوية المطلقة، مثلما لم يدر ظهره على نحو كامل

لنيتشه ونزعته الفردية الناقدة لأخلاق الدينية، على الرغم من قوله إن نيتشه كان واهمًا عندما تحدّث

عن "موت الإله". بحيث انتهى تايلر إلى مذهب ليبرالي يعطي ما للفرد للفرد وما للجماعة للجماعة، وهو توازن يعتقد أنه من الضروري المحافظة عليه للخروج من أزمات الحداثة، بل إن تلك الأزمات هي ببساطة شديدة ظهرت عندما اختل ذلك التوازن وتغولت الفردية على المجتمع. حتى إن تايلر يرى أن الهوية تتمظهر عبر السرد، سرد الذات لنفسها أمام نفسها وأمام المجتمع. ولذلك، فإن مشروع تايلر هو في الواقع مجموعة من التصحيحات لأخطاء ناتجة من تخيلات مفكري الحداثة عنها؛ الأمر الذي استوجب، من وجهة نظره، طرح تخيلات أو سرديات أخرى يعتقد أنها أقرب إلى الواقع. طبعًا، من دون أن ينسى تأسيس تلك العلاقة المتوازنة بين الفردانية والجماعاتية على مفهوم ثقافي للحداثة، يقطع مع التيارات العلمية والاقتصادية التي أسست لسيطرة العقل الأداتي. فأزمة الحداثة إجمالً، والهوية من ورائها، تكمن في إهمال ذلك المجال الثقافي، من حيث إنه إهمال مسؤول عن كثير من أزماتنا الحالية، وما الصراعات الدينية والمذهبية، والمشاكل الثقافية للمهاجرين والأقليات، وسيطرة الحياة النفعية سوى غيض من فيض. كما تعود أهمية مشروع تايلر إلى أنه لا يتأمل فقط في الحداثة والعلمانية الغربيتين، وإنما يجول بفكره بين الهند والصين والعالم الإسلامي أيضًا، ليجد أن العلمانية هدفت، تاريخيًا، إلى حياد

الدولة تجاه الدين، أكثر مما هدفت إلى فصل الدين عن الدولة، أو عزل الدين عن "المجال العام"، ولا سيما في أميركا والهند. ومن هنا تكمن أهمية التحليلات التي يقدمها من حيث هي تحليلات تصلح للتفكير حتى في العوالم الشرقية والإسلامية، في التفكير في العلمانية الأنسب للعالم الإسلامي، انطلاقًا من خصوصيات كل ثقافة، وفي التفكير في الهوية من حيث هي عامل تفاعل إيجابي "تعترف" بالآخر بوصفه شريكًا، بعيدًا عن التهميش أو حتى الاستعداء، كما هو حال المفهوم التقليدي للهوية. حتى إنه يمكن القول إن مشروع تايلر يقوم على إعادة الاعتبار للجانب الديني بوصفه جزءًا مملوكًا

للإنسان نفسه وليس لأحد حق التدخل فيه، وإن متخيلات الحداثة الغربية عن دور الدين هي التي شوهت علاقة الإنسان بدينه، وما نسبة 90 في المئة من الأميركيين مؤمنون سوى شاهد على أن

(8((الزواوي بغورة، "الهوية وسياسة الاعتراف: شارل تايلور نموذجًا"، المواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ،

العدد 9 (كانون الأول/ ديسمبر 2014)، ص.196 ((8(غوفان، ص 46.

السردية التقليدية للعلمانية لم تستوعب الجانب الديني للإنسان الحديث. ولذلك يجهد تايلر في التأسيس لنوعين من العلاقة بين الإنسان والدين؛ النوع الأول يقوم على جعل الدين جزءًا من تفكير

الإنسان في نفسه، وتحقيق ما يسميه الامتلاء الروحي، والثانية علاقة المرء مع أبناء الديانات والعقائد الأخرى من حيث إنها علاقة تقوم على توسيع مفهوم الإيمان بحيث يستوعب كل الأديان، وكل أنواع الإيمان بالإنسانية عمومًا. وهنا ينجح تايلر في توسيع مفهوم للإيمان يربط بين البشر وإنسانيتهم بغض النظر عن مضمون عقيدتهم، بحيث ينتهي إلى مفهوم للإنسانية لا يقوم على تعايش أنماط متعددة من الإيمان، فحسب، بل تعايش تلك الأنماط حتى مع عدم الإيمان أيضًا. وفي النهاية يوجه تايلر نصيحة لمن يريد أن يكوِّن هوية ما بأن عليه أن يضع في حسبانه أنه مهما كانت الأفكار التي سيعيش البشر الحياة من خلالها، فإن هناك ثمنًا ما سيدفع، لأن كل شيء هو في النهاية على حساب شيء آخر. فمن يعتقد أنه سيحصل على الخير كله دون أن يكون ذلك على حساب خيرات أخرى فهو واهم وأعمى بصيرة.

References

المراجع

العربية

بغورة، الزواوي. "الهوية وسياسة الاعتراف: شارل تايلور نموذجًا". المواقف للبحوث والدراسات في

المجتمع والتاريخ. العدد  9 (كانون الأول/ ديسمبر.)2014 تايلر، تشارلز. منابع الذات: تكوين الهوية الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 _________. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2015 تايلر، تشارلز [وآخرون]. قوة الدين في المجال العام. ترجمة فلاح رحيم. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع؛ مركز دراسات فلسفة الدين،.2013 توسيغ، سلفي (إشراف). شارل تايلر: الدين والعلمانية. ترجمة محمد أحمد صبح. دمشق: دار نينوى،

دورتي، جان فرانسوا. فلسفات عصرنا. ترجمة إبراهيم صحراوي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2009 راتانسي، علي. التعددية الثقافية. ترجمة لبنى عماد تركي. مراجعة هاني فتحي سليمان. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2013

(8((فتحي المسكيني، "'الزمن العلماني' وعودة الدين: نموذج تشارلز تايلور"، التفاهم، العدد  14 (2013)، ص.106

غوفان، فرنسوا. "حوار مع الفيلسوف تشارلز تايلر". ترجمة عبد الستار الجامعي. مدارات. العدد 31

المسكيني، فتحي. "'الزمن العلماني' وعودة الدين: نموذج تشارلز تايلور". التفاهم. العدد.)2013(41 مطر، سايد. مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية: مدخل إلى دراسة أعمال تشارلز تايلر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2015

الأجنبية

Taylor, Charles. Modernity and the Rise of the Public Sphere: The Tanner Lectures on Human Values. Stanford: Stanford University, 1992. ________. The Ethics of Authenticity. London: Harvard University Press, 2003. ________. A Secular Age. Cambridge, MA/ London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007.