العودة إلى تفاصيل المؤلَّف أمارتيا سن والهوية

أمارتيا سن والهوية

Amartya Sen and Identity

سري نسيبة *

Sari Nusseibeh *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة منظور أمارتيا سن الأساسي القائل بأن الأشخاص يجب أن يتحكموا في هويّاتهم بدلًا من تركها تتحكم فيهم. هذا يفترض الحاجة إلى تبديد الوهم القائل بأن الهويّات معطاة، ولا يمكن أن تتمازج أو يتكامل بعضها مع بعض. إن تبديد هذا الوهم يبدد بدوره ما قد يُنظر إليه على أنه صدام حتمي بين الهويات/ الحضارات، وما ينتج من ذلك من اندلاع للعنف. تناقش الدراسة عددًا من أفكار سن التي تتعلق بالعلاقة بين الهوية والعنف، وخطر الهويات المغلقة، ودور كل من الهوية الشخصية والهوية العامة في حياة الأفراد والمجتمعات. كما يناقش البحث سؤال: هل العنف يولد العنصرية أم أنّ العنصرية تولّد العنف؟

Abstract

Abstract: This article addresses Amartya Sen’s argument that people should control their identities rather than let identities control them. This assumes the need to dispel the illusion that identities are given and cannot blend or integrate with each other. Dispelling this illusion, in turn, dispels what may be seen as an inevitable clash of identities/civilizations, and the resulting outbreak of violence. The research discusses a number of contemporary ideas related to the relationship between identity and violence, the risk of closed identities, and the role of both personal and public identity in the lives of individuals and communities. The research also discusses the question of whether violence breeds racism or whether racism breeds violence.

الكلمات المفتاحية:
  • الهوية
  • العنف
  • العنصرية
  • الأقليات
  • الحضارات
  • الشخص
  • العقل
  • الإرادة
Keywords:
  • Identity
  • Violence
  • Racism
  • Minorities
  • Civilizations
  • Person
  • Rationality
  • Will

يتحكموا في هويّاتهم بدلً من تركها تتحكم فيهم. هذا يفترض الحاجة إلى تبديد الوهم القائل

بأن الهويّات معطاة، ولا يمكن أن تتمازج أو يتكامل بعضها مع بعض. إن تبديد هذا الوهم

يبدد بدوره ما قد يُنظر إليه على أنه صدام حتمي بين الهويات/ الحضارات، وما ينتج من

ذلك من اندلاع للعنف. تناقش الدراسة عددًا من أفكار سن التي تتعلق بالعلاقة بين الهوية

والعنف، وخطر الهويات المغلقة، ودور كل من الهوية الشخصية والهوية العامة في حياة الأفراد والمجتمعات. كما يناقش البحث سؤال: هل العنف يولد العنصرية أم أنّ العنصرية

تولّد العنف؟

مقدمة

تحمل كلمة "هوية" في طياتها عدة معانٍ استُعملت عبر التاريخ، قد نختصرها لحاجة هذا البحث إلى التمييز بين معنيين أساسيين يمكن تسميتهما "العلمي" و"المفهومي". الأول هو المعنى العام الذي استعمله الفلاسفة/ العلماء القدماء لتمحيص الموجودات وتصنيفها والإجابة عن السؤال: "ما ذلك الشيء؟"، وأما الثاني فقد يكون بدء استعماله جاء مع الفيلسوف جون لوك John Locke (1704–1632) الذي تناول السؤال الآخر: "ما الذي يشترطه الشيء في الأبعاد المكانية/ الزمانية ليبقى (أو لكي نستطيع أن نفترضه أنه هو) نفسه؟". للتوضيح، قد تكون الإجابة عن السؤال الأول تتكون من ماهية الشيء وأعراضه التي تُجمل لنا هويته، بينما تكون الإجابة عن الثاني تتعلق بثبات تلك الهوية واستمرارها، وقد تتضمن سيرة الشيء المكانية/ الزمانية إضافة إلى ذاكرته (كما طرح لوك). وفي الحالتين هناك افتراض (ضمني أو مصرّح به) بوجود شيء من جهة (إنيّته)، وهوية له من جهة أخرى، أي إن هذين الشيئين مختلفان وموضوعيان. ولم يقتصر اهتمام الفلاسفة/ العلماء القدماء على الموجودات المحسوسة، بل افترض بعضهم أيضًا أنه في الإمكان النظر في المفاهيم أو المعقولات العامة (كالعدالة مثلً) وتعريف ماهياتها، لأن هذه المعقولات بطبيعتها الافتراضية ثابتة ولا تتغير في الزمان/ المكان، فلا تنطبق عليها أسئلة لوك. فهي هي كيفما ومتى نظرت إليها. وفي نظر هؤلاء، ماهياتها ثابتة وموضوعية كماهيات الموجودات المحسوسة التي جرى تمحيصها وتصنيفها. تطور الاهتمام في القرنين الأخيرين بموضوع الهوية في أكثر من جانب؛ أولً، بدأ الحديث في الفكر السياسي عن هويات القوميات والحضارات المختلفة – سواء كانت وضعية أم موضوعية – ووصل الحد في بعضه إلى تحديدها باعتبارها موجودات عامة بهوياتها المختلفة وبحقوقها الجماعية، على غرار حقوق الأفراد. ثانيًا، بدأ الحديث في علم النفس عن ضرورة الفصل بين الهوية وحاملها، فقد

تكون له أكثر من هوية في نفس الوقت، وقد تتغير هويته من وقت إلى آخر، والقضية، إذًا، أشد تعقيدًا وتركيبًا من النظرة التقليدية لها. ثم جاء الفلاسفة ليثيروا أسئلتهم المنطقية والأخلاقية، أما الأولى فتتعلق بكيفية تعيين الموجودات (أي حملة الهويات المفترضة) بدءًا، أي إذا ما كانت الأشياء وهوياتها خاضعة لأحكامنا وليست موضوعية؛ وأما الثانية فتتعلق بهويتي وارتباطها بمعتقداتي وأفعالي والمسؤولية الأخلاقية عن الأخيرة.

(1) John Locke, An Essay Concerning Human Understanding , vol. 2 (New York: Dover Publications; Unabridged edition, 1959), p. 439.

يتناول لوك هنا مسألتين: أول، كيف ندرك أن الشيء (أيًّا كان) هو نفسه (في زمانين ومكانين)؟ نلجأ إلى مبادئ أولية (ينفرد كل شيء

بسيرة زمانية/ مكانية لا يمكن غيره أن يشاركه فيها) تتعلق بكونه نفس الجسم. لكن السؤال الآخر هو: كيف يدرك الشخص أنه نفسه؟ في هذه الحال نلجأ إلى الوعي، وأساس هذا الذاكرة. يستخلص لوك من هذا أننا لو افترضنا وضع وعي "شيء ما" في جسم آخر

فلن يكون الأول هو ذاك الشخص، بل يكون الشخص ذاته هو الثاني، ينظر: Ibid., p. 454. إذًا، يستنتج أن الجسم والذاكرة يحددان معًا استمرارية الشخص، وتتحدد هويته بالاستمرار في كونه ذات الشخص.

يتعلق موضوع البحث بقضايا تشتبك فيها معظم تلك الأفكار المذكورة والأسئلة حولها، ومن أهم هذه تعيين الشيء (فردًا أو مجموعةً أو دينًا أو عرقًا، أو غير ذلك)، ثم التمييز بينه وبين هويته (شخصية/ فردية أم عامة)، ومن ثم بين هوية الفرد الشخصية والعامة وتبيين العلاقة بينهما. والمطروح في الخلفية لهذه الأفكار نظريتان؛ تعتبر الأولى أن الفرد هو الذي يجب أن يُعتبر وحدة سياسية أساسية في أي نظام

ديمقراطي، وأن يَتصرَّف – ويُتَصرَّف معه – بناء على ذلك، بينما تقول الثانية إنه لا معنى للفرد بمعزل

عن موروثه، وإن الوحدة السياسية الأساسية في أي نظام ديمقراطي يجب، إذًا، أن تبقى هي ذلك الموروث.

أولا: سن: الهوية والعنف

يلخص عنوان كتاب أمارتيا سن Sen Amartya الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي Identity

and violence are an illusion of inevitable destiny (2007) فكرته الأساسية، والتي مفادها أن

مفهومًا منغلقًا للهوية (تلك للفرد، وأيضًا تلك التي تُنسب إلى حضارة أو دين أو عِرق... إلخ) يعزز

مشاعر البغضاء والعداء بين البشر ويسهّل الانقياد إلى استعمال العنف بينهم، فضلً عن دفع بعض المفكرين أيضًا للخلوص إلى نتائج خاطئة وخطرة، كتلك التي انتهى إليها صمويل فيليبس هنتنغتون Huntington Phillips Samuel في كتابه صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي The Clash

) الذي يفترض فيه حتمية الصراع 1996(of Civilizations and the Remaking of World Order

بين هويات حضارية/ ثقافية، متضاربة فيها الواحدة مع الأخرى، كالإسلام والغرب المسيحي، مثلً، ولا مجال لدمجها معًا في هوية حضارية عالمية واحدة، ولا مجال للتعايش السلمي والإيجابي بينها، إلا إذا جرى الحفاظ على السلام بينها بنظام دولي يفصل بعضها عن بعض. والمقصود بالهويات هنا تقاليد المجتمع ومعتقداته، والقيم والفضائل التي يعلي من شأنها، ونظامه السياسي وإنتاجاته الفنية والفكرية والعلمية، وغيرها. عندما يتكلم سن عن الهوية الشخصية فهو يشير إلى ناحيتين؛ الأولى هي مفهومها ذاتيًا، أي كما يراها

أو يشعر بها الشخص نفسه، والثانية هي كما يراه من خلالها الآخرون. أيضًا، وبالرغم من أن سن لا يتوسع في التنظير حول هذا الموضوع، فإن كلامه عن الحضارات وهوياتها العامة (كهوية الإسلام مثلً) يدل على أنه يميز كذلك بين الذوات العامة أنفسها (الإسلام) وهوياتها، فهناك الذات المجردة، ثم هناك صفاتها المتعددة التي تجسد هويتها، وهذه الأخيرة هي العدسات التي ينظر المسلم وغير المسلم لها أو التي يرى الإسلام من خلالها. وكثيرًا ما نرى الشخص من خلال العدسة التي نرى فيها

هويته العامة (مثلً، كونه إرهابيًا لكونه مسلمًا). يبيّن سن أولًالخطأ في هذا المفهوم المنغلق لهوية الشيء. أما بالنسبة إلى الهوية العامة (كالحضارتين

الإسلامية والغربية) فمن خلال أمثلة تُظهر تشابك هذين الحضارتين تاريخيًا (كانتقال العلوم من حضارة

(((صامويل هنتنجتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، تقديم صلاح قنصوه، ط 2 (القاهرة: سطور، 1999)، ص.38–37

إلى أخرى)، ثم من خلال الإشارة إلى الأوجه المتعددة لكل منهما، فما نطلق عليه اسم "الإسلام" مثل ليس نمطًا واحدًا من السلوك أو المذاهب بل تَمثّل ويتمثل بأوجه عديدة، تشمل "الإسلام المتطرف"، ولكنها تشمل أيضًا كافة أوجهه الأخرى. فالافتراض أن هوية الإسلام منغلقة على ذاتها أو أنها أحادية هو افتراض خاطئ. وأما بالنسبة إلى هوية الفرد الشخصية فيشير سن أيضًا إلى الأوجه المتعددة لهذه، فالإنسان الفرد لا يتصف بصفة واحدة فقط وإنما بمجموعة متنوعة من الصفات يتشارك فيها مع مجموعات متنوعة من الأفراد، فقد يكون هنديًا ولكنه مسلم أو هندوسي، وهو بنغالي ولكنه يحمل

الجنسية البريطانية، وغير ذلك. فمن الخطأ، إذًا، اعتبار الهويات، شخصية كانت أم عامة، أنها في حقيقتها أحادية أو منغلقة. ويبيّن سن أيضًا خطورة هذا المفهوم، وذلك من خلال استحضاره أمثلة لأحداث عنصرية دموية عبر

التاريخ جرى فيها تجييش مفهوم "الهوية الأحادية" الخاطئة لاستثارة الحقد والكراهية ضد "الآخر" وارتكاب أعمال العنف بل والمجازر ضده. يعتقد سن أن إزالة الوهم بأحادية و"قدر" الهويات، وبأن بعضها أضداد بالطبع للبعض الآخر، من شأنه إزالة الأرضية التي يعتمدها المتطرفون لتأجيج مشاعر الحقد والكراهية بين الشعوب، واستبدال تلك بأرضية جديدة تشجع على انتشار روح التعايش السلمي والتعاون بينهم. وهو من هذا الباب، وإن كان يتفهم مشاعر الشعوب المضطهدة تجاه الدول التي استعمرتها وتستمر في استغلال مواردها، يتفهم أيضًا بواعث الناشطين في حركة مناهضة العولمة الذين يدعون إلى فصم تلك الشبكات التجارية التي يجري توظيفها أدوات اقتصادية للاستمرار في هذا الاستغلال، كما يدرك أن استفراد الدول (وخاصة الاستعمارية سابقًا) الغنية في الغرب بالتصرف بما يتكدس لديها من ثروات واكتشافات طبية وعلمية، بلا اعتبار لاحتياجات شعوب الدول الفقيرة، يعزز مشاعر العداء، لكنه يعتقد أن الحل ليس في مناهضة العولمة، بل في إجراءات اقتصادية (داخلية وخارجية) يمكن من خلالها تعديل الموازين التجارية وتوفير نظام دولي أكثر عدالة، من شأنه تخفيف التوتر أو إزالته بين المجتمعات الغنية والفقيرة. هو، إذًا، لا يتجاهل الأسباب الاقتصادية التي قد تعزز مشاعر العداء بين حضارات الدول الفقيرة والغنية. من المهم إدراك أن سن لا يطرح مقولته نظرية بديلة لتفسير الحروب والصراعات بين الدول أو الجماعات أو الأفراد، وإنما باعتبارها عرضًا لأرضية النفسية البشرية التي تسمح لتأجيج المشاعر الشعبوية/ العنصرية المساندة في تفعيل تلك الصراعات بين الغرب والإسلام، كتلك التي شهدتها رواندا بين قبائل الهوتو والتوتسي، أو التي في الهند بين الهندوس والمسلمين، أو تفجير مبنيَي التجارة

الدولية في نيويورك، وغيرها. وما يشغل بال سن هو الاستسلام للرأي القائل بأحادية الهوية (الشخصية والعامة) وجمودها (مثلً: أحادية الإسلام وجموده وتضاده مع الديانات أو الحضارات الأخرى). ففي نظره، إن قبول هذا الرأي يعني الاستسلام لمسارات سياسية صدامية، وسلب الفرد (مسلمًا كان أو غير

ذلك) حريته في اتخاذ قراراته ومواقفه حسبما يقرر ذلك عقلانيًا على النحو الذي يرتئيه مناسبًا له. يبقى السؤال الأساس، وهو المحك في نظريته، وهو: كيف يُزال ذلك الوهم (أي وهم أحادية الهويات

وحتميتها)، والتغلب على ما يؤسس للكراهية والعنف؟ وهل يذهب سن بعيدًا في المدخل الذي

يقترحه؟ مما سبق يبدو أن سن يضع شرطين لذلك؛ الأول هو إدراك أن لتلك الهويات أوجهًا متعددة، إن كان الحديث عن الهوية الشخصية (هويتي أنا أو هوية غيري الشخصية) أو العامة (سواء أكانت تلك التي أنتمي إليها أو تلك الأخرى التي قد تبدو عدوّة لي). فليست واحدةٌ منها جامدة أو أحادية. يهيّئ

هذا الإدراك تنفيذ الشرط الثاني (والذي ينطبق على الفرد أساسًا)، وهو أن يتملك الإرادة العقلانية التي

تمكنه من التمييز والمفاضلة، فيتخذ قراراته ويحدد مواقفه الشخصية بحرية سيّدًا لنفسه؛ ما يجعله قادرًا

على إخضاع انتمائه إلى هويته العامة لإرادته الشخصية، بدلً من أن يكون تابعًا آليًا لتلك الهوية العامة.

ثم تمكنه من رؤية هوية الآخر الخاصة أو العامة الماثلة أمامه بأكثر من الوجه "البغيض" والعدائي الذي قد تبدو فيه. فهو، من جهة، لا يدع نفسه تنجرف في تيار وجه من أوجه موروثه الثقافي أو الديني أو العرقي يدفع به بلا وعيٍ لاتخاذ مواقف عدائية من الآخر، ومن جهة أخرى لا يتوقف عند تصور هوية ذلك الآخر كما تمثَّل هذه أحاديًا له، بل يتحرّى رؤية أوجهها الأخرى التي قد تكون أكثر موضوعية

وتقبّلً لديه. يتطلب هذا الحل الذي يُفترَض فيه أن يكون الفرد سيّدًا لنفسه وقادرًا على تحديد مواقفه، وضعًا غير

ذلك الذي تكون قد وقعت فيه الواقعة وأشعلت العنصرية نيران العنف، كما في الأحداث التي كانت بين قبائل الهوتو والتوتسي في أفريقيا، أو بين الهندوس والمسلمين في القارة الهندية، وغير ذلك. فما يطرحه سن أخذًا في الاعتبار هذه العلاقة السلبية بين العنصرية والعنف، هو إيجاد السياسة أو الوسيلة التي تجنّب المجتمع بلوغَ هذا المنحدر أصلً، ولأنه يعتقد أن المشكل يكمن في اعتقاد أحادية الهوية وحتميتها، وفي أن يقود هذا الاعتقاد إلى تضخم هوية الموروث من معتقد أو ثقافة أو ما شابه، وسيطرتها على هوية الفرد على نحوٍ يصبح الفرد عنده تابعًا آليًا لتلك الهوية العامة وأداة لها،

فهو يشير إلى ضرورة انعتاق الفرد من تبعيته هذه ليغدو سيد نفسه، وقادرًا على تحديد مواقفه بنفسه. لكن هذا الحل الذي يقترحه سن لتجنب مآل العنصرية يتطلب أصلً وجود بيئة سياسية وثقافية ودرجة من النضج والوعي في المجتمع، يسمح للفرد بالتفكر بروية وحرية وتعقل، وبتحديد مواقفه من موروثه بوصفه صاحب قرار وليس تابعًا آليًا. يدفع هذا الأمر سن، إذًا، في كتابه المذكور (وفي بعض ردوده لاحقًا على نقاده) إلى التركيز على حالة خاصة، هي الوضع القائم اليوم في بريطانيا، إذ يهدد هذا الوضع، كما يرى، تفاقم العنصرية فيها، في ظل تزايد عدد المهاجرين بتنوع ثقافاتهم وأديانهم وأعراقهم، وظهور بعض حالات التمزق في النسيج المجتمعي، وقلق المسؤولين والمعنيين حول أفضل السبل ديمقراطيًا لاستيعاب التعددية

الثقافية/ العرقية/ الدينية التي يأتون بها. فدعوته في هذا السياق لعدم تشجيع نموّ هذه الثقافات

المتعددة، ولعدم تمويل مؤسساتها الخاصة (ثقافية ودينية وغيرهما)، وكذلك دعوته الجيل الناشئ في

(((قد يكون مهمًّا في هذا السياق التنبه إلى التمييز بين الحالات المختلفة التي يشير إليها سن، وعلى نحو خاص تُعزى

العنصرية بين قبائل الهوتو والتوتسي مثلً، والتي أدت إلى المذابح، أساسًا، إلى عنصرية المستعمرين التي أتوا بها من أوروبا،

وخاصة التي ضد اليهود، وكان السباقون في هذا الاستعمار هم الألمان، ثم تبعهم البلجيكيون والفرنسيون: فما بدأ مجرد تصنيف بسيط بين "الفلاحين" و"الرعاة" (من يملك أكثر أو أقل من عشر بقرات)، جرى تطويره في المنظور الأوروبي تدريجيًا ثم إسقاطه

سياسيًا على القبائل، ليصبح تمييزًا نوعيًا بين فصيلين من البشر؛ سادة القوم والأجانب الطفيليين.

تلك الأقليات إلى أن يختار مسار حياته على نحو حر، ومن دون فرض هوية موروثه الثقافي عليه؛ كل ذلك يعكس نظرته لما يبدو لديه نهجًا منطقيًا لتفادي ولتقليص الاحتكاكات العنصرية المحتملة في

نظام ديمقراطي يحترم الفرد، ولتوفير التعددية الحضارية المنشودة في مثل تلك المجتمعات. ولكن إن كانت هذه النظرة الخاصة للوضع في بريطانيا تبدو محدودة، فإنها تفتح بابًا واسعًا على حوار

سياسي/ فلسفي أوسع، بخصوص رأيه في معنى الهويات العامة ومكانتها في المجتمع وفي حياة الفرد، وفي رأيه في أفضل الوسائل للتعامل مع تعددية الثقافات/ الحضارات في المجتمع، أيّ مجتمع

كان. فهل يمكن اعتبار "الحل" الذي يقترحه سن واقعيًا في العالم الأوسع؟ سأتناول في ما يلي جانبين من أفكار سن، جانب عملي وجانب نظري. يتعلق الجانب العملي (في القسمين الثاني والثالث) بعدم "توازن الهويات"، وفي هذا السياق الشخصية والعامة؛ فالراجح أن الثانية أكثر ثباتًا وجمودًا من الأولى، وتنمو الأولى في وعائها، وإن تخضع للتغيير فهي لا تخضع له من ذاتها، وإنما من ذوات الأفراد الذين ينمون في أحضانها؛ ما يلقي عبء، بل مسؤولية، التنصل من التعصب العدائي والتصادم المحتمل بين الهويات العامة وضبط أفعالها، على الهوية الشخصية، وذلك من خلال اختيار ناضج ومتعقّل يقوم فيه الفرد بتغليب وجه من وجوه هويته الشخصية على وجه أو وجوه أخرى. لكن هذا التوجه يفتح بابًا على مسألة ثانية قد تثار بخصوص أفكار سن: فهو وإن كان معنيًا بالدرجة

الأولى في كتاباته في هذا الشأن بتحديد أفضل السبل للتعايش بين الهويات الثقافية والعرقية والدينية المختلفة في ظل الأنظمة الديمقراطية القائمة، كما الحال في بريطانيا ودول أوروبية أخرى، فكأنه في توجهه ذلك ينتقص من قيمة هذه الهويات للفرد أولً وقدرتها ثانيًا على التعايش السلمي، بعضها مع

بعض، من دون حاجة إلى عتق الفرد من تبعيته لها. وبصورة أعم، تثير أفكاره في هذا السياق مسألة الحقوق الجماعية للدول أو لحركات الشعوب الانفصالية والتحررية، ونحو ذلك، وما نشهد واقعيًا من

تعايش سلمي أو تصادم بين "هويات عامة"، وعلاقة حقوق كل تلك بمكانة الأفراد الذين يعيشون فيها. أما الجانب النظري (في القسم الرابع والأخير) فيتعلق بمفهوم الهويات عمومًا. وهنا سأتناول قوله إن

الفرد ليس محكومًا بهوية أحادية موروثة، وإنما يتحلى بهوية متعددة الصفات أو الأوجه، ما يجعله

قادرًا على التحكم في هذه الأوجه وإعطاء الأولوية لأحدها دون الآخر إن رغب في ذلك. وما يقصده

بالهوية هنا هو تلك الصفات التي يتصف بها الفرد، ويصفه بها الآخرون، كالقول إنه هندي ومسلم ومحامٍ وشاعر... إلخ؛ الأمر الذي يسمح له، إن أراد، بأن يغلّب في ظرف ما مثلً هويته البنغالية على هويته الدينية، ويرفض، في الحصيلة، إملاءات الأخيرة على تصرفاته أو قراراته. يثير هذا الرأي إشكال معنى الهوية: أهي هي فعلً مجموع تلك الصفات، أم هي شيء واحد وراء ذلك؟ وهل يستطيع الفرد فعلً أن يختار من بينها كيفما يشاء، في الظرف الذي يستدعي ذلك، أم أن بعضها أشد التصاقًا بالذات من غيرها؟ وهل الكلام عن التحكم في أوزانها أو عن القدرة على استبدالها؟ لا يتعمق سن في بحث هذه الأمور، لكنه يؤكد، ردًا على بعض الانتقادات، أن الفرد أساسًا هو "ذات واحدة"، تقف وراء كل

تلك الصفات التي يتحلى بها، ويبقى هو نفسَه، وإن اختار ما يشاء أن يكون من بينها. فيبدو، إذًا، كأنه

يميّز بين معنيَين للهوية، معنى داخلي (الذات)، ومعنى خارجي (الصفات)، ويختصر الإشارة إلى

المعنى الداخلي بالقول إن جلّ هذا المعنى هو أن الفرد هو نفسه (مثلً في زمنين متعاقبين). يشير بعض نقاده إلى ما يبدو تبسيطًا أو تسطيحًا لمعنى الهوية، وإلى تجاهله في تحديدها لنظرة الآخرين وتحديدهم لها. ويثير هذا الموقف أيضًا ذات السؤال حول "الذات الجماعية": فهل توجد ذات هكذا على المستوى المجرد؟ وهل يعتقد أنها "تبقى نفسَها" حتى لو تغيّرت صفاتها (كالفرد)؟ وهل هويتها

مستقلة عن نظرة الآخرين أو تحديدهم لها؟ ربما تُتفهَّم وجهة نظر سن، برغم الانتقادات الموجهة إليها؛ فالتعصب الذي ما يلبث أن يتجسد في القتل والتنكيل والمجازر، مأ ويمأ المشهدين الاجتماعي والسياسي، ماضيًا وحاضرًا، والبحث عن

مسبباته ونزعها من البشرية أمر لا يختلف عليه اثنان. ولكن قد يكون اللجوء إلى الهوية لإيجاد مخرج من هذا الشرّ، بالرغم من كون هذه عنصرًا مهمًّا وعرَضًا ملازمًا لحالات العداء والتصادم العنفي، يُحيد الاهتمام بالعلل وراء الأعراض، وعلى رأسها إعطاء كل ذي حق حقه، فرادى وجماعات، وإزالة القهر عن الشعوب والأفراد.

ثانيًا: بين الفرد والجماعة

من المهم إدراك أن سن لا يطرح في كتاباته عمومًا بدائل جوهرية للواقع القائم، وإنما يسعى لتحسين ذلك الوضع وتجنيبه الوقوع في الأخطاء أو ارتكاب المزيد من الإضرار بحقوق المواطن. فهو مثلً يعتز اليوم بالقومية "البنغالية" والتي يقول إنها أصبحت تعددية ومتصالحة الأطراف، لكن المجازر التي أودت بحياة ثلاثة ملايين مسلم في عام 1942 على أيدي الهندوس، عندما لم تكن بنغلاديش كيانًا

(4) Amartya Sen, "Justice and Identity," Economics and Philosophy , vol. 30, no. 1: 'Themes from the Work of Amartya Sen: Identity, Rationality, and Justice' (March 2014), pp. 1–10.

يتناول سن هنا النظرة التي يعتبرها "مثالية" (كالعدالة العالمية)، ليقول ما يقوله أيضًا في كتاباته الأخرى بأن هذه تحيد النظر عن الواقع الذي نتعامل معه، والذي يحتاج إلى التحسين والاهتمام. يقرّ بأهمية مكانة الجماعة (الدين، المشاعر القومية... إلخ) ودورها

الإيجابي، ولكنه يبقى متخوفًا من "تسييد" هذه الهويات العامة على الفرد، ومن السطوة السلبية عليه وعلى عقله وحريته. لا يعتقد أن العدالة تتأتى عن طريق نظريات العقد الاجتماعي الكلاسيكية (تحالف الجماعة على مصلحة مشتركة)، بل تتأتى عن طريق الاهتمام بالفرد، أوضاعه وحاجاته.

(5) Amartya Sen, Identity and Violence: The Illusion of Destiny (New York/ London: W. W. Norton & Company, 2007), pp. 15, 68, 163.

وُلد وتربّى سن في داكا (عاصمة بنغلاديش لاحقًا) في حيّ هندوسي، وكان والده أستاذ ا جامعيًّا هناك، ويُنهي كتابه المشار إليه برواية

حادث العامل المسلم الذي تم الاعتداء عليه ووجده سن ملقى خارج المنزل، ينزف دمًا، فقام والده ومعه سن بنقله إلى المستشفى

حيث توفي لاحقًا. ويستنكر سن هذا الحادث (والمجازر التي وقعت لاحقًا)، خاصة أنه في طفولته وحتى ذلك الوقت، نما في ثقافة تعددية، كان الشاعر البنغالى طاغور بالنسبة إليه وإلى آخرين يمثّلها، باعتبارها حضارة بنغالية إنسانية، تسمو على كل الاختلافات الدينية

والعرقية. ويذكر سن (لهذا الباحث) أنه في طفولته زار مع والده المدرسة التي أقامها طاغور، والتي أرادها الأخير أن تكون تجربة

تربوية رائدة. نلمس في كافة الإشارات المذكورة آنفًا بخصوص هذا الموضوع (ومنها مثلً للجالية البنغالية في بريطانيا)، أن سن ما زال فخورًا بإنجازات البنغاليين القديمة والحديثة، وبينما يذكر في أكثر من موقع في كتابه هذا قلقه من بعض الفئات الهندوسية

المتطرفة في الهند، لا يبدي قلقًا موازيًا لأوضاع في بنغلاديش (أو باكستان)، ربما بسبب الكثافة السكانية الإسلامية في الهند من

جهة، ولثقته من جهة أخرى بأن الإسلام "احتوائي" بطبعه وإن وجد فيه أيضًا جوانب قد تُفهَم أنها متطرفة.

مستقلً بعد، وكان سن يبلغ من العمر أحد عشر عامًا آنذاك، شكّلت بالنسبة إليه صورة بشعة للعنصرية يحملها معه حتى اليوم، وقادته إلى البحث عن وسائل لتجنيب المجتمع البشري مثلَها. يمكن القول إنه، كغاندي سابقًا، كان يفضّل أن تبقى القارة الهندية كيانًا سياسيًا واحدًا، وأن تتعايش الأطراف فيه

(المسلمون والهندوس والجاينس والبوذيون والسيخ) تعايشًا سلميًّا يسمح لنموّ دور الفرد فيه بوصفه

مواطنًا متساويًا مع غيره، وله الدور الأول في تقرير مصير دولته في الأروقة التشريعية. أما اليوم، ومع التطور السياسي الواقع، وتجزئة القارة إلى ما أصبح ثلاثة كيانات سياسية، منها بنغلاديش التي يفخر بها، فما يطمح إليه عمليًا قد لا يعدو التصدي لتفاقم العنصرية في الهند والتدهور في العلاقات بين

الهندوس والمسلمين، من أجل التوصل في النهاية إلى سلم اجتماعي قائم على مساواة الأفراد هناك. يمكن الاستدلال على موقفه النظري هذا أيضًا من خلال الاطلاع على كتاباته الأخرى، ومن أهمها فكرة العدالة: إنه يتعامل مع الواقع أمامه للبحث عن وسائل تحسينه، ولا يحاول طرح بدائل جوهرية عليه وإن كانت هذه تروقه أخلاقيًا. والآن لو أتينا لتطبيق نظريته الخاصة بالهوية والعنف على تلك الأماكن التي تتأجج بمشاعر العنصرية، ومنها الهند، فسنواجه معضلة إجرائية في نظريته، يمكن تلخيصها بالقول إن الهويات العامة لا تتصادم في ما بينها أصلً إلا من خلال الأفراد باعتبارهم أدوات، بينما تعتمد النظرية ضمنًا أن يكون الأفراد أنفسهم هم أدوات التأثير في تلك الهويات العامة، وذلك بعد قيام كل فرد بالتأثير في هويته الشخصية (من المسَلّم كما أعتقد أن الهوية أو الذات العامة، بوصفها موجودًا افتراضيًا مجرّدًا، ليست صاحبة إرادة وفعل كالهوية الشخصية). يمكننا تخيل إجراء ذلك التأثير (أي تأثير الهوية الشخصية في العامة) إن افترضنا زمنًا كافيًا ومناخًا سياسيًا مناسبًا له (قد يمتد عدة قرون!). لكن من غير الواقعي أن نتخيل إمكانية إحداث التأثير المطلوب في الأحداث الساخنة، والتي هي المقصد عند تفجر الأوضاع. هذه المعضلة هي التي تدفع بسن عند الانتقال من النظرية إلى التطبيق لوضع الحلول العملية لمسألة التعددية في الأماكن القابلة للتفجر، لكن بيئتها السياسية الديمقراطية تسمح بتفاديه من خلال سياسات عامة، كالحال في بريطانيا، حيث توجد فيها بسبب الهجرة أقليات إثنية آسيوية وأفريقية وغيرها، يمكن بسبب تعددية ثقافاتها وانتماءاتها الموروثة أن تهدد السلم الاجتماعي. ومن الوسائل المطروحة لضمان السلم طمأنة هذه الأقليات بمكانتها وحقوقها المتساوية في النسيج السياسي، من خلال دعمها لإقامة مؤسساتها الثقافية والدينية والتربوية المستقلة، إلى جانب المؤسسات القائمة. تعتقد الحكومة هنا أنها بتوفير هذه المساحات السياسية لأقليات، سوف تنجح في إيجاد مناخ سياسي تتوافر فيه التعددية

(6) Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2009).

يوضّح سن في هذا الكتاب نقده للنظريات السياسية المتداولة والتي تطرح تعريفات للعدالة بمعناها المطلق، فمن جهة، يجب أن

تخضع في تعريفها للحوار العقلاني المستمر في المجتمع، والذي لا يضمن إجماعًا لها؛ الأمر الذي يتطلب الاستناد إلى المنهج

الديمقراطي لتحديد أي منظور لها يمكن تنفيذه في الظرف والزمان ذوَي الصلة؛ ومن جهة أخرى يقول إن الذي يمكن بل يجب

الاهتمام به هو رفع الظلم أو الغبن أينما وُجد، كتفشّي المجاعة في مكان ما، والذي يمكن في رأيه إيجاد الوسائل العملية واتباع

السياسات المناسبة للتغلب عليها.

الحضارية جنبًا إلى جنب مع تعايش سلمي فيما بينها وفي النظام عمومًا. يرى سن أن ما تقود إليه هذه

السياسة هو تشجيعٌ وترسيخٌ لانفصالية الهويات بعضها عن بعض في النظام نفسه ("تعددية حضارات"

بدلً من "تعددية حضارية" Plural monoculturalism versus multi–culturaism)، وهذا تحديدًا

ما يعتقد أنه يجب تجنبه، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار تأثر الفرد بهويته العابرة للنظام السياسي الذي يعيش فيه، كما حصل في بريطانيا عند قيام بعض المسلمين باللجوء إلى تنظيمات إرهابية عالمية. فهو يزعم أن التعايش السلمي بين هذه الهويات والتعددية الحضارية المنشودة (في بريطانيا) يمكن تحصيلهما فقط من خلال سياسة إطلاق حرية الأفراد، ليصبح انتماؤهم الأول، بوصفهم مواطنين، هو إلى النظام السياسي بدلً من دعم المناخ الذي يدعوهم للبقاء في أوعيتهم الحضارية الموروثة. وكأنّ سن بموقفه هذا يريد نزع الموروث عن الفرد، في حين أن هذا الموروث يبقى في نظر آخرين ذا قيمة أساسية للفرد، لا يمكن نزعه وتُملي الضرورة بقاءه عنصرًا مكوِّنًا لهوية النظام. وبالرغم من أن لجوء سن لنقاش هذه الحالة الخاصة حول الأقليات في بريطانيا لتبيين وجهة نظره، قد يبدو ثانويًا وحالة خاصة، فإن التطرق إليه في سياق الكتاب المذكور له، والذي يوضح فيه فلسفته

العامة بخصوص العلاقة بين الهوية والعنف، سرعان ما استقطب اهتمام الباحثين من حقول اجتماعية وإنسانية مختلفة، وأثار مرة أخرى الجدل القائم حول مكانة ودور الفرد والجماعة في النظام السياسي أيًّا كان نوعه، كما أثار السؤال الأساس وهو: هل يمكن أصلً نزع الفرد عن وعائه الاجتماعي أو

موروثه؟ لكن من المهم التوضيح في هذا السياق أن سن لا يذهب بعيدًا للدعوة إلى ضرورة إلغاء هذا الموروث والهويات الجماعية المختلفة، جمعيات كانت أو أحزابًا سياسية أو غيرها، ولكنه يدعو

إلى أن لا تطغى تلك الهويات على الأفراد، وأن يكون الفرد حرًّا في اختيار أي منها، كما في اختيار

الوجه فيها الذي يجده مقبولً عقليًا لديه. فدعوته، إذًا، هي لعدم سطوة هذه الهويات على استقلالية

الفرد، وأن يكون للفرد الحق في الانتماء إلى هذه أو تلك، ولكنه كأنه يقول أنْ لا حقّ لهذه الهويات على حرية الفرد، سواء أكان للانتماء إليها أم بالوجه الذي يريد. قد يبدو مطلب سن معقولً، لكن من مبادئ الديمقراطية أنّ للجماعة حقًا على الفرد، فهذا معنى النظام، ثم الأهم هو التزام الفرد بالنظام الذي يختار الانتماء إليه على الوجه الذي يفرضه هذا النظام، وليس على الوجه الذي يختاره هو. فإن كان لي الحق أن أكون مسلمًا تابعًا لمذهب ما، أو عضوًا في

(((مسألة التعامل مع الأقليات تاريخية، ونظام "الملّة" في الإسلام جزء من هذا التاريخ. كذلك، يمكن اعتبار مشروع "الحكم

الذاتي" الذي طرحه مناحيم بيغن في سبعينيات القرن الماضي للفلسطينيين (بديل من السيادة) نموذجًا لهذا الحل. فيتراوح هذا

"التعامل" إذًا بين إفساح المجال للتعددية في المجتمع، واحتواء هذه المساحة تحت سيادة النظام عمومًا. (((على إثر المقالات التي نُشرت في دوريات مختلفة حول الموضوع، قامت منصة "الفلسفة، السياسة، الاقتصاد" – وهذه اتخذت اسمًا لها من برنامج مشهور لبرنامج أكاديمي بنفس الاسم في جامعة أكسفورد – بتجميع هذه الأبحاث ونشرها، وأخرى شارك فيها

سن للرد على بعض نقاده. قدّم أوراق البحث مظفر قزلباش. ينظر:

Mozaffar Qizilbash, "Identity, Community, and Justice: Locating Amartya Sen’s Work on Identity," Politics, Philosophy and Economics , vol. 8, no. 3 (2009);

ينظر أيضًا المقال لنفس الكاتب:

Mozaffar Qizilbash, "Identity, Reason and Choice," Economics & Philosophy , vol. 30, no. 1 (March 2014), pp. 11–33.

حزب ما، فلا حق لي – أو فلنقل: من غير المألوف ديمقراطيًا – أن أتصرف قولً وعملً بما أرتئيه

مقبولً لديّ ولكن يتنافى مع ما يذهب إليه هذا المذهب أو ذلك الحزب. من المقبول أن يكون لي الحق في أن أبدي رأيي المختلف داخل أروقة الحزب وأن أهجره إن أردت، لكن للحزب حقه عليّ إن

كنت أدعي انتمائي إليه. تفرض هذه المبادئ قيودًا على الحرية التي يطالب بها سن لكي يكون الفرد قادرًا على التأثير في الهوية العامة التي ينتمي إليها: فلو افترضنا، على سبيل المثال، أن زيدًا المسلمَ لا يريد أن يعتق نفسه من إسلامه، ولكنه يرفض الوجه العنصري للمسلمين السائد في مجتمعه، ويريد إبراز أوجه الإسلام الحضارية، فليس أمامه من خيار إلا أن يرفض مبدأ الديمقراطية التي تدعوه للامتثال بوصفه مسلمًا، في ذلك المجتمع العنصري. بعبارات أخرى، تصبح دعوة سن أن يعمل الحر لإزالة العنصرية في معتقد سائد، إنما هي دعوة إلى التمرد على أسس الديمقراطية، أو دعوة إلى مسار قد يقود إلى العنف! لن يعترض سن على صحة هذا الاستدلال في الحالات القصوى، لكنه يقول إن نطاق التأثر والتأثير بين الفرد ومعتقده هو امتداد متصل بين حدّين تتفاوت بينهما درجات التفاعل بين هذا وذاك، ومع أن الأطراف قابلة للانكسار، فالهامش بينهما يتسع للتأثير في المعتقد تدريجيًا وتراكميًا، وخاصة في ظل

نظام ديمقراطي تتوافر فيه حرية الرأي، ويُمكن صاحبَه إقناعُ الآخرين به من خلال الحوار العقلاني

معهم. يبقى السؤال الأوّلي الذي يطرح نفسه هنا والذي يقف وراء النقاش الأعمق لهذا الموضوع هو: إن كان انتمائي إلى هويتي العامة أصلً خاضعًا للاختيار أو لإرادتي، أي إذا ما كان الفرد أصلً "صفحة بيضاء" أو مصبوغًا بسمات منذ ولادته لا يتمكن، لو أراد، أن يعتق نفسه منها. يختلف هذا السؤال نوعيًا عن السؤال النظري أو الفلسفي فيما يحق لي أو للجماعة أو لا يحق، فهو يتعلق بما إذا كان من

الممكن أصلًالتمييز بين هويتي الشخصية والعامة، أو بما إذا كانت الشخصية قادرة على عتق نفسها من العامة. فمن نافل القول إن الإنسان ينمو في حضن موروثه على نحوٍ تنطبع فيه بصمات ذلك الموروث، وبينما يمكننا التمييز بين أوجه هذا الموروث المختلفة، وأي وجه هو الأكثر أو الأقل انغراسًا في النفس؛ فمنها ما يغلب في العادة على مواقف الفرد وقراراته. مرة أخرى، لن يعترض سن على هذا التفسير، كما لن يعترض على تأثر الفرد بموروثه، لكنه يصرّ على

أن يكون الفرد سيّدًا لنفسه ويتملكها بدلً من تركها تتملكه، وهو يأتي بالماهاتما غاندي مثالً يبيّن فيه

ما يرمي إليه في نظريته. فهذا اختار أن يعتق نفسه من الخضوع لانتماءاته الموروثة المختلفة (القومية

(((لا يثير سن هذه المسألة وإنما هي ما قد يتبادر إلى ذهن القارئ، أما الإجابة عنها فهي أن سن يضع الديمقراطية (الحوار

العقلاني واتباع النظام الديمقراطي للاتفاق على إجراء ما) في المكانة الأولى، ما يعني أن العنف مستبعد أصل من المعادلة، وأن المنطق في هذه الحالات يقتضي التوفيق بين الالتزام بالمذهب والاستمرار في محاولة التأثير فيه عقلانيًا، أو هجره.

(10) Sen, Identity and Violence , p. 30.

يثير سن وينتقد هنا النظرية القائلة إن الهوية هي ما "يكتشفها" الشخص في ذاته، ويؤكد أن الانسان قادر على "صُ نع" هويته. هو يأتي

بأمثلة لشخصيات عديدة على ذلك، لكنه يسلّط الضوء على غاندي بسبب مكانة الأخير في التاريخ.

والدين، وغيرهما)، وكذلك من انتماءاته المكتسبة (مهنته في المحاماة)، وأن يشق طريقًا جديدًا لنفسه يثبّت فيه هوية شخصية مميزة، كان لها الأثر الكبير في المجتمع كما شهدنا. وبالرغم من أن سن لا يعبّر عن ذلك صراحة، فكأنه بإتيانه بهذا المثال يميّز بين ما هو "بالطبع" وما هو "بالعادة"، وبينما يقرّ أن الهوية العامة تطغى في العادة على الشخصية، فإن ذلك لا يعني أننا، بالطبع، غير قادرين على تغليب إرادتنا على موروثنا أو على أي من أوجه هويتنا المكتسبة. يلجأ سن هنا إلى اتخاذ موقف حدّي بالنسبة إلى الهوية: يريد القول إن الفرد قادر نظريًا بحسب إرادته على التحكم كليًا في هويته وعتقها من موروثها، حتى إن لم يكن مضطرًا إلى عمل ذلك لتحقيق المنشود. ومنطقيًا، يمكن أن يكون سن على حق لو كانت إرادتنا أحادية وليست، تمامًا كالهوية، بأوجه متعددة. لكنها غالبًا ما تكون مزدوجة، أو ممتزجة، فلا "نريد" أصلً أن نفرّق بين هاتين الإرادتين! (ينظر الجزء الرابع من هذا البحث). وباختصار، لا ينفي سن الواقع الذي نشهد، كما لا يطرح نموذجًا مثاليًا بديلً لهذا الواقع يمكن تطبيقه خطوة بعد أخرى، لكنه يشير إلى طريق يمكننا الاستدلال منه أن الإنسان قادر على عتق نفسه من العنصرية التي تقود إلى العنف.

ثالثًا: سن وعالم السياسة

بالرغم من أن سن يخصص اهتمامه للعنصرية التي تقود إلى العنف، ويطرح حلًّ للتخلص من ذلك، فإنه بتركيزه على الفرد كالوحدة الأساسية التي يجب اعتمادها في النظام، يثير موضوعًا أوسع في الأدبيات ذات العلاقة، هو مدى وأحقية استقلالية ذلك الفرد في ذلك النظام. فدعنا نفترض أننا نؤسس لنظام سياسي ديمقراطي في مجتمع يتكون من مجموعة من الأديان أو القوميات. تُطرح أمامنا نظريتان، تقول الأولى إن الوحدات السياسية الأساسية في ذلك المجتمع هي تلك المجموعات، وهي التي يجب أن تتمثل في الأروقة التشريعية للبلاد، بينما تقول الثانية إن الوحدة السياسية الأساسية في أي مجتمع هو الفرد، وهو الذي يجب أن يتمثل صوته في تلك الأروقة التشريعية. ما يميز هذه النظرية من تلك أن الأولى تعترف بالمكانة السياسية الوازنة واقعيًا وأخلاقيًا لهوية عامة مصقولة بدءًا، ومن المتوقع أن هذه سوف تسعى من موقعها في التشريع للدفاع عن ذاتها وتنمية مصالحها كاستحقاق لها داخل النظام. وأما الثانية فهي تسعى للنظر فيما وراء هويات المجموعات ومصالحها إلى ما تراه مصلحة لأفراد كافة من دون تمييز؛ الأمر الذي يتطلب أن يكون صاحب الصوت في التشريع إنسانًا مرجعُه العقل وليس الانتماء إلى هذه المجموعة أو تلك. قد يكون من المسلّم به أنّ النظرية الأولى واقعية، كيفما احتسبنا المجموعات قيد النظر، كالأحزاب السياسية أو الدينية مثلً أو الأقليات، بينما تبدو الثانية مثالية، أخذًا في الاعتبار الاصطفاف الطبيعي الذي يطفو على السطح وراء هذا التوجه (أو الحزب) أو ذاك أثناء الانتخابات. يمكن إيضاح هذا الفرق بين المقاربتين كما ظهر جليًا في حوار

((1(قد نريد شيئًا واحدًا وقد نريد شيئين. وفي الحالة الأخيرة قد يكون هذان الشيئان متضادين فتكون لديّ إرادتان، أجد نفسي

أراوح بينهما.

جرى بين الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس والكندي تشارلز تايلور. سأل الأخير – وهو من أنصار المقاربة الأولى – لِم لا يكون للمسيحيين (مثلً) بوصفهم مجموعة دينية في المجتمع، تمثيلٌ في البرلمان كما لأحزاب السياسية؟ فهم شريحة لهم هويتهم الواضحة كما هي لأحزاب بل أكثر. لم يناقش هابرماس المقارنة التي طرحها تايلور بل خاطبه بمنطق آخر: إنه كيفما جرت الانتخابات (سواء أكان ذلك لمرشحي المجموعات أو لأفرادٍ مستقلين) فالمصلحة الديمقراطية تقتضي أن يكون الفرد الممثل في نهاية المطاف سيّد نفسه في أروقة التشريع، يُملي عليه العقل وحواره العقلاني مع زملائه

وفي المجتمع على نحوٍ أوسع ما يتخذه من القرارات والتصويت. فيجب أن يكون مستقلً في أروقة التشريع وليس بوقًا آليًا للفريق الذي دعمه. يختصر هذا الحوار النقاش القائم بين مدرستي "الفردانية"

Individualist و"الجماعاتية" Communitarian، وهو ليس نقاشًا وصفيًا لمجريات الواقع فحسب،

وإنما يُطرح أيضًا من هذا الجانب أو ذاك، كالوسيلة الفضلى لتحقيق مصلحة المجتمع عمومًا، إما من

منظار المساواة بين جميع الأفراد أو باعتباره توازنًا بين مصالح المجموعات الفئوية واحتياجاتها. ويقف سن إلى جانب "الفردانيين" في هذا النقاش. يجب القول إن مجريات الواقع لا تنتقص من أهمية الموقف المثالي، فما يقوله الأخير هو أن النظام الديمقراطي السليم هو الذي يعطي للعقل مرتبة أشد أهمية منها للانتماء، وذلك بسبب أن العقل آلة منطقية حيادية منفتحة على الآراء، وقادر بالتفحص والنظر على تحديد تلك القرارات والسياسات التي تفي بالغرض الشامل والشافي للمجتمع بصورة عامة، خلافًا للانتماء المنغلق بالضرورة على ذاته، ويسعى لتحقيق مصالح أعضائه. فهذا الذي يجب أن نسعى إليه وإن كان الواقع يسير بنا نحو الاتجاه الآخر. ومن نافلة القول، إن للواقع أشكالً سياسية مختلفة تفرضها موازين القوى، داخل نظام واحد كالمملكة المتحدة أو كندا مثلً، أو بين نظام وغيره، كما هو في بلجيكا أو سويسرا، فمنه ما يبدو ناجحًا

كبلجيكا، ومنه ما هو غير مستقر كما هو الحال في لبنان. وبالعودة إلى سن، فإنه كما رأينا ليس "مثاليًا" بمعنى تجاهل الواقع وموازين القوى، فهو يتقبل التقسيم

السياسي الذي آلت إليه الهند مثلً، ويجعل هذا منطلقًا له للدفع في اتجاه التخلص من العنصرية والعنف الناتج منها. فهو لا يُصدر حكمًا سياسيًا على شكل النظام القائم في بلاد ما، بل يدعو إلى

التخلص من العنصرية فيها إن وُجدت، ولتغليب العقل على تدبير أمورها. وبينما يحاول بعض

الباحثين الاستدلال على مواقف سياسية له إزاء نزاعات أو خلافات، كخلافات الفرنسيين في إقليم كيبيك في كندا، أو الإسكتلنديين في بريطانيا، فهو يعزف عن اتخاذ موقف بخصوص هذه، مكتفيًا

بالإصرار على ضرورة عدم انتهاك الحقوق الإنسانية الأساسية، كما يفعل مثلً بخصوص الوضع في فلسطين. فهو، من جهة، ينتقد بشدة انتهاك "إسرائيل" لحقوقهم، ولكنه لا يطرح من عنده حلً كالدولة الواحدة – ما يتوافق مع مبدئه في المساواة بين الأفراد – ويترك الأمر لمطلب الفلسطينيين الاستقلال

(12) "Jürgen Habermas and Charles Taylor in conversation," Social Science Research Council, 20/11/2009, accessed on 13/6/2022, at: https://bit.ly/3JoTtbL (13) Betto van Waarden, "Amartya Sen’s Identity Pluralism Applied to Will Kymlicka’s Liberal Multiculturalism," International Journal on Minority and Group Rights , vol. 21, no. 4 (October 2014), pp. 527–546.

في دولتهم، مكتفيًا بالقول بأولوية الحوار العقلاني المفتوح طريقًا أفضل لتحديد المواقف، واتخاذ القرارات. وكما سبق، هو يدرك غلبة العادة للهويات العامة على الشخصية، والواقع السياسي الذي تفرزه تلك الغلبة. تبقى قضيتان (جانبيتان) تبدوان معلقتين في هذا السياق، وتتطلبان التتبع لأسس التحليل عند سن، وتتعلقان بالمعادلة التي تجمع الهوية بالعنف. أما الأولى، فالسؤال هنا يخص المبدأ القائل إن التحكم في الهوية هو المفتاح لإنهاء العنف الناتج من العنصرية. يمكن بالاستدلال القولُ إن أغلب ما يقصده سن تحديدًا هو أنّ هذا التحكم هو شرط كافٍ وإن لم يكن ضروريًا؛ إذ جميعنا على علم بالأمثلة الكثيرة التي وُضع فيها حدٌّ للعنف، لكن ليس من الباب الذي يريده سن، بل عن طريق العنف المضاد، فالعنف النازي مثلً لم يوضع له حدٌّ إلا بعنف مقابل، وليس بوضع حدٍّ للعنصرية نفسها. وكذلك في رواندا، لم يوضع حدٌّ لعنف التوتسي في حق الهوتو إلا بعد اجتياح قبائل الأخيرة من بوروندي، وتمكّنها من احتلال العاصمة والسيطرة على الحكم، وليس بسبب التغلب على العنصرية نفسها أو القضاء عليها، وهذه أمثلة يأتي سن على ذكرها في أكثر من موقع في كتابه. إذًا، إن أردنا الدقة في توصيف نظريته، فعلينا القول إن شرط الهوية بالنسبة إليه، هو شرط كافٍ وإن لم يكن ضروريًا، وقد نضيف إنه المفضل لديه باعتباره وسيلة سلمية. أما القضية الثانية، فتخص علاقة السببية بين العنصرية والعنف، فهي ليست ذات اتجاه واحد، وكثيرًا ما يكون العنف هو السبب في العنصرية أصلً، إذ إنّ للعنف أوجهًا متعددة هو الآخر، كالعنف الاستعماري والاستغلالي، والذي تدفعه المصالح أساسًا، وتدعمه موازين القوى، وإن كانت العنصرية محركًا أو مسيّرًا أساسيًّا للعنف في بعض الحالات، فلا بد من الإقرار بأن المصالح والأطماع أدّت وتؤدّي دورًا أقوى في معظم حالات العنف، كما نشهد اليوم في أوكرانيا، وفي هذه الحالات يكون العنف المستعمل هو المسبّب للعنصرية، للمفارقة، لدى الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه.

((1(هذه "الغلبة" – أي للانتماءات الاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها – هي تحديدًا ما نلحظ في الواقع البشري، حيث "نجد"

أنفسنا تابعين لعائلة أو ملّة أو قومية... إلخ، ويمكن أن تتضخم هذه في تأثيرها في الشخص لتصبح عصبية سلبية أو عنصرية تقود إلى الإجحاف في حقوق الآخرين والعنف إن لم يتم تداركها. فيتطلب تداركها تعزيز الهوية الشخصية كما يقول سن، أي أن يتمكن الشخص من تحكيم عقله وتفعيل إرادته فلا يسمح لنفسه بالانجراف في تكوين آراء واتخاذ مواقف "أحادية" نحو الآخر. ينظر:

Sen, Identity and Violence, pp. 103–119.

بالنسبة إلى إشارته لانتهاك حقوق الفلسطينيين وما قد يسببه هذا من ردود فعل عنفية من العالمَين العربي والإسلامي. ينظر: Ibid.,

p. 144. وبينما يشير في: Ibid., p. 193، إلى مطلب الفلسطينيين الاستقلال في دولتهم فهو لا يصرح بتأييده أو عدم تأييده لهذه

المطالبة. فهو يتفهم إذًا "غلبة" الأيديولوجيا الوطنية بالرغم من فلسفته "الفردانية." ((1(يورد سن أمثلة كثيرة للعنصرية ومنها النازية وآثارها المادية في حياة البشر. لا يتعرض سن للحروب التي وضعت حدًّا

للمجازر الناتجة من العنصرية، غالبًا، لأن نظريته تخاطب العنصرية نفسها وكيفية التحرر منها بدءًا، أي قبل وقوع الواقعة. لكن تشهد

الأحداث أنها حينما تقع فلا مناص من استعمال العنف المضاد لوضع حدٍ لها. وقد يسمح تغيّر المناخ العام بعدئذ، كما في ألمانيا،

بتحرر الأفراد من الأيديولوجيا التي كانت سائدة في المجتمع سابقًا. طبعًا، لا يوجد ضمان لذلك، ولا يوجد ضمان للتغلب على

العنصرية التي قد يشعر بها الفرد إلا إذا تمكّن من استبدال مشاعره السابقة من خلال الطريقة التي يدعو لها سن، وهذا ممكن كما يقول سن، وإن كان صعبًا.

لكن ما قد يزيد الأمر تعقيدًا في نظرية سن هو توأمة العنف والعنصرية، أي عندما يكونان وجهين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما أصلً، كما في إسرائيل كدولة يهودية: العنف أتى بها إلى الوجود (الاستيلاء بالقوة على البلاد ومقدراتها)، ووجودها هو مصدر مستمر للعنف (التمييز السلبي ضد غير اليهود، والاحتلال). ويبدو، في الحصيلة، أنّ أيًا منهما غير قابل للاستئصال دون الآخر، أو قبله. فإن تخلّت إسرائيل عن عنصريتها زالت أسباب العنف تلقائيًا، وإن رفعت إسرائيل عنفها، زالت

عنصريتها تلقائيًا. في الأثناء، وكيفما استقر عليه الوضع، مثلً، في دويلة لبعض الفلسطينيين، في

القبضة الإسرائيلية، وبتدني درجة التمييز ضد غيرهم، لن يغيّر هذا من التوأمة المشار إليها، وهي التوأمة

التي تستنشق كل رئةٍ الحياةَ فيها من الأخرى. قد تمثّل هذه التوأمة معضلة لنظرية سن، أو قد يقال إنها الاستثناء الذي يؤكد صحتها!

رابعًا: سن والهوية الشخصية: العمق الضبابي

تعتمد نظرية سن على مبدأ الفصل النوعي بين الذات كشيء ثابت، والهوية؛ فهنالك الشيء وهنالك صفاته، فإن كانت هوية الشيء ليست أحادية وهي قابلة للتغير، يكون الشيء هو نفسه وراء التغير، ويستمر في واحديته بالأوجه المختلفة لهويته (مثلً، سن هو نفسه باختلاف معتقداته). يأتي سن بأمثلة مختلفة للتعبير عن مقصده الأوسع؛ فالفرد منا قد يكون مسلمًا وبريطانيًا وهنديًا ومحاميًا وعضوًا في

حزب ما، ورئيسًا لبلدية ما، وربَّ أسرة... إلخ. يسمح له هذا التنوع بأن يتحكّم في تفاوت تأثير هذه الصفات فيه، رافعًا بعضها عند أحداث معينة على بعض، أو ملغيًا بعضَها إن أراد. فقد يكون متزمتًا،

باعتباره هنديًا أو مسلمًا، بشأن إرادة ابنته الزواج من مسيحي إنكليزي، بدلً من هندي ذي قرابة، لكنه يتمكن بإرادته المستقلة من تغليب مواطنته باعتباره بريطانيًا يؤمن بحرية الفرد والمرأة على ما قد يشعر

أنّ دينه أو جنسه يمليه عليه. ولكن قد يثار السؤال عمّا إذا كان التعريف الذاتي للشخص (أي تمكّنه من تحديد هويته) يعني أن الآخر يراه كما يرى هو نفسه. هنالك قول مأثور لجان بول سارتر – يشير إليه سن وآخرون – أنّ اللاسامي هو – الذي يحدد هوية اليهودي – أي بغض النظر عن كيفما أراد اليهودي أن يحدد هويته بنفسه (وقد

(16) Sen, Identity and Violence , pp. 29–30.

يذكر سن هنا أوجه الهوية المختلفة للشخص من جهة والخيارات المتاحة له من جهة أخرى التي يمكن أن يزن الشخص ما بينها بحسب الظرف لاتخاذ القرار المناسب لذلك الظرف. يقول إننا نفعل ذلك باستمرار، ولو ضمنيًا. لكننا قد نفعل ذلك أكثر علنية

(كما فعل غاندي عندما قرر أن يعطي أولوية لانتمائه القومي على الوجه المهني لشخصيته). وقد تكون أوجه هوية الشخص متعددة ومتضادة. والخلاصة التي يريد التوصل لها هي أن الفرد يستطيع التحكم في أوجه هويته، فهو قادر بالإرادة والتعقل أن يحرر نفسه من تزمته بخصوص هذا الوجه أو ذاك من شخصيته. ينظر:.Ibid., p. 19 ((1(تناول سارتر "المسألة اليهودية" في مقال صحفي له فور انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحرير باريس. اختصر المحللون نظريته بالقول إن "اليهودية" هي مجرد حقد غير عقلاني ضد اليهود، أي إن الآخر الغاضب هو الذي يوقع صفة "اليهودية" على

الشخص أو يُكسيه إياها من دون أن تكون تلك بالضرورة إدراكًا أو انتماءً فكريًّا أو عقائديًّا لديه. لا شك في أن هناك صحة

فيما يقول، كما يشعر الياباني الأميركي أنه مجرد أميركي، إلى أن يصدمه تعامل الحكومة الأميركية معه كعدو، كما حصل في الحرب العالمية الثانية، وهكذا. يشير سن إلى مقال سارتر في:. Ibid., p. 9

يضاف أن الأمر كذلك أيضًا بالنسبة إلى الهويات العامة وليس لأشخاص فحسب). فهل ينتقص ذلك من قوّة الحجة التي يعتمدها سن في نظريته؛ أننا نحن المتصرفون الوحيدون في هوياتنا؟ هل يحدد الآخرون هوياتنا كما نحدد هوياتهم؟ وهل الهويات في نهاية الأمر موضوعية أم ذاتية؟ لجأ الفلاسفة قديمًا إلى التمييز بين الجوهر (الموضوع أو الشيء أو الذات) وأعراضه أو المقولات التي تقال عنه (أو تُحمل عليه)، فالعرَض هو الذي يقوم في الجوهر، والأخير لا يكون متحصلً

إلا بأعراضه. لكنهم أضافوا أن بعض الأعراض ذاتية لا يقوم الجوهر إلا بها، وبعضها الآخر غير ذاتي، وفصّلوا في أنواع الأخيرة بين ما هو لازم وغير لازم، وبين المفارق وغير المفارق، بينما الخلاف في موضوع الهوية الذي سنتناوله لا يمتّ مباشرة لهذه التقسيمات الكلاسيكية، إلا أن هناك أمرين قد يكون التطرق إليهما مفيدًا لفهم هذا الخلاف: الأمر الأول هو اعتبار التقسيم المشار اليه بين الشيء وصفاته أمرًا موضوعيًا، فلا خلاف أن شيئًا ما (مثلً، الإنسان) موجود، وأما الثاني فاعتبار بعض تلك

الصفات موضوعية وثابتة (كالقول عن الإنسان: إنه كائن حيّ ينمو ويتغذى) وبعضها إرادية، كوصف

إنسان ما بأنه ماشٍ أو جالس أو في مكان كذا. عند النظر في كلام سن في أوجه الهوية التي يتحلّى الفرد بها، نجده يميّز كذلك بين الشيء وأعراضه (أوجه هويته)، معتبرًا أن الشيء (في هذه الحالة؛ المعني هو

الشخص)، هو أيضًا ذات ثابتة (مثلً، إنه وُلد في مكان كذا وزمان كذا، وهو عاقل وذو إرادة)، إلا أن أوجه هويته (أنه هندوسي أو مسلم) ليس منها ما هو ذاتي، أو لا يمكن إخضاعها للذات. فكأنه يطرح أمامنا معادلة بسيطة توضع فيها الذات (الشخص) من جهة، ومجموعة متنوعة من أوجه الهوية من جهة أخرى دون التمييز بين أوزانها أو بين أيها قد يكون أكثر ذاتيةً من الأخرى، فهي بالنسبة إليه مجموعة وحدات وصفية قابلة للتحكم في معاييرها من قبل الذات/ الشخص، وذلك بحسب إرادته، ويبقى الشخص نفسه كيفما صاغ هويته. كما قيل سابقًا، يستعمل سن طرحه هذا في موقفه الأعم لاحتواء تضخم مكانة الأقليات في بريطانيا. يتصدى بيكو باريك الذي يؤمن بالاعتراف بأهمية مكانة هذه الأقليات لهذا التوجه، ويستعين في موقفه هذا بنقد تعريف سن للهوية. يقول: إن الموضوع أشد تعقيدًا مما يقول سن، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أولًالتمييز بين الإنسان والشخص؛ فعند الحديث عن الهوية يقول باريك: إنه يجب أخذ جانبين في الاعتبار، وهما: هوية الإنسان الشخصية وهويته الاجتماعية، وهاتان مجتمعتين تشكلان هويته الكاملة. يمكننا تعريف الأولى بالقول: إنها تلك المعتقدات والالتزامات الأساسية عند الشخص التي بها يُعرِّف نفسَه لذاته ويحدد موقعه من العالم من حوله. أما الثانية أو الاجتماعية، فهي تلك التي

(1((يُقال مثل عن الإنسان في الإجابة عن السؤال "ما هو؟" إنه يتقوّم بصفتين هما كونه حيًّا (الجنس) وعاقلً (الفصل)، وتُعتبر

هاتان الصفتان ذاتيتين له. ثم تُضاف إلى هذه صفة خاصة به كالقول إنه ضاحك (فهذه لا تخصه إلا هو، لكنه لا يتقوّم بها، فهي

لازمة). وقد يُقال عنه أيضًا إنه "ماشٍ"، لكن هذه ليست خاصة به. يُنظر في بقية صفاته فمنها ما هي دائمة له كلون بشرته، ومنها

ما يفارقه كنومه (فهو لا ينام دائمًا). قد يختلف الفلاسفة فيما بينهم على هذه التصنيفات وما يرونه بهذه الصفة أو تلك. لكن الصفات

أو الأوجه التي يتكلم عنها سن في سياق الهوية تتعلق باللغة والدين والقومية والمهنة والحالة العائلية... إلخ. بهذا المعنى فهي أوجه لهوية شخصية وليست أوجهًا للإنسان العام.

(19) Bhikhu Parekh, "Logic of Identity," Politics, Philosophy and Economics , vol. 8, no. 3 (2009), pp. 11–33.

تشير إلى علاقاته الاجتماعية التي تشكّل قيمة عميقة له، ويراها جزءًا عضويًا من نفسه، ومنها يعطي

معنى لحياته. ليست إحداهما منفصلة عن الأخرى، بل تتأثر الواحدة بالأخرى، فالشخصية تشكّل الطريقة التي بها يحدد الإنسان هويته الاجتماعية، ويزن أوجهها ويعطي لكل منها نكهتها الخاصة، والاجتماعية توسع من مدارك الإنسان لذاته بما يشمل آخرين ويضفي على الهوية الشخصية بذلك إطارًا أوسع وأعمق. إذًا، يعتبر باريك أن الهويتين الاجتماعية والشخصية هما عنصران تتشكل منهما الهوية (الكاملة)؛ ما يعني أننا لو افترضنا استبدال هذه جذريًا بغيرها (كما يطرح سن) فلن يكون كلامنا عن نفس الشخص الذي يدعوه سن إلى تغيير هويته، بل يكون قد غدا شخصًا مختلفًا! أما بالنسبة إلى غاندي (وهو المثال الذي يستعمله سن للإشارة إلى قدرة الفرد على التحكم في هويته) فيقول باريك: إننا لا نقول في واقع الأمر إنه بقي نفس الشخص (بعد عتق نفسه من موروثه)، بل نقول إنه أصبح الآن شخصًا آخر، وإن بقي (بعد العتق) نفس الإنسان. هناك بعض المنطق فيما يقوله باريك، إذ نحن عادةً نتفهم القول إن فلانًا ما، تغيرت شخصيته (وفي الحالات المرَضيّة: إن له أكثر من شخصية أو هوية)، فكأننا نميز بين الفرد أو الإنسان وشخصيته، ولكننا

في حال التغير نقول: إنه أصبح شخصًا مختلفًا وهو ليس نفسه الشخص الذي كنا نعرفه. يعتقد باريك أن هذه الملاحظة تنسف ما يقوله سن بخصوص بقاء الشخص هو نفسه إذا ما صاغ هويته على النحو الحر الذي يريد. فكأن ما يدعو إليه سن هو استبدال أفراد الأقليات ليكونوا أشخاصًا غير أنفسهم! في نهاية المطاف يشترط باريك عند الكلام عن الهوية أن يكون هذا الكلام عن الهوية "الكاملة"، أي ليست الشخصية منفردة، وبهذا فهو يتحفظ على درجة الانعتاق الممكنة للشخص من هويته. فكأنه، إذًا، يقول بما قاله القدماء بخصوص أعراض أو أوجه "ذاتية" للهوية، لكنها في هذه الحال تتعلق بموروث حضاري عميق غير خاضعة للإرادة، خلافًا لما يقوله سن. في معرض رده المقتضب على باريك، يكرر سن عدم اقتناعه أو حتى استيعابه حجة الأخير. وفي الحقيقة، ليس واضحًا إن كان الخلاف لغويًا فحسب (يتعلق بتعريف المصطلحات المستعملة) أو سيكولوجيًا/ تجريبيًا أم أبعد من ذلك. وبالعودة إلى تقسيمات الفلاسفة القدماء يفترض الاثنان أن ثمة

شيئًا ثابتًا هو موضوع الكلام، وهما يتفقان على بعض خصائصه ولكن ليس على كلها، فيعتبره سن "الشخص"، بينما يعتبره باريك "الإنسان". ليس متفقًا عليه ما هو ذلك "الشيء". لكن الخصائص التي يعتمدها باريك معايير لثباته، كذلك الشيء، هي أولً معايير "جسمية" (مثلً، مكان وزمان الولادة).

(20) Bhiku Parekh, "Clearing the Fog," Politics, Philosophy and Economics , vol. 8, no. 3 (2009), pp. 289–290.

وكما سنرى يوقع باريك نفسه في مشكلة منطقية هنا باعتماده الإنسان موضوعًا ثابتًا وراء الهوية بكافة أوجهها. لكنه يعترض على

التعامل مع كافة أوجه الهوية (كما يفعل سن) من دون التمييز بين أيّها أكثر أو أقل انطباعًا في الشخص. فهويته الدينية أو العائلية أو

القومية مثلً أثقل وزنًا من أوجه أخرى لهويته كالوظيفة التي يشغلها. وفي هذا السياق يعترض باريك أيضًا على قوة التأثير التي

ينسبها سن للعقل عند الكلام عن حرية الفرد في اختيار أوجه هويته، فيقول إن المؤمن مثلً أشد تأثرًا بإيمانه، وسوف ينعكس هذا

على اختياراته. ويضيف باريك إلى كل هذا أن العقل لا يُملي بالضرورة إجابة أو حلًّ واحدًا في المسائل التي تستدعي اتخاذ قرار

ما، ومن ثم فإن مقولة سن ("الاختيار العقلاني الحر") لن تؤدّي بالضرورة إلى النتيجة التي يأمل.

(21) Amartya Sen, "The Fog of Identity," Politics, Philosophy and Economics , vol. 8, no. 3 (2009), pp. 285–288.

إذا أضفنا الآن معايير أخرى، ومنها التي يكتسبها "الشيء" بحكم الأولى (كاللغة والوعاء المجتمعي والمعتقد)، ومنها ما يكتسبه "اتفاقًا"، أي في مسيرة حياته (كالمهنة أو العلم)، نجد أن باريك يقول: إن الأولى أيضًا "ذاتية"، بينما الثانية مكتسبة أو عرضية. وهكذا، إذا افترضنا تغير الأولى، نكون كأننا بدأنا في التكلم عن شيء غير الذي بدأنا في الكلام عنه. وإذا افترضنا أن "الشيء" نفسه هو الذي يقوم بعملية التغيير لكل هذه، نكون كأننا افترضنا أن ذلك الشيء يلغي نفسه؛ ما يجعل هذا الافتراض هذرًا

من الكلام. في المقابل يعتبر سن أننا إذا ما استثنينا التوصيف المكاني/ الزماني للشيء، فهويته ذات الشأن، هي مجموعة خصائصه، وليس منها ما هو ذاتي بالطبع أو لا يمكن التحكم فيه. أما بالنسبة إلى الخلاف حول ما إذا كان يبقى هو نفسه مع التغير، في الذي يمكن أن يجريه في خصائصه، فيقول: إن هذا موضوع آخر "فلسفي" يتعلق بمعنى أن يكون الشيء هو هو (المسألة التي طرحها لوك)، ويضيف أن المعنى المتفق عليه في هذا السياق هو مجرد القول: "إنه نفسه". لا يتوسع سن في توضيح هذا، ولكن يمكننا تخيل معادلة منطقية يقال فيها: إننا إذا افترضنا شيئين، ولكننا بحكم الافتراض حكمنا أن الشيء الثاني يخضع لنفس الاعتبارات التي أخضعنا لها الأول، فيكون ما افترضناه ثانيًا هو نفس الشيء

الذي افترضناه أولً. يتعلق الأمر إذًا بعدستنا المنطقية، أي في ما نضعه نصب أعيننا. لا يقبل باريك هذا التعريف الذي يراه محدودًا للهوية، لكنه في واقع الأمر ملزم به عند اللجوء إلى القول: إن ما يبقى نفسه هو الإنسان وإن لم يكن الشخص، إذ ما فعله هو وضع "الإنسان" نصب عينيه (كيفما نظر إلى ذلك) كالموضوع الأصلي الثابت بدلً من الشخص. ولكن، لا ينتقص هذا "الخلل المنطقي" في حجة باريك من موقفه الأعم بخصوص الهوية، ويبقى الأمر معلقًا بينه وبين سن من دون حسم: فمن الواضح أن كلًّ منهما يقبل أو يعتمد القسمة الكلاسيكية بين الشيء أو "الموضوع" قيد البحث، وأعراضه. وما يختلفان حوله هو تعريف (أو تعديد) تلك الأعراض التي تُعتبر "ذاتية" له. بسبب توسعه في تحديد الهوية لتشمل النواحي الشخصية والعامة. يعتبر باريك أن بعض العامة على الأقل ذاتي أيضًا؛ ما يعني أن فرضية أن الفرد يمكنه التخلص منها، هي كالقول إن الإنسان مثلً يمكنه التخلص من كونه كائنًا ينمو ويتغذى. أما سن فمع أنه لا يتوسع في

تعريف ما يعتبره ذاتيًا، فإن إشارته لِذاتٍ عاقلة ومريدة، تعني أنه يعتبر هذه على الأقل ذاتية للشخص.

ويعتبر ما تبقى أعراضًا يمكن التحكم فيها. ليس واضحًا إذا كان سن في الحقيقة محتاجًا إلى تبنّي الموقف الحدّي الذي يبدو أنه منجرٌّ إليه، أي ذلك

(22) Ibid.

يقول سن: "إن الهوية الشخصية تتعلق بأن نكون نفس الشخص"، وهذه هي التي تميزنا من آخرين. ولكونها كذلك – يستمر سن – فليس في الإمكان تصورها "مندمجة" مع تلك الأوجه التي تعبّر عن الهوية الاجتماعية. يضيف هنا أن في إمكاننا تخيّل عتق أنفسنا

عن بعض هذه دون أن نفقد هويتنا الشخصية. تترك هذه الملاحظات كثيرًا من التساؤلات: هل استعماله لكلمة "بعض" هنا يعكس

تراجعًا في رأيه؟ وما هذا البعض؟ ثم ما وجه الاختلاف أصلً بين أوجه الهوية الشخصية التي يقول بها وتلك التي يذكرها باريك

(مثلً، القول إنني مسلم)؟ أليس هذا دمجًا بين الشخصي والعام أصلً؟ ((2(نلمس من خلال هذا الخلاف خلافًا أعمق بين الموقفين، الوضعي والموضوعي: بالنسبة إلى سن، كما يُجلي الشخص

ضبابية هويته بإرادته كذلك يتمكن المراقب من معاينته أو تعريفه كذلك الشخص. بالنسبة إلى باريك، ثبات هوية الشخص هو ما يسمح للمراقب معاينته كذلك الشخص.

الموقف للفردانيين القائل بالاستقلالية التامة للهوية الشخصية عن العامة. كل ما يحتاج إليه هو القول: إن الفرد قادر على تملّك نفسه والتغلب على تلك النزعات نحو التطرف والعصبية تجاه أمر أو آخر، والتي قد تشدّه إليها ميوله أو انتماءاته، وقادر أيضًا على تحكيم عقله في تحديد أفعاله ومواقفه منها. ليس محتاجًا

إلى الدفاع عن مقولة إن الفرد بطبيعته قادر على عتق نفسه كليًا عن موروثه وانتماءاته ومعتقداته وطبيعته.

لا أقول: إن الفرد غير قادر على ذلك أصلً. بلى قد يكون قادرًا. لكن لا تعتمد رسالة سن، بحسب رأي

الكاتب، للبتّ أو الحسم في هذا الموضوع، ولا حاجة له إذًا إلى خوض هذا النقاش. ليس واضحًا أصلً أن الهوية، شخصية كانت أم عامة، تخضع لمنطق الثنائيات، أي إنها إما موجودة

أو ليست موجودة، بل نحن كثيرًا ما نجدها قابلة لمنطق الزيادة والنقصان، قوية أو واهية، وأحيانًا

نجد درجة النقصان والزيادة هذه مرتبطة بتماهي الشخصية مع العامة، وبحاجة الواحدة إلى الأخرى لتحصين نفسها وتثبيت بقائها، كوضع الفلسطيني في إسرائيل أو تحت الاحتلال، فهويتاه الخاصة والعامة لا تكادان تنفصلان، بل تحتاج إحداهما إلى تحصين الأخرى، ويمكننا الاطلاع على نموذج ذلك بدراسة بعض حالات استجواب المناضلين في المعتقلات، حيث يحاول السجّان اقتلاع انتمائية

المناضل إلى وطنه كي يحصل على المعلومات التي يريدها، أو لتحطيم هوية المعتقل الوطنية، فيجد المناضل نفسه يتصدى مستعينًا بالواحدة لتحصين الأخرى، وتصبح إرادته مزدوجة، أو فلنقل: تصبح إرادتين تكمل إحداهما الأخرى. وهنا لا بد من الإشارة أيضًا إلى كثير من الحالات التي تكون فيها مكانة "الجماعة" وأهميتها حافظة ومدافعة عن هوية الفرد، كالهوية الطبقية مثلً، أو هوية المرأة، وكثيرًا ما نجد أن استعباد الإنسان كما في

تجارة السود الأفريقيين إنما قامت على نفي الاعتراف بهم كائنات جماعية لها مكانتها، واعتبارهم قطَعًا فردية للاستغلال في مزارع البِيض. ونشهد أيضًا جمال التنوع في الحضارات البشرية، من لغات وعادات وتقاليد يفتخر أصحابها بها ويجدون فيها تعبيرًا عن تميزهم من الآخرين. لا ينفي سن كل

هذا، بل يؤكد الحاجة والإمكانية لتعايش هذه الحضارات، لكنه يحذر أولً من الوقوع في فخ العنصرية التي قد تنتج من تضخيم هوية الجماعة العامة، ويذكرنا من جهة أخرى بأننا كيفما نظرنا يجب أن يبقى الإنسان الفرد لدينا يحتل المكانة الأولى، ولديه القيمة العليا التي من أجلها تكون الجماعة، ولا يبرر وجود هذه طمس هوية الفرد وحريته وكرامته. أخيرًا، بقي لنا أن نعالج السؤال الذي يبدو في ظاهره مناقضًا لنظرية سن، فيما إذا كان الفرد خاضعًا في

هويته لتعريف الآخرين لها.

(24) Sari Nusseibeh, "Personal and National Identity: A Tale of Two wills," in: Thomas Kapitan (ed.), Philosophical Perspectives on the Israeli–Palestinian Conflict (London: Routledge, 1997).

كما يتضح في هذا البحث يختلف موقفي عن ذلك الذي يتبناه سن، وهو من ناحية أقرب إلى موقف باريك من حيث طرح الهوية باعتبارها ثنائية عامة وشخصية، وتكون الأولى في حاجة إلى الثانية والعكس أيضًا عندما تكون حريتهما معًا مسلوبة. كما أفسّر

"منسوب" رجاحة العامة بشكلها العدائي في هذه الحالة، بالقدر الذي تكون فيه الحرية مسلوبة، لكن دورها "المتضخم" هذا عند

الفرد يبدأ في التقلص عند تحقيق الحرية، فتصبح المعادلة بين الاثنتين أكثر توازنًا؛ ما يسمح بالتفاعل الإيجابي بين الهويات العامة المختلفة.

كما ذُكِر سابقًا، هذه مقولة لصقت بسارتر الذي أوضح إثر الحرب العالمية الثانية أن العداء (اللاعقلاني) لليهودية هو الصانع للهوية اليهودية، بمعنى أن صورة اليهودي لدى "الآخر"، لا شك في أنها تؤثّر في صورة اليهودي عند نفسه، فهو يُضطر، حتى لو كان علمانيًا، إلى أن يعود ليرى نفسه يهوديًا، نتيجة تلك

الصورة التي يراه عليها غيره. رأينا في مستهل هذا البحث أن تعريف سن للهوية يُبقي الباب مفتوحًا أمام تأثرها وتأثيرها، كما أن تعريفه

للهويات العامة "الوهمية" (أنها أحادية ومنغلقة) ينطبق على الآخر كما على الذات، بمعنى أنني قد أكون

منغلقًا وأُحاديًا في تعريف الآخر كما في تعريف هويتي، مع القدرة على أن أكون بعكس ذلك. فهل يسمح هذا المنظور للقول إن تعريفي لهوية الآخر "يصنعها"؟ ليس مستبعدًا ذلك، خاصة إن قلنا إن الهويات للذوات العامة (والشخصية) "عائمة" وبأوجه متعددة، منها ما يختلط مع تعريف أو صورة الآخر لها، فهذه الأخيرة تصبح جزءًا منها أو وجهًا من أوجهها، فلا تلبث أن تظهر وجهًا من أوجه الهوية العامة للشخص

الذي يحملها، أي تصبح تلك الصورة الخارجية مندمجة فيها (حتى ولو كانت مُنفّرة للشخص، كما أن

صورة اللاسامي لليهودي منفرة له)! وبصورة أعم فليس أدلّ على "صنع الهويات السليمة" من تأثير التربية الرشيدة وآداب المعاملة في تكوين شخصية الناشئ، أو على "صنع الهويات المريضة" من زرع الطبائع السيّئة في النفوس. وعلى نحو أكثر عمومًا فنحن نؤثر إيجابيًا في شخصية الآخر، كما نؤثر سلبيًا فيها

بالطريقة التي نتعامل فيها معه، وليس غريبًا أن يصدق هذا على الإنسان كما على كائنات أخرى (ومنها

النبات!). والأمثلة كثيرة لتبيان أن المضطَهد من الآخر يرى نفسه مضطَهدًا ويتصرف وفق ذلك. و"المدير" الذي يبجّله أعوانه قد يرى نفسه مستحقًا لهذا التبجيل، والناشئ الذي نحطّ من قدره سوف يصل الأمر

به إلى أن يحطّ من قدر نفسه. وفي السياسة، قد يستغرب بعضنا (المتمثل بالقول "عنزة ولو طارت") إن

أَوسَعْنا الكلام لتطبيق النظرية نفسها على المتحاربين، وزعَمْنا أن كلَّ طرف يمتلك القدرة على تكوين هوية

خصمه، وهي قدرة نفسية وسلمية قد تفوق قدرات الأطراف العسكرية. لا نبتعد كثيرًا عن سن في ما قلنا أخيرًا، بل نستطيع أن نستدل على موقفه من خلال توظيفه نموذج

غاندي: فلسفة هذا الأخير اللاعنفية بخصوص الاستعمار البريطاني، اعتمدت جعْلَ المستعمر عدوًّا لنفسه، أي تجريده من هويته الاستعمارية واستبدالها بهوية إنسانية. يؤكد هذا نظرية سن أن الفرد قادر على التأثر والتأثير في أوجه الهويات العامة والشخصية.

خاتمة

تعرّض هذا البحث لتفسير نظرية أمارتيا سن الخاصة بعصبية الانتماء إلى الهويات العامة، والتي نجدها

أحيانًا في الأديان والقوميات والموروث عمومًا والعنف. فهذه العصبية تسبّب العنف. وللقضاء على

هذا لا بد من التغلب على تلك العصبية. والحل الذي يطرحه سن يعتمد على ضرورة أن يحرر الفرد نفسه من تبعيته العمياء لموروثه. يعني هذا أن يقوم الفرد بالتحكم في ميوله ونزعاته الموروثة، بحيث

(25) Sari Nusseibeh, "The Archimedean Lever: Right in the Face of Might," The Max Perutz Memorial Lecture, International Human Rights Network of Academies and Scholarly Societies (London: May 2005).

يتمكن من تصميم هويته على النحو المتعقل الذي يجعله سيّدًا لنفسه. وكي يفعل ذلك، لا بد له من

إدراك حقيقتين؛ هما: أن حضارات العالم ليس بعضها منفصلً عن بعض، كما قد يبدو له، وأن أيًّا منها ليس ذا وجه واحد كما قد يتخيَّل. يمكّنه هذا الإدراك من "رفع رأسه" فوق موروثه؛ ليرى الأمور بصورة

أكثر توازنًا، فيصبح حرًّا لتصميم ميوله ومعتقداته بحسب إرادته المستقلة. يتعرض البحث لمسألتين تثيرهما نظرية سن، هما: ما إذا كان فصم الفرد عن موروثه ممكنًا فعليًا (أليست

هوية الفرد منطبعة بهوية موروثه؟)، أو ممكنًا نظريًا (كيف يمكننا القول إن الفرد يبقى نفسه، إذا ما افترضنا أنه استبدل هوية بأخرى؟). هاتان المسألتان لهما جذور في فلسفتين متقابلتين هما: الفلسفة الفردانية والجماعاتية، وأيضًا في منظارين لتعريف "الموجود"؛ الوضعية والموضوعية، حاول الباحث إيضاح هذه الاختلافات لإعطاء صورة أوسع للمسائل التي يثيرها سن. ويرى الباحث أن معالجة سن لموضوع الهوية مفيدة في الجانب العملي الذي يتعلق بالعنف، ولكنها لا تتعمق بما يكفي في الجانب الفلسفي.

References

المراجع

العربية

هنتنجتون، صامويل. صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي. ترجمة طلعت الشايب. تقديم صلاح قنصوه. ط 2. القاهرة: سطور،.1999

الأجنبية

Kapitan, Thomas (ed.). Philosophical Perspectives on the Israeli–Palestinian Conflict. London: Routledge, 1997. Locke, John. An Essay Concerning Human Understanding. New York: Dover Publications; Unabridged edition, 1959. Parekh, Bhikhu. "Logic of Identity." Politics, Philosophy and Economics. vol. 8, no. 3 ________. "Clearing the Fog." Politics, Philosophy and Economics. vol. 8, no. 3 (2009). Qizilbash, Mozaffar. "Identity, Community, and Justice: Locating Amartya Sen’s Work on Identity." Politics, Philosophy and Economics. vol. 8, no. 3 (2009). ________. "Identity, Reason and Choice." Economics & Philosophy. vol. 30, no. 1 (March 2014). Sen, Amartya. "Justice and Identity." Economics and Philosophy. vol. 30, no. 1: 'Themes from the Work of Amartya Sen: Identity, Rationality, and Justice' (March 2014). ________. "The fog of identity." Politics, Philosophy and Economics. vol. 8, no. 3 ________. Identity and Violence: The Illusion of Destiny. New York/ London: W. W. Norton & Company, 2007. ________. The Idea of Justice. Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2009. Waarden, Betto van. "Amartya Sen’s Identity Pluralism Applied to Will Kymlicka’s Liberal Multiculturalism," International Journal on Minority and Group Rights. vol. 21, no. 4 (October 2014).