هل من مكان للهوية في عالم معولم؟ استكشاف
Is there a Place for Identity in a Globalized World? An Exploration of Zygmunt Bauman’s "Liquid Identity"
الملخّص
يرتبط خطاب "الهوية السائلة" عند زيغمونت باومان بتحولات مشروع الحداثة الغربية بوجه عام، وبإذابة الأطر المرجعية والهويات الموروثة بوجه خاص. ويفترض هذا الخطاب أن عمليات الإذابة كانت ترمي إلى استحداث أطر مرجعية أشد صلابة وأكثر عقلانية، أمّا الآن فإنها لا تكترث باستحداث أطر بديلة، بل تدفع الهوية إلى حالة من السيولة الشاملة والدائمة. وتفترض هذه الدراسة أن خطاب باومان عن الحداثة السائلة يتجاوز الفصل الحاد بين الحداثة وما بعد الحداثة (أو الحداثة والعولمة)، ويرى الحداثة متتاليةً واحدة تختلف في درجة الإذابة وحِدَّتها ونطاقها ومداها. وهذا يعني أن مشكلة الهوية مشكلة قديمة، لكنها تشهد تحولًا جديدًا في شكلها ومضمونها في زمن العولمة. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن هذا التحول، وذلك من خلال استكشاف أهم الصور المجازية في خطاب باومان عن الهوية. ويأتي هذا الاستكشاف في محورين أساسيين، هما: الصور المجازية للهوية في الحداثة الصلبة (الحاجّ، والبستاني، والبطل)، والصور المجازية للهوية في الحداثة السائلة (اللاعب، والسائح، والصعلوك).
Abstract
Abstract: Zygmunt Bauman’s discourse on 'liquid modernity' is associated with the transformations of the project of Western modernity in general, and the liquefaction of frames of reference and inherited identities in particular. This disourse assumes that the processes of liquefaction were meant to create more solid and more rational frames of references, yet these processes no longer care about the creation of alternative frames of reference, thus throwing identity into a permanent and comprehensive state of liquidity. This paper assumes that Bauman’s discourse on liquid modernity goes beyond the strict separation between modernity and postmodernity (or modernity and globalization), stressing instead modernity as a sequence that differs in the degree, intensity, scope and scale of liquefaction. This means that the identity problem is an old one, yet it witnesses a New transformation in its form and content in the era of globalization. The paper seeks to uncover this transformation through an exploration of the most important metaphors in Bauman’s discourse on identity. This exploration comes in two main sections: metaphors of identity in solid modernity (pilgrim, gardener and hero), and metaphors of identity in liquid modernity (player, tourist and vagabond).
- الهوية السائلة
- الحداثة
- ما بعد الحداثة
- العولمة
- الفقراء الجدد
- liquid identity
- modernity
- postmodernity
- globalization
- the new poor
بوجه عام، وبإذابة الأطر المرجعية والهويات الموروثة بوجه خاص. ويفترض هذا الخطاب
أن عمليات الإذابة كانت ترمي إلى استحداث أطر مرجعية أشد صلابة وأكثر عقلانية، أمّا الآن
فإنها لا تكترث باستحداث أطر بديلة، بل تدفع الهوية إلى حالة من السيولة الشاملة والدائمة.
وتفترض هذه الدراسة أن خطاب باومان عن الحداثة السائلة يتجاوز الفصل الحاد بين الحداثة
وما بعد الحداثة (أو الحداثة والعولمة)، ويرى الحداثة متتاليةً واحدة تختلف في درجة الإذابة
وحِدَّتها ونطاقها ومداها. وهذا يعني أن مشكلة الهوية مشكلة قديمة، لكنها تشهد تحولً جديدًا
في شكلها ومضمونها في زمن العولمة. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن هذا التحول، وذلك
من خلال استكشاف أهم الصور المجازية في خطاب باومان عن الهوية. ويأتي هذا الاستكشاف
في محورين أساسيين، هما: الصور المجازية للهوية في الحداثة الصلبة (الحاجّ، والبستاني،
والبطل)، والصور المجازية للهوية في الحداثة السائلة (اللاعب، والسائح، والصعلوك).
مقدمة
ينطلق زيغمونت باومان في تحليله خطاب الهوية من تمييز الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر بين الشيء الجاهز المعطى Zuhanden والشيء القابل للاستعمال والتشكيل Vorhanden. ويفترض باومان أن الحداثة الغربية تخصصت في تحويل الأشياء من مجرد الحضور الجاهز المُعطى إلى الحضور القابل للاستعمال والتشكيل. ولذا دأبت الحداثة منذ ظهورها على إذابة كل ما هو صلب وإعادة تشكيله، وكانت الحصيلة هي إلقاء الطبيعة البشرية وأشكال الحياة التقليدية في بوتقة الصهر والتحديث. مع أن الفرد هو الفاعل المنوط به تكوين الذات وتوكيدها وتغييرها، فهو في الوقت نفسه موضوع عملية التشكيل. ولذا كانت الهوية مهمة فردية تتشكل اجتماعيًّا، وتحظى بفرصة كبيرة من النجاح والاستقرار والصلابة بفضل ثقة ثلاثية: الثقة بالنفس، والثقة بالآخرين، والثقة بالمؤسسات الجمعية. ولم يكن في وسع الفرد الإجابة عن سؤال الهوية "من أكون؟" إلا بالإشارة إلى الروابط التي تصل الذات بالآخرين، وافتراض ثبات الروابط وموثوقيتها عبر الزمن حتى يمكن رسم خطة الحياة وتنفيذها على المدى البعيد. وهكذا حلَّت فكرة "مشروع الحياة" محل القضاء والقدر، و"الهوية" محل الطبيعة البشرية. يؤكد باومان أن العقل الحديث لم يكن ملحدًا بالضرورة، بل سعى إلى تهميش الإله في الأمور الدنيوية، وتولى العلم مهمة التحديث، وحقق نجاحات كثيرة، ولكن تلاشت سلطة المقدس وفكرة الأبدية؛ وذلك بسبب تعليق القضايا الكبرى أو تهميشها أو استبعادها من مشروع الحياة والتركيز على الهُنا والآن. وقد احتفى فلاسفة التنوير بفضيلة تكوين الذات وتوكيدها والقدرة على تغييرها، وكانوا يطمحون إلى تشكيل مراكز جديدة أشد صلابة تَعِد بمزيد من الحرية على أساس العقل، ولكن هذه الحرية الديمقراطية كانت تحمل أيضًا بذور الشمولية؛ لأن الحداثة لم تثق بأن الجميع سيتبعون العقل بإرادة وشجاعة، وكان لا بد من إرغامهم على أن يكونوا أحرارًا. فالهوية ليست مسألةً فردية خالصة، بل إنها عملية تتشكل اجتماعيًّا، حتى وإن كانت الفردانية تشير إلى تحرير الفرد من الشخصية الاجتماعية الموروثة وتحويل الهوية من "هبة جاهزة" إلى "مهمة إجبارية" تقوم على تحمل المسؤولية وعواقبها.
(1) Zygmunt Bauman, "Identity in the Globalising World," Social Anthropology ," vol. 9, no. 2 (June 2001), p. 122. (2) Ibid. (3) Zygmunt Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi (Cambridge: Polity Press, 2004), p. 69. (4) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 123. (5) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 73. (6) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 123. (7) Ibid., p. 124.
ويصف باومان هذه المعضلة بأنها تأرجح حتمي بين محاولتين متعارضتين في تشكيل الهوية: الليبرالية (قيمة الحرية الفردية) والجماعتية (قيمة الأمن التي يَعِد بها الانتماء). فهذا التأرجح سمة من سمات الوجود الإنساني المركب ومحاولة للتوفيق بين الأضداد. وبين المبدأ الليبرالي والمبدأ الجماعاتي، تتشكل معركة الهوية وتصبح أداةً للتوحيد والتفريق، والجمع والفصل، والاستيعاب والإقصاء. في زمن الحداثة الصلبة، كانت مشكلة الهوية تدور حول سُبل بنائها والحفاظ على صلابتها واستقرارها، كما كانت تشير إلى فعل متوجه نحو المستقبل، وإلى مشروع مفترض، وإلى هوية مفترضة. وكان بناء الهوية عملية دائمة ومهمة فردية، كما ارتبط بمفهوم الثقافة، في إشارة واضحة إلى عدم الكفاءة الفردية والحاجة إلى التربية الجمعية، وأهمية المربين العارفين، وتلازم حرية الاختيار الفردي والاعتماد الاجتماعي على إرشاد الخبراء. وربما يفسر ذلك اهتمام باومان بدور المفكرين وفلاسفة التنوير في صناعة الهوية في زمن الحداثة الصلبة، حتى إنه وضع كتابًا كاملً عن دورهم ومكانتهم في صنع العقل الحديث، وإن كان دورهم في تشكيل الهوية قد أصبح متواضعًا للغاية في عصر ما بعد الحداثة وزمن العولمة. مع أن مشكلة الهوية لم تكن مسألة مركزية في اهتمامات الآباء الروحيين لعلم الاجتماع (إميل دوركايم وجورج زيمل وماكس فيبر)، فإن باومان يستحضر مفهوم ماكس فيبر عن "العقلانية الأداتية" rationality instrumental، مؤكدًا أن مشكلة الهوية كانت تنحصر في الكفاءة النسبية لأدوات والوسائل وتوافرها لتحقيق الغايات، ولكن تغيرت الظروف في عصر العولمة بعد مرور قرن من الزمان على أطروحات فيبر، وتغيَّرت مشكلة الهوية في شكلها ومضمونها. وأصبحت مشكلة الهوية
تمر بمأزق جديد بعدما برع العقل البشري في الإنتاج المفرط للوسائل بما يتجاوز الحاجات، وبعدما صارت الوسائل الوفيرة تبحث عن غايات تخدمها، وبعدما صارت الغايات غير محددة وغير يقينية، وبعدما انهارت الروابط الاجتماعية التي تتشكل فيها الهوية، وبعدما حلَّ الإشباع الآني محل إرجاء الإشباع، وبعدما أضحت القدرة على الاستهلاك هي التعبير الأمثل عن حرية الاختيار، وبعدما انهار الإيمان بوجود غاية كبرى للتغيير التاريخي، وبعدما سادت عمليات تحرير السوق وخصخصة الواجبات والمهمّات التحديثية، وبعدما انتقل الخطاب الأخلاقي والسياسي من إطار "المجتمع العادل" إلى إطار "حقوق الإنسان".
(8) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , pp. 77–78. (9) Zygmunt Bauman, "From Pilgrim to Tourist—or a Short History of Identity," in: S. Hall & P. Du Gay (eds.), Questions of Cultural Identity (London: Sage Publications, Inc., 1996), p. 19. (10) Zygmunt Bauman, Legislators and Interpreters: On Modernity, Postmodernity and the Intellectuals (Cambridge: Polity Press, 1987).
ترجمتُ هذا الكتاب إلى العربية، وهو قيد النشر بالمركز القومي للترجمة في مصر.
(11) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 125;
ينظر أيضًا: زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016)، ص 75–74.
أولا. صور الهوية في الحداثة الصلبة
في زمن الحداثة الصلبة، اختار كارل ماركس "الطبقة الاقتصادية" بوصفها ركيزة أساسية في تحديد الهوية الاجتماعية، فكانت تتحدد هوية الشخص بالدور المنتج الذي يؤديه في التقسيم الاجتماعي للعمل، وذلك عندما كانت الدولة حريصة على الحفاظ على صلابة هذا الدور وامتداده الزمني. ولذا كانت الحداثة الغربية نقطةً فاصلة بين التراتبية القديمة التي كانت تحدد الهوية بالميلاد والوراثة (رجال الدين، والنبلاء، والعامة)، والطبقات الاقتصادية الجديدة التي جعلت الهوية مهمة ومهارة فردية، فلم تعد شهادة الميلاد هي الدليل على الانتماء إلى طبقة، بل صار الانتماء إلى طبقة معينة يحتاج إلى إثبات بالأفعال وبالقدرة على أن يحيا الفرد حياة الطبقة التي ينتمي إليها. كما صارت عضوية الطبقات الحديثة تتطلب مهارات محددة تثبت القدرة على الالتحاق بعضوية الجماعة، بل تأكيد العضوية في ممارسة السلوك اليومي. وكان التطلع إلى الهوية فعلً تحرريًّا من جمود الطبقة التقليدية والسلطة الثابتة والحقيقة المطلقة. وهذه الحرية في تحديد الهوية لازمتها ثقة بالنفس، وثقة بالآخرين، وثقة بعظمة المجتمع وديمومة مؤسساته. فكانت الاختيارات المحددة اجتماعيًّا تبدو ملائمة ووجيهة،
كما كان المستقبل يبدو آمنًا ومضمونًا. وسأتناول هنا أهم الصور المجازية التي استخدمها باومان في تحديد معالم الهوية في استراتيجيات الحياة الحديثة في مرحلة الصلابة.
1. الحاجّ
لقد وجد باومان في شخصية الحاجّ أنسب صورة مجازية تعكس استراتيجية الحياة الحديثة الطامحة إلى
بناء الهوية، كما أضفت الحداثة دلالةً جديدة على شخصية الحاج المغترب في الدنيا، بل ربما جعلت منه صاحب الأخلاق البروتستانتية المتناغمة مع روح الرأسمالية الحديثة بالمعنى الذي حدده فيبر. فالحاجّ يرتحل دومًا في الدنيا عبر الزمن بحثًا عن مملكة الأبدية، ويشعر بغربة دائمة في كل مكان،
وعظمة وجهة المستقبل وجاذبيتها تجعل من الحاضر مرحلةً مؤقتة أقل قيمة من المستقبل المتوقع. والحاجّ هو الناسك الذي يشد الرحال إلى الصحراء ويتخذها موطنًا له بعيدًا عن صخب الحياة، وعن جنة الوجود مع الآخر وجحيمه، والصحراء ليست مكانًا يبحث فيه الناسك عن هوية، بل إنه يفقد فيها هويته، غير مثقلٍ بمسؤوليات الحياة وواجباتها، بل يتقرب إلى الله ويتدرب على بناء الذات. وفي تأثر واضح بالقرابة الانتقائية التي وضعها فيبر بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية الحديثة، يؤكد باومان أن البروتستانت قد حققوا تحولً كبيرًا في صورة الحاجّ. فصارت رحلة الحج ممكنة من
دون ترك البيت، ومن دون الشعور بالغربة، ومن دون الذهاب إلى الصحراء، بل صارت رحلة الحج
(12) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 45. (13) Ibid., pp. 49–50. (14) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 26. (15) Ibid., pp. 19–20. (16) Ibid., p. 20.
تشير إلى التقدم نحو وجهة معينة واكتساب المعنى لاجتناب الضياع في صحراء الحياة. وفي هذه الرحلة، كانت فضيلة العمل العقلاني وإرجاء الإشباع طاقةً دافعةً، وكان الادخار من أجل المستقبل أهم استراتيجية في تحقيق النجاح، كما صاحب إرجاءَ الإشباع ثقةٌ بالحصول على المكافأة في عالم منظم
وقابل للتوقع. وتكشف صورة الحاجّ (الرأسمالي الزاهد والعامل المنتج) عن هوية تتشكل في
إطار الفعل الاقتصادي والتنظيم العقلاني للعمل الحر، الذي ارتبط بالتقدم الذاتي الأخلاقي وفضائل العزيمة والتضحية والمجاهدة والمثابرة وإرجاء الإشباع. وأصبح العمل هو الوضع الطبيعي للبشرية، والبطالة هي الوضع الشاذ، وتعددت فضائل العمل، وتربع العمل على عرش القيم، وأصبح يؤدي "الدور الحاسم في الطموح الحديث بتطويع المستقبل، والسيطرة عليه، واستغلاله، واستعماره حتى يحلّ النظام محل الفوضى".
2. البستاني
في ضوء مركزية العمل والإنتاج في بناء الهويات، كان من يفتقر إلى صنعة أو حرفة؛ يفتقر إلى أهم وسيلة من وسائل بناء الهوية. وتحوّل العاطلون والفقراء المُعدَمون في القرى إلى فائض بشري،
وجذبتهم فرصة الهوية المجهولة في المدينة، وكان الطابع المراوغ لهذه الهوية المجهولة ينذر بعدم الأمان وعدم الاستقرار. في رحلة الترشيد والعقلنة rationalization، احتاجت الحداثة الصلبة إلى شخصية البستاني الذي يفصل الحشائش الضارة عن النباتات النافعة، ويضع الحدود الفاصلة بين النظام والفوضى. ويستخدم باومان هذه الصورة المجازية للإشارة إلى دور الدولة الحديثة والفلاسفة والعلماء في إرساء النظام والتبشير بمستقبل أفضل. وكان إقصاء العاطلين والمتشردين والغرباء عملية تدميرٍ خلّق؛ لأنهم لا يصلحون للبقاء على خريطة العالم الجمالية والأخلاقية والمعرفية. ولذا عكفت الدولة الحديثة على "إخضاع سكانها إلى فحص سريع كامل حتى تحوّلهم إلى مجتمع منظم، أقرب إلى سلطان العقل.
وكان المجتمع الخاضع لتخطيط عقلاني هو الغاية النهائية المعلنة للدولة الحديثة، فكانت الدولة الحديثة دولة بستنة، وكان موقفها هو موقف البستاني [...] ووُضعت آليات ذات أغراض تهدف إلى
توجيه التغير في اتجاه التخطيط العقلاني". وقد انطوى بناء النظام الحديث على التدمير المادي أو الثقافي للغرباء، وغالبًا ما كان الغرباء في العصر
الحديث مجرد فضلات ناجمة عن حمية الدولة البستانية العاكفة على إرساء النظام. وارتبطت سيادة
(17) Ibid., p. 22. (18) Ibid., p. 23.
(1((باومان، الحداثة السائلة، ص.203
(20) Bauman, Legislators and Interpreters , pp. 43–44. (21) Bauman, Socialism: The Active Utopia (New York: Holmes & Meier, 1976), p. 24.
(2((زيجمونت باومان، الحداثة والإبهام، ترجمة حجاج أبو جبر (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018)، ص.35
(23) Zygmunt Bauman, Postmodernity and its Discontents (New York: New York University Press, 1997), pp. 18–19.
الدولة البستانية في عصر بناء الأمة باستحداث هوية مشتركة متخيلة، وقلّما كانت الهويات القومية طبيعية، بل قامت على إمكانية دمج الخلفيات الإثنية المختلفة في بوتقة صهر واحدة (دولة واحدة لأمة واحدة). لم يهتم باومان بمسألة الهوية الشخصية، على الأقل في جانبها القومي، إلا في عام 1968 عندما جرَّدته
الدولة البولندية من جنسيته وأصبح غريبًا مثل اللاجئين والمهاجرين. وبعدما حصل على الجنسية
البريطانية، عاش في بريطانيا طوال حياته بولنديًّا غريبًا. وعندما حصل على دكتوراه فخرية من جامعة
تشارلز في براغ وطُلب منه قبل الحفل أن يختار عزف النشيد الوطني البولندي أو البريطاني، أصابته الحيرة واختار في النهاية النشيد الأوروبي الذي يقول: كل البشر سيصيرون إخوة Menschen Alle
. werden Brüder
تحتل صورة البستنة مركزية في ثلاثية باومان عن الحداثة الصلبة: أهل التشريع وأهل التأويل (1987)، والحداثة والهولوكوست (1989)، والحداثة والإبهام (1991). وتكشف هذه الصورة عن أهمية العمل العقلاني في تشكيل الهوية في الحداثة الصلبة، بل وعن عواقبه التي راوحت بين الإقصاء والإبادة. وتعرض ثلاثية باومان الثقافة الحديثة بوصفها "ثقافة بستنة؛ ثقافة ترى نفسها خطة لحياة مثالية وتنظيم مثالي لأوضاع الإنسانية؛ ثقافة تستمد هويتها من الارتياب في الطبيعة العفوية"، كما أن "الإبادة الحديثة، مثل الثقافة الحديثة، مهمة يؤديها البستاني". وفيها يتم التعامل مع قطاعات سكانية بوصفها نباتات نافعة لا بد من رعايتها، وقطاعات أخرى بوصفها حشائش ضارة لا بد من اقتلاعها.
3. البطل
قامت الحداثة الصلبة على فكرة الوطنية، وخاصةً فكرة البطل الحديث الذي يعبر عن استعداده للموت في سبيل رفعة الأمة. وكانت الوطنية بهذا المعنى تشير إلى شعور بهوية الارتباط بأرض الوطن والآباء والأجداد وبأمة تختلف عن الأمم الأخرى. ويربط باومان الوطنية القومية البطولية التي سادت الحداثة في مرحلة الصلابة بالعلمنة وتأليه الأمة/ الدولة. فالدولة الحديثة تجنّد البطل الحديث لا في سبيل الخلاص الأخلاقي، بل في سبيل تأمين الخلود المادي العلماني لأمة، ومن ثم تُقام النصب التذكارية دليلً واضحًا على المكتسبات والمنافع المادية التي يحققها الموت في ميدان المعركة. فكان عصر بناء
الأمة/ الدولة هو عصر البطولة أو عصر الحماسة الوطنية البطولية. ويكشف باومان عن صلة البطولة بمشروع الحداثة والعلمنة قائلً: "غالبًا ما توصف الحداثة بأنها زمن العلمنة ('كل ما هو مقدس يُدنَّس'
كما قال ماركس وإنغلز في شبابهما)، كما توصف بأنها زمن 'فكّ السحر عن العالم' [كما قال ماكس
(24) Elirea Bornman, "Struggles of Identity in the Age of Globalization," Communication , vol. 29, no. 1 & 2 (2003), p. 33. (25) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 10.
(2((زيغمونت باومان، الحداثة والهولوكوست، ترجمة حجاج أبوجبر ودينا رمضان، تقديم عزمي بشارة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.190
فيبر]. أمّا ما يسكت عنه هذا الوصف، وينبغي ذكره، فهو أن الحداثة شهدت تأليهًا لأمة وإلباسها لباس سحر عجيب، فصارت الأمة هي السلطة الجديدة، واشتركت في هذه السلطة المؤسسات البشرية التي ادّعت أنها تتحدّث باسم الأمة. ولم يحدث إنكار 'للمقدس' بقدر ما حدث 'نقل عنيف' لسلطته، فانتقل المقدّس إلى الوجود تحت إدارة جديدة، وفي خدمة الأمة/ الدولة الناشئة، والشيء نفسه حدث للشهيد؛ إذ جنَّدته الأمة/ الدولة تحت اسم 'البطل"'. فقد كانت الدولة تحتاج إلى الأمة وتجنيد الأبطال، وكذلك كانت الأمة تحتاج إلى الدولة (السلطة البستانية) حتى تصل الهوية الفردية والجمعية إلى درجة كبيرة من التماثل والتماسك. ولولا ممارسة الدولة لسلطة تصنيف الأصدقاء والأعداء، وتخليد ذكرى الأبطال، لما تحققت الوحدة والتماسك لطرق الحياة المختلفة. وهذا يعني أن الهوية الوطنية كانت من البداية صيحة حرب، وتجنيدًا لأبطال، ومشروعًا يحتاج إلى يقظة وجهد وقوة وسيادة. ويصف باومان الحاجة المتبادلة بين الأمة والدولة قائلً: "كانت الأمم الصاعدة تحتاج إلى سلطة الدولة حتى تشعر بالأمن، وكانت الدولة الناشئة تحتاج إلى الحماسة الوطنية حتى تشعر بالقوة، فكانت الأمة بحاجة إلى دولة، والدولة بحاجة إلى أمة حتى يُكتب لهما البقاء. فاحتاجت الدولة إلى رعاياها المحبين لأمة، والمستعدين للتضحية بحياتهم الفردية من أجل بقاء 'الجماعة المتخيلة' التي تمثلها الأمة؛ كما احتاجت الأمة إلى أعضائها باعتبارهم رعايا لدولة تملك سلطة تجنيدهم الإلزامي في سبيل 'قضية قومية'، وإذا اقتضى الأمر، فإنها تجبرهم على التضحية بحياتهم في سبيل خلود الأمة. وهكذا وجدت الدولة والأمة أنسب حل لمشكلاتهما في فكرة الموت المجهول الذي يُفضي إلى الخلود غير الشخصي". يستشهد باومان بتعريف فيبر للدولة بوصفها القوة الفاعلة التي تحتكر وسائل القهر واستخدامها داخل أرض سيادية، ويؤكد أن السيادة الإقليمية والتشريعية والتنفيذية للدولة لم تنفصل عن السيادة الاقتصادية والثقافية والعسكرية (القائمة على تضحية الأبطال البواسل وتخليد ذكراهم)، وكان الهدف من ذلك هو احتكار موارد القوى الاجتماعية المتفرقة وتوظيفها في حفظ هوية الدولة وتميزها عبر الهوية المميزة لرعاياها وأبطالها.
ثانيًا. صور الهوية في الحداثة السائلة
رأى باومان أن الخيال السوسيولوجي يحتاج إلى استحداث صور مجازية جديدة تناسب الأزمنة الجديدة المتغيرة وتحدياتها الجديدة. ففي عصر العولمة، تتسارع إذابة المؤسسات والأطر الاجتماعية، وتتحوّل الهوية نفسها إلى عبء ثقيل يقيّد الحرية والمرونة اللازمة لاصطياد الفرص المستقبلية في
(2((زيجمونت باومان، الحياة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016)، ص.73–72
(28) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 21.
(2((زيجمونت باومان، الخوف السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2017)، ص.65
(30) Zygmunt Bauman , Globalization: The Human Consequences (Cambridge: Polity Press, 1998), pp. 61–62.
عالم استهلاك الأشياء والبشر على السواء. فلم تعد الهوية تقوم على امتلاك قوة وعزيمة كافيتين لمواصلة الرحلة، بل تقوم على انتقاء أقل المنعطفات خطورة عند أقرب نقطة تقاطع من أجل تغيير الاتجاه قبل أن ينسدّ الطريق أو قبل تحويل مساره النهائي. وهذه صورة مجازية يستخدمها باومان للإشارة إلى ضرورة اليقظة والانتباه للخيارات الأخرى في حالة سحب الهوية المختارة من السوق أو تجريدها من قواها الجذابة. سأركز في هذا القسم من الدراسة على أهم الصور المجازية التي يوظفها باومان في استكشاف مشكلة الهوية في عصر العولمة والحداثة السائلة. ويدرك باومان أنه ليس من السهل الجمع بين هذه الصور المجازية في نموذج واحد متماسك أو في أسلوب واحد للحياة، وهذا يشير إلى عدم استقرار استراتيجيات الحياة وتداعياتها السلبية على التوجهات السياسية والأخلاقية؛ لأنها تفضي إلى علاقات إنسانية مفككة ومتشظية ومتقطعة لا ترغب في الالتزامات والواجبات الطويلة الأمد. ويؤكد باومان أن هذه الصور أنماط حياتية قديمة وليست ابتكارات ما بعد حداثية، لكن العولمة تعيد تشكيلها وتضفي عليها سمات جديدة.
1. اللاعب
تتحوّل الحياة من رحلة الحاجّ الباحث عن غاية كبرى إلى لعبة لانهائية من البدايات الجديدة والنهايات
السريعة. فلا مجال لوضع خطط مفصلة وطويلة الأمد في لعبة الحياة السريعة؛ لأن قواعد اللعبة تتغير حتى قبل نهايتها، ويتحول الزمن إلى حلقات منفصلة عن ماضيها ومستقبلها، لحظات مكتفية بنفسها ومنغلقة على نفسها، ولا مجال فيها لاستدعاء عزيمة رحلة الحاجّ القائمة على إرجاء الإشباع والتضحية
والمثابرة في لحظات المحاولة والخطأ والانتصار والانكسار. ففي هذه اللعبة، يصدر الحنين إلى الهوية عن رغبة في الأمن والأمان (أمن الوظيفة، وأمن العائلة، وأمن العلاقة الزوجية، وأمن الجيرة)، وعن خوف من الهجران والوحدة في زمن اللايقين المزمن، ولكن يتضح أن الهويات نعمة ونقمة تتأرجح بين الحلم والكابوس. تتصدر المشهد حرية المناورة التي أصبحت القيمة الحاكمة لكل القيم؛ فإنها الانفتاح على الاختيارات وذوبان الأطر المرجعية والمعايير الاجتماعية القديمة. أمّا الهوية المتسقة والمتماسكة فتنذر بإغلاق الباب أمام الفرص والعروض والخيارات المحتملة وغير المحتملة؛ وذلك لأن أفضل الهويات المطلوبة في عصر العولمة هي الهويات التي يمكن ارتداؤها وخلعها كما نرتدي الملابس ونخلعها،
(31) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , pp. 51–53. (32) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 126. (33) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 33. (34) Ibid., p. 26. (35) Ibid., p. 25. (36) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 38. (37) Bauman, "Identity in the Globalising World," p. 126.
من دون عواقب أو التزامات. وبالطبع يصاحب هذه النزعة الفردية انسحابٌ من المشاركة الاجتماعية والسياسية، وخصخصة صراعات الحياة. لم تعد استراتيجية الحاجّ ممكنة، وتتضاءل فرص نجاحها، بل إن قواعد اللعبة في المجتمع الاستهلاكي تتغير في أثناء اللعب. ويكمن الخلاص الفردي في ممارسة ألعاب صغيرة وقصيرة الأجل، والحذر من الالتزامات والروابط الطويلة الأمد، وعدم التقيد بمكان ثابت، وعدم التقيد بوظيفة واحدة مدى الحياة، وعدم الولاء لأي شخص أو لأي شيء. وهذا يعني قطع الحاضر عن الماضي، وإلغاء الزمن، وتحوّل كل الزمن إلى حاضر أبدي. وهنا يفقد إرجاء الإشباع معناه، بل تفقد كل الإرجاءات معانيها. فلم تعد المشكلة في البحث عن الطرق التي نبني بها الهوية، بل كيف نمنعها من الالتصاق بنا؛ وذلك لأن الهوية الصلبة المتشكلة في إطار الالتزامات والواجبات تحوّلت من مكسب إلى مغرم. ولا تحتاج استراتيجية الحياة في عصر العولمة إلى اجتهاد الفرد في بناء هوية متماسكة ومتسقة، بل إلى مهارة اللاعب في اجتناب تثبيت الهوية. لقد انتهى زمن الوظيفة الدائمة مدى الحياة، فأصبحت الوظائف تظهر وتختفي دون إشعار، ولم تعد المهن والوظائف رسالة أخلاقية، ولم تعد تدوم المهارات المطلوبة للمهن، بل تتغير دومًا في أثناء اكتسابها، كما لم تعد تتمتع الوظائف ولا أماكنها بالثبات أو الاستقرار بعدما أذابت قوى العولمة الأماكن نفسها التي يمكن أن يستقر الناس فيها لبناء الهوية بوصفها مشروع حياتهم، بل إن كلمة الترشيد أو العقلنة rationalization أضحت تعني اختفاء المزيد من الوظائف والأماكن وعدم استقرار شبكة العلاقات الإنسانية. هنا يؤكد باومان أنه "عندما يسود فقدان الأمان، ويدرك الناس أنه لا مفر منه، فإن الوجود [...] يصير أقرب إلى لعبة، يكون فيها 'العالم الخارجي' أحد اللاعبين، ويسلك مثلما يسلك اللاعبون كافة، يُداري أوراقه ويخفيها. وكما يحدث في أية لعبة من الألعاب، تميل خطط المستقبل إلى أن تكون وقتية ومتغيرة ومتبدلة". ويلخّص باومان هذا الانتقال من استراتيجيات الحاجّ والبستاني والبطل إلى استراتيجية اللاعب قائلً: "تَحوَّل العمل من عالم بناء النظام والتحكم في المستقبل إلى عالم اللعب، وصارت أفعال العمل تشبه إلى حد بعيد استراتيجية اللاعب الذي يضع لنفسه أهدافًا متواضعة قصيرة المدى لا تتجاوز الخطوة التالية أو الخطوتين التاليتين".
(38) Ibid., p. 127. (39) Ibid. (40) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 24. (41) Ibid., p. 24. (42) Ibid. (43) Ibid., p. 25.
(4((باومان، الحداثة السائلة، ص.203 ((4(المرجع نفسه، ص.205
فعالم اللاعب هو عالم ضربة الحظ، وفيه يتحول الزمن إلى سلسلة من الألعاب المنفصلة والمنغلقة على نفسها والمكتفية بنفسها، ولكل لعبة بداية ونهاية، ولا مجال للشفقة والرحمة والمواساة، وتتحول العلاقات إلى ألعاب حرب غير رحيمة. وترتبط هذه الصورة المجازية بفك الارتباط، واجتناب الالتزام، وقمع الوازع الأخلاقي، والتمركز حول الذات، والقلق الدائم، واللايقين المزمن، وفقدان الأمان. يسود العالم المعولم حالة متنامية من اللايقين، والأحداث السريعة المتوالية، وتتابع البدايات الجديدة أو النهايات السريعة الهادئة. ويقارن باومان هذا النمط السائل للوجود بلعبة الكراسي الموسيقية، وإن كانت لعبة واقعية وخطرة ومخيفة؛ لأنها تهدد باستبعاد الضعفاء والفقراء، وربما تؤدي غفلة اللاعب إلى هزيمة نهائية واستبعاد نهائي. ويرى باومان أن هذه الحياة السائلة تكشف عن تحول في فكرة التقدم نفسها، فيقول: " تحوَّلت فكرة ' التقدم ' إلى واقع مرير وجبريّة متطرفة، بعدما كانت أبرز تجلّيات التفاؤل
الجذري والأمل بتحقيق السعادة الدائمة للجميع؛ فصارت ترمز إلى تهديد دائم وحتمي لا يبشّر بالراحة والسكينة، بل ينذر بالشدة والمشقّة الدائمتيْن، ويحرِّم أية لحظة للراحة، مثل لعبة الكراسي الموسيقية
التي تؤدي الغفلة اللحظية فيها إلى هزيمة محقّقة واستبعاد نهائي. فلم تعد فكرة ' التقدم ' توحي بالآمال الكبرى والأحلام الجميلة، بل صارت تشير إلى المعاناة من الأرق وكوابيس الخوف من ' التخلف عن الركب '، أو فقدان القطار، أو السقوط من نافذة مَركَبة تسير بسرعة فائقة ". ليس بمستغرب، إذًا، أن يتعرض الخيال الطوباوي المرتبط بالإنتاج والبطولة والتضحية إلى سخرية بالغة، وأن تظهر "السيادة المطلقة لمبدأ اللذة في عالم الاستهلاك". وليس بمستغرب أن تتوارى صور الحاجّ والبستاني والبطل حتى تفسح الطريق إلى "نهاية اليوتوبيا"، وأفول الخيال الطوباوي، والانتقال
من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، والتحول من التدخل الصارم الذي كان يمارسه البستاني إلى متاهة اللاعب، حيث "يُقاس العمل بقدرته على التسلية والإمتاع، فلا يُشبع الرسالة الأخلاقية البروميثانية
للمنتِج والمبدِع بقدر ما يشبع الحاجات والرغبات الجمالية لكل من المستهلك، والباحث عن اللذات الحسية، والهاوي لجمع التجارب". تقترب الحداثة في مرحلة السيولة من "ثقافة الكازينو،" حيث تتحول الحياة إلى ألعاب فردية تتألف من حلقات مغلقة ومتمركزة حول نفسها، وتستمد حركتها من داخلها، بل تتحول إلى سلسلة من البدايات الجديدة أو مجموعة من القصص القصيرة. وفي هذه اللعبة، يصبح الإسراف في الاستهلاك علامة النجاح والشهرة، ويغدو امتلاك بعض الأشياء أو استهلاكها شرطًا ضروريًّا للسعادة، وربما للكرامة الإنسانية.
(46) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 31.
(4((باومان، الحياة السائلة، ص.99
(48) Bauman, Intimations of Postmodernity (London/ New York: Routledge, 1992), p. 50.
(4((باومان، الحداثة السائلة، ص.206
(50) Bauman, "As Seen on TV," Ethical Perspectives , vol. 7, no. 2 (2000), pp. 107–121. (51) Bauman, Postmodernity and its Discontents , p. 40.
لا يتمتع اللاعب بفانتازيا الهوية إلا بالقدرة على التسوق في سوبر ماركت الهويات. وتكمن المفارقة في أن المواد والأدوات المصنوعة بالجملة تصبح وسائل للتنوع الفردي والهوية الفريدة والمتفردة. فلا يحتاج اللاعب إلى تحمل عبء فضائل العمل والتضحية وإرجاء الإشباع، بل يكفيه اللعب الجمالي المرتبط بالأنظمة الغذائية المتقدمة، وأجهزة اللياقة البدنية، والتصميمات والديكورات الجديدة، والأرضيات الخشبية، والسيارات المتعددة الأغراض، والسترات الأنيقة، والأحذية الرياضية الحديثة، والاعترافات العامة بالأسرار الحميمة المثيرة، وعجائب تعديل الجينات الوراثية، والعقاقير العجيبة. في هذا العالم المعولم، يستعصي على اللاعب فهم الانتحاريين الذين يضحّون بحياتهم بكل ما فيها من مباهج وملذات لصالح قضية دائمة أو نعيم أبدي. فالقيمة الكبرى هي البقاء الفردي، وما غير ذلك فمجرد استثمار هزيل، ويصبح الاستهلاك الآني هو الغاية الكبرى، ويصبح الإشباع الآني هو الخلاص الوحيد. وهذا يعني أن الحياة السائلة يمكن أن تستغني عن الشهداء والأبطال، بل إنها تحارب أي مظاهر تؤيد الاستشهاد أو البطولة، وتعتبرها مظاهر لاعقلانية غير مجدية: "ففي عالمنا [الغربي الاستهلاكي]، يبدو من الصعب، وربما من المستحيل، أن نفهم السبب الذي يجعل أناسًا في أنحاء أخرى من العالم يضحّون بحياتهم في سبيل 'قضية' ما، أن نفهم السبب الذي يجعلهم يختارون الموت ما دامت تضحيتهم تساعد 'القضية' على أن تبقى حيّة وتنتصر في نهاية
المطاف [...] فعندما نسمع عن 'الانتحاريين'، نحاول أن نخفي حيرتنا ودهشتنا وراء مقولات من قبيل 'التعصب الديني'، و'غسيل الدماغ'، وهي مقولات تشير إلى عجزنا عن فهم هذا اللغز المُحيِّر
بدلً من تفسيره. وربما نحاول أن نتخلّص من حيرتنا (مؤقتًا على الأقل) بعزو دوافع معينة إلى الانتحاريين يسهل فهمها، فنقول إنهم سُذَّج، غُرِّر بهم بوعود كاذبة، ولمّا وثقوا بتلك الوعود، فعلوا
ما فعلوا من أجل مكاسب شخصية وسعادة شخصية (أفراح أبدية فيها ما لذَّ وطاب، وملذات جنسية تنتظر الشهداء في الجنة). وهي دوافع تشبه تمامًا الدوافع التي عهدناها، ونصبو إلى تحقيقها في حياتنا الدنيا". الحياة الحديثة السائلة تحوّل العالم بأسره، بما في ذلك البشر وطرق حياتهم، إلى مواد استهلاكية. وعندما تفقد الموضوعات والبشر والتقاليد نفعيتها أو قيمتها الأداتية، فمن الممكن، بل من الأفضل، التخلص منها بسرعة؛ وذلك لأن متعة سباق الحياة "تعود في نهاية الأمر إلى الراحة التي يجلبها الهروب منه بسلاسة ومن دون ألم". فلا يعرف سباق الاستهلاك شفقة ولا رحمة، ويقول باومان: "يكمن الرهان الحقيقي في هذا السباق في النجاة (المؤقتة) من الاستبعاد والإدراج في صفوف الهالكين،
(5((باومان، الحداثة السائلة، ص.140 ((5(المرجع نفسه، ص.30
(54) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 73. (55) Ibid., p. 74.
(5((باومان، الحياة السائلة، ص.68–67 ((5(المرجع نفسه، ص.22
ويكمن كذلك في اجتناب الإلقاء في سلة المهملات. وما دامت المنافسة تتحوّل إلى منافسة عالمية،
فإن الجري لا بد من أن يكون حول مضمار عالمي". في هذا السباق، يحرص اللاعب على اصطياد العلاقات الجنسية الصافية التي يمكن تشكيلها حسب حاجاته ورغباته بعيدًا عن قيود الارتباط الدائم والمصاهرة والتكاثر وإعداد أجيال المستقبل. فهذه العلاقات غير الثابتة لا يمكن أن تؤدي إلى هويات ثابتة، فلا مجال للالتزام القوي ولا الارتباط العميق ولا الإخلاص، بل تكمن النجاة في براعة التهرب من الواجبات. لقد توارى خطاب الميول الجنسية والهوية الجنسية بوصفها هبات طبيعية أو تشكلات ثقافية، وتُرك الأمر إلى قدرة اللاعب على تحديد الهوية أو الهويات الجنسية التي تناسبه على أفضل وجه. في عصر العولمة، تفتقر الهوية الجنسية إلى الوضوح، ويجري اختزال الهوية الإنسانية المركبة في الإنسان ذي البعد الواحد (الاقتصادي الاستهلاكي). ولا يسمح العالم الذي يحكمه اقتصاد السوق بالدخول إلا للإنسان الاقتصادي والإنسان الاستهلاكي. وتكمن ميزة الهويات التي تروجها السوق في أنها تأتي كاملة مع عناصر القبول الاجتماعي، فلا حاجة إلى تأكيد الذات لأن القبول الاجتماعي مدمج في المنتج من البداية. بل إن العولمة تتجاوز فكرة الهوية الجنسية نفسها، ويجري اختزال العلاقة الجنسية المركبة إلى نشاط جنسي محض يهدف إلى إشباع الرغبة الجنسية وتفريغ التوتر والتنفيس عنه، ويتحول شريك الحياة إلى وسيلة قابلة للاستبدال. تصبح الهوية جذابة ومنفرة، مرغوبة ومكروهة، خاصةً في العلاقات الشخصية القائمة على الحب والشراكة والارتباط والحقوق والواجبات؛ لأن الحب فعلٌ من أفعال العلو، وتعبيرٌ عن الطاقة المبدعة
المحفوفة بالمخاطر واللايقين. أمّا النمط الاستهلاكي في العلاقات فيقضي بأن القيمة الوحيدة هي القيمة الاستعمالية لأشياء وقدرتها على منح الإشباع، وما إن يتوقف الإشباع حتى يتجه الفرد إلى التخلص من الأشياء غير المفيدة. هذا النمط الاستهلاكي المهيمن يسري على البشر والحيوانات الأليفة، حيث يتم التخلص من الكلاب كل ثلاثة أشهر من أجل الحصول على كلاب أكثر مواكبة للموضة. ويتحول البشر والحيوانات إلى نفايات يتم التخلص منها في أقرب مكبّ للنفايات، ولا فرق بين الحيوانات والبشر في سياق حضارة
الفوارغ لأنهم جميعًا موجودون لغرض واحد وهو الإشباع. وعندما يفقدون القدرة على الإشباع
((5(المرجع نفسه، ص.24
(59) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 25.
(6((زيجمونت باومان، الحب السائل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016)، ص.92 ((6(المرجع نفسه، ص.109
(62) Zygmunt Bauman & Tim May, Thinking Sociologically , 3 rd ed. (Oxford: John Wiley and Sons, 2019), p. 87.
ترجَمتُ هذا الكتاب إلى العربية تحت عنوان التفكير سوسيولوجيًّا، وهو قيد النشر في دار الروافد الثقافية في بيروت.
(63) Ibid., pp. 87–88. (64) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , pp. 61–64.
المتوقع، تنعدم قيمتهم. ويسود صراع الرغبة في الارتباط والخوف منه، ويتمتع اللاعب بقلة من العلاقات العميقة وكثرة من الاتصالات السطحية. تتوارى مفاهيم الذات والهوية، وتتبدى مركزية الجسد، بيد أن الاحتفاء بالجسد لا يتمركز اليوم حول تكثيف الإنتاج والتراكم الرأسمالي (أخلاقيات الزهد البروتستانتي كما ساقها فيبر) في المواقع الصناعية أو الخدمة العسكرية البطولية في الجيوش النظامية. وترتبط هذه الظاهرة بديناميات السوق التي حلّت محل المصنع وميدان المعركة، وتتصدر المشهد النزعات الحسية الجسدية بوصفها الغاية النهائية لسياسة
الحياة، ويشغل الجسد "مكانة فريدة لا يضاهيها أي دور أُسند إلى أي كيان آخر في عالم الحياة".
2. السائح
ليست شخصية السائح صورة جديدة، بل لقد شهدت الحداثة الصلبة ميلاد شخصية المتسكع الشغوف الذي يتجول في المدينة بلا هدف (الفلانور flâneur). كانت هذه الشخصية تستمتع بمباهج المدينة دون الارتباط بعذاباتها. فقد كانت شخصية هامشية ترى الحياة نزهة، كما كانت تحيا على هوامش الحياة الواقعية، أمّا الآن فيتنزه الجميع وهم يتسوقون، وتتحول مراكز التسوق إلى "جزر ما بعد حداثية في البحر الحديث"، بحيث يمكن الدخول في الهويات والخروج منها بسهولة، وهكذا تتوارى صورة الحاجّ (الرأسمالي الزاهد، والعامل المنتج، والبطل الشهيد) ليحل محله المتنزِّه الاستهلاكي. كان السائح يسكن هوامش الفعل الاجتماعي، وكانت السياحة فعلً هامشيًّا انتقل اليوم إلى مركز الفعل
الاجتماعي؛ حيث يعيش السائح في حركة دائبة، ينتقل من مكان إلى آخر، ولا ينتمي إلى أي مكان، بل يتجول بدافع البحث عن تجربة جديدة، ويبحث بوعي عن تجربة الاختلاف والجدة بعيدًا عن المألوف بغرض الإثارة واللذة والمتعة. ويقود السائح معايير جمالية على حساب الأبعاد الأخلاقية، وهو يؤكد حقه في عدم الإزعاج، والتحرر من أي فضاء غير الفضاء الجمالي، إلى أن يعود إلى بيته بعد مغامراته السياحية. وفي عصر العولمة، تتحول السياحة إلى نمط حياة، وتشير إلى الخوف من التقيد بالوطن والمكان. وهنا يتحول الوطن إلى خليط من المأوى والسجن؛ لأن السائح يريد مزيدًا من الفضاء، والفضاء هو آخر شيء يمكن أن يجده المرء في الوطن. ويتحول الناس والعالم في نظر السائح إلى موضوع جمالي، إلى مسألة تذوّق وليس مسألة مسؤولية، ويتحول العالم إلى أشياء ممتعة لا بد من اعتصارها للتلذذ بها بأقصى قدر ممكن.
(65) Ibid., p. 65. (66) Ibid., pp. 68–69.
(6((باومان، الحياة السائلة، ص.126
(68) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 27. (69) Ibid., p. 29. (70) Ibid., p. 30. (71) Ibid., p. 31. (72) Ibid., p. 34.
تخدم العولمة أحلام السيّاح ورغباتهم، وفي أثناء ذلك تتحول البقية إلى صعاليك. فالسيّاح
والصعاليك مستهلكون، وإن كان الصعاليك مستهلكين مساكين، وربما كائنات غير نافعة، وكائنات غير مرغوبة، وكائنات مفتقرة إلى الوسائل والإمكانات التي يمتلكها السيّاح. كما أن الصعلوك هو
الأنا الأخرى للسائح، لكن الخط الفاصل بينهما ليس واضحًا وثابتًا على الدوام. وبينهما تقع أغلبية
المستهلكين والمسافرين، وتشير يوتوبيا السائح إلى عالم بلا صعاليك، وهنا يجري تجريم الفقر في عالم تسوده سياحة الأثرياء والنخب العولمية. وتؤدي سطوة مبدأ اللذة إلى تحوّل العالم بأسره إلى طبقتين: طبقة السيّاح وطبقة الصعاليك.
فالصعاليك هم نفايات العالم التي تسخِّر نفسها في خدمة السيّاح، ويقول باومان: "السائح يبقى أو
يرحل كما يحب ويهوى، فيرحل عن موقع عندما تظهر له فرص في موقع آخر. أما الصعلوك المشرد فيعرف أنه لن يمكث في أي مكان طويلً مهما تطلّع إلى ذلك، فما من مكان يرحب به إذا مر به. وينتقل السائح لأنه يجد العالم الذي يسهل الوصول إليه جذابًا أيما جاذبية، أما الصعلوك المشرد
فيتنقل لأنه يجد العالم الذي يقبع فيه لا يرحب به ولا يطيق ضيافته على الإطلاق. فيسافر السائح لأنه يريد ذلك، أما الصعلوك المشرد فيسافر لأنه لا يملك خيارًا آخر". في ضوء هذه المقاربة المجازية للوضع الإنساني، يبدو أننا جميعًا عالقون في سلسلة متصلة تمتد بين قطبين، وهما: السائح المثالي والصعلوك البائس. وتشير الحداثة السائلة إلى التحول من الاحتفاء بالمنتجين والأبطال إلى الاحتفاء بالسيّاح والمشاهير. بيد أن عصر العولمة الذي تهيمن عليه حالة
السيولة لا يمكن أن تصوّره دون وجود الصعاليك، لأنهم ربما يمثلون للنخب العولمية السياحية مواد
نافعة أو جماعات وظيفية. كما ترتبط صورة السائح بفكرة "الثقافة الهجينة"، ويرى باومان أنها صورة مجازية تضفي رونقًا أيديولوجيًا ظاهريًّا على التحرّر من المحلية. وعلى منوال النخب العولمية التي تسكن "اللاأماكن"،
تبحث الثقافة الهجينة عن هويتها في "عدم الانتماء"، ولا يعتد الهجين الثقافي بالحدود التي تقيّد حركة
المحليين. وتمثل هذه الفكرة تناقضًا في فكرة الهوية بالمعنى الذي حدده جان بول سارتر (مشروع لا ينتهي)، وبالمعنى الذي حدده بول ريكور (مزيج من الهوية الشخصية التي تفترض التماسك والاتساق، والهوية العينية التي ترمز إلى الاستمرارية). فهذه سمات ترفضها "الهوية الهجينة".
(73) Bauman, Globalisation , p. 93. (74) Ibid., p. 96. (75) Ibid. (76) Ibid., p. 97. (77) Ibid., pp. 92–93.
(7((حجاج أبو جبر، نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.227 (7((باومان، الحياة السائلة، ص. 55 ((8(المرجع نفسه، ص.56
بيد أن النخبة المثقّفة العولمية غير المتجانسة ترى "التهجين" بديلً من استراتيجية "الاستيعاب"، وصفقة مجملة تشمل التعددية الثقافية، والتسوية بين الثقافات، وإلغاء تراتبية الثقافات التي لا يمكن أن يشكّل أيّ منها إطارًا مرجعيًّا لتشكيل الهوية على المدى البعيد (السيولة الشاملة). يرمز التهجين إلى صيرورة الموضة، إلى "حركة تتجه نحو هوية غير ثابتة، بل وغير قابلة للثبات"، مما يعني ضرورة الانفتاح على الخيارات المتاحة كافة. فالثقافة الهجينة "تأكل كل ما تجده، فلا تتقيّد بالتزام ولا اختيار ولا تحيّز، بل تقودها رغبة واستعداد للتلذّذ بكل ما تجده في طريقها، وأن تستسيغ الأكلات وتهضمها كافة". وهذه الحالة الجديدة من "ميوعة" الذات توصف بأنها "حرية"، لكنها هوية مائعة. ويرى باومان أن هذه الهوية المائعة تتبدى في بوتقة الصهر الأميركية؛ لأن أميركا تجريب لكافة المواد الخام التي يمكن استخدامها في تشكيل الهوية؛ حيث إنها سوق استهلاكية، ومصنع هويات، وقلة من القيم المشتركة التي تحافظ على تماسك المجتمع. وتتسم هذه الهوية المائعة بالاختيار الفردي لطريقة الحياة، كلٌّ بحسب قدرته واختياراته وتفضيلاته، مع استدعاء دائم لأعداء (الشيوعيين وما دون الطبقة)، حيث لا يتحقق التماسك إلا بالمخاوف المشتركة والكراهية المشتركة، والطبيعة المؤقتة لكل هوية، والاختيار بين عدد لانهائي من النماذج الثقافية المعروضة. أمّا مشروع التكامل الأوروبي فقد بدأ بعد الحرب العالمية الثانية محاولةً لإرساء السلام في القارة الأوروبية وحلّ المشكلة الألمانية واحتواء جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وكان يُعتقد أن هذا التكامل سيعزز سيادة الدول القومية، لكن بعد نهاية الحرب الباردة تبين أن الضرورات الاقتصادية هي أهم عامل في سياق العولمة الاقتصادية المتزايدة (حتى في الحرب الروسية الراهنة على أوكرانيا كانت كل العقوبات اقتصادية، بل كان الوعد الذي قطعه الاتحاد الأوروبي على نفسه هو توفير مساعدات عسكرية فتاكة لأوكرانيا في مواجهة روسيا). ولذا يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى بعد ثقافي في اختراع الهوية؛ لأن المواطنة الأوروبية البازغة تحتض الأوروبيين وتُقصي غير الأوروبيين، ولذا تواجه مشكلة في التعامل مع الأقليات المهاجرة، وتقوم هوية الإقصاء على التمييز على أساس الدين والعرق: الأمم المسيحية البيضاء في مقابل الأقليات غير المسيحية غير البيضاء (ويتبدى ذلك في الخطاب الراهن حول حرب روسيا على أوكرانيا والذي يميز بين التحضر النسبي للاجئين الأوكرانيين، وعدم تحضر اللاجئين السوريين والأفغان والعراقيين والأفارقة).
((8(المرجع نفسه، ص.57 ((8(المرجع نفسه، ص.58 ((8(المرجع نفسه. ((8(المرجع نفسه، ص.59
(85) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , pp. 81–83. (86) Bornman, "Struggles of Identity in the Age of Globalization," p. 37. (87) Ibid., p. 38.
لقد تحررت الإثنيات العرقية من أقفاص الاتحاد الشيوعي، وتتطلع إلى التمتع بحرية الاختيار وإذابة استقلالها السياسي والاقتصادي والعسكري في السوق الأوروبية وحلف شمال الأطلسي "الناتو"، والمطالبة بمقعد في الأمم المتحدة. وهنا تتوارى سلطة المفكرين والمثقفين، فلا يؤدون دور البستاني، بل يؤدي المفكر والمثقف دور المعلِّق المتواضع على استراتيجيات الحداثة السائلة. ويقول باومان: "لا يمتلك المفكرون (مثل أي شخص آخر) سيطرة على قوى السوق، وليس بوسعهم أن يأملوا بواقعية في امتلاك أية سيطرة". وتصبح السوق هي الفردوس الاستهلاكي، ومملكة الحرية والتحرر، والفضاء الوحيد لممارسة حرية الاختيار والديمقراطية والهوية الهجينة والهوية المائعة.
3. الصعلوك
المعنى السائد للعولمة هو عولمة المال والأعمال والتجارة وتدفق المعلومات، لكن المعنى الآخر الذي يركز عليه باومان هو عولمة الفقر والجريمة والإرهاب. ربما تبدو العولمة حرية جديدة مرغوبة لأقلية من الناس (السيّاح)، لكنها تبدو قدرًا قاسيًا غير مرغوب لأغلبية الناس (الصعاليك أو الفقراء
الجدد أو الجماعات الوظيفية أو الجماعات الخطرة أو ما دون الطبقة بالمعنى الذي حدده باومان). فصارت حرية الحركة والتنقل التي تتيحها العولمة إحدى القيم العليا في الأزمنة ما بعد الحديثة (السائلة)، لكنها سلعة غير موزعة بالتساوي، بل تتمتع بها قلة من النخب العولمية. وفي ظل هذه التراتبية الجديدة تمثل حرية الحركة والتنقل نعمة للسيّاح ونقمة للصعاليك الذين يعانون اللايقين
الوجودي والقلق والخوف. ترتبط التراتبية العولمية بإعادة توزيع الامتيازات والحرمانات، الثروة والفقر، القوة والعجز، حرية الحركة وتقييدها. وهذا يعني أن العولمة ليست مجرد تركيز رأس المال وموارد الاختيار الحر، بل هي أيضًا تركيز الحرية وخدمة قلة من الناس؛ ذلك لأن ثروة ما يقرب من ثلاثمئة من أكبر أثرياء العالم تعادل دخول ثلاثة مليارات من الأفراد الفقراء (ما يقارب ال 50 في المئة من سكان العالم). لا يجد الصعاليك الجدد أماكن الانتماء؛ حيث تختفي المصانع مع الوظائف ولا تجد المهارات من يشتريها، وتتحول المعرفة إلى جهل، وتتداعى شبكات العلاقات الآمنة، ويصير الصعلوك صعلوكًا ليس بسبب صعوبة الاستقرار أو التردد في الاستقرار، بل بسبب ندرة الأماكن المستقرة. ويمكننا أن نستشف من كتابات باومان أن عالم الصعاليك يضم جميع الفئات المفتقرة إلى الهوية في العالم السياحي المعولم. من بين صعاليك اليوم فئةٌ تسمى "ما دون الطبقة" underclass (المتسربون من التعليم، ومتلقّو الإعانات من الدولة، ومدمنو المخدرات، والمشرَّدون، والشحاذون). وتشير "هوية ما دون الطبقة"
(88) Bauman, Globalisation , p. 64. (89) Bauman, Legislators and Interpreters , p. 167. (90) Bauman, Globalisation , p. 70. (91) Bauman, "From Pilgrim to Tourist," p. 29.
identity underclass إلى غياب الهوية، وإنكار الفردية، وإنكار الوجه البشري (الذي هو محل الواجب الأخلاقي والرعاية الأخلاقية)، ومن ثمّ إمكانية طرد من ينتمون إلى هذه الفئة خارج الفضاء الاجتماعي
الذي يبحث فيه الناس عن الهويات ويختارونها. ويرى باومان أن الصعاليك هم نفايات العالم الذي يسخّر نفسه في خدمة السيّاح، إنهم الفقراء الجدد؛ وهؤلاء ليسوا بمستهلكين أو ربما يكونون
مستهلكين مساكين لا بد من ضبطهم بالقمع والمراقبة. من بين صعاليك اليوم اللاجئون؛ فهم أناس بلا دولة، وبلا وثائق رسمية، وبلا أرض في عالم السيادة على الأرض، إنهم أناس يعانون كل أشكال الحرمان، والمنع من الوجود الفيزيائي داخل الأرض التي تحت الحكم السيادي باستثناء اللاأماكن التي تسمى معسكرات اللاجئين أو معسكرات طالبي اللجوء، على العكس من فضاء الإنسان الطبيعي الكامل الذي ينعم بالحياة وحرية الحركة والتنقل. تتحدد هوية اللاجئين في أرض مجهولة بين الجدران، والأسلاك الشائكة، والبوابات المحكمة، والحراس المسلحين، وهذا الإقصاء الدائم يحوّلهم إلى نفايات بشرية لا تحتاج إلى سمات الهوية
الفردية، ومن المستبعد إعادة تدويرهم وتحويلهم إلى أعضاء شرعيين في المجتمع الإنساني والاجتماعي. وأصبح الساسة يبذلون جهدهم ووقتهم وطاقتهم في تصميم أحدث الطرق لإغلاق الحدود وتحصينها. وفي سبيل إقامة "أوروبا الحصينة" يقوم الاتحاد الأوروبي بتحويل الأموال إلى بلدان أوروبا الشرقية والوسطى حتى قبل منحهم عضوية الاتحاد، وهي أموال مخصصة للتكنولوجيا المتطورة اللازمة لتحصين الحدود الشرقية من تطفل الغرباء. يتحول اللاجئون والمشردون والعاطلون إلى حالات يستعصي وصفها بالمصطلحات المعتادة التي نحدد بها الهويات البشرية. إنهم يجسدون حالات مبهمة يستعصي تحديدها" undecidables؛ فهم ليسوا مجرد جماعات منبوذة untouchables، بل جماعات خارج طوق الفكر unthinkables، وجماعات خارج طوق الخيال unimaginables. وبذلك يمنع المجتمع الغربي اللاجئين ليس فقط من حق الوجود الفيزيائي بينهم، بل من حق الحضور في مرآة الخيال. كما تشير مخيمات اللاجئين إلى "حالة مؤقتة متجمدة"، إلى سجون و"غيتوات فائقة"، إلى البقاء على قيد الحياة في يأس يومي. ويسكن هذه المخيمات أشتات بشرية عاجزة عن البقاء بنفسها، وتحتاج دومًا إلى النخب الداعمة أو قوى الدولة من أجل رعايتها والسيطرة عليها. فعلى العكس من النخب
العولمية التي تتمتع بحرية الحركة والتنقل، يبدو اللاجئون أهدافًا سهلة وساكنة وعاجزة، لكنها مخيفة
(92) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 39. (93) Bauman, Globalisation , p. 92. (94) Bauman, Legislators and Interpreters , pp. 180–181. (95) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 39.
(9((زيجمونت باومان، الأزمنة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2017)، ص.63 ((9(المرجع نفسه، ص.74 ((9(المرجع نفسه، ص.67
وخطرة في نظر الآخرين. فهم جزءٌ من الطبقات الخَطِرة الجديدة، وليس مجرد فائض بشري يمكن
إعادة دمجه في وظيفة مفيدة، بل إنهم فائض بشري عديم القيمة قد يتعرض للإقصاء الدائم. يقع العاطلون أيضًا في عالم الصعاليك. ففي ظل تلاشي أدوار الدولة الاجتماعية، يتحول العاطلون إلى كائنات عديمة القيمة لا بد من التخلص منها في نفايات التقدم الاقتصادي الذي يمكن تحقيقه بعدد أقل من العمالة، وبعمالة أرخص. ويقترب العاطلون من السقوط في الثقب الأسود الذي تمثله "ما دون الطبقة"؛ فلا يصلحون في أي تصنيف اجتماعي مقبول، بل ربما يعاملهم المجتمع معاملة المجرمين بوصفهم عناصر غير لائقة اجتماعيًّا، أو حتى عناصر معادية للوجود الاجتماعي. على منوال اللاجئين الذين يعيشون في غيتوات قسرية، أصبحت النخب العولمية تعيش في أحياء منفصلة على شاكلة الغيتوات، بحيث ينفصل عالم حياتهم عن عالم حياة بقية سكان المدينة، وتتحول غيتواتهم الطوعية إلى قلاع ومعاقل نائية. وتوفر العولمة لأعضاء النخبة ابتكارات معمارية وعمرانية جديدة تحيط بها خنادق مائية، وتعلو أسوارها أبراج هجومية؛ لكنها لا تدافع عن المدينة وسكانها ضد العدو الخارجي، بل تفصل سكان المدينة الواحدة حتى تستمتع النخب العولمية باستقلالها الجسدي وانعزالها الروحي، وهذا يعني انسحاب النخبة العولمية الجديدة من التزاماتها القديمة تجاه أهل المكان. تتحرر النخب العولمية من القيود والالتزامات والواجبات نحو المساهمة في الحياة اليومية وإدامة الجماعة الإنسانية: الواجبات نحو الموظفين، ونحو الصغار والضعفاء، ونحو الأجيال المستقبلية. والفقراء الجدد هم من يدفعون الثمن الثقافي والنفسي والسياسي لهذا الانعزال الجديد؛ وذلك لأن عدم التمتع بحرية الحركة والتنقل كالأثرياء يولِّد الشعور بالهزيمة والحرمان والظلم في تقسيم مباهج الحياة. وربما يشير هذا الانعزال إلى فانتازيا النكوص، وإلى الحالة الجنينية التي يمثلها رحم الأم والبيت الآمن الذي تحيط به الأسوار المنيعة التي تحيط بالمجال الخاص. لكن تناقضات العولمة الاقتصادية أدت إلى الأصولية المتطرفة التي تحاول التصدي لعولمة الفقر والاغتراب. ويَعِد الحلُّ الأصولي بميلاد جديد، وبوطن جديد دافئ وآمن، وتبدو الجماعة الأصولية
خيارًا جذابًا وبسيطًا. فالأصولية، بمعنى التشبث بهويّة موروثة أو مسندة، نتاج طبيعي لسيرورة النزعة الفردية المفروضة على أنحاء الكوكب كافة.
((9(المرجع نفسه، ص.69–68 ((10(المرجع نفسه، ص.87 ((10(المرجع نفسه، ص.88 ((10(المرجع نفسه، ص.95
(103) Bauman, Globalisation , p. 21. (104) Ibid., p. 24.
(10((باومان، الحداثة السائلة، ص.293
(106) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 47.
(10((باومان، الحياة السائلة، ص.53
بما أن العولمة تنطوي على عمليات التمييز والفصل والإقصاء في الفضاءات المختلفة، فهذا يؤدي إلى ظهور نزعات أصولية وقبلية جديدة في الجهة الأخرى من العولمة. وهذا يعني أن حرية الحركة والتنقل تسلط الضوء من جديد على التقسيمات القديمة بين الفقراء والأغنياء والرحّل وأهل الاستقرار. وهنا تعبّر فكرة الجماعة عن بديل جذاب، وحلم جميل، ورؤية للفردوس المفقود، وملاذ للسكينة والسلامة،
لكنها تعبر أيضًا عن كابوس وسجن وجحيم للآخرين الذين يناضلون في سبيل حرية الاختيار وتأكيد الذات والتحرر من القيود. الأصوليات جذابة للمحرومين والمعدمين والمجردين من الكرامة الإنسانية في عالم الاستهلاك الآني والإِشباع الآني. إنها مأوى جذاب، وبديل من الدولة الاجتماعية، ومكون مفقود من الحياة الإنسانية الكريمة التي ينكرها عليهم المجتمع بأسره، وإحساس بالهدف والحياة الهادفة والموت الهادف والمكان الهادف في سلسلة الوجود. وليست الأصوليات دينية فحسب، بل تتصل بأشكال اللامساواة العالمية الجديدة والظلم الذي يسود الفضاء العالمي. فهناك هشاشة مشتركة تحتاج إلى أمن مشترك، "ولسنا في نهاية التاريخ، ولا حتى بداية نهاية التاريخ، بل إننا على عتبة تحول كبير، وفرصة للإنسانية أن تفيق".
خاتمة
أفاد باومان من المنظور الماركسي في تحليل خطاب الهوية، فكان المصنع الحديث هو الموقع الذي تتشكل فيه الهويات الحديثة: هوية العامل المنتج وهوية صاحب رأس المال. لكن باومان استعان أيضًا بأطروحات مضادة للماركسية في فهم خطاب الهوية في عصر الحداثة، وخاصة القرابة الانتقائية التي وضعها ماكس فيبر بين البروتستانتية وروح الرأسمالية الحديثة. وكانت صورة الحاجّ في ثوبها البروتستانتي المدخل الذي اقترحه باومان لفهم دور الاقتصاد العقلاني المنظم وفضيلة العمل في نشأة الرأسمالية الحديثة وتأكيدها على قيم الإنتاج والتراكم وإرجاء الإشباع. كما ركز باومان على دور الدولة التشريعي الذي شبّهه بدور البستاني الذي يضع الحدود الفاصلة بين النظام والفوضى في
تشكيل الهوية الفردية والجمعية. واتساقًا مع خلفيته الماركسية، سلّط باومان الضوء على عواقب تحمّل الفرد مسؤولية تشكيل الهوية وعواقبها عندما وضعت الدولة البستانية القوانين التي تجرِّم الصعاليك
المتشردين والعاطلين عن العمل. لكن تجاوز باومان المنظور الماركسي عندما تناول هذه الصورة المجازية في الإطار العام للإقصاء الاجتماعي، خاصةً إقصاء الغرباء في إطار الدولة ذات الهوية المشتركة المتخيلة. ويتضح أن طرد باومان من بولندا وتجريده من جنسيته البولندلية قد ساهما في نقد النزعات القومية المتطرفة، وفي توجسه من كل انتماء قومي؛ لأن أي انتماء سيجمع فئة معينة من الناس ويفصلهم عن غيرهم، ولا تنتهي حروب الهوية إلا بالإدماج أو الإقصاء أو الإبادة. وكانت الدولة
(108) Bauman, Globalisation , p. 3. (109) Bauman, Identity: Conversations with Benedetto Vecchi , p. 61. (110) Ibid., pp. 86–88.
الحديثة بحاجة إلى الأمة، ولذا علمنت فكرة الشهادة من خلال فكرة البطل والنصب التذكارية للبطل المجهول الذي يضمن بموته في ميدان المعركة خلود الأمة/ الدولة وهويتها المميزة والمتماسكة. تتأرجح الهوية بين طلب التحرّر الفردي وطلب العضوية في كيان جَمْعي يعلو فوق الخصوصية الفردية.
وتصارع الهوية بين هذين الحدّين: الفردية والانتماء الكلي. ويبدو أن الهوية صراع لانهائي بين الرغبة في الحرية والحاجة إلى الأمن. وفي زمن الحداثة السائلة، يتوارى الخيال الطوباوي المرتبط بالإنتاج والسيادة والبطولة، كما تتوارى صور الحاجّ والبستاني والبطل حتى تفسح الطريق إلى نهاية اليوتوبيا.
وتتبدى الخلفية الماركسية لباومان في تركيزه على تداعيات العولمة في مجال العمل والاقتصاد، وخاصة اختفاء الوظائف، بل الأماكن التي يمكن أن يستقر فيها الأفراد في عملهم حتى يتمكنوا من تشكيل هوياتهم، بل إن الوظيفة نفسها لم تعد رسالة أخلاقية، وصارت أقرب إلى اللعبة التي تشهد دومًا بدايات جديدة ونهايات سريعة. وتتحول الحياة بأسرها إلى لعبة، ويصبح الفرد هو اللاعب واللعبة
في عالم الاستهلاك الفوري والإشباع الآني، ويتحول الناس والأشياء إلى مواد استهلاكية نافعة لا بد من التخلص منها لمواكبة الموضة المتغيرة دومًا، حتى إن فكرة الأسرة نفسها تتوارى، كما تتلاشى
فكرة الهويات الجنسية بوصفها هبات طبيعية أو تشكلات ثقافية. وأصبح العالم يتألف من طبقتين أو هويتين: هوية السيّاح (النخب العولمية) وهوية الصعاليك (الفقراء الجدد، والطبقات الخطرة، وما دون
الطبقة، واللاجئين، والمهاجرين، والعاطلين). واتساقًا مع إيمانه بمركزية العامل الاقتصادي، يؤكد باومان أن الأصولية الراهنة ابنةٌ شرعية للعولمة، وأنها لا تتصل بالأفكار الدينية فحسب، بل تضرب بجذورها في العواقب الاقتصادية للعولمة التي ركزت ثروة العالم في يد قلة من الأفراد.
References
المراجع
العربية
أبو جبر، حجاج. نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2017. باومان، زيغمونت. الحب السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،
________. الحياة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر،.2016 ________. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2016. ________. الأزمنة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2017. ________. الخوف السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية لأبحاث والنشر، 2017. ________. الحداثة والإبهام. ترجمة حجاج أبو جبر. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2018. ________. الحداثة والهولوكوست. ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان. تقديم عزمي بشارة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
الأجنبية
Bauman, Zygmunt & Tim May. Thinking Sociologically. 3 rd ed. Oxford: John Wiley and Sons, 2019. Bauman, Zygmunt. Socialism: The Active Utopia. New York: Holmes & Meier, 1976. _______. Legislators and Interpreters: On Modernity, Postmodernity and the Intellectuals. Cambridge: Polity Press, 1987 _______. Intimations of Postmodernity. London/ New York: Routledge, 1992. _______. Postmodernity and its Discontents. New York: New York University Press,
_______. Globalization: The Human Consequences. Cambridge: Polity Press, 1998. _______. "As Seen on TV." Ethical Perspectives. vol. 7, no. 2 (2000). ________. "Identity in the Globalising World." Social Anthropology. vol. 9, no. 2 (June
________. Identity: Conversations with Benedetto Vecchi. Cambridge: Polity Press,
Bornman, Elirea. "Struggles of Identity in the Age of Globalization." Communication. vol. 29, no. 1 & 2 (2003). Hall, S. & P. Du Gay (eds.). Questions of Cultural Identity. London: Sage Publications, Inc., 1996.