الهوية في زمن كورونا المضطرب: الأدائية والأزمة والتنقل والأخلاق
Identity in the Disrupted Time of COVID-19: Performativity, Crisis, Mobility, and Ethics
الملخّص
أسفرت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) عن أزمة ثقافية عالمية فقدنا فيها أنماطًا كثيرة من حركة الحياة اليومية، ويتضح ذلك في تقييد التنقل والظهور المفاجئ لمخاوف جديدة بشأن العدوى. وأسعى هنا إلى فهم تلك الأزمة من منظور ثقافي وخِطابي، بوصفها انقطاعًا في المعيارية، واضطرابًا في العلائقية الاجتماعية، وحالة استثناء. وأستعين بنظريات جوديث بتلر عن الأدائية من أجل استكشاف تأثيرات ذلك الانقطاع الثقافي في الذاتية الأدائية والهوية والأَنَويَّة، حيث يؤدي انقطاع الحركة اليومية المعيارية إلى إعادة تشكيل الذاتية نفسها. كما أستكشف تجربة إعادة تشكيل الهوية بوصفها تجربةً جسدية وساحةً للقلق والكرامة المفقودة. وفي القسم الأخير من الدراسة، أستخلص بعض الاستنتاجات الأولية عن قدرة التحول الثقافي والهوياتي على تجديد أخلاقيات اللاعنف، وأؤكد أن الالتزام بضوابط التنقل والاختلاط هو التزام أخلاقي يقتضيه التعايش الحتمي.
Abstract
Abstract: The COVID–19 pandemic has resulted in a global cultural crisis, experienced through various losses of everydayness, including particularly restrictions on mobility and the sudden emergence of new fears and anxieties over infection. This paper theorises some of the ways in which that crisis can be understood in cultural and discursive terms, as a rupture in normativity, a disturbance in social relationality and as a state of exception. Drawing on Judith Butler’s theories of performativity, the paper investigates how such a cultural rupture can be understood to affect performative subjectivity, identity and selfhood, whereby a breach in normative everydayness prompts the re–constitution of subjectivity itself. The paper explores how the reconfiguration of identity is experienced as corporeal and as a site of anxiety and lost dignity. The final section of the paper draws some initial conclusions about the potency of cultural and identity transformation for new ethics of non–violence, arguing that the obligation to resist norms of mobility and contact is an ethical obligation of necessary cohabitation.
- الهوية
- الأدائية
- الانقطاع الثقافي
- حالة الاستثناء
- القلق
- الأخلاقيات
- Identity
- Performativity
- Cultural Rupture
- State of Exception
- Anxiety
- Ethics
روب كوڤر | Rob Cover * ترجمة حجّاج أبو جبر | Hajjaj Abu Jabr **
فيها أنماطًا كثيرة من حركة الحياة اليومية، ويتضح ذلك في تقييد التنقل والظهور المفاجئ
لمخاوف جديدة بشأن العدوى. وأسعى هنا إلى فهم تلك الأزمة من منظور ثقافي وخِطابي،
بوصفها انقطاعًا في المعيارية، واضطرابًا في العلائقية الاجتماعية، وحالة استثناء. وأستعين
بنظريات جوديث بتلر عن الأدائية من أجل استكشاف تأثيرات ذلك الانقطاع الثقافي في
الذاتية الأدائية والهوية والأنَويَّة، حيث يؤدي انقطاع الحركة اليومية المعيارية إلى إعادة تشكيل
الذاتية نفسها. كما أستكشف تجربة إعادة تشكيل الهوية بوصفها تجربةً جسدية وساحةً للقلق
والكرامة المفقودة. وفي القسم الأخير من الدراسة، أستخلص بعض الاستنتاجات الأولية عن
قدرة التحول الثقافي والهوياتي على تجديد أخلاقيات اللاعنف، وأؤكد أن الالتزام بضوابط
التنقل والاختلاط هو التزام أخلاقي يقتضيه التعايش الحتمي.
مقدمة
بحلول أوائل آذار/ مارس 2020، بدا العالم في خطر شديد بسبب جائحة كورونا العالمية، وبدأنا نفهم هذا الواقع بوصفه انقطاعًا مفاجئًا في حركة الحياة اليومية. ومع أن منظمة الصحة العالمية أعلنت حالة طوارئ صحية على صعيد العالم قبل ذلك، في كانون الثاني/ يناير من السنة نفسها، فقد انتشرت أخبار في آذار/ مارس تُفيد أن جميع بلدان العالم تواجه جائحةً ذات تحديات غير مسبوقة في الذاكرة الحية؛ ما أثار استجابات أفضت بدورها إلى انقطاعات في حركة الحياة اليومية، وفي الممارسات المعيارية للهوية والانتماء والعلائقية والكينونة. وتنوعت استجابات الحكومات في بلدان كثيرة، فأعلن بعضها التباعد الاجتماعي، وحظر التجمعات، وإغلاق أنشطة الأعمال والخدمات غير الأساسية، وإلزام الناس بالبقاء في بيوتهم، وإغلاق الحدود، وفرض إجراءات الحجر الصحي. وفي كثير من الحالات، سنَّت الحكومات تشريعات لمكافحة المخاطر البيولوجية وتحقيق الأمن البيولوجي، ووسّعت تدابير المراقبة وأعمال الشرطة من أجل إنفاذ الامتثال للضوابط. وعلى مدار السّنة، تباينت الاستجابات تجاه التدابير المختلفة، فوقعت احتجاجات على إجراءات الإغلاق وحظر التجول، وظهرت في الوقت نفسه تأييدات كبيرة للحكومات التي اتخذت التدابير اللازمة. وانتشرت نظريات المؤامرة حول أصل الفيروس وتدخّل الحكومات، كما ظهرت زيادة كبيرة في الاهتمام العام بفحص الحقائق والمعلومات الدقيقة والمعرفة الطبية. واستمرت الجدالات حول التدابير والاستجابات الحكومية والخاصة في جميع أنحاء العالم، خاصةً في سياق السياسة، والمعرفة الصحية، والعائلات والعمل، والنظرية الاقتصادية، والأوبئة في تاريخ الإنسانية، والكساد الاقتصادي في التاريخ البشري. ولا شك في أن الانشغال بأشكال المعرفة والنقاش والخطاب حول هذه الموضوعات كان له تأثير في كيفية رؤية الناس في كل مكان لعالمهم، وخاصةً الناس الذين تقل احتمالية تعرضهم للواقع الصحي الذي تنتشر فيه العدوى أو الوفيات. ومع ذلك، عندما أتناول هنا قضايا الذاتية وتجسُّد الذات وتموضعها الجسدي في العالم، فإن اهتمامي لا ينحصر في تناول الاضطراب الذي أحدثته الجائحة والذي عايشناه بطرق متنوعة في أنحاء مختلفة من العالم ولمسناه بصور مختلفة بحسب الحدود الاجتماعية والاقتصادية، والحدود الحضرية – الريفية والجندرية في بيئاتنا المحلية. بل إذا أردنا أن نفهم تجربة الاضطراب على المستوى الأنطولوجي، فمن الضروري أن نستوعب التجربة المشتركة لحركة الحياة اليومية بوصفها استقرارًا معياريًّا لسواد الطبقة الوسطى عبر الزمن، وأن ندرك أن حركة الحياة اليومية نفسها هي التي تعرضت لانقطاع جذري. وأزعم هنا أنه بغضّ النظر عن البيئة الجغرافية أو الاجتماعية، فإن الانقطاع نفسه عايشته أعدادٌ كبيرة من الناس على نحو أدى إلى تغيرات جذرية في تشكيل هويات العلائقية والانتماء، وأدائها والتعبير عنها. فلقد شمل هذا الاضطرابُ المواردَ الثقافية المعيارية واليومية التي يجري توظيفُها في استدامة
الهوية، وربما يكون انفصالً دائمًا عن معياريات الماضي، كما أن له تداعيات كبيرة على علاقة الواحد منا بالآخر، وعلى تفاعلنا مع مفاهيمنا عن الذات، وعلى تصورنا للالتزام الأخلاقي برعاية الذات والآخرين. وتتمتع نظريات جوديث بتلر عن أدائية الهوية بقدرة تفسيرية من شأنها أن تعزز فهمنا
لما نعنيه بأن يكون المرء ذاتًا، وذاتًا بشرية، وذاتًا مشروطةً بممارسات عدم التنقل وعدم الحركة، وذاتًا يُعاد تشكيلها في أثناء أزمة كورونا. وهكذا تتشكل أدائية الذات البشرية في الخطاب، وعبر تدفق المعلومات حول الناس والسُّكان والعالم، وهذا التدفق مكونٌ مهم من الإطار الذي ندرك به أنفسنا
وعلاقتنا بالسُّكان والفضاء المحيط. من جوانب حركة الحياة اليومية تحوّل حرية التنقل إلى نمط معتاد من معيشتنا. وهذا ما أشار إليه عالم
الاجتماع جون أوري Urry John (2016–1947) عندما قال: إن حرية التنقل هي مؤشر المُعاصَرة في
المجتمع المعاصر، ونمط سائد في كل مكان، ومرغوب في أغلب الأحيان، وبنيةُ شعورٍ ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وليس من الممكن تغييرها. إنها حرية التنقل في المدن والتي نمثل نحن أنفسنا جزءًا من تركيبتها المعقدة والمتبدلة؛ إنها الحرية اليومية في التنقل من
أجل العمل والترفيه، وحرية الطلاب في التنقل للدراسة في الجامعات والكليات في أماكن بعيدة عن أوطانهم، وحرية التنقل في الزيارات بين العائلات المختلفة وعبر الفئات العمرية مثل الأطفال الذين يزورون الأجداد بانتظام في دُور المُسنين ودور الرعاية، وحرية التنقل في عبور الحدود التي
يعتمد نموذجها المعياري على توفير التنقل السهل لبعض السكان والمواطنين والجماعات، وفرض القيود على آخرين مثل المهاجرين غير المُوثَّقين الذين لا يُعتبر التنقل ولا البقاء خيارًا لهم. وبطبيعة
الحال، ليست حرية التنقل سائدة في كل مكان، بل تعطلت تلك القدرة التي تعكسها صورة المتسكع والمتجول البرجوازي، أو صورة الشخص المؤثر على منصات التواصل الاجتماعي في الألفية الثالثة، والذي يشارك صورًا لتجاربه الانتقالية دومًا بين الأماكن. ويعود ذلك التعطل إلى تقييد
الحركة على نحو يختلف عن العجز الذي يُعانيه أشخاص أقل حركة؛ على سبيل المثال: اللاجئ الذي يقبع في مخيم أو مركز احتجاز، غير قادر على معرفة مستقبله، أو الشخص المعاق جسديًّا الذي يعيش في بيئة حضرية مُعدة للرياضيين، فهؤلاء الأشخاص يمرون بأشكال جديدة من عدم القدرة
على التنقل تختلف عن الأشكال التي يمر بها عامة المتنقلين يوميًّا إلى أشغالهم. وبالمثل، هناك أناس
تدعم أعمالهم البنية التحتية للمدن ولا يمكنهم القيام بها من المنزل، مثل السائقين وعمال النظافة. ويُوصَف هؤلاء العمال بأنهم أشخاص مُجبرون على الامتثال لأنماط معيّنة من العلاقة بين رأس المال
(1) Rob Cover, Population, Mobility and Belonging: Understanding Population Concepts in Media, Culture and Society (London/ New York: Routledge, 2020). (2) John Urry, Mobilities (Cambridge: Polity Press, 2007). (3) Elizabeth Grosz, Space, Time and Perversion: The Politics of Bodies (London/ New York: Routledge, 1995). (4) Jaques Derrida, Adieu to Emmanuel Levinas , P–A Brault & M. Naas (trans.) (Stanford, CA: Stanford University Press, 1999), p. 101. (5) Mike Featherstone, "Archive," Theory, Culture & Society , vol. 23, no. 2–3 (May 2006), p. 594. (6) Johanna Wyn & Dan Woodman, "Generation, Youth and Social Change in Australia," Journal of Youth Studies , vol. 9, no. 5 (2007), pp. 496–497. (7) Joseph Pugliese, "The Incommensurability of Law to Justice: Refugees and Australia’s Temporary Protection Visa," Law and Literature , vol. 16, no. 3 (2004), p. 299. (8) Kath Woodward, Understanding Identity (London: Arnold, 2002), p. 104.
والمكان والزمان، وغالبًا ما يعانون العجز القسري عن التنقل بسبب الجائحة في سياق الهشاشة
المالية. لقد أثار فيروس كورونا مجموعة كبيرة من المخاوف والتوترات والتغييرات، من الخوف من المرض والموت إلى طرق جديدة من الحديث عن السُّكان والحياة. كما أحدث تَعطُّلً جَذريًّا في الموقف الليبرالي من حرية التنقل بوصفها قاعدة معيارية غربية وحقًا أصيلً، وكان لهذا التعطل التأثير الأكبر في كيفية إدراكنا لأنوية وأدائها في العالم. تعيد هذه الدراسة النظر في بعض الكتابات المؤثرة التي وضعتها بتلر عن الأدائية والهوية، وكذلك النظريات الثقافية ما بعد البنيوية الأخرى عن الذاتية، من أجل استكشاف دلالات تلك الأزمة العالمية الكبرى على تمييز الذات والتعبير عنها وأدائها وإدراكها على نحو مختلف بوصفها ذات الإنسان، وذات الانتماء، وذات المكان والتنقل، وذات الأخلاقيات. أولً، سأناقش إمكانية فهمنا لجائحة كورونا في إطار مفهوم الأزمة، وذلك بالاستعانة بأفكار أنطونيو غرامشي Gramsci Antonio) 1937–1891(وستيوارت هول Hall Stuart (2014–1932) وجورجيو أغامبين Agamben Giorgio، وسأتناول المقاربات المفيدة في فهم التعطل الثقافي وتداعيات حالة الانقطاع أو الأزمة أو الاستثناء أو الطوارئ على الإحساس المستدام بالأنوية في المستقبل. ثانيًا، سأوضح إمكانية توظيف نظريات جوديث بتلر
Butler Judith عن الأدائية الجندرية، ليس في الكشف عن أدائنا لأنوية بوصفنا ذواتًا بشرية فحسب،
بل أيضًا للكشف عن إتاحة الأزمة الراهنة للبيئة اللازمة لإعادة تشكيل الذات الأدائية. ثالثًا، سأ بيِّنُ أن
محاولة فهم التحول تتصل بفهم طرق الشعور بالتغير في استقرار الهوية وإظهاره من خلال الاهتمام بالجسد، وخاصة الجسد القلِق. وتساعدنا هذه المحاولة على فهم بعض أمثلة السلوك العالمي، وخاصةً المبالغة في تخزين كميات كبيرة من لوازم النظافة الشخصية مثل ورق المرحاض، والاحتجاجات المُطالِبة بالعودة إلى الوضع الطبيعي وحرية التنقل. وفي النهاية، سأختتم ببعض التأملات في الأخلاقيات، وسأوضح أن تزامن الانقطاع والقلق وإعادة تشكيل الهوية لا يُفسحان المجال للتعدي والعنف المتجسد في تقييد حركة السُّكان فحسب، بل أيضًا لمنظور متجدد حول واجب رعاية الإنسان للإنسان، من حيث السكون المطلوب لمنع نشر عنف العدوى لأناس نعرفهم، ولأناس لا نعرفهم وربما لا نلتقي بهم البتة.
أولا: الأزمة والانقطاع
في الأسابيع التي أعقبت بداية فهمنا لجائحة كورونا باعتبارها جائحة عالمية تُقيِّد التنقل وتُهيمن على
الأخبار والخطاب العام، بدأنا نلمس اتجاهين متعارضين للخطاب الدائر حول القاعدة المعيارية. ناقش الأول الجائحة من ناحية "العودة إلى الوضع الطبيعي"، مع التركيز على المواعيد المرتقبة للعودة ومساراتها المحتملة. في حين أكد الثاني أن فكرة القاعدة المعيارية المعهودة قد اختفت إلى الأبد، كما ناقش مدى التغيير الحاصل بدلً من التعافي المنتظر. وسمعنا أصحاب الاتجاه الأول يقولون:
(9) Sarah Sharma, "Taxis as Media: A Temporal Materialist Reading of the Taxi–cab," Social Identities , vol. 14, no. 4 (2008), p. 452.
"سينتهي هذا الفيروس قبل أن نعرفه"، أو "قريبًا، سنقول: 'هل تتذكرون فيروس كورونا؟' تمامًا كما قلنا
في الماضي: 'هل تتذكرون إنفلونزا الخنازير؟'". ومع ذلك، جرى الاحتكام إلى فكرة المعيارية بطرق مختلفة، حيث ظهرت لافتات الاحتجاجات في مدن عدة في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وأستراليا تطالب ب "العودة إلى الوضع الطبيعي"، عن طريق إلغاء تدابير التباعد الاجتماعي أو القيود المفروضة على حرية التنقل، وتدَّعي أن خطر العدوى الفيروسية لن يمنع الحركة الانسيابية اليومية، وتزعم أن فيروس كورونا المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة لا يختلف كثيرًا عن موسم شديد
من مواسم الإنفلونزا. كما تَحدّث سياسيون، مثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، عن "العمل كالمعتاد"، وظهرت دعوات، من اليمين السياسي في الغالب، لحماية الاقتصادات بتأمين التجارة الطبيعية التي تعتمد على حرية التنقل والحركة اليومية. وأخيرًا، كَثُر الحديث منذ تشرين الثاني/ نوفمبر
2020 حول برنامج اللقاحات، وارتكز على افتراض أن زمن كورونا اضطرابٌ مؤقت، سنخرج منه
إلى بر الأمان والحياة اليومية الطبيعية في الحركة والسلوك والصحة، بمجرد تلقيح الجميع، وغالبًا
ما يتجاهل هذا الحديث التقارير المُقلقة حول جدوى اللقاحات أو تأثير الطفرات والسلالات الجديدة
من الفيروس. واقع الأمر أننا نشهد أحاديث يومية تزعم (ربما عن حق) أننا فقدنا كل قاعدة معيارية معهودة تتعلق بالحياة اليومية، والتنقل، والحركة، والسفر، والاقتصاد، والعمل؛ لأننا على مشارف مستقبل مجهول نمضي قدُمًا إليه. ومع ذلك، يتميز كلا الاتجاهين بالنظر إلى زمن كورونا بوصفه
انقطاعًا؛ ما أدى إلى ظهور خطابات جديدة عن حالة الاستثناء والطوارئ. هناك أربعة خطابات رئيسة في حوار المجال العام المعاصر تهمّ مسألة الهوية: 1. خطاب السياسة الحيوية الذي ينظر إلى السُّكان من حيث الأرقام، والإحصاءات، والتوزيعات
المعيارية، وتأثير الفيروس في الفئات العمرية المختلفة، وإغلاق الحدود، وتأثر السُّكان المهاجرين،
وبرامج التلقيح، وقدرات المستشفيات على استيعاب الإصابات. وتتضمن السياسة الحيوية بذل محاولة إدارية لتعديل جوانب الضبط لاستخدامها في عمليات الحوكمة على نطاق أوسع. وفي حين تمثّل السياسة الحيوية وظيفةً معيارية للحوكمة والإدارة تركز على تسييس الحياة نفسها، فإنها تصبح هدفًا واهتمامًا في خطاب المجال العام في موجات مختلفة، عادةً عندما تظهر فكرة السُّكان من
جديد باعتبارها قضية سياسية أو ثقافية أو اجتماعية. 2. خطاب الفردانية والليبرالية الذي يتسم بالحرص على الضبط والاهتمام، ليس بحفظ أرواح السُّكان،
بل بحفظ سلوك الأفراد. ويتضح هذا الخطاب في التقارير الإخبارية، وفي المناقشات على منصات التواصل الاجتماعي، وفي الإرشادات الرسمية وغير الرسمية، حول طرق تعامل الأفراد (والعائلات) مع
(10) Michael Foucault, Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975–76 , M. Bertani & A. Fontana (eds.), David Macey (trans.) (London: Penguin, 2004), p. 242. (11) Thomas Lemke, Biopolitics: An Advanced Introduction , Eric Frederick Trump (trans.) (New York/ London: New York University Press, 2011), p. 3. (12) David Macey, "Rethinking Biopolitics, Race and Power in the Wake of Foucault," Theory, Culture & Society , vol. 26, no. 6 (2009), pp. 186–205.
الحياة حتى تستمر، وفي قصص حول الأماكن الآمنة التي يمكن الذهاب إليها، وحول طرق المحافظة على اللياقة البدنية عند العمل من المنزل، وفي إرشادات حول تعليم الأطفال في المنزل، وما إلى ذلك. 3. خطاب نهاية العالم الذي يفيد من ارتحالات الأفكار الأدبية، بداية من رواية ماري شيلي (–1797 1851) التي نشرتها في القرن التاسع عشر بعنوان الإنسان الأخير)1826(، ومرورًا بالأفلام التي
تدور حول تفشي الفيروسات والعدوى مثل فيلم "اندلاع " Outbreak (1995)، وفيلم "عدوى" Contagion (2011)، وصولً إلى الخطاب الذي عادةً ما يؤطر جائحة كورونا، ليس بوصفها نهايةً للحضارة والإنسانية، بل بوصفها نقطة تحول دائم في العولمية والحركة والاقتصاد والتجارة الدولية وممارسات الاستهلاك والترفيه؛ تحول زلزالي، كما يميل خطاب نهاية العالم إلى تضخيم نظريات المؤامرة والإشارة إلى قوة شريرة (الصين، بيل غيتس Gates Bill، أنتوني فاوتشي Fauci Anthony، كائنات فضائية) تعكف على تطوير أو تعزيز فيروس كورونا المتسبب في المتلازمة التنفُّسية الحادة الوخيمة، إمّا من أجل السيطرة على العالم، أو من أجل وضع نهاية له. 4. خطاب الهشاشة الذي يعتمد على منظور السياسة الحيوية والرؤية الليبرالية. وتصف بتلر الهشاشة بأنها حالة مشتركة للذاتية البشرية تتشكل منذ البداية في الحاجة المتجسدة إلى الرعاية المتبادلة والاعتماد على الوجود الاجتماعي من أجل الحياة نفسها. ومع ذلك، فإن هذه التجربة المشتركة للهشاشة الأولية تُخفيها الأطر التفسيرية التي تتحيز في تقدير "استحقاق الحماية" بما يسمح برعاية بعض الأرواح البشرية وتجاهل أخرى. ربما استطاعت تجربة النضال المشترك ضد الجائحة أن
تستحضر التجربة المشتركة لهشاشة الجسد، لكن الأُطر الخطابية التي تُميز بين الأرواح الجديرة بالحياة وغير الجديرة بها بقيت كما هي، حتى إن الخطابات المتنوعة عن الهشاشة عادةً ما تكون فئوية (مجموعات متنوعة تعاني فقدان الوظائف بينما لا تعاني مجموعاتٌ أخرى ذلك)، علاوة على النزعات القومية (كما يظهر في المطالبة بتوفير اللقاحات في الداخل على حساب المسؤولية المشتركة عن العالم بأسره)، إضافة إلى حشد خطابات الهشاشة في خدمة بعض نظريات المؤامرة (مثل النظر إلى بعض السُّكان باعتبارهم عُرضة لتلاعب "دولة عميقة" تعمل كما يبدو لصالح نخبة ليبرالية متخيلة).
هنا، يجري النظر إلى الأزمة المعاصرة باعتبارها لحظةً تدعو إلى جبر الضرر، حتى إن كانت تلك الدعوات ينادي بها المستفيدون بالفعل من الأبنية الاجتماعية والاقتصادية القائمة. والأهم من ذلك أننا نادرًا ما عايشنا هذا الانقطاع بوصفه أزمةً سياسيةً. فلا شك في أن السياسيين والوزراء
والممثلين السياسيين قد تصدّروا المشهد في الأخبار المطبوعة والتلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي لعرض مستجدات الأزمة، ولا شك أيضًا في أن هناك عملية تسييس واضحة بشأن استراتيجيات الحكومة المختلفة لمكافحة الفيروس أو ضمان السلامة العامة. لكن بقيت معظم الحكومات مستقرة نسبيًّا
في الحفاظ على شعبيتها وتأييدها (طبعًا باستثناء إدارة دونالد ترامب Trump Donald)، ويتلازم هذا
(13) Mary Shelley, The Last Man (London: Wordsworth Editions Ltd., 2004). (14) Judith Butler, Precarious Life (London: Verso, 2004), p. 20. (15) Judith Butler, Frames of War: When is Life Grievable? (London/ New York: Verso, 2009), p. 50.
الاستقرار غالبًا مع ارتفاع معدلات الإصابات والقدرة على تقليلها أو علاجها، كما يتضح في حالة حكومة
ناريندرا مودي Modi Narendra في الهند، وحكومة بوريس جونسون Johnson Boris في المملكة المتحدة. وبهذا المعنى، لا نعايش هذا الانقطاع الثقافي بوصفه أزمةً دستورية أو سياسية، ولا نعدُّه كذلك،
بل نمارس فيه الانتقادات لعدم كفاءة الحكومة وقدرتها على الاستجابة لأحداث في الوقت الملائم. فلا شك في أن عمليات الإغلاق والتدابير الأخرى المتعلقة بصحة السكان قد أثارت الاحتجاجات، لكنها لم تؤدِّ إلى نشاط ثوري أو فقدان كامل للثقة بالحكومات القائمة في أي بلد من بلدان العالم. وواقع الأمر أن تجربة الأزمة والانقطاع تحدث بعيدًا عن المجال السياسي الرسمي، ويجري التعبير عنها في صلتها بالتغيرات في الواقع المعيش لحركة الحياة اليومية المعتادة. وهنا، نجد أهم خطاب يؤطر تعطّل الهوية نفسها، وينطوي غياب الحياة اليومية في بعض جوانبه على تغيرات في ممارسات العمل لأعداد كبيرة من عمال الطبقة الوسطى والعاملين في المكاتب والعمال المهنيين (مثل ممارسة العمل من المنزل)، وفقدان الوظائف (خاصة الأشخاص الذين لم يسبق لهم أن عانوا البطالة في حياتهم)، وتحولات في العادات اليومية (التعليم المنزلي، والتغيرات في تسوق السلع الغذائية، وحظر التجول، وإغلاق الصالات الرياضية وغيرها من ساحات التريض)، ومخاوف جديدة بشأن اللمس أو مخالطة أجساد بشرية أخرى، والقلق بشأن التعافي الاقتصادي أو الحفاظ على مفهوم العمل أو ربحية الأعمال، ومجهولية مسار العودة إلى "الحالة الطبيعية" التي عهدناها في التسوق أو الترفيه، وربما الأهم من ذلك التقييد الجذري المفروض على حرية التنقل. إنه تعطّل في التدفق الزمني لحركة الحياة اليومية أو في المعيارية النمطية للواقع المعيش. وعندما تكون القاعدة المعيارية في معظم الأحيان تأطيرًا للعادات والتوقعات اليومية حول الحركة، فهذا
يعني تعطّل الطريقة التي تتحرك بها الأجساد في ترتيبات زمنية وتنقلات محلية وعالمية بوصفها حقوقًا ورغبات وتطلعات ومعايير، وهي تتعطل على نحو جذري يشمل علاقتنا بالمكان والأنوية والعلائقية. يمكن فهم هذا الانقطاع للقاعدة المعيارية من منظور ثقافي وخِطابي من خلال مفهوم الأزمة. وليست الأزمة التي تُغير نظرتنا إلى أنفسنا جديدةً بأي حال من الأحوال، بل شهدنا في القرن الحادي والعشرين أزمات مختلفة أفضت إلى ترتيبات جديدة للكينونة والسياسة والاقتصاد والثقافة. فعلى سبيل المثال، تُعد الشعبوية المعاصرة المميزة للسياسة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة استجابةً لأزمة المالية العالمية، بجانب أزمة انحسار التصنيع في بعض المناطق؛ ما أدى إلى الإقصاء، والحرمان، وسياسات التهميش والعدوان والهوية. ويرى غرامشي أن الأزمات العضوية الاجتماعية السياسية تكشف للناس عن "التناقضات البنيوية المزمنة". ومع ذلك، ربما تتميز جائحة كورونا بأنها أزمة تعمل على قطع العلاقة مع الماضي التاريخي القريب؛ ليس لأن التغيرات في الحياة الكريمة أعمق مما كانت عليه في التحولات الثقافية الأخرى (وحتى إن كانت كذلك)، بل بسبب الفجائية الزمانية
(16) Sarah Sharma, "Critical Time," Communication and Critical/ Cultural Studies , vol. 10, no. 2–3 (2013), pp. 312– 318; Sarah Sharma, "Because the Night Belongs to Lovers: Occupying the Time of Precarity," Communication and Critical/ Cultural Studies , vol. 11, no. 1 (2014), pp. 5–14. (17) Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci , Q. Hoare & G. N. Smith (eds.) (London: Lawrence & Wishart, 1971), p. 179.
التي يمكن القول إنها أكثر إرباكًا للمعيارية من الانبثاق البطيء لأنواع أخرى من الأزمات. وتصف المعياريات النمطية الدور الذي تؤديه تصوراتنا للزمن والتجربة الزمانية في إنتاج الامتثالات والحقائق. إنها حلقة قوية جدًا في تكوين الهويات التي تفيد من المعايير الثقافية، بل تستقر بجانب الحياة المديدة لتلك المعايير التي تصبح هي نفسها قوالب نمطية بمرور الزمن وحول موضع الذات في الزمن. المهم في العلاقة بين الزمن والمعيارية هو أن المعايير صارت معايير لأنها استقرت بمرور الزمن على نحو ينزع خصوصيتها التاريخية. وفي حين أن الانبثاق البطيء للتغير يجعل من الصعب فهم التطور الثقافي المستمر لقاعدة معيارية معيّنة، فإن الانقطاع المفاجئ يلفت الانتباه إلى دور التجربة الزمانية في
المعيارية، بل يتيح تمثيل تحول معيّن باعتباره نهاية قاعدة معيارية معيّنة وامتناع معرفة إن كانت قاعدة
معيارية أخرى ستحلّ محلّها. ويرى عالم الاجتماع ستيوارت هول أن الأزمات أقرب إلى فترات تكوينية منها إلى قطيعة تُدمر الماضي، وهو يصف التكوين المثمر في الاستجابة لأزمات بأنه: "توازنٌ جديد للقوى، وظهورٌ لعناصر جديدة، وتكوينات سياسية جديدة و'فلسفات' جديدة، وإعادة صياغة عميقة لأبنية الخطابات الأيديولوجية [...] بما يُبشِّر بنتيجة جديدة، و'تسوية' من نوع جديد 'ضمن حدود معينة"'. ومع أن هذه العبارات تصف العمليات التي تُحدثها تكتلات القوة الشعبوية، فإنها تصف أيضًا على نحو جيد تمامًا التحول المفاجئ في حركة الحياة اليومية الذي أحدثته جائحة كورونا، وكيف أنه يخلق مجالً لظهور مجموعة جديدة من الممارسات للهوية والحياة الكريمة والتنقل والانتماء، ولا سبيل إلى معرفتها وتوقعها، بل إنها تعمل في عتبة التغير الجذري الذي يحدث الآن. ولا تسمح الفجائية بتمثيل الجائحة بوصفها مميزة أو جديدة، بل بوصفها الأزمة نفسها. والعتبية Liminality هي حالة الغموض الناجمة عن التموضع جسديًّا أو عاطفيًّا أو ثقافيًّا أو هوياتيًّا في فضاء أو زمن العتبة، وهذه طريقة مفيدة لتأطير الوضع
المعاصر لجائحة كورونا، خاصةً من حيث التجربة الزمانية المتضمنة التي لها دور في توقع المسارات التي يمكن بها للقاحات المتاحة أن تستعيد الوضع الطبيعي، أو من حيث مدى احتمالية وجود آثار مجهولة للفيروس تضرّ بأجسادنا السليمة على المدى الطويل. أضف إلى ذلك العتبية المتعلقة بطول
فترة الإغلاق وتدابير التباعد الاجتماعي، والحفاظ على مستوى العمل والاستقرار الاقتصادي، أو حظر السفر الدولي، من بين أمثلة كثيرة أخرى للزمن المجهول. وفي سياق الفضاء العتبي لأزمة، نشهد تحولات في صميم الكيفية التي تعمل بها الثقافة والعلائقية والانتماء الاجتماعي، وهي تحولات تُحدِثُ انقطاعًا في أطر الكينونة والذاتية، خاصةً عندما نعايشها على نطاق جائحة عالمية في العصر الراهن للعولمة؛ فليست هناك الآن فضاءات مأهولة على هذا الكوكب يمكنها أن تحتفظ بطبيعتها المعيارية. ويُفضي هذا السياق إلى إعادة تأطير الإنسانية في مسألة رئيسة تتعلق بالمجهولية العتبية؛ فلا نعلم إنْ كان الناس (بالمعنى العام والواسع للكلمة) سيتمتعون بالمرونة، فُرادى أو جماعات، لتقبل استمرارية التغير بطريقة تعزز تماسك الهوية الذاتية وتحافظ على
(18) Stuart Hall, "The Great Moving Right Show," Marxism Today , vol. 23, no. 1 (1979), p. 15. (19) Victor Turner, The Ritual Process: Structure and Anti–Structure (Chicago: Aldine Publishing, 1969).
علاقات متناغمة مع العالم. يبحث الناس عن طرق للتعامل مع الأزمات، ومنها الدين أو اللذة الحسية أو مُغيِّبات العقل، ومنها وسائل أخرى تساعد على إيجاد ركيزة أو إحساس بوجود أرضية، بغضّ
النظر عن مدى كون الأرضيات دائمًا منذ البداية آليات وهمية تساعد على تماسك الهوية. يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع مورزيو لازارتيو Lazzarato Maurizio أن المجهولية التي يُحدثها انقطاعٌ ثقافي هي أبوريا Aporia أو هوة سحيقة ليس لها قرار؛ لأن الانقطاع ينشأ من داخل التاريخ وخارجه في آن معًا. وفي سياق جائحة كورونا، يمكننا القول إن الانقطاع الكبير في النمط المعتاد للحياة اليومية كان قابلً وغير قابل للتوقع معًا. لقد تحققت قدرة الأجساد البشرية على التنقل بفضل السفر العالمي المدفوع لأمام بمعيارية قطاعات السياحة والسفر، التي تُشكل إحدى أكبر الصناعات في العالم، وتمثل على الأقل 8.7" في المئة من العمالة العالمية و 10.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي". وتُنذر هذه القدرة على التنقل بانتشار المرض بين البشر، وفي الوقت نفسه هناك نطاق غير مسبوق لتفشّي الفيروس وضراوته، إضافة إلى 'غرابته' على الحياة البشرية بوصفه فيروسًا عُثِر عليه سابقًا في الحيوانات فقط، علاوة على تأثيره في السُّكان والاقتصادات والتنقل
بما يفوق أيّ مرض آخر في الذاكرة الحية، وهو بذلك ينشأ من داخل الانبثاق التدريجي للتاريخ
الثقافي وخارجه معًا. وهكذا تصبح الأزمة انقطاعًا ثقافيًّا. إنها، كما يُشخِّصها لازارتيو بدقة، نمطٌ دائمٌ
للسياسة والتاريخ الغربي والدولي المعاصر منذ سبعينيات القرن العشرين على الأقل، ومنتجٌ ثقافيٌ
نشط يستهدف تمكين الحوكمة القائمة على الليبرالية الجديدة والسياسة الحيوية. لكن الأزمة تعمل بوصفها انقطاعًا تحوليًّا من خلال الهوة السحيقة الجامعة لما نراه وما لا نراه، وما يمكننا أن نعرفه
وما لا سبيل لنا إلى معرفته. ومن ثم، فإن الشكل الذي يتخذه التحول ليس شيئًا يمكن تحديده مُسبقًا؛ ما يوسع نطاق العتبية التي تفقد فيها الذاتية أرضيتها. وإذا كانت أدائية الذات تتشكل من ناحية في العلائقيات التي تتطلب معايير معيّنة من الحركة والتنقل، ومن ناحية أخرى، في الاستمرارية
الزمانية للمعياريات الثقافية التي نعدُّها "حضارة"، فإن القوى التكوينية للذاتية التي نبقى مرتبطين بها تتعرض للاضطراب مرتين. ومع ذلك، وقبل الانتقال إلى أدائية الأنوية في الاضطراب الذي أحدثته جائحة كورونا، يجدر بنا النظر إلى جانب آخر من الأزمة وهو يتشكل في بيئتنا المعاصرة، وأقصد هنا حالة الاستثناء التي تنجم عن التدابير المتنوعة التي قامت بها، بحكم الضرورة، معظم السلطات والإدارات في العالم. وتمثل هذه الحالة عنصرًا ثالثًا من تمثيل الأزمة التي تُعطل المعياريات النمطية التي نعتمد عليها في تماسك الهوية
(20) Jacques Derrida, "The Rhetoric of Drugs," in: Points… Interviews, 1974–1994 , E. Weber (ed.), Michael Israel (trans.) (Stanford, CA: Stanford University Press, 1995), pp. 228–254. (21) Maurizio Lazzarato, Governing by Debt , J. D. Jordan (trans.) (South Pasadena, CA: Semiotext(e), 2013), p. 20. (22) Urry, p. 4. (23) Lazzarato, p. 10. (24) Lisa Duggan, The Twilight of Equality? Neoliberalism, Cultural Politics and the Attack on Democracy (Boston, MA: Beacon Press, 2003), p. 87.
ووضوحها ومقدرتنا على معرفتها بأنفسنا. وسنفيد هنا من تأطير أغامبين لحالات الاستثناء في فهم الأزمة والاستثناء معًا. ومع أن أغامبين يرى أن حالة الاستثناء، في تزامن السلطة السيادية وسلطة السياسة الحيوية، إطارٌ معياريٌ للسياسة المعاصرة، وليست استثناءً على الإطلاق، فإن توضيحه أصول
الاستثناء يتيح طريقة مهمة للتعمق في فهم معنى الأزمة في سياق جائحة كورونا. ويؤكد أغامبين أن الاستثناء يظهر في "شكله المطلق عندما يتعلق الأمر بخلق حالة يمكن أن تكون فيها القواعد القانونية صالحة للاستخدام"، بحيث يؤسس الاستثناء نظامًا يحكم "إطار الحياة اليومية". وهذا يعني أن القرار السيادي وراء الاستثناء يؤسس القاعدة ويقرر متى لا تكون سارية. وإذا أضفنا ذلك إلى القاعدة الليبرالية والفردانية الخاصة بحرية التنقل في الفضاء العام (لغير المستبعدين من الهجرة والحركة)، فإن القاعدة التي تضعها اتفاقيات الأمن الحيوي والتشريعات الجديدة والإجراءات التأديبية يجري إنتاجها بوصفها قرارًا واستثناءً معًا. ويصاحب القيود المفروضة على حرية التنقل تاريخُ انتهاء وإعلانٌ رسمي
بأن تاريخ الانتهاء ربما لا يكون كما هو معلن، ما يمنحها المعنى الحقيقي لحالة الاستثناء. وهذا الاستثناء لقاعدة معيّنة من قواعد الحركة لا يعمل من خلال الأزمة، بل هو تعطيل سيادي للثقافة
يجري تقديمه باعتباره حالة طوارئ. ولا يعني ذلك أن تقييد التنقل الذي ينقذ الأرواح أمرٌ سيئ أو
إشكالي أو فقدانٌ للحرية – كما جادل بشدة بعض المتظاهرين في الولايات المتحدة – بل يعني أنه يخلق تحولً جوهريًّا في المعيارية الثقافية التي تلغي "توقعنا" للهوية المتميزة بحرية التنقل. وتصدر الحالة الطارئة عن عدم استقرار مجال المعنى، وتشير إلى "بُعد مستقبلي غير يقيني لا ينفصل عن الحياة المعيارية"، بل إنها "انقطاع المعيارية نفسها". وبهذا المعنى، فإن "زمن" الاستثناء من قاعدة التنقل الحر – بالنسبة إلى البعض – ليس فقط تعطيلً للقاعدة المعيارية الطبيعية، بل إنه تعطيل للمعياريات التي تعتمد عليها الذات من أجل الأداء. وإضافة إلى الجانبين الأولين لأزمة (وهما: تعطيل تجربة العلائقية التي تحققها حرية التنقل، وتعطيل المعايير الثقافية)، تُضيف حالة الاستثناء طبقةً ثالثة تزيد من تعقيد التغير والانفصال الثقافي، ليس بخلق حالة مؤقتة من تقييد التنقل، بل بخلق مزيد من المجهولية فيما يتعلق بالمدى الذي يتطلبه تقييد التنقل.
ثانيًا: الأدائية
إذا كان أداؤنا للهوية نتاجًا للخطاب والعلائقية والمعايير الثقافية، فإن التعطل الذي يحدث لهذه
المجالات الثلاثة يؤدي بصورة آلية إلى تعطل الهوية الواضحة والمتماسكة والمفهومة نفسها. ويمكننا فهم هذه النقطة من خلال فكرة بتلر عن إطار أدائية الهوية وقابليتها لإعادة التشكيل في "مواجهة" الانقطاع وظهور اللامتوقع؛ حيث تَعمل نظرية الأدائية عندها من منظور ما بعد بنيوي ومناهض لأسس
(25) Giorgio Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life , D. Heller–roazen (trans.) (Stanford, CA: Stanford University Press, 1995). (26) Ibid., p. 16. (27) Fiona Jenkins, "Judith Butler: Disturbance, Provocation and the Ethics of Nonviolence," Humanities Research , vol. 16, no. 2 (2010), p. 110.
المرجعية يفيد من كتابات ميشيل فوكو وجاك لاكان وجاك دريدا، كما أنها تعد الهوية والذاتية سيرورة مستمرة من الصيرورة، وليست حالةً أنطولوجية للكينونة، بحيث تتألف الصيرورة من سلسلة من أفعال تُشكل الهوية بأثر رجعي. وهذا يعني أن أداء وجه من وجوه الهوية يعتمد على متطلبات إطار المعرفة المعطى في الخطاب الذي يؤسس الوهم الضروري لوجود فاعل وراء الفعل. وواقع الأمر أن الذات أو الأنا تتألف من مصفوفة من مقولات الهوية والتجارب والتصنيفات، والتي من خلال التكرار تُوهم بوجود جوهر داخلي للهوية وراء تلك الأفعال. وتُتيح نظريات بتلر منظورًا مهمًا لدراسة بناء الهوية، يتمثل في توسيع فكرة الأداء من الجسد والتجربة والوجدان إلى مجال الانتماء والعلائقية (في الفضاءات وبين أشخاص آخرين)، وهو المجال الذي يعمل بفضل حرية التنقل والحركة. بعبارة أخرى، إننا نعيش تجارب التنقل والوضع الطبيعي للنشاط الاقتصادي، والتسوق، والاستهلاك، والترفيه، والعمل، والعلاقات الثقافية، والعمليات السياسية، وما إلى ذلك، باعتبارها تجارب أدائية مثلها مثل أيّ فعل من أفعال السلوك أو الشعور أو الوجدان، وفي الحصيلة؛ إنها جميعها تعمل بالقدر نفسه على تشكيل الشعور بالذات والهوية. ومع أن كتابات بتلر معقدة ومتنوعة، فإن هناك أربع نقاط رئيسة متداخلة في كتاباتها عن الهوية الأدائية، وهي نقاط مهمة في توجيه تفكيرنا في الطرق التي تتعرض بها الذاتية الأدائية للاضطراب بسبب الانقطاع في المعايير الثقافية في النمط المعتاد للحياة اليومية. ويمكننا تلخيص هذه النقاط على النحو التالي: 1. انطلاقًا من توسيع أفكار نيتشه وفوكو، ليست هناك ذات أساسية جوهرية تصدر عنها السلوكيات والأفعال، بل مجموعة من الأداءات التي تُوهم بأثر رجعي بوجود فاعل داخلي وراء الأفعال، والذي هو في واقع الأمر أثر وهمي لتلك الأداءات. 2. يتحقق أداء الذات بالاستشهاد والتكرار لما يتيحه الخطاب من المعايير، والمقولات، والقوالب النمطية، والتصنيفات، وممارسات الحركة والتنقل، وأشكال السكون، والعلاقات الوجدانية مع الجسد في المكان، والتي تستقر بمرور الزمن. 3. تتشكل الذوات في الخطاب، ولكن يمكن إعادة تشكيلها أو تغيير صورها على نحو مختلف عند مواجهة ترتيبات خطابية مختلفة وجديدة يمكن أن تضمّ مقولات جديدة أو معايير بديلة للهوية تمت مواجهتها في سياق حالات الطوارئ والاستثناء والأزمة أو تمثيلاتها. 4. لا تكتمل سيرورة أداء الهوية ولا تخلو من العيوب مطلقًا، ومع ذلك فهي تحدث ضمن سردية متسقة بمرور الزمن، مدفوعةً بحاجة أو ضرورة ثقافية بأن نكون متسقين ومفهومين ومميزين لغيرنا من أجل تحقيق متطلبات العلائقية والمشاركة الاجتماعية والانتماء. بعبارة أخرى، يتشكل الشعور بالذات عبر مجموعة من مقولات الهوية أو "إحداثيات" تتألف من محاور التمييز المشتركة مثل الجندر والإثنية والعمر، وأيضًا من تجارب وممارسات وطرق
(28) Judith Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (London/ New York: Routledge, 1990). (29) Ibid., p. 40. (30) Judith Butler, Bodies that Matter: On the Discursive Limits of 'Sex' (London/ New York: Routledge, 1993), p. 12. (31) Ibid. (32) Judith Butler, The Psychic Life of Power: Theories in Subjection (Stanford, CA: Stanford University Press, 1997), p. 27.
متنوعة من الوجود جسديًّا إزاء المكان والآخرين. ويجري التعبير عن أطر الأنوية من خلال سيرورة
متواصلة من "تدعيم" أو "علاج" أيّ اختلالات بين تلك الإحداثيات لتقديم ذاتٍ متسقة البناء وممكنة الفهم وقابلة للتمييز على مر الزمن. ولمّا كانت عمليات تحديد الهويات، كما لاحظت بتلر، "متعددة وخلافية"، وتُنتَج الذاتُ "على حساب تعقّدها الخاص "، فإن الحاجة إلى اتساق الذاتية وقابليتها للفهم والتمييز تعتمد على الحاجة المتواصلة إلى تبسيط أو تجاهل الاختلالات والتصدعات اليومية العادية في الزمن الثقافي لكي نمارس الذات في سياق الانتماء الاجتماعي اليومي. هذا الإطار المستخدم في فهم أدائية الذات جيد ومفيد في المسار العادي للتاريخ والثقافة والخطاب. ولكن ماذا يحدث عندما يتعرض ذلك المسار للاضطراب بسبب جائحة تثير الذعر، وإعادة هيكلة اقتصادية وسياسية، وحالات استثناء، وقيود على التنقل اليومي، وتغيرات كبيرة في علاقات العمل وفضاءات العمل (مثل العمل من المنزل)، والبطالة المفاجئة، والانعدام الفجائي للسلع الاستهلاكية والمتاجر وفضاءات الاستهلاك والترفيه التي تتشكل عليها الشخصية المعيارية البرجوازية بوصفها ذاتًا يمكن فهمها وتمييزها؟ ثمة جانب آخر من الهوية الأدائية يتمخض عن نظريات بتلر وغالبًا ما يقل
استحضاره، وهو جانب التحول أو إعادة التشكيل. وتستند فكرة إعادة التشكيل إلى مواجهة اجتماعية، بمعنى أنه يمكن إعادة تشكيل "الأنا" بوصفها "أنا" مختلفة من خلال الدّور والأداء المتكرر للمقولات وشفرات السلوك القابلة للفهم والتمييز، ولكن فقط في سياق المواجهة المتحققة مع خطابات وعلائقيات وأطر معيارية جديدة للممارسة الثقافية لم تكن متاحة من قبل. ومع أن بتلر كانت تناقش إعادة التشكيل في سياق الجنسانية – وهو الأمر الذي ربما يُنظر إليه بوصفه أكثر مرونة لأن الجنسانية والتوجه الجنسي يركزان على شيء يجري "افتتاحه" في لحظة معيّنة على
العتبة بين الخطابات المختلفة لمرحلتي الطفولة والبلوغ – فإن التنظير المفاهيمي لتغير الهوية يتيح طريقة لفهم ما يحدث للهوية عندما نضع في الاعتبار الانقطاع الزماني بين المعايير السابقة لحركة الحياة اليومية الانسيابية وما نشهده اليوم من طوارئ وممارسات ثقافية وقيود على حرية التنقل ومخاوف بشأن الصحة والحياة والمستقبل. وأقصد هنا المواجهة مع الظروف المتغيرة التي أحدثتها جائحة كورونا في العالم والتنقلات والأوقات والفضاءات والعلاقات وأنماط الاستهلاك. وهنا يزداد التركيز في خطاب المجال العام على الأطر السياسية الحيوية لمناقشة الصحة والسكان، ويتواصل توظيف إجراءات جديدة تستهدف حماية الأفراد أو تعزيزهم في ظروف متغيرة، وينتشر الخطاب المنذر بنهاية العالم في بعض الأوساط. وفي خضمّ ذلك تجري إعادة تشكيل الذات باستمرار في فقدان القوة التكوينية التي يمثلها النمط المعتاد للحياة اليومية، كما يجري تحويلها من خلال المواجهة مع العتبية والمجهولية والمعياريات النمطية الجديدة.
(33) Butler, Bodies that Matter , p. 99. (34) Donald E. Hall, Subjectivity (London/ New York: Routledge, 2004), p. 127. (35) Rob Cover, Emergent Identities: New Sexualities, Gender and Relationships in a Digital Era (London/ New York: Routledge, 2019).
ففي تحليل بتلر، تكون الذات ممكنة فحسب من خلال رفض أيّ أساس هوياتي؛ لأن الأساس يمنع "ظهور مفاهيم هوياتية جديدة" ويقف أمام "تحويل المفاهيم الهوياتية الحالية أو توسيعها". إن مثل هذه الإمكانات التحويلية، كما وردت في التحليلات ما بعد البنيوية، ليست رفضًا كاملً للهوية باعتبارها سيرورة ثقافية، ولا تعني ضمنيًّا أن الهويات المتشظية والمتناقضة ممكنة خارج المفهوم الثقافي للوحدة
الداخلية، بل إن تحول الذات إلى تكوينات هوياتية جديدة يحدث في المواجهات الاجتماعية التي تُغير الهوية الذاتية، بل الجسد كذلك. وعندئذٍ تتبدى الإمكانية الفكرية للتحول من خلال أدائية الهوية وتتعارض مع هيمنة جوهرانية بيولوجية مناهضة للبنائية الاجتماعية في الأفكار السائدة المعاصرة عن الهوية، وهي أفكار تُنكر إمكانية التغيير وتُضعف المحاولات المستهدفة له، بل تُشيع الدعوة الثقافية لمقاومة عدم اتساق الذات أو عدم قابليتها للفهم أو تعددها وتعقدها. إن الإحساس الوجداني بتعطل الذات أو تحولها، وضرورة اتساق الذات ووحدتها من المنظور التنويري، يُحدثان قلقًا جسديًّا وعلائقيًّا
معًا، ما يؤدي إلى إفراغ الذات من الذاتية، وبحث الذوات عن أرضيات جديدة. ويشير ما نعيشه من تعطل في الذاتية بسبب جائحة كورونا إلى انتقال عتبي نحو ذاتية متغيرة مجهولة إلى الآن. ولا بد من الحزن على فقدان الذاتية المتسقة من جراء الانقطاع الثقافي الناجم عن التغير الجذري والفجائي في النمط المعتاد للحياة اليومية. ومثل جميع حالات فقدان الهوية أو تغييرها أو تعطلها، هناك ممارسة للحداد يجب المرور بها قبل أن يحدث التحول وإعادة التشكيل. وفي سياق جائحة كورونا، لا نرى حزنًا على من أصيبوا بالعدوى أو من ماتوا بسبب المرض، بل نرى الحزن يتجسد في الغضب ورفض دعوات التباعد الاجتماعي والإغلاق. وربما نشهد بوضوح ممارسات الحزن على الذات في عصر جائحة كورونا، في الاحتجاجات في الولايات المتحدة ضد تدابير الحماية الصحية والسلامة البيولوجية المعمول بها في ولايات عدة. كما نشهد البحث عن الاتساق والوحدة من خلال حشد الاحتجاجات حول شبكات اتصال الجيل الخامس للهواتف المحمولة، والمتظاهرين المناهضين للديمقراطي جو بايدن، والتجمع المؤيد للجمهوري دونالد ترامب، والاحتجاجات على محاولات حكام الولايات الديمقراطيين سن قوانين أكثر تقييدًا لحيازة الأسلحة، والخطاب السجالي المناهض للتلقيح. ويأتي هذا التنقل واحتشاد الأجساد للاحتجاج في الشكل الذي وصفته بتلر بأنه إثارة عواطف الناس وحشدهم حول ادعاءات الهشاشة. وربما تؤدي هذه الادعاءات في مقاربة أخلاقية إلى التوزيع غير العادل للهشاشة، ويستشعر الناس أن هذه الهشاشة ذات معنى، وأنها تُولد ارتباط أجسادٍ بأخرى. ومن الناحية السياسية، تتعارض تلك الادعاءات جميعها فيما بينها، لكنها تصبح
(36) Butler, Gender Trouble , p. 15. (37) William E. Connolly, Identity/ Difference: Democratic Negotiations of Political Paradox (Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1991), p. 178. (38) Sarah Cooper, Relating to Queer Theory: Rereading Sexual Self–Definition with Irigaray, Kristeva, Wittig and Cixous (Peter Lang: Bern, 2000), p. 108. (39) David Buchbinder, Masculinities and Identities (Melbourne: Melbourne University Press, 1994), p. 6. (40) Judith Butler, Notes Toward a Performative Theory of Assembly (Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2015), p. 9.
معقولة وموحدة على نحو مؤثر في ممارسة الحزن على فقدان اتساق الهوية الذي أحدثته جائحة كورونا. وربما يكون من السهل جدًا النظر إلى مثل هذه الاحتجاجات بوصفها فورة من الإحباط أو الخوف. ومن الأفضل أن نفهمها بوصفها محاولة ضعيفة لإنتاج أساس جديد للهوية في مواجهة عدم استقرار الهوية نفسها وإعادة تشكيلها وتغييرها. وتُعدّ تلك الاحتجاجات، من بعض الأوجه، محاولة لإعادة تأكيد الشعور بالكرامة، وهذا الشعور أمر محوري لممارسة هوية القرن الحادي والعشرين. وتظهر الكرامة هنا بوصفها إنكارًا للطبيعة غير الموحدة للعناصر المتنوعة المحتجّ عليها، بحيث يصبح الاحتجاج نفسه تأكيدًا للذاتية التي تتمتع بالكرامة.
ثالثًا: القلق والأجساد
بعد أن تناولنا الدور المؤثر لفقدان الهوية بسبب الانقطاع الفجائي للمعايير الثقافية، يجدر بنا أن ننظر إلى بعض الجوانب المتعلقة بالجسد. ثمة عنصر مثير للاهتمام وجدير بالملاحظة في الأسابيع القليلة الأولى من حالة الأزمة والطوارئ التي أحدثتها جائحة كورونا، وهو المبالغة في التخزين غير المتوقع لكميات كبيرة من ورق المرحاض في بلدان عدة (خاصةً الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا). كان ورق المرحاض هو الشيء المفاجئ الذي اختير للتخزين بكميات كبيرة، بدلً من الطعام، أو البنزين، أو البطاريات، أو الكتب؛ لقد تعارك عليه (حرفيًّا) أشخاص يملؤون عربات
التسوق بكميات منه تدوم أشهرًا أو سنوات، بدلً من شراء الطعام. كانت الوظيفة الجسدية التي نؤديها في المرحاض محط الاهتمام، وهذا أمر مثير للدهشة، ولكن تتضاءل الدهشة عندما نفكر في طريقة ظهورها في سياق إعادة تشكيل الأنوية. أود أن أوضح هنا أن التركيز على ورق المرحاض، بدلً من الجوانب الأخرى الأكثر أهمية للبقاء مثل الطعام، لا يشير إلى استجابة مذعورة من جراء إعلان الطوارئ والجائحة، ولكنه علامة على الطريقة التي يمكن بها لأزمة المعاصرة أن تؤدي دورًا مهمًا في إعادة التشكيل وأن تُحدث اضطرابًا في الأنوية، ليس بوصفها كينونة النفس، بل باعتبارها كينونة الجسد الذاتي المحض. ولا ينبغي قراءة هذا الاضطراب بوصفه تغييرًا في الذاتية نفسها، ولكن بوصفه الانتقال العتبي الذي يصبح من خلاله
التركيز على الحاجات الجسدية الأساسية موقعًا للارتباط والقلق، في حين تستقر معايير اجتماعية جديدة. ويلفت هذا الاضطراب الانتباهَ إلى الجسد بوصفه موضوعًا للتركيز الذي تحاول الذاتية من خلاله تثبيت نفسها وتحقيق استقرارها في عملية التحول. إن الوجود المسبق لجميع الناس في ذوات جسدية بالغ الأهمية في فهم هشاشة الحياة؛ لأنها حياة محفوفة بمخاطر تتعلق بأمراض أو حوادث "مدمجة في تصورنا الأصيل عن الحياة الجسدية [...] ودائمًا ما تُوجَّه الذوات الجسدية نحو المعايير
(41) Francis Fukuyama, Identity: Contemporary Identity Politics and the Struggle for Recognition (London: Profile Books, 2019). (42) Rob Cover, "Undoing Attitudes: Ethical Change in the Go Back to Where You Came from Documentary," Continuum: Journal of Media & Cultural Studies , vol. 27, no. 3 (2013) p. 417.
الاجتماعية والبيئة المحيطة التي تحد من استقلاليتها الفردية". كما تتبدى بوضوح هشاشة الذات (لأنا وللآخرين) في ضوء الحاجات الجسدية الأساسية التي تلفت الانتباه إلى قلق الذاتية وهشاشتها: المرحاض والنظافة. وواقع الأمر أن هذا إطار تفسيري للمبالغة في تخزين ورق المرحاض، والخطاب المهووس حوله، في بداية أزمة كورونا في أواخر شباط/ فبراير وأوائل آذار/ مارس 2020، وفي تجارب لاحقة عدة للإغلاق المؤقت، وخاصةً في أستراليا والمملكة المتحدة. تقع إعادة تشكيل الذات الأدائية في سياق الانقطاع الثقافي الذي أحدثته جائحة كورونا وتغييراتها في التنقل اليومي، ما دفع إلى إعادة تكوين الذاتية على نحو كبير ومثير يركّز على أحط جانب من وظائف الجسد، أي: الإفرازات. ويمكننا النظر إلى أداء الذات إزاء العلائقية مع الآخر ومع المكان والزمان بوصفه اضطرابًا في الأنوية، أو "امتناع القدرة الأساسية على فهم حدث معين أو قوة إهانة الحدث للفهم".
ويُعاد توجيه هذا الأداء على نحو جذري – وهو المنطق الذي من خلاله تُجعَل الأنشطة الطبيعية والزمانية
للجسم، مثل الإفراز، تبدو محفوفة بالمخاطر على نحو جذري – حتى إن الناس كانوا على استعداد للتعارك في سبيل شراء أكبر قدر ممكن من ورق المرحاض (من بين كل الأشياء!). وتظهر هنا بالطبع جاذبية إطار التحليل النفسي. ومع ذلك، فما إن نفكر في قوة الانقطاع الثقافي القادرة على إعادة التشكيل، حتى نرى أن الناس لم يُحوّلوا اهتمامهم إلى أحط وظائف الجسم داخل سياق نفسٍ متعطلة، بل من خلال
الاضطراب الحاصل لأنا؛ إنها ذاتية مُعادٌ تشكيلها، تعترف بهشاشة الذات المتزامنة مع عدم استقرار
طرق الكينونة التي نؤطرها ونسميها "حضارة". فلا يعاد تشكيل الإنسان بوصفه ذاتًا مُركزة على وظائف
الجسم الأساسية، بل إن الارتباط الفجائي بالقلق على وظائف الجسم تجري معايشته من خلال عملية التحول وإعادة الاستقرار التي من خلالها تتبدد هذه المخاوف على نحو طبيعي. يُعدُّ مثال ورق المرحاض أبلغ تعبير عن القلق الملازم لإعادة تكوين الذاتية الناتجة من الإهانة الثقافية
الفجائية التي أحدثتها جائحة كورونا. إنه تذكير مفيد لنا إلى جانب الاحتجاجات واليأس والصمت الحائر الذي اعترى الكثيرين في البداية. ففي حين يمكن تبرير الاستجابة لجائحة كورونا، فإن تهديد الفيروس نفسه هو تهديد جسدي، تهديد أحدثته معايير علائقية يومية: الأجساد التي تلمس، والأجساد التي تتنفس الهواء نفسه، والأجساد التي تترك وراءها قطرات من سائل ناقل للعدوى. وتتعلق الهشاشة دائمًا بالجسد، ولكن في سياق الانقطاع الثقافي، نجد أن التماسك الموحَّد للتأطير النفسي لأنوية
والحياة الجسدية يتعرضان للاضطراب وإعادة التشكيل، وينتظران التحول إلى النمط الذي يمكن أن يوفره تثبيت الاستقرار المحتمل لبيئة جديدة، وثقافة جديدة، وخطاب جديد، وممارسة جديدة للعلائقية، وقدرة جديدة على تصور الذات في ضوء أنماط جديدة من الحركة والسكون، وبمعنى التأطير المعياري النمطي لإيقاعات الأداء في الزمن المتوجه نحو المستقبل.
(43) Butler, Frames of War , pp. 30–31. (44) Cathy Caruth, "Recapturing the Past," in: Cathy Caruth, Trauma: Explorations in Memory (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995), pp. 151–157. (45) Cover, "Undoing Attitudes," pp. 408–420. (46) Errin Gilson, "Vulnerability, Ignorance, and Oppression," Hypatia , vol. 26, no. 2 (2011), p. 315.
خاتمة: التحول لصالح الأخلاقيات؟
أود أن أختتم هذه الدراسة بملاحظات حول التداعيات الأخلاقية لجائحة كورونا والفرص الأخلاقية التي تظهر في سياق الانقطاع الثقافي وإعادة تشكيل الذات الأدائية. ثمة طريقة مفيدة للنظر إلى العلائقية الأخلاقية تتمثل في مساءلة بعض الممارسات غير الأخلاقية التي نشهدها عندما لا يلتزم الناس بتعليمات التباعد الاجتماعي والإغلاق، أو عندما يتحدّون صراحةً أوامر الإغلاق أو يشتكون من القيود المفروضة على حركة التنقل عبر المدن والفضاءات. في كثير من الحالات، تُعبِّر المطالبة بالحق
في رفع القيود المفروضة على التنقل عن موقف فرداني وليبرالي إنسانوي. وبطبيعة الحال، يظهر هذا الموقف السياسي لدى أقلية فقط من الأشخاص، لكنهم عادة ما يؤطرونه في خطاب الحقوق المدنية ويرددون بعض الحجج الزائفة حول عدم دستورية إجراءات الإغلاق، ودعوات داروينية جديدة تنادي بفكرة البقاء لأقوى، وقصر الاهتمام بتأثير الفيروس على الفرد المشتكي وعدم الاكتراث بالظروف التي ربما تجعل حياة الآخرين أكثر هشاشة أو تُعرّضها للخطر بسبب حركة الفرد أو حمله للفيروس من
دون أن يدري. وفي بعض الحالات، تُعدّ الطريقة المتّبعة للشكوى الفردانية الليبرالية نوعية خاصة من الاستجابة لأزمة وقدرتها على إعادة تشكيل المجتمع، وهنا يكون إدراك حُرمة الفرد وإنكار هشاشة
الآخر أو تجاهلها هما القدرة التي يجري بها التعبير عن الذاتية بوصفها كينونة اجتماعية. لا تتعلق الأخلاقيات بالذاتية الفردية ولا بالأفراد في تفردهم، بل إن "مشاركة الجميع أو الكثيرين داخل مجتمع معيّن [...] هي ما تضمن تكرار الأداء باستمرار". وترى بتلر أن شروط قدرة الاستجابة
الأخلاقية للآخرين لا تقتصر على "الموارد الخاصة "، مثل الخطابات والتجارب والحقوق وممارسات المشاركة الاجتماعية المتاحة لأفراد، بل تضم الأشكال والأطر الوسيطة التي تجعل القدرة على الاستجابة ممكنة. وبعدما وضعت بتلر دراساتها القيمة حول الهشاشة والاعتراف والأخلاقيات، توسعت في أخلاقيات اللاعنف بتسليط الضوء على فكرة التعايش التي استقتها من كتابات حنة أرندت Arendt Hannah حول الإبادة الجماعية. واستخلصت أن التعايش يبدأ بالاعتراف بأن اختلاف أهل الأرض "وضعٌ نهائي للحياة الاجتماعية والسياسية نفسها". ويمكن أن يشير هذا الاختلاف إلى مجموعة كبيرة من أشكال التنوع التي يعبّر عنها الناس بصور مختلفة من جميع أنحاء العالم، وبطرق
ربما لا يمكن تمييزها أبدًا، ولكنها مع ذلك تدعو إلى الاعتراف بحق العيش المشترك في الأرض أو في منطقة أو بقعة معيّنة. وفي سياق جائحة كورونا، نجد أن هذه الأخلاقيات تُقر بالمخاطر المختلفة التي
تهدد أناسًا مختلفين، من مختلف الفئات العمرية، علاوة على مجهولية مدى الضرر الذي ربما يلحق
بالأجساد من جراء الفيروس المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة؛ فما زالت حقائق الضرر الفيروسي
(47) Estelle Ferrarese, "Judith Butler’s 'Not Particularly Postmodern Insight' of Recognition," Philosophy & Social Criticism , vol. 37, no. 7 (2011), p. 763. (48) Butler, Frames of War , pp. 179–180. (49) Ibid.; Butler, Precarious Life. (50) Judith Butler, "Is Judaism Zionism?" in: Judith Butler et al., The Power of Religion in the Public Sphere , E. Mendieta & J. Van Antwerpen (eds.) (New York: Columbia University Press, 2011), p. 83.
مجهولة حتى وقت كتابة هذه الدراسة. والمطلب الأخلاقي هنا هو المطلب الذي يُلزم الناس – بجانب القوة الإصلاحية للانقطاع الثقافي – ببذل قصارى جهدهم نحو التعايش. وتكشف بتلر عن معنى التعايش قائلةً: "لا يقتصر دورنا على العيش مع أناس لم نخترهم قط، وربما لا نشعر نحوهم بأي شعور اجتماعي بالانتماء، بل إننا ملزمون أيضًا بالحفاظ على تلك الأرواح والتعدد الذي يشكلون جزءًا منه.
وبهذا المعنى، تظهر معايير سياسية ملموسة ووصفات أخلاقية من الطابع غير المختار لهذا النمط من التعايش. إن العيش المشترك في الأرض مقدّمٌ على أيّ جماعة أو أمة أو جيرة ممكنة. ربما نختار المكان الذي نعيش فيه والأشخاص الذين نعيش بجوارهم، لكن لا يمكننا أن نختار الأشخاص الذين نشاركهم العيش في الأرض". لا توحي بتلر هنا أننا نعيش في أرض واحدة، ومن ثم يجب أن نعيش في سلام بطريقة تحدد "هناك" موقع الأشخاص الذين لا نرغب في العيش بجوارهم في أماكن غير المكان الذي نعيش فيه "هنا". بل توحي أن هناك التزامًا بعلائقية أخلاقية مع الآخرين، وأنه التزام مفروض علينا لأنه يسبق ذاتياتنا نفسها، وأنه الشرط اللازم لها. النقطة التي أريد أن أؤكدها هي أن هذا الالتزام بالتعايش يعني ضمان عدم استبعاد الآخرين (الأفراد وسائر السُّكان الآخرين) من القدرة على عيش حياة كريمة ومستقبل كريم. ويعني هذا أن الأخلاقيات المبنية على الالتزام الأساسي والمسبق بالتعايش هي التزام بعدم ممارسة العنف تجاه الآخر. وفي هذه الحالة، تشير الأخلاقيات إلى عدم ممارسة العنف الكامن في نشر مرض ربما يكون المرء مصابًا به، ومن ثم يمكن أن يكون هذا التزامًا بمقاومة الرغبة الذاتية نحو حرية التنقل لصالح سُكونٍ يمنع وجودنا الجسدي من أن يتحول إلى سلاح لإيذاء الآخرين. ثمة فوائد اجتماعية لفتح إمكانات إعادة التشكيل الذاتي، على الرغم من القلق المنتشر الذي تسببه مثل هذه التحولات. إنها تستحضر إمكانية التحولات الاجتماعية نحو الطرق الأخلاقية للوجود الإنساني. ولا يشير ذلك إلى أفعال اللطف ذات الطابع الليبرالي أو الفرداني، ولا إلى منافع متبادلة على أساس عقد اجتماعي، بل يشير بصورة كامنة إلى بدايات إعادة تشكيل الذات الأدائية، وحتى إعادة تشكيل ممارسات العلائقية، حيث تشير القدرة على نشر الفيروس إلى ضرورة وإمكانية تحقيق اعتراف أكبر بالهشاشة البشرية باعتبارها الوضع المشترك للذاتية. وقد جرى تسليط الضوء في بعض الصحف على أشكال جديدة من الرعاية المتبادلة في بداية الجائحة في مطلع عام 2020، لكن بحلول مطلع عام 2021 لم يجرِ الاهتمام بهذا الموقف الأخلاقي بأيّ طريقة عالمية معتبرة لصالح خطابات "العودة إلى الوضع الطبيعي". إننا نعيش في سياق الانقطاع الثقافي والفضاء العتبي الذي ترفرف فيه الذاتية في أثناء مرورها بعملية تحوّل، حتى يمكن إعادة مواءمتها مع خطابات وترتيبات وممارسات وتنقلات وعلائقيات جديدة،
ولذا فمن المحتمل أن تؤدي جائحة كورونا دورًا تربويًّا. ليس هذا سياقًا يتعلم فيه الناس أن يتعامل الواحد منهم مع الآخر بطرق أفضل أو بعنف أقل، بل إنه سياق إعادة تشكيل الأنوية بوصفها عملية تتضمن تحويل الناس إلى ذوات مترابطة وملتزمة اجتماعيًّا عن طريق لفت الانتباه إلى الانقطاع الذي
(51) Ibid., p. 84.
كان ضروريًّا لمنع العنف المرتبط بنشر المرض. وهذا يعني أن هناك طريقة مفيدة ومعاصرة للتفكير في واجب التعايش مع الآخر المستضعف، والشخص النازح، والغريب، والأرض، وفيروساتها وتهديداتها، وهوائها، وهي التفكير في هذا الالتزام من خلال الترابط الاجتماعي وتعزيز الحياة الكريمة في العلاقات والفضاءات التي نحيا فيها. ليس بالأمر الصعب أو الإشكالي أن نُبيِّن للناس في
القرن الحادي والعشرين الظلمَ الذي تنطوي عليه الإبادة الجماعية لمجموعة أو شعب آخر وثقافته ومعارفه. ومع ذلك، عندما نفهم أن الممارسات التي تُعزز التعايش أو ترفضه تتعلق بالتدفقات الذاتية والمفاهيمية والمتجسدة في فضاءات عالم معولم من الحدود والتنقلات والعلاقات، فإننا مُلزمون بتوسيع التزام اللاعنف ليشمل مجال العلائقية، ليس بين الناس فحسب، بل بين الناس في الفضاءات الجغرافية المترابطة التي تُتيح الحركة وتُقيدها كذلك. ثمة ترابطية بينية تتسم بها الأجساد الملقاة في فضاء بشري لا نتيقن اليوم من استدامة قدرته على الحفاظ على الحياة. وتتيح هذه الترابطية مداخل ومنطلقات جديدة للتفكير في كيفية العيش معًا بوصفنا أهل الأرض. وهنا تظهر فرصة لإعادة التفكير، ليس في الكيفية التي نعيش بها في سياق تهديد طبيعي يأخذ شكل فيروس مجهري، بل في الوقت نفسه، في الكيفية التي نعيش بها معًا على أرض أصبحت محفوفةً بالمخاطر بسبب الكثير من الأنشطة والمظاهر العولمية التي هددت بيئتها نفسها. هذه الأمور بوصفها منطلقات ليست بالضرورة حالات يمكننا فيها أن نتصور نتائج عملية فورية، أو ترتيبات جديدة، أو قواعد سلوكية مناهضة للعنف ومتجاوزة للنزعات القومية أو حتى أفضل الطرق لإدارة الهجرة وخفض التلوث الناجم عن انبعاثات الكربون. إن المشاركة الضرورية هنا هي مشاركة تُغير مسارها الحاجةُ إلى فتح الذاتية تجاه التوجهات الجديدة التي تحاول تبنّي علاقات أكثر أخلاقية، وتقع إعادة النظر في معنى السُّكان
والانتماء والحياة الكريمة في صميم هذا المسعى. هذه الترابطية البينية للهشاشة المشتركة لدى الذوات الجسدية لا يمكن أن نتوقع مسبقًا أن تظهر بوصفها خطابًا تأطيريًّا رئيسًا للذاتية الجديدة عندما يُغير
الانقطاع ممارساتنا الثقافية، ولكنها تمدّنا، رغم ذلك، بهدف أخلاقي قوي.
References
المراجع
Agamben, Giorgio. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. D. Heller–Roazen (trans). Stanford, CA: Stanford University Press, 1995. Buchbinder, David. Masculinities and Identities. Melbourne: Melbourne University Press, 1994. Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. London/ New York: Routledge, 1990. ________. Bodies that Matter: On the Discursive Limits of 'Sex'. London/ New York: Routledge, 1993. ________. The Psychic Life of Power: Theories in Subjection. Stanford, CA: Stanford University Press, 1997.
(52) Cover, Population.
_______. Precarious Life. London: Verso, 2004. _______. Frames of War: When is Life Grievable? London/ New York: Verso, 2009. ______. Notes Toward a Performative Theory of Assembly. Cambridge, MA/ London: Harvard University Press, 2015. Butler, Judith et al. The Power of Religion in the Public Sphere. E. Mendieta & J. VanAntwerpen (eds.). New York: Columbia University Press, 2011. Caruth, Cathy. Trauma: Explorations in Memory. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995. Connolly, William E. Identity/ Difference: Democratic Negotiations of Political Paradox. Ithaca, NY/ London: Cornell University Press, 1991. Cooper, Sarah. Relating to Queer Theory: Rereading Sexual Self–Definition with Irigaray, Kristeva, Wittig and Cixous. Peter Lang: Bern, 2000. Cover, Rob. "Undoing attitudes: Ethical Change in the Go Back to Where You came From Documentary." Continuum: Journal of Media & Cultural Studies. vol. 27, no. 3
_____. Emergent Identities: New Sexualities, Gender and Relationships in a Digital Era. London/ New York: Routledge, 2019. _____. Population, Mobility and Belonging: Understanding Population Concepts in Media, Culture and Society. London/ New York: Routledge, 2020. Derrida, Jaques. Points… Interviews, 1974–1994. E. Weber (ed.). Michael Israel (trans.). Stanford, CA: Stanford University Press, 1995. ______. Adieu to Emmanuel Levinas. P–A Brault & M. Naas (trans). Stanford, CA: Stanford University Press, 1999. Duggan, Lisa. The Twilight of Equality? Neoliberalism, Cultural Politics and the Attack on Democracy. Boston, MA: Beacon Press, 2003. Featherstone, Mike. "Archive." Theory, Culture & Society. vol. 23, no. 2–3 (2006). Ferrarese, Estelle. "Judith Butler’s 'Not Particularly Postmodern Insight' of Recognition." Philosophy & Social Criticism. vol. 37, no. 7 (2011). Foucault, Michael. Society Must Be Defended: Lectures at the College de France, 1975– 76. M. Bertani & A. Fontana (eds.). David Macey (trans.). London: Penguin, 2004. Fukuyama, Francis. Identity: Contemporary Identity Politics and the Struggle for Recognition. London: Profile Books, 2019. Gilson, Erinn. "Vulnerability, Ignorance, and Oppression." Hypatia. vol. 26, no. 2
Gramsci, Antonio. Selections from the Prison Notebooks of Antonio Gramsci. Q. Hoare & G. N. Smith (eds.). London: Lawrence & Wishart, 1971. Grosz, Elizabeth. Space, Time and Perversion: The Politics of Bodies. London/ New York: Routledge, 1995. Hall, Stuart. "The Great Moving Right Show." Marxism Today. vol. 23, no. 1 (1979). Hall, Donald E. Subjectivity. London/ New York: Routledge, 2004.
Jenkins, Fiona. "Judith Butler: Disturbance, Provocation and the Ethics of Nonviolence." Humanities Research , vol. 16, no. 2 (2010). Lazzarato, Maurizio. Governing by Debt. J. D. Jordan (trans.). South Pasadena, CA: Semiotext(e), 2013. Lemke, Thomas. Biopolitics: An Advanced Introduction. Eric Frederick Trump (trans). New York/ London: New York University Press, 2011. Macey, David. "Rethinking Biopolitics, Race and Power in the Wake of Foucault." Theory, Culture & Society. vol. 26, no. 6 (2009). Pugliese, Joseph. "The Incommensurability of Law to Justice: Refugees and Australia’s Temporary Protection Visa." Law and Literature. vol. 16, no. 3 (2004). Sharma, Sarah. "Taxis as Media: A Temporal Materialist Reading of the Taxi–cab." Social Identities. vol. 14, no. 4 (2008). _______. "Critical Time." Communication and Critical/ Cultural Studies. vol. 10, no. 2–3 (2013). _______. "Because the Night Belongs to Lovers: Occupying the Time of precarity." Communication and Critical/ Cultural Studies. vol. 11, no. 1 (2014). Shelley, Mary. The Last Man. London: Wordsworth Editions Ltd., 2004. Turner, Victor. The Ritual Process: Structure and Anti–Structure. Chicago: Aldine Publishing, 1969. Urry, John. Mobilities. Cambridge: Polity Press, 2007. Woodward, Kath. Understanding Identity. London: Arnold, 2002. Wyn, Johanna & Dan Woodman. "Generation, Youth and Social Change in Australia." Journal of Youth Studies. vol. 9, no. 5 (2006).