العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مقدمة محرر العدد

مقدمة محرر العدد

Guest Editor's Introduction

منير الكشو

لا يروم هذا الملف الخاص بالفلسفة السياسية المعاصرة التطرق إلى كامل القضايا التي خاض، وما زال يخوض فيها أهل الاختصاص في الفلسفة السياسية اليوم، أو حتى الإحاطة بأهم ما أنتجه أعلامها. لكنه، في المقابل، يسعى إلى إعطاء الأولوية لضربٍ من قضايا الفلسفات السياسية التي خاضت، من وجهة نظر نقدية ومعيارية مجدّدة، في المسائل التي تصبّ في صميم الجدال السياسي والفكري الراهن، مثل القضايا التي تتناول مواضيع العدالة والحرية والمساواة والحقوق والتعددية والديمقراطية والمواطنة والانتماء القومي وغيرها من المسائل المتفرعة عنها. وبطبيعة الحال، لا تخص هذه المسائل مجتمعات أو ثقافات معينة دون غيرها، بل باتت اليوم عامة وعابرة للثقافات. ففي كل المجتمعات التي تعيش حراكًا، لا تقتصر المطالبات فيها على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإنما أيضًا على إعادة تأسيس التواشج الاجتماعي، وإعادة صياغة شروط العيش المشترك، نرى هذه المسائل تتبوَّأ واجهة الجدال السياسي والفكري. خاضت دراسات كثيرة غمار هذه المسائل عن طريق الاستعانة بأدوات الفلسفة، موظّفة في ذلك المأثور الفلسفي، مع تجديده وتطويره، حتى يتسنى له المواكبة فكريًا ونقديًا للواقع السياسي والاجتماعي المتغير الذي تعيشه بدرجات متفاوتة شعوب العالم قاطبة ضمن سياقات متباينة. وحينما نتحدث عن الفلسفة السياسية المعيارية، فإننا نقصد بها النظريات السياسية التي فكّرت في السياسة، من خلال قيم ناظمة للعمل السياسي، وأعطت كل واحدة منها أولوية لإحداها على الأخرى، مثل الحرية بالنسبة إلى الليبرالية، أو المساواة بالنسبة إلى الاشتراكية، أو توليفة من الاثنتين معًا بالنسبة إلى الديمقراطية الاشتراكية، أو الفضيلة بالنسبة إلى الفكر المحافظ، أو المواطنة بالنسبة إلى الفكر الجمهوراني Republicanism. ولكن رغم اختلاف هذه المقاربات، التي تناولتها الأوراق البحثية المنشورة في هذا الملف، في فهم هذه القيم وترتيبها وتكييفها مع السياسات الكفيلة بتحقيقها، فإنها تعترف جميعها أن هذه القيم والمعايير والمبادئ متأصلة في العقل المشترك وفي الثقافات العامة للمجتمعات،

بحيث غدت، بفعل العولمة، الحدود الفاصلة بين الثقافات مساميّة غير مُحكمة، وزال الاكتناف عن المجتمعات لتصبح أكثر استعدادًا للتثاقف والتأثير في بعضها البعض. صحيح أن العقل المشترك والثقافة العامة في حاجة، في كل بلد، إلى النقد وإعادة البناء، وهي المهمة النقدية التي اضطلعت بها الفلسفة طوال تاريخها، لكن ذلك لا يجردهما من الصوابية أو يحولهما إلى بؤرتي أوهام أو مرايا مفقعة للأيديولوجيا، وتظل القيم والأفكار والمعايير التي يتضمنانها بمنزلة المرجع الأساسي لفضّ النزاعات السياسية على نحو سِلمي، وأيضًا صياغة التوافقات والتسويات السياسية، وتوفير المادة الخام لعمل الفلسفة والنظرية السياسية المعيارية. وللقيام بهذه المهمة، تحتاج الفلسفات السياسية إلى الإفادة من نتائج بحوث مختلف حقول العلوم الاجتماعية، من اجتماع واقتصاد وأنثروبولوجيا وتاريخ وسيكولوجيا وسياسة وقانون؛ إذ إنه، كما أكد الفيلسوف الأميركي جون رولز Rawls John (2002–1921)، ينبغي للفلسفة السياسية أن تكون ملمّة بسيكولوجية الأفراد، وكذلك بالوقائع الكبرى للمجتمع حتى تقتدر على صَوغ النظرية السياسية المناسبة لمجتمعها. لكن، وإن كانت الفلسفة السياسية في حاجة إلى العلوم الاجتماعية وفق منظور رولز، فإنه في المقابل، لا يبدو الأمر على هذا النحو من جهة العلوم الاجتماعية، التي تستند إلى مبدأ الحياد الأكسيولوجي الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Weber Max (1920–1864) بداية القرن العشرين، بحيث أقصت المعايير والقيم والغايات القصوى للفعل الإنساني من مجال الدراسة العقلانية للواقع الإنساني، وحصرت مجال البحث فيما نقدر أن نكوّن في شأنه أحكامًا ومعارف يمكن التثبت من صحتها من خلال معطيات الخبرة والملاحظة. ونتيجةً لذلك، اعتقد المختصون في هذه العلوم بأنه في الإمكان فهم البشر والأنظمة السياسية والاقتصادية وقضايا المشروعية والشرعية والسيادة والقانون وغيرها من المسائل، من دون تقييم أفعال الناس وإخضاعها لمقاييس العدل والخير. وتتعلق دراستا كلٍّ من الزواوي بغورة وأشعيا برلين Berlin Isaiah من هذا العدد بهذا السؤال المتعلق بماهية الفلسفة السياسية ودورها وعلاقتها بالعلوم الاجتماعية. فيعرض بغورة في دراسته طريقة الفيلسوف الأميركي المعاصر تشارلز لارمور Larmore Charles في إعادة طرح سؤال سبق للفيلسوف ليو شتراوس Strauss Leo (1973–1899) أن طرحه في عام 1955، والمتعلق بماهية الفلسفة السياسية والإجابة عنه على نحو يختلف عن إجابة شتراوس. فوفق منظور هذا الأخير، تمتاز الفلسفة السياسية القديمة عن الحديثة بخاصيتين؛ أولاهما أنها تحرص دومًا على مقاربة القضايا السياسية من خلال منظور يتطابق وما يختبر من خلاله المواطنون تلك القضايا ويفكرون فيها، وثانيتهما أنها تجعل مسألة أفضل الأنظمة السياسية وأفضل أشكال الحكم موضوعها الرئيس. وهذان الأمران مترابطان، لأن المسائل التي تثيرها الحياة السياسية ويتجادل حولها المواطنون تتعلق أساسًا بما هو عادل ومفيد للجماعة السياسية وللناس. ففي مداولاتهم العامة حول العمل الصالح الذي ينبغي الإتيان به، والقانون الأنسب الذي يجب سنّه، أو حينما يحكمون على الأحداث والأفعال الماضية، يحاجّ الناس بعضهم بعضًا بأفكار

الخير والعدل والفضيلة. وهذا تصديقٌ لقول أرسطو: "وما اختص به الإنسان دون سائر الحيوانات انفراده بمعرفة الخير والشر والعدل والظلم وما إليها. وتبادل تلك المعرفة يُنْشِئُ الأسرة والدولة". أما في الفلسفة الحديثة فقد تغلبت، في نظر شتراوس، وجهة نظر الفيلسوف البريطاني توماس هوبز Hobbes Thomas (1679–1588)، الداعية إلى اعتماد مقاربة واقعية للحياة السياسية، تعمل على تلافي أسباب العنف وإقامة سلطة يهابها الناس، ويحتكمون إلى قانونها بغية وضع حد للنزاع بدل البحث عن الفضيلة والمَثل الأعلى للحياة الخيّرة. لكن لارمور يعيب على شتراوس إغفاله عنصرًا مهمًا يفسّر إسقاط اعتبارات الفضيلة والحياة الخيرة من اهتمامات الفلسفة السياسية الحديثة، وهو إقرار المحدثين منهم، كون معانٍ، كالفضيلة والحياة الخيّرة، باتت مواضيع خلاف متواصل بين الناس، لا بسبب أخطاء في التفكير أو سوء في التقدير أو قلة تجربة، وإنما بسبب استخدام الناس الحُر لتفكيرهم وعقلهم على نحو واعٍ، للإجابة عن السؤال الذي ما فتئوا يطرحونه على أنفسهم، وهو كيف ينبغي للمرء أن يعيش؟ فإدراك أن الخلاف الأخلاقي يمكن أن يكون أحد مخرجات النقاش العقلاني بين أناس عقلاء في المسائل المتعلقة بالغايات القصوى للحياة، بات سمة العصر الحديث. وهذا الأمر لم يكن أرسطو يتصور إمكان حدوثه، في رأي لارمور. فالخلاف لا يمكن أن يكون، عند أرسطو، إلا في المصالح والآراء، ولا يمكن أن يكون بين أناس عقلاء متبصّرين أصحاب نظر ورَوِيَّة، حينما يخوضون في مسائل الحق والخير والفضيلة. من دون أن ينكر لارمور، كما يبيّن بغورة في دراسته، أهمية الدوافع الأخلاقية للسياسة، يؤكد أيضًا على ضرورة استقلالية الفلسفة السياسية المعاصرة عن مبحث الفلسفة الأخلاقية؛ فهي ليست مجرّد فرع من النظرية الأخلاقية يسعى لتقديم نموذج لمجتمع جيد التنظيم Society ordered – Well، وفق تعبير رولز، ويستمد تسويغه من القناعات الأخلاقية الراسخة المشتركة بين أفراده. لكن لارمور يرفض، في الوقت نفسه، التصور الواقعي للفلسفة السياسية، كالذي دافع عنه الفيلسوف البريطاني بيرنارد ويليامز Williams Bernard (2003–1929)، المتأثر بالتصور الهوبزي للسياسة، لأن الفلسفة السياسية لا يمكنها، في نظره، أن تقطع الصلة مع المبادئ الأخلاقية التي تجعل العيش المشترك ممكنًا، رغم الاختلافات الجوهرية بين أفراد المجتمع الواحد في تصوراتهم عن الخير والسعادة والفضيلة. أما الدراسة الثانية التي تطرقت إلى الموضوع نفسه فهي دراسة برلين وجاءت بعنوان: "هل ما زالت النظرية السياسية موجودة؟"، نُشرت في صيغتها الأولى باللسان الفرنسي، في ملف خاص صدر عن المجلة الفرنسية للعلوم السياسية في عام 1961، أشرف على تحريره الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون Aron Raymond (1983–1905)، وشارك فيه، إلى جانب برلين، فلاسفة فرنسيون وبريطانيون مختصون في الفلسفة السياسية والاقتصاد، أمثال إيريك فايل Weil Eric (1972–1904)، وبرتراند دي جوفنيل Jouvenel de Bertrand (1987–1903)، وريتشارد وولهيم Wollheim Richard (2003–1923)، وأنطوني دونز Downs Antonny (2021–1930)، ثم نُشرت بعد ذلك في صيغتها هذه باللسان الإنكليزي

في عام 1962. وتجدر الإشارة هنا إلى أن استخدام لفظ "نظرية" غدَا بداية الستينيات من القرن المُنْصرِم مُتداولً بكثرة عند المختصين في العلوم الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص العلوم السياسية. ولئن كان وضع نظرية عامة تمكّن من تنظيم الوقائع، وتتوفر على قدرة تفسيرية مهمة، لا يطرح مشاكل عديدة بالنسبة إلى علوم اجتماعية مثل الاقتصاد أو علم الاجتماع، فإن وضع نظرية عامة في مجال العلوم السياسية يصطدم بجملة من الصعوبات؛ أولاها، عدم اتفاق أهل الاختصاص حول المفاهيم الكبرى التي تمكّن من فهم السياسة الحديثة، وثانيتها، الصعوبة التي يجدها هؤلاء في قطع وشائج القربى التي تربطهم بالفلسفة. وما يعقّد وضع العلوم السياسية في نظر برلين هو غياب الإجماع بين الفلاسفة على طريقة طرح المشكل السياسي؛ إذ لا يزال بعض الفلاسفة إلى يومنا هذا متعلقين بالبحث عن تعريف "أفضل الأنظمة السياسية"، بينما البعض منشغل بتحديد شروط السلم المدني، في حين يرى آخرون أن المهمة التي ينبغي أن تهتم بها الفلسفة هي تحديد حقوق الأشخاص، وسبل ضمانها من السلطة السياسية، ويذهب فريق من الفلاسفة إلى اعتبار أن المبحث الرئيس للفلسفة السياسية ينبغي أن يكون أساس المشروعية للسلطة. ويرى برلين أن خضوع المشكل السياسي لمقاربات وصياغات مفهومية مختلفة، يؤكد أن السياسة الحديثة تتضمن في جوهرها عنصر التعددية، ليس على صعيد المؤسسات فحسب، وإنما أيضًا وعلى نحو أساسي على صعيد القيم والغايات. وهو أمر يجعل كل محاولات فهم السياسة أو قراءتها من خلال مفهوم موحد أو مركزي يناله الفشل، وقد يؤدي إلى عنف وكوارث مثل تلك التي عرفتها الإنسانية في تاريخها الحديث. وبناء عليه، لن تُجدي نفعًا محاولات الاقتداء بالعلوم الاجتماعية الأخرى أو الاستعاضة عن النظريات الفلسفية بنظريات أخرى مستوردة من حقل الاقتصاد أو الاجتماع، حتى يتسنّى إنجاز دراسات في حقل العلوم السياسية تحقق الإجماع المطلوب على نتائجها كما هو الحال في العلوم الأخرى. فمن حيث هي نظريات سياسية؛ لا يمكنها أن تُحجم عن صياغة أحكام تقييمية ترتب وتنظّم من خلالها الوقائع السياسية. وتظل هذه النظريات، من ثم، معيارية؛ أي فلسفية في نظر برلين. لا يوافق أمارتيا سِن Sen Amartya، كما يوضح ذلك سري نسيبة في دراسته الموسومة ب "مقاربة التمكين: من سِن إلى نوسباوم"، الرأي الذي يَعتبر أننا حيال قضايا مثل تلك المتعلقة بالعدالة، نكون في حاجة إلى نظرية سياسية معيارية عامة تصوغ نموذجًا لعدالة كاملة، تمكّننا من الحكم على الحالات الخاصة من حيث مدى استجابتها لمعايير العادل، أو تمكّننا من المفاضلة بين حالتين أو أكثر من جهة العدالة. فعيب النموذج العام، كما تجسّده نظرية رولز في العدالة القائمة على مبدأ الحرية المتساوية بين الجميع، ومبدأ الاختلاف – الذي يُخضع التفاوتات الاجتماعية لشرطين؛ الأول أن يستفيد منها الجميع، والثاني أن تكون مرتبطة بمواقع اجتماعية مفتوحة أمام الجميع، في إطار المساواة العادلة في الحظوظ – أنه مغرق في التجريد ولا يمكّن من معالجة القضايا التي تَمثل أمامنا كالحال الذي نُعاين فيه ظلمًا ما. فمعالجة حالات مثل هذه لا تقتضي في رأيه إزالة كل أشكال الظلم من خلال نموذج نظري معياري عام، مثل ذلك الذي يقدّمه رولز، وإنما الاهتمام بكل حالة على حدة، والتفكير في كيفية تنمية المقدرات Capabilities الخاصة بالأفراد لجعلهم يخرجون من أوضاع القصور والعجز بأنفسهم،

ويستطيعون ردّ الظلم. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نظرية سِن في المقدرات، مثلما يشير إلى ذلك نسيبة، قد أصبحت في عام 1990 بمنزلة الخلفية الفلسفية لتقرير الأمم المتحدة عن مؤشرات التنمية البشرية، وقد تبنّت الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم Nussbaum Martha نظرية سن في المقدرات وعملت على تطويرها. وفي دراسة نسيبة، نجد مقارنات مهمة بين مقاربتي سِن ونوسباوم لمسألة المقدرات ولمعنى الحياة الجيّدة. والتحفظ نفسه الذي يُبديه سِن حيال النظريات والنماذج الكبرى، نجد شبيهًا له عند ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) في نقده للمشاريع الفلسفية حول تأسيس الديمقراطية والليبرالية والعدالة. فكما يبيّن محمد جديدي في ورقته الموسومة ب "براغماتية ريتشارد رورتي السياسية: بين اليوتوبيا الليبرالية والمنحى الساخري" وفقًا للوجهة البراغماتية التي تأخذ العارضية التاريخية على محمل الجدّ، والتي يتبناها رورتي، لا تحتاج الديمقراطية الأميركية تبريرًا نظريًا وتأسيسًا فلسفيًا، ولا تنتظر مشروعيتها أن يتم إثباتها عن طريق البحث الفلسفي. فالتجربة الديمقراطية هي جزء من الخبرة الواسعة لشعب ما، ومن الأدوات التي يستخدمها ليتحرر من القيود ويقاوم العبودية ليعيش في كنف الحرية. ولئن لم تكن الديمقراطية الأميركية في حاجة إلى تأسيس فلسفي، فهي تظل في حاجة إلى نقد وتقويم وإصلاح. فقد ساهمت جملة من السياسات والأحداث في زعزعة اليقين حول كون الولايات المتحدة الأميركية قوة سياسية تعمل على حفظ الأمن والسلم العالميّين، ونشر قيم الحرية ومبادئ التنوير، ومن ذلك حرب فيتنام واستمرار التمييز العنصري بعد إلغاء الرق، ورسوخ الثقافة العنصرية في العقليات وداخل المؤسسات؛ وهو ما يستدعي في نظر رورتي استكمال مشروع الولايات المتحدة التنويري، مثلما حلمت به الأجيال التي ساهمت في البناء الوطني، ونقد الممارسات وتصحيح المسار. لكننا بهذا العمل لا نكون، في رأيه، في حاجة دائمة إلى الفلسفة، ولا إلى الأنساق الكبرى، وإنما إلى شعراء وروائيين ومؤرخين وإعلاميين ورجال سياسة؛ إذ لا بد في نظره من تخليص السياسية من استبداد العقل، حتى نمنح الأولوية للديمقراطية على الفلسفة، والأمل على المعرفة، والتضامن على الموضوعية. وبهذا يصوغ رورتي معالم نظرية سياسية طريفة، ديمقراطية وليبرالية ويسارية، تنحاز إلى الضعفاء وتعطي العدالة الاجتماعية مكانة مركزية، في حين تؤكد أولوية الديمقراطية على الفلسفة ومزاعمها في التأسيس والتسويغ. أما دراسة عبد الرحمن الشولي التي جاءت بعنوان "إشكالية المواطنة والهوية الثقافية بين هابرماس ونصار: دراسة مقارنة بين الواقع الأوروبي والواقع اللبناني"، فتتطرق إلى المواطنة والهوية الثقافية من خلال مقاربتي فيلسوفين معاصرين، أحدهما يفكر في سياق أوروبي، وهو الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Habermas Jürgen، والآخر يفكر في المسألة في سياق عربي وهو الباحث اللبناني ناصيف نصار. وكانت العلاقة بين المواطنة، أي الانتماء إلى دولة–أمة ما، والهوية الثقافية، علاقة تلازم بفعل التجانس الثقافي الذي يميز ذلك البناء. لكن الأوضاع تغيرت في أوروبا، مثلما يشير الشولي، بفعل الهجرة وعوامل أخرى جعلت التعددية الثقافية سمة ثابتة ودائمة للمجتمعات الديمقراطية والمتقدمة، ما جعل الانتماء إلى الدولة–الأمة لا يعني الانتماء إلى الهوية الثقافية التي قامت عليها تلك الدولة.

وهو أمر يجعل التفكير في مسألة المواطنة والهوية الثقافية في السياق الأوروبي لا يبتعد كثيرًا عن التفكير فيها في سياق بلد عربي، مثل لبنان الذي يتميز بالتعددية الثقافية والدينية التي هي أيضًا صفة دائمة فيه. ورغم الاختلاف بين السياقين، من حيث ظروف تحقق المواطنة والتحديات التي يواجهها ترسيخ الديمقراطية، وتكريس مبدأ حكم القانون في المنطقة العربية، وفي لبنان تحديدًا، يعتبر الشولي أن ما توافر من ديمقراطية متعثرة، ومن هامش الحريات في لبنان وفي بعض البلدان العربية، كافٍ لعقد المقارنة بين التفكير في المواطنة في السياق الأوروبي من خلال أعمال هابرماس، وفي السياق العربي من خلال أعمال نصار. وترصد الدراسة أيضًا نقاط الاتفاق والتباين بين مقاربتي نصار وهابرماس لفكرة المواطنة التي تشكلت تاريخيًا في أوروبا على أساس الانتماء القومي والولاء للدولة، في حين تعاني فكرة المواطنة في السياق العربي غلبةَ الانتماءات الثقافية والطائفية على الانتماء الوطني والقومي. ويلاحظ الشولي في الجزء الأخير من دراسته أنه إذا كان هابرماس قد تبنّى فكرة مواطنة عالمية، وفكرة أفول الدول–الأمم في عصر العولمة وانصهارها في كيانات أوسع مثل الاتحاد الأوروبي، فإن نصار ظلّ متعلقًا بالدولة القومية الديمقراطية بوصفها الإطار الأنسب لمواطنة تتسامى على الانقسامات الثقافية والطائفية. ويتضمن هذا الملف أيضًا دراسة للباحث بسام ناصر حول أخلاقيات الانفصال لدى الفيلسوف الأميركي المعاصر ألين بوكانان Buchanan Allen، يتطرق فيها إلى الحجج التي يمكن أن تمثل تبريرًا أخلاقيًا مقبولً، في نظر هذا الفيلسوف، للانفصال السياسي لجماعة ما عن كيان دولة ينتمون إليها ليكوّنوا دولة جديدة أو لينضموا إلى أخرى. كما يحتوي هذا العدد على مراجعة لكتاب "المجتمع المدني: دراسة نقديّة" لعزمي بشارة من إعداد الباحث كمال طيرشي، ومراجعتين لكتابين مترجمين صدرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وهما "ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع" لكاثرين أودار، أعدها عبد السلام الككلي، و"محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية" لجون رولز، أعدها نوفل الحاج لطيف.

References

المراجع

العربية

أرسطو. السياسيات. ترجمة الأب بربارة البولسي. بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع،.1957

الأجنبية