العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العدالة إنصافًا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية

العدالة إنصافًا: نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية

Justice as Fairness: Political not Metaphysical ***

جون رولز ترجمة: نوفل الحاج لطيف *

John Rawls *

Translated by Hajltaief Naoufel

الملخّص

تسلّط هذه الدراسة الضوء على بعض الثغرات التي لم يقتدر كتاب جون رولز نظرية في العدالة على تلافيها، ومن هنا تكمن أهميتها القصوى. وهي، فضلًا عن ذلك، أشبه بنواة مفصلية لمحاضرات رولز اللاحقة، التي جمعها في كتابه الليبرالية السياسية. والحقيقة، كما يذكر رولز نفسه، أنه استفاد في تطوير نظريته في العدالة، وتوضيح معالمها بوصفها تصورًا سياسيًا ينطبق على البنية الأساسية لمجتمع حسن التنظيم، في إطار ديمقراطية دستورية من الانتقادات والتعليقات والملاحظات العديدة التي واجهتها نظريته "العدالة إنصافًا"، والتي أجمل فيها القول عام 1971 في كتابه المذكور، وكان "رجع الصدى" لفكرةٍ راودته منذ عام 1958 ضمَّنها في دراسته "العدالة إنصافًا".

Abstract

Abstract: This article sheds light on some of the gaps in John Rawls’s book A Theory of Justice. It is a summary of Rawls’s later lectures which he collected in his book Political Liberalism. As Rawls mentions, the numerous critiques and responses to his theory of "justice as fairness" that he summarised in his 1971 book A Theory of Justice , were a reverberation of an idea he wrote about in 1958 in an article entitled "Justice as Fairness", and they actually helped him to develop

الكلمات المفتاحية:
  • العدالة إنصافًا
  • تصور سياسي
  • مذهب شمولي
  • بنية أساسية
  • ديمقراطية دستورية - ليبرالية
Keywords:
  • Justice as Fairness
  • political conception
  • comprehensive doctrine
  • basic structure
  • liberal-constitutional democracy

جون رولز | John Rawls ترجمة: نوفل الحاج لطيف * |

العدالة إنصاف:ًا نظرية سياسية وليست ميتافيزيقية ** ((8(Justice as Fairness:

Political not Metaphysical ***

العدالة على تلافيها، ومن هنا تكمن أهميتها القصوى. وهي، فضلً عن ذلك، أشبه بنواة مفصلية

لمحاضرات رولز ال حقة، التي جمعها في كتابه الليبرالية السياسية. والحقيقة، كما يذكر رولز

نفسه، أنه استفاد في تطوير نظريته في العدالة، وتوضيح معالمها بوصفها تصورًا سياسيًا ينطبق على

البنية الأساسية لمجتمع حسن التنظيم، في إطار ديمقراطية دستورية من الانتقادات والتعليقات

والملاحظات العديدة التي واجهتها نظريته "العدالة إنصافًا"، والتي أجمل فيها القول عام 1971 في

كتابه المذكور، وكان "رجع الصدى" لفكرةٍ راودته منذ عام 1958 ضمَّنها في دراسته "العدالة إنصافًا".

دستورية – ليبرالية.

مواجهة التقليد المنفعي).2015(

Researcher specialising in contemporary political philosophy. One of his most important books is Social Controversy in Liberal Thought: John Rawls in Confronting Utilitarianism (2015). hajltaiefnaoufel@yahoo.fr

كلية الحقوق بجامعة ييل، وجامعة إلينوي، وجامعة كاليفورنيا في ديفيس. وأنا ممتن لكثير من الباحثين على توضيحهم للعديد من المسائل، وعلى إثارتهم صعوبات دقيقة، ما اضطرني إلى إحداث تنقيحات كثيرة في الدراسة، وأنا مدين لبي. جي. ديغز، وكاثرين إلجين، وأوين فيس، وستيفن هولمز، ونوربرت هورنشتاين، وتوماس ناجل، وجورج بريست، وديفيد ساكس، وعلى وجه

الخصوص بيرتون دريبن الذي كان عونًا كبيرًا جدًّا لي طوال الوقت. وأنوّه بامتناني للآخرين بشأن مسائل معيّنة.

1985), pp. 223–251.

and clarify his theory of justice as a political conception that applies to the basic structure of a well–organised society in the context of a constitutional democracy.

سأدلي في هذه المناقشة ببعض الملاحظات العامة حول كيفية فهمي الآن لتصور العدالة الذيُ أطلقتُ عليه تسمية "العدالة إنصافًا" (كما عرضته في كتابي نظرية في العدالة A Theory of Justice). وفعلي هذا مرَدُّه إلى كون هذا التصور بدا لي كما لو كان مرتهنًا بمتطلبات فلسفية أودّ تجنبها؛

من قبيل متطلبات الحقيقة الكلية، أو تلك التي تفترضها طبيعة الأشخاص الأساسية وهويتهم. والقصد من وراء ذلك هو بيان أن نظريتي ليست كذلك. سأناقش أولً ما أعتبره مهمة الفلسفة السياسية في الزمن

الحاضر، ثم أستعرض بإيجازٍ كيف دُمِجت الأفكار الحدسية الأساسية المستمدة من العدالة إنصافًا في تصور سياسي للعدالة صالح لديمقراطية دستورية. وبذلك سنتبين الكيفية التي من خلالها يعمد هذا التصور للعدالة إلى تجنب بعض المتطلبات الفلسفية والميتافيزيقية، فضلً عن تبين سبب ذلك. وباختصار، يجب أن يكون التصور العمومي للعدالة، في الديمقراطية الدستورية مستقلً، قدر الإمكان، عن المذاهب الفلسفية والدينية المثيرة للجدل. وبناءً عليه، ومن أجل صياغة مثل هذا التصور، نطبّق مبدأ التسامح على الفلسفة

نفسها؛ إذ ينبغي أن يكون التصور العمومي للعدالة سياسيًا، وليس ميتافيزيقيًا، ومن هنا جاء العنوان. أريد أن أضع جانبًا السؤال عن كون كتاب نظرية في العدالة قابلً لقراءات مختلفة عن تلك التي أبلورها

ههنا. ومن المؤكد أنني غيّرت وجهات نظري بشأن عدد من المسائل، ولا ريب في وجود مسائل أخرى

تغيرت بشأنها وجهات نظري من دون وعي مِنّي. وأعترف كذلك أن بعض أخطاء العرض، وكذلك

(1) John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971);

ينظر أيضًا الترجمة العربية للكتاب: جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة وتقديم ليلى الطويل (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، (((تجلت هذه التنقيحات والتغييرات في علاقة بمسائل الاهتمام، على نحو واضح، في ثلاث محاضرات بعنوان: "البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية". ينظر:

John Rawls, "Kantian Constructivism in Moral Theory," The Journal of Philosophy , vol. 77, no. 9 (September 1980), pp. 515–572;

على سبيل المثال، عُدّل تفسير ما أسميته الخيرات الأولية، بحيث أصبحت دلالتها تتعلق بوضوح بتصور معين للأشخاص ومصالحهم

العليا. وهكذا، فإن هذه الأطروحة لم تعُد من طبيعة سيكولوجية أو اجتماعية أو تاريخية بحتة. ينظر: رولز، ص 625؛

Rawls, A Theory of Justice , p. 526.

وشهدت تلك المحاضرات أيضًا تركيزًا أكثر وضوحًا على دور تصور الشخص، وعلى فكرة أن تبرير تصور العدالة هو مهمة اجتماعية

عملية، وليس مشكلة إبستيمولوجية أو ميتافيزيقية. ينظر: رولز، ص 617؛ وينظر: 518. p , A Theory of Justice , Rawls. وفي هذا الصدد، استُدعيت فكرة "البنائية الكانطية"، خاصة في المحاضرة الثالثة. ومع ذلك، تجدر الإشارة ههنا إلى أن هذه الفكرة لا تُقترح

كفكرة كانطية؛ إذ تشير الصفة "الكانطية" إلى التشابه، ولا تشير إلى التماهي، أي التشابه في بعض الاعتبارات الأساسية التي تجعل

من الصفة ملائمة. وهذه الاعتبارات هي بعض السمات البنائية للعدالة إنصافًا وعناصر من مضمونها، مثل التمييز بين ما يمكن تسميته المعقول والعقلاني، وأولوية الحق، ودور تصور الأشخاص على أنهم أحرار ومتساوون، ويتمتعون بالاستقلالية الذاتية، وما إلى ذلك. ولا ينبغي أن نخلط بين أوجه التشابه في السمات البنيوية والمضمون وبين وجهات نظر كانط المتعلقة بمسائل الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. وأخيرًا، أود أن أشير إلى أن عنوان تلك المحاضرات، "البنائية الكانطية في النظرية الأخلاقية"، كان

مدعاة لسوء الفهم. وبما أن تصور العدالة الذي أناقشه تصوّر سياسي، فإن العنوان الأفضل يُفترض أن يكون "البنائية الكانطية في

الفلسفة السياسية". وأما معرفة إن كانت البنائية معقولة في الفلسفة الأخلاقية، فهي تظل مسألة منفصلة وأكثر عمومية Generality.

المقاطع الغامضة والملتبسة في كتاب نظرية في العدالة مدعاة لسوء الفهم. لكنني أعتقد أنه لا جدوى من الاهتمام بهذه الأمور، ولن أتابعها سوى في بضع إشارات في الهوامش. وفي علاقة بما يعنينا ههنا، يكفي أولً أن نبيّن كيف يمكن فهم تصور للعدالة يشتمل على بنية ومضمون العدالة إنصافًا على أنه

سياسي، وليس ميتافيزيقيًا، وثانيًا، أن نشرح ما يلي: لماذا يجب علينا أن نتحرى في مثل هذا التصور

للعدالة في مجتمع ديمقراطي.

I

قد يكون الأمر الوحيد الذي لم أوفّق في قوله عن نظرية في العدالة، أو لم أستطع تأكيده على نحو كافٍ، هو أن العدالة إنصافًا أريد لها أن تكون تصورًا سياسيًا للعدالة. ولمّا كان التصور السياسي للعدالة هو، بطبيعة

الحال، تصورًا أخلاقيًا، فإنه تصور أخلاقي وُضِع لنوع معين من الموضوعات؛ أي المؤسسات السياسية

والاجتماعية والاقتصادية. وعلى وجه الخصوص، أعِدّت العدالة إنصافًا لتُطبق على ما أسميته "البنية الأساسية" للديمقراطية الدستورية الحديثة (سأستخدم "الديمقراطية الدستورية" و"النظام الديمقراطي"، وعبارات مماثلة بالتبادل). وأعني بهذه البنية المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية في مثل هذا المجتمع، وكيفية اتساقها معًا في نظام واحد موحّد للتعاون الاجتماعي. وأما مسألة إمكان توسيع

نطاق العدالة إنصافًا ليشمل تصورًا سياسيًا عامًّا لأنواع مختلفة من المجتمعات القائمة في ظل ظروف

تاريخية واجتماعية مختلفة، وإمكان توسيعه ليشمل تصورًا أخلاقيًا عامًّا، أو جزءًا كبيرًا منه، فهما مسألتان

منفصلتان كليًّا. سأتجنب الحكم مسبقًا على هذه المسائل الكبرى بطريقة أو بأخرى. ينبغي تأكيد أن العدالة إنصافًا لا يقصد بها تطبيق تصور أخلاقي شامل على البنية الأساسية للمجتمع، كما لو أن هذه البنية ليست سوى حالة أخرى يُطبَّق عليها هذا التصور الأخلاقي الشامل. وتعتبر النفعية

في هذا المضمار أفضل مثال على ذلك؛ لأن مبدأ المنفعة، مهما كانت صياغته، عادةً ما يُقال إنه ينطبق

على جميع أنواع الموضوعات التي تراوح من أفعال الأفراد إلى قانون الأمم. وتكمن المسألة الأساسية في ما يلي: انطلاقًا من سياسية عملية، لا يمكن لأي تصور أخلاقي عام أن يوفر أساسًا معترفًا به، على

نحوٍ عمومي، لتصور العدالة في دولة ديمقراطية حديثة. وتتجذر الشروط الاجتماعية والتاريخية لمثل هذه الدولة في الحروب الدينية التي أعقبت الإصلاح والتطور اللاحق لمبدأ التسامح، وفي تنامي الحكومة الدستورية ومؤسسات اقتصاديات السوق الصناعية الكبيرة. وتؤثر هذه الشروط تأثيرًا عميقًا في متطلبات

التصور العملي للعدالة السياسية. فمثل هذا التصور يجب أن يسمح بتنوع المذاهب، وتعددية تصورات الخير المتباينة، بل أيضًا غير القابلة للمقايسة التي يعتنقها، أو يدافع عنها، أعضاء المجتمعات الديمقراطية القائمة. يمكن القول في ختام هذه الملاحظات الاستهلالية ما يلي: إن العدالة إنصافًا بما أنها يقصد بها أن تكون تصورًا سياسيًا للعدالة في مجتمع ديمقراطي، فإنها لا تحاول الاعتماد إلّ على الأفكار الحدسية الأساسية

(((ينظر الفقرة الثانية من: A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر الفهرس؛ وينظر، في هذا السياق، البنية الأساسية بوصفها موضوعًا في:

Alvin Goldman & Jaegwon Kim, Values and Morals (Dordrecht: Reidel, I978), pp. 47–71. (4) Ibid., pp. 48–50.

المتأصلة في المؤسسات السياسية لنظام ديمقراطي دستوري والتقاليد العمومية التي تفسرها. والعدالة إنصافًا تصورٌ سياسي في جزء منها؛ لأنها تنطلق من تقليد سياسي معين. ونأمل أن يكون هذا التصور

السياسي للعدالة مدعومًا على الأقل بما يمكن أن نسميه وفاقًا تراكبيًّا Consensus Overlapping؛ أي

وفاقًا يشمل جميع المذاهب الفلسفية والدينية المتعارضة، التي يُفترض أن تستمر، وأن تكتسب أتباعًا في

مجتمع ديمقراطي دستوري عادل إلى حد ما.

II

توجد، بطبيعة الحال، العديد من الطرائق التي يمكن من خلالها فهم الفلسفة السياسية، والكتّاب الذين يواجهون، في أزمنة مختلفة، ظروفًا سياسية واجتماعية مختلفة؛ ومن ثم فإنهم يفهمون مهماتهم على نحو مختلف. وأودّ أن أفهم العدالة إنصافًا ههنا كتصور منهجي وعملي معقول للعدالة مناسب لديمقراطية دستورية، يقدم بديلً من النفعية السائدة في تقاليدنا في الفكر السياسي. وتتمثل المهمة الأولى لهذه العدالة في توفير أساس أكثر ضمانًا ومقبولية للمبادئ الدستورية والحقوق والحريات الأساسية مما تبدو النفعية قادرة على توفيره. وتنشأ الحاجة إلى مثل هذا التصور السياسي من الاعتبارات الآتية: توجد في تاريخ أي مجتمع فترات، تكون طويلة أحيانًا، تثير خلالها بعض المسائل الأساسية جدلً سياسيًا حادًّا يكون سببًا للانقسام؛ ما يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إيجاد أي أساس

مشترك للاتفاق السياسي. والواقع أن بعض المسائل قد تستعصي على الحل، وقد لا تجري تسويتها كليًّا البتة. وفي مجتمع ديمقراطي، تتمثل إحدى مهمات الفلسفة السياسية في التركيز على مثل هذه

المسائل، ودراسة ما إذا كان يمكن الكشف عن بعض الأركان الأساسية، لكنها لا يمكن أن تكون أسسًا

رئيسة للاتفاق ولوضع طريقة تقبل بها الأطراف لحل هذه المسائل عموميًّا. وإذا لم يكن في الإمكان تسوية

هذه المسائل تسوية كاملة، وعادة ما يكون الحال كذلك، فربما يمكن تقليص نطاق الاختلاف في الرأي على نحو كافٍ؛ بحيث يمكن الحفاظ على التعاون السياسي على قاعدة الاحترام المتبادل.

(((جرى تقديم هذه الفكرة في كتاب نظرية في العدالة بوصفها وسيلة لإضعاف شروط معقولية العصيان المدني في مجتمع

ديمقراطي عادل إلى حد ما. غير أنني أستخدمها ههنا ولاحقًا في المقطعين السادس والسابع في سياق أشمل. ينظر:. 387–388 pp , Theory of Justice A , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 469. (((ينظر: المقدمة، في: viii.  p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص.21–20

(7) Rawls, A Theory of Justice , p. 582;

وينظر: رولز، ص 689. وبشأن دور تصور العدالة في الحد من الاختلاف بين وجهات النظر، ينظر: , Theory of Justice A , Rawls. 44, 314, 564 pp؛ وينظر: رولز، ص 74، 84، 89، 388، 668. ويلُاحظ في مواضع مختلفة الأهداف المحدودة لصياغة تصور

للعدالة، ينظر: 364. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر أيضًا رولز، ص 45، 444. وبشأن عدم توقع الكثير من تأويلات العصيان المدني، ينظر: 200. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر كذلك: رولز، ص 257. وبخصوص وجوب أن يتصف تصور العدالة بالمرونة في تحديد سلسلة من وجهات النظر التي يمكن من خلالها حل مسائل العدالة، ينظر: 89. p , Theory of Justice A , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 127. وبخصوص الحكمة الاجتماعية المتمثلة في الاعتراف بأنه ربما لا يمكن تسوية سوى عدد قليل من

المشكلات الأخلاقية (كان من الأفضل أن نقول: مشكلات العدالة السياسية) تسويةً مُرضية، ومن ثم تأطير المؤسسات بحيث لا تنشأ

مسائل مستعصية، ينظر: 320–321 87, 53,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 84، 125، 395. ويجري تأكيد الحاجة إلى التبسيط. وفيما يتعلق بالمسألة الأخيرة، ينظر:

Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 64, 560.

يكشف مسار الفكر الديمقراطي على مدى القرنين الماضيين، أو على نحو ذلك، أنه لا يوجد اتفاق على الطريقة التي ينبغي من خلالها تنظيم المؤسسات الأساسية للديمقراطية الدستورية؛ حتى يمكنها أن تحدد وتؤمّن الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وتستجيب لمتطلبات المساواة الديمقراطية عندما يُنظر إلى المواطنين على أنهم أشخاص أحرار ومتساوون (كما تبيّن ذلك الفقرات الثلاث الأخيرة من المقطع الثالث من هذه الدراسة). يوجد خلاف عميق حول كيفية تجسيد قيم الحرية والمساواة على أفضل وجه في البنية الأساسية للمجتمع. وللتبسيط، قد ننظر إلى هذا الخلاف على أنه صراع داخل تقليد الفكر الديمقراطي نفسه، بين التقليد المرتبط بجون لوك Locke John (1704–1632)، الذي يعطي وزنًا أكبر لما نعته بنجامين كونستان Constant Benjamin (1830–1767) ب "حريات المحدثين"، حرية الفكر والضمير، وبعض الحقوق الأساسية للشخص وحق الملكية، وسيادة القانون، والتقليد المرتبط بجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، الذي يعطي وزنًا أكبر لما أسماه كونستان "حريات القدامى"؛ أي الحريات السياسية المتساوية وقيم الحياة العامة. ومثل هذا التباين يفتقد المتانةَ، ثم إنه غير دقيق تاريخيًا، لكنه يصلح لتثبيت الأفكار. وتحاول العدالة إنصافًا التحكيم بين هذه التقاليد المتصارعة: أولً، عن طريق اقتراح مبدأين للعدالة ليكونَا بمنزلة مبدأين توجيهيين لكيفية تحقيق المؤسسات الأساسية لقيم الحرية والمساواة. ثانيًا، بتحديد وجهة نظر يمكن من خلالها النظر إلى هذين المبدأين على أنهما أكثر ملاءمة من مبادئ العدالة المألوفة الأخرى لطبيعة المواطنين الديمقراطيين الذين ينظر إليهم على أنهم أشخاص أحرار ومتساوون. أما ما يعنيه النظر إلى المواطنين على أنهم أشخاص أحرار ومتساوون، بطبيعة الحال، فهو يعتبر مسألة أساسية سنناقشها فيما يأتي. إنّ ما يتعيّن بيانه الآن هو أنّ ترتيبًا معينًا للبنية الأساسية، وأشك لً مؤسسية معينة، تكون كلها أكثر ملاءمة لتحقيق قيم الحرية والمساواة عندما ينظر إلى المواطنين على أنهم أشخاص من هذا القبيل؛ أي ينظر إليهم، بإيجاز شديد، على أنهم يتمتعون بالملكات اللازمة للشخصية الأخلاقية التي تمكّنهم من المشاركة في المجتمع، منظورًا إليه كنظام للتعاون المنصف من أجل المنفعة المتبادلة. وعطفًا على ما تقدّم، يمكن صياغة مبدأي العدالة (المذكورين آنفًا) فيما يلي: 1. لكل شخص حق متساوٍ في نظام متسق تمامًا من الحقوق والحريات الأساسية المتساوية، ومتسق أيضًا مع نظام مماثل للجميع. 2. يجب أن تلبي أوجه اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية شرطين: الأول أن تكون مرتبطة بوظائف ومناصب مفتوحة أمام الجميع في ظل المساواة المنصفة في الحظوظ. والثاني أن تحقق أكبر منفعة لأفراد المجتمع الأقل حظًّا. وينطبق كل مبدأ من هذين المبدأين على جزء مختلف من البنية الأساسية؛ وكلاهما لا يهتم بالحقوق والحريات والفرص الأساسية فحسب، بل بمتطلبات المساواة أيضًا، في حين أن الجزء الثاني من

المبدأ الثاني يؤمّن قيمة هذه الضمانات المؤسسية. وينظم المبدآن معًا، عندما يُعطى الأول الأولوية على الثاني، المؤسسات الأساسية التي تحقق هذه القيم. لكن هذه التفاصيل، على الرغم من أهميتها، ليست مبعث انشغالنا هنا. علينا الآن أن نسأل: كيف يمكن أن تجد الفلسفة السياسية أساسًا مشتركًا لتسوية مسألة أساسية مثل

مسألة أنسب الأشكال المؤسسية للحرية والمساواة؟ بطبيعة الحال، من المرجح أن يكون أقصى ما يمكن القيام به هو تضييق نطاق الخلاف العام. ومع ذلك، فإنّ القناعات الراسخة نفسها تتغير تدريجيًا؛ فالتسامح الديني أصبح الآن مقبولً، ولم تعد الحجج الداعية إلى الاضطهاد معلنة صراحة.

وبالمثل، فإن العبودية مرفوضة باعتبار أنها جائرة بطبيعتها، ومهما استمرت آثار العبودية في الممارسات الاجتماعية والمواقف غير المعلنة، فلا أحد على استعداد للدفاع عنها. إننا نجمع قناعات راسخة، مثل الإيمان بالتسامح الديني ورفض العبودية، ونحاول تنظيم الأفكار والمبادئ الأساسية المضمرة في هذه القناعات في تصور متماسك للعدالة. ويمكننا أن نعتبر هذه القناعات مسائل ثابتة مؤقتة، يجب أن يأخذها أيُّ تصور للعدالة في الحسبان، إذا أريد له أن يكون معقولً بالنسبة إلينا. ومن ثم، فإننا نتطلع إلى ثقافتنا السياسية العمومية نفسها، بما في ذلك مؤسساتها الأساسية والتقاليد التاريخية التي تفسرها، بوصفها الخزان المشترك للأفكار والمبادئ الأساسية المعترف بها ضمنيًّا. والأمل معقود بصياغة هذه

الأفكار والمبادئ بوضوح كافٍ؛ لدمجها في تصور للعدالة السياسية يتلاءم مع أكثر قناعاتنا رسوخًا. ونعبّر عن ذلك بالقول: من أجل أن يكون التصور السياسي للعدالة مقبولً، يجب أن يكون وفقًا

لقناعاتنا المعتبرة، على جميع مستويات العمومية، بما يقتضيه التفكير المتروي (أو ما أسميته "التوازن المتروي)". قد تكون الثقافة السياسية العمومية مترددة على نحو عميق جدًّا. والواقع أنها يجب أن تكون كذلك في علاقة بالجدل المستمر، مثل الجدل المتعلق بأنسب الأشكال المؤسسية لتحقيق قيم الحرية والمساواة. وهذا يشير إلى أننا إذا أردنا أن ننجح في إيجاد أساس للاتفاق العمومي، فإنه يجب أن نجد طريقة جديدة لتنظيم الأفكار والمبادئ المألوفة في تصور للعدالة السياسية، بحيث ينظر إلى المتطلبات المتنازعة، كما فهمت سابقًا، من منظور آخر. لا يلزم أن يكون التصور السياسي إبداعًا أصليًّا، ولكنه

قد يكتفي بتنسيق أفكار ومبادئ حدسية مألوفة؛ بحيث تبدو متطابقة فيما بينها بطريقة مختلفة نسبيًّا

عن ذي قبل. ومع ذلك، قد يذهب هذا التصور إلى أبعد من ذلك؛ إذ قد تُنظَّم هذه الأفكار والمبادئ

(((تختلف صياغة هذين المبدأين عن الصياغة الوارد في نظرية في العدالة، ثمّ تأتي الصياغة الواردة في "الحريات الأساسية

وأولويتها"، ينظر:

John Rawls, Tanner Lectures on Human Values , vol. 3 (Salt Lake City: University of Utah Press, 1982), p. 5.

ولقد شُرحت الأسباب التي أدت إلى هذه التغييرات من تلك المحاضرة، وهي مهمة للتنقيحات التي أ جريت على شرح الحريات

الأساسية كما جاء في نظرية في العدالة، بوصفها محاولة للرد على اعتراضات هربرت هارت Hart Herbert (1992–1907). ولكنها لا تعنينا في هذه الدراسة. ينظر: Ibid., pp. 46–55. (((نُوقشت فكرة قيمة هذه الضمانات في: , pp. 40–41 Tanner Lectures Rawls,.

((1(رولز، ص 49، 82–79، 163؛ ينظر أيضًا: , pp. 48–51, 120–121 A Theory of Justice Rawls,.

المألوفة من خلال فكرة حدسية أكثر جوهرية داخل البنية المعقدة التي ترتبط بها الأفكار الحدسية المألوفة الأخرى على نحو منهجي. وفي مجال العدالة إنصافًا، كما سنرى في المقطع التالي، تتمثل هذه الفكرة الحدسية الأكثر جوهرية في فكرة المجتمع بوصفه نظامًا للتعاون الاجتماعي المنصف بين

أشخاص أحرار ومتساوين. وشاغل هذا المقطع هو ما يلي: كيف يمكننا أن نجد أساسًا عموميًّا للاتفاق

السياسي؟ والمسألة المهمة، في هذا السياق، هي أن تصور العدالة لن يكون قادرًا على تحقيق هذا

الهدف إلا إذا وفر طريقة معقولة لتشكيل أسس الاتفاق الأعمق المتأصلة في الثقافة السياسية العمومية لنظام دستوري، والمقبولة أيضًا؛ بحيث يجري قبولها من منظور القناعات المعتبرة الأكثر رسوخًا. لنفترض الآن أن العدالة إنصافًا حققت هدفها، وأنه أوجِد تصورٌ سياسي مقبول عموميًّا للعدالة، وأن

هذا التصور يوفر وجهة نظر معترفًا بها عموميًّا، على نحو يمكن أن يتفحص كل المواطنين، من خلالها،

فيما بينهم، مؤسساتهم السياسية والاجتماعية؛ من جهة أنها عادلة أو غير عادلة، وأنه يمكّنهم من القيام بذلك من خلال استعراض ما يكون مُعترفًا به بينهم على أنه يمثل أسبابًا وجيهة وكافية يحددها هذا

التصور ذاته. يمكن أن يفحص كل مواطن المؤسسات الأساسية للمجتمع وكيفية اتفاقها معًا في نظام واحد للتعاون الاجتماعي على الأساس نفسه؛ أيًّا يكن الوضع الاجتماعي للمواطن، أو أيًّا تكن

مصالحه الخاصة. وينبغي أن نشير إلى أن التبرير، بناءً على هذا الرأي، لا يعتبر حجة صحيحة انطلاقًا

من لائحة من الفرضيات، حتى لو كانت الفرضيات التي جرى الانطلاق منها صحيحة. وبدلً من ذلك، فإن التبرير موجه إلى الآخرين الذين يختلفون معنا؛ ولذلك، يجب أن ينطلق دائمًا من اتفاق معين،

أي من فرضيات نعترف بها نحن والآخرون، عموميًّا، على أنها صحيحة، أو بالأحرى نعترف عموميًّا

بأنها مقبولة بالنسبة إلينا، عسى أن نهتدي إلى إجماعِ وفاقٍ بشأن المسائل الأساسية للعدالة السياسية. وغني عن القول إن هذا الاتفاق يجب أن يكون مدروسًا ولا إكراه فيه، ويجب أن يتوصل إليه المواطنون

بطرائق تتسق مع اعتبار أنهم أشخاص أحرار ومتساوون. وهكذا، فإن هدف العدالة إنصافًا، بوصفها تصورًا سياسيًا، هو هدف عملي، وليس هدفًا ميتافيزيقيًا

ولا إبستيمولوجيًا؛ أي إنها لا تقدّم نفسها على أنها تصور صحيح للعدالة، بل بوصفها تصورًا يمكن أن

يكون أساسًا للاتفاقَين السياسي والإرادي المدروسَين بين مواطنين يُنظر إليهم على أنهم أشخاص أحرار

ومتساوون. وعندما يستند هذا الاتفاق استنادًا متينًا إلى مواقف سياسية واجتماعية عمومية، فإنه يؤمّن

خيرات جميع الأشخاص والجمعيات في إطار نظام ديمقراطي عادل. ولضمان هذا الاتفاق، نحاول على قدر الاستطاعة تجنب المسائل الفلسفية المتنازع عليها، فضلً عن المسائل الأخلاقية والدينية التي تثير خلافًا بشأنها. وإذ نفعل ذلك، فليس لأن هذه المسائل غير مهمة أو ينظر إليها بلامبالاة، بل لأننا نعتقد أنها بالغة الأهمية، وندرك أنه لا توجد طريقة لحلها سياسيًا. والبديل الوحيد من مبدأ

التسامح هو الاستخدام الاستبدادي لسلطة الدولة. وهكذا، فإن العدالة إنصافًا، من الناحية الفلسفية، تبقى عمدًا على السطح. وبالنظر إلى الاختلافات العميقة في العقيدة وتصورات الخير، على الأقل منذ

((1(رولز، ص 690–687؛ ينظر أيضًا: , pp. 83, 580 A Theory of Justice Rawls,. ((1(رولز، ص 273؛ ينظر أيضًا: , p. 214 A Theory of Justice Rawls,.

زمن الإصلاح الديني، يجب أن ندرك أنه كما هو الحال في مسائل العقيدة الدينية والأخلاقية، لا يمكن التوصل إلى اتفاق عمومي حول المسائل الأساسية للفلسفة من دون أن تنتهك الدولة الحريات الأساسية. أعتقد أن الفلسفة، بوصفها البحث عن الحقيقة حول نظام ميتافيزيقي وأخلاقي مستقل، لا يمكن أن توفر أساسًا عمليًّا ومشتركًا لتصور سياسي للعدالة في مجتمع ديمقراطي. نحاول، إذًا، أن نترك الجدالات الفلسفية جانبًا كلما أمكن ذلك، وأن نبحث عن طرائق لتجنب مشكلات

الفلسفة التي طال أمدها. وهكذا، حاولتُ، فيما أسميته "البنائية الكانطية"، تجنب مشكلة الحقيقة والجدل بين الواقعية والذاتية بشأن وضع صفة القيم الأخلاقية والسياسية. ولا يؤكد هذا الشكل من البنائية هذه المذاهب، ولا ينفيها أيضًا، بل إنه يعيد صياغة أفكار تقليد مذهب العقد الاجتماعي لتحقيق تصور عملي للموضوعية والتبرير القائم على الاتفاق العمومي، والحكم المبني على التفكير المتروِّي. والغرض من ذلك هو الاتفاق الحر والمصالحة من خلال العقل العمومي. وبالمثل، كما سنرى (في المقطع الخامس)، فإن تصوّر الشخص من وجهة نظر سياسية (تصور المواطنين على

أنهم أشخاص أحرار ومتساوون، على سبيل المثال)، لا يحتاج إلى أن يتضمن، كما أعتقد، مسائل السيكولوجيا الفلسفية أو مذهبًا ميتافيزيقيًا في طبيعة الذات. فلا يمكن لأي وجهة نظر سياسية متوقفة

على هذه المسائل العميقة، التي لم تحلّ بعد، أن تكون بمنزلة تصور عمومي للعدالة في دولة ديمقراطية دستورية. وكما قلت، يجب أن نطبق مبدأ التسامح على الفلسفة نفسها. والأمل معقود بأن يتسنى لنا على الأقل، من خلال طريقة التجنب هذه، كما يمكن أن نسميها، تخفيف حدة الاختلافات القائمة بين وجهات النظر السياسية المتنازعة، حتى إن تعذّر تخطيها كليًّا؛ بحيث يمكننا تأمين تعاون اجتماعي

على أساس الاحترام المتبادل. وبشيء من المبالغة، قد نتطلع إلى أن تمكّننا هذه الطريقة من تصور يمكن أن ينشأ عنه تفاهم عمومي يتسق مع الظروف والمقتضيات التاريخية لعالمنا الاجتماعي؛ نظرًا

إلى الرغبة في اتفاق حرٍّ لا إكراه فيه. وما دمنا لا نفهم بعد أنّى لتفاهم من هذا القبيل أن ينشأ، فإنه لن

يحصل البتة.

III

نستعرض الآن بإيجاز بعض الأفكار الأساسية التي تشكّل العدالة إنصافًا؛ حتى نتبيّن أن هذه الأفكار

تنتمي إلى تصور سياسي للعدالة. فالفكرة الحدسية الأساسية الشاملة، التي ترتبط في إطارها الأفكار الحدسية الأساسية الأخرى على نحو منهجي، كما أشرت إلى ذلك من قبل، هي فكرة المجتمع كنظام منصف للتعاون بين أشخاص أحرار ومتساوين. وتنطلق هذه العدالة من هذه الفكرة نفسها، بوصفها واحدة من الأفكار الحدسية الأساسية التي نعتبرها مضمرة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي. لا ينظر المواطنون إلى النظام الاجتماعي في تفكيرهم السياسي، وفي سياق النقاش

((1(بشأن البنائية الكانطية، ينظر: Tanner Lectures Rawls,. (1((على الرغم من أن كتاب نظرية في العدالة يستخدم هذه الفكرة منذ البداية (جرى تقديمها في ,: A Theory of Justice , Rawls

. 4 p؛ وفي: رولز، ص 31–30)، فإنه لا يؤكد، كما أفعل هنا وفي "البنائية الكانطية"، أن الأفكار الأساسية للعدالة إنصافًا تعتبر ضمنية أو كامنة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي.

العمومي للمسائل السياسية، على أنه نظام طبيعي ثابت، أو على أنه تسلسل هرمي مؤسسي تبرره القيم الدينية أو الأرستقراطية. ولذلك، من المهم التشديد على أنه من وجهات نظر أخرى؛ على سبيل المثال، من وجهة نظر الأخلاق الشخصية، أو من وجهة نظر أعضاء جمعية، أو من وجهة نظر المذهب الديني أو الفلسفي للفرد، يمكن النظر إلى مختلف جوانب العالم وعلاقته به، بطريقة مختلفة. ولكن وجهات النظر الأخرى هذه لا ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار في المناقشات السياسية. ومن ثم يمكننا أن نحدد فكرة التعاون الاجتماعي بأكثر دقة من خلال الإشارة إلى ثلاثة من عناصرها: 1. يتميّز التعاون من النشاط المنظم بطريقة اجتماعية محضة من خلال أوامر صادرة عن سلطة مركزية

على سبيل المثال؛ ذلك أن التعاون الاجتماعي توجهه قواعد معترف بها عموميًّا عبر إجراءات مقبولة

من المتعاونين أنفسهم، لأنهم يعتقدون أنها تنظم سلوكهم تنظيمًا مناسبًا. 2. يتضمن التعاون فكرة الشروط المنصفة، وهي شروط يقبل بها كل مشارك بصفة معقولة، على أن يقبل بها الجميع أيضًا. وتفترض هذه الشروط المنصفة للتعاون فكرة التبادلية. فكل المنخرطين في هذا التعاون الذين يؤدون دورهم أداءً يتوافق مع القواعد والإجراءات، ينبغي لهم أن يستفيدوا من

الامتيازات التي تقيّم بحسب معيار مناسب للمقارنة. ومن ثم، فإن تصورًا للعدالة السياسية هو الذي

يضبط الشروط المنصفة للتعاون. ولمّا كانت البنية الأساسية للمجتمع هي الموضوع الأول للعدالة،

فإن هذه الشروط المنصفة يُعبّر عنها بواسطة مبادئ تضبط الحقوق والواجبات الأساسية، في إطار

المؤسسات الأساسية للمجتمع التي تتحكم في ترتيبات العدالة الخلفية عبر الزمن. وهكذا، تُجمع المنافع الناتجة من مجهودات الجميع، وتُوزع على نحو منصف من جيل إلى جيل. 3. تفترض فكرة التعاون الاجتماعي أن يكون لكل مشارك فكرته عن الامتياز العقلاني أو الخير؛ ذلك أن فكرة الخير تحدد كل ما يتطلع إليه كل المنخرطين في التعاون الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالأسر أو بالجمعيات أو حتى الأمم–الدول، حين يُنظر إلى هذا المشروع من وجهة نظرٍ

خاص للنظر الآن في فكرة الشخص. بطبيعة الحال، للطبيعة البشرية أوجه مختلفة، يمكن التشديد على أهميتها وفقًا لوجهة نظرنا، وذلك ما تشهد به عبارات من قبيل "الإنسان السياسي"، و"الإنسان

الاقتصادي"، و"الإنسان الصانع". وتبدأ العدالة إنصافًا من فكرة أن المجتمع يجب أن يُنظَر إليه على

أنه نظام منصف للتعاون، وتتبنى لذلك تصورًا للشخص يتسق مع هذه الفكرة. ومنذ العصر اليوناني،

سواء في الفلسفة أو القانون، فُهِم تصور الشخص على أنه تصور للشخص الذي يمكنه المشاركة في الحياة الاجتماعية، أو أداء دور فيها، ومن ثم ممارسة حقوقه وواجباته المختلفة واحترامها. وهكذا،

(1((ينبغي التنصيص على أن تصور الشخص، بالمعنى الذي أقصده، هو تصور معياري يظل مشروط ا بوجهة النظر الشمولية التي يتنزل في صلبها، أيًّا يكن هذا التصور، قانونيًا أو سياسيًا أو أخلاقيًا، أو حتى فلسفيًا أو دينيًا. غير أنه يتعلق ههنا بتصور أخلاقي

للشخص ينطلق من تصورنا اليومي لأشخاص، بوصفهم الوحدات الأساسية للفكر والمداولة والمسؤولية، وهو ينسجم مع تصور سياسي للعدالة، ولا ينسجم مع مذهب شمولي. إنه في الواقع، تصور سياسي للشخص، وهو – بالنظر إلى أهداف نظرية العدالة

إنصافًا – تصور ملائم لأساس المواطنة الديمقراطية. وبوصفه تصورًا معياريًا، يجب تمييزه من دراسة الطبيعة البشرية التي تقترحها

العلوم الطبيعية والنظرية الاجتماعية، إنّ له دورًا مختلفًا في نظرية هذه العدالة. وفيما يتعلق بهذه المسألة، ينظر:

Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 534–535.

نقول إن الشخص هو شخص يمكن أن يكون مواطنًا، أي عضوًا متعاونًا على نحو كامل في المجتمع

طوال حياة كاملة. ونضيف عبارة "طوال حياة كاملة"؛ لأن المجتمع ينظر إليه على أنه مشروع تعاون كامل ومكتف ذاتيًّا إلى حد ما؛ ما يفسح المجال داخله لجميع ضروريات الحياة ونشاطاتها، من

الولادة حتى الموت. فالمجتمع ليس جمعية تتكون من أجل أغراض محدودة. ولا ينضم المواطنون إلى المجتمع طواعية، بل إنهم يولدون فيه؛ بحيث نفترض، وفقًا لما نحن بصدده، أنهم ملزمون بأن يقضوا حياتهم فيه. ولمّا كنّا ننخرط في تقليد الفكر الديمقراطي، فإننا نعتبر المواطنين أشخاصًا أحرارًا ومتساوين. والفكرة

الأساسية أنهم يكونون أحرارًا؛ بفضل ما يتمتعون به من ملكتين أخلاقيتين، وملكات الحكم والتفكير

والاستدلال المرتبطة بالملكتين الأخلاقيتين. ويكفيهم أن يتمتعوا بهذه الملكات في حدودها الدنيا التي تسمح بالتعاون الاجتماعي حتى يكونوا أشخاصًا متساوين. ومن أجل بلورة المسألة أكثر فأكثر – بما أن الأشخاص يستطيعون المشاركة على نحو كامل في نظام منصف للتعاون الاجتماعي – فإننا ننسب إليهم الملكتين الأخلاقيتين اللتين لا تنفصلان عن العناصر المكونة لفكرة التعاون الاجتماعي، على غرار ما عيّناه سابقًا: أعني ملكة الإحساس بالعدالة وملكة صياغة تصور للخير؛ بحيث يمثّل

الإحساس بالعدالة القدرة على فهم تصور سياسي للعدالة وتطبيقه، والعمل وفقه، من حيث هو تصور يَسِمُ الشروط المنصفة للتعاون الاجتماعي. ولمّا كانت طبيعة التصور السياسي هي الأساس العمومي

للتبرير، فإن الإحساس بالعدالة يعبّر كذلك عن إرادة، إن لم نقل رغبة، في العمل في علاقة بالآخرين

ضمن الشروط التي في إمكانهم هم أيضًا أن يؤيدوها عموميًّا. وأما ملكة صياغة تصور للخير، فهي

تعني القدرة على صياغة تصور للخير أو للمنفعة العقلانيَّين، ومراجعة ذلك، ومتابعته، بطريقة عقلانية

أيضًا. وعلاوة على هاتين الملكتين الأخلاقيتين، فإنّ للأشخاص أيضًا في كل لحظة تصورًا محددًا

للخير يسعون إلى تحقيقه. وينبغي ألّ يُفهم هذا التصور فهمًا ضيقًا، بل ينبغي أن يتضمن تصورًا لِمَا

هو قيِّم في حياة الإنسان. وهكذا، يتضمن التصور للخير عادةً مشروعًا محددًا، إلى حد ما، من الغايات

القصوى؛ أي غايات نطلبها لذاتها، فضلً عن ارتباطاتنا بغيرنا من الأشخاص وولاءاتنا لمختلف الجماعات والجمعيات. فعن هذه الارتباطات والولاءات، تنشأ كل ضروب الإخلاص والتعاطف. ثم إن ازدهار الأشخاص والجمعيات التي تعلقت بها هذه الأحاسيس هو أيضًا جزء من تصورنا للخير. وعلاوة على ذلك، لا ينفصل هذا التصور عن رؤية معينة لعلاقتنا بالعالم (رؤية دينية وفلسفية وأخلاقية) تسمح بفهم القيمة والأهمية لغاياتنا وارتباطاتنا. وإضافة إلى التمتع بالملكتين الأخلاقيتين، ملكة الإحساس بالعدالة وملكة تصور الخير، فإن للأشخاص أيضًا، في أي وقت، تصورًا معيّنًا للخير يسعون لتحقيقه. ولمّا كان منطلقنا هو المجتمع

بوصفه نظامًا منصفًا للتعاون، فإننا نفترض أن الأشخاص يتمتعون بكل الملكات الملائمة للتعاون على

نحو كلّي وطبيعي. ولا يلزم عن ذلك ضرورة أننا ننفي أن يتعرض بعضهم للأمراض والحوادث؛ فالأقدار السيئة قد تحدث في السَّير العادي للحياة، ولكن علينا أن نتخذ التدابير الضرورية للتعامل مع مثل هذه

((1(ينظر الفقرة 77، في: A Theory of Justice Rawls,.

الطوارئ. ومن أجل متابعة الهدف المقصود، لن أهتم في هذا الصدد بمسألة هذا العجز الظرفي، أو حتى الدائم، أو الاضطرابات النفسية الخطِرة التي قد تمنع الناس من أن يكونوا أعضاءً متعاونين بطريقة

طبيعية في المجتمع. هذا هو محور اهتمام النقد الليبرالي للأرستقراطية، والنقد الاشتراكي للديمقراطية الدستورية الليبرالية، والصراع بين الليبراليين والمحافظين في الوقت الحاضر بشأن متطلبات الملكية الخاصة ومشروعية السياسات الاجتماعية (بدلً من فاعليتها) المرتبطة بما يسمى "دولة الرفاه".

VI

أتناول، الآن، فكرة الوضع البدئي، بوصفها فكرة من شأنها أن تساعدنا في سياق سعينا لتبيّن أيّ

نظرية تقليدية في العدالة، أو أيّ صيغة من هذه التصورات، تستطيع أن تحدد المبادئ المناسبة أفضل

من غيرها؛ من أجل تحقيق الحرية والمساواة في مجتمع منظورٍ إليه بوصفه نظامًا منصفًا للتعاون بين

مواطنين أحرار ومتساوين. وإذا افترضنا أننا وضعنا هذا الغرض نُصْب أعيننا، فلننظر في مدى حاجتنا إلى فكرة الوضع البدئي، والكيفية التي يمكنها أن تخدم هذا الغرض. للنظر من جديد في فكرة التعاون الاجتماعي، نتساءل: كيف يجري تعيين الشروط المنصفة للتعاون؟ أيجري بواسطة سلطة خارجية متمايزة من الأشخاص المتعاونين، كالقانون الإلهي مثلً، أم يجب أن يعترف بها هؤلاء الأشخاص على أنها منصفة، استنادًا إلى معرفتهم نظامًا أخلاقيًّا مستقًّلًّ؟ أيُنظر إلى

هذه الشروط، مثلً، على أنها مناسبة بحسب القانون الطبيعي أو تبعًا لعالم من القيم يُدرك بواسطة الحدس العقلاني؟ أم هل تنشأ هذه الشروط بموجب تعهّد بين هؤلاء الأشخاص أنفسهم في ضوء ما يعتبرونه منفعتهم المتبادلة؟ لا شك في أن تصورنا للتعاون الاجتماعي يختلف باختلاف الإجابة التي نقدمها. باعتبار أن نظرية العدالة إنصافًا تعيد صياغة مذهب العقد الاجتماعي، فهي تتبنى صيغة من الإجابة الأخيرة؛ بحيث يُنظر إلى الشروط المنصفة للتعاون الاجتماعي كنتيجة لاتفاق بين المشاركين

فيه؛ أي بين مواطنين أحرار ومتساوين وُلِدوا في هذا المجتمع الذي يعيشون فيه. بيد أن اتفاقهم، مثل أي اتفاق صحيح، يجب أن يتحقق ضمن شروط ملائمة؛ إذ يجب أن تعيّن هذه الشروط موقع هؤلاء

الأشخاص الأحرار والمتساوين على نحو منصف، وألا تسمح لبعضهم بامتيازات في التفاوض أكثر من بعضهم الآخر. وينبغي، علاوة على ذلك، استبعاد كل تهديد بالقوة والإكراه والخداع والغش. إلى حدّ الآن، كل شيء على ما يرام. ليست هذه الاعتبارات غريبة عن الحياة اليومية. لكنّ الاتفاقات التي تحصل في الحياة اليومية تجري في وضعية محددة وواضحة نسبيًّا، بالنظر إلى أنها متجذرة في

مؤسسات البنية الأساسية الخلفية، على أن مهمتنا تتمثل في توسيع فكرة الاتفاق هذه، لتشمل ذلك الإطار الخلفي ذاته. وعندئذ، تواجهنا صعوبة تخص كل تصور سياسي للعدالة يستخدم فكرة العقد؛ سواء كان اجتماعيًا، أو غير ذلك. وتتمثل هذه الصعوبة فيما يلي: يجب أن نعيّن وجهة نظر ينبثق

منها اتفاق منصف بين أشخاص أحرار ومتساوين، على أن تكون وجهة النظر هذه في منأى عن تأثير ملابسات الإطار الأساسي الشمولي الخاص وغير مشوبة بها. إن الوضع البدئي بسمته تلك، التي

((1(ينظر: الفقرتان الثالثة والرابعة، والفصل الثالث، وفهرس المفاهيم، في: A Theory of Justice Rawls,.

سميتها "حجاب الجهل"، يعيّن وجهة النظر هذه. ويكمن المبرر في تجريد الوضع البدئي من

العوارض الاجتماعية، أو التأثر بها، في القول إن شروط اتفاق منصف قوامه مبادئ العدالة السياسية، بين أشخاص أحرار ومتساوين، تقتضي استبعاد الامتيازات التي لا مفر من نشوئها في المؤسسات الخلفية في أي مجتمع كان، باعتبار أنها حصيلة تراكم لعوامل طبيعية وتاريخية واجتماعية. ولذلك، يجب ألا تؤثر هذه الامتيازات العرضية وكذلك آثارها العرضية المتراكمة من الماضي في اتفاق على مبادئ يعهد إليها مهمة تنظيم مؤسسات البنية الأساسية ذاتها من الحاضر إلى المستقبل. وهكذا، نجد أنفسنا أمام صعوبة ثانية، بيد أنها لا تعدو أن تكون إلا ظاهرية. ومن الواضح، مما تقدم، أن الوضع البدئي بمنزلة جهاز تمثيل. وإذًا، يجب أن يكتسي كل اتفاق بين الشركاء، في الآن ذاته، طابعًا افتراضيًا ولاتاريخيًا. ولمّا كانت الاتفاقات الافتراضية لا تفترض الإكراه، فما أهمية الوضع البدئي إذًا؟

الجواب متضمن فيما قيل، ويمكن أن نستخلصه من خلال الدور الذي تؤديه مختلف خصائص الوضع البدئي من حيث هو جهاز تمثيل. ومن الملائم أن يكون الشركاء في مواقع متناظرة إذا ما اعتبرنا أنهم ممثلون لمواطنين أحرار ومتساوين، يتعيّن عليهم الانتهاء إلى اتفاق ضمن شروط منصفة. وفضلً عن

ذلك، أعتقد أن من بين قناعتنا الراسخة جدًّا ما يلي: أن نحظى بمكانة اجتماعية معيّنة لا يُعد سببًا كافيًا

لأن نقبل، أو أن نتوقع من الآخرين، أن يقبلوا تصورًا للعدالة يكون في مصلحة أولئك الذين يحظون بتلك

((1(بشأن "حجاب الجهل"، ينظر الفقرتان الرابعة والرابعة والعشرون، وفهرس المفاهيم، في: Ibid.. ((1(هذا السؤال طرحه رونالد دوركين Dworkin Ronald (2013–1931) في الجزء الأول من دراسته القيمة جدًّا، ولقد استفدت منها

كثيرًا، وهي بعنوان "العدالة والحقوق" (1973)، وقد أُعيد نشرها في كتاب أخذ الحقوق على محمل الجدّ. بشأن الترجمة العربية للكتاب،

ينظر: رونالد دوركين، أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة منير الكشو (تونس: المركز الوطني للترجمة، 2015)؛ وينظر أيضًا دوركين من خلال عدة طرائق لشرح استخدام الوضع البدئي في تصور للعدالة يستدعي فكرة العقد الاجتماعي، وذلك في الجزء الأخير من

الكتاب (ينظر: المرجع نفسه، ص 281–269). وبعد أن درس بعض السمات البنائية للعدالة إنصافًا (ينظر: المرجع نفسه، ص –252 263)، وبيّن أنها قائمة على الحقوق، وليست وجهة نظر قائمة على الواجبات أو على الغايات (ينظر: المرجع نفسه، ص 274–263)،

اقترح أن ينظر إلى الوضع البدئي مستخدمًا حجاب الجهل على أنه تشكيل لقوة الحق الطبيعي في أن يكون للأفراد القدر نفسه من

الاهتمام والاحترام في تصور المؤسسات السياسية التي تحكمهم (ينظر: المرجع نفسه، ص 278)، وهو يعتقد أن هذا الحق الطبيعي

يمثل أساسًا للعدالة إنصافًا، وأن الوضع البدئي يستخدم كأداة لاختبار مبادئ العدالة التي يتطلبها هذا الحق. هذا اقتراح عبقري لكنني

لم أعتمده في هذا النص. وأفضل ألّ أفكر في هذه العدالة كوجهة نظر قائمة على الحق. والواقع أن تصنيف دوركين لوجهات النظر القائمة على الحقوق أو الواجبات أو الغايات (ينظر: المرجع نفسه، ص 267) ضيّق جدًّا، ويستبعد إمكانات أخرى مهمة. وهكذا،

وكما هو موضح في المقطع الثاني، أفكر في العدالة إنصافًا باعتبار أنها محاولة لصياغة تصورات مثالية لبعض الأفكار الحدسية

الأساسية، مثل أفكار الشخص باعتبار أنه حرٌّ ومتساوٍ مع الأشخاص الآخرين، والمجتمع الحسن التنظيم، والدور العمومي لتصور

العدالة السياسية. وأفكر أيضًا في ربط هذه الأفكار الحدسية الأساسية بالفكرة الحدسية الأكثر جوهرية وشمولً للمجتمع بوصفه نظامًا

منصفًا للتعاون مع مرور الزمن من جيل إلى آخر. إنّ الحقوق والواجبات والغايات ليست سوى عناصر من هذه التصورات المثالية. ومن

ثم، فإن العدالة إنصافًا هي وجهة نظر قائمة على التصورات أو – كما اقترحت عليّ إليزابيث أندرسون – وجهة نظر قائمة على المثل

العليا، لأن هذه الأفكار الحدسية الأساسية تعكس المثل العليا الضمنية أو الكامنة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي. فالوضع

البدئي هو جهاز تمثيل تشكّل القوة؛ ليس للحق الطبيعي في الاهتمام والاحترام المتساويين، بل للعناصر الأساسية لهذه الأفكار الحدسية

الأساسية كما تحددها مبررات مبادئ العدالة التي نقبلها عبر تفكّر مُتروٍّ. وعلى هذا النحو، فإنه يسعى أولً إلى الجمع بين القوة الناتجة

من كل هذه الأسباب، ثم إلى تركيزها على اختيار أنسب مبادئ العدالة لمجتمع ديمقراطي (وبهذا المعنى تكون قوة الحق الطبيعي في الاهتمام والاحترام المتساويين حاضرة، ولكن حضورها يكون بطرائق أخرى). ويشبه هذا التفسير لاستخدام الوضع البدئي في بعض النواحي تفسيرًا يرفضه دوركين في الجزء الأول من دراسته (خاصة في: المرجع نفسه، ص 244). وبالنظر إلى الغموض وعدم الدقة في

كتاب نظرية في العدالة بشأن العديد من المسائل التي تناولها بالتحليل، ليس هدفي انتقاد مناقشة دوركين القيّمة، بل الإشارة إلى كيفية

اختلاف فهمي للوضع البدئي عن تأويله، مع أنّ آخرين قد يفضلون تأويله.

المكانة الاجتماعية. ومتى تبلورت هذه القناعة في الوضع البدئي، فإنه يتعيّن على الشركاء ألّ يكونوا على

دراية بمكانتهم الاجتماعية. والأمر سيّان كلما تعلق بمختلف الحالات الأخرى. وهو ما عبّرنا عنه مجازيًّا

بأن الشركاء يوجدون خلف حجاب من الجهل. وهكذا، فإن الوضع البدئي هو مجرد جهاز للتمثيل؛ إنه يصف الشركاء على نحو يكون فيه كل واحد منهم مسؤولً عن المصالح الأساسية لمواطن حر ومساوٍ للآخرين، وفي وضع منصف يهتدون فيه إلى اتفاق يخضع ما يعتبرون أنه مبررات مقبولة لتقييدات مناسبة. لقد جرى تجاوز الصعوبتين اللتين أشرت إليهما آنفًا من خلال النظر إلى الوضع البدئي بوصفه جهازَ تمثيلٍ؛ ذلك أن هذا الأخير يصوغ شروطًا منصفة ينبغي لممثلي الأشخاص الأحرار والمتساوين أن يحددوا بموجبها شروط التعاون الاجتماعي التي تتطلبها البنية الأساسية للمجتمع. ولمّا كان الوضع

البدئي، في هذه الحالة، يصوغ ما نعتبر أنه تقييدات مقبولة للحجج التي تبرر تفضيل الشركاء اتفاقًا على آخر، فإن تصور العدالة الذي يتبناه الشركاء يتطابق مع التصور الذي نعتبره – الآن وهنا – تصورًا منصفًا ينهض على أفضل المبررات. إننا نحاول بلورة تقييدات تتعلق بالأسباب على نحو يجعل من الاتفاق الذي سيهتدي إليه الشركاء، بوصفهم ممثلين لمواطنين أحرار ومتساوين، اتفاقًا بديهيًا تمامًا.

وحتى إذا ما وجدت مبررات، وهذا ما سيكون أمرًا يقينيًّا، مع أيّ تصور للعدالة متاح أو ضده، فمن

الملائم أن تتوافر في نهاية المطاف مجموعة أخرى من المبررات ترجح ترجيحًا قاطعًا كفّةَ تصورٍ بعينه

على البقية. وهكذا، فإن فكرة الوضع البدئي بوصفه جهاز تمثيل، تُمكّن من التفكّر العمومي والتوضيح الذاتي، وتساعد على تحقيق ما نفكر فيه الآن من خلال رؤية واضحة وبيّنة لمقتضيات العدالة، بحيث

يُنظر إلى المجتمع من جهة أنه مشروع للتعاون بين أشخاص أحرار ومتساوين يستمر جيلً بعد جيل. وبناءً عليه، يكون الوضع البدئي بمنزلة فكرة تصل بين جميع قناعتنا الراسخة جدًّا، أيًّا كان مستوى

عموميتها والتقريب بينها من أجل الاهتداء إلى اتفاق مشترك وفهمِ ذواتنا. في الختام، نقدّم فكرة مثل فكرة الوضع البدئي، لأنه لا توجد طريقة أفضل لوضع تصور سياسي للعدالة للبنية الأساسية بناءً على الفكرة الحدسية الأساسية للمجتمع كنظام منصف للتعاون بين المواطنين

بوصفهم أشخاصًا أحرارًا ومتساوين. ومع ذلك، لا يخلو استخدام هذه الفكرة من ضرب من المخاطر. فمن حيث هو جهاز للتمثيل، قد يؤدي طابعه المجرد إلى سوء الفهم. وعلى وجه الخصوص، يبدو أن

((2(يجسد الوضع البدئي خاصية أساسية من خاصيات البنائية الأخلاقية الكانطية، والبنائية السياسية أيضًا، تتمثل في التمييز بين

العقلاني والمعقول، مع اعتبار أولوية المعقول على العقلاني. وتكمن أهمية هذا التمييز هنا في أن كتاب نظرية في العدالة لا يتحدث

بانتظام، إلى حد ما، عن شروط عقلانية، بل عن شروط معقولة (وأحيانًا ملائمة) بوصفها تمثّل تقييدات تدعم الحجج لمصلحة مبدأي

العدالة. ينظر: , pp. 18, 20, 130, 138, 446, 516, 578, 584 A Theory of Justice Rawls,؛ وينظر أيضًا: رولز، ص  49–47، 183، 536،

615، 784، 791؛ ويبلور الوضع البدئي تلك التقييدات، ومن ثم يفرضها على الشركاء. وتخضع مداولاتهم خضوعًا مطلقًا للشروط

المعقولة التي تجعل من الوضع البدئي وضعًا منصفًا. لذا، تكُون أولوية المعقول على العقلاني، وهو ما يمنح الأولوية للحق. وهكذا،

كان من الخطأ في نظرية في العدالة (ومدعاة لسوء فهم إلى حد بعيد) اعتبار أن نظرية العدالة جزء من نظرية الاختيار العقلاني، كما هو الحال في: 583 16,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 44، 790. وما كان ينبغي أن أقوله هو أن تصور العدالة

إنصافًا يستخدم تصورًا للاختيار العقلاني مرتهنًا بشروط معقولة، من أجل توصيف مداولات الشركاء الممثلين لأشخاص أحرار

ومتساوين. وكل ذلك ضمن تصور سياسي للعدالة، وهو بطبيعة الحال تصور أخلاقي. فلا وجود لمحاولة اشتقاق مضمون العدالة ضمن إطار يستخدم فكرة العقلانية بوصفها فكرة معيارية وحيدة. وتلك فكرة لا تتوافق مع وجهة النظر الكانطية كيفما كانت.

وصف الشركاء يفترض مسبقًا تصورًا ميتافيزيقيًا للشخص مفاده، على سبيل المثال، أن تكون الطبيعة

الأساسية للأشخاص مستقلة عن صفاتهم العرضية وسابقة لها، بما في ذلك غاياتهم النهائية وارتباطاتهم، بل تصورهم للخير ولمعالم شخصياتهم أيضًا. لكن هذا الفهم لا يعدو أن يكون وهمًا مأتاه أننا لا ننظر

إلى الوضع البدئي إلا بوصفه جهاز تمثيل. إن حجاب الجهل، على سبيل المثال لا الحصر، ليس له أي آثار ميتافيزيقية فيما يتعلق بطبيعة الذات. إنه لا يعني أن الذات تسبق من الناحية الأنطولوجية الوقائع المتعلقة بالأشخاص التي لا تتاح معرفتها للشركاء. ويمكننا، إن جاز القول، أن ندخل هذا الوضع في أي وقت ما إنْ نفكّر في مبادئ العدالة التي تتفق مع القيود التي عددناها. ولا يفترض تمثلنا لمثل هذا الوضع أننا ننخرط في مذهب ميتافيزيقي متعلق بطبيعة الذات؛ تمامًا مثلما أن الانخراط في لعبة مثل

"مونوبولي" Monopoly لا يؤدي إلى الاعتقاد أننا مُلّك فعليون منخرطون في منافسة يائسة يغنم فيها

الفائز كل شيء. يجب أن نضع في اعتبارنا أننا نحاول أن نبيّن كيف يمكن أن تتكشف فكرة المجتمع

بوصفها نظامًا منصفًا للتعاون الاجتماعي، لتحديد أنسب المبادئ؛ من أجل تحقيق مؤسسات الحرية

والمساواة، عندما يُنظر إلى المواطنين بوصفهم أشخاصًا أحرارًا ومتساوين.

V

لقد أشرت سابقًا إلى أنه يمكن أن تتطلب فكرة الوضع البدئي، وكذلك سمات الشركاء التي يفترضها، مذهبًا ميتافيزيقيًا في الشخص. ولئن اعتبرتُ هذا التفسير خاطئًا، فلا يكفي ببساطة التنصل من الاعتماد

(21) Rawls, A Theory of Justice , pp. 138–147;

وينظر: رولز، ص 193–183. يقال إن الشركاء في الوضع البدئي (ينظر: 147. p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر: رولز، ص 193) هم أفراد مُحدّدون نظريًّا يجري تحديد دوافعهم من خلال تأويل هذا الوضع، وليس من خلال وجهة نظر سيكولوجية بشأن

كيف يكون البشر فعلً محفزين. وهذا أيضًا جزءٌ مما يعنيه القول (ينظر. 121: p , A Theory of Justice , Rawls؛ وينظر رولز،

ص 165) إنّ قبول مبادئ العدالة الخاصة لا يُخمَّن بوصفه قانونًا سيكولوجيًّا، أو بوصفه احتم لً، بل إنه ينبع من التوصيف الكامل

للوضع البدئي. وعلى الرغم من أن الهدف لا يمكن تحقيقه على نحو مثالي، فإننا نريد أن تكون الحجة استدلالية، بمنزلة "نوع من الهندسة الأخلاقية". وفي "البنائية الكانطية" (ينظر: 532. p , A Theory of Justice , Rawls) يوصف الشركاء بأنهم مجرد فاعلين مصطنعين، يسكنون بناءً معينًا. ولهذا، أعتقد أن ريتشارد براندت Brandt Richard (1997–1910) مخطئ في الاعتراض على أن

حجة الوضع البدئي تستند إلى سيكولوجيا فاسدة، ينظر:

Richard Brandt, A Theory of the Good and the Right (Oxford: Clarendon Press, I979), pp. 42–239.

وبطبيعة الحال، يمكن أن يُعترَض على الوضع البدئي على أنه يصوغ تصورًا للشخص ومداولات الشركاء بطرائق غير ملائمة لمقاصد

التصور السياسي للعدالة، ولكن المقاصد النظرية السيكولوجية ليست مهمة على نحو مباشر. ومن ناحية أخرى، فإن المقاصد

النظرية السيكولوجية مهمة بالنسبة إلى استقرار تصور العدالة، كما جرت مناقشة ذلك في نظرية في العدالة، وتحديدًا في الجزء

الثالث (ينظر الهامش التالي). وبالمثل، أعتقد أن مايكل ساندل مخطئ في افتراض أن الوضع البدئي يشتمل على تصور للذات "مجردة من كل صفاتها العرضية"، ذات "تفترض نوعًا من الوضع فوق التجريبي [...]، ومن ثمّ، فهي سابقة لكل غاياتها، مجرد ذات

للفاعلية والمِلكية. وفي نهاية المطاف ذات نحيفة". ينظر:

Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Cambridge University Press, I982), pp. 93–95;

وينظر أيضًا الترجمة العربية، في: مايكل ساندل، الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.172–168 لا أستطيع، في هذا المجال، مناقشة هذه الانتقادات بكل تفصيل. ولا تتمثل المسألة الأساسية (كما لمّحت إلى ذلك في الملاحظات

التمهيدية) في معرفة ما إذا كانت بعض المقاطع في نظرية في العدالة تفترض مثل هذا التأويل (أشك في ذلك)، بل في معرفة ما إذا

كان تصور العدالة إنصافًا، كما جاء في هذا الكتاب، يمكن فهمه في ضوء التأويل الذي اقترحته في هذه الدراسة، وفي المحاضرات السابقة المتعلقة بالبنائية، كما أعتقد أنه كذلك.

على المذاهب الميتافيزيقية؛ لأنها تظل، رغمًا عنّا، مؤثرة على الدوام. ويتطلب دحض ادعاءات من هذا

النوع مناقشتها بالتفصيل وبيان أنْ لا طائل من ورائها. ولن أهتم بذلك فيما أنا بصدده هنا. بيد أنني أستطيع أن أقدّم تصورًا للشخص انطلاقًا من اعتبار أنّ الوضع البدئي جهاز تمثيل. وحتى نفهم

المقصود بالتصور السياسي للشخص، لننظر في الكيفية التي يجري بموجبها توصيف المواطنين في هذا الوضع أشخاصًا أحرارًا ومتساوين. تفترض بلورةُ تصورٍ لحريتهم، فيما يبدو، أنه يوجد مذهب

ميتافيزيقي يكمن وراء ذلك على نحو مسبق. من أجل ذلك يُنظر إلى المواطنين، من حيث إنهم

يعتبرون أنفسهم أحرارًا ومتساوين، على أنحاء ثلاثة، نناقشها فيما يأتي، مع التنصيص في كل مرة على

ما نعنيه بالتصور السياسي للشخص. أولً، إنّ المواطنين أحرار من حيث إنهم يتمتعون بقدرة أخلاقية على تصور الخير، إلا أن ذلك لا يعني أنهم بالضرورة ملزمون بمتابعة إنجاز تصور خاص للخير يدافعون عنه في كل وقت، من حيث هو جزء من تصورهم السياسي. وبدلً من ذلك ينظر إليهم، باعتبار أنهم مواطنون، على أنهم قادرون على مراجعة هذا التصور على أسس معقولة وعقلانية، وأنهم قادرون على تغييره متى رغبوا في ذلك. وبوصف المواطنين أشخاصًا أحرارًا، فإنهم يطالبون بأن يكون لهم حق في أن يعتبروا أنفسهم مستقلين

عن أي تصور من هذا القبيل، وألّ يتماهوا مع أيّ مشروع يستند إلى غايات قصوى. وبالنظر إلى

قدرتهم على صياغة تصور ما للخير، ومراجعته ومتابعته عقلانيًا، فإن هويتهم العمومية لا تتأثر، من

حيث إنهم أشخاص أحرار، بالتغيرات التي قد تشمل تصورهم المحدد لهذا الخير مع مرور الزمن. وعلى سبيل المثال، عندما يتحول المواطنون من دين إلى آخر، أو يتخلون عن مذهب ديني قائم، فإنهم لا يتوقفون، من زاوية المسائل التي تتعلق بالعدالة السياسية، عن أن يكونوا الأشخاص أنفسهم قبل ذلك. فلا يترتب على ذلك التغيير أيّ خسارة لما يمكن أن نسميه هويتهم العمومية أو المؤسسية،

((2(يكمن جزء من الصعوبة في أنه لا يوجد فهمٌ مقبول لما يكون المذهب الميتافيزيقي. ويمكننا القول، كما اقترح عليّ بول هوفمان

Hoffman Paul (1974–1891)، إن صياغة التصور السياسي للعدالة من دون افتراض مذهب ميتافيزيقي معيّن، أو استخدامه صراحة

(تصور ميتافيزيقي ما للشخص، على سبيل المثال)، هما أن نفترض مسبقًا أطروحة ميتافيزيقية مفادُها أنه ليس من المطلوب مذهب

ميتافيزيقي لهذا الغرض. ويمكننا القول أيضًا إن تصورنا العادي للأشخاص، بوصفهم الفواعل الأساسية للمداولة والمسؤولية، يفترض

مسبقًا بعض الأطروحات الميتافيزيقية المتعلقة بطبيعة الأشخاص بوصفهم فاعلين أخلاقيين أو سياسيين، أو يشتمل تصورنا ذاك، بطريقة ما، على ذلك. وتبعًا لمبدأ تفادي سوء الفهم، لا أريد أن أنكر هذه الادعاءات. وما ينبغي قوله هو ما يلي: إذا نظرنا إلى طريقة تقديم نظرية

العدالة إنصافًا، ولاحظنا كيف أنها أُنشئت، ولاحظنا الأفكار والتصورات التي تستخدمها، فإننا لا نجد مذهبًا ميتافيزيقيًّا معيّنًا حول طبيعة

الأشخاص، متميزًا من مذاهب ميتافيزيقية أخرى ومتعارضًا معها، ويظهر بين منطلقاتها أو تحتكم إليه في مبرراتها. وإذا كانت الافتراضات

الميتافيزيقية موجودة، فربما تكون عامة؛ بحيث لا تميز بين وجهات النظر الميتافيزيقية – الديكارتية، والليبنيزية، أو الكانطية، وبين الواقعية والمثالية، أو المادية – التي كانت من مشمولات الفلسفة تقليديًا. وفي هذه الحالة، لا يبدو أنها ذات صلة ببنية التصور السياسي

للعدالة ومضمونه بطريقة أو بأخرى. وأنا ممتن لدانييل برودني Brodney Daniel وهوفمان في مناقشة هذه المسائل. ((2(للاطلاع على المنظورين الأولين، ينظر: 544. p ," Constructivism Kantian , " Rawls؛ وللاطلاع على المنظور الثالث، ينظر: الهامش 26 أدناه. وقد جرى عرض المنظورين الأولين الموجودين في تلك المحاضرات بتفصيل أكبر في النص أعلاه، وأنا على وضوح أكبر في التمييز بين ما أسميه هنا هويتنا "العمومية"، مقابل "هويتنا غير العمومية أو الأخلاقية". وأقصد بمصطلح "الأخلاقي"، في هذه العبارة، الإشارة إلى أن تصورات الأشخاص للخير (الكامل) عادةً ما تكون عنصرًا أساسيًا في توصيف هويتهم غير العمومية

(أو غير السياسية)، وتفهم هذه التصورات على أنها تشتمل عادةً على عناصر أخلاقية مهمة، على الرغم من أنها تشمل عناصر أخرى أيضًا، فلسفية ودينية. يجب النظر إلى مصطلح "الأخلاقي" على أنه بديل من كل هذه الممكنات. وأنا مدين لإليزابيث أندرسون Anderson Elizabeth لمناقشة هذا التمييز وتوضيحه.

أو هويتهم كما يحددها القانون الأساسي. وبوجه عام، فإنهم يحتفظون بالحقوق والواجبات الأساسية ذاتها، وممتلكاتهم ذاتها أيضًا. ويمكن أن تكون لهم المطالب ذاتها التي كانت لهم من قبل، إلا إذا كانت هذه المطالب مرتبطة بانتمائهم الديني السابق. هَبْ أنّ مجتمعًا (التاريخ يقدّم أمثلة كثيرة) ترتبط

فيه الحقوق الأساسية والمطالبات المعترف بها بالانتماء الديني والطبقة الاجتماعية، وأنّ له تصورًا سياسيًّا مختلفًا للشخص، فإنه سيفتقر إلى تصور للمواطنة المتساوية؛ لأن هذا التصور، كما نستخدمه،

يتسق مع تصور للمجتمع كنظام منصف للتعاون، لغاية المنفعة المتبادلة بين أشخاص أحرار ومتساوين. من الضروري التأكيد على أنه قد يحدث أن ينظر المواطنون في شؤونهم الشخصية، أو في الحياة الداخلية للجمعيات التي ينتمون إليها، إلى غاياتهم النهائية وارتباطاتهم على نحو مختلف عن الطريقة التي يقتضيها التصور السياسي. وقد يكون لديهم ضروب من العواطف والإخلاص والولاء – وغالبًا ما يكون لديهم

ذلك في أي وقت من الأوقات – يعتقدون أنها لم تكن بمنأى عن التقييم الموضوعي، وأنها لن تكون كذلك، انطلاقًا من وجهة نظرهم عن تصورهم الخالص للخير. وقد يذهبون في ظنهم إلى أنه لا يمكن لهم ببساطة التفكير في أنفسهم من دون بعض القناعات الدينية والفلسفية والأخلاقية، أو من دون بعض الارتباطات والولاءات الدائمة. تساهم هذه القناعات والارتباطات في تشكيل نمط حياتنا، والكيفية التي ننظر بها إلى أفعالنا وما نحاول إنجازه في العالم الاجتماعي. وإذا ما حُرمنا منها فجأة، فسنكون مشوّشين

وغير قادرين على الاستمرار. وفي الواقع، لن يكون أي معنى لهذا الاستمرار. ولكن تصوراتنا عن الخير قد تتغير غالبًا مع مرور الوقت، وعادةً ما يكون ذلك ببطء، وأحيانًا قد تتغير فجأة أيضًا. وعندما تكون

هذه التغييرات مفاجئة، نوشك أن نقول إننا لم نعد الشخص ذاته. إننا نعرف ما يعنيه هذا؛ إذ يمكن أن نحيل إلى تحوّل عميق وشمولي، أو انقلاب في غاياتنا القصوى والتزاماتنا، وأن نحيل إلى هويتنا المغايرة

غير العمومية التي يمكن أن تكون أخلاقية ودينية. ففي الطريق إلى دمشق تحوّل شاول الطرسوسي

Saul of Tarsus إلى بولسرائد الإصلاح. ولكنّ هذا التحول لا يعني أي تغيير في هويتنا العمومية أو المؤسسية، ولا في هويتنا الشخصية كما يفهم هذا التصور بعضُ المفكرين في مجال فلسفة الفكر.

((2(أفترض هنا أن الإجابة عن مسألة الهوية الشخصية تسعى لتحديد مختلف المعايير (مثل المعايير السيكولوجية للذكريات، واستمرار الجسد فيزيائيًا أو في جزء منه)، بحيث يمكننا أن نعتبر أنّ حالتين أو سلوكين سيكولوجيين مختلفين يحصلان في وقتين

مختلفين حالتان أو سلوكان للشخص ذاته الذي ظل على قيد الحياة عبر الزمن. إنها تسعى كذلك إلى تحديد كيف أن هذا الشخص،

الذي ظل على قيد الحياة، يمكن أن ينظر إليه إمّا بوصفه جوهرًا ديكارتيًّا أو ليبنيزيًّا، وإما بوصفه كائنًا متعاليًا (ترنسندنتاليًّا) كانطيًّا،

وإما بوصفه سلسلة متصلة من العناصر، جسدية كانت أو فيزيائية. ينظر: الدراسات التي نشرها جون بيري، في:

John Perry, Personal Identity (Berkeley: University of California Press, 1975);

وخاصة مقدمة بيري، في: 3–30. pp., Ibid؛ ودراسة سنداي شوماكر، في:

Sydney Shoemaker, Personal Identity (Oxford: Basil Blackwell, 1984).

فالدراستان كلتاهما تهتم بوجهات نظر عديدة في هذا الشأن. وكثيرًا ما تُتجاهل مسألة استمرار غايات الشخص الأساسية أثناء معالجة

هذه المسائل، كما هو الحال مثل في وجهات نظر هربرت بول غرايس Grice Paul Herbert (1988–1913) الذي يركز على استمرار الذكريات. ولكن حينما تُعتبر استمرارية هذه الغايات أساسية أيضًا، كما في كتاب ديريك بارفيت من قسمه الثالث، فإنه لن يبقى أي تمييز قطعي بين مشكلة الهوية الأخلاقية أو غير العمومية ومشكلة هويته الشخصية. وتثير هذه المشكلة الأخيرة أسئلة اختلفت فيها

وجهات النظر الفلسفية السابقة والحاضرة كثيرًا، ولا شكّ في أنها تستمر على اختلافها. ومن أجل ذلك، من المهم صياغة تصور

سياسي للعدالة يتفادى هذه المشكلة كلما كان ذلك ممكنًا. لذا، من المهم محاولة تطوير تصور سياسي للعدالة يتفادى هذه

. Derek Parfit, Reasons and Persons (Oxford: Clarendon Press, 1984):. ينظر المشكلة ما استطاع إلى ذلك سبيلً

ثانيًا، يعتبر المواطنون أنفسهم أحرارًا لأنهم يرون أنهم مصادر لمطالب شرعية أصلية؛ أي إنهم يعتبرون

أن مطالبهم ذات وزن ما دامت منسجمة مع الواجبات والالتزامات التي حددها التصور السياسي للعدالة مثل تلك التي يُدان بها للمجتمع. إن المطالب التي يعتبر المواطنون أنها مستندة إلى الواجبات، والالتزامات القائمة على تصورهم للخير، والمذهب الأخلاقي الذي يعتنقونه في حياتهم الخاصة ينبغي، أيضًا، أن تُعتبر كلّها مطالب أصيلة. وهذا معقول في تصور سياسي للعدالة ضمن ديمقراطية دستورية. فبناءً على أن تصورات

الخير والمذاهب الأخلاقية التي يؤيدها المواطنون متوائمة مع التصور العمومي للعدالة، تكون هذه الواجبات والالتزامات أصيلة من وجهة النظر السياسية. حين نصف الطريقة التي من خلالها يدرك المواطنون أنهم أحرار، فإنما نصف بذلك كيفية نظرهم إلى أنفسهم فعلً، ضمن مجتمع ديمقراطي تثار فيه بالضرورة مسائل العدالة السياسية. وفي نظام دستوري، وفق تصورنا، يُعد ذلك جانبًا من الكيفية التي ينظر المواطنون من خلالها إلى أنفسهم. وأن يكون ذلك

الجانب من حريتهم، ينتمي إلى تصور سياسي بعينه، أمرٌ بيّنٌ مقارنةً بتصور سياسي مغاير لا يعتبر

الناس مصادر أصيلة لمطالب شرعية. فبدلً من ذلك، لا يكون لمطالبهم أي وزن إلا بقدر ما يمكن استخلاصها من الواجبات والالتزامات تجاه المجتمع، أو من الأدوار التي تفرضها عليهم التراتبية الاجتماعية التي تبررها القيم الدينية أو الأرستقراطية. للنظر في الوضعية القصوى التالية، العبيد كائنات بشرية لا يُنظر إليهم كمصدر لمطالب ولا حتى مطالب ترتكز على الواجبات والالتزامات الاجتماعية لأنهم لا يُعدّون أهلً لأن تكون لهم واجبات والتزامات. وليست القوانين التي تمنع إساءة معاملة العبيد أو الحط من قيمتهم منبثقة من مطالب العبيد أنفسهم، بل إنها تجد أساسها في أسيادهم، أو في المصالح العامة للمجتمع (التي تأخذ في الاعتبار مصالح العبيد). وبناءً عليه، يمكننا القول إن العبيد ميّتون اجتماعيًا؛ إذ لا يُعترف بهم البتة

كأشخاص. وهكذا يُظهر التباين بشأن الرق كيف أن تصور حرية المواطنين المؤسسة على ملكاتهم الأخلاقية، وعلى ملكة صياغة تصور للخير، يتطابق مع تصور معيّن للشخص، يتسق مع تصور سياسي

للعدالة يرتكز على فكرة المجتمع بوصفه نظامًا للتعاون المنصف بين أعضائه من حيث إنهم أحرار ومتساوون. ثالثًا، يُعتبر المواطنون أحرارًا لأنهم قادرون على الاضطلاع بمسؤولية غاياتهم، وهذا يؤثر في طريقة تقييم مطالبهم المتنوعة. وإجم لً؛ نظرًا إلى وجود مؤسسات خلفية عادلة وتوافر مؤشر منصف للخيرات

((2(بشأن فكرة الموت الاجتماعي، ينظر:

Orlando Patterson, Slavery and Social Death (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982), pp. 5–9, 38–45, 337.

وقد طُوِّرت هذه الفكرة تطويرًا مثيرًا للاهتمام في هذا الكتاب، وهي ذات مكانة مركزية في دراسة المؤلف المقارنة للعبيد. ((2(بشأن "الوحدة الاجتماعية والخيرات الأولية"، ينظر:

Amartya Sen & Bernard Williams, Utilitarianism and Beyond (Cambridge: Cambridge University Press, 1982), pp. 70–167.

الأولية لكل شخص (في تطابق مع مقتضيات مبادئ العدالة)، فإنه يُعتقد أنّ المواطنين قادرون على تعديل أهدافهم وتطلعاتهم في ضوء ما يمكن أن يتوقعوه على نحو معقول، وأنهم قادرون – إضافة إلى ذلك – على الحد من مطالبهم فيما يتعلق بالعدالة، بحسب ما تسمح به مبادئ العدالة. ومن هنا، يجب أن يعترف المواطنون بأن وزن مطالبهم ليس مرتهنًا بمدى قوة رغباتهم وحاجاتهم السيكولوجية وحدّتها (خلافًا لحاجاتهم بوصفهم مواطنين)، حتى إن كانت رغباتهم وحاجاتهم عقلانية من وجهة نظرهم. وليس القصد أن أتابع هذا التحليل هنا. بيد أن الإجراء هو ذاته؛ إذ إننا ننطلق من الفكرة الأساسية التي تتمثل في أن المجتمع نظامٌ منصف للتعاون. وحينما تتطور هذه الفكرة لتصبح تصورًا سياسيًا للعدالة، فإن هذا يعني

أنّ المواطنين منظورٌ إليهم بوصفهم أشخاصًا قادرين على الانخراط في التعاون الاجتماعي طوال حياتهم كاملة، وأنهم – نتيجةً لذلك – قادرون على الاضطلاع بمسؤولية غاياتهم؛ أي إنهم يستطيعون تعديلها بحيث يمكنهم السعي لتحقيقها عبر الوسائل التي يمكن أن يريدوها على نحو معقول، على أن يحصلوا في مقابل ذلك، على نحو معقول أيضًا، على ما يمكن أن يتوقعوه من مساهمتهم. إن فكرة المسؤولية هذه متضمنة في الثقافة السياسية العمومية، ويمكن استجلاؤها في ممارساتها. ويعبّر التصور السياسي

للشخص عن هذه الفكرة، ويدمجها في فكرة المجتمع بوصفه نظامًا منصفًا للتعاون طوال حياة كاملة. يمكن أن نختصر الأنحاء الأساسية الثلاثة الواردة في هذا المقطع، وفي المقطعين السابقين، فيما يأتي: أولً، اعتبرتُ الأشخاص في المقطع الثالث أشخاصًا أحرارًا ومتساوين؛ لأنهم يتّسمون بالملكتين المميزتين للشخص الأخلاقي بالقدر الكافي (وكذلك ملكات الاستدلال والتفكير والحكم المرتبطة بهما)، أقصد الإحساس بالعدالة والقدرة على تصور للخير، وهما مرتبطتان بمكونين أساسين لفكرة التعاون؛ فكرة الشروط المنصفة للتعاون، وفكرة منفعة كل مشارك أو خيره العقلانيَّين. ثانيًا، بيّنَّا في هذا المقطع الوجوه الثلاثة لاعتبار الأشخاص أحرارًا، ولاحظنا أنهم يعتبرون أنفسهم

كذلك من خلال مميزات الثقافة السياسية العمومية للنظام الديمقراطي الدستوري. ثالثًا، بالنظر إلى أن مسألة معرفة أيّ تصور سياسي للعدالة أفضل من غيره من أجل تحقيق قيم الحرية والمساواة في المؤسسات الأساسية، ما دامت قد أثارت جدلً داخل التقليد الديمقراطي ذاته، بحيث يُنظر إلى المواطنين بوصفهم أشخاصًا أحرارًا ومتساوين، فإن هدف نظرية العدالة إنصافًا يتمثل في تجاوز هذه المشكلة؛ إذ تنطلق من الفكرة الحدسية الأساسية المتمثلة في المجتمع بوصفه نظامًا منصفًا للتعاون، على نحو تكون شروطه محل اتفاق بين المواطنين، منظورًا إليهم أنهم كذلك. ولقد رأينا في المقطع الرابع كيف أن هذه المقاربة قد أدت إلى استدعاء الوضع البدئي بوصفه جهاز تمثيل.

IV

أتناول، الآن، مسألة أساسية للتفكير في العدالة إنصافًا من وجهة نظر ليبرالية. وعلى الرغم من أن وجهة النظر هذه تُعدّ تصورًا أخلاقيًا، فإن ذلك لا يعني، كما قلت، أنها تقوم مقام مذهب أخلاقي شمولي.

إن تصور المواطن شخصًا حرًّا ومساويًا للآخرين ليس مثلً أعلى أخلاقيًا يحكم أوجه الحياة كلها،

بل هو مَثل أعلى ينتمي إلى تصور العدالة السياسية الذي ينطبق على البنية الأساسية. أشدد على هذه المسألة؛ لأن اعتقادَ غيرِ ذلك لا يتسق مع الليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًا. ولا يحتاج الأمر إلى التذكير

بأن الليبرالية تفترض أنه في دولة ديمقراطية دستورية، في ظل الظروف الحديثة، لا بد من أن توجد تصوراتٌ متعارضة للخير غيرُ متقايسة؛ وذلك ما يميّز الثقافة الحديثة منذ زمن الإصلاح الديني. إن أيّ

تصور سياسي للعدالة قابل للتطبيق، لا يعتمد على الاستخدام الاستبدادي لسلطة الدولة، يجب أن يعترف بهذه الحقيقة الاجتماعية الأساسية. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن مثل هذا التصور لا يمكن أن يفرض قيودًا على الأفراد والجمعيات، ولكن عندما يفعل ذلك، فإن هذه القيود تُعزَى، على نحو مباشر، أو غير مباشر، إلى متطلبات العدالة السياسية للبنية الأساسية. وبالنظر إلى هذه الحقيقة، فإننا نتبنّى تصورًا للشخص جرى تكييفه ليكون جزءًا من تصور سياسي صريح

للعدالة ومقيدًا به. وبهذا المعنى، فإنه تصور سياسي للشخص. وكما ذكرتُ في المقطع السابق، يمكن أن يرتضيَ الأشخاص لأنفسهم مثل هذا التصور باعتبار أنهم مواطنون، ويمكن أن يستخدموه أثناء

مناقشة مسائل العدالة السياسية، من دون أن يكونوا ملتزمين في أوجه أخرى من حياتهم بالمثُل الأخلاقية الشمولية، المرتبطة غالبًا بالليبرالية، كالاستقلالية الذاتية والفردانية. إن غياب الالتزام بهذه المثل العليا،

وبأي مثل أعلى شمولي معيّن أيضًا، أمرٌ ضروري لليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًا. ويُعزى ذلك إلى أن أيّ

مثل أعلى من هذا القبيل، عندما نسعى إليه بوصفه مثلً أعلى شموليًا، لا يتوافق مع التصورات الأخرى

للخير، ومع أشكال الحياة الشخصية والأخلاقية والدينية التي تتوافق مع العدالة، والتي – نتيجة لذلك – لها مكانتها المميزة في مجتمع ديمقراطي. ولمّا كانت الاستقلالية الذاتية والفردانية من بين المثُل العليا الأخلاقية الشمولية، فإنهما لا تتسقان مع التصور السياسي للعدالة. ورغم الأهمية القصوى التي يتّسم بها هذان المثالان الشموليان في الفكر الليبرالي، فإنهما يمتدان لدى كانط وجون ستيوارت ميل، إلى أبعد مدى، بحيث يقدَّمان على أنهما الأساس الملائم الوحيد لنظام دستوري. وإذا فهمت الليبرالية على هذا النحو، فإنها لن تعدو أن تكون مذهبًا طائفيًّا من بين مذاهب أخرى. يستدعي هذا الاستنتاج تعليقًا؛ فهذا الأمر لا يعني، بطبيعة الحال، أن ليبراليتَي كانط وميل ليستا تصورين أخلاقيين ملائمين يمكن أن ننقاد من خلالهما إلى تأييد المؤسسات الديمقراطية، بل إنهما ليسا إلّ تصورين من هذا القبيل من بين تصورات أخرى، ومن المرجح أن يستمرَّا، وأن يكتسبا أتباعًا في نظام

ديمقراطي عادل إلى حد معقول. وفي مثل هذا النظام، قد تشمل وجهات النظر الأخلاقية الشمولية التي تدعم مؤسساته الأساسية ليبراليتَي الفردانية والاستقلالية الذاتية، وربما تكون هاتان الليبراليتان من

((2(على سبيل المثال، تُقيَّد الكنائس بمبدأ المساواة في حرية الضمير، ويجب أن تمتثل لمبدأ التسامح، وتُقيَّد الجامعات بما قد

يكون مطلوبًا للحفاظ على المساواة المنصفة في الحظوظ، وحقوق الآباء، لأن ذلك ضروري للحفاظ على السلامة الجسدية

لأبنائهم وضمان تنمية قدراتهم الفكرية والأخلاقية على نحو ملائم. ولأن ممارسة الكنائس والجامعات وأولياء الأمور للسلطة تكون داخل البنية الأساسية، فإنّ على هذه الأطراف كلها أن تدرك المتطلبات التي تفرضها هذه البنية للحفاظ على العدالة الأساسية. (2((بشأن تصور إيمانويل كانط، يمكن الاطلاع على كتابيه: أسس ميتافيزيقا الأخلاق (1777)؛ ونقد العقل العملي (1788)؛ وبشأن

تصور جون ستيوارت ميل، يمكن الاطلاع على كتابه: عن الحرية (1859)، وخاصة الفصل الثالث منه. ففي هذا الفصل، تجري مناقشة المثل الأعلى للفردانية باستفاضة.

بين المذاهب الأهمّ في الوفاق التراكبي؛ أي وفاق تُؤيَّد فيه مذاهب مختلفة، قد تكون متعارضة أيضًا، كما ذكرنا سابقًا، الأساسَ المشترك عموميًّا للترتيبات السياسية. تتّسم ليبراليتا كانط وميل بشيء من التفوق

التاريخي، باعتبار أنهما من بين وجهات النظر الفلسفية الأولى والأهم، التي تبنّت الديمقراطية الدستورية الحديثة وأفكارها الأساسية بطريقة عميقة. وقد يتبين أن المجتمعات التي يحظى فيها مث لَ الاستقلالية الذاتية والفردانية بقبول واسع النطاق هي، أيضًا، من بين أكثر المجتمعات تنظيمًا وتماسكًا. وعلى النقيض من الليبرالية بوصفها مذهبًا أخلاقيًّا شموليًّا، تحاول العدالة إنصافًا تقديم تصور للعدالة

السياسية متجذر في الأفكار الحدسية الأساسية المضمنة في الثقافة العمومية للديمقراطية الدستورية. إننا نرى أنه من المرجح أن تؤيد هذه الأفكارَ كلُّ المذاهب الأخلاقية الشمولية المتعارضة المؤثرة

في مجتمع ديمقراطي عادل على نحو معقول. وهكذا، تسعى العدالة إنصافًا إلى تحديد نواة الوفاق التراكبي، أي الأفكار الحدسية المشتركة التي تصبح كافية لضمان نظام دستوري عادل، عندما تُحوَّل

إلى تصور سياسي للعدالة. وذلك هو أقصى ما يمكن أن نتوقعه، ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك. ولكن يجب أن نلاحظ أن العدالة إنصافًا عندما تتحقق تحققًا كليًّا في مجتمع حسن التنظيم، فإنّ قيمة

الاستقلالية الذاتية الكاملة تتحقق أيضًا. وبهذا المعنى، فإن هذه العدالة تشبه ليبراليتَي كانط وميل. بيد أنها على النقيض منهما؛ ذلك أنّ قيمة الاستقلالية الذاتية الكاملة في صلب نظرية العدالة إنصافًا يحددها تصور سياسي للعدالة، ولا يحددها مذهب أخلاقي شمولي. وقد يبدو أن القبول العمومي لهذه العدالة، إذا ما فهمناه على هذا النحو، ليس أكثر من تحوّط؛ أي إن

أولئك الذين يؤيدون هذا التصور يفعلون ذلك ببساطة كتسوية مؤقتة تسمح للمجموعات في الوفاق التراكبي بالسعي وراء خيرها الخاص وفقًا لقيود معينة يعتقد كل منها أنها تصب في مصلحتها بالنظر إلى الظروف القائمة. لذلك، قد تبدو فكرة الوفاق التراكبي هوبزية في الأساس. وفي مقابل ذلك، توجد ملاحظتان: أولً، تفترض العدالة إنصافًا، من حيث هي تصورٌ أخلاقي، تصورات عن الشخص والمجتمع، وتصورات عن الحق والإنصاف، فضلً عن مبادئ العدالة التي تتكامل مع الفضائل التي تنطبع من خلالها تلك المبادئ في الشخصية الإنسانية وتنظم الحياة السياسية والاجتماعية. ويقدم هذا التصور للعدالة فهمًا

للفضائل التعاونية المناسبة للمذهب السياسي في ضوء ظروف النظام الدستوري ومتطلباته. وإنّ نظرية هذه العدالة، بوصفها تصورًا أخلاقيًا، لا تعدو أن تكون تصورًا تقيّده البنية الأساسية للمجتمع؛ فبفضل

((2(وُضِّحَت هذه المسألة فيما يتعلق بليبراليتَي كانط وميل. ولكن بالنسبة إلى الثقافة الأميركية، ينبغي للمرء أن يذكر التصورات

المهمة للفردانية الديمقراطية التي عُبِّر عنها في أعمال إيمرسون وثورو وويتمان. وقد ناقشها الباحث جورج كاتب على نحو مفيد

في دراسته "الفردانية الديمقراطية ومتطلبات السياسة". ينظر:

George Kateb, "Democratic Individuality and the Claims of Politics," Political Theory , vol. 12, no. 3 (1984), pp. 331–360.

((3(بشأن فكرة نواة الوفاق التراكبي (المذكور آنفًا)، ينظر المقطع الأخير من الفقرة الخامسة والثلاثين، في: A Theory of Rawls, , p. 22 Justice؛ وينظر: رولز، ص 281–279. وبشأن فكرة الاستقلالية الذاتية الكاملة، ينظر: "البنائية الكانطية"، في:

Rawls, "Kantian Constructivism," p. 582.

هذا التقييد، يمكنه أن يكون تصورًا سياسيًا للعدالة في ظل ظروفنا الراهنة. وهكذا، في إطار الوفاق

التراكبي (كما يفهم هنا)، لا يعتبر تصور العدالة إنصافًا مجرد تسوية مؤقتة. ثانيًا، في مثل هذا الوفاق، تقبل كل المذاهب الفلسفية والدينية والأخلاقية الشمولية العدالة إنصافًا

بطريقتها الخاصة؛ أي إن كل مذهب شمولي، من وجهة نظره، يقود إلى قبول الأسباب العمومية للعدالة التي تضبطها هذه العدالة. يمكننا القول إنها تعترف بتصوراتها ومبادئها وفضائلها كمصادرات، إن جاز التعبير، تتقاطع داخلها وجهات نظرها المتعددة. لكن هذا لا ينتقص من أخلاقية نقاط التوافق هذه أو يختزلها في مجرد وسائل؛ لأن هذه التصورات والمبادئ والفضائل مقبولة من الكل، عمومًا، على أنها

تنتمي إلى مذهب فلسفي أو ديني أو أخلاقي أكثر شمولية. بل قد يؤكد بعضهم أن العدالة إنصافًا، كتصور أخلاقي طبيعي، يمكن أن تقوم بذاتها. وهم يقبلون هذا التصور للعدالة كأساس معقول للتعاون السياسي والاجتماعي، ويرون أنه طبيعي وأساسي، مثل التصورات والمبادئ المتعلقة بالصدق والثقة المتبادلة، وفضائل التعاون في الحياة اليومية. وتختلف المذاهب في الوفاق التراكبي بشأن مدى حاجتها بالضرورة إلى أساس إضافي، وبشأن ما ينبغي أن يكون عليه هذا الأساس الإضافي. غير أن هذه الاختلافات تتفق مع الوفاق التراكبي بشأن العدالة إنصافًا كتصور سياسي للعدالة.

IIV

أختتم بالنظر في الطريقة التي يمكن من خلالها أن تفهم الليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًّا (وليس بوصفها

تصورًا أخلاقيًّا شموليًّا) الوحدة والاستقرار الاجتماعيين. إن الاختلافات عميقة بين التصورات السياسية للعدالة التي تسمح بتعدد التصورات المتعارضة، وحتى غير المتقايسة للخير، وتلك التي ترى أنه لا يوجد سوى تصور واحد للخير يعترف به جميع الأشخاص، بقدر ما يكونون عقلانيين تمامًا. وتتمايز تصورات العدالة بالنسبة إلى كل طرف وفقًا لهذا التقسيم من نواحٍ عديدة أساسية. ويؤيد أفلاطون وأرسطو، والتقليد المسيحي الذي يمثله القديس أوغسطينوس والقديس الأكويني، فكرة الخير العقلاني الواحد. وتميل وجهات النظر هذه إلى أن تكون غائية، وتعتبر أن المؤسسات تكون عادلة ما دامت تعزز هذا الخير على نحو ناجع. في الواقع، منذ العصور الكلاسيكية، يبدو أن التقليد السائد هو أنه لا يوجد سوى تصور عقلاني واحد للخير، وأن هدف الفلسفة الأخلاقية، شأنها في ذلك شأن اللاهوت والميتافيزيقا، هو تحديد طبيعته. وتنتمي النفعية الكلاسيكية إلى هذا التقليد السائد. وعلى النقيض من ذلك، تفترض الليبرالية، بوصفها مذهبًا

سياسيًّا، أنه يوجد العديد من التصورات المتعارضة وغير المتقايسة للخير، وأنّ كًّلًّ منها يتوافق

مع العقلانية الكاملة للبشر، وأنه يمكننا التأكّد من ذلك ضمن تصور سياسي عملي للعدالة. وتبعًا لهذا الافتراض، تفترض الليبرالية أن من السمات المميزة للثقافة الديمقراطية الحرة وجود تصورات تعددية متعارضة وغير متقايسة للخير يتبناها المواطنون. وترى الليبرالية، بوصفها مذهبًا سياسيًّا أيضًا،

((3(نعثر على هذا التصور للخيرات الأولية في "الوحدة الاجتماعية والخيرات الأولية"، ينظر:

Rawls, A Theory of Justice , pp. 16, 73–170, 183.

أن السؤال الذي حاول التقليد السائد الإجابة عنه قد تعذرت عمليًا. أي إنه تعذر التوصّل إلى إجابة

تكون ملائمة لتصور سياسي للعدالة في مجتمع ديمقراطي. في مثل هذا المجتمع، لا يكون أيُّ تصور

سياسي غائي مطروحًا؛ إذ لا يمكن التوصّل إلى اتفاق عمومي على مثل هذا التصور المطلوب للخير. وكما لاحظت سابقًا، فإن الأصل التاريخي لهذا الافتراض الليبرالي هو الإصلاح الديني وعواقبه. وحتى تاريخ الحروب الدينية، في القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت الشروط المنصفة للتعاون الاجتماعي محددة على نحو ضيق؛ فلقد كان التعاون الاجتماعي على أساس الاحترام المتبادل يعدّ أمرًا

مستحيلً مع أشخاص من ديانة مختلفة، أو مع الأشخاص الذين يؤيدون تصورات للخير مختلفة اختلافًا جوهريًّا، بحسب المصطلح الذي أستخدمه. وهكذا كان أحد الجذور التاريخية لليبرالية هو تطوير مذاهب

مختلفة تحث على التسامح الديني. ويتمثل أحد المواضيع في العدالة إنصافًا في الاعتراف بالظروف الاجتماعية التي تؤدي إلى ظهور هذه المذاهب، باعتبار أنها من بين ما يسمى الظروف الذاتية للعدالة؛ ومن ثم تفسير الآثار المترتبة على مبدأ التسامح. فالليبرالية كما صاغها كونستان ودي توكفيل وميل في القرن التاسع عشر، تقبل بتعددية التصورات غير المتقايسة للخير، بوصفها حقيقةً من حقائق الثقافة الديمقراطية الحديثة، على أن تحترم هذه التصورات الحدود التي تضبطها مبادئ العدالة الملائمة، بطبيعة الحال. وتتمثل إحدى مهمات الليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًا في الإجابة عن السؤال التالي: كيف يمكن

فهم الوحدة الاجتماعية أمام استحالة وجود اتفاق عمومي حول الخير العقلاني الواحد؟ وإذا سلمنا بوجود تعددية للتصورات المتعارضة وغير المتقايسة، وإذا سلمنا أيضًا بأن الوحدة الاجتماعية يمكن تصورها بطريقة محددة، ففي ظل أي ظروف يمكن أن تتحقق بالفعل؟ في العدالة إنصافًا، تُفهم الوحدة الاجتماعية انطلاقًا من تصور المجتمع كنظام للتعاون بين أشخاص أحرار ومتساوين. إن الوحدة الاجتماعية وولاء المواطنين لمؤسساتهم المشتركة لا يرتكزان على تبنّي التصور للخير نفسه، بل على القبول العمومي بتصور سياسي للعدالة ينظّم البنية الأساسية

للمجتمع. وبناءً عليه؛ فإنّ تصور العدالة مستقل عن تصور الخير وسابق له، على اعتبار أن مبادئه

تحدّ من تصورات الخير المسموح بها. وتشكّل البنية الأساسية العادلة ومؤسساتها الأساسية إطارًا

يمكن صياغة التصورات المسموح بها داخله. وفي موضع آخر، سمّيتُ هذه العلاقة بين تصور العدالة

وتصورات الخير أولوية الحق (لأن العادل ينضوي تحت الحق). وأعتقد أن هذه الأولوية هي سمة من سمات الليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًّا، وذلك – فيما يبدو – أمرٌ ضروري لأي تصور معقول للعدالة

بالنسبة إلى دولة ديمقراطية. وهكذا، لكي نفهم كيف يمكن تحقيق الوحدة الاجتماعية بالنظر إلى الظروف التاريخية للمجتمع الديمقراطي، ننطلق من فكرتنا الحدسية الأساسية للتعاون الاجتماعي، وهي فكرة مضمنة في الثقافة العمومية للمجتمع الديمقراطي؛ ومن ثم نتوصل إلى تصور عمومي للعدالة كأساس للوحدة الاجتماعية على النحو الذي حددته. أما مسألة استقرار هذه الوحدة، فهي متوقفة أساسًا على محتوى المذاهب الدينية والفلسفية والأخلاقية

المتاحة؛ من أجل تشكيل وفاق تراكبي. فعلى سبيل المثال، إذا افترضنا أن التصور السياسي العمومي

((3(ورد التمييز بين الظروف الموضوعية والذاتية للعدالة، في: 126. p., Ibid؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 170. وقد جرى تأكيد أهمية

دور الظروف الذاتية، في: Rawls, "Kantian Constructivism," pp. 42, 540.

هو العدالة إنصافًا، ولنتخيل أن المواطنين يؤيدون إحدى وجهات النظر الثلاث: وجهة النظر الأولى تتبنى العدالة بوصفها إنصافًا لأن معتقداتها الدينية وفهومها للإيمان تؤدي كلّها إلى مبدأ التسامح، وتتعهد بالفكرة الأساسية للمجتمع بوصفه نظامًا للتعاون الاجتماعي بين أشخاص أحرار ومتساوين،

ووجهة النظر الثانية تتبناها باعتبار أنها نتاج تصور أخلاقي ليبرالي شمولي مثل تصوري كانط وميل، في حين أن وجهة النظر الثالثة لا تتبنى العدالة إنصافًا باعتبار أنها نتاج أي مذهب أكثر شمولية، بل لأنها كافية بذاتها للتعبير عن القيم التي تفوق عادةً أي قيم أخرى قد تعارضها، على الأقل في ظل ظروف مواتية على نحو معقول. ويبدو هذا الوفاق التراكبي أكثر استقرارًا، إلى حد بعيد، من الإجماع القائم

على وجهات نظر تبدي نزوعًا شكوكيًا ولامبالاة إزاء القيم الدينية والفلسفية والأخلاقية، أو التي تعتبر

قبول مبادئ العدالة مجرد تسوية مؤقتة تحوطية؛ بالنظر إلى التوازن القائم للقوى الاجتماعية. وبطبيعة الحال، توجد العديد من الممكنات الأخرى. وقد تثبت قوة تصور، مثل العدالة إنصافًا، أن المذاهب الأكثر شمولً، التي تستمر وتكتسب أتباعًا في مجتمع ديمقراطي تنظمه مبادئ هذا التصور، قد تتوافق فيما بينها على نحو متناغم في اتجاه تشكيل وفاق تراكبي مستقر إلى حد ما. ولكن من الواضح أن كل هذا يشتمل على قدر كبير من التخمين ويثير أسئلة غير مفهومة نسبيًّا؛ لأن المذاهب التي تستمر وتكتسب أتباعًا تعتمد جزئيًا على

الشروط الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص، عندما يضبط هذه الشروطَ التصورُ العمومي للعدالة.

ومن ثم، فإننا مضطرون إلى نأخذ في الاعتبار، من حين إلى آخر، انعكاسات الشروط الاجتماعية التي يتطلبها تصور العدالة السياسية على قبول هذا التصور نفسه. وبالمثل، سيكون التصور مستقرًّا إلى

حد ما، اعتمادًا على مدى دعم الشروط التي ينتهي إلى إقرارها من قبل المذاهب الدينية والفلسفية والأخلاقية الشمولية التي يمكن أن تشكّل وفاقًا تراكبيًّا مستقرًا، ولا أقصد أن أناقش في هذا السياق

مسائل الاستقرار هذه. ويكفي أن أشير إلى أن العدالة إنصافًا في مجتمع يتسم بانقسامات عميقة بين

(3((نجلِّى في الجزء الثالث من كتاب نظرية في العدالة ثلاثة أهداف رئيسة: أولً، تقديم تفسير للخير بوصفه عقلانية (الفصل السابع) يقوم كأساس لتحديد الخيرات الأولية، تلك الخيرات التي يفترض الشركاء، وذلك بالنظر إلى تصور الأشخاص أنّ الأشخاص الذين يمثلونهم في حاجة إليها. ينظر: 433 397,. pp , A Theory of Justice , Rawls؛ ينظر أيضًا: رولز، ص 521–481. ثانيًا، تقديم تفسير

لاستقرار تصور العدالة (الفصلان الثامن والتاسع)، والعدالة إنصافًا على وجه الخصوص، وبيان أن هذا التصور أكثر استقرارًا من

التصورات التقليدية الأخرى التي يقارن بها، فضلً عن كونه مستقرًا على نحو كافٍ. ثالثًا، تقديم تفسير لخير مجتمع حسن التنظيم، أي

مجتمع عادل تكون فيه العدالة إنصافًا هي التصور السياسي للعدالة الذي يجري تأكيده عموميًّا وتحقيقه بفعالية (الفصلان الثامن

والتاسع، ولا سيما الفقرة 86). وأعتقد الآن أن من أخطاء الجزء الثالث، ما يلي: غالبًا ما يقرأ تفسير الخير بوصفه عقلانية على أنه تفسير

للخير الكامل لتصور أخلاقي شمولي. إنّ كل ما نحتاج إليه هو شرح لقائمة الخيرات الأولية وأساس مختلف للخيرات الطبيعية التي يعترف بها الحس السليم، وعلى وجه الخصوص، الأهمية الأساسية لاحترام الذات وتقديرها (وهما خيران، كما أشار إلى ذلك ديفيد ساكس ولورانس توماس، لا يجري التمييز بينهما على نحو صحيح)، ومن ثمّ الأسس الاجتماعية لاحترام الذات كخير أولي. ثمّ إن

تفسير استقرار العدالة إنصافًا لم يوسع، كما كان ينبغي، ليشمل الوفاق التراكبي كحالة على قدر كبير من الأهمية، على النحو المبيَّن في

النص. وبدلً من ذلك، اقتصر هذا التفسير على أبسط الحالات التي يجري فيها تأكيد التصور العمومي للعدالة باعتبار أنه كافٍ في حد ذاته للتعبير عن القيم التي تتفوق عادة، بالنظر إلى السياق السياسي لنظام دستوري، على كل القيم التي قد تتعارض معها (ينظر: وجهة النظر الثالثة للوفاق التراكبي المذكورة في النص). وفي ضوء المناقشة الواردة في الفقرات 35–32 من الفصل الرابع بشأن حرية الضمير، يعتبر توسيع نطاق حالة الوفاق التراكبي أمرًا ضروريًا. وأخيرًا، إنّ أهمية فكرة وجود مجتمع حسن التنظيم كاتحاد اجتماعي للاتحادات

الاجتماعية، في سبيل تفسيرٍ لخير المجتمع العادل، لم تُشرح باستفاضة. أما في الجزء الثالث، فثمة كثير من إمكانات الربط التي تُركت

للقارئ ليتدبرها، وهو أمرٌ من شأنه أن يثير شكوكًا في جانب مهم من الفصلين الثامن والتاسع.

تصورات متعارضة وغير متقايسة للخير، تمكّننا، على الأقل، من تصور مفاده كيفية استطاعة الوحدة الاجتماعية أن تكون ممكنة ومستقرة في الآن ذاته.

References

المراجع

العربية

دوركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة منير الكشو. تونس: المركز الوطني للترجمة،

رولز، جون. نظرية في العدالة. ترجمة وتقديم ليلى الطويل. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،

ساندل، مايكل. الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد. بيروت، المنظمة العربية للترجمة،.2009

الأجنبية

Brandt, Richard. A Theory of the Good and the Right. Oxford: Clarendon Press, I979. Goldman, Alvin & Jaegwon Kim. Values and Morals. Dordrecht: Reidel, I978. Kateb, George. "Democratic Individuality and the Claims of Politics." Political Theory. vol. 12, no. 3 (1984). Parfit, Derek. Reasons and Persons. Oxford: Clarendon Press, 1984. Patterson, Orlando.  Slavery and Social Death. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1982. Perry, John. Personal Identity. Berkeley: University of California Press, 1975. Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971. ______. "Kantian Constructivism in Moral Theory." The Journal of Philosophy. vol. 77, no. 9 (September 1980). ______. Tanner Lectures on Human Values. Salt Lake City: University of Utah Press,

______. "Justice as Fairness: Political not Metaphysical." Philosophy & Public Affairs. vol. 14, no. 3 (Summer 1985). Sandel, Michael.  Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge: Cambridge University Press, I982. Sen, Amartya & Bernard Williams. Utilitarianism and Beyond. Cambridge: Cambridge University Press, 1982. Shoemaker, Sydney. Personal Identity. Oxford: Basil Blackwell, 1984.