المشاركة المتكافئة: الثقل المعياري للسياسة عند نانسي فريزر
Parity of Participation: The Normative Weight of Politics According to Nancy Fraser
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى بيان فكرة العدالة عند نانسي فريزر التي تؤلف بين مطلب الاعتراف الذي ينتمي إلى السجل الرمزي والثقافي ومطلب إعادة التوزيع الذي يشتغل داخل المجال الاقتصادي المادي. وههنا سنركز على مفهوم المشاركة المتكافئة الذي تقترحه فريزر، بوصفه نقطة ارتكاز نظريتها في العدالة؛ إذ يفترض الفعل الاجتماعي المشاركة المتكافئة من دون عوائق، سواء كانت عقبات مرتبطة بإجراءات توزيعية، أو كانت نماذج ممأسسة للمعايير الثقافية، أو كانت قواعد لأخذ القرارات السياسية. وسنقوم بذلك بالتساوق مع تحديد الرهانات الفكرية والدواعي العملية التي دفعتنا لاختيار فكرة العدالة عند فريزر.
Abstract
Abstract: The paper explains Nancy Fraser’s concept of justice, which combines the symbolic and cultural demand for recognition with the material economic demand of redistribution. Fraser proposes parity of recognition as the central point of her theory of justice, because social action presupposes parity of participation without obstacles, whether procedural or distributive, institutionalized models of cultural norms, or rules of political decision– making. The article does this in line with the practical reasons which led to the decision to study Fraser’s theory of justice.
- نانسي فريزر
- المشاركة المتكافئة
- الاعتراف
- إعادة التوزيع
- العدالة الاجتماعية
- التمثيل السياسي
- Nancy Fraser
- Parity of Participation
- Recognition
- Redistribution
- Social justice
- Political Representation
تمهيد
في وقتٍ سرّعت فيه الرأسمالية من وتيرة التواصل العابر للثقافات Cross–cultural، وحطّمت
معه ضروب التمثل والتأويل، وسيّست الهويات الجماعية identity Collective، أضحى
الاعتراف Recognition نموذجًا معياريًا لمعالجة أشكال الاحتقار Disrespect والنكران وانعدام الاعتراف داخل سياق الفلسفة السياسية المعاصرة، ومن أوكد الأولويات داخل أجندات الحركات الاجتماعية؛ إذ في مقابل صعود خطاب ليبرالي جديد مضاد لكل أشكال المساواتية Egalitarianism، وأمام غياب نموذج واقعي لاشتراكية قابلة للتحقيق، زيادة على تصاعد النزعة الريبية تجاه صدقية الديمقراطية الاجتماعية democracy Social في مواجهة تيار العولمة الجارف، أصبحت الحركات السياسية والاجتماعية المعروف عنها التغني بقسمة عادلة للموارد والثروات والخيرات المادية تنظر إلى هذه المطالب باعتبارها فقدت الكثير من تألقها وبريقها، وتقلص جدواها إلى حدود بعيدة. وقد عبر هذا الأمر عن تحول من معيار تمييزي، ينبني على مفاهيم التوزيع المادي للثروة والموارد، إلى مخيال سياسي جديد يتأسس على تصورات الهوية والاختاف والهيمنة الثقافية وسياسة الاعتراف. وقد تساوق هذا التحول مع ما تسميه نانسي فريزر Frazer Nancy الوضعية ما بعد الاشتراكية The Post–Socialist Situation، بصفتها مفهومًا مقترحًا لتفسير المناخ السياسي العام الذي تشكل بعد انهيار الحكم الشيوعي السوفياتي وصعود الليبرالية الجديدة، بحيث أكدت على الطابع الأيديولوجي للمفهوم المقترح؛ ما يعني أنها لا تعتقد نهاية الاشتراكية، وإنما تُوَصف الرأي العام السائد آنذاك – أي
في بداية التسعينيات من القرن الماضي – معتبرةً أن ذلك التوصيف يحيل إلى تحولات مهمة داخل لغة المطالب السياسية التي أشّرت على عزوف عدد من الفاعلين الاجتماعيين Actor Social عن صياغة مطالبهم بمفردات العدالة التوزيعية Justice Distributive، والتوجه المكثف نحو استخدام لغة مطالب ذات عاقة بمشكات الهوية والاختاف والتعددية الثقافية Pluriculturalism. وهكذا تعتبر فريزر هذه النقلة، من نموذج العدالة التوزيعية إلى نموذج الاعتراف Recognition of Paradigm، كان لها أثَرها داخل سياق الفلسفة السياسية والنظرية الاجتماعية؛ بحيث أضحى مبدأ الاعتراف يحتل مركز "الثقل المعياري" داخل ما يسمى النظرية الأخاقية Theory Ethical. وقد ظهر جليًّا أن الاكتفاء
(((فيلسوفة نسوية من أصول أميركية تُدرس العلوم السياسية والفلسفة الاجتماعية بمعهد الأبحاث الاجتماعية الجامعية بنيويورك، وقد طورت من خال كتاباتها المتنوعة مقاربات سياسية وفلسفية مهمة حول الرهانات الأساسية التي تشق المجتمعات الرأسمالية،
وذلك من خال التركيز على الفضاءات العمومية وأُسس العدالة الاجتماعية والاعتراف وإعادة التوزيع، ومن خال دراسة تطور الحركة النسوية ضمن السياق العولمي. وفريزر لا تعتبر نفسها مجرد مشتغلة بالفلسفة في بعدها الأكاديمي التنظيري، بل مناضلة ملتزمة بقضايا التغيير الاجتماعي، إذ تعتبر كتاباتها وأعمالها الفكرية إطارًا مرجعيًا لإسناد الحركات الاجتماعية السياسية والمدنية
لفهم بنية المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، وتفكيك نوازع الهيمنة والإخضاع التي تمارسها حركة العولمة الليبرالية الجديدة من أجل المساهمة في البحث عن بدائل لواقع الهيمنة الرأسمالية، بعيدًا عن المنظور الاقتصادي لبردايم الصراع الطبقي الماركسي والمنظور
الثقافي لبردايم الاعتراف عند فاسفة الاختاف والتعددية الثقافية، ومن ثم التركيز على النزاع من أجل العدالة في أبعادها المادية والرمزية والتمثيلية.
(2) Nancy Fraser, Gabriel Rockhill & Alfredo Gomez–Muller, "La justice mondiale et le renouveau de la tradition de la théorie critique: Dialogue avec Nancy Fraser," La Revue Internationale des Livres et des Idées , no. 10 (Mars–Avril
بالتأسيس لنظرية العدالة على قاعدة المساواة الاجتماعية وتحقيق العدالة التوزيعية، من جهة الموارد والمداخيل والحقوق والخيرات المادية، قد أدى إلى الذهول عن زمرة مظالم ثقافية ذات ارتباط وثيق بمشكات العدالة، اعتُبرت شكا من أشكال الوعي الزائف، يجب التنكر له وتجاهله أو اختُزلت داخل دوائر العدالة، كمفهوم توسيعي للعدالة مدمج لاعتراف باعتباره حقًّا من الحقوق الواجب توزيعها بطريقة عادلة ومنصفة. وهكذا يعكس هذا الاستقطابُ الثنائي سواء على المستوى السياسي بين اليسار الثقافي Cultural
Left واليسار الاجتماعي، بين دعاة التوزيع الاقتصادي والمادي للثروات والموارد والحقوق وممثلي الاعتراف الثقافي والرمزي، أو على المستوى الفلسفي والنظري بين منظري الاعتراف ومنظري إعادة التوزيع وتحقيق المساواة الاجتماعية، في جانبه الأخاقي والمعياري، التمييزَ بين النمط الوصفي والتفسيري للنظرية الاجتماعية والسجل المعياري للنظرية الأخاقية. وعلى هذا الأساس، فإن فريزر تسعى لبناء نظرية موسعة للعدالة، تكون لها القدرة على إدماج النموذجين: إعادة التوزيع والاعتراف باعتبارهما نموذجين لا يمكن الاستغناء عن أحدهما لحساب الآخر، كما لا يمكن اختزال أحدهما داخل الآخر. إن هذه العملية الإدماجية لاعتراف وإعادة التوزيع، داخل إطار العدالة، سيترتب عليها إعادة تنزيل إشكالية الاعتراف داخل مجال أخاق الواجب Morality Deontological، بحيث سيكون من المائم النظر إلى نموذج الاعتراف ليس باعتباره شرطًا ضروريًا لتحقيق عاقة إيجابية للذات بذاتها، كما هو
الشأن بالنسبة إلى أكسيل هونيث، وليس باعتباره حاجة إنسانية حيوية إلى الاحتفاء بالاختاف قيمةً في ذاته أو تثمين الهويات الثقافية في خصوصياتها كما يُنظّر لذلك تشارلز تايلور، وإنما باعتباره
شرطًا "بينذاتيًّا" Intersubjective من جملة الشروط الأخرى: الموضوعية Objective، المرتبطة
بالتوزيع العادل للخيرات المادية والتمثيلية Représentative ذات المنحى السياسي، وهو ما تقترحه فريزر لتحقيق "المشاركة المتكافئة" Participation of Parity لكل الأفراد والمجموعات داخل نسيج التفاعل الاجتماعي. وفي النتيجة تجنب الوقوع فيما تسميه فريزر الانفصام الفلسفي بين بُعد الاعتراف الذي هو في جوهره مفهوم يحيل إلى المطالب الثقافية وفي عاقة بمسألة الهويات والحياة الخيرة، أي مجال الإتيقا Ethics of Field وبُعد إعادة التوزيع Redistribution بما هو نموذج يشتغل على أرضية
(((فيلسوف وعالم اجتماع ألماني، يشغل منذ 2011 منصب مدير معهد البحوث الاجتماعية المعروف بمدرسة فرانكفورت. ويُعتبر
من أهم فاسفة المدرسة المعاصرين. اقترح إعادة تغذية النظرية النقدية بمفهوم "النزاع من أجل الاعتراف"، بوصفه بردايمًا جديدًا
لمقاربة المسألة الاجتماعية في مقابل نظرية الفعل التواصلي لهابرماس، بحيث يمثّل النزاع من أجل الاعتراف نظامًا تأويليًّا للفعل
الاجتماعي في كلّيته. لاطاع على المفاهيم الأساسية لاعتراف عند هونيث. ينظر:
Axel Honneth, La lutte pour la reconnaissance , Pierre Rusch (trad.) Collection Folio essais (Paris: Gallimard, 2013).
(((فيلسوف كندي، يُعدّ من أبرز الفاسفة المعاصرين المختصين في الفلسفة السياسية والفلسفة الأخاقية. وهو من منظ ري سياسة
الاعتراف وأهم رواد التيار الجماعاتي. ارتكز جهده الفلسفي على بيان أهمية إعادة الاعتبار للتعددية الثقافية والتنوع اللغوي في مقاربة المجتمعات الغربية الحديثة، ومن ثم التأسيس لممارسة ديمقراطية تكون أكثر انتباهًا إلى المظالم المتعلقة بالاعتراف
بالاختاف الثقافي واللغوي والديني. لاطاع على المفاهيم الأساسية لفلسفة تايلور. ينظر:
Charles Taylor, Multiculturalisme: Différence et démocratie (Paris: Flammarion, 2009).
أخاق الواجب، وفي عاقة بكل ما هو إنساني وكوني جامع، أي هذا التمزق بين مطلب الخير من جهة ومطلب الحق أو العادل Just or Right من جهة أخرى.
أولا: النزاع من أجل العدالة، فضاء أخلاقي لإدماج مطلبَي الاعتراف وإعادة التوزيع
إن مسألة إدماج مطلب الاعتراف ومطالب إعادة التوزيع داخل تصور موسع للعدالة الاجتماعية تطرح جملة من الإشكاليات ذات العاقة بالنظرية الأخاقية:
1. الإشكالية الأولى
تتعلق الإشكالية الأولى بتمفصل الأخاق بالإتيقا أي عاقة العادل أو الحق بالخير، وعاقة العدالة بالحياة الخيرة. والسؤال المركزي بحسب فريزر، يتمثل في: "معرفة إذا ما كان في قدرة نموذج العدالة المرتبط بالأخاق أن يعالج مطالب الاعتراف بالاختاف أو إذا ما كان ضروريًّا على النقيض من ذلك
الرجوع إلى الإتيقا". ومضمون هذه الإشكالية البحث في إمكان تجاوز الحكم المسبق القائل بعدم ماءمة أحد النموذجين للآخر. وتتمثل الاستراتيجية الفلسفية لفريزر في تأويل الاعتراف من دون إحالته إلى المرجعية الإتيقية، وذلك عن طريق جلبه إلى مجال أخاق الواجب؛ ومن ثم، التأسيس لنظرية في العدالة تجعل من مطالب الاعتراف محض استحقاق ضروري للعدالة، من دون التغافل عن إمكان وجود شكل من التقييم الإتيقي لبعض القضايا والمسائل المتعلقة بالاعتراف، مع العمل على توفير الآليات والشروط النظرية القادرة على تجاوز هذا النقص.
2. الإشكالية الثانية
تتعلق الإشكالية الثانية بتمفصل الاعتراف بالهوية، بحيث تحوّل نموذج الاعتراف إلى سياسة
هوية Politics Identity تهدف إلى إعادة الاعتبار للهويات المهمشة وتثمينها وإضفاء القيمة والدلالة والمعنى عليها. وسياسة الاعتراف Politics Recognition تعني التأسيس للنكران وانعدام الاعتراف، باعتباره هوية محتقرة ومهمشة بما يسلط الضوء على البنية الشعورية للأفراد، على حساب المؤسسات وعاقات التفاعل الاجتماعي. وهكذا، يتحدد المنظور الفلسفي لنانسي فريزر من خال مقاربة الاعتراف ضمن "نموذج المكانة" Paradigm Status وذلك بقصد تجاوز حالة
(((لكن قبل البدء في تفصيل أجزاء هذا البحث ومفاصله، من الضروري التأكيد على نقطة منهجية مهمة تتعلق بالمتن الفلسفي
لنانسي فريزر، وهي الطابع "الكلي" لنظرية العدالة؛ إذ تقدم رؤيتها بصفتها محاولةً للتفكير الشامل في المجتمعات الرأسمالية قصد بناء تصور متكامل تتداخل فيه الفلسفة الأخاقية مع النظرية الاجتماعية والنظرية السياسية، وهو ما تسميه "التحليل"، من حيث هو مقاربة نظرية وعملية، فلسفية وبراغماتية، لا تنتهي عند حدود التفكير المجرد، وإنما تستهدف كذلك الممارسات الإمبريقية ذات الارتباط الوثيق بالتغيير الاجتماعي أي المراس أو البراكسيس. وهذه النظرية هي امتداد أو استئناف للمشروع الفلسفي لمدرسة فرانكفورت على غرار أعمال هابرماس وهونيث، وهي تمثل خط الدفاع الفلسفي والنقدي عن التراث الفكري للنظرية النقدية – متعددة الاختصاصات والتي تجمع بين البحوث الاجتماعية الخبرية والتأمل الفلسفي – ضد المنحى التخصصي الذي يطبع دوائر البحث والتفكير داخل الجامعة "البرجوازية" بحسب عبارة نانسي فريزر.
(6) Nancy Fraser, "Recognition without Ethics?" Theory, Culture & Society , vol. 18, no. 2–3 (2001), p. 22.
الانفصام الفلسفي أو الإحراج النظري بين نموذجي إعادة التوزيع والاعتراف، والتأسيس لهما على أرضية معيارية مشتركة تنظر إلى المظالم الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية باعتبارها عقبات دالة على مكانة خضوع Status Subordination يجب عاجها لتحقيق المشاركة المتكافئة لكل الأفراد والجماعات في الحياة الاجتماعية. وههنا سيتحول مفهوم المشاركة المتكافئة إلى قاعدة ومعيار لتقييم كل أشكال المظالم والعوائق التي تمنع بعض الأفراد من تبوّء منزلة الأعضاء الشركاء داخل
ساحة التفاعل الاجتماعي، بصرف النظر عن تصوراتهم المختلفة لماهية الحياة الخيرة. وهذا الأمر سيساعدنا في تجاوز المأزق الفلسفي الذي يجعلنا نراوح بين اختيارين متقابلين: إما القبول بكل مطالب الاعتراف بالهويات، مع الخوف من إمكان الوقوع في خطر إهمال المظالم المرتبطة بالعدالة التوزيعية ووضعها على هامش استحقاق العدالة الشامل، وإما رفض كل مطالب الاعتراف، ومن ثم السقوط في حالة من الغفلة أو التعامي عن إدراك طبيعة هذه المظالم ذات الدلالة الرمزية والثقافية، والتي لها عاقة وثيقة بمشكات العدالة الاجتماعية. وهذه الوضعية تدل على "ظاهرة أوسع هي الانفصام المعمم للسياسة الثقافية عن السياسة الاجتماعية وسياسة الاختاف عن سياسة المساواة
." Politics of Equality
3. الإشكالية الثالثة
تختص الإشكالية الثالثة بمفهوم "المشاركة المتكافئة" باعتبارها معيارًا تمييزيًّا Discriminatory
Norm لتقييم أشكال الظلم المختلفة، وتبرير المشروع من مطالب الاعتراف، وتمييزه من غير المشروع منها. وهو أيضًا نمط معياري Pattern Normative لقياس مستويات تحقق العدالة داخل الفضاء الاجتماعي والبحث في العوائق والعقبات التي تحول دون مشاركة جدية لكل الأفراد. ومبدأ المشاركة
المتكافئة هو قطب الرحى داخل نظرية فريزر للعدالة الاجتماعية، بحيث تتوزعه معانٍودلالات
مختلفة: فهو أولً مفهوم أخاقي لتبرير المطالب وإضفاء الشرعية الأخاقية عليها، أي هو شكل من الخير الكوني ذو طابع إنساني يمكن أن ينطبق على كل الأفراد، بصرف النظر عن التصورات المختلفة للحياة الخيرة. وهو أيضًا مفهوم اجتماعي منغرس ضمن العاقات الممأسسة للقيم الثقافية، بحيث لا ينتمي إلى السجل النفسي أو الهُووي، وإنما إلى السجل الاجتماعي بما هو مؤسسات ونماذج
ممأسسة للقيم الثقافية وعاقات تفاعل اجتماعي. وهو أخيرًا مفهوم سياسي بثقل معياري يحيل إلى
الإجرائيات الموضوعة قيد التجربة الاجتماعية والإمبريقية، بحيث تتجلى أهمية الفضاء العمومي في توفير إطار للتداول والنقاش العام حول تمثل وتأويل الحاجات والمصالح والاستحقاقات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية. وهكذا، فإن التأسيس لاعتراف داخل إطار أخاق الواجب سيحقق هدفين أساسيين: • الهدف الأول يتمثل في التأكيد على أن المطالب المادية المرتبطة بالمساواة الاجتماعية وإعادة التوزيع المنصف للثروات والموارد والحقوق، ما زالت تحتل حيزًا مهما وضروريًا داخل سياق
(7) Ibid, p. 21.
المجتمعات الرأسمالية الحديثة، وهي تشكل الشرط الموضوعي لتحقيق "المشاركة الندية" للأفراد في الحياة الاجتماعية. • الهدف الثاني يتمثل في تجنب الوقوع فيما تسميه فريزر الانفصام الفلسفي Philosophical Schizophrenia بين بُعد الاعتراف الذي هو في جوهره مفهوم يحيل إلى المطالب الثقافية، وفي
عاقة "بمسألة الهويات" والحياة الخيرة، أي مجال الإتيقا، وبُعد إعادة التوزيع بما هو نموذج يشتغل
على أرضية أخاقية واجبية مرتبطة بكل ما هو إنساني وكوني. وهذا ما يطرح مشكل التمييز الجذري بين مطلب الخير من جهة ومطلب العادل من جهة أخرى.
ثانيًا: الأخلاق أم الإتيقا، العادل في مقابل الخير
إن الممارسة الفلسفية الرائجة اليوم داخل النظرية الأخاقية، تقوم على تمييز الإشكالات المرتبطة بالعدالة من الإشكالات ذات العاقة بالحياة الخيرة، بما يستلزم تأويل الأولى باعتبارها مسائل تتعلق بمجال العادل أو الحق وتأويل الثانية ضمن مجال الخير؛ إذ يربط العديد من الفاسفة الأولى بالأخاق الكانطية والثانية بالإتيقا الهيغلية. وهكذا، فالمنظرون الليبراليون وفاسفة الواجب الأخاقي يؤكدون على ضرورة إعطاء الأولوية للحق على الخير، وهم ينظرون إلى معايير العدالة وقيمها باعتبارها قواعد ذات منحى إنساني شامل وكوني، وباستقال عن التزامات الأفراد وقيمهم الخصوصية وتفضياتهم السلوكية لما هو خير. فقيم العدالة كونية إنسانية ومطالب العدالة الاجتماعية متجاوزة للمقتضيات الإتيقية، وهي في مجملها سؤال حول الإنصاف بمعنى البحث عن أفضل الإجراءات والسبل، لتحقيق المساواة الاجتماعية وإصاح كل مظاهر التفاوت المادي والاقتصادي بين الأفراد. وذلك من خال عاج التفاوت غير المشروع من جهة فرص الحياة المتاحة والممكنة، وهذه المعايير والإجراءات ذات طابع كلي منطبق على كل الأفراد بصرف النظر عن تصوراتهم المختلفة للحياة الخيرة. ويمكن أن نمثل لهذا التيار بجون راولز Rawls John (2002–1921) مؤسس نظرية العدالة في صيغتها الأحدث، والذي يعتبر الحق سابقًا على الخير بمعنيين من الضروري التمييز بينهما: • في المعنى الأول: الحق سابق على الخير بمعنى يفيد أن بعض الحقوق الفردية ترجح على الاعتبارات المتصلة بالخير العام. • في المعنى الثاني: الحق سابق على الخير على النحو الذي يفيد أن "مبادئ العدالة التي تُحدد حقوقنا ليست مرهونة في تبريرها بأي تصور محدد للحياة الخيرة". وهذا التصور يهدف إلى التأكيد على أمرين مهمين: • الأول: يتصل بالنظام السياسي والدولة بوصفها إطارًا محايدًا لا دخل لها في تحديد التفضيات
الأخاقية، وإذًا فهي مستقلة عن كل التصورات الفردية المختلفة للحياة الخيرة.
(((مايكل صاندال، الليبيرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.302
• الثاني: يتصل بالتأكيد على أن إقامة الحقوق تتطلب كذلك إطارًا محايدًا ضمن الغايات، وأن إقامة
الحقوق على تصورٍ ما للخير ستكون بمنزلة سلطة تفرض قيم مجموعةٍ من الأفراد على مجموعة أخرى، وما يترتب على ذلك من عدم احترام القدرة الذاتية لكل فرد على اختيار غاياته. وفي مقابل التصورات الليبيرالية يصرّ الجماعاتيون Communitarians وفاسفة الأخاق الغائية على
اعتبار أن كل تصور أخاقي كوني مستقل عن فكرة الخير، هو تصور متهافت فلسفيًّا. وبالنسبة إلى
هؤلاء فإنهم يجعلون من المطالب الجوهرية للخصوصيات الثقافية موضوعًا فوق المطالب المجردة للعقل أو الإنسانية؛ إذ من الواضح إذًا أن دعاة مفهوم الخير يرفضون الشكانية المفقرة لمقاربات إعادة التوزيع، والتي تتأسس على قاعدة تصور لذات مجرّدة وغير مكثفة ومن دون ارتباط بهوية ثقافية أو
عاقات تكوينية، وهو "تخيل لشخص من دون طبع تمامًا، أي دون عمق أخاقي"، يبدو فاقدًا لكل معنى فلسفي واجتماعي. ذلك أن "الأنا" حين تتأول ذاتها، فهي لا تطرح سؤ لً عما تريده فحسب، بل تطرح أيضًا سؤال: من أنا فعا؟ وهي مسألة تؤدي إلى أبعد من الاهتمام الذي أوليه لرغباتي وحدها، لأتأمل في هويتي ذاتها. والهوية هنا هي مجموع الانتماءات والروابط المتشابكة، والتي لها أسبقية وتحكّم في الاختيارات والتفصيات الفردية، وهي ما يشكّل طبيعة الأفراد؛ إذ إن وجود "الطبيعة لدى الشخص هو معرفة كونه يتحرك ضمن تاريخ ليس من صنعه ولا يتحكم فيه، وهو ما لا يخلو من عواقب على خياراته وتصرفاته". وضمن هذا السجال الحاد بين الليبراليين والجماعاتيين، أخذ نموذج الاعتراف أهمية فلسفية وأولوية إبستيمولوجية وثقا معياريًّا داخل الفلسفات الاجتماعية والأخاقية والسياسية. وقد مثلت الفلسفة الهيغلية وأساسها الإتيقي الإطار المرجعي في إعادة تأويل المظالم الاجتماعية، والبحث في توسيع دوائر العدالة. ولذلك؛ فالمقاربات الهيغلية الجديدة لاعتراف كانت تهدف إلى تنمية الاقتدار على توصيف مجموع الظواهر والممارسات والسلوكات الاجتماعية، باعتبارها مظالم كانت مستبعدة بصفتها موضوعات للتفكير الفلسفي والسياسي حول العدالة، وغير مؤولة بصفتها حاجات ضرورية داخل الفضاء السياسي العام. وهكذا، فإن نظرية "الصراع من أجل الاعتراف" عند هونيث تؤكد على وجود ميل نحو الاعتراف المتبادل الذي يمثل الأساس الأنطولوجي للوجود الاجتماعي، والذي يعني أن الآخر لا يُكتشف داخل العالم أو يقع التأسيس له بطريقة "متعالية، ولا يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة يجب إخضاعها للأهداف وللغايات الفردية، وإنما يُبنى داخل ممارسة فلسفية وأخاقية تساعده على التحقق ك 'ذات'، بحيث يتعلم الفرد أن يرى نفسه كعضو خاص وكامل في المجتمع من خال إدراكه تدريجيًا لاحتياجاته وقدراته التي تشكل شخصيته من خال نماذج رد الفعل الإيجابية لشركائه في
التفاعل". وعلى هذا الأساس فإن العاقات الاجتماعية والروابط البينذاتية وبنية التاحم الاجتماعي
(((المرجع نفسه، ص.291 ((1(المرجع نفسه، ص.292
(11) Axel Honneth, "Reconnaissance et justice," Le Passant Ordinaire , no. 38 (Janvier–Février 2002), accessed on 10/3/2023, at: https://bit.ly/3ITCx0g
يجب ألّ تُقاس في ضوء إعادة التوزيع العادل للثروات والموارد والحقوق، بل يجب أن ندمج داخل تصورنا للعدالة وبطريقة جوهرية "كل التصورات حول الطريقة التي من خالها يقوم الأفراد بالاعتراف المتبادل، وحول الهوية التي يقع من خالها هذا الاعتراف المتبادل". ولذلك فكل النقاشات حول التعددية الثقافية أو حول النسوية تستند دائمًا إلى الفكرة المعيارية نفسها، وهي أن الأفراد والمجموعات
الاجتماعية ينتظرون رؤية اختافهم محترمًا ومعترفًا به. ورغم أن هونيث يبني تصوره للحياة الإتيقية على أساس كوني وإنساني مشتق من تجارب الظلم المخصوصة، بعيدًا عن مجرد الإحالة إلى معنى تحقيق الذات، ومن دون الرجوع إلى الاحتفاء بالخصوصيات الثقافية كما يتصورها الجماعاتيون، ومن دون السقوط في المنحى التفقيري للأخاق الكانطية الجديدة والذي تمثله النظرية الإجرائية لهابرماس أو نظرية العدالة لجون رولز، فإن نظريته في الاعتراف ارتسمت وفق ملمحين متازمين: الأول، يتعلق بالثقل النفساني في تأويل الاعتراف باعتباره شرطًا ضروريًّا لتحقيق عاقة إيجابية للذات بذاتها؛ والثاني يختص بافتراض وجود بنية أنثروبولوجية
ذات طابع كوني وأساس معياري متمثلة في انتظارات الأفراد لاعتراف، وهي ذات معنى إتيقي بينذاتي سابق لكل عاقات اجتماعية أو نماذج ممأسسة للقيم الثقافية؛ ذلك أن "ما يوجد من العادل أو الخير داخل مجتمع ما يجب أن يقاس بمدى قدرته على تأمين شروط الاعتراف المتبادل التي تسمح بتشكيل الهوية الشخصية، ومن ثمة على تحقيق ذات الفرد في الاكتمال بشكل مُرضٍ". وفي السياق نفسه، عمد تايلور إلى نقد الليبيرالية السياسية من خال مبدأي الاستقالية والحياة العمومية، واعتبر أن الاندماج الاجتماعي عبر خلق التجانس داخل ليبرالية الحقوق، لا يؤدي إلا إلى الاعتراف المحدود بالهويات الثقافية. وفي مقابل ما يسميه بالليبرالية الكانطية الجديدة العمياء، وغير المبالية بكل أشكال الاختاف، يدافع تايلور عن نموذج يحتفي بالتعددية الثقافية واللغوية؛ ولذلك فهو يعتقد أن معنى الذات هو في ارتباط وثيق بدلالة الخير، ويرى أنه من المستحيل أن نفهم هُويتنا من دون الرجوع إلى الأطر الأخاقية التي تتشكل داخلها. وفي أثناء قيامه بتحليل حفرياتي نقدي للحداثة الفلسفية ولمصادر تشكل "الأنا الغربية"، يكشف وجهين للفردانية الناشئة هما: مبدأ الاستقالية غير الملتزمة بالعالم والآخر، ونموذج الاعتراف بالخصوصية والتقويم المعياري ل "الآخر المختلف"، بحيث يعتبر أن التقليد الفلسفي المرتبط بنموذج الاعتراف هو الأقدر على إثراء نموذج الاستقالية وترجمته إلى مبدأ الأصالة، ومن ثم إعادة الارتباط بين الأنا ومفهوم الخير. وهكذا يشرع تايلور لسياسة الاعتراف، والتي تعني "ضرورة تقاسم معايير يمكن من خالها لهذه الهويات أن تختبر مساواتها، بحيث يجب أن يكون هناك اتفاق أساسي حول القيم التي بانعدامها سيكون مبدأ المساواة ذاته فارغًا ومغشوشًا". وعلى هذا الأساس يمكن أن نوجز جوهر الاعتراف في المعاني والدلالات التالية:
(12) Axel Honneth, "Reconnaissance," in: Monique Canto–Sperber, Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale (Paris: PUF, 1996), p. 1276. (13) Axel Honneth, La société du mépris. Vers une nouvelle théorie critique , Olivier Voirol, Pierre Rusch & Alexandre Dupeyrix (trad.) (Paris: La Découverte, 2006), p. 20. (14) Taylor, p. 47.
• أن نظريات الاعتراف تقيم تصوراتها على معنى الذات المشكلة داخل إطار بينذاتي في مقابل الذات العاقلة، الحرة والمستقلة داخل فلسفة أخاق الواجب. • إذا لم يتحقق المسار البينذاتي للوعي بالذات بفعل غياب العناصر المكونة لاعتراف المتبادل، يصبح الصراع من أجل الاعتراف المحرك الأساسي لتحقيقه، ولا يتم ذلك عبر نظرية للعدالة قائمة الذات مسبقًا، وإنما بواسطة تجارب الظلم باعتبارها تعبيرًا عن عدم تحقق الانتظارات الفردية والجماعية
لاعتراف. • هذا الاعتراف هو الواسطة في تحقيق الذاتية؛ ما يعني عاقة إيجابية للذات بذاتها من جهة، وهو واسطة لاندماج الاجتماعي وبناء اللحمة الاجتماعية من جهة أخرى. إن هذا الاحتفاء بالاعتراف نموذجًا تعبيريًا عن المظالم الاجتماعية، ومعيارًا إتيقيًّا لقياس تجارب الظلم
الاجتماعي، وشرطًا ضروريًّا لمعالجتها، دفع نانسي فريزر إلى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء صعود لغة المطالب المرتبطة بالاعتراف في مقابل أفول واضمحال المطالب المرتبطة بإعادة التوزيع المساواتي وفقدانها لكل أولوية داخل ساحة الاحتجاج السياسي ضد السلوك الهيمني للرأسمالية. ولذلك فهي تنطلق في صياغتها لنظرية العدالة من ماحظة ثاثة مظاهر مربكة تساوقت مع تصاعد وتيرة القبول بنموذج الاعتراف ومثلت إشكاليات مهمة وهي: • إشكالية الانزياح: وتتمثل في هذا الانزياح من إعادة التوزيع نحو الاعتراف نتيجةً لتسارع نسق العولمة الاقتصادية في الوقت ذاته الذي وسعت فيه الرأسمالية المتوحشة الفوارق الاقتصادية بما أدى إلى تهميش المطالب المرتبطة بالعدالة التوزيعية. • إشكالية التشيؤ: وهو المشكل المرتبط بآثار التواصل العابر للثقافات بفعل تصاعد نسق الهجرة وتطور وسائل الاتصال، والذي أدى إلى تهجين الهويات الثقافية وتحطيم الأشكال الخصوصية للتمثل والتأويل، فدفع بمجموعات مهمة إلى محاولة الاحتماء بالهويات الخصوصية والبحث عن النقاء الثقافي والتجذر التاريخي المانع لكل تواصل داخل نظام ثقافي تعددي. • إشكالية تشوّه المنظور: وهي المظهر الذي له عاقة بتقلص دور الإطار السياسي للدولة/ الأمة
المصاحب لصعود سياسات هوية منغلقة، وهو تقلص يصب في توزع عناصر السيادة داخل دوائر نفوذ وسلطة محلية وإقليمية وعالمية. وهكذا في مقابل هذا التصور الإتيقي، تقترح فريزر تصورًا أخاقيًّا واجبيًّا يُنزل قضية الاعتراف ضمن
السؤال الجوهري التالي: كيف يكون من غير العادل وجود بعض الأفراد أو المجموعات في حالة عجز وقصور بسبب منعهم من تبوّء مكانة الشريك المتساوي داخل الحياة الاجتماعية، بفعل وجود نماذج
ممأسسة للقيم الثقافية تمنعهم من المشاركة المتكافئة وتحط من الخصال التي تميزهم من غيرهم؟ ومن هنا، فالنكران أو انعدام الاعتراف ليس سلوكًا أخاقيًّا خاطئًا، لأنه يحطم الصورة السوية التي يحملها
الفرد حول ذاته ويجعلها مُشوشة؛ ما يمنعه من تحقيق حياة خيرة ومكتملة، وإنما هو خاطئ لأنه يؤسس
لمنزلة الخضوع؛ وهكذا يمثل خرقًا لدلالات العدالة ذاتها. وفي هذا المعنى، ستساعدنا إعادة تأويل الاعتراف داخل المنظور الأخاقي الواجبي على تجاوز نقائص النظريات المقابلة، وستقدم جملة من الإيجابيات المهمة في الاشتغال بنظرية الاعتراف داخل إطار مفهوم موسع للعدالة: فهو أولً، سيسمح بالقدرة على تبرير مزاعم الاعتراف ويضفي عليها قدرًا من المقبولية الأخاقية داخل سياق تعددي للقيم والتصورات الأخاقية، لا يسمح بالانحياز إلى تصور مخصوص للخير ويمكن أن يكون "كوني القسمة"، ولذلك فكل "محاولة لتبرير مزاعم الاعتراف تدعي وجود تصور ما للخير أو الرغبة في تحقيق الذات، هي لا محالة دعوى طائفية". ولذلك فهي تقترح نظرية لاعتراف تقوم على أرضية أخاقية واجبية وليست طائفية، وتتبنى وجهة نظر حداثية يرجع فيها الاختيار إلى الأفراد في تحديد الحياة الخيرة، وفي تقرير الوسائل المتاحة والتفضيات الممكنة لتحقيق هذه الحياة الخيرة في حدود ضمان حرية الآخرين، بحيث لا يمكن، في الحصيلة "إدانة انعدام الاعتراف أخاقيًّا إلا إذا كان
يشكل عائقًا أو مانعًا أمام بعض الأفراد من أن يكونوا في منزلة الشريك في إنتاج الرموز والمشاركة في الحياة الاجتماعية على قدم المساواة مع الآخرين". وهو ثانيًا، سينظُر إلى انعدام الاعتراف "باعتباره شكا من الظلم التابع للمكانة والمتموضع ضمن
شبكة العاقات الاجتماعية وليس على قاعدة البنية النفسانية للأفراد". وهذا يعني تأويل النكران بصفته مكانة خضوع، وعدم حمله على معنى مشاعر الكراهية والاعتقادات السلبية والتمثات المُحقِرة. ومكانة الخضوع هي وضعية تمنع الفرد من المشاركة المتكافئة والندية في الحياة الاجتماعية، وذلك نتيجة وجود نماذج ممأسسة للقيم الثقافية تجعل من بعض الأشخاص في حكم الكائنات التي لا تستحق الاحترام والتقدير الاجتماعيين. فصياغة مظالم التمثل والتأويل والتواصل ضمن النماذج الممأسسة للقيم الثقافية، تمنعنا من السقوط في فخ المنحى النفساني الذي يتمثلها ضمن تشوّه البنية الشعورية للأفراد الخاضعين، والذي قد يدفعنا إلى تحميل المسؤولية للضحية ذاته عبر تقريعه، بمعنى أن نضيف الشتم والإهانة إلى الإساءة والاعتداء. ومن جهة أخرى يمكن أن ينظر إلى انعدام الاعتراف الصادر عن بعض الأفراد رديفًا للحكم المُسبق داخل ضمير "الجاني"، بحيث سيبدو الحل كأنه شكل من الرقابة على النيات، يؤدي إلى "عسكرة" الاعتقادات؛ وهي فيما يظهر مقاربة سلطوية واستبدادية. وهكذا، وفي مقابل ذلك، إن تأويل الاعتراف على قاعدة أخاقية وتصور شامل للعدالة سيجعل من النكران أو انعدام الاعتراف "مسألة مرتبطة بتمظهرات ذات طابع عمومي يمكن التحقق منها للعقبات المفروضة على بعض الأفراد من جهة مكانتهم بصفتهم أعضاء شركاء في المجتمع؛ وهذه العقبات غير قابلة أخاقيًا للدفاع عنها سواء حطمت الذات أم لا".
(15) Nancy Fraser, Qu’est–ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution , Estelle Feraresse (trad.) (Paris: La Découverte, 2005), p. 49. (16) Ibid., p. 50. (17) Ibid. (18) Ibid., p. 51.
وهو ثالثًا سيطرح مسألة الاعتراف ضمن نظرية موسعة للعدالة، يمنعنا من افتراض وجود حق متساو لكل الأفراد في التقدير الاجتماعي؛ إذ في مقابل ذلك تقترح فريزر فكرة أن لكل "فرد الحق في البحث عن التقدير الاجتماعي ضمن شروط منصفة لتكافؤ الفرص"، وهذه الشروط لا تتوافر إذا كانت النماذج الممأسسة للتمثل والتأويل تشكل عوائق أمام النساء والملونين والمثليين وغيرهم، للحصول على التقدير الاجتماعي المائم. لكن هل يمكن التخلي تمامًا عن كل التصورات حول الخير أو الحياة الخيرة، تحت اسم العجز عن التوصيف والقياس لمطالب الاعتراف ذات العاقة بتحقيق الذات؟ وهل تهدد الإتيقا بالرجوع أمام كل انحباس في إمكان معالجة الاختافات حول مسائل مرتبطة بالتصورات المتعددة للحياة الخيرة؟ ليس من شك في أنه من غير الممكن أن نصرف النظر عن بعض الاعتبارات الإتيقية المتعلقة بالخير، وبالصورة التي يحملها الأفراد حول ذواتهم وهوياتهم وكل التفضيات الشخصية لما هو عادل أو غير عادل؛ لأن المعايير والبنى الاجتماعية يمكن أن تحمل أحكامًا مسبقة حول الأشخاص وحول إمكان مشاركتهم المتكافئة في الحياة الاجتماعية. وههُنا يعتبر هارفي بورتروا أن "رفض معاملة هذا النمط من الأحكام المسبقة باسم الأولوية الليبرالية للعادل على الخير [...] هو تبنٍّ لوجهة نظر شديدة الاختزال لهذا المبدأ". ولذلك فإن فريزر تؤكد على أن السؤال الإتيقي يظل دائمًا حاضرًا، ويهدد بالرجوع
أمام الاختافات المرتبطة بالهوية ومسألة الاعتراف بالهويات الثقافية.
ثالثًا: النظرية الموسعة للعدالة: المكانة أم الهوية
إن دعاوى الانتماء إلى هوية جماعية أصيلة، وذات خصوصية والاحتفاء بها، يمكن أن تؤدي إلى ممارسة أشكال من العنف أو الضغط الأخاقي على الأفراد، من خال الدعوة إلى المطابقة التامة مع هوية الجماعة الدينية والثقافية. وقد يؤدي أيضًا إلى تكريس هوية جماعية متجانسة وموحدة وتبسيطية، تنفي عن الأفراد كل قدرة على اختيار هوياتهم بطريقة إرادية وحرة داخل سياق يتميز بتعددية الانتماءات والحركية المتسارعة في الانتقال من هوية إلى أخرى. وهذا النموذج الهُووي مشتق من الأشكال الفلسفية للجماعاتية، وذلك عبر تفضيل المطابقة والاتسامح وتثبيت البنى الأبوية، بحيث يُنظر إلى انعدام الاعتراف داخل النموذج الهُووي باعتباره شكا من احتقار الثقافة المهيمنة للهويات المختلفة، ونتيجتها المتمثلة في انعدام الإحساس بالمعنى وغياب اليقين لدى أعضاء هذه الهوية الثقافية المهمشة. هنا تعتقد فريزر أن ارتباط سياسة الاعتراف بسياسة الهوية يحرفها عن الهدف الأساسي المتمثل في عاج أشكال المظالم المرتبطة بالثقافة والتقدير الاجتماعي، ويحولها إلى نموذج يكرس الاختزالية والطائفية ويُغفل التدفق العابر للثقافات ويشيّئ الثقافة، بل قد يؤدي كذلك إلى دعم دعاوى التقسيم
(19) Ibid., p. 50. (20) Hervé Pourtois, "La reconnaissance: Une question de justice? Une critique de l’approche de Nancy Fraser," Politique et Sociétés , vol. 28, no. 3 (2009), pp. 161–190.
والتجزئة والانكفاء على الهوية وبَلْقَنة المجتمعات الحديثة، والتغطية على الصراع داخل الهويات الجماعية من أجل الهيمنة والتحكم؛ وهكذا وفي مقابل النموذج الهُووي تطرح فريزر نموذج المكانة نمطًا مثاليًّا بديا لاعتراف، باعتباره سؤ لً حول المكانة الاجتماعية؛ وهو نموذج "لا يستلزم الاعتراف
بالهوية الخاصة بمجموعة ما، وإنما الاعتراف بمكانة أعضاء الجماعة باعتبارهم شركاء على قدم المساواة داخل التفاعل الاجتماعي"، بحيث يعني الاعتراف العمل على تذليل كل العقبات والعوائق الممكنة أمام هذه المشاركة المتكافئة، أي تحوير هذه المعايير والنماذج والقوانين والسياسات العامة واستبدالها بأخرى أكثر إجرائية ونجاعة، وأقدر على تحقيق المساواة في المشاركة الندية لكل الفاعلين الاجتماعيين. لكن هل تستدعي العدالة أن نعترف بالخصائص المميزة للأفراد والجماعات على حساب الاعتراف بالمبادئ الكونية لإنسانية؟ وهل يمكن أن يكون الاعتراف بما يميز بعض الأفراد أو المجموعات ضروريًا لتحقيق المشاركة المتكافئة، ومن ثم التأسيس للعدالة الاجتماعية؟
وكيف يمكن التمييز بين الاهتمام بالهويات قيمةً أصلية في ذاتها والاعتراف بالهويات الخصوصية شكا عاجيًّا لبعض المظالم الاجتماعية؟ من المعلوم أن سياسة الهوية ارتبطت داخل الفلسفة السياسية بالتيار الجماعاتي، وهو التيار الذي يعارض التصورات الليبيرالية ل "الأنا" التي يعتبرها ذات وجود مجرد وغير ملتزمة؛ بمعنى أن الفرد كائن عقاني حر وله استقالية في اختيار المشروع الحياتي الذي يريده. وفي مقابل ذلك يعتقد كل من تايلور وميكائيل صاندال Sandal Michael أن الأفراد ليسوا أحرارًا في تجنب كل أشكال الاعتقاد أو المشاركة داخل الجماعة الأخاقية أو السياسية التي ينتمون إليها، وأن هذه الحرية المفترضة هي محض وهم لا صلة لها بحقيقة الأمور. ويتميز تايلور بدفاعه الشرس عن سياسة التعددية الثقافية بمعنى ضرورة الاعتراف بالاختاف. وسياسة الاعتراف هي إذًا سياسة لاختاف، تتأسس على المراوحة بين مبدأ الأصالة ومبدأ الكرامة الإنسانية، بحيث لا إمكان لاختاف إلا عبر طرح مشكل العدالة داخل مجال الاعتراف بالحقوق الثقافية للجماعات؛ إذ إن "الحياد كمبدإ لا يبدو أبدًا أكثر واقعية [...] ومن الصعب جدًّا تصور دولة ديمقراطية تكون حقيقة فاقدة لكل بعد هووي". وفي مقابل النموذج الهُووي تطرح فريزر نموذج المكانة؛ إذ إن انعدام الاعتراف ضمن هذا المنظور "ليس تشوهًا نفسيًا، وليس جرمًا ثقافيًا مخصوصًا، وإنما هو عاقة مؤسساتية للخضوع". ولذلك،
فمعالجة انعدام الاعتراف تتطلب تغيير القيم والمعايير والنماذج الممأسسة التي تمثّل عوائق أمام المشاركة الندية لكل الأفراد، بحيث يمكن ماحظة وجود هذه النماذج داخل إجراءات الدعم الاجتماعي للأمهات العازبات، تلك النماذج التي تؤدي إلى تثبيت صورة نمطية لهن باعتبارهن كائنات طفيلية غير مسؤولة اجتماعيًا؛ ويتمثل الحل الذي تقترحه نانسي فريزر في تجاوز إجراءات الدعم
الاجتماعي نحو نظام للتأجير يمنع كل إمكانية لتمثلهن عبئًا اجتماعيًّا. ولذلك فأشكال العاج يجب
(21) Fraser, "Recognition without Ethics?" p. 24. (22) Charles Taylor, Rapprocher les sollicitudes (Québec: Les presses de L’université laval, 1992), pp. 135–151. (23) Fraser, Qu’est–ce que la justice sociale ? p. 79.
أن تستهدف الإجراءات المؤسساتية لعدم الاعتراف، سواء بتغيير القوانين إذا كانت السبب في تكريس الأحكام المسبقة المنتجة لاحتقار والنكران، أو بتحوير في السياسات العامة إذا كانت تختزن أشك لً من التهميش والإذلال. وفي كل الحالات، فإن الهدف واحد وهو إصاح عدم الاعتراف، والذي يعني "تقويض النماذج الممأسسة للقيم الثقافية، والتي تشكل عوائق أمام المشاركة المتكافئة وتعويضها بأخرى تشجع عليها وتدعمها". إن الاختاف الجوهري بين نموذج الهوية ونموذج المكانة يتمثل في الطابع التركيبي لمفهوم العدالة، باعتبار أن نموذج المكانة ينظر إلى العدالة بصفتها ثنائيةً تجمع بين بُعد النماذج الممأسسة للقيم
الثقافية والبعد التوزيعي الذي يمس الموارد والمداخيل والحقوق. وهو إذًا نموذج يؤول انعدام الاعتراف داخل سياق فهم أوسع للمجتمع الحديث؛ وبصفة إجمالية فهو يضع مشكل الاعتراف داخل إطار اجتماعي أوسع، وضمن هذا المنظور تبدو المجتمعات "بمنزلة مجالات معقدة ومركبة لا تشمل فحسب الأشكال الثقافية، ولكن كذلك الأشكال الاقتصادية التي تنظم النسق الاجتماعي"؛ وهكذا يبدو نموذج المكانة قادرًا على أن يؤسس لمقاربة تعددية واسعة للسياسة والمجتمع، تؤكد على تجاوز
مفهوم الاعتراف باعتباره إعادة اعتبار وتثمين للهويات الجماعية، يؤدي إلى تشييء الهويات ويكرّس
تصورًا جوهرانيًّا للثقافة؛ وهو الأقدر على تجاوز الآثار المترتبة على النماذج الممأسسة للقيم الثقافية
التي تمنع من بناء مفهوم للعدالة على مسألة الوعي الفردي وتؤسسها على مستوى التغيير الاجتماعي، وربط مسألة المساواة في القيمة الإنسانية بالمشاركة المتكافئة بما يؤدي إلى تقدير سياق التفاعل الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، ويدعم التوافق والتفاهم في مقابل دعوات التقسيم ونوازع التشرنق الثقافي؛ وهو أخيرًا الأقدر على تأكيد الطابع التعددي لنظرية العدالة، باعتبارها الحصن الأخير ضد
التوجهات التي تستهدف إفقار الصراع من أجل إعادة التوزيع من كل قيمة أو جدوى. إذًا، ليس من شك في أن تحويل المشاركة المتكافئة إلى نمط معياري بثقل سياسي سيمكّن نموذج المكانة من إخضاع نيات الاعتراف لإجراءات المداولة الديمقراطية داخل الفضاءات العمومية المختلفة؛ وهذا يعني أن هذه المقاربة تدعو إلى أشكلة سؤال العدالة، ومن ثم الانفتاح على المعنى الكوني والإنساني لمبدأ المشاركة المتكافئة. لكن كيف يمكن أن نفهم هذا الطابع الأخاقي الواجبي؟ وما آليات التمييز بين الاعتراف بالخصوصيات المميزة للأفراد والمجموعات والاعتراف بالمبادئ الكونية لإنسانية؟ وهل يمكن أن يعالج نموذج المكانة هذه المسألة، ضمن نظرية أخاق الواجب، من دون الإحالة إلى مجال الإتيقا ومن دون السقوط في الانفصام المعياري الفلسفي؟ الحقيقة أن ما تستهدفه فريزر، من خال التأسيس للعدالة أخاقيًا عبر مبدأ المشاركة المتكافئة، هي
سياسة لاعتراف تُميز المظالم ذات الارتباط بالمعنى الإنساني وأشكال العاج ذات الطابع الكوني الخاصة بها (مثال: اقتراح المواطنة الكونية الاعنصرية لعاج التمييز العنصري في جنوب أفريقيا) من المظالم ذات المنحى الخصوصي الهُووي وأشكال العاج ذات الطابع الطائفي والفئوي المرتبطة بها
(24) Ibid. (25) Ibid., p. 83.
(مثال: التأكيد على خصوصية المرأة وقدرتها المميزة على إنتاج الحياة وبعثها لعاج منزلة الخضوع، التي تميز الوضعية الدونية للنساء على أساس الجنوسة). ومن ثم، تعتبر أن هذه المقاربة المقترحة هي مقاربة براغماتية، سياسية وسياقية، تؤكد على تنوع العاجات بحسب طبيعة المظالم، سواء كانت ذات طابع كوني إنساني أو ذات طابع هوياتي خصوصي. وهو ما يوفر لها القدرة على إضفاء التبرير الأخاقي الممكن لاعتراف بالخصوصيات، وسيلةً ضروريةً لتذليل العقبات وإزاحة العوائق التي تمنع من المشاركة على قدم المساواة في الحياة الاجتماعية. وهنا يمكن صياغة سؤال المشروعية أو التبرير كالتالي: أيتمثل الجوهري هنا في معرفة إذا ما كان المعيار الواجبي كاف، أم أن التقدير الإتيقي في التبرير لاختاف وتثمين الهويات مطلوب في هذا السياق؟ وتتمثل إجابة فريرز في اعتبار أن حاجات الاعتراف للمجموعات الخاضعة تختلف جذريًا عن حاجات المجموعات الثقافية المهيمنة؛ وبناء عليه، فإن المطالب التي تستهدف تحقيق المشاركة المتكافئة هي التي يمكن المراهنة عليها أخاقيًا، بحيث تتجلى أهميتها: أولً، في اعتبارها قاعدة لإدماج
الاعتراف وإعادة التوزيع داخل مجال الأخاق الواجبية والنظر إلى المظالم المرتبطة بك النموذجين، باعتبارها عقبات أمام مكانة الشريك المساوي في النسيج الاجتماعي. وثانيًا، في النظر إليها بصفتها
معيارًا تمييزيًّا يسمح بالتبرير وإعطاء المشروعية الأخاقية لمطالب الاعتراف ومطالب إعادة التوزيع والأشكال العاجية المائمة للمظالم المخصوصة، بحيث ستجري "معالجة مزاعم الاعتراف بالاختاف بطريقة سياسية وبراغماتية باعتبارها عاجات مخصوصة لمظالم محسوسة".
رابعًا: المشاركة المتكافئة: الثقل المعياري للسياسة
الحقيقة أن النظرية الأخاقية عند فريزر تمثلت في تقديم تحليل بديل لاعتراف، ينزله ضمن سؤال المكانة الاجتماعية. وهذا "النموذج المكانتي" لا يستلزم الاعتراف بالهوية الخاصة بجماعة ما فحسب، وإنما الاعتراف بالمكانة أي منزلة الأفراد أعضاء هذه الجماعة داخل الحياة الاجتماعية باعتبارهم شركاء على قدم المساواة مع غيرهم في إنتاج الرموز والقيم الثقافية. وسيكون انعدام الاعتراف أو النُكران Recognition of Denial دليا على مكانة الخضوع بما هي انعدام للقدرات التي تسمح بالمشاركة المتكافئة داخل النسيج الاجتماعي. ولذلك، فالنموذج المكانتي لا يستتبع الاعتراف بالهوية المخصوصة لجماعة ما فحسب، وإنما بمكانة أفراد الجماعة باعتبارهم شركاء على قدم المساواة داخل التفاعل الاجتماعي. وهكذا، فإن الجوهري والمهم داخل النظرية الأخاقية هو "تطوير تصور عام للعدالة قادر على التشبيك بين المطالب المشروعة للمساواة الاجتماعية والمطالب المشروعة لاعتراف"، وذلك لن يتحقق، كما تقول فريزر، إلا عبر "إدماج الاعتراف وإعادة التوزيع داخل إطار نظري نقدي"، بوصف ذلك مقاربة منتجة وناجعة لمشكاتنا المعاصرة. وفي هذا الإطار من النظرية الأخاقية، سنبحث في معيار "المشاركة المتكافئة" في عاقة بالمسائل التالية:
(26) Fraser, "Recongnition without Ethics?" p. 28. (27) Ibid., p. 24.
• أولً، في عاقة بمسألة التسويغ وإجابةً عن سؤال: كيف يمكن التمييز بين المطالب المشروعة والمبررة لاعتراف والمطالب غير المشروعة والامبررة لاعتراف؟ • ثانيًا، في عاقة بمسألة الإطار الموسع للعدالة بحيث يمثل مبدأ المشاركة المتكافئة حجر الزاوية
أو "المحور المعياري"لهذا الإطار النظري الجديد الذي يدمج داخله كا من نموذجي الاعتراف وإعادة التوزيع، بحيث سيبدو ذلك جوابًا عن السؤال المركزي التالي: أيمثل نموذج الاعتراف ونموذج
إعادة التوزيع نظامين معياريين متمايزين، أم هما قابان لاندماج داخل إطار نظرية موسعة للعدالة؟ • ثالثًا، واستتباعًا لذلك، سيتعلق الأمر بالبحث في خصائص هذه المشاركة ومعانيها باعتبارها "النواة
المعيارية" Core Normative لهذا الإطار النظري في مرحلة أولى، والتأكيد على الطابع الاجتماعي للحياة الاجتماعية في مرحلة ثانية. وذلك يعني أن مفهوم المشاركة المتكافئة يحيل إلى الممارسة أو النشاط السياسي أي التداول الاجتماعي والسياسي لاستحقاقات المرتبطة بالعدالة، بحيث ارتبط صعود هذا المبدأ عند فريزر بتحليلها للفضاء العمومي الديمقراطي منذ البواكير الأولى لنظريتها السياسية. واقترن في دلالته بالقدرة على تأويلٍ وتمثيلٍ للحاجات والمصالح والمظالم التي ظل النمط البرجوازي للفضاء العمومي الديمقراطي عاجزًا عن إدراكها والتعبير عنها، وخاصة بالنسبة إلى النساء والملونين والمثليين. إذًا، يأخذ معيار المشاركة المتكافئة عند فريزر دلالة تركيبية جامعة؛ بحيث يخترق كل مجالات النشاط والممارسة الاجتماعية والسياسية الرسمية وغير الرسمية، وينطبق على ميادين التضامن الاجتماعي ابتداءً من العائلة، ومرورًا بدوائر العمل والسوق ومنظمات المجتمع المدني، وانتهاء بالمؤسسات
الرسمية وحتى الجمعيات والمنظمات المختلفة. وتعتبر فريزر أن هذا المعيار يتسم ببعده الكوني من خال معنيين: • المعنى الأول: يجمع كل الشركاء الراشدين داخل الحياة الاجتماعية. • المعنى الثاني: يفترض القيمة الأخاقية المتساوية لكل الناس. لكن هذه القيمة الكونية تترك الباب مفتوحًا أمام افتراض وجود مظالم تستدعي إمكان الرجوع إلى
تثمين الهوية الخصوصية، لعاج المظالم المسلطة على الأفراد المنتمين إلى هذه الهوية. وقد أكدت فريزر على أن الاحتفاء بالمرأة، من جهة القدرة على الإنجاب وامتياز بعث الحياة، أمر ممكن لعاج أشكال التمييز والاحتقار الذي تتعرض له. وهذا الأمر يمكن أن يهدد نظرية العدالة بالانزياح نحو الإتيقا، بما يستدعي ضرورة البحث في مسألة التبرير الأخاقي للمطالب المرتبطة بالاعتراف، المبررة، ومطالب الاعتراف غير المبررة؛ ومن ثم التأسيس لمقاربة سياسية وبراغماتية لمعرفة "من هم الأفراد الذين هم في حاجة إلى الاعتراف وأي نوع من الاعتراف، وضمن أي سياقات". وهذه الأمور مرتبطة بمعرفة "طبيعة العقبات التي يواجهونها فيما يتعلق بإمكان المشاركة المتكافئة". تعتقد فريزر أن معيار
(28) Fraser, Qu’est–ce que la justice social ? p. 53.
المشاركة المتكافئة يمكن أن يكون أداة للتقدير والتقويم الأخاقي سواء تعلق الأمر بإعادة التوزيع أو بالاعتراف، بحيث يجب أن يتركز الاهتمام في الإجراءات الاقتصادية أو النماذج الممأسسة للقيم الثقافية، والتي تعمل على منع بعض الأفراد أو الفئات من المشاركة على قدم المساواة مع الآخرين في التفاعل الاجتماعي. ولذلك، حينما نسلط الضوء على القدرات الممكنة لإقامة مشاركة متساوية، فإن نموذج المكانة سيجرم مأسسة القيم العنصرية، حتى لو كانت هذه القيم تقدم إيجابيات نفسية بالنسبة إلى الذين يبدون هذا السلوك. وللمحاجة على فكرتها، تأخذ فريزر مثال منع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب في المدارس الفرنسية، وهو مثال يحيل إلى نمط العاقة داخل المجتمعات الديمقراطية بالأقليات الثقافية. وضمن هذا الإطار، تطرح فريزر سؤ لً مركزيًا: هل لمعيار المشاركة المتكافئة دور في تبرير المطالب المرتبطة بالاعتراف في هذه الحالة من دون العودة إلى التقدير الإتيقي؟ وبالفعل، تقترح إطارين لمقاربة الموضوع: • الأول: يختص بما بين المجموعات، ويسمح معيار المشاركة بتقييم الآثار المترتبة على النماذج الممأسسة للقيم الثقافية على المكانة الخاصة بالأقليات في عاقة بالأغلبية السياسية والثقافية. • الثاني: يتعلق بما هو داخل المجموعة، ويتحدد دور معيار المشاركة هنا من خال تقييم الآثار الداخلية للممارسات الجماعية في الأفراد من جهة قدرتهم على الاختيارات الفردية الحرة والمستقلة. وهكذا، يسعى نموذج المكانة لتحقيق المطلبين في آن واحد: بمعنى بيان أن المعايير الثقافية للأغلبية تمنع المشاركة المتكافئة للأقليات من جهة أولى، وبيان أن الممارسات التي تتطلب الاعتراف لا تمنع بعض الأفراد داخل جماعة ما من إمكان المشاركة على قدم المساواة داخل الحياة الاجتماعية من جهة ثانية. ولذلك هي تعتبر أن منع ارتداء الحجاب داخل المدارس الفرنسية الحكومية هو إجراء ظالم، يُعبر عن سلوك غير شرعي تجاه أقلية دينية؛ وذلك لسببين: يتمثل السبب الأول في اعتبار منع الحجاب ممارسة تعكس سلوكًا أغلبيًا لا مشروعًا، من جهة كونه لا يسمح للتلميذات المسلمات بحق الدراسة؛
وفي الحصيلة منعهن من المشاركة الندية في الحياة الاجتماعية. أما السبب الثاني فيتمثل في اعتبار أن سياسة بديلة تُعطي حق ارتداء الحجاب، لا تفاقم وضعية الخضوع للنساء المسلمات داخل المجموعة المسلمة أو داخل المجتمع ككل، لأنها تعتبر أن جزءًا كبيرًا من الجاليات المسلمة غير متماهية مع
ارتداء الحجاب. وهنا، ترى فريزر أن الواجب يفرض على الدولة أن تعالج هذه المسألة بوصفها تعبيرًا
عن هوية إسامية في طور التحول وإعادة التشكل من جهة، وبوصفها ترجمة عملية لما تشهده الهوية الثقافية للدولة الفرنسية ذاتها من تحولات بفعل التشابك ال "ما بين ثقافي" Intercultural داخل مجتمع أضحى يتسم بتعددية الهويات الثقافية من جهة أخرى. وهكذا، "سيسمح معيار المشاركة المتكافئة بتقويم مثل هذا الاعتراف واجبيًا، من دون العودة إلى التقدير الإتيقي للممارسات الثقافية أو الدينية
موضوع السؤال".
(29) Fraser, Qu’est–ce que la justice social ? p. 52.
إذًا، ليس المهم بالنسبة إلى فريزر أن نطرح إعادة التوزيع من دون الاعتراف، أو أن نطرح الاعتراف من دون إعادة التوزيع، وإنما الضروري أن نؤسس لنظرية في العدالة قادرة على إدماج النموذجين من دون اختزال أحدهما في الآخر، بحيث سيكون لهذه النظرية استتباعات عملية وسياسية مهمة، من جهة اقتراح الحلول المائمة لمشكات التفاوت والامساواة ببعديها الاقتصادي/ المادي والثقافي/ الرمزي. والسؤال الذي يُطرح في هذا الإطار هو: أتُعتبر إعادة التوزيع والاعتراف نموذجين متمايزين داخل نظرية العدالة أم في الإمكان اختزال أحدهما في الآخر؟ هنا تنطلق فريزر من قناعة مفادها أن كل نظريات إعادة التوزيع لا يمكن أن تُستوعب داخلها مطالب الاعتراف؛ وذلك بسبب أن أشكال التفاوت والتمييز القانوني أو الثقافي وعدم الاعتراف ليست كلها نتاجًا للتوزيع الظالم للخيرات المادية، وتستدل على ذلك بمثال الموظف السامي صاحب البشرة السوداء الذي يعجز عن الحصول على سيارة أجرة تقله إلى منزله من شارع "وول ستريت" بسبب التمييز العرقي. ولهذا السبب، فنظرية العدالة يجب أن تذهب إلى أبعد من مجرد التوزيع أو التقسيم العادل للثروات والموارد والحقوق، لتبحث في النماذج الممأسسة للقيم الثقافية، وتنظر فيما إذا كانت هذه النماذج تُعيق المشاركة المتكافئة أم لا. وفي السياق نفسه، تعتقد عدم قدرة نظريات الاعتراف على الاستيعاب والاحتواء للمطالب التوزيعية؛ وذلك لأن أغلب هذه النظريات تتأسس على تصور ثقافوي اختزالي لمسألة العدالة التوزيعية، تتمثل في افتراض أن التفاوت الاقتصادي هو نتاج للنسق الثقافي الذي يحتفي بأصناف من العمل دون أخرى، وإذًا، فكل تحوير قد يشمل النسق الثقافي كفيلٌ حتمًا بتغيير مبادئ التوزيع العادل للثروات. وحجتها في هذا السياق هي مثال الرجل الأبيض الذي يفقد عمله لأسباب مرتبطة بمنطق السوق الرأسمالي، أي مجموع الآليات المتحكمة في نظام العاقات الاقتصادية والمرتبطة بهدف مُراكمة الأرباح؛ وهي آليات تعمل في استقال تام عن كل العوامل الثقافية المتخارجة عنها. ولذلك فنظرية العدالة يجب أن تذهب إلى أبعد من مجرد الاعتراف، للبحث في حقيقة الرأسمالية ذاتها ومنطقها الداخلي الذي تشتغل آلياته بكل استقالية عن البنى الثقافية للهيبة أو المكانة. من الواضح أن معيار المشاركة المتكافئة هو "النواة المعيارية" لنظرية العدالة، وتتمثل العدالة هنا في مجموع الإجراءات التي تمكّن الأفراد الراشدين من المشاركة أندادًا في الحياة الاجتماعية؛ فهذه الإجراءات متفرعة، ولكنها تصب في نموذجين يمثان شرطين أساسيين لذلك، هما: • الشرط الموضوعي: يتمثل في التوزيع العادل للثروات والموارد والحقوق، بما يدعم الاستقالية المادية للأفراد ويمكنهم من منزلة الشريك داخل النسيج الاجتماعي. • الشرط البينذاتي: يتمثل في وجود نماذج مُمأسسة Models Institutionalized للقيم الثقافية، تدعم
الاحترام Respect لكل الأفراد وبصورة متساوية؛ ما يعني إمكان الحصول على التقدير الاجتماعي، ويُحطم كل الصور النمطية السلبية حول الأفراد أو المجموعات. وتضيف فريزر إلى هذين الشرطين
شرطًا ثالثًا: هو البعد السياسي، ويتمثل في توافر الإجراءات والقوانين والسياسات التي تمكن الأفراد
من التمثيل السياسي Representation Political العادل وتمنحهم القدرة على المشاركة في صنع القرارات السياسية. ليس هناك من شك في أن هذه النظرية الموسعة للعدالة يمكن أن تذهب بعيدًا في معالجة إشكاليات الاعتراف والتوزيع والتمثيل السياسي، وتأويل هذه الأبعاد الثاثة باعتبارها نماذج متمايزة، ولكنها تأتلف فلسفيًّا وسياسيًّا ضمن إشكالية العدالة، وذلك باختبارها من خال معيار المشاركة المتكافئة الأخاقي
الواجبي. غير أن هذا المعيار لا يمثّل فقط وسيلة للتبرير الأخاقي Justification Moral وإنما هو كذلك نقطة ارتكاز للنظرية الكلية تطرح داخلها العدالة "في معناها المُوسع بما هي مشاركة متكافئة توصف هذا التموقع باعتباره تأويا راديكاليًا ديمقراطيًا لمبدأ المساواة في القيمة الأخاقية". وهذه
المشاركة المتكافئة هي التجسيد العملي والسياسي لهذا المبدأ الليبرالي أو قل "إعادة صياغة للمثال الأخاقي الليبرالي المعاصر: الاحترام المتساوي لاستقالية وللقيمة الأخاقية للأفراد". ويمكن هذه الصياغة أن تحقق مجموعة من الإيجابيات، لعل أهمها عدم إعطاء أي اعتبار غائي Teleological مرتبط بالحياة الخيرة أو تحقيق الذات بما يوفر قاعدة صلبة لتصور أخاقي واجبي للعدالة. عاوة على ذلك، ستكون الصياغة الديمقراطية الجذرية لمبدأ المساواة على قاعدة الأخاق الواجبية أكثر جوهرانية وأكثر متانة من التصورات الليبرالية النمطية أو الإجرائية لراولز أو هابرماس، بحيث إن المشاركة المتكافئة لا يمكن أن تُختزل داخل مسارات تشكل الرأي والقرار السياسي فحسب، وإنما هي كذلك مرتبطة بكل مجالات الممارسة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وحتى الفضاءات ذات الطابع الخاص كالعائلة والحياة الشخصية والمجتمع المدني؛ وذلك لأنها تفترض من جهة الاحترام المتساوي لاستقالية والمساواة بين الأفراد قيمةً أخاقية كونية باعتبارهم فاعلين اجتماعيين، ومن جهة أخرى لأن هذه المشاركة المتكافئة لا يمكن احترامها وتأمينها عبر الحماية القانونية للحقوق أو عبر النفاذ إلى الموارد والخيرات المادية بصورة متساوية، وإنما هي تستلزم مكانة اجتماعية متساوية لكل الأفراد تُوجِب تفكيك كل العقبات أو العوائق الناتجة من النماذج الممأسسة للقيم الثقافية. وأخيرًا، ستكون هذه الصياغة قادرة على توفير نمط أو معيار لتقييم مزاعم الاعتراف، ظلت نظريات العدالة
التوزيعية والنظريات الإجرائية الليبرالية عاجزة عن ضمانها. ولذلك فالاعتراف عند فريزر لا يمكن أن يكون في أفضل الأحوال غير مبدأ مشتق من العدالة؛ الأمر الذي يعطي المشاركة المتكافئة أولوية على حساب الاعتراف ذاته، الذي تحول إلى مجرد شرط بينذاتي ضروري مع العدالة التوزيعية لتجاوز مكانة الخضوع؛ ومن ثم تحقيق المشاركة المتكافئة لكل الأفراد على قدم المساواة داخل النسيج الاجتماعي. وهكذا، يمكن أن نوجز أهم معاني مفهوم المشاركة المتكافئة ودلالاته، باعتبارها الأساس المعياري لنظرية العدالة، في النقاط التالية:
(30) Estelle Ferrarese, "Nancy Fraser ou la théorie du 'prendre part'," La vie des idées (20/1/2015), p. 6, accessed on 10/3/2023, at: https://bit.ly/3LmW9vm (31) Pourtois, p. 173.
• أولً: هو مفهوم قد يحمل معنى "الخير الكوني " Goodness Universal لأن التأكيد على الشروط البينذاتية للعدالة يمكن أن يؤدي إلى اعتبار المشاركة المتكافئة، بما هي إعادة صياغة لمبدأي الاستقالية الفردية والقيمة المُتساوية لكل الأفراد، شكا من الخير الحامل للدلالة الأخاقية ذات
المنحى الكوني، بحيث يتحدد مضمونه في قدرة الأفراد على أن ينسجوا بصورة متساوية عاقات اجتماعية خالية من العقبات التي تمنعهم من المشاركة المتكافئة. وفي ذلك إشارة إلى ما سماه راولز نفسه الخيرات الأولية Goods Primary؛ وهي الاحترام أو التقدير الاجتماعي، بحيث تمثل قاعدة أساسية لبقية الخيرات المادية والسياسية. وهذا الخير يختزن دلالة تتجاوز "معنى الحرية السالبة" freedom Negative عند آزايا بيرلن Berlian Isaac والتي تُفهم بمعنى مجموع النشاطات أو الممارسات التي يمكن أن تحققها ذات فردية أو جماعية، من دون عوائق أو عقبات، لتتساوى أكثر مع دلالة "الحرية الإيجابية" Freedom Positive والتي تعني رغبة الفاعل في التحكم بطريقة استثنائية في تفضياته الخاصة، ومن خال تحقيق قدراته التي تمكنه من الإنجاز، من دون إمكان لتدخل أي عنصر خارجي من أجل إفقاده هذه القدرة على الفعل والحكم. إلا أن فريزر تسحب الثقل المعياري من الذات الفاعلة، أي البنية الشعورية والسلوكية للأفراد، إلى البناء الاجتماعي Structure Social؛ أي الانتقال من "الفعل" بصفته نقطة ارتكاز للنظرية الأخاقية إلى "التفاعل" باعتباره قاعدة اجتماعية وسياسية لكل تأويل ممكن لإشكالية العدالة. وذلك ما يميز نظريتها في العدالة من نظرية "القدرات" التابعة لأمارتيا صن Sun Amartya، بحيث لا تجعل مدار التأويل طريقة الفعل الإنساني في معناها الفردي، وإنما تربطها بإمكانات التفاعل الاجتماعي أي ما تسميه بالطابع الاجتماعي للحياة الاجتماعية. • ثانيًا: إن مبدأ المشاركة المتكافئة يخترق كل مجالات الحياة الاجتماعية بما هي عاج لمكانة
الخضوع، ومعنى المكانة يحيل إلى دلالة المؤسسة التي تتجاوز البناء النفساني والاعتبارات الهُووية "وتنخرط في مقابل كل التأويات النفسانية حول تشكيل الهوية والتي تغفل أهمية التفاعات – ما بعد الأوديبية – الخطابية والتكوينية التي تتشكل خارج النواة العائلية؛ ما يجعلها عاجزة عن تفسير انزياحات الهوية على مر الأوقات". ولذلك فانعدام الاعتراف هو ظلم مرتبط بالمكانة الاجتماعية، ويتنزل داخل العاقات الاجتماعية وليس داخل البنية النفسية للأفراد. وهكذا لا يكمن الحل في إعادة تربية العقول عبر "عسكرة" المعتقدات، وإنما في تفكيك كل النماذج المؤسساتية للقيم الثقافية المجسدة داخل القوانين أو الإجراءات أو السياسات العمومية، أو حتى داخل الممارسات الاجتماعية الخطابية أو العملية. وهذا الأمر يعطي الفضاء العمومي Space Public أهميته التداولية، وتسميه إستال فيرارس Ferrarese Estelle الثقل المعياري للسياسي المشتق في أهمية المشاركة المتكافئة، والذي يشكّل جوهر الأنطولوجيا الاجتماعية Ontology Social التي تؤسس لها فريزر.
3(((ينظر: آزايا بيرلن، الحرية، ترجمة معين إمام (مسقط: منشورات دار الكتاب،.)2015 (((3 أمارتيا صن، فكرة العدالة، ترجمة مازن جندلي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2010
(34) Fraser, Qu’est–ce que la justice social ? pp. 129–130.
• ثالثًا: تعتقد فريزر أن الدور المبالغ فيه للعائلة في تكوين الهوية الفردية يُفق د الظواهر الاجتماعية
أي معنى سياسي، ولذلك وجب الاستغناء عنه من أجل التركيز على فكرة الفضاءات العمومية، ليس باعتبارها مساحات للتعبير عن المطالب وتأويل الحاجات وتمثل المصالح فحسب، وإنما باعتبارها أيضًا أطرًا ضرورية لبناء الهويات الاجتماعية وإعادة تشكيلها. ولذلك هي تؤكد على شرطين أساسيين
لبناء نظرية في العدالة ذات أفق كوني إنساني: يتمثل الشرط الأول في وجود معيار أخاقي واجبي لتقييم الممارسات والوضعيات والمطالب المشروعة لتحقيق المشاركة المتكافئة، ويتعلق الشرط الثاني بالإجراءات الموضوعة قيد التجربة لهذا المعيار، والذي يجب أن يكون حواريًا مستندًا إلى
فضيلة النقاش العام Debate Public الذي يقحم داخله كل الفاعلين الاجتماعيين. ختامًا، يمكن الإقرار بأن المشاركة المتكافئة توفر معيارًا للتقييم ذا طابع جوهراني Substantial، تستطيع من خاله أن تتحقق من عدالة وضعية ما أو استحقاق ما أو سياسة. وهذا التحقق ليس أحادي البعد، وإنما هو متعدد المناحي والمجالات؛ وهي بذلك ترفض النمط الأحادي الشعبوي Populist Monotype الذي يحتفي بالهويات ويشيئُها، وترفض كذلك النمط الأحادي السلطوي Authoritarian Monotype الذي يعطي الخبراء أو القضاة الحق في البت أو الفصل في مشروعية هذه المطالب من عدمها. كما أنها بالتأكيد على الديمقراطية التداولية Democracy Deliberative، عبر الإحالة إلى المشاركة المتكافئة بصفتها نمطًا مثاليًا للعقل العمومي، تؤسس لنظرية حوارية منغرسة ضمن العالم
المعيش؛ الأمر الذي يؤدي إلى إعطاء نظرية الفعل التواصلي لهابرماس لحمًا ودمًا، حتى لا تبقى معلقة ضمن إطار التفاهم اللغوي المجرد، ويمكّن نظرية العدالة لجون راولز من إدماج بُعد المكانة الاجتماعية داخل التصور الدستوري المؤسساتي، بحيث يشكّل الاعتراف العمومي المكون الأساسي لكل الخيرات الأولية، هذا عاوة على اعتبارها قاعدة أولية لكل المطالب المتعلقة بالخيرات الأساسية لتوزيع الموارد والحقوق.
خامسًا: نظرية العدالة عند فريزر من منظور ما بعد استعماري
إن الذي يهمنا من وجهة نظر فريزر النقدية هو إمكان التحقق من قدرتها على فهم الظواهر الاجتماعية لمجتمعات تختلف سياقيًا وبنيويًا عن سياقات مجتمعات الشمال؛ إذ كيف يمكن الاستناد إلى مقاربة
من العدم لفهم واقع خاص؟ ذلك أن هذه الممارسة تتخطى كل قدرة على التأويل لواقع مجتمعات الجنوب بمنظور نظرية نقدية، جُعلت أساسًا لفهم بنية مجتمعات الشمال. ولذلك نحن نقترح نموذج فرانتز فانون Fanon Frantz (1961–1925)، في الاعتراف ضمن السياق الاستعماري وما بعد الاستعماري، وهو منظور يمكن أن يُوفر خطوة أولى تصحيحية مهمة في دراسة هذه المشكلة بالذات؛ إذ يحدد الشكل الأساسي لعنف المستعمر: عنفه ضد الإنسانية، والذي يأخذ مكانة جوهرية في عالم الاعتراف. وههُنا، يمكن أن تكون هذه القضية الأساسية في الاشتغال بأسباب الربيع العربي، من خال التأكيد على فشل أنظمة دول ما بعد الوضعية الاستعمارية Post–colonial Situation في خلق الشروط التي يمكن أن تتطور فيها الإنسانية الحقيقية لسكانها، من خال العناية والاعتراف بها.
وهكذا، بالنسبة إلى المواطن الأصلي في تحليل فانون، هناك خياران فقط، إما التحول إلى اللون الأبيض أو الاختفاء. ويجري اتخاذ هذين الخيارين إما افتراضيًّا وإما في الواقع تحت تهديد الساح،
حيث يوجد عنف النظام الاستعماري بصفته تهديدًا فعليًّا لحياة الفرد وشرطًا بنيويًّا للوجود الاستعماري؛
وبعبارة أخرى، يتجاوز العنف كا من هذه المجالات نحو مجموعة من الشروط الاجتماعية التي يكون فيها العنف ممارسة وجودية؛ ذلك أن فانون يجادل بأن ذلك هو نتيجة لما يُسميه جان بول سارتر Jean–Paul Sartre (1980–1905) خطأ النزعة الإنسانية في أوروبا الغربية؛ إذ إن الأساس المعرفي للنظام الاستعماري الأوروبي، ومن ثم الثقافة الغربية، هو أن المستعمِر Colonizer The فقط، صاحب الهيمنة البيضاء، هو من ينتمي إلى المنزلة الإنسانية. وبهذا المعنى، إذًا، إن هدف أي نظام استعماري هو إضفاء الطابع الإنساني على البرابرة، أو القضاء على الوجود الأنطولوجي ل "المتوحشين" على وجه الكوكب. وهنا كانت "الحقيقة في المستعمرات عارية"، كما يؤكد سارتر بحق. وفي النتيجة، لم يستطع النظام ما بعد الاستعماري توفير الشروط التي يمكن من خالها لمواطنيها أن يزدهروا فيها، أو يُحققوا إمكاناتهم البشرية، أو يكتسبوا الاعتراف الذي يعتقد منظّروه أنه أمر حاسم لكرامة الإنسان. وبدلً من ذلك، استمر العنف ضد إنسانية المستعمَر، بدرجات متفاوتة، حتى اليوم. وهو جوهر ما أشار إليه فانون من عجز الأنظمة ما بعد الاستعمارية عن تحقيق الحرية والعدالة لمواطنيها وتواصل لإشكال من الهيمنة السياسية بعنوان الشعارات القومية والاشتراكية. وهكذا يصبح من الضروري التأكيد على أن "المسائل السياسية التي عادة ما يتم تناولها من وجهات نظر تتعلق بعاقات الدولة القومية والعرق والطبقة والاقتصاد والجندر تتضح بصورة أكبر حينما نتأملها في سياق عاقتها بماضيها الكولونيالي"؛ إذ إن البنى السلطوية التي كرستها العملية الاستعمارية ما زالت متغلغلة وكامنة داخل العاقات الثقافية العابرة للقوميات. وفي هذا المعنى، يمكن الادعاء بأن السياقات ما بعد الاستعمارية لبناء الدولة الوطنية هي التي ساهمت في إشعال شرارة ثورات الربيع العربي. ولعل شعار الثورة التونسية: "شُغل، حرية، كرامة وطنية"، يمثل تعبيرًا حقيقيًا عن ترتيب مائم لسلم القيم المطلوبة لترجمة مطالب الثائرين في الاعتراف؛ وهذا الترتيب
يتساوق مع تأويل مائم للحاجات والمطالب في إعادة التوزيع العادل للثروات، في بعدها الاقتصادي من خال المطالبة بالتشغيل، وفي التمثيل السياسي المائم، من خال التأكيد على مطلب الحرية في بعدها السياسي، وفي تحقيق الكرامة الوطنية التي تترجم رغبة في الانعتاق من سلطة الهيمنة الغربية
3(((في المقدمة التي وضعها سارتر لكتاب فانون: معذبو الأرض، أهاب بالأوروبيين أن يقرؤوه رغم أنه غير موجّه إليهم. وهو يعتبر
أن هناك تناقضًا بين الادعاء الإنساني لاستعمار والجرائم التي يمارسها ضد المُستعمَر؛ وعاوة على ذلك يفضح فانون "الاستعمار
الجديد والبرجوازية الوطنية التي لم تشارك في ثورة الشعب مشاركة صادقة، ولا أهابت بالجماهير يومًا إلى النضال المسلح والكفاح
العنيف، وكانت لا تزيد على أن تقوم بمناورات سياسية من أجل أن يتصدق عليها المستعمر ببعض الامتيازات". فرانز فانون، معذبو
الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2014)، ص.9 (3((المرجع نفسه، ص.19 3(((بيل أشكروفت [وآخرون]، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الأساسية، ترجمة أحمد الروبي [وآخرون] (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.43
على سيادة الدولة الوطنية لما بعد الاستعمار. وهذا المطلب الأخير يحيل إلى البعد المقاوم في فكرة الاعتراف عند سكان الجنوب، التي تتجاوز مجرد الإحالة إلى البعد الذاتي الإتيقي لبناء صورة سوية للذات عن ذاتها، كما يؤكد أكسل هونيث، أو مجرد العودة إلى منزلة الخضوع التي تقترحها نانسي فريزر لتسويغ الحاجة إلى المشاركة المتكافئة، بوصفها طريقة لتحقيق العدالة في بعدها الأخاقي الواجبي؛ ذلك أن مطلب الاعتراف هنا يأخذ معنى ما بعد استعماري، ويقترح توسيع مجال العدالة لتشمل شكا من الاعتراف الكوزمو–سياسي Recognition Cosmopolitan يماثل ما تسميه نانسي فريزر "العدالة العالمية". وهكذا، ستبقى نظريات الاعتراف التي تتناول مجتمعات الشمال عاجزة جزئيًا عن فهم وتأويل حاجات
الأفراد في مجتمعات الجنوب؛ إذ إن مطلب العدالة يتجاوز مجرد الحاجة إلى إعادة التوزيع للثروة رغم أولويته أو مجرد الحاجة إلى الاعتراف الرمزي أو حتى الحاجة إلى التمثيل السياسي مطلبًا جوهريًّا
لتجاوز شكل الدولة الاستبدادية. فمسألة الاعتراف تمس هنا الاعتراف بإنسانية المستعمَر Colonized الذي ما زال يرزح تحت نير التدخل الاستعماري بأشكاله المستحدثة، ويسعى لافتكاك الاعتراف بكرامته الوطنية التي صادرتها القوى الاستعمارية وأنظمة الدول الوطنية. ولذلك حينما أكد فانون على ضرورة إعادة التفكير النقدي في مفهوم الجدل الهيغلي Dialectics Hegelian، فإنه لم يُفهَم بوصفه "مجرد سعي لفرض الإقرار والاعتراف على السيد، بل باعتباره تأسيس عنصر جديد تمامًا، والعنصر
الجديد كان الحقيقة الموضوعية للذاتية الفاعلة الخاصة بمن أخضعوا للسيطرة وجُردوا من إنسانيتهم؛ حيث على هذه الأرضية فقط يمكن أن تبرز تبادلية أصيلة، ولادة عالم إنساني". في النهاية، إذا كانت النظرية النقدية تحتاج إلى أن تكون قائمة على أسس تجريبية، وجوهرية في الموقف الذي ترغب في تنظيره، ولكنها متعالية معياريًا من حيث التفكير فيما وراء هذا الموقف للبحث عن عالم أفضل، فإنها ببساطة تبدو غير قادرة على التعامل مع الظواهر الاجتماعية التي تأتي من مكان مختلف كليًّا مع احتياجات مختلفة تمامًا. وهكذا داخل الدول العربية سوف يُمثل كل من
إعادة التوزيع والاعتراف الشيء نفسه؛ إذ تتطلب الكرامة الإنسانية موارد مادية وأطرًا ذاتية ومؤسسية لضمان معاملة الأشخاص بصفتهم أشخاصًا. وفي بلدان الثورات العربية لا يمكن العدالة ببساطة أن تسبق الأسئلة الإتيقية؛ ذلك أن أسئلة الخير تقع في القلب من الحراك الثوري لقلب نظام قمعي وضمان أن نظامًا قمعيًا آخر لن يحُل محله ببساطة، كما أن مسألة السيادة السياسية والكرامة الوطنية هي مطالب
حيوية في ظل بنى سياسية وفكرية استعمارية تتطلب أشك لً من العصيان المعرفي الديكولونيالي Disobedience Cognitive Decolonial والممانعة ما بعد الاستعمارية، التي تسعى لتجاوز المخيال السياسي للهيمنة الإمبراطورية، والتأسيس لنمط من الاعتراف بوجود إمكانات مختلفة للحداثة وتعددية في أشكال التدبير السياسي للفضاء العالمي.
3(((نايجل سي. غبسون، فانون: المخيلة بعد – الكولونيالية، ترجمة خالد عايد أبو هديب (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.18
References
المراجع
العربية
أشكروفت، بيل [وآخرون]. دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الأساسية. ترجمة أحمد الروبي [وآخرون]. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 بيرلن، آزايا. الحرية. ترجمة معين إمام. مسقط: منشورات دار الكتاب،.2015 صاندل، مايكل. الليبيرالية وحدود العدالة. ترجمة محمد هناد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
صن، أمارتيا. فكرة العدالة. ترجمة مازن جندلي. بيروت: منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون،
غبسون، نايجلسي. فانون: المخيلة بعد – الكولونيالية. ترجمة خالد عايد أبو هديب. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 فانون، فرانز. معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2014
الأجنبية
Canto–Sperber, Monique. Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale. Paris: PUF,
Ferrarese, Estelle. "Nancy Fraser ou la théorie du 'prendre part'." La vie des idées (20/1/2015). at: https://bit.ly/3LmW9vm Fraser, Nancy & Gabriel Rockhill & Alfredo Gomez–Muller. "La justice mondiale et le renouveau de la tradition de la théorie critique: Dialogue avec Nancy Fraser. " La Revue Internationale des Livres et des Idées. no. 10 (Mars–Avril 2009). Fraser, Nancy. "Recognition without Ethics?" Theory, Culture & Society. vol. 18, no. 2–3 (2001). _______. Qu’est–ce que la justice sociale? Reconnaissance et redistribution. E. Feraresse (trad.). Paris: La Découverte, 2005. Honneth, Axel. La lutte pour la reconnaissance. Pierre Rusch (trad.). Collection Folio essais. Paris: Gallimard, 2013. _______. La société du mépris. Vers une nouvelle théorie critique. Olivier Voirol & Pierre Rusch & Alexandre Dupeyrix (trad.). Paris: La Découverte, 2006. _______. "Reconnaissance et justice." Le Passant Ordinaire. no. 38 (Janvier – Février 2002). at: https://bit.ly/3ITCx0g Pourtois, Hervé. "La reconnaissance: Une question de justice? Une critique de l’approche de Nancy Fraser." Politique et Sociétés. vol. 28, no. 3 (2009). Taylor, Charles. Multiculturalisme Différence et Démocratie. Paris: Flammarion, 2009. _______. Rapprocher les sollicitudes. Québec: Les presses de L’université laval, 1992.