العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب: الإيديولوجية الموحدية، جدل الدين والسلطة في الغرب الإسلامي للبنى الورطيطي

مراجعة كتاب: الإيديولوجية الموحدية، جدل الدين والسلطة في الغرب الإسلامي للبنى الورطيطي

Book review Almohad Ideology: the Debate of Religion and Power in the Islamic West by Labneh Al–Wartiti

يحي بولحية

Yahia Boulahia

الملخّص

عنوان الكتاب: الإيديولوجية الموحدية، جدل الدين والسلطة في الغرب الإسلامي. المؤلف: لبنة الورطيطي. الناشر : الرباط: دار أفريقيا الشرق. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 288 صفحة.

Abstract

Assistant Professor of Higher Education, Regional Center for Education and Training Professions, East Oujda. yahyathese2007@gmail.com

Moroccan Researcher Specializing in Medieval History.

عنوان الكتاب: المؤلف: لبنى الورطيطي. الناشر: الرباط: دار أفريقيا الشرق. سنة النشر: عدد الصفحات:

الإيديولوجية الموحدية: جدل الدين والسلطة في الغرب الإسلامي.

تمهيد

يثير التاريخ الخاص بدولة الموحدين بالمغرب (515 ه/ 1121 م 667–ه/ 1269 م) العديد من الإشكالات والتساؤلات؛ باعتبارها كيانًا مجاليًا شاسعًا وممتدًا، شمل المغرب الأقصى والمغرب الأوسط والمغرب الأدنى والأندلس وجنوب الصحراء؛ عاوة على طبيعة شخصية محمد بن تومرت (ت. 524 ه/ 1130 م)، مؤسس الدولة ومثقفها الأيديولوجي الأول، إضافة إلى معالم التنظيم السياسي، والاتجاه الفكري الذي سارت عليه الدولة الموحدية، ونوعية النّخب الفكرية والفلسفية التي أنتجها هذا العهد بباد المغرب والأندلس، من قبيل عبد الملك بن طفيل القيسي الأندلسي.(ت 581 ه/ 1185 م)، وأبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (ت. 595 ه/ 1198 م)، والشريف الإدريسي (559 ه/ 1166 م)، وغيرهم. كان لعقلية ابن تومرت تأثير في الحياة الثقافية العامة بالمغرب، بحيث حرك في أهله العلوم العقلية، في ثاثة مظاهر: نماء الفلسفة بالمغرب، وانتشار المنطق، وانتشار الجدل والمناظرة. وقد كان لعلوم الفلسفة نَفاقٌ كبيرٌ في هذا العهد، حيث ذكر صاحب كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب (1906) أن الفلسفة حققت، أيام يوسف، نهضةً كبيرة، ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء، وخاصة علم أهل النظر إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب. ويحكم ابن خلدون على تفوق الموحدين في ميدان التعليم والثقافة، حين تحدث عن "انقطاع التعليم من المغرب إلا قليا كان في دولة الموحدين". تدفعنا هذه الماحظات إلى تبيين بعض معالم النسق الفكري والسياسي والتنظيمي والعلمي الذي طَبعَ دولة الموحدين بالمغرب، وإلى الخروج ببعض الاستنتاجات الخاصة بموضوعات الكتاب محلّ المراجعة. والكتاب الذي نتناوله بالتحليل والنقد في أصله جزء من أطروحة جامعية، ناقشتها الباحثة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس بالمغرب عام.2013 تقول المؤلفة في صدر كتابها: "ما تزال البحوث التاريخية الوسيطية قليلة في العالم العربي، تلك التي ترتبط بدراسة مصادر وأسس السلطة السياسية ومظاهرها ورموزها وطرق تداولها وموقف المجتمع منها" (ص. 9)، كما تعلن عن طبيعة موضوعها الذي يتناول مسألة الشرعية في الحكم والصراعات حولها ومن أجلها، وامتدادات ذلك طوال التاريخ الموحدي (ص. 10) تثير الباحثة عددًا من التساؤلات المحورية، تتعلق بالأسس الفكرية التي اعتمدتها الدولة الموحدية، والمجهودات التي بذلتها لإقناع الرعية بشرعيتها في الحكم، ومدى نجاحها في ذلك، وهل كانت السلطة الموحدية في حاجة إلى الرعية لإثبات شرعيتها وترسيخ حجمها وما ردود الفعل المجتمعية تجاه الموحدين سياسةً وفكرًا؟ (ص. 11)، وحللت المؤلفة أيضًا عناصرَ الموضوع وفقًا لما يلي: مقدمة عامة، وأربعة فصول كبرى وخاتمة، تضمنت استنتاجات

وماحق للدراسة؛ ففي الفصل الأول من الكتاب أوردت موضوع الفكر الديني ضمن أيديولوجيا الموحدين تناولت من خاله ثاثة مباحث، تركزت حول إشكالية عقيدة "التوحيد" في الفكر السياسي الموحدي، ثم قضية الإمامة والعصمة والتنظير للحكم المطلق والمهدوية وخلفياتها السياسية. أما في الفصل الثاني بعنوان "جوانب من الأبعاد الاجتماعية للممارسة السياسية"، فتناولت الباحثة خصوصيات سلطات الحاكم الموحدي في مرحلتي الدعوة والدولة، ثم نسق تداول السلطة ودور الإدارة المحلية في فتق شرعية السلطة الموحدية. وخصصت المؤلفة الفصل الثالث لبحث عاقة الأزمة الاقتصادية بالشرعية السياسية في عهد الموحدين من خال مباحث ثاثة، تناولت فيها دورَ السلطة الموحدية في تنمية القطاعات الاقتصادية وكثرة الإنفاق والفساد الإداري، ودور الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية في تعميق الأزمة خال العصر الموحدي. أما الفصل الرابع فقد كان عن "المعارضة السياسية من مداخل معارضة المتصوفة والمالكية والرشدية كعنوان لمعارضة الفاسفة ومساهمة العامة في الفعل السياسي". وحاولت المؤلفة في خاتمة موضوعها الخروج ببعض الاستنتاجات التي تخص فصول الدراسة والتحليل. حين نتحدث عن العاقة بموضوعات الكتاب أودُّ إثارةَ بعض الإشكاليات، وكيفية تناولها برؤية نقدية، ومقارنة نصوصها بمتون تاريخية أخرى تناولت الموضوع نفسه، بالتحليل والاستقراء للخروج باستنتاجات تثري القراءة والتحليل.

أولا: شخصية ابن تومرت والنسب الشريف

يعتبر الحديث عن نسب ابن تومرت مدخا لا بد منه وشرطًا أساسيًا في البيعة الشرعية، ولإثبات المهدوية التي قال بها في بداية دعوته السياسية؛ وتعد بذلك ركنًا أساسيًا في خطابه الدعوي؛ وتباينت آراءُ المؤرخين في إثباته أو نفيه أو التشكيك في مقتضياته. فلم يكن "المهدي [...] من منبت الرياسة في هرثومة قومه، وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل المصامدة في دعوته، وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم"، كما قال ابن خلدون. وعاقة بالموضوع أورد المحدِّث أبو الحسن علي بن القطان الفاسي (ت. 628 ه/ 1167 م) النسب الشريف لابن تومرت ورفعه إلى الصحابي علي بن أبي طالب؛ وأشار المؤرخ المغربي محيي الدين عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي (ت. 647 ه/ 1185 م) قائا: "ومحمد هذا رجل من أهل سوس، ولمحمد بن تومرت نسبة متصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وجدت بخطه ". وأجْمَل ابن خلدون الاختافات الموجودة بقوله: "أما إنكارهم نسبه في أهل البيت ف  تعضده حجةٌ لهم، مع أنه ثبت أن ادعاه وانتسب إليه ف  دليل يقوم عل بطانه، لأن الناس مؤتمنون على أنسابهم". وأورد عبد المجيد النجار قول

ابن خلدون "أن نسب الكثير من بنيه في المصامدة وأهل السوس"؛ وتتبّع أصول أهل البيت في السوس فوجد آثارهم بادية ومشهودة في المنطقة؛ ما يدل على القبول بنسبة ابن تومرت إلى أهل البيت، وعدم الالتفات إلى الرأي الآخر، بسبب غياب الدلائل والحجج كما أكد ابن خلدون. وأورد ابن القطان أن ابن تومرت كان يلقب ب "أسفو" وتعني بالبربرية "الضياء"، بسبب مازمته إيقاد القناديل في المسجد للقراءة والصاة. ولما كان نهمًا ومتعطشًا للمعرفة قرر القيام برحلة علمية طويلة وممتدة نحو المشرق.

ثانيًا: الرحلة إلى المشرق ولقاء الإمام الغزالي

لم يقتصر ابن تومرت، في رحلته المشرقية، على النهل من المعارف وفنون الجدل والمناظرة فحسب، بل إنّ هذه الرحلة أكسبته نضجًا سياسيًا، وتأكد لديه أن الوقت مائم لإنجاز ما يصبو إليه؛ فصال وجال في أنحاء الخافة الفاطمية التي كاد أن يمزقها الخافُ بين السنة والشيعة، وعاش تحت كنف الخافة العباسية وهي تقترب من نهايتها، فلمس بنفسه ما عليه العالم الإسامي من ضعف ووهن، ثم نظر إلى المغرب فرأى تخلّف المرابطين في ميدان التطور الفكري وجمودهم الفقهي (ص. 53)، أكان ابن تومرت قد حمل فكرة الإصاح منذ قرار الرحلة نحو المشرق، أم ترسخت لديه الطموحاتُ السياسيةُ في إثر مشاهداته العيانية لواقع العالم الإسامي وقرار الأوبة إلى باد المغرب؟ ذلك ما تعجز المصادر عن إثباته أو نفيه، لكن يمكن القول إن ابن تومرت رجع بغير الصورة التي ذهب بها، حيث آب آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وداعيًا إلى مشروع سياسي يتأسس على الفكر المهدوي، وعقيدة التوحيد، وتأسيس أركان دولة جديدة على أنقاض دولة المرابطين. من جانب آخر ذي عاقة بالدعاية السياسية للمشروع الموحدي، اختلف المؤرخون في حقيقة لقاء ابن تومرت بالغزالي ومدى تأثره بأفكاره؛ ولكنهم اتفقوا على لقائه بعلماء آخرين تتلمذ على أيديهم (ص. 42)؛ وقد كانت خمسة عشر عامًا من الغربة في باد المشرق التي كانت تموج بالصراعات السياسية والفكرية كافية لإنضاج شخصية ابن تومرت (ص. 43)، ومنحته قوةَ العلم وجرأةَ المناظرة والجدل. وحقيق بنا الاعتراف ههنا أنَّ المؤلفة لم تناقش مسألة اللقاء بأبي حامد الغزالي (ت. 505 ه/ 1058 م)، وتعدد أوجه النَّظر بخصوصها، وحاول البعض تبيينَ الموضوع بالمقارنة بين النصوص والوقائع، وأكدوا أن المسألة مختلقة، جرى توظيفها للدعاية السياسية لدولة الموحدين، خاصة في موضوع اقتران هذا اللقاء بمسألة حرق المرابطين لكتب الغزالي، ودعوة هذا الأخير بتمزيق ملكهم ودعوته لابن تومرت لأن يكون الوريث لهذا الملك. وهو مضمون الخبر الذي أورده، من قبل، ابنُ القطان المقربُ جدًا من محمد بن تومرت، ومؤرخ الدولة الموحدية. تتبع أحد الباحثين مسألة اللقاء بين الرجلين واستنتج بأن الغزالي غادر بغداد سنة 488 ه/ 1095 م، كما غادر دمشق بعد تزهده سنة 498 ه/ 1105 م، ليستقر بعد ذلك في نيسابور ثم طوس، حيث توفي بها سنة 505 ه/ 1111 م، في حين لم يغادر ابن تومرت المغرب إلا سنة 498 ه/ 1105 م،

وربما لم يكن قد وصل بغداد إلا سنة 504 ه/ 1110 م؛ وبذلك يكون التقاء الرجلين أمرًا غير ممكنٍ لا بدمشق ولا ببغداد، وأن المسألة لا تعدو أن تكون قد وظفت الحدث الذي لم يقع، ضمن أجندة الدعاية لمشروعية حكم ابن تومرت، وأنه التقى بالغزالي وأنه دعا له بالنصر والتمكين والظهور على دولة المرابطين.

ثالثًا: الرحلة في طلب العلم ومطلب التغيير السياسي

ينفرد تاريخ المغرب السياسي والثقافي بارتباطه الوثيق بالمشرق العربي، وتُعتبر تجربة ابن تومرت ورحلته العلمية إلى المشرق العربي، التي دامت خمسة عشر عامًا، محددًا أساسيًا في دعوته السياسية والمذهبية. ثمّ إن تجارب سابقة تبين أن الصات الفكرية والسياسية كانت سببًا في نشأة الدولة الإدريسية (172 ه 63–/3 ه 974–788 م)، وفي استقرار دعاة المذاهب السياسية المعارضة بأرض المغرب، البعيدة والنائية عن مركز الخافة المشرقية، توجسًا من سيوف الأمويين وبطش بني العباس، من قبيل الشيعة والخوارج الصفرية والإباضية. ومن جانب آخر تبين تجربة تأسيس الدولة المرابطية (541–448 ه/ 1147–1056 م)، أيضًا، ارتباطَها بالمشرق، من خال اللقاء الذي جمع بين رجلين كانا سببًا غير مباشر في تأسيس دولة قبيلة لَمْتونة الصنهاجية بالصحراء. ضمن هذا السياق، وأثناء عودته من الحج؛ عرجَ يحيى بن إبراهيم الجدالي (ت. نحو 440 ه/ 1048 م)، على مدينة القيروان، حيث التقى بأبي عمران الفاسي (68978/3 هم 430–ه 1038/ م)، ودار بينهما حوار أجاب فيه الجدالي عن سؤال الفاسي، واصفًا حال قومه الصنهاجة بأنهم "قوم غلب عليهم الجهل، وليس لهم كثير علم، وليس فيهم من يقرأ القرآن، وهم مع ذلك يحبون الخير ويسارعون إليه، لو وجدوا من يقرئهم القرآن ويدرس لهم العلم ويفقههم في دينهم، ويدعوهم إلى العمل بالكتاب والسنة ويعلمهم شرائع الإسام". فوقع الاختيار أخيرًا على عبد الله بن ياسين الجزولي (ت. نحو 451 ه/ 1059 م) ليقوم بالمهمة، ويؤسس كيان الدولة المرابطية بالصحراء. نستنتج إذًا دور الصات الفكرية بين المشرق والمغرب، في تأسيس المشاريع السياسية والكيانات المستقلة، وفي أخذ الأفكار والمذاهب، مما كان رائجًا بالمشرق، ومن ذلك محاولة إنباته في التربة المغربية، من قبيل عقيدة العصمة والمهدوية.

رابعًا: الإمامة والعصمة أو التنظير للحكم المطلق

يثير الفكر المهدوي العديد من التساؤلات عن دواعي اعتماد ابن تومرت إياه؛ ففي المبحث الثالث "المهدوية وخلفياتها السياسية" أوردت المؤلفة أنّ باد المغرب كانت الأكثر تأثرًا بفكرة المهدوية في جميع الباد الإسامية، منذ الربع الأول من القرن الثاني الهجري (ص. 23)؛ لكنها لم تفصل في مدى انتشار الفكرة في المغرب الأقصى، خال المرحلة موضوع الدراسة، علمًا أن ابن تومرت وجد الأرضية مهيأةً لإعان الفكرة، وخاصة في صفوف قبائل المصامدة، حيث كانت تنتشر بعض الأفكار الشيعية.

كانت فكرة المهدوية وسيلةً استراتيجية لبدء مشروع التغيير؛ فقد أكد ابن تومرت في أعز ما يطلب قائا: "فهذا ما وعد الله للمهدي وعد الحق الذي لا يخلفه [...] فالعلم به واجب، والسمع والطاعة له واجب، والانقياد لكل ما قضى واجب، والرجوع إلى علمه واجب، واتباع سبيله واجب، والاستمساك لأمره حتم، ورفع الأمور إليه بالكلية لازم" (ص. 40)، وفي نظره فإنّ التغيير لا يجري من دون الخضوع التام لرأي الإمام، وعدم منازعته أمور السياسة والعقيدة، والماحظ أن ابن تومرت لم يعلن عن مهدويته، إلا بعد أن تأكد أنه في موقع حصين بين قومه المصامدة. وضمن هذا السياق، قال عبد المؤمن بن علي الكومي (ت. 558 ه/ 1163 م) الخليفة الثاني لدولة الموحدية بحسب رواية القطان، إنه "لما فرغ محمد بن الحسن المهدي (الإمام المهدي) من كامه بادر إليه عشرة رجال، منهم أنا، فقلت له: هذه الصفة لا توجد إلا فيك فأنت المهدي فبايعناه على ذلك". والأكيد أن ابن تومرت عاين عن قرب الوهنَ الذي أصاب أركان العالم الإسامي مغربًا ومشرقًا، وكانت مدة خمسة عشر عامًا كافيةً ليقتنع أن له دورًا محددًا في إعادة صياغة هذه الأركان، وإرجاع الأمة إلى ما كانت عليه من قوة ومنعة وازدهار؛ فرجع في رحلته آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر وداعيًا لنفسه مستغاًّ تفوقه العلمي، وأسلوبه الحجاجي مثلما ذكر ذلك عبد الواحد المراكشي قائا: "وكُتِب بخبره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، وجمع له الفقهاء للمناظرة، فلم يكن فيهم من يعرف ما يقول"، وخاصة في مسائل العقيدة والتوحيد.

خامسًا: إشكالية التوحيد في الفكر السياسي الموحدي

أصبح مدلول التوحيد مرادفًا لمعنى الخضوع للدولة الموحدية والإخاص لها، ودعمها بكل الإمكانات والوسائل والمساهمة في العمليات العسكرية التوسعية التي تنظمها (ص). 18 وبذلك يصبح مطلب التوحيد السياسي مترجمًا لعنوان التوحيد العقدي، فكاهما يؤدي إلى الآخر، ضمن نسق عام يحكم توجه الدول ومواقفها إزاء الخصوم والمخالفين. وفي نظر المؤلفة لا تؤسس القوة وحدها السلطةَ السياسية، وإن تأسست فيصعب الاحتفاظ بها. لذلك كان الفكر السياسي ذو الصبغة الدينية هو الذي يمنح مشروعية الحكم خال العصر الوسيط (ص. 14). وهي جوهر نظرية ابن خلدون في تقعيده لمفهوم الدولة، وهي إشارات لا نجد لها أثرًا له مكانة خاصة في الكتاب. وضمن هذا السياق، قال ابن خلدون: "إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة"، ونقرأ في فصل آخر أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، والسبب في ذلك أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي هو في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق. وكان حريًا بالمؤلفة إيراد نصوص ابن خلدون، ومناقشتها باعتبارها تركيبًا حقيقيًا لمشاهداته العلمية لتجربة الدولة في عصر المرابطين والموحدين؛ ونجد مقابا لها في الفهم الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر Weber Max 1920–1864) للدولة باعتبار أنّ الأخاق أو

النّحلة هي التي تمنح الفعالية والقوة للجماعات والكيانات، بنموذج الدولة الرأسمالية والأخاق البروتستانتية، مثا. وإذا كانت المقولات الفقهية والعقَدية وحتى الفلسفية تُقرأ وجوبًا ضمن الحقول المعرفية التي أنتجتها، فقد شهدت التجربة الإسامية، ومحن الفقهاء، أحداثًا تداخل فيها السياسيُ بالعقدي والفقهي، ومن ذلك، ما يمكن نعته ب "محنة مالك بن أنس" في مسألة زواج المُكرَه، أو "محنة أحمد بن حنبل" في قضية خلق القرآن. فإذا كانت فتوى الإمام مالك "لا طاق لمُكْرَه" خاصة بموضوع فقهي محدد، فإن قراءة العباسيين السياسية لها، زمن أبي جعفر عبد الله المنصور، لم تكن تعني سوى حضّ الناس على البيعة لمحمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية، وأنه ليس عليهم حرج في نقضهم لبيعة المنصور لأنهم بايعوه مكرهين، وبيعة المُكْرَه لا تجوز كما لا يجوز طاق المُكْرَه. وبالمعنى نفسه كان اتهام المأمون عبد الله بن هارون الرشيد لطائفة أهل الحديث ومنهم ابن حنبل بإثبات الشريك مع الله في قولهم إنَّ القرآن "قديم" غير مخلوق، وأشار محمد عابد الجابري إلى أنه الشرك في السياسة الذي يرفضه الحاكم ويُحاكم عليه باسم الشرك في الألوهية. ومن هنا كان موضوع التوحيد لدى ابن تومرت وأتباعه عنصرًا مازمًا لعقيدة الدولة، وأن الخروج عنها إلى ما عداها هو بمنزلة خروج على السلطة الموحدية، وإيذانٌ بإعان الحرب عليها على مستوى الأفراد والكيانات والجماعات.

سادسًا: التعليم والمبحث الغائب

خصصت المؤلفة الفصل الثاني لتناول جوانب من الأبعاد الاجتماعية للممارسة السياسية، وجعلت له هدفًا محددًا، يتلخص في القدرة على فهمٍ واستيعابٍ لطبيعة العاقة بين السلطة الموحدية والمجتمع (ص  41 كانت). وإذا المؤلفة قد خصصت للعلم منزلةً متميزة، وقالت إنه لا يمكن أي دعوة أو ثورة لا تستند إلى العلم أن تصل إلى تحقيق النجاح الكامل؛ فإنها لم تول أهمية كبيرة لموضوع التعليم وعاقته بالمشروع الأيديولوجي والسياسي لدولة الموحدين، رغم المكانة التي حظي بها وأسهم بها في بلورة الرؤى الخاصة بالموضوع وخاصة في عهد الكومي؛ وهو الجانب الذي منح الدولة مبررات استمرارها من خال المدارس العديدة التي أنتجها هذا العهد بباد المغرب والأندلس، وحكم من خالها ابن خلدون على "انقطاع التعليم من المغرب إَّلَّ قليا كان في دولة الموحدين". يحضر مطلب التعليم بقوة في برنامج الدولة الموحدية، وهي الدولة التي قامت على أساس العلم، وقوة الحجة، وجرأة الفكرة، والدراية بأساليب المناظرة والجدل، كما تركب ذلك في شخصية ابن تومرت. تتجلى أهمية هذا المطلب في جعل التعليم إجباريًا، فكان على "كل من انضوى تحت راية الموحدين أن يتعلم الضروري من العقائد وما يتعلق بالصاة؛ وقد بالغ عبد المومن في هذا الأمر فجعله حتمًا لازمًا على كل مكلف من الرجال والنساء والأحرار والعبيد ".

وتأثر الموحدون، في أثناء بنائهم لنمط التعليم ومضمونه، بما أورده الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وذلك بالتركيز على أسلوب التدريج، ومراعاة قدرات المتعلمين ومستوياتهم المعرفية، والعقلية، كما أنهم أدمجوا الرياضة في مواد التعليم، وربطوا ذلك بالخدمة العسكرية "وكانوا يراعون وحدة السن في التاميذ ". ونبغ في عهدهم العديد من الفاسفة والعلماء والمفكرين، وظهرت حركة ثقافية عزَّ نظيرها في تاريخ المغرب خال العصر الوسيط. نستنتج مما سبق وجود مؤسسة تربوية حُددت لها أدوارها التنموية بدقة وتفصيل، وكانت الغاية من إحداثها مدّ الدولة بالأطر الازمة لتسيير مرافقها الإدارية والسياسية، وإطاحة أشياخ المصامدة وعزلهم عن ولاية الأعمال والمناصب السياسية والإدارية، ولا شك في أن التعليم حقق للكيان الموحدي الإشعاع والامتداد وتجديد الهياكل البشرية والثقافية للدولة المصمودية، مثلما أنه منح المتعلمين والمثقفين التسلح بالعلم وأساليب الجدل والمناظرة لإفحام الخصوم والمعارضين.

سابعًا: المعارضة السياسية

خصصت المؤلفة الفصل الرابع لموضوع المعارضة السياسية، وتطرقت فيه للمتصوفة ومواقفهم السياسية وسياسة الدولة تجاههم، ومجالات الصراع بين الجانبين، وموقف المالكية من السلطة الحاكمة، والرشدية بصفتها نموذجًا لمعارضة الفاسفة، وكذلك مساهمة العامة في الفعل السياسي، وأود في هذا الموقع الحديث عن "نكبة ابن رشد" بالنظر لأهمية الموضوع من الناحيتين الفلسفية والسياسية. تقول المؤلفة إنّ ما ميز ابن رشد هو سعيه ليجعل الفلسفة أداة لمعارضة الحكم الموحدي، فهو لم يرغب في أن يظل مجرد فيلسوف حالم، وإنما فاعا مشاركًا في الحياة السياسية والاجتماعية  (ص. 228)، ونظن أن تحديد المصطلحات بالمقاييس السياسية الراهنة لا يعطي الموضوع مكانته التي تناسبه. ف  مجال للحديث عن معارضة بقدر ما أن ابن رشد، بوصفه مثقفًا وفيلسوفًا، عبَّر عن رأيه في مجموعة من القضايا السياسية والمجتمعية من خال ترجمة كتب أرِسْطُوطَالِيس أو أفاطون، ولم يكن حاما لمشروع سياسي معارض بالمفهوم السياسي للكلمة، وتجلياتها الإجرائية ضمن مجتمع تقليدي بسيط، ولا سيما أن كتابات ابن رشد الفلسفية تمت بطلب من الخليفة الموحدي نفسه، إذ قام بترجمة كتب أرسطو وشرحها بطلب من الخليفة نفسه أعني أبا يعقوب المنصور الموحدي. وللحديث عن نكبة ابن رشد، أورد الجابري مجموعة من الآراء التي تفسر الإشكال، وناقشها باستقراء متين للنصوص والمصادر، ومنها ما كتبه أحد أبرز مؤرخي الباط الموحدي، عبد الواحد المراكشي، الذي أرجع سبب النكبة إلى ما أورده ابن رشد في حديث الزرافة وهل يجوز أكلها أم لا؟ من عبارة ملك البربر، يقصد المنصور الموحدي، وكذا تلخيصه لمعلومات وردت لدى بعض الفاسفة اليونان القدماء؛ منها أن كوكب الزهرة هو أحد الآلهة. وبعد مناقشة مستفيضة لخصوصيات المسألة انتهى الجابري إلى ضرورة التوجه إلى نصه السياسي الوحيد جوامع سياسة أفلاطون، وقال عنه إنه أحسن كتاب سياسة في الإسام، فهو أعمق من الكتب الأخرى المؤلفة في الموضوع، وأكثر منها

التصاقًا بالواقع العربي الإسامي، باستثناء مقدمة ابن خلدون. قال الجابري إن الشيء الذي لا يتطرق إليه الشك هو أن نكبة ابن رشد كانت بسبب ما نُسب إليه من أمور ذات طبيعة سياسية؛ منها ما ورد في كتاب جوامع سياسة أفلاطونمن انتقادات للأوضاع في الأندلس، وهي انتقادات كان لا بد من أن تثير الشكوكَ حول عاقته بأبي يحيى أخي المنصور الذي نازعه السلطة، وإن المسألة لا تعني إطاقًا ما ذكر سالفًا من القرائن والظنون؛ فلمّا تبدّت للخليفة براءةُ ابن رشد مما نُسب إليه، عفا عنه وحاول تقريبه إليه من جديد.

استنتاج إجمالي

يكتسي الكتاب أهمية خاصة بالنظر إلى أنه ناقش مسألة تاريخية لأبرز دولة حكمت المغرب خال العصر الوسيط، تداخل فيها السياسي

المراجع

مصر للنشر،.2014

مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 فاس. مراجعة عبد الوهاب بنمنصور. ط  2. الرباط: المطبعة الملكية،.1999 بيروت: دار الغرب الإسامي،.1990 دار الكتب العلمية،.1998

المنوني، محمد. حضارة الموحدين. الرباط: دار توبقال للنشر،.1989 النجار، عبد المجيد. المهدي بن تومرت. بيروت: دار الغرب الإسامي،.1983 بالعقدي والأيديولوجي والفلسفي، وحاولت المؤلفة الإحاطة بالموضوع من جوانب شخصية ابن تومرت ومذهبه الفكري والسياسي وحاضنته الاجتماعية والفكرية؛ كما وقفت عند التنظيمات والخطط الموحدية الصارمة التي أفادت كيان الدولة في ضبط شؤونها الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. ونعتقد أن بعض البياضات ظلت كامنة في متن البحث، من قبيل مناقشة بعض الإشكالات العميقة للدولة الموحدية ومؤسسها المهدي بن تومرت، مثل حقيقة التأثر بالمذهب الشيعي وتوظيف بعض أدواته في مرحلة الدعوة، كالتقية والمهدوية والإمامية، وطبيعة المعارضة وحقيقتها وخاصة معارضة ابن رشد الفيلسوف.

على أن أكبر غائب في البحث هو المطلب التعليمي باعتبار المكانة الأساسية التي مُنحت له من قبل الخلفاء الموحدين ودوره في صناعة النماذج الفكرية والفلسفية التي أنتجها هذا العهد، وفي النهضة العلمية التي شهدها المغرب خال الفترة موضوع الدراسة.

References

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق عبد الواحد وافي. ج  2. ط 7. القاهرة: دار نهضة الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد. ط  2. بيروت: الفاسي، علي بن أبي زرع. الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة المراكشي، ابن القطان. نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان. تحقيق محمد علي مكي. المراكشي، عبد الواحد. المعجب في تلخيص أخبار المغرب. تحقيق خليل عمران منصور. بيروت: