العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العلمانية واللاهوت: قراءات لاهوتية وفلسفية معاصرة لعلاقة التنوير والحداثة بالفكر الديني

العلمانية واللاهوت: قراءات لاهوتية وفلسفية معاصرة لعلاقة التنوير والحداثة بالفكر الديني

Secularism and Theology: Contemporary Theological and Philosophical Readings of the Relation of the Enlightenment and Modernity to Religious Thought

نجيب جورج عوض

George Awad

الملخّص

* باحث مشارك في مركز دراسات الاهوت المقارن، جامعة بون، ألمانيا.

Abstract

Until recently, a considerable number of Western scholars and interpreters adopted the conviction that the intellectual imaginations called 'the Enlightenment' and 'Modernity' are essentially a secularist and atheistic movements that were generically hostile to religion, and they launched a ferocious war to cast religious belief out of the scene. In opposition to this conventional conviction, this study displays examples of contemporary Anglo-Saxon theological and philosophical voices of scholars who call for re-reading the Enlightenment's and Modernity's projects and realizing that they were intellectual movements deeply rooted in historical theological and religious views and conceptions. The essay offers first three voices from the contemporary theological arena in The United Kingdom and the United States of America, which argue that Enlightenment's and Modernity's secularity was not actually atheistic or anti-religious in nature, and its followers did not deny their religious, even churchly, affiliation and interest. The second part of the essay sheds strong and attentive light on a similar reading in contemporary Anglo-Saxon philosophical reasoning by probing the discourse of the contemporary philosopher, Charles Taylor, who also develops in his writings a thesis on the religious roots and presumptions of secularism, arguing that the modernist call for disenchantment is inspired by ideas and concepts derived from the theological imagination of the Protestant Reformation and the Humanism of the Renaissance era. The paper ends, finally, with remarks related to the reception of the Western classical reading of the Enlightenment and Modernist secularity as anti-religious and atheistic and how the new Western reading of this subject can newly recommend a reckoning with secularism and its value from different perspectives and points of view.

الكلمات المفتاحية:
  • التنوير
  • الحداثة
  • العلمانية
  • اللاهوت
  • الفلسفة
  • الاسمانية
  • العلوم الاجتماعية
  • الحياة العادية
  • الذات البشرية
Keywords:
  • Enlightenment
  • Modernity
  • Secularism
  • Theology
  • Philosophy
  • Nominalism
  • Social sciences
  • Normal life
  • Human self

المخيال الفكري الذي يقترن ب "التنوير" و"الحداثة" هو في جوهره حراك علماني إلحادي يحمل في طياته عداوةً للدين، فكان مبتغاه الأساسي إخراج الإيمان الديني من الفضاء العام، بل سوّقوا

هذا الاقتناع. وخافًا لهذا الاعتقاد التقليدي، تعْرض دراستنا نماذج لأصوات لاهوتية وفلسفية

أنكلوسكسونية معاصرة، أطلقها باحثون يدْعون فيها إلى إعادة قراءة مشروع "التنوير" و"الحداثة"، والتأكيد على أنه مشروع يعبّر عن حراك معرفي متجذر بعمق في أرضية مقاربات ومفاهيم دينية

ولاهوتية. وتقدم هذه الدراسة في القسم الأول منها ثاثة أصوات من حقل الفكر الاهوتي المعاصر في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، تناقش قضية مفادها أن علمانية "التنوير" و"الحداثة" لم

تكن في حقيقة الأمر إلحادية أو ضد الدين بطبيعتها، وأن أتباعها ومنظّريها لم يتنكروا لانتماءاتهم واهتماماتهم المسيحية الدينية، أو حتى الكنسية. أما القسم الثاني فيتوقف عند قراءة مماثلة موجودة في سياق التفكير الفلسفي الأنكلوسكسوني، كما قدّمها تشارلز تايلر الذي طور أطروحة تدور حول

الجذور والافتراضات الدينية الطبيعية والأصلية للعلمانية، مناقشًا مسألة مفادها أن الدعوة الحداثوية للتخلص من السحر والتطير، مستوحاة من أفكار ومفاهيم مشتقة في أصلها من المخيال الاهوتي للإصاح البروتستانتي، والحركة الإنسية في عصر النهضة. وتختتم الدراسة ببعض الماحظات والأفكار المتعلقة بالقراءة الغربية الكاسيكية لحركتَي التنوير والحداثة، من حيث كونهما حركتين تتبنيان رؤية ضد دينية وإلحادية، والنظر في الكيفية التي يمكن القراءة الغربية الجديدة الحالية لنفس الموضوع، أن تقدم دعوة متجددة لإعادة النظر في العلمانية وقيمتها من زوايا ومقاربات مختلفة.

Associate Researcher, Center for Comparative Theology and Social Issues Bonn University, Germany. nawad@uni–bonn.de

Abstract: Until recently, a considerable number of Western scholars and interpreters adopted the conviction that the intellectual imaginations called "the Enlightenment" and "Modernity" are essentially a secularist and atheistic movements that were generically hostile to religion, and they launched a ferocious war to cast religious belief out of the scene. In opposition to this conventional conviction, this study displays examples of contemporary Anglo– Saxon theological and philosophical voices of scholars who call for re–reading the Enlightenment’s and Modernity’s projects and realizing that they were intellectual movements deeply rooted in historical theological and religious views and conceptions. The essay offers first three voices from the contemporary theological arena in The United Kingdom and the United States of America, which argue that Enlightenment’s and Modernity’s secularity was not actually atheistic or anti–religious in nature, and its followers did not deny their religious, even churchly, affiliation and interest. The second part of the essay sheds strong and attentive light on a similar reading in contemporary Anglo–Saxon philosophical reasoning by probing the discourse of the contemporary philosopher, Charles Taylor, who also develops in his writings a thesis on the religious roots and presumptions of secularism, arguing that the modernist call for disenchantment is inspired by ideas and concepts derived from the theological imagination of the Protestant Reformation and the Humanism of the Renaissance era. The paper ends, finally, with remarks related to the reception of the Western classical reading of the Enlightenment and Modernist secularity as anti–religious and atheistic and how the New Western reading of this subject can newly recommend a reckoning with secularism and its value from different perspectives and points of view.

مقدمة

منذ وقت ليس ببعيد، لم يقرن العديد من الباحثين والاهوتيين والفاسفة في الغرب عصرَي

التنوير Enlightenment، والحداثة Modernity بنشوء المذهب العقاني Rationalism فحسب، بل قرنوهما بولادة العلمانية Secularism أيضًا. كما أن الكثير منهم اختزلوا العلمانية في مفهوم الثورة على الدين، ومناهضة الإيمان الديني (المسيحي في هذه الحالة). ويمكن كلَّ من يعمل في حقل الدراسات الاهوتية والدينية في العالم الأنكلوسكسوني، أن يقرأ ويسمع إلى يومنا هذا، طائفةً من الاهوتيين والفاسفة الأنكلوسكسونيين المَعْنيين بتاريخ الفكر والفكر الديني، يعبّرون

عن قبولهم الزعم القائل: إن العلمانية ما هي إلا هجوم على الدين؛ فهم يتعاملون مع عصر "التنوير" و"الحداثة" باعتباره "عصر علمانية وإلحاد"، أو يكرِرون الحديث عن "علمانية تنوير" Enlightenment Secularism و"إلحادية تنوير" Atheism Enlightenment. وهناك من لا يزال يعرّف عصر "التنوير"

و"الحداثة" بأنه، من ناحية الجوهر، ذلك الزمن الذي قامت فيه العلمانية بثورة عقانية تنويرية أصيلة، أخفت في طياتها عداوة إلحادية مضمرة ضد الإيمان الديني، وسلطان رجال الإكليروس Clergy، والمؤسسة الكنسية، ولا شيء غير هذا.

نسعى في هذه الدراسة أن نقارب التساؤلات التالية: هل تُعتبر تلك القراءة لطبيعة التنوير والحداثة في الحقل الاهوتي المعاصر، قراءة صحيحة؟ وهل تستحق أن تستمر في الوجود والتداول في الحقل الاهوتي الأكاديمي الأنكلوسكسوني؟ وهل هي تفسير أمين لماهية الحراك الفكري التاريخي المقترن بالعلمانية ورسالتها العقانية، ولموقفهما من الديني والإلهي والاهوتي؟ وإذا كان الفكر التنويري الحداثي علمانيًا وعقانيًا بطبيعته، فهل يعني هذا بداهةً أنه فكر إلحادي معادٍ

للدين وقاتل ل "الإلهي" و"المقدس"؟ نحاول الإجابة عن تلك التساؤلات، من خال التعريف بطرح لاهوتي وفلسفي أنكلوسكسوني، مختلف ربما في قراءته ل "التنوير" و"الحداثة" والعلمانية التي تحيط به، وهو طرح الفيلسوف الكندي تشارلز مارغريف تايلر. كما سنعرض أيضًا أطروحات بعض الاهوتيين المعاصرين الذين قدموا مقاربات فكرية جديدة قد تفيد القارئ العربي، وقد اخترنا منهم مايكل غليسبي Gillespie Michael وباول أفيس Avis Paul وجون ملبانك John

. Milbank

نقدم في القسم الأول آراء لاهوتية، بدأت تظهر منذ العقد الأخير من القرن الماضي، في أوساط البحث الاهوتي الأكاديمي الأنكلوسكسوني، تحاول أن تغير من نظرة الفكر الاهوتي المذكور التشكيكية في قيمة "التنوير" و"الحداثة"، ومقاربته أن عصرهما هو عصر للإلحاد، لمجرد اقترانهما بالعلمانية، وذلك من خال تبيان الجذور الفكرية الاهوتية للفكر العقاني، وتجذر أطروحات الحداثة والتنوير في الإرث الاهوتي، ومن خال تبيان أن القسم الأهم من مفكري التنوير والحداثة ومنظريهما العلمانيين والعقانيين، كانوا في الواقع دينيين، ومنغمسين في الفكر الاهوتي، فيما يتعلق بالقضايا التي يثيرونها، وهم في ذلك أبعد ما يكونون عن الإلحاد. وفي القسم الذي يليه، تتوقف الورقة البحثية عند النموذج الذي يناهض أطروحة اختزال التنوير الحداثوي بالإلحاد، على قاعدة اعتباره عصر العلمانية والعقانية حصرًا. هذا النموذج المحتضَن

لاهوتيًا هو مشروع الفيلسوف الكندي تايلر، الذي يعيد قراءة تاريخ سيرورة الفكر العلماني زمن

التنوير والحداثة على حد سواء، من خال تجذيره في أصوله المعرفية والمفاهيمية المستقاة من الفكر الاهوتي المسيحي من عصر النهضة وما بعده. وبعد الإجابة عن الأسئلة المشار إليها، نختتم بتسليط الضوء على الممكنات الفكرية التي يفتحها مسار التفسير الجديد لعلمانية التنوير والحداثة، وعاقتها بالإلحاد أمام مسألة التفكير في عاقة الدين بالعلمانية، ومقاربات الاهوتيين والمعنيين بالفكر الديني،

(((سينصبّ تركيزي في هذه الدراسة على وجود هذا الصوت المذكور في حقل الدراسات الاهوتية الأكاديمية الأنكلوسكسونية

بالتحديد، لأنه الحقل العلمي الذي أنتمي إليه في تخصصي، وأعمل فيه منذ أكثر من عقدين. كما أني أعرض أطروحة الفيلسوف الكندي تشارلز مارغريف تايلر Taylor Margrave Charles المأخوذة من الحقل الفلسفي وليس الاهوتي، لأن مشروع تايلر الفكري يحظى اليوم باهتمام جدي وواسع من الباحثين الأكاديميين الاهوتيين في العالم الأنكلوسكسوني، وهو مقروء بإيجابية في ذاك

الحقل. انطاقًا من هذا البعد التخصصي الاهوتي، ستقتصر الدراسة على عرض أصوات لاهوتية صرفة، مع استثناء تايلر الفلسفي

للسبب الذي ذكرته آنفًا، من دون التطرق مثا إلى قراءات أخرى مهمة قام بها فاسفة غربيون ألمان، يعملون في حقول الفلسفة المختلفة غير المعنية بالفكر الديني على نحو مباشر، مثل المفكر الألماني كارل شميت Schmidt Carl (1985–1888) في العالم الغربي أو المفكر العربي عزمي بشارة في العالم العربي. فك  الباحثين يتناول المسألة المعنية عبر مقاربات من خارج حقل التفكير الاهوتي أو حتى الديني.

لتجربة التنوير والحداثة، في ضوء القراءة الجديدة في أوساط البحث الاهوتي الأنكلوسكسوني، والتي تدعونا لكشف الغطاء عن تجذرٍ لاهوتي عميق للخطابات الناظمة للفكر العلماني زمن التنوير والحداثة على حد سواء، وبصورةٍ تضع اقتران مصطلح "العلمنة" مع مصطلح "الإلحاد" أمام التساؤل والتفنيد.

أولا: التنوير والحداثة وخطاب اللاهوت المعاصر: تنوير إلحادي أم ديني؟

أقدّم في هذا القسم من الدراسة، خطابًا لاهوتيًا أنكلوسكسونيًا معاصرًا، يسعى لإعادة تقييم "التنوير" و"الحداثة" في عاقتهما بالفكر الاهوتي، والخطاب الديني في تاريخ السياق المعرفي في الغرب. وسأعرض محاولات هيرمينوطيقية، سعت لتفكيك الخطاب الاهوتي الكاسيكي لحقل الدراسات الاهوتية الأنكلوسكسونية، والذي يقرن التنوير والحداثة بعلمانية إلحادية، ويربط ماهويًا بين "الحداثة" و"النزعة الادينية"، وبين "العلمانية" و"نهاية الإيمان الديني". تجيب النماذج الثاثة عن الأسئلة المطروحة في المقدمة، باعتبارها رؤى لاهوتية تغطي الفترة التاريخية بين تسعينيات القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. فأولئك الباحثون الثاثة المشار إليهم نشروا أطروحاتهم في الأعوام 1990 و 2008 و 2023. وسنسردها بحسب ترتيبها الزمني.

(((يوجد في المكتبة الاهوتية والتاريخية الغربية المعاصرة، أدبيات أخرى تضاف إلى النماذج الثاثة التي أقدمها، تناقش مثلها بأن

عصري التنوير والحداثة وعلمانيتهما لم يكونا حراكًا معرفيًا ضد الدين والاهوت، ولكن حجم هذه الدراسة لا يتيح فرصة التطرق

إليها وعرض أطروحاتها. ينظر على سبيل المثال:

Nigel Aston, Art and Religion in Eighteenth–Century Europe (London: Reaktion Books, 2009); Genevieve Lloyd, Enlightenment Shadows (Oxford: Oxford University Press, 2013); Stewart J. Brown & Timothy Tackett, The Cambridge History of Christianity: Enlightenment, Reawakening and Revolution, 1660–1815 , vol. 7 (Cambridge: Cambridge University Press, 2006); David Sorkin, The Religious Enlightenment: Protestants, Jews and Catholics from London to Vienna (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008); William J. Bulman & Robert G. Ingram, God and the Enlightenment (Oxford: Oxford University Press, 2016).

(((ينبغي الإشارة ههنا إلى أن محاولات قراءة وتفسير فكر عصري التنوير والحداثة، بطريقة مختلفة عن القراءة الكاسيكية لهما أنهما عصرا علمانية إلحادية ومعاداة للدين، ظهرت في ساحة الفكر والبحث الأكاديمي في الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد انحسرت موجة الاهتمام بهذا الموضوع بعدها، ليعود هذا الاهتمام إلى الساحة مع دخولنا في فترة ستينيات القرن العشرين. نذكر من تلك المحاولات على سبيل المثال:

Hugh Trevor–Roper Religion, the Reformation and Social Change (London: Macmillan, 1967); Norman Hampson, The Enlightenment: An Evaluation of Its Assumptions, Attitudes and Values (Harmondsworth: Penguin, 1968);

ينظر حول دراسات معاصرة تتطرق إلى تلك المحاولات المبكرة:

Nigel Aston, "The Established Church," in: William Doyle et al. (eds.), The Oxford Handbook of the Ancien Régime (Oxford: Oxford University Press, 2012); H. M. Scott, Enlightened Absolutism: Reform and Reformers in Later Eighteenth–Century Europe (Basingstoke: Macmillan, 1990); Dominic Erdozain, The Soul of Doubt: The Religious Roots of Unbelief from Luther to Marx (Oxford: Oxford University Press, 2015).

1. جون ملبانك والرحم اللاهوتي للعلوم الاجتماعية

في عام 1990، نشر الاهوتي البريطاني ملبانك، الذي شغل منصب أستاذ الاهوت في جامعة نوتنغهام، كتابه المرجعي المهم: اللاهوت والنظرية الاجتماعية: أبعد من العقل العلماني Theology. قدم فيه نظرية معرفية باتت تشكل اليوم أحد and Social Theory: Beyond Secular Reason أعمدة مدرسة "الأرثوذكسية الراديكالية Orthodoxy Radical ". وهي مدرسة لاهوتية فكرية قائمة بذاتها، وذات حضور مهمّ في الأوساط الأكاديمية الاهوتية على طرفَي المحيط الأطلسي، منذ

مطلع تسعينيات القرن الماضي. ويقوم مشروع ملبانك ورفاقه في هذه المدرسة على قناعة مفادها أن العالم المادي البشري والتاريخي الذي نوجد فيه، يحتضن في طياته وتضاعيفه غير المنظورة، حضورًا عميقًا ل "الإلهي" و"المقدس"، يشبه حضور الشفرة أو الرمز السري الذي نستدل بواسطته

على زيف العملة النقدية الورقية أو أصالتها. وبما أن الإلهي "الامنظور" ينتشر باطنيًا في المنظور،

فإن فهمنا له يكون بالاعتماد على أدوات التفسير. والفهم العلمي يفترض منهجيًا ومنطقيًا أن نسبر

في طياته أغوار الفكر البشري الذي يختص بالتعامل مع الميتافيزيقي؛ أي الاهوت والدين. ومن هنا، فإن أي ممارسة علمية صحيحة لأي نشاطٍ معرفي تفسيري علمي وعلماني يجب أن تتنبه إلى البنى الداخلية والافتراضات المسبقة الاهوتية في أي حقلٍ من الحقول المعرفية. كما يعتبر ملبانك ورفاقه أن هذه الفرضية البدئية ليست مجرد دعوة للأدوات والمعارف غير الدينية للإنسان، كي تعيد دومًا النظر في عملية فهمها لذاتها، بل هي أيضًا دعوة للفكر الاهوتي والديني (المسيحي في

حالة الغرب)، كي يعيد أيضًا فهم ذاته باستمرار، على قاعدة لحظِ عاقته الوثيقة ودوره التاريخي في صياغة مسالك المعرفة البشرية العلمانية. فكيف يحقق الاهوت المسيحي هذا الأمر؟ يجيبنا ملبانك ورفاقه بالقول إنه من خال تجديد الفكر الاهوتي والإيماني، ليس من قاعدة نبذ الماضي وتجاوزه تضادّيًا، وإنما من خال جعله يسير نحو رحلة إعادة تفكيرٍ بذاته، في ضوء التفاعل

مع الماضي وسيرورة التاريخ. فالطموح خلف هذه الدعوة المبدئية هو أن يعود الإنسان "ما بعد الحداثي" modern – Post لتلمس المقدس الإلهي المتعالي في تضاعيف المنظور والمرئي في الثقافة والوجود المجتمعي البشريين، ما يجعل الإنسان، في رأي الأرثوذكسية الراديكالية، يدرك أن الثقافي والمجتمعي لهما طبيعة لاهوتية من ناحية الجوهر والجذور. وهذا يعني أن مهمة الاهوت المعاصر، وفق ملبانك، هو في جعل الوعي السوسيولوجي والأنثروبولوجي للإنسان المعاصر، يعيد

(((كلمة "أرثوذكسية" هنا لا تعني طائفة أو كيانًا كنسيًا مسيحيًا معينًا، مثلما نتحدث مثا عن "الكنسية الأرثوذكسية". ف "أرثوذكسي "

هنا تشير إلى الإيمان المسيحي العقائدي الاعترافي الناظم لعاقة المسيحي بالإله، أي إنها تدل على الفكر الاهوتي "المستقيم." وللتعرف على هذه المدرسة المذكورة وعلى طروحاتها ومبادئها. ينظر:

D. Stephen Long, "Radical Orthodoxy," in: Kavin J. Vanhoozer et al. (eds.), The Cambridge Companion to Postmodern Theology (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2003), pp. 126–148; John Milbank, Catherine Pickstock & Graham Ward (eds.), Radical Orthodoxy: A New Theology (London/ New York: Routledge, 2003); Graham Ward, The Postmodern God: A Theological Reader (Oxford, UK/ Malden, USA: Oxford University Press, Blackwell Publishing, 2004).

(((أمثال غراهام وارد، وكاثرين بيكستوك Pickstock Catherine، وكونور كننغهام Cunningham Conor، وجيرارد لولين Gerard

Loughlin، ووليام كافانو Cavanaugh William.

اكتشاف أصوله وجذوره المنغرسة في أرضية الفكر الاهوتي، التي طمستها وتنكرت لها مدارس الفكر الاجتماعي الغربية في العقود السابقة. فكيف يتحقق هدف إعادة تذكير السياق الثقافي والمجتمعي والأكاديمي الخاص بالعلوم الاجتماعية بجذور وعي ذاتها الاهوتية والدينية؟ يعتقد ملبانك أن هذا يتحقق من خال دعوة حقول المعرفة المذكورة لخوض رحلة إعادة فهم ذاتها من خال سفرها في التاريخ، وتتبع لحظة تشكلها في الماضي؛ حيث يمكنها إيجاد الإرهاصات الاهوتية المتجذرة فيها، والتي نمَت في صمتٍ وتعرضت

للتهميش، بل الإنكار أحيانًا، خال مرحلة معينة من تاريخ الفكر في الغرب. علينا ههنا أن نجعل العلوم الاجتماعية الناظمة للمعرفة البشرية اليوم، تُنصت للملمح الاهوتي الذي شكّلها يومًا ما، من

ماضي تطور الفكر المعرفي الغربي في العصور الوسطى. وعلينا أيضًا أن نجعل العلوم الاجتماعية التي تحولت إلى حقول أكاديمية قائمة بذاتها، وممثلة للفكر البشري في عصر التنوير والحداثة، تتخلص من وهم نشأتها العلمانية الادينية الإلحادية، وأن تعود لوعي ذاتها، وتتأمل أصولها الدينية – الاهوتية المعرفية والمفاهيمية الصريحة. يدور فلك الإطار الاهوتي المركزي الذي تقدمه مدرسة الأرثوذكسية الراديكالية حول فكرة "التشارك"، إذ ينبغي لكافة حقول العلوم الاجتماعية أن تنتبه من جديد للنفحات الاهوتية التي تربض ضمنيًا،

وعلى نحو مستتر في أعماقها. وإلا فإن هذه العلوم ستكون عبارة عن خطابات تفتقر إلى الأسس والقواعد المعتبرة، التي تأسست عليها، كما تتقصى الأرثوذكسية الراديكالية في محاولة منها لإعادة تصور ثقافات معينة من زاوية مطارحات لاهوتية هي في حد ذاتها مقاربات وحيدة إنكارية فوضوية لا تؤمن بالمعتقدات والأديان، والكفيلة دون سواها بأن تؤدي دور الرافع لأي حقيقة وجود زائلة. ومن نقطة الانطاق من المفاهيمية القبلية Apriori المذكورة سابقًا، يكتب ملبانك في مؤلفه اللاهوت والنظرية الاجتماعية أطروحة هدفها البرهنة على أن بنية الفكر الثقافي، المتشكلة في زمن التنوير والحداثة، ما هي إلا إرث لاهوتي مسيحي قديم، يعود إلى الفكر الاتيني السكولاستي Scolastique بامتياز، مع القديس توما الإكويني Aquinas Thomas (1274–1225)، والقديس جون دانز سكوطس Scotus Duns John)1308–1265(. وسواء اعترف مفكرو التنوير والحداثة أو عصر "ما بعد الحداثة" بهذه الأصول أم لا، فإن هذا لا يغير من الحقيقة القائلة: إن العديد من المفاهيم والمنهجيات التفسيرية الموجودة في العلوم الاجتماعية التنويرية الحداثية التي اعتدنا على وصفها بالعلمانية

(6) John Milbank, Theology and Social Theory: Beyond Secular Reason , 2 nd ed (Oxford, UK/ Malden, USA: Blackwell Publishing, 2006), pp. 1–7.

ينظر أيضًا في نصوص زميل ملبانك في مدرسة الأرثوذكسية الراديكالية، غراهام وارد أستاذ الدراسات الاهوتية في جامعة مانشستر:

Graham Ward, Cities of God (London/ New York: Routledge, 2000); Graham Ward, True Religion (Oxford, UK/ Malden, USA: Blackwell Publishing, 2003); Graham Ward, Cultural Transformation and Religious Practice (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2005). (7) Long, pp. 4–5. (8) Milbank, pp. 221–239; 305–330; 432–435.

والادينية، اشتقت وتشكلت وفق قاعدة افتراضات ونقاشات لاهوتية صرفة، باتت اليوم مطموسة ومغيَّبة؛ الأمر الذي يجعل من الاهوت في ذاته أشبه بسردية ماورائية Metanarrative للنظريات

الاجتماعية، وعلم اجتماعي تنويري مثالي ونموذجي. يناقش ملبانك هؤلاء معتبرًا أنه من خال موقفهم الخنوعي هذا، يكونون قد احتضنوا الفهم الشعبي

الشائع عن فكر التنوير والحداثة، القائل إنه: ضد لاهوتي Anti–theological وما وراء ديني Meta–religious. ولهذا، بدلً من أن يميطوا اللثام عن الافتراضات وآليات التفكير الاهوتية، الكامنة في تضاعيف سردية تشكيل خطابات العلوم الاجتماعية التاريخية، نجد هؤلاء قد ارتكبوا ما يُمكن نعته ب "المعصية التاريخية"، لمّا استعاروا من دون تردد، وبانصياع تام، التفاسير والمقاربات المعادية للمسيحية وللدين في حقول العلوم الاجتماعية المذكورة، ووظفوها في تفسير عاقة الاهوت بالثقافة وتقييمها. وعلى الضد من هذا التوجه وتلك المعصية التاريخية، ينبغي لعلماء الاهوت اليوم أن يقدموا أدوات التفسير والتفكيك التي تحتاج إليها العلوم الاجتماعية التنويرية الحداثية، كي تعيد فهم ذاتها وتتدارك أصلها الديني وجوهرها الاهوتي. إذًا، وعلى الضد من الاعتقاد السائد ب "لادينية" و"لا لاهوتية" الإرث الفكري التنويري – الحداثي، فإن علماء الاهوت اليوم مدعوون لتوظيف الفكر الاهوتي التاريخي في إعادة قراءتهم لتاريخ الفكر الأوروبي، بدءًا من العصور الوسطى، ومرورًا بعصر النهضة، وصولً إلى عصر الحداثة، بأسلوبٍ

كفيل بأن يبين لفضاء المعرفة التنويري – الحداثي، أنه، أولً، تشكّل على هيئة فكر ديني تاريخي – سكولاستي وفي إطاره؛ وثانيًا، أنه يقدم خاصات لا تقل نسبية ومحدودية وظرفية عن الخاصات

التي يقدمها الاهوت. بناءً عليه، كما أن العلوم العلمانية يمكنها أن تقوم بذاتها علومًا أصيلة وجديدة،

من دون الحاجة إلى الاهوت، فكذلك الاهوت يمكنه أيضًا أن يستغني عن خاصات تلك العلوم، من دون أن يتأثر أو أن يفتقر إلى العقانية، وفق ملبانك. لكن كيف سينجح علماء الاهوت في القيام بهذه المهمة؟ ربما سينجحون من خال ما يلي: أولً، تطوير قراءة بديلة لسيرورة تطور الثقافة والسوسيولوجيا المعرفية في العالم الغربي؛ وثانيًا، تصحيح خطابات العلوم الاجتماعية التنويرية

والحداثية وادعاءاتهما الادينية، وإعادة تقييم صوابية تلك الادعاءات ومشروعيتها علميًا وتاريخيًا،

والأهم من كل هذا، ثالثًا، كشف العناصر الاهوتية المتوارية في طيات سرديات العلوم الاجتماعية

(9) Ibid., pp. 49–100. (10) Ibid., p. 380.

وسبق أن فككت العاقة المفاهيمية والمنهجية التي يمكن أن نسبرها في دراستنا لتاريخ التفاعل بين علم الاهوت وحقول المعرفة العلمانية الأكاديمية الأخرى، في تاريخ العالم الغربي التنويري والحداثي وما بعد الحداثي، وبينت أن تلك العاقة يجب أن تمضي

إلى ما وراء خيار التبعية ونيل الرضا والرضوخ، أو خيار الهيمنة والسيطرة والوصاية. ينظر: نجيب جورج عوض، ما بعد الحداثة

ومستقبل الخطاب الديني في الغرب: أنطولوجيا "شخص" و"علاقة" أنموذجًا (الرباط/ بيروت: مؤسسة مؤمنون ب  حدود للنشر

والتوزيع، 2017)؛ ينظر أيضًا نسخة الكتاب الأصلية الصادرة بالإنكليزية:

Najib George Awad, Persons in Relation: AN Essay on the Trinity and Ontology (Minneapolis, MN: Fortress Press,

عن الوجود المجتمعي والثقافي والمعرفي البشرية. ومن واجب الاهوت أن يخبر العلوم التنويرية والحداثية الاجتماعية عن ماهيتها الأصلية، ومنشئها التاريخي التراجعي Retrospective. وما تقاعُس المسيحية اليوم عن القيام بهذا، في رأيه، سوى تنكر من الخطاب الكنسي والاهوت الأكاديمي على حد سواء، للحقيقة الاهوتية التي تنفي زعم العلمنة الإلحادية، الذي يتردد في الأوساط العلمية والعامة على حد سواء.

2. مايكل غليسبي، ورحلة الميتافيزيقية الاسمانية إلى العلمانية الحداثية

في عام 2008 قدّم غليسبي رؤيته في مؤلَّفه الأصول اللاهوتية للحداثة The Theological Origins of Modernity. ومن أول صفحات التوطئة لكتابه، نجده يخط مامح الأطروحة الناظمة التي سيعمل عليها، بقوله: "لم تسْعَ الحداثة منذ بدايتها إلى التخلص من الدين، وإنما إلى دعم وتطوير رؤية جديدة عنه، ومنزلته

في الحياة الإنسانية. ولم تقُم بهذا انطاقًا من عداءٍ تجاه الفكر الديني، وإنما بغرض المحافظة على ديمومة أفكار ورؤى دينية محددة [...]. من الأفضل أن نفهم الحداثة محاولة لإيجاد إجابات ميتافيزيقية أو لاهوتية جديدة، عن التساؤلات حول طبيعة الإله والعاقة معه، وطبيعة الإنسان والعالم المادي والعاقة معهما. تلك التساؤلات تمخضت في أواخر القرون الوسطى، عن الصراع الهائل بين عناصر متناقضة وُجدت في قلب المسيحية في حد ذاتها [...] رغم أن هذا الجوهر الاهوتي الميتافيزيقي

للمشروع الحداثي، جرى طمسه عبر الزمن، على يد العلوم التي خلقها هذا الجوهر عينه. إلا أن هذا الأساس الاهوتي لم يُطمَر عميقًا في تربة التحجب والتهميش، بل ظل قريبًا من السطح، متابعًا

ممارسة دوره – وإن كان ذلك يسري في الخفاء – ليُلهم ويوجّه أفكارنا وأعمالنا، وغالبًا ما يكون ذلك

وفق طرائقَ لا ندركها، ولا نفهمها". وفي معرض سعي غليسبي لتقديم شرحٍ مسهب بغية دعم أطروحته، يقرر التنقل في التاريخ، عائدًا إلى أواخر العصور الوسطى في العالم الاتيني، حيث لحظة انشغال علماء الاهوت الفرنسيسكان Fransiscan مثل وليام الأوكامي Ockham of William (1348–1288)، في السجالات الاهوتية مع علماء الاهوت السكولاستيين، حول فكرة الوجود ومعنى الكينونة Being، ومعنى أن يكون لدينا كينونة. وقد سُميت أطروحة علماء الاهوت الفرنسيسكان الأنطولوجية حول فكرة الكينونة، وإسقاطاتها حول

طبيعة عاقة الوجود بالإله والطبيعة، باسم "الثورة الاسمانية" Revolution Nominalist. وقد سعى المؤيدون لاسمانية منذ تلك اللحظة التاريخية، مرورًا بعصر النهضة، وحركتَي الإصاح البروتستانتي Reformation Protestant، والإنسية Humanism، وصولً إلى عصر التنوير، وبعده الحداثة، أن يقدموا

(11) Milbank, p. 389. (12) Ibid., pp. 388–406. (13) Michael A. Gillespie, The Theological Origins of Modernity (Chicago/ London: University of Chicago Press, 2008), p. 12.

معادلة هيرمينوطيقية "لاهوتية – فلسفية" عن العاقة بين ثالوث "الإله والإنسان والطبيعة". ومن هنا، فإن التنوير والحداثة ظهرا في التاريخ، نتيجة لسلسلة من المحاولات، لإيجاد مخرج من أزمة معرفية نشأت عن ثورة الاسمانية المذكورة. كما نشأ لاهوت اسماني عن هذا الجدل، والفكر الديني نفسه المذكور، أدى في عصر النهضة إلى مياد "المدرسة الإنسية"، وموقفها من هيمنة المقدس على طرفَي المعادلة الآخرَين؛ الإنسان والطبيعة، ورفضها لهذه الهيمنة، وكذلك لولادة الإصاح البروتستانتي مع

مارتن لوثر Luther Martin (1546–1483)، وحديثه عن إرادة الإنسان، وحريته في عاقتها بالمقدس، وهيمنة الإنسان والإله على الطبيعة. كما يؤكد غليسبي أن فهمنا اليوم للحركة الإنسية أنها حركة مضادة للدين، أو حركة تدعو للإلحاد في فترة التنوير والحداثة على حد سواء، هو فهم خاطئ وغير تاريخي. فالحركتان الإنسية والإصاحية البروتستانتية في عصر النهضة، ومعهما الحركة التنويرية في عصر الحداثة، كلها في نهاية الأمر حركات مسيحية من ناحية الماهية والطبيعة والدوافع، وإنْ كانت تقدم نُسخها الخاصة والبديلة والثورية، المتمايزة من التقليد الديني المسيحي القديم. منذ نشأة فكرة الاسمانية، مع الأوكامي في العصر الوسيط، إلى فترة وصول هذا الاهوت إلى عصر النهضة، متطورًا بعد ذلك إلى الفكر الإنسانوي مع فرانشيسكو بترارك Petrarch Francisco –1304(

1374)، ومرورًا بالفكر الإصاحي عند لوثر، وصولً إلى صيرورة هذا الاهوت الميتافيزيقي في الفكر

العقاني Rationalism والمادي Materialism مع ميستر إكهَرت Eckhart Meister (1328–1260)، وفرنسيس بيكون Bacon Francis (1626–1561) في عصر التنوير والحداثة، يرسم غليسبي مسارًا

لسيرورة تطور الفكر التنويري الحداثي يمتد عدة قرون، ويقترح أنّ أولئك المفكرين، عبر تلك المحطات التاريخية المتنوعة، لم يعتقدوا أنهم يخترعون شيئًا جديدًا، وإنما يقومون فقط بإعادة إحياء

وتجديد حلّة لشيءٍ عتيق وتقليدي. كل الأطروحات التي تبدو معادية للدين وإلحادية في فكر التنوير والحداثة، ما هي في الواقع إلا أفكار منشؤها لاهوتي صرف، وُلدت من رحم "الثورة الاسمانية" الاهوتية الميتافزيقية، حتى ليمكننا القول،

إن فهم الصيرورة والتغيير الجديد، بصفته تعبيرًا عن المشيئة الإلهية، ما هو إلا الأساس الأنطولوجي

لوعي الحداثة لذاتها. ولهذا، فإن الإلحاد والمادية الإلحادية، في فضاء التنوير والحداثة، لهما منشأ لاهوتي هو الثورة الاسمانية. وبدلً من أن يكون مفكرون تنويريون، أمثال بيكون وغاليليو غاليلي

(14) Ibid., p. 15. (15) Ibid., pp. 200–320; Albert Rabil, Renaissance Humanism: Foundations, Forms and Legacy (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1988); Charles Trinkaus, The Scope of Renaissance Humanism (Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1983); Richard C. Marius, Martin Luther: The Christian between Life and Death (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999); Heiko Oberman, "'Iustitia Christi' and 'Iustitia Dei': Luther and the Scholastic Doctrines of Justification," Harvard Theological Review , vol. 55, no. 1 (1966), pp. 1–26. (16) Gillespie, p. 34.

((1:(ينظر Ibid., p. 36؛ وحول ابتعاد المفكرين الماديين في عصري التنوير والحداثة عن الإلحاد وتأكيدهم على طبيعته السامية التي تجعله أسمى من أن يكون جزءًا من الطبيعي، ينظر:

Charles Larmor, The Morals of Modernity (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).

Galilei Galileo (1642–1564)، ورينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، وتوماس هوبز Hobbes Thomas (1679–1588)، روادًا للتنوير والحداثة الإلحاديين، يصبحون، وفق قراءة غليسبي، بناةً للتمظهر الحداثي لاهوت الاسمانية، بحيث يصبح بيكون واضع الأساسات، وغاليليو وديكارت وهوبز بناة الجدران الأربعة. وما الأطروحات المتعلقة بعاقة الإنسان، وإرادته الحرة بالطبيعة، ودوره في إخضاع العالم المادي، سوى عملية إعادة تعبير بمفردات جديدة، عن نفس التساؤل البدئي العميق في دينيَّته. ولهذا، ونحن نتطلع اليوم إلى عصر التنوير والحداثة، بعيونٍ "ما بعد حداثية"

معاصرة، نتساءل ما إذا كان فكر التنوير والحداثة قد نجح في إيجاد حلٍ لهذه العاقة الإشكالية الثالوثية (الإله، الإنسان، الطبيعة)، بفضل الأفق الأنطولوجي الذي أشار إليه، أم أن التنوير والحداثة في أقصى حدودهما العلمانية، لا يمكنهما تجنب السؤال الاهوتي – الميتافيزيقي الذي نشآ من رحمه. في ضوء هذا الطرح، يعلن غليسبي خطأ قراءة التنوير والحداثة باعتبارهما فضاءَين فكريين علمانيين،

متحررين من الفكر الديني أو مناهضين له من وجهةٍ إلحادية. فما فكر التنوير والحداثة سوى بعض مخرجات فكر الإصاح البروتستانتي، وفكر عصر النهضة الإنسي. وما العلمانية أيضًا سوى بعض تمظهراتهما الراديكالية. ولهذا، فحتى لو كان زمن التنوير والحداثة يُنعت ب "عصر موت الإله"، كما ادعى

ذلك الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844)، فإنه زمن، كما يقول غليسبي، ما زال يُفهَم معرفيًا في سياق عاقته بفكرة الإله والمقدس الديني، أي إنه ما زال يُعرف بمنطقٍ

لاهوتي، حتى لو كان هذا المنطق يمثل لاهوتًا نافيًا Theology Negative، وليس جازمًا Cataphatic

Theology بطبيعته. ومن هنا، يستنتج غليسبي قائا: "في معرض محاولة تحديد تأثير الدين في التنوير

والحداثة، من المهم جدًا أن لا نفترض بشيءٍ من التبسيط أن أولئك الذين عارضوا عقائد دينية معينة، هم إما لا دينيون وإما ماحدة". وفي الحصيلة، يقرّ غليسبي: "أن سلسلة التبدلات التي قادت إلى

نشوء عالم الحداثة، على مدى ما يفوق الثاثمئة عام، كانت نتيجة محاولاتٍ متكررة (وإن كانت غير موفقة في المحصلة القصوى)، لتطوير ميتافيزيقيا خاصة Spcialis Metaphysica متماسكة، يمكن التعويل عليها في تفسير العاقات بين الإنسان والإله والطبيعة في إطار أنطولوجية اسمانية [...]، إن الرفض المظهري للدين وتغييب الاهوت يخفيان في الحقيقة وجودًا مستدامًا ذا مغزى، للمسائل

الاهوتية، ولالتزام الديني في عصر الحداثة".

3. بول إيفيس والخلفية الدينية لمشروع التنوير العلماني

شهدت بداية عام 2023، صدور كتاب اللاهوت والتنوير: مساءلة نقدية للاهوت التنوير وكيفية تلقيه

Theology and the Enlightenment: A Critical Enquiry into Enlightenment Theology

(18) Gillespie, p. 39. (19) Ibid., p. 42. (20) Ibid., p. 43. (21) Ibid., p. 227. (22) Ibid., pp. 270–272.

and its Reception لمؤلفه عالم العقيدة وأستاذها في جامعتي إدنبرة وإكستر؛ بول إيفيس. لا يُجري

إيفيس في كتابه مقاربة "أركيولوجية – تاريخولوجية"، تتقصى اكتشاف جذور فكر التنوير والحداثة في ماضي الفكر الاهوتي الديني الاتيني، الذي يعود إلى العصر الوسيط وعصر النهضة. عوضًا عن ذلك، يركز على عصري التنوير والحداثة في ذاتهما، ويعقد مقاربة منهجية تفكيكية مفاهيمية لمقاربات أهم المفكرين المفتاحيين، الذين شكلت أطروحاتهم في مجملها ما نسميه كاسيكيًا اليوم

ب "علمانية التنوير" أو "إلحادية التنوير". يكشف إيفيس الغطاء عن المقاربات والافتراضات والهواجس الاهوتية والدينية الطبيعة الكامنة في تلك الأطروحات أو في ذهنية مقدميها من الفاسفة والمفكرين وفي شخصياتهم. كل هذا لإثبات أن فكر التنوير والحداثة لم يكن "لا دينيًا" و"لا إلحاديًا"، ولا تمثل

أطروحتاهما العلمانيتان العقانيتان بديا من حضور الوعي الوجودي المسيحي في الساحة الغربية. من المثير لاهتمام في كتاب إيفيس اعتقاده أن العديد من الاهوتيين في الغرب يتحملون مسؤولية التبني الفوري والمتسرع للقراءة الشائعة القائلة: إن زمن التنوير والحداثة هو ذلك العصر الذي يقول لنا: "لكي تزدهر الإنسانية، عليها أن تتحرر من الإله والكنيسة والدين والتطير Superstition، وكل ما من شأنه أن يمنع تمتع الإنسان بحرية ممارسة تفكيره العقاني". وقع العديد من الاهوتيين المعروفين في القرن العشرين في هذا الفخ، وزرعوا في رؤوس أجيالٍ كثيرة من طلبة الاهوت والدراسات الدينية مسألةً مفادها أن عصر التنوير والحداثة هو عصرٌ علماني إلحادي، جاء ليحل

محل الدين والفكر، ولهذا من المستحيل الحديث عن أي تواصلٍ واستمرارية غير منقطعة بينهما. دفعت تلك القراءة طيفًا واسعًا من المثقفين والمتابعين إلى تطوير قناعةٍ مفادها أن علينا التخلص من كافة آثار التنوير والحداثة، ومَحْوها من سياق التفكير والمنطق الاهوتي والديني، لأن التنوير

بالدرجة الأولى "عقاني، علماني، غير ديني، ولا يمت بِصلةٍ للإلهية، ومن ثم، فهو لا يائم المفكرين المسيحيين". وعلى الضد من هذه القراءة الاهوتية لفكر التنوير والحداثة، وعلمانيتيهما الإلحاديتين المزعومتين، يقدم إيفيس قراءة لاهوتية بديلة تصحيحية، وأكثر استقصائيةً وسبرًا بمنهجيتها الهيرمينوطيقية، محاولً

(23) Paul Avis, Theology and the Enlightenment: A Critical Enquiry into Enlightenment Theology and Its Reception (London/ New York: T&T Clark/ Bloomsbury Publishing, 2023), p. 55;

ويقتبس إيفيس تلك المقولة من الاهوتية النسوية الأنغليكانية Anglicanism البريطانية لغراهام. ينظر:

Elaine Graham, Apologetics without Apology: Speaking of God in a World Troubled by Religion (Eugene, OR: Cascade Books, 2017), p. 49;

سبق لإيفيس أن كتب قبل بضعة أعوام، مؤلفًا يناقش فيه المسألة نفسها، ولكن في إطار تاريخ الفكر في بريطانيا تحديدًا، وتقييم

نقدي لمنهجيات التفكير الاهوتي والمعرفي، وأيضًا في سياق التقليد الكنسي الأسقفي الأنغليكاني، الذي ينتمي إليه إيفيس شخصيًا. ينظر:

Paul Avis, In Search of Authority: Anglican Theological Method from the Reformation to the Enlightenment (London/ New York: T&T Clark, 2014). (24) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 52. (25) Ibid., p. 65.

أن يبين أنه خافًا لفرضية العداء والافتراق والتهديد والبدائلية، فقد استوعبت المسيحية الحداثية، واحتضنت نظرة التنوير والحداثة المتعلقة بخير الإنسان والمجتمع وسعادتهما ب  عوائق. ولهذا، يمكننا الحديث عن مقاربات روّاد فكر التنوير والحداثة ومشاريعهم، بصفتها محاولات تجديدية، ونقدية مسيحية، ذات نفَس لاهوتي واهتمام ديني، هدفها تصحيح المسيحية التقليدية وتجديدها، ولاهوتها الإشكالي: ثورة لاهوتية على الاهوت. ياحظ إيفيس، مثا، هذا البعد الاهوتي لثورة التنوير في مواقف العديد من المفكرين التنويريين الحداثويين تجاه عقائد الإيمان المسيحية، مثل عقيدة "التبرير بالإيمان" (بالاتينية: fide Sola) و"الخاص" Salvation. فيقترح أن العديد من نسخ تلك العقائد وتفاسيرها تتمظهر ويعاد التعبير عنها، بأشكال جديدة على يد مفكري التنوير، بمن فيهم الناقد الألماني غوتهولد إفرايم ليسينغ Lessing Ephrain Gotthold (1781–1729)، الذي يصف حركة التنوير بأنها تجسيد لتوقِ الإنسان لانعتاق والخَاص. يمضي إيفيس أبعد من هذا، معطيًا أمثلة أخرى، عند حديثه عن أحد آباء التنوير والحداثة، كجان

جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1788–1712)، مقترحًا عدم صواب الحديث عنه، بوصفه

مفكرًا ملحدًا يدعو العالم للتحرر من الإله، وأنه كان شخصًا متدينًا بشغف ومن كل قلبه، على الرغم

من علمانيته. مع أن روسو لم يكن مسيحيًا تقليديًا محافظًا، ولم يكترث يومًا بالكنيسة ومؤسساتها،

لأنه كان يرى فيها ضربًا من السلطوية، وأنها غير متسامحة، فهو لم يكن من أتباع الفكر الاهوتي المسيحي المحافظ والأرثوذكسي. ومع ذلك، فقد آمن بأن العالم وقلب الإنسان يمتلئان بحضور الإله. كما يذكر إيفيس أبًا آخر من آباء التنوير، وهو جون لوك Locke John (1704–1632)، فيذكّرنا بأنه لم يكن مجرد فيلسوف علماني عقاني لا ديني، بل كان كذلك لاهوتيًا وعالمًا بالكتاب المقدس،

في الكنيسة الأسقفية الأنغليكانية. مثله في ذلك مثل الفيلسوف هوبز الذي كان واحدًا من الباحثين في علم الكتاب المقدس، ولم يكن ملحدًا مستترًا أو سريًا، كما يدّعي البعض. يفسر لنا هذا الانخراط الشخصي والفكري لبعض رواد التنوير والحداثة، في الشأن الديني والفكر الاهوتي، كيف أمكن لفرقٍ دينية راديكالية، من أمثال الكويكرز "الصاحبيين " Quakers،

((2:(ينظر Ibid., p. 39؛ ويتفق إيفيس هنا في هذه النقطة مع كرين برنتون. ينظر:

Crane Brinton, Ideas and Men: The Story of Western Thought (New York: Prentice Hall, 1950), p. 369. (27) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 50.

((2:(ينظر Ibid., p. 57؛ ينظر أيضًا:

Jean–Jacque Rosseau, Confessions , J. M. Cohen (trans.) (Harmondsworth: Penguin, 1953); Jean–Jacque Rosseau, Reveries of the Solitary Walker , Peter France (trans.) (Harmondsworth: Penguin, 1979). (29) Avis, Theology and the Enlightenment , pp. 57–58.

ينظر أيضًا، حول هوبز والمسيحية:

R. W. Hepburn, "Hobbes on the Knowledge of God," in: Maurice Cranston & Richard S. Peters, Hobbes and Rosseau: A Collection of Critical Essays (Garden City, NY: Doubleday, 1972), pp. 85–108.

((3(وهم جماعة من الأخاء المنشقين عن سلطة الكنيسة، أواسط القرن 17، ويجنحون إلى السلم والمساواة.

والميثوديين"المنهاجيين " Méthodistes، والتقويين Pietism، وليس فقط الربوبيين

Deism، أن يوجَدوا في قلب فضاءٍ معرفي وفكري سائد، ما زالت الأوساط الاهوتية والدينية

تصرُّ خطأً على أن هذا الفضاء السائد لم يتسامح قط، إلا مع أتباع الفكر العلماني الإلحادي

والمعادي للدين. فكان وجود تلك الفرق متاحًا، وكان حضورهم مركزيًا، بل كان فاعا ومشاركًا في

النقاشات الفكرية والثقافية. كل ذلك لسبب بسيط، وهو أن هذه النقاشات الدائرة كانت لا تتمركز فقط حول المسائل السوسيولوجية والسياسية، بل تجاوزت ذلك بأن فتحت مجال الحوار أيضًا مع مسائل لاهوتية عميقة وكنسية صريحة، مثل النقاش حول عقيدة الكريستولوجية. ويمكن إسقاط الأمر نفسه على مواقف مفكري التنوير والحداثة، من مسألة الإيمان بالمعجزات. فمثا، وخافًا لمن يفترض علمانية بيكون وإسحاق نيوتن Newton Isaac (1727–1642) مقترنةً بالإلحاد، فإن ثورتهما العلمية لم تكن ثورة موجهة حصرًا، أو عمدًا نحو فكرة المعجزات في ذاتها، بل كانت حول

رفض العالم الديني لمقاربتها عقانيًا. فمن يقرأ نصوص نيوتن حول الكوزمولوجيا "الكونيات"

Cosmology، يجده يتحدث عن ضرورة وجود تدخل إلهي. بل نجد أيضًا من آباء فلسفة الطبيعيات، كروبرت بويل Boyle Robert (1691–1627)، يقبل بوجود المعجزات وحدوثها، ما دمنا نستطيع دراستها على قاعدة أدلة متوافرة. ولم يكن عند هؤلاء المفكرين والعلماء العقانيين من مشكلة مبدئية، في تأسيس حضورٍ للماورائي في قلب الطبيعي. إذًا، لا مكان حتميًّا هنا للإلحاد، كما اعتقد

بعض الربوبيين. يستنتج إيفيس من هذا كله الصعوبة الفعلية في التمسك بمقولة إن عصر التنوير والحداثة ما هو إلا ملحمة عداء وجود أو لا وجود، بين أتباع الفكر الديني والاهوتي، ومفكري العقانية والعلمانية. سنتمكن من التخلص من هذا الوهم عندما نتوقف عن التفكير في التنوير والحداثة، ظاهرتين علمانيتين عقانيتين إلحاديتين حصرًا، وحين نُقرّ بأن بعض توجهات التنوير كانت في

أساسها لاهوتية الطبيعة. ويعلق إيفيس على ذلك بقوله: "إن المشكلة الكبرى في موقف أولئك الذين ينتصرون للتنوير، من جهة، وموقف أولئك الذين يلومون التنوير على كل أمراضنا، من جهة أخرى، هي أن كليهما يفترض أن التنوير هو شيء واحد مفرد في ماهيته، وأننا نعرف تمامًا

وكليًا ما هو هذا الشيء في ذاته. على العكس من ذلك، أناقش بأن التنوير كان شديد التنوع

((3(ينتمون إلى حركة بروتستانتية، تؤيد الإصاح الديني وتتغنى بالأخاق الفردية، أسسها في بريطانيا المصلح البروتستانتي جون ويزلي Wesley John.)1791–1703(((3(حركة بروتستانتية، ظهرت في القرن 17، وكانوا يؤيدون بشدة المبادئ التي قامت عليها الإصاحات اللوثرية. ((3(يقوم معتقدهم على أن الإله هو خالق هذا العالم، مع رفضهم لأي وحي إلهي، وأن في إمكان العقل البشري أن يعطينا كل ما نريد معرفته في هذا العالم.

(34) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 15;

ينظر أيضًا:

Madeleine Pennington, Quakers, Christ and the Enlightenment (Oxford: Oxford University Press, 2021). (35) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 17. (36) Ibid., p. 18.

والتطييف، إلى درجة أن بعض توجهاته كان يناقض بعضًا، على نحو يوحي بصعوبة التصنيف والحصر والبروباغندا". من الخطأ الفادح، إذًا، أن نَعتبر التنوير والحداثة اليوم، مصدّرين لكافة الأمراض والعلل المفترضة، وخاصة "العلمانية" و"العقانية" و"الليبرالية" و"الإلحاد"، التي لا يزال يقرؤها ويفهمها على هذا النحو كثير من علماء الاهوت، وأتباع الفكر الديني. لم يعتقد آباء فِكر التنوير والحداثة هذا، أو لم يدعوا إليه على الأقل، بل إنهم اعتبروا الاهوتيين دون سواهم، بمنزلة الحَملَة الحقيقيين لمشعل مشروع التنوير والحداثة. هذا ما يقرّ به أحد أهم فاسفة التنوير والحداثة، فرانسوا ماري آروويه François–

Marie Arouet (1778–1694)، المعروف باسم فولتير Voltaire، إذ يقول: "لم يكن ميشيل دي مونتين Montaigne de Michel (1592–1533)، ولا لوك، ولا ويليام بيلي Paley William –1743(1805)، ولا باروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632)، ولا هوبز، ولا اللورد شافتسبري Lord Shaftesbury (1683–1621) […] هم من حملوا مشعل النقاش والاختاف والتباين إلى بلدانهم. من فعل هذا بالدرجة الأولى كانوا الاهوتيين". لم تكن علمانية التنوير خطابًا هدفه اقتاع الإيمان الديني، ومحاربة التعبد الإيماني، بل بعث روح جديدة قوية من النقاش والبحث الاهوتي. ولهذا من الخطأ اختزال التنوير والحداثة وإلحاقهما حصريًا بدلالة العلمانية. فضا عن اختزال العلمانية في حد ذاتها، وجعلها مرادفة حصرًا للإلحاد. فحتى إيمانويل كانط Kant Emmanuel (1804–1724)،

استخدم المنطق العقاني ليكشف محدودية التفكير العقلي المحض، واعتبر فكرة "الإله" واحدة من المسلمات المفترضة قَبْليًا Apriori، والقاعدة الناظمة للفكر البشري والضرورية كافتراض مسبق في

العقل العملي. واليوم، لا يجد كثير من الباحثين المختصين بالدراسات الكانطية studies Kantian، مشكلة في قبول أن كانط آمن بوجود "قانون أخاقي" و"خالق خَير" جنبًا إلى جنب، وأنه لم يتوقف يومًا

عن الاعتقاد في الإله. بناءً عليه، فإن استخدامنا غير المحسوب، إذًا، لتعابير مثل "عقانية" و"علمانية تنويرية"، من دون

تمحيص ومعرفة موثوقة، لم يكن إلا خدمة مسيئة لتاريخ بعض أهم الفاسفة المسيحيين في العصر

(37) Ibid., p. 29. (38) Ibid., p. 31.

((3(Ibid., p. 74؛ ينظر أيضًا:

Voltaire, Letters on England , Leonard Toncock (trans.) (Harmondsworth: Penguin, 1980), p. 67. (40) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 75. (41) Ibid., p. 76.

((4(Ibid., p. 159؛ حول كانط والعاقة بالفكر الاهوتي، والإيمان بالإله، ينظر:

Paul Guyer, The Cambridge Companion to Kant and Modern Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 2006); Christopher J. Insole, The Intolerable God: Kant’s Theological Journey (Grand Rapids, MI: W. B. Eerdmans, 2015); Christopher J. Insole, Kant and the Divine: From Contemplation to the Moral Law (Oxford: Oxford University Press, 2020).

الحديث. ففيلسوف مثل فولتير لا يتورع عن القول مثا: "إن الإله هو من منحنا مبدأ العقل الكوني". لا بل حتى المدرسة الفكرية المعروفة باسم "الربوبية"، التي ابتعدت كثيرًا في أطروحات

أتباعها عن الإيمان المسيحي التقليدي، لم تكن لا دينية البتة، بل كان عندها فهمها الاهوتي لفكرة "الكشف الإلهي" Revelation، ولفكرة "العناية الإلهية" Providence Divine، ولم يتورع أتباعها عن ممارسة نوعٍ من أنواع الطقوس التقوية الخاصة. من كل هذه الأمثلة وسواها، يستنتج إيفيس أن "العديد من الأصوات الراديكالية الاعتراضية في [عصري التنوير والحداثة] [...] لم تكن لا دينية على الإطاق، ولا حتى دشنت نوعًا من أنواع المسارات النافية للإيمان، وكأن عدم الإيمان أو حتى الإلحاد، كانا الخاصة المنطقية لآليات تفكيرهم، مثلما يصرّ بعض المفسرين. لقد انتمت تلك الأصوات، خافًا

لذلك، وبصرامة، إلى الطيف الأوسع لفضاء التفكير الاهوتي الذي قدمته المسيحية التاريخية". صحيح أننا نقدر أن نشير حتمًا إلى بعض المفكرين والفاسفة الذين أخذوا موقفًا علمانيًا إلحاديًا

صريحًا، من أمثال دنيس ديدرو Diderot Denis (1784–1713)، وكلود أدريان هلفتيوس Claude– Adrien Helvétius (1771–1715)، وبول هنري تيري، بارون دي هولباخ Paul–Henri Thiry (Baron d’Holbach) (1789–1723)، والمركيز دو كوندورسيه Marquis de Condorcet (1794–1743)، إلا أن التيار المؤثّر الرئيس، من بين فاسفة تيار التنوير والحداثة ومفكريه، والذي ضم فاسفة من أمثال لوك ونيوتن في بريطانيا، وفولتير وروسو في فرنسا، وغوتفريد ويلهيلم لايبنتز Wilhelm Gottfried Leibniz (1716–1646)، وكرستيان فولف Wolff Christian (1754–1679) وآخرين غيرهم، ورغم علمانيتهم، كانوا دينيين معنيين فكريًا بمفهوم الإله. تضع المقاربات الثاث الآنفة الذكر حقل الدراسات الاهوتية المعاصر أمام هيرمينوطيقا تاريخية جديدة، تعيد قراءة طبيعة زمن التنوير والحداثة وتفكيكها، ومقارباتها العلمانية للفكر الديني، التي تختلف عن القراءة الكاسيكية السائدة، في أوساط البحث الاهوتي الأنكلوسكسوني في القرن العشرين. ويقترح كل من ملبانك وغليسبي وإيفيس، كلٌّ بطريقته ومن زاوية نظره، أن آباء تيار التنوير والحداثة المؤسسين عميقو التدين، ومطلعون على الاهوت والفكر الديني ومهتمون بهما، ولم يكونوا علمانيين بالمعنى الإلحادي في واقع الأمر. لا بل إن الكثير منهم تموضعوا في الفضاء الأوسع للفكر المسيحي ولحياة الكنيسة. كما أن معظمهم بما فيهم عتاة الفاسفة في المشهد التنويري الفرنسي،

(43) Ibid., p. 83.

((4(Ibid., p. 84؛ ويستعير إيفيس هذه العبارة من كتاب فولتير مقال في الأخلاق Essai sur les Moeurs المستشهد بها في الدراسة التالية:

Jerome Rosenthal, "Voltaire’s Philosophy of History," Journal of History of Ideas , vol. 16, no. 2 (1955), pp. 151, 167,

(45) Avis, Theology and the Enlightenment , p. 143. (46) Ibid., pp. 137, 139–208. (47) Ibid., p. 149. (48) Ibid., p. 92.

لم يتنكروا لفضل الحركات الفكرية المسيحية والاهوتية التي تعود إلى العصور السابقة. ومن ينكر هذا عليهم ويتناساه، هم فقط الباحثون الاهوتيون المعاصرون، وفق ما يذهب إلى ذلك ملبانك وغليسبي وإيفيس.

ثانيًا: التنوير والحداثة والفكر الديني في صوت فلسفي، قراءة تشارلز تايلر

في هذا القسم، أنتقل إلى حقل الفلسفة المعاصرة، كي أجيب عن الأسئلة الرئيسة في الدراسة، من خال تقديم خطاب فلسفي معاصر، يعالج عاقة إرث التنوير والحداثة بالفكر الديني. وأركّز على الخطاب الفلسفي دون سواه؛ لأنه يحظى باهتمام الاهوتيين الأنكلوسكسون وتقديرهم؛ إذ يتبنون أو يدعمون القراءة الاهوتية الجديدة لزمن التنوير والحداثة، ويجدون في أطروحة تايلر سندًا فلسفيًا

موثوقًا، لدعم قراءتهم المتجددة للجذور الاهوتية للفكر المعرفي والعلماني في التنوير والحداثة. والفرق المنهجي الأساسي بين مقاربتي هذين الخطابين؛ الاهوتي والفلسفي، هو أنه في الوقت الذي ينظر الباحثون المعنيون بالاهوت في التنوير والحداثة، من زاوية اقتران ذينك العصرين بكلٍ من العلمانية والإلحاد على حد سواء، فإن الطرح المأخوذ من حقل دراسات تاريخ الفكر الفلسفي، يدرس حصرًا عاقة التنوير والحداثة بالفكر الديني من زاوية العلمانية، وطبيعتها وتوجهاتها، من دون التعامل

بجدية مع مسألة الإلحاد. ولهذا، فإن الخطاب الفلسفي المعاصر الذي يقول إن الفكر الديني لم يغادر قط ساحة الفكر والثقافة، في عصر التنوير والحداثة، يحاول أن يبين أن العلمانية في العصر المذكور نشأت مظهرًا في سيرورة نقدية تطورية وتفاعلية، قامت في عقر دار الفضاء الديني، وفي قلب الحراك

المؤسسي، والكنسي الاهوتي، المسيحي بالدرجة الأولى. ونستحضر ههنا الفيلسوف تايلر، وهو أحد أهم من نظر "هيرمينوطيقيًا" و"تاريخولوجيًا"، لسيرورة

مفهوم العلمانية التنويري والحداثي، وقدَّمه مشروعًا فلسفيًا، بدأه عام 1989، وتوجه في عام 2007،

يفسر ويفكك سردية العلمانية التنويرية والحداثوية، ويُرجع نشأتها الأولى إلى الفكر الديني الاهوتي

في عصر النهضة، المتعلق بمفهوم الذات البشرية، وعاقته بحرية الإرادة. لذا، أتوقف في هذا القسم عند مشروع تايلر، وأتناوله في جزأين؛ الأول، يدور حول خطابه عن الذات في كتابه منابع الذات؛ تكون

الهوية الحديثة Sources of the Self: The Making of the Modern Identity (1989)؛ والثاني، يدور

حول تتويج تايلر لخطابه هذا، بإسقاطٍ مفاهيمي لفكرة الذات على تطور مفهوم العلمانية في كتابه عصر علماني Secular Age الذي أصدره عام 2007.

1. عن التمركز الحداثي للذات، والحياة العادية

يعرض تايلر في كتابه منابع الذاتالفهم التنويري والحداثوي للذات البشرية ضمن الإطار المفاهيمي لفكرة "الحياة العادية" euzēn kai zēn المستقاة من فلسفة أرسطو. ويتقصى تمظهر مفهوم "الحياة

(49) Ibid., p. 94.

العادية" الأرسطي في سياقات فكر التنوير والحداثة، من خال تأثيله في دلالات العمل والإنتاج، من جهة أولى، ودلالات الزواج وحياة الأسرة، من جهة ثانية. ويبين أنّ اهتمام فاسفة النهضة أولً، والتنوير والحداثة ثانيًا، بحياة الإنسان العادية وضع مفهوم الحياة الكاسيكي القروسطي، الذي

يتمحور حول لحظ نشاطات متسامية يقترن عادةً بفهمٍ ميتافيزيقي متطير حول الماورائي، تحت مجهر النقد والتفنيد الصارمين. بل إن عصر التنوير بالذات، جعل العلوم الوضعية والتطبيقية خاضعة في قوانينها وشروطها لافتراضات وتوقعات لمفهوم الحياة البشرية المذكور؛ ما جعلها تصبح أدوات في خدمة مصالح حياة الذات البشرية العادية تلك. واعتبر فاسفة التنوير والحداثة على حد سواء، أن فشل العلم في تحقيق هذا الهدف لا يُعتبر فشا أخاقيًا فقط، بل يُعدّ فشا معرفيًّا إبستيمولوجيًّا لا مجال

للفكاك منه. والأهم مما سلف، أنه في ظل مشروع العيش الذاتي المذكور، لا مجال لالتفات إلى حضور أي نوع من أنواع الكيانات الإلهية، كما لا حاجة إلى البحث عن مثل هذا الحضور للمقدس، كي يكتنه الإنسان الذات والحياة البشريتين بعمق. وتصبح ههنا الذات في ذاتها، معيار وعي لنفسها، وأيضًا معيارَ فهمها

للحياة التي تتشكل على قاعدة تمظهر صورة الذات البشرية في كافة الأشياء. إلا أن بيت القصيد من انتباه تايلر لهذا التركيز الفلسفي على العيش البشري، زمن التنوير والحداثة، هو كشف الغطاء عن حقيقة مفادها أن هذا التمركز للحياة حول الإنسان دون سواه، اعتُبِر تحديًا جديًّا أمام فكرة وجود الإله،

في نظر فاسفة التنوير قبل سواهم. وقد عبر بيكون عن هذه الحالة المعرفية المتمركزة حول الذات البشرية وإشكاليتها وإرهاصاتها السلبية عن الإيمان الديني بالإله بقوله: "إننا نفرض ختمَ صورتنا على

الخائق وعلى أعمال الإله أجمعها، ولا نسعى بعناية بعد الآن كي نكتشف ختم الله في الأشياء". يتوقف تايلر بتمعنٍ عند موقف فاسفة علمانيين وعقانيين، مثل بيكون، وينتبه إلى أن في سيرورة تطور فكر التنوير وعلمانيته بُعدًا ينبغي تسليط الضوء عليه، وهو بُعد الهَجْس الاهوتي والديني عند فاسفة

التنوير ومفكريه، وعدم انجرافه الكلي، خلف عداءٍ مُبين ومُبرم لكل ما هو ديني أو كل ما يتعلق بفكرة

الإله. وفي ضوء هذا، يشرح تايلر أن إخراج فكرة الإله أو المقدس من حيز الوجود، جعلَ عمليتي إدراك الذات والحياة على حد سواء، ترزح تحت إمرة كل إنسان فرد في شخصه، وانتزعهما من إطار أي أحكام تراتبية، وأعمال سلطوية تخص النخبة الأقلوية التي تربط وجودها وتستقي سلطتها من الديني ومن المقدس. إلا أنه خلق في الوقت نفسه عند المفكرين التنويريين رغبة حقيقية وصادقة في إعادة التفكير في دور المقدس والإلهي، وإمكانية حضوره في هذا الإطار الجديد، بدلً من أن يكتفوا بأريحية بإعان غبطتهم بإيجاد أفكار جديدة تستبدل بحضور الإله حضورًا طاغيًا للإنسان، وتحتفل باندحار

(50) Charles Taylor, The Sources of the Self: The Making of the Modern Identity (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989), p. 213. (51) Ibid. (52) B. Farrington, Francis Bacon (New York: Lawrence and Wishart, 1962), pp. 148–149; Francis Bacon, A Selection of His Works (Toronto: Mcmillan, 1965), pp. 350–351. (53) Taylor, p. 214.

فكرة الإله، وخروج الدين من المشهد العام. ويخلص تايلر من ذلك إلى القول إن التشديد على الحياة اليومية العادية للذات البشرية والإشكاليات الاهوتية، التي أنتجها على حد سواء، ما هي إلا "ملمح هائل آخر من مامح الهوية الحداثوية [...] وما النظرية الماركسية [وإشكاليتها الديالكتيكية] إلا أحد أفضل الأمثلة المعروفة، وإن لم تكن الوحيدة، على هذا". إن المثير لاهتمام في عرض تايلر هو الأطروحة التي يبنيها على التحليل السابق، التي مفادها أن تمركز حياة الذات العادية، على قاعدة تحريرها من الفكر الماورائي السحري Disenchantment، ومن ثم القطع بينها وبين الخطاب الديني المتعلق بفكرة صورة المقدس في الخليقة، لم يتم في الواقع انطاقًا من موقف لاديني أو موقف معادٍ للدين في طبيعته. بل على العكس من ذلك، إن التركيز على جانب الحياة العادية للذات، هو توجّه متجذر بعمق في الروحانية اليهودية – المسيحية

ولاهوتها التاريخي. وقد استوحى هذا التركيز منطقه من قلب المخيال الديني للإصاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. ويشرح تايلر أن المصلحين البروتستانت الأوائل رفضوا مفهوم "الوساطة" Mediation الذي فرضته المؤسسة الكنسية على حياة الناس، واستخدمته لتضمن لواجهتها الإكليركية الكهنوتية، سلطة معطاة من المقدس الإلهي وبوساطة منه في المعتقد الديني. هذا يعني أن لاهوتيي الإصاح البروتستانتيين قبل سواهم، هم من حرر عملية إدراك الذات والحياة من أي انحرافٍ وسائطي سلطوي مرجعي، وهم من دعا إلى عاقة مباشرة بين الذات ومصدر الحياة. كل ما فعلته أطروحات التنوير والحداثة أنها استعارت منهم فكرة التواصل المباشر غير الوسائطي واستبدلت بالعاقة بواسطة المؤسسة الدينية، عاقةً مباشرةً ب  وسائط بين ذات الإنسان وحياتها العادية، وذلك من خال اكتناه الإنسان لذاته البشرية ووعيه بها أولً وأخيرًا، من دون أي وسائط. لقد حدثت عملية إخراج المخيال

الديني من فضاء التنوير والحداثة، إذًا، بمساعدة مفهومٍ (إن لم نقل: على قاعدته)، لا يقلّ دينية ولا لاهوتية، جرى اشتقاقه من الخطاب الاهوتي في ذاته. من لاهوت الإصاح البروتستانتي، إذًا، تعلَّم التنوير والحداثة درسًا مفاده: "أن كل ذاتٍ بشرية تجدف قاربها بنفسها". يمضي تايلر في تحليله إلى أن يقترح أن ثورة الحياة العادية الراديكالية التي أعلنتها الحداثة "كانت، حتمًا، نتاج واحدة من أكثر الأفكار المتبصرة القاعدية في التقليد الديني اليهودي – المسيحي –

الإسامي، التي مفادها أن الإله، بصفته خالقًا للوجود، يؤكد ويشدد على قيم الكينونة والحياة"، وأن جل ما قامت به الحداثة هو أنها، ببساطة، استعارت تلك الفكرة ووظفتها، ومن ثم تعمدت أن تتناسى الجذور الدينية والاهوتية، لتأكيدها المعرفي على الحياة العادية للذات البشرية. وحين كان فكر التنوير والحداثة يتذكر، في مناسبات نادرة، هذا المنشأ الديني الاهوتي لأفكاره، فإنه كان

(54) Ibid., p. 215. (55) Ibid., p. 216. (56) Ibid., p. 217. (57) Ibid., p. 218. (58) Ibid.

يستخدم هذا التذكر في عملية التأكيد على أن مسألة التشديد على مركزية الحياة العادية للذات البشرية، ما هي إلا مطلب إلهي يأمر به الإله ذاته. وهكذا، مثا، كان يحبّذ لوك أن يتذكر الجذر الديني للفكرة

المذكورة، إذ كان يقول معلقًا: "هذا، إذًا، ما يدعونا الله لفعله: أن نعمل بنشاط وبفاعلية كي نلبي حاجاتنا، ولكن لكي نفعل ذلك، لا بد أن نضع أعيننا على الخير والمصلحة العامة". ويكمن الفرق في سياق التنوير والحداثة، إذًا، في عملية توظيف افتراضات لاهوتية ودينية في عملية تحويل الذهنية المعرفية من "العيش بتقوى وتعبد للإله" إلى "سؤال يتعلق بالعيش بعقانية".

2. عن التدين والعلمانية في مجتمعات الحداثة

يستهل تايلر كتابه عصر علماني، بالإشارة إلى وجود تفسير شائع وكاسيكي ثنائي الوجه لمصطلح "علمانية" Secularity. يعني المصطلح في وجهه الأول انعتاق الدولة من أي عاقة مع فكرة "الإله" وفكرة "الحقيقة المطلقة العظمى". أي إن "حضور الدين أو غيابه على حد سواء، ما هما إلا مسألتان

خاصتان شخصيتان. والمجتمع السياسي ما هو إلا مجموع أولئك الذين يؤمنون بشيءٍ ما، إلى جانب أولئك الذين لا يؤمنون بأي شيء، على حدٍ سواء". أما معنى مصطلح "علمانية" في وجهه الثاني، فهو الفضاء العمومي للمجتمع البشري، والذي لا يلتمس أساسًا منطقيًا Rationale خارجيًا ماورائيًا

يكمن فوق هذا المجتمع، أو ما وراءه كي يتحكم فيه ويسيطر عليه. أي إن الساحات العامة، بحسب هذا المعنى للعلمانية، قد أُفرِغت كليًا من أي سلطة ووصاية (ولكن ليس من الحضور أو التعبير الديني

عن المقدس) للإلهي أو المطلق، أو من أي مفهوم يدل على حقيقة مرجعية تسلطية ما وراء حدود الفضاء البشري العام يمكن العودة إليها لمعرفة الحقيقة ولتقرير مصائر الآخرين. بهذا المعنى، تدل العلمانية على إمكان تخلي الناس عن الممارسات الدينية، وعن حقهم الحر في عدم الانتباه للإيمان، والتحول بعيدًا عن الإله والمطلق، وهجر أماكن العبادة الدينية، من دون أن يعني هذا بالضرورة نفيًا

لوجود هذا الإله أو عداءً موجهًا قصدًا تجاه مكان العبادة. يعتقد تايلر أن الوجهين السابقين، يمثان المعنى الكاسيكي الشائع لمفهوم "العلمانية". ويناقش في كتابه أن هذين الوجهين لا يُعتبران وحدهما الدلالة التي يمكن الباحث في تاريخولوجيا المفهوم – وليس فقط في مفاهيميته الصرفة – أن يكتشفه. وهو شخصيًا، نتيجة دراسته

التاريخولوجية، يقترح في كتابه معنى ثالثًا لمصطلح "علمانية"، يمكننا بواسطته أن نفهم العلمانية،

((5(Ibid., p. 239؛ ويستقي تايلر هذا الاستشهاد من:

John Dunn, The Political Thought of John Locke (Cambridge: Cambridge University Press, 1969), p. 251. (60) Taylor, p. 242.

وحول هذا الأمر، يخلص تايلر في النهاية إلى القول بأن عقانية كهذه، في الحقيقة، "تقدم فهمًا جديدًا لمعنى أن يخدم المرء الله،

ذلك الفهم الذي يعيد التقاط مفردات قديمة وتقديمها بمعانٍودلالات جديدة"، ينظر: Ibid., p. 244.

(61) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge/ London: The Belknap Press/ Harvard University Press, 2007), p. 1. (62) Ibid., p. 2. (63) Ibid.

بصفتها حالة تمضي أبعد من كونها مجرد فكرة؛ "العلمانية بصفتها حالة الاتدين" religiosity – Non أو "العلمانية بصفتها ضد–التدين" Atheism على حد سواء. ينطلق هذا المعنى الثالث للعلمانية، من انتباهٍلمفهوم الذات المفردة وعاقتها بالحياة العادية، الذي فككه تايلر في كتابه منابع الذات. وفي إطار هذا التفكيك وخاصاته، يكتشف تايلر في تاريخ الفكر الغربي معنى ثالثًا للعلمانية، يفترض أن الإيمان الديني يمكن أن يكون خيارًا فعليًا بين خيارات عديدة أخرى مكوِّنة للمجتمعات

الحداثوية، بمجموعها ووجودها معًا، لا ببدائليتها وتنافرها. هذا يعني أن الإيمان الديني ما هو إلا أحد المكونات الاختيارية الموجودة في قلب المجتمع العلماني، وأن الفكر العلماني في ذاته لا ينكر على الإيمان الديني هذا الحضور. فعلمانية التنوير والحداثة بهذا المعنى، ليست بخيار مرجعي، خافًا لغيره من الخيارات. والدين والفكر الاهوتي ليسَا تعبيرًا عن حالة وجود

مطلقة، تقف في حالة تعارض مع حالة وجودٍ مفترضة مقابلة لما سماه بالعلمانية. وخافًا لذلك، فإن الإيمان واحد من الخيارات التي للعامة الذين يعيشون في دولة علمانية، الحرية والحق في اختياره، من دون أن يقصيهم اختيارهم هذا من الفضاء العلماني الخاص، بالدولة أو بالفضاء العمومي. وما الإيمان دينيًا أو غير ديني إلا خيار من خيارات كثيرة، ليس لأحدها معيارية ومرجعية

تحاكم الخيارات الأخرى. ولكن، بهذا المعنى الثالث للعلمانية، فإن الإيمان خيار حقيقي من قلب الخيارات المكوِّنة بمجموعها لما تمثله العلمانية. وتصبح العلمانية بهذا المعنى، كما يستنتج تايلر، "مسألة تدور حول سياق مفاهيمي كُليّاني يمكن في

قلبه لكافة اختبارات الذات البشرية الأخاقية والروحية والدينية على حد سواء، أن تجد لها موطئ قدم". لا بل يصبح ههنا من مواصفات العلمانية ومميزاتها، والممارسة في الفضاء العمومي لمجتمع ما، ومبدأ إتاحة المجال للأفراد للبحث عن الروحي والماورائي. وإنكار هذا المجال عليهم سيكون إنكارًا للتعددية التي يُفترَض فيها أن تكون من أهم مميزات العلمانية. فنفي التعددية المذكورة سيقود

إلى حالة تدمير ذاتية ويوقع العلمانية في حالة تناقض ذاتي. وفي النهاية، إن عملية البحث عن كمالٍ وتحقيقٍ عميقين للذات، يكمنان وراء حدود الاكتفاء بكينونتنا ووجودنا التاريخي فقط، لهي عملية شائعة، ويمكن تتبع آثارها في أنماط الإيمان وعدمه سواءً بسواء، وفي ممارسات الأفراد المتدينين

وغير المتدينين على حد سواء في المجتمعات العلمانية. وفي سياق هذا المعنى الثالث للعلمانية، إذًا، يكون الإيمان وعدمه مجرد طريقتين للعيش في الحياة العادية، وطريقتين لاختبار الذات البشرية للعيش الأخاقي أو الروحاني، بصفتهما تعبيرين عن التوق لاختبار الكمال، وللتصالح مع "مصدر القدرة الذي يمكنه أن يصل بنا إلى ذاك الكمال، سواء اعتقدنا أن مصدر القدرة المذكور يكمن في داخل الذات البشرية أو يكمن خارجها".

(64) Ibid., p. 3. (65) Ibid. (66) Ibid., p. 7. (67) Ibid., p. 10.

وفي تفسيره لتجاهل النمط الثالث من العلمانية، يذهب تايلر إلى أن السبب في عدم نيلها الاهتمام الجدي الذي يجدر بها، يكمن في توقف الناس العاديين، في المجتمعات المُعلمَنة، عن الثقة بالخطاب

الديني والفكر الاهوتي الذي يتحدث عن المطلق والفائق للطبيعة، وعدم رغبتهم في أن يعرفوا أو أن يعترفوا أن هناك أفرادًا ينتمون إلى المجتمعات المُعلمنَة، ما زالوا يؤمنون بهذا الخطاب، لا بل إن

الآباء المؤسسين للفكر التنويري الحداثي الذي أنجب العلمانية، لم يكونوا لا دينيين ولا ملحدين، بل كان عندهم اهتمام أصيل بالدين ومعرفة عميقة بالاهوت. السؤال الأهم هو حول الأسباب التي قادت إلى هذا الإهمال والتهميش المذكورين: لماذا لا يستطيع عموم التنويريين الحداثيين القبول بعد الآن بما اعتاد أهل التاريخ الممتد ما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر على التعلق به على نحو طبيعي والتمسك به بحزم؟ من العوامل الأساسية وراء هذا، محاولة الحداثيين تحرير العالم من

المخيال الديني والسحري Disenchantment، ورفضهم لِحاظَ حضورٍ إلهي أو مطلق في سياق حياة الذات البشرية العادية. ولكن، رغم تشديده على التأثير الواضح والفاعل لعملية التحرير من السحر تلك في العالم وفي التدين معًا، فإنه يؤكد أن التدين، رغم هيمنة عملية التحرير من السحر، لم يختف

لحظة واحدة من الفضاء العمومي، خال القرون الخمسة المنصرمة. لم يكن ما شهده التدين غير انزياح مكاني إلى خارج دائرة الاهتمام والانتباه المركزية، ولكنه بقي بثبات ومثابرة، تحت السطح وعلى أطراف مساحة الحياة العلمانية. يرى تايلر المجتمع الأميركي اليوم أهم دليل على هذا وأبرز انعكاسٍ له. فبدلً من رميه كليًا خارج

المشهد المجتمعي، ما زالت تربة هذا المجتمع التقليدي مليئة ببذور ما يسميه تايلر "الدين المدني"، فالتدين ليس مجرد مكون واحد من مكونات أخرى عديدة للقوام الحضاري، بل هو عنصر مؤثر ومؤسس للوطنية الأميركية التي، كما يقول تايلر، "ترى البلد بشكل جوهري كأمة تحت يد الله، وتجعل الجمهور يشعر بأن المرء يمكنه أن يعبر عن أميركانيته من خال الانتماء للكنيسة". إن مثال المجتمع الأميركي المذكور يفيد في الحصيلة أن عملية تحرير العالم من السحر والتطير، لم تقضِ فعليًا على التدين في

المجتمعات المُعلمَنة. كل ما فعلته أنها أعادت موضعَة الاعتقاد الديني ضمن دائرة المكونات المتعددة

والمتنوعة للعلمانية، وجعلت من التدين عنصرًا مقبولً بين عدة عناصر مجتمعية أخرى. وقد حققت

ذلك بأن جعلت "مصير الإيمان يعتمد على نحو أشد وضوحًا، على بديهة الأفراد وحدسهم، ووقعها

على الآخرين". ولم يعد هدف هذا التأثير الفردي أن يجبر الآخرين على الخضوع لموضوع إيمان علوي وفائق، ولم يعد هدفه كذلك أن يدحض عدم إيمان الآخرين ويناهضه أو أن يتصارع معه. ففي العلمانية المعاصرة؛ الاعتقاد وعدمُه معرّضان للتحيز، وكذلك لما يسميه تايلر "الهشاشة المتبادلة"

Fragilization Mutual التي تنبع من حقيقة أن التعددية، وليس التوحيد Monism، هي المكون الأساسي المعرّف لعالم اليوم.

(68) Ibid., pp. 505–535.

((6(Ibid., p. 526–527؛ ويعتقد تايلر أن حتى أولئك الذين لا يقفون في معسكر اليمين في المشهد الأميركي السياسي "يشعرون أيضًا بانتمائهم إلى نفس فكرة أميركا 'الأمة الواحدة تحت يد الإله'". ينظر: Ibid., p. 527.

(70) Ibid., p. 531.

لا يبدو واقع العلمانية بوجهيه، التاريخي الذي شهد نشأته الأولى زمن التنوير والحداثة، أو المُمارَس الموجود في المجتمعات اليوم، كواقعِ من يحاول في الحقيقة أن يُخرج الدين والإيمان

من الفضاء العمومي، بل إن طبيعة هذه العلمانية وصدقها مع ذاتها، لا يمكنهما إلا توجيه دعوة إلى الدين ليعود إلى الفضاء العمومي. ربما تحسن هذه الدعوة، لأن الفضاء العمومي الديمقراطي ينبغي أن يكون مج لً يتاح فيه للأفراد الذين ينتسبون إلى مرجعيات مختلفة، بما في ذلك أصحاب

المرجعيات الدينية، أن يلتقي بعضُهم ببعضٍ، ويجتمعوا تحت مظلة معيار أخاقي وقيمي، جامع وموحّد. ومن جهة ثانية، يمكن هذا الأمر، أن يفتح آفاقًا جديدة للحضور الديني في الفضاء

العمومي، تأخذ بالدين خارج مجال الهَجسِ بالهيمنة والسطوة، وتدعوه إلى الاهتمام أكثر بجانب الفرادة والاختاف. ومع استمرار إدراك الناس أنه لا توجد أسرة دينية أو روحية واحدة تهيمن على المجموع وتقوده أو تنطق باسمه، سيتولد عند الأفراد شعور أعمق بالحرية، وقدرة على التعبير عن الفكر والفهم الذاتيين للحياة العادية. هذا الأمر الذي سيعطي للفكر الديني للأفراد المؤمنين الفرصة، مثل غيرهم من غير المؤمنين للمساهمة بمخيالهم المعرفي في حياة المجتمع والعالم. فالدين يحتاج العلمانية، كي يوجد وكي يشارك في المجتمع. هي ليست بديلة منه ولا هي عدو له. ولكنها سبيله الوحيد في عالم اليوم للحضور والوجود في حياة البشر. إن من الدروس المهمة التي يمكن أن يستوعبها الدين من خال إدراكه حاجته الوجودية إلى العلمانية، كي يحضر في الفضاء العمومي، ويساهم فيها، هو أنه بات من الصعب اليوم على الذات البشرية الغربية الحداثية أن تؤمن بالإله، أو بأي حقيقة مطلقة، من دون أن تتأمل ذلك بقوة المعقولية والنقد. فالميل الروحي والممارسات الدينية الموجودة اليوم في العالم، التي تتجذر بعمق في الميل الديني والاهوتي لسياق زمن التنوير والحداثة الفكري دون سواه، هو نمط ديني متفرد، يدحض الاعتقاد أن الفكر التنويري العلماني هو فكر بديل من الإيمان، وقد حل محل التدين. فاليوم، وفق منطوق تايلر، يحضر التدين في صورة رحلة روحية شخصية ذاتية متفردة. ويتمظهر الإيمان في حالة بحثٍ عن الماورائي الذي يعطي لعناصر الوجود الجمعي والفردي معًا، أبعادًا دينية تنبع من داخل هذا الوجود ومن حريته. وفي العالم العلماني، يُظهر التدين نفسه، في ظاهرة تنام وانتشار للمفردات

واللغة المعبرة عن حالة الفرد الفكرية والشعورية الجوانية وعن رحلة اكتشافها. ويقف الإنسان أمام أفق اكتشاف الذات، الذي نما وترعرع عبر العديد من مبادئ امتحان الذات الروحانية، بل الاهوتية الميتافيزيقية. ويدفع هذا الإدراك الأعماق الجوانية للإنسان إلى خلق إحساسٍ بالخصوصية الحميمة من جديد. وهناك في قلب فكر التنوير العلماني دعوة عميقة، ذات تاريخ وجذور لاهوتية أصيلة، إلى الانعتاق

(71) Ibid., p. 532. (72) Ibid. (73) Ibid., p. 535. (74) Ibid., pp. 539–540.

من أنماط التواصل المشوشة مع الآخرين، بحيث قام بعض الناس تجاه بعض بأفعال مادية وجسدية غير مقبولة. وعلى قاعدة هذا المخيال الوجودي والروحي العميق، استُبدِل بالمجتمع القديم الجمعي مجتمعُ الأفراد المدركين بعمقٍ لمبادئ ضبط الذات والمسؤولية. وفي المقابل، إن هؤلاء الأفراد الواعين لذواتهم لا يعبرون عن هذا الوعي باجتراح مواقف معادية للجماعة ومضادة لاندماج المجتمعي، وإنما بالانفتاح على الحياة الجماعية والمجتمعية القائمة على تقييم ذاتوي مستمر لأصالة الذات الفردية، مثل هذا الفكر نجده حاضرًا بقوة في فكر كالفن ولوثر ولاهوتهما، وفي البروتستانتية

المحافظة. المجتمعات البشرية المعاصرة، إذًا، قائمة على فكرة حياة الذات الفردية التي لا تتمركز في حالة "التسامي والفوقية الماورائية"، بل في حالة "حضور محايث" Immanence، لا تتمركز حول الفائق للطبيعة، بل حول الطبيعي، ولكنها لا تشن في الوقت نفسه حربًا على الفائق للطبيعة، ولا تنشغل بإنكار دوره. ولهذا، فإن العلمانية، بأصليها التنويري والحداثي، المتجذرَين في مفترضات ذات طبيعة ومنشأ لاهوتيَين دينيين، هي سبيل التدين الماورائي، لتحرير ذاته من التطير والسحر، أو من الاهوت

المزيف والخاطئ. مثل هذا الإطار التمظهري والحميم الذي تقدمه تلك العلمانية التنويرية التاريخية، لا يعني بالضرورة نفي فكرة "الإله"، وتأطير التدين خارج إطار الحياة العادية، ولا تفترض شرطيًا منع

الرؤية التي تقوم على فكرة "الانفتاح على حقيقة ماورائية" من أن تكون من الأفكار التي تنتمي إلى العصر العلماني. ولهذا، فإن أولئك البشر الذين يؤمنون بالانفتاح على حقيقة ماورائية ليسوا بغرباء أو طارئين على المجتمع العلماني التمظهري والحضوري. إنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، وما تجاهل تلك الحقيقة غير إهمال لحقيقة الانفتاح في المجتمعات الحديثة، وتضييق لحالة التمظهر الحضوري إلى الحدود الضيقة والخانقة للمادي والملموس فقط. إن هذا التضييق يخلط بين فكرة "التحرر من السحر والتطير"، من جهة، وفكرة "نهاية الدين"، من جهة أخرى، بل يماهي بينهما بطريقة خاطئة وغير ناجعة. إن من فصول السيرة الذاتية للعلمانية في تاريخ تشكّلها في عصر التنوير والحداثة في الغرب، ما يحكي عن قصة الانتقال الفردي والمجتمعي من حياة دينية إلى حياة دينية أخرى؛ آخر تمظهراتها هو الإطار المجتمعي الحضوري في الحياة العادية، والذي يفترض في بنيته انفتاحًا على

الماورائي، لا عداوة له. تلك الحياة الجديدة لا تغير من فهمنا للمجتمع العلماني فقط، بل تغير من بنية الحياة الدينية أيضًا.

(75) Ibid., p. 540.

((7(في سياق الفكر الغربي المعاصر ما بعد الحداثي، يجري الحديث عن هذه المسؤولية من زاوية إعادة فهم الذات البشرية، لا كأنا مفردة، ولكن كذات تواصلية في عاقات تفاعلية مع المتعدد، وليس فقط الذات الجوانية المفكرة للفرد المكتفي بذاته. حول

هذا، ينظر: نجيب جورج عوض، أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى: دراسات في الثقافة والدين والسياسة (بيروت/ عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020)، ص 132–115، 178–173.

(77) Taylor, A Secular Age , p. 541. (78) Ibid., p. 542. (79) Ibid., p. 554.

يفيد المعنى الثالث للعلمانية الذي يقترحه شارلز تايلر، في النتيجة، أن الدين لم يغادر الفضاء العمومي، وأنه كان من روافد تطوير الفكر العلماني زمن التنوير والحداثة. بل إن الدين والفكر الاهوتي شهدا بقوة تبدلات تلك المناحي المعرفية، وساهما في تحررها من السحر والتطير، وأن الدين تبدّل هو في ذاته، وأن الاهوت أعاد صياغة نفسه نقديًا وتفكيكيًا، بفضل التبدلات المذكورة. وهذا يعني أنه يجب

على المجتمع المتحرر من التطير والسحر، أن يتفاعل إيجابيًا، وبانفتاح مع تبدلات المخيال الديني،

التي ربما تدل على أن الدين في ذاته يبدي استعدادًا لانفتاح على تبدلات العناصر الأخرى المكونة للمجتمع.

خاتمة: هل من شيء نتعلمه ونستفيده من القراءة البديلة؟

إن الباحث الاهوتي المطّلع على الدراسات المعاصرة لعاقة الفكر الديني والاهوتي بفكر التنوير والحداثة في سياق البحث الأكاديمي في العالم الأنكلوسكسوني، لا يمكنه إلا أن يتوقف وينظر باهتمام وتقدير للتطور الجديد الذي بدأ مطلع تسعينيات القرن الماضي، في نظرة علماء لاهوت الغرب المسيحي، وتقييمهم لطبيعة الإرث الفكري والمعرفي وماهيته، الذي أنتجه زمن التنوير والحداثة. سعينا من خال دراستنا، أن نعرّف القارئ العربي بهذا التطور الإيجابي المستجد، في

نظرة دوائر صناعة الأفكار الدينية والاهوتية المسيحية في الغرب لأطروحات تتعلق بالعلمانية والعقانية، أنتجها الفكر الغربي في سياق فكر التنوير والحداثة. كما أردنا أن نبين أن الموقف الاهوتي التقليدي الذي يقرن العلمانية بالإلحاد، والعقانية بالعداء للدين والتدين، والذي حافظ على حضوره في أوساط البحث الأكاديمي الأنكلوسكسوني طوال القرن العشرين تقريبًا، راح يخسر

مواقعه، وينحسر تأثيره بفضل بروز أصوات لاهوتية جديدة، انتبهت بجدية لاجتهادات فلسفية، مثل أطروحة تايلر، تعيد الاعتبار لحضور الديني ولدور الفكر الاهوتي في نشوء الفكر العلماني والعقاني وتطويره، في سياق التنوير والحداثة. حاولت هذه الدراسة أن تنبّه إلى أن هناك لاهوتيين وفاسفة أنكلوفونيين اليوم، يحاولون بطريقة غير

مباشرة أن يقولوا إن كا من الموقفين الآنفي الذكر، المعادي والمضادّ، من جهة، والمؤيد والمناصر، من

جهة أخرى، ينطلق من تبنّي القراءة نفسها لمشروع التنوير والحداثة الفكري على أنه معادٍ للدين وعلماني إلحادي بالإطاق. تقول الأصوات الاهوتية والفلسفية التي قدمتها هذه الدراسة لك  الموقفين: إن ما يُبنى على القراءة الكاسيكية لطبيعة التنوير والحداثة يقوم على مقاربة اختزالية وتبسيطية، بل

خاطئة، لماهية تياراتهما الفكرية ولمعنى أنهما علمانيان. تقدم لنا قراءات ملبانك وغليسبي وإيفيس في سياق الفكر الاهوتي، وتايلر في سياق الفكر الفلسفي، درسًا مهمًا لا يقول فحسب: إن الاهوت

المسيحي الغربي المعاصر ما عاد يتبنى ب  تحفظات وببداهة، القراءة الكاسيكية للتنوير والحداثة وماهيتيهما وموقفيهما من الدين، بل إنه يؤكد أيضًا أن عاقة علمانية كل من التنوير والحداثة بالفكر الديني والاهوتي، أعقدُ بكثير من مجرد عداء واستبدال، وأنها تمتلك أبعادًا وعناصرَ تدفعنا إلى إعادة

(80) Ibid., p. 556.

قراءة مفهوم "العلمانية" وفكر التنوير والحداثة برمته بعدسات جديدة، وبتصوير أكثر أمانة للطبيعة التطورية والتاريخانية للمفاهيم المعرفية. هذا بالضبط ما يقدمه لنا تايلر، خصوصًا، في مشروعه الفلسفي، الذي يهتم به ويقرؤه باهتمام كبير

لاهوتيو الجامعات والأكاديميا في العالم الأنكلوسكسوني. وهذا أيضًا ما يمكن أن يتعلم منه الفكر الاهوتي والديني الإسامي والمسيحي في العالم العربي، في معرض تفاعله مع الفكر الغربي العلماني والعقاني، التنويري والحداثي. يمكن الدارسَ لمشروع شارلز تايلر الفلسفي عن العلمانية

والدين الذي تطرقنا إليه، أن يستنتج ما يلي: إذا كانت العلمانية هي ذروة فهم الحداثوية المتفرد للذات البشرية وللحياة البشرية العادية، فإن مفاهيم "الذات" و"الحياة العادية" عينها قادت إلى الظهور المتجدد لعملية التحرر من التطير والسحر في قلب السياق العلماني ما بعد الحداثي المعاصر أيضًا. فالقراءة الاهوتية المعروضة في هذه الدراسة تقول إن السبب الكامن وراء هذا بسيط، وهو أن زمن التنوير والحداثة، مثله تمامًا مثل عصر ما بعد الحداثة، يحمل مواصفات ومامح مستقاة مباشرةً أو

متأثرة ضمنيًا بالفكر الديني والإرث الاهوتي. ليست عودة الدين إلى أداء دور مؤثر في الساحة العامة

للعالم المعَلمَن المعاصر، دالَّة على توقف الانهماك البشري في عمليتي فهم الذات والانتباه للحياة

العادية، ولا هي دالَّة على زوال فكر التنوير والحداثة من الوجود، ولا تهدد أبدًا أصالة فكرة العلماني، ولا ريادية فكر التنوير والحداثة في رعاية الفكر العقاني في تاريخ الفكر البشري المعاصر. بل على العكس من ذلك، ما عودة الديني المستجدة الواضحة إلا إعان عن استمرار عاقة التنوير والحداثة بالدين والفكر الاهوتي ووصول الاهتمام بالذات والحياة العادية إلى ذروته المنطقية القصوى، التي انبثقت من اهتمام تنويري حداثي متجذر وأصيل ومتفرد بطبيعته وتمايزه في الفكر الاهوتي والتساؤل عن الديني. لقد عادت رحلة البحث الدائرية عن الذات إلى النقطة الأولى التي بدأت منها. إن اختزال الموقف الاهوتي والديني المناهض والمقاوِم للعلمانية التنويرية والحداثية، على قاعدة تبنٍّ

حرفي واستسهالي لقراءة كاسيكية لفكر التنوير والحداثة، تقود إما إلى تطرفٍ معادٍ لها لحماية الدين منها أو تطرف مناصرٍ لها للتخلص من الدين. وهو ما لا يجعلنا نشهد، مؤقتًا أو أبدًا، محطة تنويرية

حداثية في رحلة الإنسان نحو ذاتها وتحقيقها لتلك الذات في السياقات المتدينة والأرثوذكسية المحافظة دينيًا في العالم العربي بشقيه المسيحي والمسلم. والسبب في هذا هو استمرار الحرب

الشعواء لا ضد العلمانية فحسب، بل ضد مفهوم "الذات" في حد ذاته، وذلك في محاولة محمومة

(8((حول إمكانية تأسيس مجتمعات معلمنَة في العالم العربي، ينظر: عوض، أحفورات الفهم، ص  392–375؛ ينظر أيضًا النسخة

الإنكليزية للكتاب:

Najib George Awad, And Freedom Became a Public Square: Political, Sociological and Religious Overviews on the Arab Christians and the Arabic Spring (Berlin & Zürich: LIT Verlag, 2012), pp. 19–38.

لاستزادة أكثر من المنتج البحثي العربي للدراسات المتعلقة بالعلمانية وتاريخها في العالم العربي، ينظر: حيدر عبد الله شومان،

الإسلام والعلمانية في العالم العربي (بيروت: دار الفارابي، 2012)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1:

العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)؛ حسام الدين درويش،

في المفاهيم المعيارية الكثيفة: العلمانية/ الإسلام (السياسي)، تجديد الخطاب الديني (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،

وممنهجة لطمس الذات وكبتها بواسطة منطق جمعي مهيمن ومِخيال وسائطي تقليدي عرفي. وعلى العكس من هذا، يشهد العالم الغربي الأوروبي والأميركي اليوم، رغم حضور الدين الواضح والحي في ساحاتهم العامة، إحياءً مستمرًا لمفاهيم الذات والتفرد المستقاة من الإرث الاهوتي، على الرغم

من أي شيءٍ يقول لنا العكس. العودة إلى الذات والتواصل مع ماهيتها يجري بصراحة من بوابة التدين والروحانية، وليس من خال محاولة نبذهما والهروب منهما. ولهذا، فإن الفكر الاهوتي والديني فهم بعمقٍ أخيرًا أنه يجب ألا نقرن العلمانية حصرًا وترادفيًا

Synonymously بالإلحاد، لا مفاهيميًا ولا أنطولوجيًا، لأن زمن التنوير والحداثة الذي أنجب

العلمانية، لم يكن البتة لا دينيًا. فالدين والاهوت كانا وما زالا جزءًا لا يتجزأ من التعددية الناظمة

للماهية العلمانية للمجتمعات المُعَلمَنة، كما تخبرنا القراءة الجديدة لعصر التنوير والحداثة، التي

يقدمها في حقل الاهوت كل من ملبانك وغليسبي وإيفيس، وفي حقل فلسفة تايلر على رأس آخرين. لعل دوائر التفكير الديني والاهوتي، في العالم العربي والإسامي، تأخذ في الاعتبار الاجتهادات الاهوتية التي حاولت تبني قراءة جديدة للعلمانية، تنفي أنها مضادة للدين وعدوّ له. ولعل قراءات

مستجدة تفيد الشارع العربي المتدين ودوائر الفكر الديني العربية، وتساعدها على تجنب الاعتقاد الشعبوي القائل: "أن تكون علمانيًا يعني أن تكون لا دينيًا أو ملحدًا". وعلى الأقل، هناك قرّاء لاهوتيون

أنكلوسكسون معاصرون، يدرسون تاريخ العلمانية التنويري الحداثوي، راحوا اليوم يقولون خاف ذلك، ويقترحون أن الدين والفكر الاهوتي كانا موجودين ضمن عصر التنوير والحداثة وعلمانيته، المتولدة من رحم الفكر الديني، وتطورت في فضائه.

References

المراجع

العربية

عوض، نجيب جورج. أحفورات الفهم، تاريخانيات المعنى: دراسات في الثقافة والدين والسياسة. بيروت/ عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2020 ________. ما بعد الحداثة ومستقبل الخطاب الديني في الغرب: أنطولوجيا "شخص" و"علاقة" أنموذجًا. الرباط/ بيروت: مؤسسة مؤمنون ب  حدود للنشر والتوزيع،.2017

الأجنبية

Avis, Paul. Theology and the Enlightenment: A Critical Enquiry into Enlightenment Theology and Its Reception. London/ New York: T&T Clark/ Bloomsbury Publishing,

Awad, Najib George. And Freedom Became a Public Square: Political, Sociological and Religious Overviews on the Arab Christians and the Arabic Spring. Berlin/ Zürich: LIT Verlag, 2012. Bacon, Francis. A Selection of His Works. Toronto: McMillan, 1965. Brinton, Crane. Ideas and Men: The Story of Western Thought. New York: Prentice Hall, 1950.

Cranston, Maurice & Richard S. Peters, Hobbes and Rosseau: A Collection of Critical Essays. Garden City, NY: Doubleday, 1972. Dunn, John. The Political Thought of John Locke. Cambridge: Cambridge University Press, 1969. Farrington, B. Francis Bacon. New York: Lawrence and Wishart, 1962. Gillespie, Michael Allen. The Theological Origin of Modernity. Chicago: The University of Chicago press, 2008. ________. The Theological Origins of Modernity. Chicago/ London: University of Chicago Press, 2008. Graham, Elaine. Apologetics without Apology: Speaking of God in a World Troubled by Religion. Eugene, OR: Cascade Books, 2017. Milbank, John. Theology and Social Theory: Beyond Secular Reason. 2 nd ed. Oxford, UK/ Malden, USA: Blackwell Publishing, 2006. Oberman, Heiko. "'Iustitia Christi' and 'Iustitia Dei': Luther and the Scholastic Doctrines of Justification.". Harvard Theological Review. vol. 55, no. 1 (1966). Rosenthal, Jerome. "Voltaire’s Philosophy of History." Journal of History of Ideas. vol. 16, no. 2 (1955). Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge/ London: The Belknap Press/ Harvard University Press, 2007. ________. The Sources of the Self: The Making of the Modern Identity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989. Vanhoozer, Kavin J. et al. (eds.). The Cambridge Companion to Postmodern Theology. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2003. Voltaire. Letters on England. Leonard Toncock (trans.). Harmondsworth: Penguin,