قراءة في كتاب: مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية
Book review The Frankfurt School: Its History, Theory and Political Significanc by Rolf Wiggershaus
الملخّص
عنوان الكتاب: مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية . المؤلف: رولف فيغرسهاوس. المترجم: عصام سليمان وغانم هنا. دار النشر والسنة: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. عدد الصفحات: 928.
Abstract
Editorial secretary for Tabayyun Journal. kamel.terchi@dohainstitute.org
A Syrian doctor, interested in issues of German culture and thought. One of his most important translations is: Germany’s Teacher: Heidegger and His Time (2018).
Syrian academic and researcher, among his most important books: Social Philosophy: Preliminary Studies, and Community Building.
German researcher, specialist in German sociology and literature.
- مدرسة فرانكفورت
- الماركسية
- الفلسفة الاجتماعية
- العلوم الاجتماعية
- Frankfurt School
- Marxism
- social philosophy
- social science
كمال طيرشي| Kamel Terchi * ترجمة: عصام سليمان ** وغانم هنا *** |
عنوان الكتاب: المؤلف:
رولف فيغرسهاوس. المترج م:
عصام سليمان وغانم هنا. دار النشر والسنة: عدد الصفحات:
مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية.
الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022
تعتبر مدرسة فرانكفورت Frankfurt School من أهم المدارس التي عمدت إلى تطوير الماركسية Marxism في القرن العشرين، وانتسب إليها مفكرون وعلماء اجتماع لهم وزنهم في الفكر الفلسفي النقدي المعاصر، وإليهم يعود الفضل في تشييد صرح معهد الأبحاث الاجتماعية في جامعة غوته في مدينة فرانكفورت في نهايات عشرينيات القرن العشرين. ومن أبرز ممثلي هذه المدرسة ثيودور أدورنو Theodor W. Adorno (1969–1903)، وماكس هوركهايمر Horkheimer Max (1895–1973)، وهربرت ماركوزه Herbert Marcuse (1979–1898)، الذين يمثلون الرعيل الأول لهذه المدرسة. وتحت طائلة التغيرات الجذرية التي مسَّت البنائية الجديدة في القرن
العشرين، عمد فاسفة النظرية النقدية للمدرسة إلى إعادة قراءة النقد الماركسي للرأسمالية، وذلك بُغية مجابهة الظروف
المحيطة بالمناحي الاجتماعية، والسياسية الجديدة، التي تغيرت بعد موت كارل هاينريش
(((ستيفن سيدمان، معرفة متنازع عليها: النظرية الاجتماعية
في أيامنا، ترجمة مرسي الطحاوي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021)، ص.195 (((منذ أن كتب هوركهايمر مقاله المركزي: "النظرية التقليدية والنظرية النقدية " (1937)، صار توصيف "النظرية النقدية "
ملتصقًا بهذه المدرسة وأعامها، كما أصبحت لقبًا دائمًا نعتَ به
منظرو هذه المدرسة أنفسهم. بالرغم من أنها في معناها الخاص تحوي في طياتها مفهومًا تمويهيًا للنظرية الماركسية، وتعبيرًا عن
حقيقةٍ مفادُها أن هوركهايمر والذين معه لم يخوضوا غمار هذه
النظرية في شكلها الأرثوذكسي، المُرتكز على نقد الرأسمالية
باعتبارها منظومة اقتصادية مع بناء فوقي مازم لها، بل كان تماهيهم مع مبادئ النظرية الماركسية، والاستعانة بها في سبيل نقد طبيعة العاقات الاجتماعية المغتربة. يُنظر: رولف
فيغرسهاوس، مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري
وأهميتها السياسية، ترجمة عصام سليمان وغانم هنا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 18.
ماركس Marx Heinrich Karl.)1883–1818(وهكذا، تجلت النظرية النقدية لتنظر في مناحي الواقع السوسيولوجي التي أهملها ماركس ومن سار على نهجه من الماركسيين الكاسيكيين. ومع ذلك، فقد نظر مفكرو مدرسة فرانكفورت إلى حاجتهم المُلحة إلى الماركسية، ولكن
بنمطية جديدة تتواءم والتطور الزمني الذي عايشوه في تلك الفترة، بحيث عمل فاسفتها في أجواء مضطربة نوعًا ما، ولا سيّما أنهم ذوو
اتجاهات يسارية. وذلك مع بروز قوة أدولف هتلر Hitler Adolf (1945–1889 وحزبه) بداية الثاثينيات، وتأثيره الواضح في العقلية الأوروبية، وبصفة خاصة في ألمانيا. مع العلم أنه لم يُتنبَّه إلى كون الماركسية لم تتنبأ بتلك
التطورات الحاصلة؛ لهذا أضحت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى بعث ماركسية جديدة، تعمد إلى كشف العلل التي أدت إلى مثل هذه الكارثة السوسيولوجية والسياسية. فقد كانت الضروب الرسمية للماركسية التي سعت لطرحها الأحزاب الشيوعية في أوروبا آنذاك، مجرد تصورات فرضها مفكرون بيروقراطيون في الاتحاد السوفياتي الذي كان يخضع في تلك الحقبة لحكم الدكتاتور جوزيف ستالين.)1953–1879(Joseph Stalin يتناول كتاب مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية، تاريخ
(((سعيد إسماعيل عمر، في التربية والتحول الديمقراطي:
دراسة تحليلية للتربية النقدية عند هنري جيرو، تصدير وتقديم عبد الفتاح تركي وحامد عمار (بيروت: الدار المصرية اللبنانية، 2007)، ص.148 (((يُنظر: ديفيد إنغليز وجون هيوسون، مدخل إلى
سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.65–64
مدرسة فرانكفورت، والأماكن التي عاصرت هذا التاريخ الطويل كأوفنباخ أم ماين Offenbach Main am، وجنيف ونيويورك ولوس أنجلس، مع المجال المعاصر لهذا التاريخ الذي تجلت Weimarer Republik فايمار جمهورية فيه بطابعها الذي يغلب عليه التوجس والريبة، وانتهائها بالنازية، وفترة الحرب، وعصر كارثي في الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى الانقاب الرجعي على خلفية مجابهة الفكر الشيوعي، ثم المرحلة التي تلتها بين الاحتجاج والإصاح في جمهورية ألمانيا الاتحادية. أما الحديث عن ضروب هذا التمأسس المتباين في إطار هذا التاريخ، فتجلت في معهد مستقل، مثَّل لبنة أساسية للبحث في الملمح السوسيولوجي، المثقل بالروح النقدية الماركسية. وما بقي من المعهد، التزم بما يجسده من وجود جماعي، عمد إلى توفير حماية ذات خصوصية لعلماء معيّنين،
واستفاد من أموال الدولة التي خصصت مبالغ مالية للدراسات والأبحاث، وتحملت تكاليفها الباهظة؛ وذلك لكونه معهدًا له خلفية اجتماعية ونقدية (ص. 21)
أولا: تخطّي أزمة الماركسية: الوصل بين الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية التجريبية
ألقَى هوركهايمر "المدير الجديد" الذي تبوأ منزلة الإشراف على معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، بالائمِة على المفكّرين،
وبثّ ذلك في شكل حِكم في كتابه الفجر والانحدار Dawn & Decline، معتبرًا أنهم
ذهلوا عن آلام الناس، ولم يرعوها حق رعايتها. وقد كان خطابه حول هذا الأمر بالذات مغرقًا بالمفاهيم الراديكالية التي تُعبر عن موقفه من بعض الفاسفة البرجوازيين الذين كان ينظر إليهم نظرة ازدراء واحتقار. انطلق هوركهايمر في هذه المرحلة من قناعة ذاتية، حاله في ذلك حال زمائه في المعهد ذوي النزوع الثوري، ساعيًا في الآن عينه إلى إيصال هذه الصورة، على الرغم من المجازفات الكبيرة التي كانت تتربص به آنذاك، وكان هذا الأمر في وقت صرح فيه غرونبرغ
(((تسلّم هوركهايمر زمام إدارة المعهد بعد غرونبرغ، وكان ذلك عام 1930، وحاول في تلك الفترة بالذات، أن يستثمر الخاصات التي تمخضت عن الفكر اللوكاشي والكروشي، بوصفها مخلفات ماركسية كاسيكية، وبدأ حينها يرتب أفكاره لتأليف كتابه المركزي والتأسيسي للنظرية النقدية لمدرسة
فرانكفورت: النظرية التقليدية والنظرية النقدية، حيث سعى في هذا النص إلى تحديد المعالم الجوهرية للنقد على الضد من التصور التقليدي للنظرية. وحتى تكون هذه النظرية الاجتماعية ذات منحى نقدي، كان لا بد لها من أن توجه سهامها النقدية نحو الحياة السياسية الماثلة. لهذا نجده يستعين بقوة من النقد الماركسي من خال توفير المعرفة لقوى الظلم الاجتماعي الذي يمكن به أن يصل إلى مصاف التحرر. وما يجعل هذه النظرية الاجتماعية التي صرح بها هوركهايمر نقدية في الأساس، هو كونها ساهمت في جعل عدم المساواة الاجتماعية واضحة، وهي أيضًا نقدية لأنها حاولت أن تُحدث تغييرات في العالم تيمنًا بالحكمة الماركسية القائلة: إن فاسفة العالم بطرق شتى
عمدوا إلى تقديم تفسيرات عميقة للعالم، لكنهم أهملوا أي حديث عن كيفية تغييره. يُنظر: علي عبود المحمداوي (إشراف
وتحرير)، الماركسية الغربية وما بعدها: التأسيس والانعطاف
والاستعادة (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختاف، 2014)، ص.120 (((تولى كارل غرونبرغ Grünberg Carl) 1940–1861(تسيير معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ووجه جُل
أعماله نحو الدراسات الماركسية تحديدًا، وذلك للإسهام في
الانتقال من النظام الرأسمالي إلى الاشتراكي وفق رؤية ماركسية تقول إن التاريخ ينحو نحو إحقاق علم حقيقي وليس مجرد رؤية. يُنظر: "الشر: القيمة والخطاب"، ندوة، كلية
الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، تونس، 22–20 شباط/ فبراير 2013، ص.93
وفايل بكل شجاعة عن المسلك الماركسي المحض لمعهد العلوم الاجتماعية، ولعل الثقة الكبيرة التي حصَّلها هوركهايمر كانت بإيعاز من
غرونبرغ. وبالنسبة إلى تطور النظرية الماركسية، انبجس وضع مهم مفاده أن هوركهايمر حاول أن يتخطى أزمة الماركسية، وذلك عن طريق جعلها تتعالق مع التقدم الحديث في مجال العلم البرجوازي تحديدًا، والفكر الفلسفي عمومًا، في
وقت رفض فيه ماكس فيبر Weber Max –1864(1920)، ومارتن هيدغر Heidegger Martin (1976–1889) أي تنظير فلسفي حول معنى الكون المعطى سلفًا. نجد هوركهايمر يربط بين إنقاذ جورج لوكاش Lukács György –1885(1971) وكارل كورش Korsch Karl –1886(1961) للعناصر الفلسفية في الماركسية، وإدراج ماكس شيلر Scheler Max)1928–1874(للعلم التجريبي في الفلسفة (ص. 66) وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة الحاصلة في المدرسة، فإنها لم تُجسد أي قطيعة مع المنجز الخاص بغرونبرغ، ولا حتى من زمائه الذين حملوا لواءه وساروا على نهجه. فقد استمرّ
هوركهايمر في العمل البحثي في شتى مناحي الاقتصاد النظري وتاريخ الحركة العمالية، كما أن
(((يعتبر فليكس فايل Weil Félix (1975–1898) من أوائل من فكر في إنشاء مؤسسة أو مدرسة، يقطن بها زمرة باحثين متمرسين ممن يحملون الفكر الماركسي بإخاص، من أجل متابعة الدراسات المعمقة في الماركسية والنظرية النقدية، لبعث الحياة فيها وتطهيرها من الراديكالية، وهو ابن تاجر ألماني ثري، فبعد حصوله على درجة الدكتوراه، هاجر إلى فرانكفورت، وذلك مع صعود النازية، فكانت أولى محطاته في سويسرا ثم نيويورك، ليستقر بعدها في فرانكفورت عام 1950، بعد أن تبلور في ذهنه اتجاه نقدي، تدعمه فلسفة جديدة تنهل من الماركسية. هذا الاتجاه النقدي انتسب إليه الرعيل الأول من المدرسة مع هوركايمر
وأدورنو وماركوزه. يُنظر: امبارك حامدي، من إشكاليات العقل
والعقلانية في الفكر العربي المعاصر: برهان غليون وعبد الله العروي أنموذجًا (تونس: الدار التونسية للكتاب، 2015)، ص.184
دورية الدراسات الاجتماعية التي أُنشِئت في عام 1932 عوضًا عن أرشيف تاريخ الاشتراكية والحركة العمالية المؤسس من لدن غرونبرغ، أثبتت من ناحية النشر وشكل الإصدارات، المنحى الاستمراري لهذا الفكر، وفتحت المجال لقسم الدراسات المعمقة والنقد المنهجي، متجاوزة المجال المحصور الذي كان يبحث فيه غرونبرغ. لكن مع تحول نقطة الارتكاز، عمل المعهد وركز أكثر على نظرية المجتمع، وليس تاريخ المجتمع فحسب، كما تحولت موضوعات البحث إلى مناحي تداخل الاختصاصات، ولم يمارس العمل الجماعي إلا بصورة هامشية. فكان لا بد من أن يظهر العمل لأولئك الذين لم يساهموا في إنجازه، وذلك في مجال رحب (ص. 67) إن الإضافة التي جاء بها هوركهايمر، بعد أن خلف غرونبرغ في منصبه الجديد، لم تتطلب
منه كثير عناءٍ، بل انصب عمله أكثر على تحوير المخطط الموضوع من طرف غرونبرغ، لجعله يتواءم والنظرية الاجتماعية العابرة للتخصصات العلمية وتنظيمها أكثر، بحكم أن الوضع الفلسفي والتاريخي الذي انصبت فيه الجهود السابقة عنه، والتي تركزت على إنتاج نظرية مجتمعية، يتّسم بالتمايز الذي ستتمخض عنه تبعات كبيرة
تُماسف بين البحث الإمبريقي والتفكير الفلسفي الرصين. كما أن الرؤية الهوركهايمرية التي واصل من خالها فلسفته، تدين بصورة أو بأخرى للماركسية، من حيث المبادئ التي قامت عليها، وأيضًا من حيث روح المنهج. لكنه سعى إلى عدم التقيد بشكلها الحرفي ومقولاتها الكاسيكية التي صبت جام غضبها على الرأسمالية، بوصفها
(((يُنظر: أكسل هونيث، الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات
فلسفية اجتماعية، ترجمة ياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.33
نمطًا اقتصاديًا يعتمد البنية الفوقية والأيديولوجية بشتى ضروبها، لأن الماركسية تأسست على نقد العاقات المغتربة، التي تجعل الإنسان مغتربًا في مجتمع صناعي قائم على الشمولية والتقنية. ولا بد من التنبيه هاهنا إلى أن المنبع الأساسي للمسلك النقدي للمدرسة، لم يكن هو النظرية الماركسية في منحاها العام، بقدر ما كان الأمر متعلقًا بأحوال معينة وحسب. إضافة إلى تأثرهم العميق بتجربة كارل ماركس الشاب الذي عرفوه من خال مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية عام 1844 في باريس، مدركين بعدها أن الرأسمالية كانت كارثة تتربص بالإنسان، وأن نقدهم لها، يجب ألّ يكون مرهونًا بالإصاح الاقتصادي والسياسي فحسب، بل يتطلب الأمر ثورة شاملة عليها، وعلى كل شيء يمثلها، سواء عقانيتها أو ادعاؤها التنويري. وليس ببعيد عن التوجه الفلسفي لهوركهايمر، زميله ثيودور أدورنو الذي كانت طفولته محمية
(((يُنظر: عبد الغفار مكاوي، النظرية النقدية لمدرسة
فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي (لندن: مؤسسة هنداوي سي آي سي، 2017)، ص.14 (1((تقوم فلسفة أدورنو في جوهرها على مسلك النقد الراديكالي للحداثة، وكشف مآلاتها الوخيمة والوضع الكارثي الذي آلت إليه المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهو ما نجده
في أبرز كتبه: جدلية التنوير (1947)، الذي كتبه مع زميله
هوركهايمر، وكتابه: النظرية الجمالية (1970)، مرورًا بكتاباته
المتاحقة فيما بعد ككتاب: الجدلية السالبة (1961). إلا أنه لا بد من التنبيه إلى أن الصورة السوداوية والمأساوية التي رسمها أدورنو، لم تمنع مشروعه الفلسفي من الافتتاح على مجالات اليوتوبيا الجمالية التي تراهن على طبيعة التأثير الفني الطائعي باعتباره، وفق كتابه النظرية الجمالية، ثورة في حد ذاتها، وقدرة ليس لها حدود تعمد إلى تحرير الأفراد من مجتمع السيطرة. يُنظر: أم الزين بنشيخة المسكيني، "ثيودور أدورنو"،
في: علي عبود المحمداوي (إشراف وتحرير)، الفلسفة الغربية
المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، ج 1 (الجزائر: منشورات الاختاف؛ الرباط: دار الأمان؛ بيروت: منشورات ضفاف، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، 2013)، ص.530
بصورة كبيرة، وتربى على مسلك فني خالص، تشبع فيه بالتربية الموسيقية، كما حصَّل إلمامًا واسعًا بفلسفة التاريخ وأفكار عصره (ص. 102). وأيضًا هربرت ماركوزه، الذي تشبع بفلسفة جورج لوكاش ومارتن هيدغر، وفلسفة الجمال الهيغلية، وكان لهؤلاء الفاسفة تأثير واضح فيه، باعتبارهم فاسفة اغتراب وتشيؤ، كما كان لهم صيت ذائع في عشرينيات القرن العشرين (ص. 142). يوافق أدورنو وماركوزه هوركهايمر في التوجه الفلسفي العام الذي سلكته المدرسة النقدية، إلا أن اهتمامها كان فنيًا جماليًا بصورة
خاصة، ومتعالقًا في الآن عينه برؤيتهم الإجمالية، ونقدهم الراديكالي للواقع السياسي والاجتماعي القائم آنذاك، وعلى وهاد العقانية التي استعانت بآليات جديدة للتحكم الأداتي التي جعلت من الإنسان مجرد آلة، محرومًا من حريته، وتمنحه في المقابل حرية زائفة، تتوارى خلفها ضروب القمع والسيطرة وإغراقه في الاستهاك، ليصبح بعدها مجرد شيء من الأشياء، كما أن القمع الذي تعرض له الإنسان لم يتوقف عند هذا الحد، بل أخذ أشك لً جديدة لم تعرف الإنسانية لها مثيا من قبل، بحيث مست هذه السيطرة جوانبه السيكولوجية والعقلية والجسمية والاجتماعية، وجعلته يتكيف مع الحياة الجديدة، وهذا ما دفع بأدورنو وماركوزه إلى القول بالبعد الجمالي وسيلةً
(1((قدَّم هذا الفيلسوف نظريته المثيرة عن المجتمعات
المعاصرة، فيما نعته بالإنسان ذي البعد الواحد، انتقد فيها الرؤية التي ذهبت إليها الرأسمالية المعاصرة، ومجتمع الدولة الشيوعية، كما أن فلسفته عن الرفض العظيم جلبت له شهرة واسعة النطاق، وجعلت منه واحدًا من أهم منظري التغيير
الثوري، في دعوته للتحرر من مجتمع الرفاهية الكاذب. يُنظر:
خضر دهو قاسم، "هربرت ماركيوزه والنظرية النقدية"، في:
المحمداوي (إشراف وتحرير)، الفلسفة الغربية، ص. 755
للتحرير والانعتاق من أغال التشيؤ، وخاصًا
من العقانية الأداتية التي أحكمت قبضتها وسيطرت على الإنسان، فالجمالية هي البعد الأوحد الذي سينقذ الإنسان وينقله إلى وضعه الإنساني الأصاني الجديد، بحيث يصبح الفن والجمال قوة احتجاج ثورية، ونقدًا جذريًا للواقع
القائم. وتكون الجمالية على إثر ذلك تمثيا واضحًا للوظيفة النقدية الأساسية لما هو قائم
((1(يرجع هذا اللفظ إلى الفيلسوف لوسيان غولدمان Lucien
Goldmann (1913–1970)، إلا أنه كان متداول قبله من لدن بعض الفاسفة كفريديريك نيتشه Nietzsche Friedrich –1844(1900)، وجون بول سارتر Jean–Paul Sartre (1980–1905)، لكن الفضل في تعميق هذا المصطلح وتطويره جاء على يد جورج
لوكاش في كتابه المركزي: التاريخ والوعي الطبقي، حيث عالق
بين التشيؤ والواقع الرأسمالي، معولً في ذلك على مقولة ماركس "توثين السلعة"، بحيث تختلق السعلة ضربًا من العاقة بين المنتج
والمستهلك، تقترب إلى الوثنية والعبادة. وهكذا يصبح المجتمع
الرأسمالي مفرطًا بصورة مقيتة في التركيز على التبادلات التجارية، وجعل العاقات بين البشر مبنية على التشيؤ، فيسحق الإنسان وتغيب صورته، ليحل محلها عاقات شيئية محضة، قوامها سيطرة
أرباب العمل على المنتجين، فيتحول المنتج ومنتوجاته إلى مجرد أشياء، ومن هذا الوضع المرتكز على السلعة، يعمد هؤلاء إلى
اتخاذها أوثانًا، وتتحول القيمة البشرية للأفراد إلى قيم سلعية تتحكم في شروط العمل، ويُنظر إلى العامل على أنه مجرد أداة
للإنتاج، كما يُنظر إليه من خال كمية ما يُنتجه من سلع، بغض
النظر عن قيمته بوصفه كائنًا بشريًا. يُنظر: أنور عبد الحميد
الموسى، علم الاجتماع الأدبي: منهج "سوسيولوجي" في القراءة
والنقد (بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، 2011)، ص.211 ((1(العقل الأداتي هو العقل الذي يسعى لالتزام بالجانب الشكلي للإجراءات، من دون وجود هدف أو مرمى معين، بحيث يوظف وسائط ووسائل يسعى من خالها لخدمة الغايات، من دون أيما تمحيص ونظر في مضمونها، وهل هي إنسانية أم تتسبب في أذية الإنسان، وهو في مستواه العملي، العقل الذي يحدد أولوياته من منطلق بردايم عملي مادي بحت، يهدف للسيطرة على الطبيعة والإنسان. كما ينظر العقل الأداتي إلى الكائن البشري وفق وجهة العلوم الطبيعية على أنه شيء ستاتيكي ووفق رؤية كمية، وينظر إلى الطبيعة والإنسان على أنهما مادة تداولية استعمالية يمكن استعمالهما لخدمة أي هدف، حتى إن كان هذا الهدف لا إنسانيًا. يُنظر: عبد الوهاب
المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان (دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر، 2002)، ص.87
داخل المؤسسات السياسية التي تكرس الهيمنة، فتمارس تلك الوظيفة عملية النقد والاحتجاج وترسم صورة الإنسان الحر. غير أن هذا الأمر لا ينطبق على الجمالية الماركسية الأرثوذكسية التي دافعت عن الواقعية الاشتراكية، وجعلت من العمل الفني الأصيل عما نابعًا من الطبقة
الكادحة، فمن التزامات الفنان الأساسية أن يعمد إلى التعبير من خال أعماله الفنية والجمالية عن مصالح هذه الطبقة وحاجاتها. وبعد أن أحكمت النازية سيطرتها على ألمانيا، مع صعود الفوهرر Führer إلى الحكم سنة 1933، لاذ هوركهايمر وزماؤه بالفرار من ألمانيا إلى سويسرا وفرنسا وبريطانيا، وبعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية، وقد حُذِّرَ هوركهايمر وزوجته
بعد أن احتل رجال الأمن النازيون بيته وبيت بولوك، وحولوهما إلى مكان حراسة مشددة، فاضطر هوركهايمر إلى المبيت في فندق قريب من بيتهما السابق، وكان حينها يسافر بين الفينة والأخرى إلى منزله في مدينة جنيف، كما غيّر في طبيعة ما كان
يلقيه من محاضرات في الجامعة، بحيث انحصرت فقط في الحديث عن مداخل في الفلسفة، ومفهوم الحرية، وتراجع عن الكثير مما كتبه في مؤلفه
الفجر. وفي 13 آذار/ مارس فتشت الشرطة معهد العلوم الاجتماعية وأغلقته، ووضعته تحت تصرف الطلبة النازيين (ص. 188)–187 حينها شرع هوركهايمر وزماؤه في تأسيس فروع أخرى للمعهد في باريس ولندن، ومن بعد ذلك في جامعة كولومبيا. إلا أن الوضع السياسي المضطرب الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية آنذاك، جعلهم ينأون بأنفسهم عن استعمال المفاهيم الراديكالية، ويرجع سبب ذلك إلى فقدانهم الأمان
(1((يُنظر: كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت:
من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث (الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختاف؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص.84–83
والثقة في الطبقة الكادحة في أوروبا والولايات
المتحدة. وبجهدهم تطورت النظرية النقدية
لتصبح أكثر انفتاحًا على فلسفة التاريخ والمجتمع،
مثلما كان الأمر في عصر الأنوار الأوروبية. في تلك
الحقبة بالذات عمد الرواد الأولون إلى تقديم أهم
أعمالهم وعلى رأسها: السلطة والعائلة، وكسوف
العقل، وفي عام 1950، ولما سقطت النازية وأفل
نجمها، عاد هوركهايمر وبعض زمائه من أجل
إتمام العمل الذي خاضوا غماره من قبل، لتنطلق
بعد عودتهم مرحلة جديدة، أو بالأحرى رعيل
جديد للمدرسة، من أبرز ممثليه يورغن هابرماس
.Jürgen Habermas
وتبقى الشخصية المثيرة للجدل من الرعيل
الأول للمدرسة متجسدة في شخص فلتر بنيامين
Benjamin Walter (1940–1892) الذي شكل
حالة استثنائية، خصوصًا فيما يتعلق بعاقته مع
أدورنو وهوركهايمر، فقد كتب أدورنو قائا: "إنني
أعتبر بنيامين واحدًا من أهم القوى التي لدينا،
بعد التجارب المحبطة جدًا التي عرفناها من جراء
محاولتنا أن نكسب قوى جديدة، وواحدًا من
القلة منهم، ففي حال أحسنَّا استخدامه، نتوقع منه
الكثير. وأعتبرُ لهذا أن ذلك مسوغ جدًا في إطار
المصلحة الموضوعية، عندما يعبر عن ذلك أيضًا
بوضوح في موقفنا العام" (ص. 237). كان بنيامين
يميل إلى النقد الأدبي أكثر، وقد انضم إلى معهد
العلوم الاجتماعية عام 1935، حينما كان يترأسه
هوركهايمر، وقد مات منتحرًا عام 1940 بعد أن
عجز عن عبور الحدود الفرنسية الألمانية، حيث
كان يسعى للحاق بزمائه الفارين من النازية إلى
أميركا. وتمكن هذا الفيلسوف من تقديم الكثير
من الأعمال الجمالية والأدبية، من أهمها: مفهوم
النقد الجمالي في الرومانسية في الألمانية (1920)،
((1(يُنظر: خالد مخشان، "النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت:
نشأتها، وأسسها الجوهرية ومنطلقاتها الفكرية (ج 1)"، الحوار
المتمدن، 2014/7/17، شوهد في:2023/3/3، في
https://bit.ly/3KUCi6C
وأصول دراما الباروك الألمانية (1925)، والطريق ذو الاتجاه الواحد (1927)، وغيرها من الأعمال.
ثانيًا: نزاع الوضعية
يعدّ يورغن هابرماس من أهم ممثلي الرعيل الثاني، فقد اتخذ مسلكًا نقديًا مغايرًا لزمائه في مدرسة فرانكفورت، فمثّل منعرجًا جديدًا في توجه المدرسة، على الرغم من أنه شارك أعضاء المدرسة في نقدهم العقل الأداتي، وكان في
(1((يُنظر: كمال بومنير، قضايا الجمالية من أصولها القديمة إلى
دلالاتها المعاصرة (بيروت: منتدى المعارف، 2013)، ص.151 ((1(تقوم الفلسفة الوضعية التي يُعد الفيلسوف أوغست
كونت من أهم أعمدتها، على الإيمان الراسخ بالعلم التجريبي، باعتباره السبيل الأوحد لحذق المعرفة الحقة. لهذا تذهب هذه الفلسفة إلى لزوم استبعاد سؤال القيمة، ما دام هذا السؤال لا يُمكن إخضاعه للمعايرة العلمية الموضوعية، كما ترفض
تمامًا أي فلسفة سياسية تقليدية، محاوِلة التعويض عنها بعلم
اجتماعي، لأن الفكر السياسي التقليدي لا يمت، وفقها، إلى
العلمية بشيء، ومحاوِلةً في الآن عينه مجاوزة الميتافيزيقا، والتعويض عن الفلسفة بالقوانين العلمية المحضة. يُنظر: علي
صبيح التميمي، الدولة في الفلسفة الاشتراكية: نظرية اضمحلال
الدولة، ج 2 (عمّان: دار أمجد للنشر والتوزيع، 2016)، ص.106 (1((بيّن أدورنو في كتابه الجدل السلبي Negative Dialektik
مسألة العاقة بين التماثل العقلي والتبادل الاجتماعي، معتبرًا أن
عملية رهن العمل البشري في المفهوم العام الكلياني والمجرد عن متوسط العمل اليومي، مماثل لقاعدة التماثل، بحيث يعمد إلى سرقة فردية الكائن البشري. وبناء عليه، فالمواضيع لا يدان لنا باختزالها في مفهومها، وأنها تقع على نقيض من معيار المطابقة المتعارف عليه، لأن المفاهيم التي نستقيها لا تكفي بتاتًا للإحاطة بالمواضيع في تعقيدها. يُنظر: رشيد بوطيب، "أدورنو مربيًا"،
العربي الجديد، 2019/1/11، شوهد في في:2023/3/4، https://bit.ly/3Yqu8Wu. ويُمكن القول إن أدورنو من خال
اعتماده الجدل السلبي، أقرّ بصدقية الميتافيزيقا، وذلك عن طريق
نفيها، وهذا ما نعته أدورنو بتسامي الحنين. يُنظر: روديغر
سافرانسكي، معلم ألماني: هيدغر وعصره، ترجمة عصام سليمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
2018)، ص 153. كما مثَّل كتاب الجدل السلبياحتجاجًا واسعًا
على هيغل الذي عمد إلى سلب الجدل رونقه النقدي، لما أساء
استعماله لكي يغدق عليه شرعية إيجابية على واقع مزرٍ. يُنظر:
روديجر بوبنر، الفلسفة الألمانية الحديثة، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع، 2019)، ص.243
وسعه كذلك أن ينهج مسلكهم في الجدل السلبي الذي اتخذه أدورنو فلسفة له، لكنه لم يجد فيه سببًا
معينًا على تشييد نظرية نقدية متناسقة من الناحية المنهجية، على الرغم من أن الفرصة لإحقاق هذا الأمر كانت مائمة عندما بحث هوركهايمر وماركوزه، أوائل الثاثينيات، في الإرهاصات الأولى للفلسفة البرجوازية العقانية، ووجدا فيها إمكانات عقانية، كان من الممكن دعمها على يد الطبقة الكادحة. وسرعان ما حوّر
هابرماس طريقته في التعامل مع النظرية النقدية التي وضع معالمها الرعيل الأول، وتجلى ذلك في المرحلة الثانية من تطوره الفلسفي، وعمد إلى التصدي لما اعتبر أنه نقطة الضعف المركزية في بنية النظرية، والقصور الذي جابهها، معتبرًا إياها
مفتقرة للأسس المعيارية التي يقتضيها النقد، ومقتصرة على نقد العقل الأداتي من دون أن تتجاوزه إلى نظرية نسقية. أما طبيعة عاقة هابرماس مع هوركهايمر وأدورنو، فلم يصل الأمر معهما إلى القطيعة النهائية، وكانت عودته القوية إلى فرانكفورت في عام 1964 مازمة لشهرته، فيما بعد، ليتسلم بدعم من أدورنو، كرسيّ هوركهايمر للفلسفة. إلا أن
هابرماس سلك منهجًا مغايرًا لأدورنو، واقتدر على
اتباع سبيل مختلفة بصورة جذرية، استطاع بها أن يقدم مقاربة نقدية محايثة لفلسفة كارل ريموند بوبر Popper Raimund Karl (1994–1902)،
((1(سعت الفلسفة العقانية البرجوازية في القرن العشرين إلى معاداة العقانية العلمية وتفكيكها، والعمل على تجريدها من قيمتها العلمية الموضوعية، وذلك من دون أن تمس بنتائج العلم الحديث الذي كانت تسير على نهجه البرجوازية المتقدمة.
يُنظر: هشام غصيب، مطرقات فكرية 2020 (القاهرة: دار الجنان
للنشر والتوزيع، 2022)، ص.125 (2((يُنظر: عطيات أبو السعود، الحصاد الفلسفي للقرن
العشرين (الإسكندرية: منشأة المعارف، 2002)، ص.89
وهي محاولة لم تستهو أدورنو. واستطاع من خالها الانطاق من كونه منظرًا للمجال العمومي
النقدي والممارساتي، أو بالأحرى الفعل الأخاقي السياسي، معارضًا فكرة بوبر بخصوص تأسيس الموضوعية العلمية في النقاش العقلي النقدي، بلزوم إيجاد عقانية كلية للحوار الحر بين الأشخاص المتواصلين على نحو عمومي، باعتبارها شرطًا لزوميًا لإمكانية تحقيق مثل هذه
الفكرة، إذا جرى التخلي عن نموذج تقدم المعرفة في العلوم الطبيعية (ص. 788) قدم هابرماس انتقادات لاذعة للتقنية والعلم والمسالك العلمية والوضعية المعتمدة في التفكير، على الرغم من أنه يميل إلى الوضعية المنطقية
Vienna لدى حلقة فيينا logical positivism
Circle. وقد عمد إلى استحداث رؤية تقول إن الضروب المتباينة للمعرفة، سواء النظرية أو المعرفية، تتشكل في سياق أطر مختلفة، وتخدم مصالح الإنسانية، ذلك أن المعرفة النظرية تقوم على اهتمامات الإنسان في طموحه إلى السيطرة على الطبيعة. أما المعرفة العلمية والإتيقية، فتتركز على اهتمام الناس بفهم بعضهم بعضًا، بينما تتأسس النظرية الاجتماعية والنقدية على الترتيب لاهتمام الجمعي والفردي بالتحرُّر، والدعوة إلى
الاستقالية وتحقيق الحياة الصالحة. أشار هابرماس في المحاضرة الافتتاحية التي ألقاها في مدينة فرانكفورت، إلى الطبيعة الهشة الماثلة في الإنسان الفرد باعتبارها "ليبيدو"، والتي تعمد إلى الإلحاح على الإحقاق اليوتوبي. ويسري تناول مطالب فردية من الإطار السوسيولوجي كهذه، وتندرج ضمن التعريف الاجتماعي للحياة الرغيدة،
(2((يُنظر: جيمس جوردن فينليسون، يورجن هابرماس، ترجمة
أحمد الروبي، مراجعة ضياء الرواد (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.35
لكن أليست الطبيعة الباطنية والخارجية لحظتين للطبيعة عينها؟ وهل يمكن أن يكون للعقل منهج منقسم نحوها على نحو دائم؟ وهل يمكن أن يندرج الليبيدو في تحديد الحياة السعيدة من غير أن تندرج عاقة ليبيدوية بالطبيعة الخارجية في هذا التعريف؟ (ص. 801) مع المشروع الهابرماسي، بدأت إرهاصات لإمكانية إنقاذ العلوم من الوضعية، بحيث تمكن من ربط العلوم الطبيعية بالعلوم الإنسانية، وربط العلوم الاجتماعية بالنظرية النقدية أو الماركسية الغربية (ص. 797). ونستنتج من موقف هابرماس هاهنا، التراجع الذي غلب على رأيه حول مفهوم نُكوص دور الذات العارفة، انطاقًا من التطور الحاصل في المعرفة العلمية، فما أدلت به النزعة الوضعية هو أنها عمدت إلى فصل العلم عن الفلسفة، وأكدت على أن مفهوم الذات العارفة لم تعد له أي أهمية في النظريات العلمية المعاصرة، فالعلم يمثل منظومة من القيم الإبستيمولوجية، تنحو إلى الكشف عن حقيقة لغزية هذا الكون، وتبدو المعرفة الراهنة معرفة علمية، ولا يتبقى للذات سوى إرادة المنهجية العلمية. وبناء عليه، فقد كبتت الوضعية العلمية التقاليد الراسخة للفكر، واحتكرت فعالية التفهم الذاتي للعلوم، ذلك أنه منذ الإلغاء الذاتي لنقد المعرفة من خال هيغل وماركس، لم يعد المظهر الموضوعي يتحقق من خال العودة إلى إيمانويل كانط، وإنما بصورة محايثة من خال منهجية مكرهة على التأمل الذاتي، وتابعة لمشكاتها الخاصة والموضوعية التي تعكس للعلم ما في ذاته من حقائق مبنية قانونيًا، ومن ثم
تحجب التكون السابق لهذه الحقائق.
(2((يُنظر: محمد دوير، ماركس ضد نيتشه: الطريق إلى ما بعد
الحداثة (القاهرة: روافد للنشر والتوزيع، 2020)، ص.272
ثالثًا: المنظِّرون النقديون والحركة الطلابية
أشاد ماركوزه بالقوة التي يُمكن أن يُمثلها الطاب
آنذاك، لما يتمتعون به من تضامن غريزي وثقافي، مناديًا باستنهاض همم الحركة الطابية، فقد أصبح
الطاب هم الأمل الوحيد، عقب عجز الطبقة الكادحة عن الثورة، بعد أن دخلت في اللعبة الاستهاكية. فقد حاضرَ ماركوزه أمام طاب
ألمانيا الغربية، مغيرًا نظرته لنشاطهم، ومقدرًا
لهم، ومبينًا موقفه الجوهري المناهض لمعارضة القوة الطابية، قائا لهم: "نعلم وتعلمون أنتم أن الوضع ليس ثوريًا [...] لكن الوضع نفسه مخيف
جدًا، وخانق ومذل، بحيث يجبر التمرد ضده على ردة فعل بيولوجية وفيزيولوجية، لم يعد في مقدور المرء تحمله، فهو يختنق وعليه أن يتنفس [...]. إنه الهواء الذي نريد أن نستنشقه (أنا على الأقل) من جديد أيضًا" (ص. 846) إلا أن هابرماس حاول أن يُحدد الدور السياسي
للطلبة، بعد ما شاهده من قمع كبير جابهه هؤلاء في بداية نضالهم الثوري، وقتل الكثير منهم. وأوضح العوائق التي تعترض محاولة تفسير العالم، بل تغييره كذلك، كونه مشاركًا لأعوام طويلة في مناقشات اتحاد الطاب الاشتراكي، وبدرجة خاصة في كل ما له عاقة بمشاريع تمس الإصاح الديمقراطي للجامعات، واضعًا تأمات بخصوص هذه القضية خصوصًا في
كتابه الطالب والسياسة، داعيًا إياهم إلى ضرورة
الإصرار على مطلب استعادة القدرة التعليمية للعلوم، ومطالبًا إياهم أيضًا بضرورة استرجاع
طاقة التحرير العملية في المجتمع، واصفًا هذه الاحتجاجات الطابية بأن لها وظيفة تعويضية، لأن الأسس الناظمة للديمقراطية لا تعمل بهذه
الصورة. مُشددًا على المطالبة بالتشجيع الرسمي
للنقاشات النقدية وفتح باب الأسئلة السياسية في الجامعة، والسماح بها على نحو واسع (ص. 850)–849 وبناء على ما سبق، نجد أن رؤية هابرماس كانت متحفظة نوعًا ما من الحراك الطابي، بخاف
ماركوزه الذي ناصر بشدة الحركات الطابية، في نهاية الستينيات، واعتبرها الأمل الوحيد في قيام ثورة حقيقية، خصوصًا بعد الانتكاسة والإحباط
المنجرّين من الطبقة العاملة التي "غدت
برجوازية". إلا أن المربك في آراء منظري المدرسة هو التراجع المخيف في تصريحاتهم ومواقفهم من الحراك الطابي، فنجد ماركوزه الذي كان من أوائل المنافحين عن هذه الحركة يخيّب آمالهم لما قال إنهم ليسوا الذات التي
ستغير التاريخ، كما أنكر عليهم أن يكونوا أقلية مضطهدة، موضحًا أنه لا يوجد إلا حركات
وقوى كثيرة متشرذمة، لا بد من الاعتماد عليها جميعًا، وليس على الطلبة فحسب. وهو ما جعل
الطاب يحبطون من هذه التصريحات الصادمة، فقد كانوا يعتقدون أن معارضتهم لمواقف السلطة الراسخة في بلدانهم هي الأساس لزعزعة استقرار البلدان الصناعية على صعيد السياسة العالمية (ص. 856). ولكن مع كل هذه التناقضات والتراجعات التي تصدر بين الفينة والأخرى من طرف منظري المدرسة، لم يجرِ التوصل بتاتًا إلى تفاهم بينهم، وهم الذين علقوا آم لً كبيرة على أساتذتهم اليساريين الذين وعدوا أن يضحوا بحياتهم في سبيل الثورة. وربما زاد الأمر حدة، بعد اقتحام الطلبة للمعهد، ودعوة
((2(يُنظر: عبير سهام مهدي، "مدرسة فرانكفورت النقدية:
الأسس والمنطلقات الفكرية"، مجلة العلوم السياسية، العدد 55 (2018)، ص.133
ماركوزه لإخائه (ص. 869). وهكذا انتهت معه ومع أساتذة المعهد آمال كانت ستدفع لتغيير جذري في ألمانيا آنذاك، ولكن الفرار وتباين الرؤى وتغايرها الدائم، وعدم الاتفاق على توجه واحد، والتاعبات التي حصلت، عجلت بنهاية هذا الحلم.
خاتمة
يمكن القول إنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها منظرو مدرسة فرانكفورت، لترسيخ قواعد التغيير الجذري للواقع الاجتماعي المُزري، الذي ما زال يرزح تحت نير الرأسمالية المتوحشة، وبعدها الاستهاكي الذي يجعل من الإنسان كائنًا يعيش لبعد واحد فحسب؛ فإنه لم يُكتب لها النجاح بالصورة المرجوة والتي كان رعيلها الأول يأملون تحقيقها. ولعل من أسباب ذلك؛ الخاف الشديد والتباين الصارخ في آراء منتسبيها، والاختاف في التوجه لما بعد الحداثة، كما أن منظري هذه المدرسة ذهلوا عن الاهتمام بالجانبين التاريخي والاقتصادي، وانحرفوا كثيرًا عن مبادئ الماركسية الكاسيكية، وخصوصًا عند الرعيل الثاني من المدرسة، كما جرى طمس معالم الطبقة الكادحة باعتبارها الروح الحقيقية لأي تغيير ثوري فاعل، وبقيت مجرد مدرسة ماركسية يتيمة البروليتاريا. ولعل من الجوانب التي أكدت اضمحال تصورات هذه المدرسة وفشلها، ما صرح به هابرماس من كون النظرية النقدية ما بعد الحداثية، ما هي إلا حالة مرضية، اختل فيها التوازن بين المعنوي والمادي.
References
المراجع
أبو السعود، عطيات. الحصاد الفلسفي للقرن العشرين. الإسكندرية: منشأة المعارف،.2002 امبارك، حامدي. من إشكاليات العقل والعقلانية في الفكر العربي المعاصر: برهان غليون وعبد الله العروي أنموذجًا. تونس: الدار التونسية للكتاب،.2015 إنغليز، ديفيد وجون هيوسون. مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة. ترجمة لما نصير. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بوبنر، روديجر. الفلسفة الألمانية الحديثة، ترجمة فؤاد كامل. القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.2019 بومنير، كمال. النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث. الجزائر: منشورات الاختاف؛ الرباط: دار الأمان؛ بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2010 _______. قضايا الجمالية من أصولها القديمة إلى دلالاتها المعاصرة. بيروت: منتدى المعارف،
التميمي، علي صبيح. الدولة في الفلسفة الاشتراكية، نظرية اضمحلال الدولة. عمّان: دار أمجد للنشر
والتوزيع،.2016 دوير، محمد. ماركس ضد نيتشه: الطريق إلى ما بعد الحداثة. القاهرة: روافد للنشر والتوزيع،.2020 سافرانسكي، روديغر. معلم ألماني: هيدغر وعصره. ترجمة عصام سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 سيدمان، ستيفن. معرفة متنازع عليها: النظرية الاجتماعية في أيامنا. ترجمة مرسي الطحاوي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021 عمر، سعيد إسماعيل. في التربية والتحول الديمقراطي: دراسة تحليلية للتربية النقدية عند هنري جيرو. تصدير وتقديم عبد الفتاح تركي وحامد عمار. بيروت: الدار المصرية اللبنانية،.2007 غصيب، هشام. مطرقات فكرية 2020. القاهرة: دار الجنان للنشر والتوزيع،.2022 فيغرسهاوس، رولف. مدرسة فرانكفورت: تاريخها وتطورها النظري وأهميتها السياسية. ترجمة عصام سليمان وغانم هنا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 فينليسون، جيمس جوردن. يورجن هابرماس. ترجمة أحمد الروبي. مراجعة ضياء الرواد. لندن: مؤسسة هنداوي،.2017 "الشر: القيمة والخطاب". ندوة. كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان. تونس. 22–20 شباط/ فبراير
المحمداوي. علي عبود (إشراف وتحرير). الفلسفة الغربية المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج. ج 1. الجزائر: منشورات الاختاف؛ الرباط: دار الأمان؛ بيروت: منشورات ضفاف، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة،.2013 _______. الماركسية الغربية وما بعدها: التأسيس والانعطاف والاستعادة. بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختاف،.2014 المسيري، عبد الوهاب. الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان. دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر،.2002 مكاوي، عبد الغفار. النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي. لندن: مؤسسة هنداوي سي آي سي،.2017 مهدي، عبير سهام. "مدرسة فرانكفورت النقدية: الأسس والمنطلقات الفكرية". مجلة العلوم السياسية. العدد 55.)2018(الموسى، أنور عبد الحميد. علم الاجتماع الأدبي: منهج "سوسيولوجي" في القراءة والنقد. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع،.2011 هونيث، أكسل. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. ترجمة ياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019