العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب نظرية الفعل التواصلي ليورغن هابرماس (المجلدان 1-2)

مراجعة كتاب نظرية الفعل التواصلي ليورغن هابرماس (المجلدان 1-2)

Book Review The Theory of Communicative Action in Two Volumes by Jürgen Habermas

محمد الأشهب *

Mohamed Lachhab *

ترجمة: فتحي المسكيني **

Translated by Fethi Meskini **

الملخّص

عنوان الكتاب: نظرية الفعل التواصلي . المؤلف: يورغن هابرماس. المترجم: فتحي المسكيني. عنوان المجلد الأول: عقلانية الفعل والعقلانية الاجتماعية . عنوان المجلد الثاني: في نقد العقل الوظيفي . الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2020. عدد صفحات المجلد الأول: 624 صفحة. عدد صفحات المجلد الثاني: 663 صفحة.

Abstract

Associate Professor of Contemporary Philosophy at Ibn Zohr University, Agadir, Morocco. chercheurhabermas2001@yahoo.fr

Associate Professor of Contemporary Philosophy at the University of Tunis. msknfth@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • نظرية الفعل التواصلي
  • يورغن هابرماس
  • عالم الحياة
  • الحداثة
Keywords:
  • The Theory of Communicative Action
  • Jurgen Habermas
  • Life-world
  • Modernity

عنوان الكتاب: المؤلف: المترج م: عنوان المجلد الأول: عنوان المجلد الثاني: الناشر: سنة النشر: عدد صفحات المجلد الأول: 624 صفحة. عدد صفحات المجلد الثاني: 663 صفحة.

نظرية الفعل التواصلي. يورغن هابرماس. فتحي المسكيني. عقلانية الفعل والعقلانية الاجتماعية. في نقد العقل الوظيفي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يستلزم تقديم كتاب نظرية الفعل التواصلي

Theorie des kommunikativen

Handelns (1981)، للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس Habermas Jürgen، الصادر في مجلدين، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وضعه في السياق الفلسفي الذي جاء فيه لكونه كتابًا مفصليًّا في مسار هابرماس

الفلسفي. وقد بذل المترجم فتحي المسكيني جهدًا كبيرًا للإمساك بالقضايا الأساسية التي

تناولها الكتاب الذي اجتهد هابرماس فيه منهجيًّا

بطريقة أبَان فيها عن نفَس حجاجيّ للمرافعة، من

أجل تطوير "نظرية الفعل التواصلي"، في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وذلك من خال اعتماد مقاربة متعددة المباحث، تجمع بين تخصصات مختلفة من حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويكفي القول إن الكتاب نشرت حوله، بعد صدوره، أكثر من 900 من الدراسات والمتابعات النقدية، وفي ذلك دلالة على مدى النقاش الذي أثاره بين مناصري النظرية النقدية ونقادها. ولهذا، سنقدم للقارئ فكرةً عامة، عن هذا الكتاب، استنادًا إلى المتن الفلسفي الذي قدّمه هابرماس، مستفيدين من التراكم المعرفي الذي اكتسبناه من

(((صدر عن سلسلة "ترجمان" في المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات كتاب نظرية الفعل التواصليفي مجلدين؛

الأول ذو عنوان فرعي: عقلانية الفعل والعقلانية الاجتماعية،

أما الثاني فعنوانه: في نقد العقل الوظيفي، وهو ترجمة كاملة عن الألمانية، بالاستعانة بالترجمتين الفرنسية والإنكليزية. وقد أنجز الترجمة فتحي المسكيني، في مدة تجاوزت أربع سنوات، نظرًا

إلى صعوبة المهمة، ذلك أنّ نقل كتاب من حجم نظرية الفعل

التواصليإلى اللسان العربي يتطلب جهدًا لغويًّا، وإلمامًا معرفيًّا

بالمتن الفلسفي لهابرماس والنظرية النقدية، من جهة، والنظريات الفلسفية والسوسيولوجية واللسانية التي يحيل إليها هابرماس في بنائه الحجاجي من جهة ثانية. وأتوجه بالشكر الجزيل للزميل رشيد بن بيه، على الماحظات القيمة التي تفضل بها، وعلى مراجعته لهذه القراءة من حيث الشكل والمضمون.

مؤلفاته منذ ما يزيد على عقدين من الزمن. ونرى أنّ هذه القراءة التركيبية ربما ستنبه القارئ العربي لأهمية الكتاب على نحو أفضل من قراءة أخرى تعرض أفكار المؤلف بحسب كل فصل. ولتحقيق ذلك سنتعرض لموقع نظرية الفعل التواصلي في برنامج هابرماس الإبستيمولوجي؛ ليتوقف القارئ على أهمية الكتاب الذي ارتبط باسم "النظرية النقدية" التي طورها هابرماس، في مختلف المجالات العلمية والفلسفية، وليكون أيضًا على بيّنة من منزلة هذا الكتاب في مشروعه الفلسفي

العام قبل فترة الثمانينيات وما بعدها. وسنقف، أوّلً، على دواعي ترجمة هذا الكتاب وأهميته في

السياق العربي. ثمّ نصوغ، ثانيًا، توليفًا متعلقًا بأهم

المشكات الفلسفية التي تناولها، وهي مشكات تتطلب من القارئ العودة إلى الكتاب لمعرفة الخطة المنهجية والحجاجية التي سلكها مؤلِّفه، لإبراز أهمية البردايم التواصلي الذي ينتصر له، استنادًا إلى مكتسبات العلوم الاجتماعية مع رواد علم الاجتماع الحديث والمنعطف اللغوي. ثمّ نقدّم، ثالثًا، بعض الماحظات عن الترجمة. وفي إثر ذلك، نختم هذه القراءة ببعض الخاصات.

أولا: موقع نظرية الفعل التواصلي في برنامج هابرماسي الإبستيمولوجي

يُمثِّل هابرماس، أحد الوجوه الفلسفية البارزة في

تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة، وهو فيلسوف تميز مشروعه الفلسفي، بإعادة قراءة تاريخ الفلسفة الغربية، انطاقًا من العودة إلى إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، لتحيين هذا التاريخ، وإبراز راهنية الفكر النقدي التنويري، على اعتبار أنّ مشروع الحداثة بالنسبة إليه لم

يكتمل. يضاف إلى ذلك أنه مشروع يقوم على مقدمات ومصادر معيارية خاصة به. وفي هذا السياق، سيعمل هابرماس على تطوير مشروع "مدرسة فرانكفورت"، على الرغم من الاختافات الجذرية بينه وبين مشروع الجيل الأول الذي يمثله ماكس هوركهايمر Horkheimer Max (1895–1973)، وتيودور أدورنو Theodor Adorno (1903–1969)، وهربرت ماركوزه Marcuse Herbert (1898–1979)، وغيرهم؛ فيما يرتبط خاصةً بنقدهم الجذري للعقل الأنواري، وفيما يرتبط كذلك بتحميله مسؤولية الكوارث التي لحقت بالمجتمع الأوروبي، بعد عصر التنوير، مثل الحرب العالمية الأولى (1918–1914)، والحرب العالمية الثانية (–1939 1945)، و"ظهور الأنظمة الشمولية"... إلخ. لم يتفق هابرماس مع الانتقادات الجذرية للعقل، رغم اعترافه بوجود جوانب سلبية ناتجة من العقل الأداتي. ولم يمنعه انتقاده لأسافه، ونخص بالذكر منهم هوركهايمر، من تبني أفكار النظرية النقدية، ولا سيما في كتاباته المبكرة، مثل: التحول البنيوي للفضاء العمومي (1962)، والعلم والتقنية ك "إيديولوجيا" (1968)، والمعرفة والمصلحة (1968)، وأزمة الشرعية (1973)، وغيرها. وفي مطلع سبعينيات القرن العشرين ووسطها، وبالنظر إلى انفتاح هابرماس على الدراسات السياسية، وفلسفة اللغة، وعلم النفس التكويني Formative Psychology، أجرى مراجعة نقدية

(((يورغن هابرماس، "الحداثة – مشروع لم يكتمل"، ترجمة

فتحي المسكيني، تبيُّن، مج  1 العدد،  1(صيف 2012)،

ص.196–183

(3) Jürgen Habermas, Auch eine Geschichte der Philosophie: Band 1: Die okzidentale Konstellation von Glauben und Wissen (Berlin: Suhrkamp, 1985), pp. 390–

لمنطلقات الفلسفة الماركسية التي تشكّل الدعامة الأساس للنظرية النقدية؛ إذ ناحظ اتساع الهوة بينه وبين المدرسة النقدية، وهذا ما بلوره في مقالته "إعادة بناء المادية التاريخية" " a Towards

" Reconstruction of Historical Materialism

التي قلب فيها الماركسية رأسًا على عقب، ونادى

بضرورة الانتقال، من بردايم الصراع Conflict، إلى بردايم التواصل Communication الذي

يقوم على "أخاقيات المناقشة" في أُفق بناءِ مجتمعٍ ديمقراطي، يعمّه الحوار والتواصل. وقد

استفاد هابرماس في هذه الفترة، من التداوليات الكلية والنظرية الحجاجية. جعلت المقاربة التي اتبعها هابرماس، في نظريته التواصلية الداعية إلى تأسيس عقل تواصلي بديل من "العقل الأداتي"، أو ما سماه "العقانية

التواصلية" Rationality Communicative، منه

ممثا شرعيًّا لجيل مدرسة فرانكفورت الثاني.

إنّه، بالنظر إلى حسه الفلسفي النقدي، يختلف في فلسفته النقدية عن مارتن هايدغر Martin Heidegger (1976–1889)، وفريدريش نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844)، والفاسفة الفرنسيين، الذين يمثلون جيل "فلسفة الاختاف"، وهذا ما برز في مراجعته النقدية لهؤلاء في كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة (1985)، الذي وجه

(((محمد الأشهب، "هابرماس وإعادة بناء المادية التاريخية:

من براديغم الإنتاج إلى براديغم التواصل"، مجلة الأزمنة الحديثة، العدد 18–17 (2020)، ص 99–67. (((ينظر: محمد الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة

التواصل لهابرماس (عمّان: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، (((ينظر مجمل المؤل فات التي نشرت في هذا الكتاب بوصفها

أبحاثًا مهدت لنظرية الفعل التواصلي:

Jürgen Habermas, Vorstudien und Ergänzungen zur Theorie des kommunikativen Handelns , 3 rd ed. (Berlin: Suhrkamp Verlag, 1995).

فيه انتقادات لاذعة إلى ميشيل فوكو Michel Foucault (1926–1984)، وجورج باطاي Bataille Georges (1962–1879)، وجاك دريدا Derrida Jacques (2004–1930)، وجان فرانسوا ليوتار Lyotard François – Jean.)1998–1924(ويُعد هذا الكتاب، الذي منح هابرماس شهرة

منقطعة النظير في الأوساط الفلسفية الفرنسية، تطويرًا لأسس نظرية الفعل التواصلي، انطاقًا من

تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة، وتحديدًا بدْءًا

من فريدريش هيغل Hegel Friedrich –1770(1831)، وصولً إلى دريدا. وهي الأسس التي سبق لهابرماس أن تناولها في كتابه نظرية الفعل التواصلي. وفي هذا الكتاب، ظهر هابرماس قارئًا متمرسًا بالنظريات السوسيولوجية الكبرى

لدى ماكس فيبر Weber Max (1920–1864)، وتالكوت بارسونز Parsons Talcott –1902(1979)، وجورج هربرت ميد Herbert George Mead)1931–1863(، وقد طوّر المفاهيم

الأساسية لنظريته، مثل: "الإجماع"، و"الاتفاق"، و"التفاهم"، و"الفعل التواصلي"، و"النسق"، و"العالم المعيش"، وهي مفاهيم سبق أن أشار إليها في كتاباته الصادرة قبل فترة ثمانينيات القرن العشرين، مثل: العلم والتقنية ك "إيديولوجيا" ومنطق العلوم الاجتماعية. وفضا عن ذلك، لم يتوقف هابرماس في تصوره النقدي على هذه المفاهيم التي تشكّل النواة الصلبة لنظريته التواصلية فحسب، لأن نظريته ليست نظرية لغوية، بل لها امتدادات اجتماعية

(((تُعدّ الفصول الكبرى التي خصصها هابرماس لرواد

السوسيولوجيا الحديثة في المجلدين معًا، والقضايا التي

تناولها، والتي أعاد بناءها، من منظور بردايم الفعل التواصلي،

أبرز تعبيرٍ عن هذا التأسيس لنظريته، انطاقًا من العلوم الاجتماعية.

وسياسية؛ هو يُصِرُّ على أنها نظرية نقدية للمجتمع.

وبناءً على ذلك، كان يهدف من خال محاكمته

للعقل الغربي، في نظريته للحداثة والعقانية الأداتية، وإدخاله "نظرية التواصل"، إلى وضعِ قواعد لنظرية فلسفية واجتماعية تسمحُ بإمكانية

التفكير في الظواهر المرضية للمجتمع الحديث؛ من أجل تقويم هذا الاعوجاج، أو "التواصل المُشوَّه" الذي يَحُول دون بناء مجتمع حداثي،

ديمقراطي، يقوم على أساس التفاهم والتواصل. لقد تولد لدى هابرماس، هذا الهاجس المتعلق بإشكالية التواصل من تفاعله مع المناقشات السياسية والفكرية داخل الفضاء العمومي الحديث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن الدوافع الشخصية لهذا الاهتمام، كما فصلها في المحاضرة التي قدمها في طوكيو. وكما هو معروف، يُعَد هابرماس من المناهضين للتجربة

النازية. ففي كتاباته الأولى، وجه انتقادات قوية لهايدغر بخصوص ما عرف ب "حالة هايدغر" في الفلسفة الألمانية. واستمر في مناهضته لفكر المحافظين في أعماله المتأخرة. سيَجد متتبِّع مسيرته الفلسفية أنّ هذا الأسلوب

ظلّ راسخًا، في مشروعه الفلسفي وكتاباته السياسية إلى يومنا هذا. وتُعد كتاباته في أواسط الثمانينيات مرحلة مهمة في هذا السياق؛ وذلك حين كتب الخطاب الفلسفي للحداثة، والمقالات التي ساهمت، في ظهور ما سُمي "سجال

المؤرخين" Historikersstreit، وهو سجال دار بينه وبين المؤرخين الألمان المحافظين الذين أرادوا التطبيع مع التاريخ الألماني النازي.

(8) Distorted Communication. (9) Jürgen Habermas, Zwischen Naturalismus und Religion (Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag, 2009), pp. 15–27.

إضافة إلى هذا السِّجال، نستحضر سجالات

أخرى، خاضها هابرماس مع مدارس ونظريات فلسفية؛ ما أضفى على كتاباته طابعًا حواريًّا

Dialogique. وفي هذا السياق، نذكر سجاله مع الفلسفة الوضعية Positivism، والنظرية النسقية لنيكاس لوهمان Luhmann Niklas –1927(1998)، والفلسفة التأويلية لهانز جورج غادامير

Hans–Georg Gadamer)2002–1900(،

وسجاله الكبير مع فاسفة ما بعد الحداثة

Philosophers Postmodern، والحركة الطابية

اليسارية الراديكالية، وكذلك مع رُواد الفلسفة

التحليلية Philosophy Analytic، أمثال: جون سورل Searle John، وجون لانجشو أوستن

Austin Langshaw John (1960–1911)،

وبول غرايس Grice Paul (1988–1913)، وأخيرًا، حواراته مع أبرز منظّري الفلسفة السياسية

الأمريكية، مثل جون رولز Rawls John –1921(2002)، ورونالد دوركين Dworkin Ronald

لم يتوقف هابرماس، في سياق تعميقه نظرية الفعل التواصلي على المدارس اللغوية والسيكولوجية، بل انفتح أيضًا على فلسفة الأخاق الكانطية Ethics Kantian، على نحو خاص، لإعادة بنائها في ضوء الفلسفة البينذاتية Intersubjective، بوصفها بديا من الفلسفة الذاتية. وكان له في ذلك نقاشٌ فلسفي، مع زميله كارل آطو آبل Karl–Otto Apel (2017–1922)،

(1((ينظر: محمد الأشهب، فلسفة اللغة: قضايا التواصل

والتأويل والترجمة (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.)2021 ((1(محمد الأشهب، "الحق في العدالة في الخطاب الفلسفي

المعاصر "، في: محمد الأشهب [وآخرون]، ما العدالة؟

معالجات في السياق العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.163–107

وقد استفاد من نظريته في أخاقيات المناقشة. وتُوّجَت أبحاثه في هذا المجال بمؤلَّفات

عديدة، مثل: الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي، وأخلاقيات المناقشة، والحقيقة والتبرير. وتُعد هذه المساهمة من المساهمات النوعية في تطوير السجال الفلسفي المتعلق ب "العقل العملي" Reason Practical الكانطي في القرن العشرين؛ إذ نجد عودة قوية لهذه الفلسفة لدى رولز، وآلان

رونو Renault Alain، ولوك فيري Ferry Luc،

وإرنست توغندهات Tugendhat Ernst، وآبل، وهانز يوناس Jonas Hans (1993–1903). فهذه النظرية لدى هابرماس تتأسس على المناقشة

والحوار، في أفُقِ بناءِ معايير أخاقيةٍ متفقٍ عليها؛ من أجل المحافظة على تماسك المجتمع واندماجه. وهذا الاندماج بمنزلة الرهان الأساسي لنظرية الفعل التواصلي كما طورها هابرماس في كتابه العمدة نظرية الفعل التواصلي (في المجلدين). وإذا كان كانط قد انطلق من السؤال: كيف يمكنني أن أعرف؟ وتساءل عن الشروط الضرورية للمعرفة، فإنّ السؤال الهابرماسي هو عن الشروط الضرورية لتحقيق اندماج ممكن. وبعد هذه المساهمة، سيعمل على تطوير منطلقات النظرية التواصلية في مجال الفلسفة السياسية؛ إذ سيستثمر أسس أخاقيات المناقشة في مقاربته مسألةَ الديمقراطية التي صاغها في نظريته، والتي سمّاها بردايم الديمقراطية التشاورية.

(12) Mohamed Lachhab, "Democratie deliberative et droits de l’homme chez Habermas," in:

محمد الأشهب [وآخرون]، "مسارات العلم والحياة: في التأسيس والالتزام، العلوم الاجتماعية والتفكير في قضايا: السياسة، الدولة، السياسات"، تنسيق حسن طارق وسعيد بنيس،

مجلة السياسات العمومية، ج  2، العدد 21 (ربيع 2016)، شوهد في 2023/4/10، في: ZNlzWv /3 ly. bit:// https

وفي الوقت الذي كان يعتقد فيه متتبعو هابرماس أن كتاب نظرية الفعل التواصليسيظل أهم مؤلَّف لديه في مسيرته الفلسفية، إذا به يفاجئ الأوساط الأكاديمية الفلسفية بكتاب لا يقلُّ أهميةً عن مؤلَّفاته السابقة، هو: العيانيَّة والصلاحية

(1992). وقد حظي هذا الكتاب باهتمامٍ واسعٍ على الصّعيد العالمي، واعتُبر أهمّ كتاب قُدِّمَ في

الفلسفة السياسية المعاصرة بعد كتاب نظرية في العدالة لرولز. وهو في الأصل تطوير لمحاضرات قدّمها عام 1986 عنوانها "الحق والأخاق". وفي هذين الكتابين، كشف هابرماس عن توجه فلسفي آخر، وذلك من خال الاعتماد على مرجعية الفلسفة السياسية الأميركية بالنسبة إلى رولز، ودوركين، وفرانك مشلمان Michalman Frank. إنّ الاهتمام بالفلسفة السياسية الذي لازم هابرماس، بدايةً من كتابه التحول البنيوي للفضاء العمومي، ظلَّ وفيًّا له في منطلقات نظرية الفعل

التواصلي. ويمكن أن ياحظ القارئ تطوير هابرماس لمفاهيم العقانية التواصلية في ارتباطها الوثيق بمفاهيم الديمقراطية التشاورية، والسلطة التواصلية، والمجتمع المدني أيضًا؛ باعتباره فضاءً يتوسط الدولة والمجتمع، وليس فضاءً

مُتماهيًا مع الدولة، أو نقيضًا لها فحسب. ولهذا،

نرى في قراءتنا لكتاب نظرية الفعل التواصليأنه كتاب مؤسِّس للمفاهيم التي ستبنى عليها الفلسفة

السياسية لهابرماس لاحقًا، بل فلسفته في الدين التي ستظهر في كتاباته المتأخرة أيضًا. إنّ مقاربة هابرماس لسؤال الديمقراطية تُعد في وقتنا الراهن مقاربةً مهمة؛ لأنها ترتبط بأخاقيات الحوار والمناقشة. فهو يريد تأسيس ديمقراطية على أساس جماعة مثالية للتواصل، خالية من أيّ هيمنة. ثمّ إنّ مفهوم التشاور هو أيضًا مفهومٌ

مركزيّ؛ ففي هذا البردايم التشاوري أو التداولي،

سنجد أنّ لكل ذاتٍ مستقلةٍ حقّ إبداء الرأي في القضايا المطروحة للنقاش في الفضاء العمومي. وفي ظل هذه العملية التواصلية المؤسَّسة على

المناقشة العقانية، سيتكون الرأي العام. وإضافة إلى الأهمية التي أضحت تحتلها الديمقراطية في الفضاء العمومي المعاصر، سنجد أنّ هابرماس يَنظر إلى الديمقراطية باعتبارها السبيل الأوحد

لحل المشكات المتعلقة بالفرد والمجتمع. كلّما ظنّ القارئ أنّ مسيرة هابرماس الفلسفية قاربت نهايتها، فوجئ بمؤلفات أخرى له لا تقلُّ أهمية عن مؤلّفاته السابقة. وهنا تجدر الإشارة إلى الكتاب الذي خصَّصه لتاريخ الفلسفة في

مجلدين، هذا أيضًا تاريخ الفلسفة: تركيبية غربية للإيمان والمعرفة، الذي لم يُقَدِّم فيه

تاريخًا للفلسفة بالمعنى الكاسيكي للكلمة، ولم يكن فيه مؤرخًا للفلسفة أيضًا، كما عودنا بعض المؤرخين، بل إنّ الأمر يتعلق بتفلسف ينطلق من تاريخ الفلسفة يهدف إلى قراءة الفكر الفلسفي الغربي، وبيان كيفية تطوُّر سيرورة التعلم

من العصر المحوري Achsenzeit إلى النظرية النقدية التي يُعدُّ هابرماس نفسه أحد رُوادها.

ولهذا، فإنّ تاريخ الفلسفة الذي قدّمه هابرماس في هذا العمل لا ينفصل عن منظور تطوير نظرية الفعل التواصلي التي وضع معالمها الأساسية في الكتاب المُترجم. يتبيّنُ من خال هذه النظرة البانورامية لأهم

مفاصل "نظرية الفعل التواصلي" لهابرماس، في مستوياتها المختلفة، أنّ فلسفته في التواصل

((1(يُعتبر كتاب هابرماس الأخير المتعلق بتاريخ الفلسفة

تتويجًا لهذا المسار الفلسفي الطويل. وهو عمل لا يُؤرِّخ

للفلسفة، بل يتفلسف فيه بناءً على تاريخ الفلسفة، استنادًا إلى

منطلقات "نظرية الفعل التواصلي". صدر هذا الكتاب عام 2019

في جزأين؛ ويعد أضخم مؤلَّف في مؤلفاته كلّها.

تُشكِّلُ بردايمًا فلسفيًا متميزًا، وأنّ مذهبه التواصلي

يمتد إلى جميع أعماله الفلسفية الأكاديمية وكتاباته السياسية التي لا يمكن فصلها عن توجهه الفلسفي العام الذي تؤطره نظرية الفعل التواصلي؛ بدايةً من كتاباته المبكرة إلى وقتنا الراهن، بما في ذلك الأبحاث المتأخرة جدًّا التي خصَّصها لفلسفة الدين، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 (الولايات المتحدة الأميركية)، والتي تَوّجها

مُؤخرًا بالكتاب المشار إليه، متتبعًا مسار تطور

"العقانية التواصلية"، و"الحرية التواصلية"، و"حرية التعبير والتفكير"، في إطار سيرورة تعَلُّم

تمتد إلى ما يُنَاه 3000 سنة. ولا يُفهم هذا العمل ز الذي سلك فيه هابرماس مقاربةً جينيالوجية إلّ بالعودة إلى منطلقات نظرية الفعل التواصلي التي تبلورت منهجيًّا في كتابه نظرية الفعل التواصلي

تحديدًا. ولهذا السبب، فإنّ هذا الكتاب، الذي ترجمه المسكيني، يُلخِّص ما قبله، ويُؤَسّس لما بعده. بل إنّ كتابات هابرماس "الثانوية" عن الفضاء العمومي، وحواراته العديدة التي أجراها في الصحف والمجات، أيضًا، لا تُفهم إلّ في ضوء هذه الخلفية الفلسفية التي تبلورت في نظرية الفعل التواصلي. لقد كان المسكيني يولي مؤلَّفات هابرماس اهتمامًا قبل أن يترجم بعضها، وقد كان واعيًا بأهمية هذا الكتاب وراهنيته، من

دون أن يقتصر ذلك على مستوى المضامين التي يقدمها حول "مسألة الحداثة"، بوصفها مفهومًا محوريًّا في الكتاب، ومن دون أن يقتصر أيضًا على نظرية الفعل التواصلي، باعتبارها نظرية تحاول إعادة بناء خطاب العقانية والحداثة في ضوء منطلقات الفعل التواصلي والعقانية التواصلية، بل يضاف إلى ذلك وَعيُه بأهمية هذه

الترجمة في السياق العربي المعاصر.

ثانيًا: دواعي ترجمة الكتاب وأهميته في السياق العربي

كثيرًا ما يطرح المترجمون تساؤلات من قبيل:

ماذا نُترجم؟ ولماذا نُترجم؟ ونعتقد أنّ الإجابة عن مثل هذين السؤالين، بالنسبة إلى هابرماس ونظرية الفعل التواصلي، تكمُن ببساطة في أنّ

المسكيني اختار ترجمة هذا الكتاب لأهميته في تاريخ النظرية النقدية، ولأهمية شخصها مُمثِّل

جيلها الثاني هابرماس، ولأهمية مسيرة هابرماس نفسه أيضًا؛ لأنّ هذا الكتاب مثَّل تحوُّلً في مساره

الفلسفي من جهة، وتحوُّلً في النظرية النقدية

لاحقًا من جهة ثانية. إنّ الأهمية الإبستيمولوجية لا ينكرها أحدٌ؛ فالكتاب يُعد واحدًا من أهم

المؤلفات الفلسفية في القرن العشرين. لكن الأهم من ذلك بالنسبة إلى المترجم هو أهمية النقاش الراهن المتعلق بالدين في الفضاء العمومي. وحتى إن كان كتاب نظرية الفعل التواصليلا يتناول الموضوع تناولً مباشرًا، فإنّ

مؤلَّفاته المتأخرة؛ أي التي كتبها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مثل: مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية، وبين النزعة الطبيعية والدين والإيمان والمعرفة، وأخيرًا تاريخ الفلسفة،

كانت بمنزلة سجال جينيالوجي بين المعرفة والإيمان، لا يمكن فهمها إلّ في ضوء الأبحاث التي أثارها هابرماس عن "الدين"، من خال الرجوع إلى "سوسيولوجيا الدين" لفيبر، وربط "الحداثة" ب "العقانية الاجتماعية"، وبضرورة نزع "الطابع السحري" في تفسير العالم؛ وهي عملية لن تجري إلّ بجعل الدين جزءًا من

((1(ينظر: محمد الأشهب، "دور الدين في الفضاء العمومي: نموذج النظرية النقدية لهابرماس"، في: محمد الأشهب

[وآخرون]، المجتمع والدين والسياسة (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2021)، ص.275–255

النقاش العقاني، وإخراجه من سَطوة الرُّهبان

ورجال الدين. إنّ هذه الأهمية الفلسفية للكتاب تُعد أيضًا بمنزلة

"هواجس فلسفيةٍ" للمسكيني في أبحاثه التي تناول فيها مواضيع متعلقة بفلسفة الدين، وبلورها في كتابه: الإيمان الحر أو ما بعد الملة، وهو كتاب حاول أن يؤسس فيه لما يسمّيه "الإيمان

الحر" الذي ينفلت من كل سلطة دينية تقليدية، مثل الإيمان الذي أسَّسه فاسفة الحداثة بدايةً

من كانط إلى هابرماس، مُرورًا بباروخ سبينوزا

Spinoza Baruch (1677–1632) وآخرين. إنّ الناظر في مؤلفات المسكيني، في هذه الفترة، يُاحظ تزامنًا بين هذه الانشغالات وترجمة كتاب

نظرية الفعل التواصليلهابرماس. وهذا يعني أنّه في بعض الأحيان قد يترجم أعم لً يجد فيها إجابات عن بعض الأسئلة التي يطرحها، ولعله وجد ما يَفي بذلك في إجابات هابرماس

عما يسميه إضفاء "الطابع اللغوي" على المقدس، أو كما يترجمه هو ب "ألسنة المقدس"

Sakralen des Versprachlichung، وهي

عملية تجعل "المقدس" موضوعَ نقاشٍ لتحريره من طابع "القدسية" الذي أصبح مُحاطًا بها. أو

بعبارة أخرى، أن يكون لكلِّ العُقاء، خاصةً في الوطن العربي، حقّ التدخل في القضايا

((1(تزامنت ترجمة المسكيني لهذا الكتاب مع اهتمامه بمسألة "حضور الدين" في الفضاء العمومي، وهو اهتمام يُترجم في

الكتاب الذي نشره في الموضوع عام 2018 بعنوان: الإيمان

الحر أو ما بعد الملة: مباحث في فلسفة الدين. وهذا الأمر يدل

على أنّ المسكيني طوال مدة ترجمته لكتاب نظرية الفعل

التواصليكان منشغا بالمسألة نفسها، وهو انشغال لا ينفصل عن الانشغال المركزي لديه، ولدى كثير من الباحثين العرب، بقضايا الديمقراطية ودور الدين في الفضاء العمومي. (1((فتحي المسكيني، الإيمان الحر أو ما بعد الملة: مباحث

في فلسفة الدين (الرباط: مؤمنون ب  حدود، 2018)، ص.11

المطروحة، بما في ذلك القضايا الدينية، من دون خوف. فوَحده الإيمان الحر يمكنه أن ينزع هذه

الهالة عن الدين المحتكر من لدن بعض الفقهاء. والمترجم، بحكم شُعوره براهنية هذه المسألة في العالم العربي والإسامي، انتبه إلى أهمية ربط هذا العمل بالنقاش المتعلق ب "الدين في الفضاء العمومي" في الغرب الذي يمكن الاستفادة منه على الأقل منهجيًّا، وليس إبستيمولوجيًا فحسب. يقول المسكيني في هذا السياق: "لن يهمّنا

الكتاب إذًا لأسباب إبستيمولوجية بحتة أو لسدّ ثغرة بحثية في مجال تخصّص بعينه. إنه عندنا

كتاب يساعدنا على بلورة خطاب جديد حول أنفسنا العميقة في وقت جدّ خطر من تاريخها: وقت النقاش الجذري والأخير حول دور الملة. إن أفق الحاجة إلى ترجمة هبرماس هو على وجه الدقة أفق النقاش حول دور الدين في مجتمعاتنا الحديثة" (مج 1، ص 49–48). ويضيف المترجم مستعما ضمير "نحن" للتأكيد على الدافع، والحاجة الوجودية للترجمة قائا: "نحتاج إليه في مفصلٍ خطر جدًّا من تاريخ أنفسنا، تاريخ الخروج من طور أخاقي إلى آخر جديد وجدُّ معقّد. بعبارة حادّة: 'نحن' أمام أفق فهم لأنفسنا الجديدة تهدّده ليس تحدّيات المجتمعات ما بعد الصناعية فحسب، بل أيضًا عودة الدين في معنى "الملة" الوسيطة. إن الدين فرض وضعية تأويلية وخطابية لا يمكن لأي تفكير معاصر تفاديها" (مج 1، ص 48). وهذه المسألة التي نتقاطع فيها مع المسكيني، وفلسفته العامة في نقل هذا الكتاب إلى اللسان العربي، تدفعنا إلى أن نُضيف إلى كامه أنّ هذا الكتاب على المستوى المنهجي هو كتاب يعلِّمُ ويُربِّي في المرء "ثقافة الإنصات

للآخر" في الفضاء العمومي؛ الذي هو فضاء

مفتوح للجميع من دون إقصاءٍ. فكثيرًا ما ترد في

الكتاب فكرة "سيرورة التعلم" Lernprozess. ومفهوم "التعلم" هو من المفاهيم المركزية في نظرية الفعل التواصلي؛ إذ إنّ سيرورة التعلم ذات المنحى الأفقي، وليس العمودي، نتعلم فيها من بعضنا كيفية عقلنة كامنا وسلوكنا وأفعالنا وقيمنا، على أساس أنّ العقانية الأساسية التي ينظّر لها هابرماس في عمله هذا هي "عقانية تواصلية" غايتها تحقيق التفاهم بين المعنيين بالقضايا موضوع النقاش في الفضاء العمومي. وباختصار، يمكن القول إنّ نظرية الفعل التواصلي هي نظرية في التعلم. والمساهمة الأساسية له في الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، بحسب ما ذهب إلى ذلك أكسل هونيث Axel Honneth، تكمن في الخطوة الأساسية التي قام بها من أجل تحويل مقدمات نظريته في التواصل إلى نظرية في المجتمع عبر إقحامه مفهوم "عالم الحياة" أو "العالم المعيش" (مج 1، ص 60). إنّ هذا العالم الذي تعرّض لعملية التعرية والتآكل،

بسبب هيمنة الأنساق أو المنظومات الاقتصادية والسلطات المختلفة التي جعلت العقانية الأداتية تهيمن على حساب العقانية التواصلية، هو ما يريد تصحيحه هابرماس عن طريق إعادة الاعتبار للعالم المعيش؛ بالنظر إلى أنه الخلفية الثقافية والاجتماعية التي يتحقق التعلم في إطارها، ويتَّسعُ أفقه ومساره. وهذه هي أهم

المكتسبات التي يمكن لعالم الاجتماع لدينا الاشتغال بها؛ لمزيد من الفهم لعالمنا المعيش من أجل "عقلنته"، والبحث عن مكامن القوة فيه. "إن أعضاء مجتمع ما، كما بين ذلك هبرماس في الخطوة النسقية الثانية من حجاجه (الباب السادس، الفصل الثاني) لا يكتفون بنقل قناعاتهم الخلفية فحسب، بل هم في ثنايا مسارات التعلّم التي مفرّ منها إنما يوسّعون أيضًا في الوقت نفسه

من معرفتهم بعالم الحياة الخاص بهم" (مج 1، ص.)60

ثالثًا: القضايا الكبرى لنظرية الفعل التواصلي

1. عالم الحياة باعتباره خلفية لسيرورة التعلّم

يكتسي مفهوم "عالم الحياة"، أو "العالم المعيش"، أهمية كبيرة في نظرية الفعل التواصلي؛ باعتبارها نظرية نقدية في المجتمع، هدفها تعزيز لُحمة التواصل والتفاعل والاندماج بين الأطراف المتفاعلة في المجتمع. وتُعد عملية عقلنة عالم الحياة من المداخل الأساسية لعقلنة سيرورة التطور الاجتماعي. ونرى أنّ تصاعد الخطابات اليمينية الشعبوية، وأنّ التطرف بمختلف ضُروبه الدينية والعرقية واللغوية في العالمين العربي والإسامي، وحتى في العالم الغربي، ما هما إلّ تعبيرٌ عن التشوهات التي

أصابت "العالم المعيش"، باعتباره العالم المشترك بين المنتمين إلى الجماعة. ومن منطلق أهمية هذا المفهوم في نظرية الفعل التواصلي، يُعد البحث في العلوم الاجتماعية

مدخا إلى كشف الأعطاب التي تعرقل عقلنة عملية تواصل صحي داخل المجتمع. ومن شأن البحث الميداني في فرضيات هذه الأعطاب أن يساعد صاحب القرار على اتخاذ مبادرات قادرة

((1(غالبًا ما تُترجم بطريقتين مختلفتين، لكن هذا الاختاف

لا يفسد المعنى المقصود. فالمترجم المغربي إسماعيل المصدق في كل ترجماته لأعمال إدموند هوسرل Edmund Husserl (1859–1938)، أو هايدغر، يترجمها ب "العالم المعيش"، بينما يفضّل المسكيني ترجمتها ب "عالم الحياة." ((1(ينظر: المجلد الثاني من الكتاب، ففيه تفصيل جيّد لثنائية

النسق (أو المنظومة) والعالم المعيش (أو عالم الحياة.)

على تحقيق "اندماج صحي"، يحدّ من أمراض المجتمع الحديث. فعملية التعلم، التي تُعد مفهومًا مركزيًّا في النظرية النقدية، تجري في إطار

التفاعل مع "العالم المعيش"؛ باعتبارها خلفية مشتركة بين أعضاء المجتمع، وهي عملية مزدوجة تتعلق المرحلة الأولى منها بتعلم الذات في عاقتها بذاتها. أما المرحلة الذاتية، فهي تتعلق بتعلم الذات من الآخر. ويستثمر هابرماس التعلم في أفكار متعلقة بالديمقراطية والتربية والتقدم والمناقشة والتواصل؛ إذ يكاد القارئ يقول إنّ نظرية هابرماس هي نظرية في التعلم؛ أي يمكن قراءة متن نظريته النقدية في ضوء هذا المفهوم المركزي. فإذا كان الحافز من وراء "نظرية العقانية" التي يطورها هابرماس في نظرية الفعل التواصلي هو الفعل الموجه بالتفاهم، باعتباره الجانب المُهم في

نظريته الاجتماعية، فإن واقع الحال اليوم يؤكد، بعد مرور أربعين عامًا على نشر الكتاب، أنه كُتب

بالأمس؛ إذ يكفي أن ينظر المرء في وتيرة تصاعد تيارات اليمين المتطرف في ألمانيا نفسها، ليدرك التحدي الذي تواجهه المجتمعات الأوروبية، والمجتمع الألماني على وجه الخصوص؛ على نحو أصبحت فيه الديمقراطية "تأكل أبناءها"، ومن ثمّ يدرك قيمة نظرية الفعل التواصلي

الساعية لبناء التفاهم على الفعل التواصلي. أما واقع حال الدول العربية التي نُقل الكتاب إلى

((1(ينظر: الفصل المخصص لهربرت ميد في المجلد الثاني من الكتاب. ((2(ينظر مادة سيرورة (أو عملية التعلم) كما وردت في الكتاب الذي خُصّص لأهم المفاهيم الفلسفية التي طورها

هابرماس في نظريته النقدية:

David S. Owen, "Learning Processes," in: Amy Allen & Eduardo Mendieta (eds.), The Cambridge Habermas Lexicon (Cambridge: Cambridge University Press, 2019).

لسانها، ف  ريب في أنّ واقعها، في أمسّ الحاجة

إلى تأسيس نظري لمقاربة هذا النوع من التفكير الساعي لتمتين عُرى المجتمع التعددي، استنادًا إلى مفهوم الفعل التواصلي. إنّ تبني هابرماس لمفهوم العقل، بوصفه بناءً

اجتماعيًا، يُفهم منه أنّ العقل التواصلي الهابرماسي

ليس عقا متمركزًا حول الذات بل هو عقلٌ منفتح

على عقول وثقافات أخرى. وعلى الرغم مما كُتب عن مركزية فلسفة التواصل لدى هابرماس، فإنّ الأمر الأساسي بالنسبة إلينا هو التمييز الذي يفتح أُفقًا للآخر للمساهمة في محتوى القيم الكونية، وتوسيع إمكاناتها التأويلية، على أساس أنّ كل المعنيين لهم حقُّ المشاركة في ذلك من منطلق ثقافاتهم؛ لكونها تشتمل على ما يكفي من المضامين المعرفية والقيمية التي يمكنها المساهمة في بناء "الكونية"، باعتبارها مشروعًا غيرَ مكتملٍ.

وهذا التصور، الذي نجده عند الفيلسوف البنيني بولين هونتوندجي Hontondji Pauline الذي يدافع عمّا يسميه "الكونية النقدية"، يمكن تعزيزه

في الفكر العربي المعاصر، من خال تلقيه على نحو جيّد، واستثمار البعد المعياري الكامن في

كتاب نظرية الفعل التواصليبجزأيه.

2. الحداثة بوصفها مشروعًا غير مكتمل وأهميتها الثقافية

لا تنفصل ترجمة هذا المشروع عن الهاجس الذي يراود المسكيني وبعض الباحثين العرب بشأن

(21) Pauline Hontondji, "Construire l’ universel: un défi transculturel," Methode (s): Africain Review of Social Sciences Methodology , vol. 2, no. 1–2: Epistemological Fractures in a Globalized World: Normalizations, Debates and Alternatives in the Social Sciences (2017), pp. 160– 161; Franziska dubgen & Stefan Skupien, African Philosophy as Critical Universalism (Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019).

مشروع الحداثة غير المنجز؛ إذ سبق للمسكيني أن ترجم مقالة هابرماس "الحداثة – مشروع لم يكتمل" التي تندرج في السياق نفسه، والتي تعكس كذلك الهاجس نفسه الذي يحرك هذا الباحث تأليفًا وترجمة. فتعريبه للكتاب قد كان عن وعي بأهمية "سؤال الحداثة"، و"العقلنة" ورهاناتها، في سبيل إيجاد طرائق للنهوض بالمجتمعات العربية، التي لا تزال تعيش التخلف، والاستبداد، وموقفًا مترددًا من الحداثة، بوصف ذلك مشروعًا لا ينفصل فيه الثقافي والسياسي عن الاقتصادي، والتقني، والعلمي. فالحداثة برُمتها ظلَّت دائمًا رهان المثقف العربي

ترجمةً وتأليفًا. ومن هذا المنطلق يُمكن القول إنّ

رهان المسكيني في ترجمته لا يخرج عن رهاناته الأخرى وهو يكتب عن "سؤال الحداثة وأخواتها". فالكتاب الذي ترجمه يطرح قضايا راهنة تهمّ

القارئ العربي الساعي لبناء "مجتمع حداثي" معقلن يقطع مع كثير من المظاهر التقليدانية التي تعرقل مسيرة التحديث والحداثة. فإذا كان مسار التحديث، بالمعنى التقني، هو تجهيز البنى التحتية والانفتاح على مكتسبات "الحداثة التقنية" من دون أيّ مقاومة تذكر –

على عكس ما كنا نعيه سابقًا – بحيث كان بعض الفقهاء يحرّمون كل مستجدات الحداثة، أو على

((2(هابرماس، "الحداثة مشروع – لم يكتمل"، ص.196–183 ينظر أيضًا، ترجمة أخرى للمقالة نفسها، في: يورغن هابرماس، "الحداثة مشروع غير منجز"، ترجمة جورج تامر، مراجعة جورج

كتورة، في: يورغن هابرماس، الحداثة وخطابها السياسي (بيروت: دار النهار للنشر، 2002)، ص.35–15 (2((ينظر: الفصل الثامن المتعلق بالحداثة لدى فيبر، والفصول الأخرى المتعلقة بالعقانية، والعقلنة الاجتماعية، والتشيؤ، وهي قضايا متشابكة، يُراهن هابرماس فيها على إعادة

بناء خطاب "العقانية الغربية"، وكيفية تلقي الغرب، خاصة الألمان، لنظرية فيبر، فالعقانية التواصلية هي في صلب فكرة إعادة بناء مشرع الحداثة الغربية.

الأقل يخوضون في نقاشات عقيمة حولها، إلى أن يتجاوزهم الزمن، وتفرض هذه المُخرجات نفسها

بقوة الواقع، فإنّ الحداثة المتعلقة بدمقرطة الحياة السياسية، والاجتماعية، وعقلنة السلوك الثقافي، لا تزالُ تراوح مكانها. ولهذا فإنّ أهمية الكتاب تتمثّل في تصور جيد متعلق بأهمية عقلنة الثقافة في تطور المجتمع، وقد تمكن هابرماس في كتابه هذا من بسط تصور ماكس فيبر بخصوص هذه المسألة؛ ولا سيما في الفصل "نظرية ماكس فيبر في العقلنة" (مج 1، ص.)374–279

3. العقلانية الغربية وسؤال الحداثة

المقصود بالعقانية في هذا السياق هو "العقانية الغربية"، بطبيعة الحال، وكيفية تطور العقل الغربي، ولهذا نجد هابرماس قد حرص جيدًا على تتبع مسار تطورها مستعما في ذلك أدوات منهجية، ورؤية نقدية، لإعادة بناء مفهومها، وخاصة التلقي الذي حظي به فيبر في هذه العقانية، منذ كارل ماركس Marx Karl –1818(1883)، وصولً إلى جورج لوكاتش György Lukács (1971–1885)، وأدورنو وهوركهايمر، وهو تلقٍّ طغى عليه طابع "التشيؤ" و"فلسفة الوعي". تلك هي الخاصة الأساسية التي توصل إليها هابرماس بعد قراءته النقدية لعقانية فيبر في المجلد الأول. ولتجاوز هذا المأزق الذي عرفته العقانية الغربية، سيوظّف هابرماس عُدَّته المنهجية، مُستعينًا بالبردايمات الكاسيكية لعلم

الاجتماع، كما جرى تطويرها مع ميد وإميل دوركهايم Durkheim Émile David –1858(1917)، باعتبارهما مؤسِّسَي بردايم جديد مهَّد

لهابرماس إعادة صياغة مفارقات العقانية الغربية، في إطار مفاهيم تنطلق من الفعل التواصلي والفلسفة البينذاتية Intersubjectivity، وليس من

فلسفة الوعي أو الفلسفة الذاتية، عاوةً على قلب العاقة التي هيمنت على الفلسفة الذاتية التي كانت قائمة على نموذج "ذات – موضوع" إلى نموذج آخر قائم على ثنائية "ذات – ذات". هذه العاقة الجديدة من شأنها أن توسع فهمنا للعقانية التواصلية التي تختلف عن "العقانية الأداتية" المستندة إلى النموذج الأول. وقد وجد هابرماس في ميد ونظريته الاجتماعية سندًا في تعميق تصوره التواصلي للعقانية والفعل الموجّه

وفقًا لمعايير معيّنة؛ من أجل تحقيق الاندماج

الاجتماعي: "إن تغيير البراديغم الذي بدأ يتبلور مع علم النفس الاجتماعي لدى ميد هو – في سياقنا – ذو أهمّية، لأنه يفسح النظر أمام مفهوم

تواصلي عن العقانية" (مج 2، ص 29). وحتى أثناء انتقاد "المنظومة" أو "النسق" في المجلد الثاني، فإنّ الهاجس الذي لازمه في الكتاب كلّه يوحي بإعادة بناء خطاب العقانية الغربية، في أفق إتمام "مشروع الحداثة" باعتباره مشروعًا غير مكتمل. وهي المهمة التي استمر فيها في كتاباته الاحقة أيضًا؛ مثل الخطاب الفلسفي للحداثة الذي يعتبر دفاعًا عن "الحداثة الغربية" ضد أصوات "ما بعد الحداثة". كأنّ هابرماس يكمل ما بدأه في "نظرية الفعل التواصلي"؛ لكن ذلك انطاقًا من تاريخ الفلسفة، وليس من كاسيكيات علم الاجتماع. ولهذا؛ إنْ حضر في نظرية الفعل التواصليفاسفة وعلماء اجتماع من أمثال دوركهايم وفيبر وبارسونز وماركس وميد، فإنّ هيغل وهايدغر ونيتشه ودريدا وباطاي وفوكو، سيحضرون بقوة في كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة. هذه النظرية التي دافع عنها ضد "فلسفة الوعي"، في كل برنامجه الإبستيمولوجي الهادف إلى تأسيس "فلسفة

تواصلية" تجعل من الآخر طرفًا ندِّيًا مشاركًا في

عملية بناء الحقيقة؛ من خال الاعتراف بحقه في رفع ادعاءات صاحيته، والمنافحة عنها من دون تعصّب للرأي الذاتي. إنّ هذا المشروع هو الذي عبَّر فيه هابرماس، في

الطبعة الثالثة من كتاب نظرية الفعل التواصلي، عن المقاومة التي تعرض لها من لدن أنصار فلسفة الوعي بقوله: "لقد تم الدفاع عن فلسفة الوعي ضد تغيير البراديغم الذي شرّع فيه، وعلى

وجه الخصوص تمت المنافحة عن التصور الفينومينولوجي لعالم الحياة Lebenswelt) (، وذلك ضد المحاولة الرامية إلى إعادة صياغته بالاستناد إلى نظرية في التواصل" (مج 1، ص 67). وقد ظلَّ هابرماس مدينًا للآباء المؤسّسين للسوسيولوجيا في هذا المشروع

بالنظر إلى التحول الذي أحدثوه في البردايم الذي يهمه، وهو تحوّلٌ قدّم تصورًا آخر عن "العقانية

الفيبرية" التي تعتبر نظرية الفعل التواصلي بمنزلة توسيعٍ لها، من خال تجاوز "العقل الأداتي إلى مجال تواصلي أرحب يستوعب أعطاب العقانية الأداتية، ويُقوِّم اعوجاجات التواصل

المُشوَّه. فكل هؤلاء ساهموا، على نحو أو آخر،

في التحرر من معضات فلسفة الوعي. ومن خال تأسيس ميد علم الاجتماع على نظرية في التواصل، وتأسيس دوركهايم نظرية في التضامن المجتمعي، فإنهما ساهما في تنزيل نظرية فيبر في العقانية من خال إحداث دمج بين الإدماج الاجتماعي والمنظومات القائمة في المجتمع، تُقيم الصلة بين الإدماج الاجتماعي والإدماج في المنظومة" (مج 2، ص 23). وقد انطلق هابرماس، لإنجاز ما خطط له في هذا الكتاب، الذي يُعتبر كتابًا جينيالوجيًا في مسألة

العقل والعقانية والعقلنة في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، من تأمّل تمهيدي خصَّ به

العقانية في علم الاجتماع من الناحية النظرية؛ وذلك لأهمية هذا المبحث في تناول مسألة العقانية، مقارنةً بمباحث علمية أخرى مثل علوم السياسة والاقتصاد. ثمّ إنّ خصوصية علم

الاجتماع بالنسبة إليه تكمن في تناوله الشمولي للمجتمع بدلً من التركيز على ما هو فرعي فيه. وهذا ما عبّر عنه في قوله: "إن السوسيولوجيا

هي الوحيدة من فروع العلوم الاجتماعية التي حافظت على صلة بمشاكل المجتمع بكامله، فقد ظلت أيضًا على الدوام نظريةً

في المجتمع، وبذلك لم تُقْصِ مسائل العقلنة Rationalisierung) (، ولا أعادت تعريفها، ولا قطعتها إلى أحجام صغيرة كما فعلت تخصصات أخرى [...] إن السوسيولوجيا كما الأنثروبولوجيا الثقافية هما تَخصُّصان

في مواجهة مع الطيف الكامل ganzen (Spektrum) لتجليات الفعل الاجتماعي، وليس مع أنماط الفعل الواضحة المعالم نسبيًّا التي

يمكن ارتسامها بوصفها تلوينات من الفعل العقاني بمقتضى غاية ما  zweckrational) (" (مج 1، ص.)85 استنادًا إلى هذا التناول الشمولي لعلم الاجتماع المتعلق بالفعل الاجتماعي، يُفهم السبب الذي

جعل هابرماس يعيد بناء نظرية العقانية من منطلق الدرس السوسيولوجي الحديث؛ إذ إنّ رهانه الإبستيمولوجي هو تأسيس نظرية في التواصل، باعتبارها نظرية في المجتمع؛ تسعى للكشف عن الطاقات الكامنة في العاقات التواصلية انطاقًا من خلفية عالم الحياة. فالعقانية التي ينشدها هابرماس لا تنحصر في "العقانية الغائية" الساعية للزيادة في الإنتاج، أو التحكم

في المجتمع، والوصول إلى السلطة... إلخ، بل إنّ هدفها هو تحقيق التفاهم والإجماع بين المعنيين به في الفضاء العمومي؛ لتخفيف حدة التوتر بين الفاعلين، وبناء مجتمع يتسع للجميع. ولهذا، يُمكن أن نفهم هذا الميل إلى مبحث علم الاجتماع الذي يوفر هذه الإمكانية. ومن ثمّ، سينتقل هابرماس، بعد تخصيص الفصل الأول لتحديد مفهوم العقانية وتطورها ومساهمتها في نشأة العلم الحديث، إلى شرح الاقتران الداخلي بينها وبين نظرية المجتمع. ولن يتحقق هذا الاقتران، بطبيعة الحال، إلّ باستحضار الأهمية التي يمكن أن تؤديها النظرية الحجاجية في صقل قدرات الذوات القادرة على الكام والفعل، وممارسة الفعل التواصلي في الفضاء العمومي المشترك بينها. والمطّلع على نظرية الفعل التواصلي لهابرماس في هذا الكتاب، وفي الكتابات الاّحقة المتعلقة بالوعي الأخاقي والفعل التواصلي، وبتوضيحاته المرتبطة بأخاقيات المناقشة، يدرك الأهمية الكبرى لنظرية الحجاج في نظرية الفعل التواصلي التي يشغلها الاهتمام بالمنطق الصوري، فضا عن المنطق الحجاجي الذي يرتكز على دراسة الأفعال الكامية وكيفية اشتغالها في الحقل التداولي. ثمّ إنّ المُطّلع على خبايا هذه النظرية، والكتب السابقة له، يدرك بسهولة العاقة الوطيدة بين هذا الكتاب والأبحاث التي قدمها هابرماس عن التداوليات الكلية، ونظرية الأفعال اللغوية في ارتباطها بنظرية الحجاج. وفي سياق الإشكالية نفسها المتعلقة بالعقانية، تناول هابرماس السمات التي تميز الفهم الأسطوري والفهم الحديث للعالم.

رابعًا: ملاحظات بخصوص ترجمة بعض المفاهيم

لا يمكن الدخول في نقاش، في هذا الحيز، مع المترجم حول ترجمة بعض المفاهيم التي لا شك أنها تطرح صعوبة حقيقية في نقلها إلى اللسان العربي؛ وذلك بالنظر إلى التباعد الموجود بين اللغتين الألمانية والعربية من جهة، وبالنظر إلى طبيعة الإشكاليات التي خاض فيها هابرماس، والتي يصعب إيجاد مقابل لها في السياق العربي من جهة أخرى. ثمّ إنّ نُدرة الترجمات لأعمال

هابرماس من لدن أهل الاختصاص في الفلسفة الألمانية لم تُحقق تراكمًا في مجال ترجمة أعماله،

على عكس ما نجده في الترجمات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية. ولهذا، يمكن أن نتصور الصعوبات الكبيرة التي واجهت المسكيني في تعريب هذا الكتاب المهمّ. واستنادًا إلى تجربة المسكيني في ترجمة بعض نصوص هايدغر، ونيتشه وكانط، نجد أن خوضه في ترجمة كتاب ما لهابرماس هو استمرارٌ

للترجمات السابقة التي راكَم فيها تجربة ذات أهمية كبيرة. وهي تجربة لم تخضع بعدُ لأي دراسة نقدية للحكم عليها على نحو أو آخر. ومن هذا المنطلق، فإننا لن نخوض في الترجمة النقدية؛ لأن مثل هذا الأمر يحتاج إلى بحث مستقل، لكننا نشير إلى أنّ القارئ الذي يُقبل

على قراءة هذا الكتاب يجد مفاهيم جديدة فيها اجتهادٌ، لكن عدم أُلفته إيّاها تجعله إزاء بعض

الصعوبات إلى أن يتعوّد حمولتها الدلالية. ومن

بين المفاهيم التي نجدها في الترجمة عبارة "السُنّة

الأخاقية"، بوصفها مقابا لكلمة Sittlichkeit، بدلً من "الحياة الأخاقية"، أو "الأخاق الاجتماعية". ونجد كذلك "العرفاني" Kognitiv

بدلً من "المعرفي"، ونجد "العلوم العرفانية" بدلً من "العلوم المعرفية"؛ إذ على الرغم من أنّ كلمة "المعرفية" ليست دقيقة جدًّا، فإنها على الأقل ربما كانت أقرب إلى ذهن القارئ العربي من كلمة "العرفانية" التي لها حمولة معيّنة في

التصوف الإسامي. ونجد أيضًا "النزعة الريفية"، بوصفها مقابا ل  Provinzialismus، بدلً من "النزعة الإقليمية". فمصطلح "الإقليمي" أكثر دلالة على النزعة المحلية والانغاق والتمركز من مصطلح "الريفي" الذي له ملمح "جغرافي" مرتبط بمجال الطبيعة والفاحة أكثر من ارتباطه بمجال الفكر والانتماء. أمّا "أخاقيات الدعوة"،

فهو مفهوم ذو حُمولة دينية دعوية كما هو معروف

في العالم الإسامي، في حين أنّ "الدعوة" لدى فيبر لا تتعلق بهذا المعنى، بل بالعمل الذي رفعته الكنيسة البروتستانتية إلى درجة العبادة؛ وهذا موجود في الإسام نظريًّا، وقد أشار المترجم إلى

ذلك. لكن حينما نقول "أخاقيات الدعوة"، فإنّ القارئ العربي ربّما يظنّ أنّ فيبر يضع سلسلة من

الأخاقيات التي ينبغي أن يتّصف بها ممارس الدعوة لإنجاح مهمته الدعوية. ومثل هذا اللبس حريّ بالمترجم أن يزيله؛ لأن القارئ قد لا تكون

له مرجعية فيبرية حتى يعرف القصد. ولهذا يُفضَّل

أن نختار العبارات المتداولة اليوم في الثقافة العربية الإسامية؛ حتى لا تلتبس على القارئ. والأمر نفسه يصحّ في كلمة "فداء" مقابل كلمة

Erlösung، غير أنّ أقرب كلمة متداولة في هذا السياق هي كلمة "الخاص"، ومنها طبعًا عقيدة الخاص Erlösungslehre. لا ريب أنّ الفداء هو خاص، ولكن المتداول أنّ الذي يقدّم كبشًا للفداء يكون ذلك منه بهدف الخاص، وفي هذا السياق يُذكر أنّ المسيح فدى الآخرين

بنفسه ليحقق لهم الخاص. ولهذا كان الأحرى

الاكتفاء بالدلالات البسيطة والمتداولة التي تفي بالغرض بدلً من اقتراح مقابات جديدة لا تكون دلالتها واضحة. وهذا الأمر يحضر في كثير من الاقتراحات؛ إذ تكون أمام المترجم إمكانية ميسورة لترجمة مصطلح بمصطلح آخر متداول، لكنه قد يختار الاجتهاد في مفاهيم ربما تطرح لبسًا لدى القارئ العربي خاصة.

خاتمة

يمثّل كتاب نظرية الفعل التواصلي مرافعة فلسفية عن الحداثة الغربية من أجل بعث الروح فيها من جديد، بعد تعرض خطابها لانتقادات قوية من روّاد ما بعد الحداثة. إنّ هذا الكتاب،

وإن كان لا يحمل أي كلمة تحيل مباشرة إلى فكرة "الحداثة"، فإنه في الأصل دفاعٌ عن العقل باعتباره أهم مقومات الحداثة الغربية. لكن تصوّر

هابرماس للعقل والعقانية اختلف عن سابقيه بإعادة صياغة مشروع العقانية الغربية في ضوء مفاهيم الفعل التواصلي والعقانية التواصلية، بدلً من الارتباط بمفهوم العقانية الغائية الأداتية التي لا ينكر أهميتها، باعتبارها بعدًا من أبعاد العقانية الغربية. ويعكس كتاب نظرية الفعل التواصليالجهد الفلسفي المكثف لهابرماس، طوال أكثر من ثاثة عقود من الاشتغال بأهم البردايمات الفلسفية والإنسانية والاجتماعية التي حاول، استنادًا إلى مقاربات متعددة المباحث، أن يستخرج منها تصورًا نقديًّا للمجتمع، وهو

تصور حقق به منزلةً له في الفضاء الثقافي الألماني، وفي نظرية مدرسة فرانكفورت النقدية، ثمّ إنه تصوّر جعل منه فيلسوف الفضاء العمومي

والعقل التواصل. وإضافةً إلى أنّ كتابه مثّل تتويجًا للأبحاث السابقة في سنوات الستينيات

والسبعينيات، فهو أيضًا بمنزلة "خريطة طريق

للأبحاث" التي ستأتي لاحقًا في كل من الفلسفة الأخاقية، والسياسية، وفلسفة الدين. يُعد كتاب نظرية الفعل التواصليبمنزلة "تدريب

حواري" بين هابرماس ومختلف المدراس السوسيولوجية الحديثة والمعاصرة، مثل مدرسة دوركهايم، وفيبر، وميد، وبارسونز، وماركس، ولوهمان، إلى جانب نظريات فلسفة اللغة، والتداوليات، والنظريات الحجاجية. وهو حوار مكَّن هابرماس، من إعادة بناء خطاب العقانية الغربية في أفق التصدي لما يسميه "أمراض الحداثة الغربية". وعلى مستوى فلسفة الدين التي تحظى براهنية كبرى اليوم، فإنّ الكتاب يُعد أيضًا مساهمة نوعية في مسار هابرماس

أيضًا. فالمتتبع لمساره الفلسفي، يجد أنّه سبق له أن ناقش "سؤال الدين" في كتابات سابقة عن نظرية الفعل التواصلي، لكن النقاش تعمق أكثر فأكثر في الفصول التي خصصها للمسألة الدينية من خال استحضاره دوركهايم وميد، وخاصة في مسألة إضفاء الطابع اللغوي على المقدس. ولهذا، نرى أن عودة هابرماس إلى فلسفة الدين، في أبحاثه المتأخرة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ومناقشته "عودة الدين" في الفضاء العمومي، وتناوله كيفية تدبير المقدس بين المتدينين والعلمانيين، يشكّل كلّه امتدادًا لخريطة الطريق

التي أعلن عنها في كتاب نظرية الفعل التواصلي، وخاصة تصور طبيعة العاقة بين "العالم المعيش" و"النسق"، وهي عاقة مختلفة عمّا ورد في نظرية

لوهمان النسقية؛ إذ ينبغي ألّ تكون قائمة على الانفصال، بل على التفاعل. وتكمن أهمية مقاربة هابرماس كذلك في جَمْعه بين مقاربة ميد ومقاربة

دوركهايم، بحكم تركيزهما على العالم المعيش والعمليات التفاعلية القائمة على اللغة والمعايير والرموز، ومقاربة لوهمان أيضًا القائمة على النظر

إلى المجتمع بوصفه نسقًا يتألف من عدة أنساق فرعية. وتركيبًا بين المقاربتين، خلص في نظريته

المتعلقة بالفعل التواصلي إلى تصوّر للمجتمع

المراجع

العربية

الأشهب، محمد [وآخرون]. ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 ________. "مسارات العلم والحياة: في التأسيس والالتزام، العلوم الاجتماعية والتفكير في قضايا: السياسة، الدولة، السياسات". تنسيق حسن طارق وسعيد بنيس. مجلة السياسات العمومية. ج  2، العدد 21 (ربيع 2016:). في https://bit.ly/3ZNlzWv ________. المجتمع والدين والسياسة. أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.2021 الأشهب، محمد. "هابرماس وإعادة بناء المادية التاريخية: من براديغم الإنتاج إلى براديغم التواصل". مجلة الأزمنة الحديثة. العدد).2020(18–17 المسكيني، فتحي. الإيمان الحر أو ما بعد الملة: مباحث في فلسفة الدين. الرباط: مؤمنون ب  حدود،

هابرماس، يورغن. الحداثة وخطابها السياسي. بيروت: دار النهار للنشر،.2002 ________. "الحداثة – مشروع لم يكتمل". ترجمة فتحي المسكيني. تبيّن. مج  1، العدد 1 (صيف

الأجنبية

Dubgen, Franziska & Stefan Skupien. African Philosophy as Critical Universalism.

Habermas, Jürgen. Auch eine Geschichte der Philosophie: Band 1: Die okzidentale

______. Zwischen Naturalismus und Religion. Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag,

Hontondji, Pauline. "Construire l’ universel: un défi transculturel." Methode (s): Africain Review of Social Sciences Methodology. vol. 2, no. 1–2: Epistemological Fractures in a Globalized World: Normalizations, Debates and Alternatives in the Social Sciences

مؤسس على مستويين متكاملين: العالم المعيش والنسق.

References

Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019.

Konstellation von Glauben und Wissen. Berlin: Suhrkamp, 1985.