هل يمكن قيام الأخلاق من دون أساس؟ نظرات في أخلاقيات ما بعد الحداثة
Can Morality Be Established Without a Foundation? Views on the Morality of Postmodernism
الملخّص
السؤال الأخلاقي أساسي في فكر ما بعد الحداثة، والأجوبة التي يقدمها هذا الفكر تثير دائمًا تساؤلاتٍ واعتراضاتٍ عميقة. يوصف فكرُ ما بعد الحداثة بالفكر المناهض للتأسيسانية. لذلك، يصوغ هذا البحث مشكلتَه في السؤال: "هل يمكن قيام الأخلاق من دون أساس؟". ولمناقشة ذلك، ينتخب البحث فيلسوفين هما ريتشارد رورتي وجياني فاتيمو. ومن أجل وضع هذا السؤال في مهاده المفاهيمي والتاريخي، يبدأ البحث بعرض موجز للفكر التأسيساني الغربي الحديث، كما يعرض، بإيجاز أيضًا، أهم أفكار الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير، بوصفه أحد الفلاسفة المهمين الذين أسهموا في مناهضة التأسيسانية، وفي ابتعاث التأويلية في القرن العشرين. والتأويلية هي التوجه الفلسفي الرئيس الذي يبشر به رورتي وفاتيمو. ويحاول البحث أن يوجه مساءلتَه انطلاقًا من مفهوم "تناهي الوجود الإنساني". وينتهي بملاحظات نقدية تؤكد أن الأخلاق لا تقوم لها قائمة من دون أساس راسخ.
Abstract
Abstract: The question of morality is indispensable to postmodernist thought. Postmodernism, often described as a form of anti–foundationalism, provides answers to this question that raise further questions and objections. This paper asks if morality can be established without a foundation. In answering this, the paper discusses the thought of two prominent postmodernist philosophers, Richard Rorty and Gianni Vattimo. For conceptual and historical perspective, the study explores the meaning of foundationalism before tracing the transition from foundationalism to anti–foundationalism. It examines the main ideas of Hans– Georg Gadamer, as a pioneer of twentieth century Hermeneutics, at the core of which is the concept of the finitude of man. The article argues the importance of this concept to the domain of morality, ultimately concluding that morality canʼt be established without a solid foundation.
- الأخلاق
- التأسيسانية
- ضد التأسيسانية
- ما بعد الحداثة
- التناهي
- التضامن
- الرحمة
- غادامير
- رورتي
- فاتيمو
- Morality
- Foundationalism
- Anti-foundationalism
- Postmodernism
- Finitude
- Solidarity
- Charity
- Gadamer
- Rorty
- Vattimo
دائمًا تساؤلااتٍ واعتراضاتٍ عميقة. يوصف فكرُ ما بعد الحداثة بالفكر المناهض للتأسيسانية.
لذلك، يصوغ هذا البحث مشكلتَه في السؤال: "هل يمكن قيام الأخ ق من دون أساس؟".
ولمناقشة ذلك، ينتخب البحث فيلسوفين هما ريتشارد رورتي وجياني فاتيمو. ومن أجل وضع
هذا السؤال في مهاده المفاهيمي والتاريخي، يبدأ البحث بعرض موجز للفكر التأسيساني الغربي
الحديث، كما يعرض، بإيجاز أيضًا، أهم أفكار الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير، بوصفه
أحد الفلاسفة المهمين الذين أسهموا في مناهضة التأسيسانية، وفي ابتعاث التأويلية في القرن
العشرين. والتأويلية هي التوجه الفلسفي الرئيس الذي يبشر به رورتي وفاتيمو. ويحاول البحث
أن يوجه مساءلتَه انطلاقًا من مفهوم "تناهي الوجود الإنساني". وينتهي بملاحظات نقدية تؤكد أن
الأخلاق لاا تقوم لها قائمة من دون أساس راسخ.
الرحمة، غادامير، رورتي، فاتيمو.
مقدمة
خطاب ما بعد الحداثة، في جوهره، وبعبارة واحدة، ضد الهيمنة بجميع أشكالها ومستوياتها، وهذه تشمل، من بين ما تشمل، القيم الخلقية وأسسها. ولطالما كانت القيم الخلقية عرضةً لإعادة التقييم أوالنظر، فكل عصر تقريبًا يعيد النظر في القيم السائدة. ولاا تُنقض قيمٌ خلقية
إلاا وتوضع، بدالً منها، صراحةً أم ضمنًا، قيمٌ أخرى. ويقتضي النقضُ مسوغاتٍ فكرية ونظرية تمنحه الشرعية والمقبولية. أحيانًا يكون النقض عبر هدم أساس وبناء أساس آخر محله؛ أما في حالتنا قيد الدراسة، فيُراد نقض فكرة الأساس ذاتها. وهذا بالضبط ما تسعى إليه جاهدة ما يسمى ضد التأسيسانية
Anti–foundationalism. فتتشكل ثنائية، بمصطلحات جديدة، ضمن أفق ثنائيات كثيرة عرفها تاريخ الفلسفة، حتى إن زعمَ أحدُ الضدين خروجه من هذا التاريخ، أو إعلان نهايته. فمهما تبرأ الضد من ضده يظل ينطوي عليه، أو قُلْ يلازمه، دائمًا، بل لاا يُعرف إلاا به، لأنه هو أصل لًاا يتقوم إلاا بضديته له. وهذا جدلُ تاريخِ الفكر الفلسفي؛ يَطوي الضدين، فليس ثمة إلاا أخلاط، يمكن التمييز بينها بالطبع، وفي تضاعيفها يسعنا أن نصطنع، أو ننتخب، بدايةً ترمي إلى وضع المشكلة في مهادها المفاهيمي والتاريخي. ما يهمنا من البداية المفترضة: فكرة الأساس التي وضع لبنات ها الحديثة فرانسيس بيكونِFrancis Bacon (1626–1561) ورينيه ديكارت Descartes Rene (1650–1596)، كلٌ وفق منهجه الجديد. في كتاب الأورغانون الجديد Novum organum scientiarum (1620)، يشرع بيكون في تأسيس منهج فلسفي جديد يَليق بالعصر الحديث، منهج يلتمس "اليقين"، ولكن أساس اليقين هذه المرة "الإدراكات الحقيقية للحواس نفسها"، وليس المنطق الأرسطي القديم الفارغ، الذي لم يقدم معرفةً جديدةً، والذي بسبب عقمه "نالت" من العقل "مذاهب فاسدة وأوهام فارغة". كان بيكون يوجه خطابَه هذا إلى إنسان جديد يقهر الطبيعة عبر تأويلها، ومن يسلك هذه الطريق الجديدة فسوف يكون "سيد نفسه master own his " (وأشدد على هذه العبارة لأن تأويلية غادامير، وما بعد الحداثة، ستقوم على نفيها). ومن أجل تعبيد هذه الطريق الجديدة، كان لاا بد من "إيجاد أساس أمتن لقدرة الإنسان وعظمته، ومد حدودهما إلى آماد أوسع". بموازاة لحظة بيكون التأسيسانية، ثمة محاولة تأسيسانية رائدة أخرى، تطمح هي أيضًا إلى اليقين، ولكن بطريق أخرى مختلفة. ومثل نظيره الإنكليزي، كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت يشذب عقله، ويطهّره، ويعدّه لتقبل فكر جديد يقوم على "بناء جديد من الأسس إذا كنتُ أريد أن أقيم في العلوم شيئًا وطيدًا مستقرًا". لاا يعنيني هنا أمر هذه الأسس ونوعها وطبيعتها، ما يعنيني التوجه لوضعها
(((فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، ترجمة عادل مصطفى (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2013)، ص 14–10، شذرة 116، ص.113 (((رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة عثمان أمين (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009)، ص.71
وتشييد الفكر عليها، والتأكيد أنه من دونها لاا تستقيم المعرفة، ولاا يُتحصل اليقين. لذلك، صار كتاب التأملات، كما يذهب بعضهم، الموقع الكلاسيكي في الفلسفة الحديثة لااستعارة "الأساس"، لاا لأجل حل مشكلات فلسفية معينة، بل من أجل بلوغ نقطة ثابتة، صخرة صلبة وقارة نؤمّن عليها حياتنا بوجه التقلبات التي تعرضها للتهديد المستمر. إن هذا القلق الديكارتي Anxiety Cartesian، وفق عبارة ريتشارد برنستين Bernstein Richard (2022–1932) الدالة جدًا والنافعة لهذا البحث، ليس مجرد قلق ميتافيزيقي، أو فلسفي أو ديني أو معرفي أو أخلاقي، بل هو بعبارة هيدغرية قلق أنطولوجي وليس أونتيكيًا، لأنه يمس لب وجودنا في العالم. الباعث على هذا القلق أن الإنسان لاا يستطيع إلاا أن يقف على أساس في كل ما يفعل ويفكر، أيًا كانت طبيعة هذا الأساس. فالأساس، سواء أكان الله أو العقل أو العلم، يجب أن تكون من سماته الضرورة والكلية والثبات، أو بعضها؛ سمات تشبع حاجات الإنسان المعرفية والأنطولوجية والنفسية والأخلاقية، وبهذا وحده فقط يعلو الإنسان على تناهيه. وتظهر الحاجة إلى الأساس في ميدان الأخلاق بصورة جلية، ذلك أن أكثر ما كان يثير ريب التأسيسانية هو النسبية أو الشكية أو العدمية التي تنتج حتمًا من عدم إقامة الأخلاق على أساس كلي وضروري. فيصبح الأمر يتعلق بوجود الإنسان نفسه، الذي يظل فزعًا وقلقًا إن لم يؤسس كيانه على أساس راسخ وطيد، كي لاا يشعر أنه مجرد مصادفة في عالم من المصادفات والتقلبات العارضة. ومع ذلك، فإن هذه التقلبات والطارئات، الوجودية والتاريخية والفكرية، هي نفسها قد تدفع بعضهم إلى التشكيك في فكرة الأساس نفسها؛ والعيش مع هذا القلق، والرضا به كقدَر. بعبارة مرادفة؛ ثمة من يؤمن بالغيب من وراء الظاهر (الدين)، أو العقل في وسط التقلبات (الميتافيزيقا)، أو القانون الذي ينتظمها (العلم)؛ ومن لاا يرى في كل ذلك غير ذلك، ولاا شيء آخر وراء ذلك.
أولا: غادامير: الذات مرآة مشوهة
إن لاانتقال من التأسيسانية إلى ضدها انتقالٌ من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ولهذا لاانتقال رواد، من بينهم، وليس أولهم، الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer –1900(2002). نشرَ غادامير كتابه العمدة الحقيقة والمنهج، في عام 1960، وكان إجابةً عن سؤال صاغه بمصطلحات كانطية: "كيف يكون الفهم (verstehen) understanding ممكنًا؟" ويمكن أن نختصر إجابة غادامير كما يأتي:
(3) Richard Bernstein, Beyond Objectivism and Relativism: Science, Hermeneutics, and Praxis (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1983), pp. 16–18.
(((هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط 2 (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2022)، ص.50
• ليس الفهمُ منهجًا ولاا إجراءً ولاا خطوةً تحدث في حقل معرفي معين، وليس مجرد سلوك من
بين سلوكيات الذات الممكنة والمتنوعة، بل هو نمط وجود الإنسان [الدازاين] نفسه. • ليس الفهم قطبًا يقف أمام العالم منفصلً عنه، ليعكسه كمرآة. فالإنسان ليس كائنًا متعاليًا على
العالم، ولاا منفصلً عنه، بل ليس له القدرة على ذلك. • الإنسان كائن تاريخي، يعيش في التاريخ، لاا يعلو عليه، ولاا يستطيع أن يقبض عليه بنظرة كلية واحدة. فهذا مما لا يستطيع العقل الإنساني فعله: "إن التاريخ لاا ينتمي إلينا، بل نحن ننتمي إليه". • واللغة، فضلً عن التراث والأحكام المسبقة، تكون تاريخانية الفهم. فليست اللغة منفصلة عنا، انفصال الوسيلة، بل تغمرنا، وتكوّن وجودَنا نفسه. نحن ننمو في اللغة، ومن خلال ذلك نألف
العالم. والعالم ليس موجودًا مسبقًا لتأتي اللغة تسميه أو تصفه، بل نحن دائمًا في بيت اللغة،
بالضبط كما أننا في العالم وفي التاريخ. • وهذا لاانغمار في اللغة يجعلنا منحازين دائمًا في تفكيرنا ومعرفتنا بوساطة تأويلنا اللغوي
للعالم، ومن هذه الحقيقة يستدل غادامير على أن اللغة هي العلامة الحقيقية على تناهينا. • يستند ما سبق إلى، ويرسخ، فكرتين رئيستين يصوغهما غادامير على النحو الآتي: "أن بؤرة الذاتية مرآة مشوهة. والوعي الذاتي للفرد هو مجرد ومضة خاطفة في حلقات الحياة التاريخية المغلقة"، والأخرى هي: "أن عقلنا ليس هو سيدَ نفسه own its not is it master، إنما هو يظل معتمدًا دائمًا على الظروف المحددة التي يشتغل فيها". ستكون فكرة تشوه الذات لب فكر رورتي، بل إنه يستعمل مصطلح المرآة، المرآة المشوهة، نفسه، بالمعنى نفسه. ونفي سيادة العقل على نفسه هو نفي فكرة التأسيسانية الحداثية بأسرها. وهذا كله يعني، وهذه أيضًا إحدى دعاوى ما بعد الحداثة، أن محاولة الحديث عن تاريخ كلي، أو ما يسمى السرديات الكبرى، حديث يتعارض جوهريًا مع تناهي الإنسان نفسه. إذا كان ذلك كذلك، فما السبيل
إلى الخروج من تناهينا الأنطولوجي؟ بالحوار يمكن أن نوسع من حلقة تناهينا: "إن الطريقة الوحيدة في أن لاا نخضع لتناهينا هو أن ننفتح على الآخَر، أن نصغي لأنت الذي يقف أمامنا". وقد يكون "الأنت" شخصًا أو نصًا أو تراثًا.
(((المرجع نفسه، ص 10،.419
(6) Hans–Georg Gadamer, "Man and Language," in: Philosophical Hermeneutics , David Linge (trans.) (California: University of California Press, 2008), pp. 62–63. (7) Hans–Georg Gadamer, Truth and Method , Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.) (New York: The Continuum Publishing Company, 2002), p. 276. (8) Hans–Georg Gadamer, A Century of Philosophy: A Conversation With Riccardo Dottori , Rod Coltman & Sigrid Koepke (trans.) (New York/ London: The Continuum International Publishing Group Inc, 2003), p. 29.
ثانيًا: ريتشارد رورتي: الأخلاق من دون مبادئ
ينسب ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) إلى التأويلية، على نحو ما ظهرت في كتاب الحقيقة والمنهج، القدرة على تمكيننا من التخلص من فكرة قدرتنا نحن البشر على أن نعكس بدقة عالية العالم المحيط بنا. وهذا هو معنى اللاتمثيلية؛ الفكرة الأساسية لدى رورتي. فالعقل ليس متعاليًا
على العالم، ولاا منفصلً عنه، إنما هو من لُحمته وسداه، في حالة تماس دائم ومباشر مع بيئته. وهذه نتيجة تترتب على تناهي الوجود الإنساني وتؤكده. ولعل أوضح تعبير عن هذه النزعة اللاتمثيلية، وهو تعبير صادم في الحقيقة، ذاك الذي نجده في كتاب الفلسفة والأمل الاجتماعي Philosophy and Social Hope (1999)، حيث يشبه رورتي الإنسان بجهاز الكمبيوتر. فكلماتنا، إن كنا داروينيين وفق تعبيره، ليست سوى وسائل أو "عُقد في شبكة سببية تربط تكويننا العضوي ببيئته"، وليست تمثيلات. ومثلما لا نُعنى بالتساؤل عن تمثيل الكمبيوتر لواقع خارجي بقدر ما تتجه عنايتنا إلى كفاءته، كذلك الحال بخصوص جسم الفرد ومعتقداته ورغباته، فلا يهمنا تمثيلها لواقع أم لمظهر، بقدر ما تهمنا كفاءتها. وبذلك، يكون رورتي قد مضى بنزعته اللاتمثيلية إلى أقصى مدياتها ليقوض النظرية الإبستيمولوجية التمثيلية. من هذا التناهي تتراكم متعاضدةً مجموعةٌ من المفاهيم (أو المفردات Vocabularies، مصطلح رورتي الأثير) الآتية: مناهضة التأسيسانية، التي تجمع بين رورتي وغادامير، ومناهضة
(((لاا بد من الإشارة هنا إلى أن تأويلات رورتي وفاتيمو لتأويلية غادامير ومفاهيمه وأفكاره، قد لاا تعبر بالضرورة عما كان يريده غادامير نفسه، لذلك لم تلق القبول من بعضهم. فثمة من يحاول أن يبين عدم جواز وضع جميع التأويليين في سلة واحدة، لأن منهم،
غادامير مثلً، من يقر بإمكان المعرفة، ومنهم من يرى عدم إمكانها، وأنلاا وجود للحقيقة. ينظر:
Brice Wachterhauser, "Getting it Right," in: Robert J. Dostal et al. (eds.), The Cambridge Companion to Gadamer (Cambridge: Cambridge University Press, 2002), pp. 52–78;
ويكشف جان غروندان عن سوء فهم فاتيمو لأفكار غادامير، وتأويليته. ينظر:
Jean Grondan, "Vattimo’s Latinization of Hermeneutics: Why Did Gadamer Resist Postmodernism?" in: Santiago Zabala et al. (eds.), Weakening Philosophy: Essays in Honour of Gianni Vattimo (Quebec: McGill–Queen’s University Press, 2007), pp. 203–216;
وهناك من يرى أن غادامير كان قد عُنيَ في أعقاب نشر كتابه الحقيقة المنهجبمفهوم التضامن، الذي سيكون مركزيًا لدى رورتي،
على الرغم من أن غادامير لم يَذكر هذا المفهوم حرفيًا، ليكون بديلً من التراث. واستعمال غادامير لهذا المفهوم أخصب وأكثر
معقولية من استعمال رورتي. ينظر:
Chris Lawn, Gadamer: A Guide for The Perplexed (New York: Continuum, 2006), p. 106;
ويُخيل لي أن التأويلية نفسها لاا تتيح الفهم الحسن فقط، بل الفهم السيئ أيضًا، وتمنحه الدرجة نفسها لأنه يصعب، في غياب
المعايير الموضوعية، التمييز بين الحسن والسيئ في هذا الصدد. فضلً عن أنني أجد في تأويلات رورتي وفاتيمو توسيعًا ممكنًا
لأفكار غادامير، وليست مجرد انحراف أو سوء فهم. 1(((ريتشارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 490؛ وينظر أيضًا المرجع الإنكليزي:
Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979), p. 357.
1(((عن ملامح فلسفة رورتي، ينظر: محمد جديدي، الحداثة ومابعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2008)، ص.177–105
(12) Richard Rorty, Philosophy and the Social Hope (London: Penguin Books, 1999), pp. 23–26. (13) Lawn, p. 125.
الثنائيات، والتاريخي، ولااجتماعي، والمحلي، والإثني، والعرَضي، والساخري، والليبرالية،
والديمقراطية، والنافع، ولااتفاق أو الإجماع، والتضامن، والحرية، والأمل، والسعادة. وهذه جميعًا تبلورت وتشكلت تدريجيًا في شرط تاريخي يصفه لنا رورتي: "كنا نشعر في سالف العصر والأوان بالحاجة إلى عبادة شيء يقع ما وراء العالم المرئي. ومنذ بواكير القرن السابع عشر استبدلنا حب الحقيقة بحب الله [...] وحاولنا عند نهاية القرن الثامن عشر أن نستبدل حب أنفسنا بحب الحقيقة العلمية [...] نحن نحاول أن نصلَ إلى لاا نقطة حيث نعود نعبدُ فيها أي شيء، حيث لا شيء يتمتع بقداسة زائفة، وحيث نرى كل شيء – أعني لغتَنا، وضميرَنا، ومجتمعَنا – نتاجًا للزمان والمصادفة. وكيما نصل إلى هذه
النقطة سيتعين، وفق عبارة فرويد 'أن نرى المصادفة هي الكفيلة بتقرير قدَرنا"'. ليس هذا الوصف المرحلي سيرةً تطوريةً على وفق إيقاع كونتي وضعي، فضلً عن أن يكون هيغليًا أو
ماركسيًا، ذلك أن رورتي ومعه الكثير من دعاة ما بعد الحداثة لاا يقرون بفكرة التقدم، على الرغم من
أن رورتي يؤمن بنظرية التطور الداروينية. فالتاريخ انقطاعات، تحل فيه بردايمات (نماذج) Paradigms محل أخرى على وفق توافق وإجماع، وليس على وفق حقيقة موضوعية. فضلً عن أن هذه المفاهيم (المفردات) ليس لها من قيمة إلاا بقدر ما توفر من سعادة. فالديمقراطية، مثلً، التي تصلح اليوم وسيلةً "تحقق لنا أفضل السعادات"، قد لاا تكون كذلك في المستقبل، مثلما لم تكن كذلك في الماضي. ليس ثمة ترسيمة كلية أو مطلقة أو ثابتة محددة الأوصاف للمجتمع الأمثل، إنما المجتمع المثالي هو المجتمع الذي يستطيع الناس فيه "أن يناقشوا بحرية كيف يكونون أسعد". ولعل في هذا القول ما يعارض سرديات نهاية التاريخ، بما فيها سردية انتصار الديمقراطية النهائي، ومع ذلك، فإن رورتي ينتصر للديمقراطية الليبرالية بوصفها نهايةً للتاريخ مثلما سنرى. لاا ينهمك رورتي في محاجات، ولاا براهين، إنما هو يطمح إلى تكوين "لغة جديدة تعتمد لااستعارة وإعادة الوصف redescription "، لغة "لاا عقلانية ولاا شمولية". وذلك هو رهان الثقافة الليبرالية، وهذه هي فضيلتها على الأشكال الثقافية القديمة. والنزاع بين هاتين الثقافتين، أو بين القصيدتين الرؤيويتين وفق تعبيره، هو نزاع بين رؤية تتجه صاعدةً إلى الأعلى حيث يوجد ما هو أعظم منا نحن البشر، إله أو عقل كلي، ورؤية تقدمية أفقية نحو عالم يشمل الكوكب كله تعاونيًا. هذه "القصيدة
(14) Rorty, Philosophy and Social Hope , p. 19. (15) Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1993 [1989]), p. 22.
(التشديد في النص الأصلي.)
(16) Richard Rorty, An Ethics for Today: Finding Common Ground Between Philosophy and Religion (New York: Columbia University Press, 2008), pp. 19–20. (17) Rorty, Philosophy and the Social Hope , p. xix. (18) Rorty, Contingency , pp. 44–45. (19) Rorty, An Ethics , p. 17.
الرؤيوية" الجديدة، هي "ما بعد الحداثة"، وما بعد الحقيقة، وما بعد الميتافيزيقا، وما بعد الفلسفة، و"السوفسطائية الجديدة"، و"البراغماتية الجديدة". والهدف المشترك لجميع هذه التسميات المتنوعة زعزعة الثقة بالعقل، والمعرفة، والحقيقة، والموضوعية، والفلسفة بمعانيها التقليدية المتواترة. ولاا تتحقق هذه الخلخلة إلاا بأن تتخلى الفلسفة، في هيئتها ما بعد الحداثية، عن دور البناء، لتغدو علاجية وحسب. ويلزم عن ذلك اطراح الإبستيمولوجيا، الساعية لوضع الأسس، والنظر إلى الفكر والحياة تأويليًا. وللتأويلية التي يريدها رورتي أوصاف كتلك التي حددها غادامير: فهي ليست حقلً معرفيًا، ولاا منهجًا
ولاا برنامجًا بحثيًا. إنما التأويلية "الأمل في الوصول إلى اتفاق في محادثة ما"، وما هذا لااتفاق أو
الإجماع إلاا المعرفة والموضوعية وفق فهم رورتي. فإذا لم تكن علاقة أفكارنا بالعالم تمثيلية أو تصويرية، ولاا تستند إلى علاقة تطابق، فإن السبيل الوحيد إلى الحصول على المعرفة إنما يكون عَبر عمل جماعي اجتماعي قوامه الحوار. إن تأسيس اجتماعية المجتمع تقوم على الحوار والتفاوض، وإن مجتمعًا مستعدًا، أو يجب أن يكون مستعدًا للدخول في حوارات ومحادثات، تدور حول طرائق عيشهم، وتنظيم حياتهم، وتكوين قيمهم ومعاييرهم المعرفية والأخلاقية والسياسية، مجتمعًا يتشبع بقيمة أن الموضوعية هي محصلة الإجماع، لاا محصلة مطابقة عالم خارجي، لاا بد من أن يشدد أكثر ما يشدد على تكوين الذات. بعبارة أخرى إن الذات الجماعية لااجتماعية هي مصدر كل معايير الحياة. لذلك يستعين رورتي بمفهوم تكوين الذات Building، الذي كان غادامير قد عدّه بديلً من المعرفة الموضوعية، ولكنه يوظف مصطلحًا آخر أنسب هو التهذيب Edification. ويريد به إعادةَ
تكوين أنفسنا من خلال المحادثة. فالحوار يهذب الذات "بإيجاد طرق للكلام جديدة، وأفضل، وأكثر إثارة، وأخصب". ولاا يهدف التهذيب، ولاا الفلاسفة التهذيبيون، إلى اكتشاف "الحقيقة الموضوعية"، ولاا يعبرون عن وجهة نظر عن العالم، إنما هم "مشاركون في محادثة" أكثر من كونهم باحثين. إن حب الحكمة هو المحادثة وليس تقديم الحجج. والمبدأ المنهجي الهادي الذي يؤسس ما سبق يخص علاقة اللغة بالعالم، مبدأ يمثل جوهر فكر رورتي وفكر ما بعد الحداثة، لنقرأ الآتي: "علينا أن نسقط فكرة تطابق الجمل والأفكار [مع العالم الخارجي]،
(2((وُصف دعاةُ ما بعد الحداثة ب "الخائفين من الحقيقة Veriphobes "، وقيل إن رورتي هو "الناطق الرسمي باسم الخوف من
الحقيقة". ينظر: حديث باسكال إنج:ِل في
Richard Rorty & Pascal Engel, What’s the Use of Truth? William McCuaig (trans.) (New York: Columbia University Press, 2007), p. 3. (21) Richard Rorty, "Grandeur, Profundity, and Finitude," in: Richard Rorty, Philosophy as Cultural Politics: Philosophical Papers , vol. 4 (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 77.
2(((رورتي،.56–55 ص (2((المرجع نفسه، ص.422–419 (2((ينظر: تلخيص جديدي للدور المؤثر الذي يؤديه غادامير في فكر رورتي. في: جديدي، ص.436 (2((رورتي، ص.493
وأن نرى الجُملَ من حيث ترابطُها بعضها ببعض أكثر من ترابطها بالعالم". وأسباب ذلك أن اللغة
وسيلة لاا يمكنها أن تمثل العالم الخارجي. فليس ثمة معنى، إذًا، يمكن أن ينتج من علاقة تتعدى حدودها، بل المعاني تُبتكر وتتخلق فقط في الحوارات والمحادثات. يقودنا هذا المبدأ إلى ثنائية: المجتمع مقابل العالم، والتضامن مقابل الموضوعية. فهناك من ينغمس في وصف قصة مساهمته في مجتمع، سواء أكان مجتمعه، أم مجتمعًا بعيدًا عنه في الزمان والمكان، أو ربما هو مجتمع متخيل، لااإنساني وهناك من يصف نفسه جزءًا من علاقة مباشرة بواقع Reality Nonhuman. قصص النوع
الأول تجسد التضامن، وقصص النوع الثاني تجسد الموضوعية. سادت الموضوعية تاريخ الفلسفة، أما التضامن فهو فكرة البراغماتية، وما بعد الحداثة. فليست حقيقة الفكرة بمدى مطابقتها للواقع بل بمدى ما نعتقد أنها جيدة أو نافعة. والنفع تفاوض واتفاق، وهذا مرهون بالتسويغ. فليس ثمة فرق بين الحقيقة والتسويغ، بل إن التسويغ هو النتيجة الأهم. وهذا شأن المعرفة، وشأن الحقيقة، وشأن الأخلاق في النهاية. سؤال ما بعد الحداثة أخلاقي بالدرجة الأولى، والأخلاق التي يريدها رورتيلاا تقوم على أي أساس، سواء أكان عقليًا، أم دينيًا، أم علميًا، وليس ثمة أخلاق كلية أو عالمية، إنما هو يريد أخلاقًا يسميها
أحدهم "أخلاق اللياقة لااجتماعية decency of ethics وسياسة التضامن". وهذا النمط من الأخلاق لاا يستهدي بما يسمى بالمبادئ، ولاا المعايير الجاهزة والمُعَدة والمعروفة سلفًا. فليست الأخلاق سوى
حصيلة "مواجهاتنا مع ما يحيط بنا". والتوافق أو التكيف هو غاية هذه المواجهات. وفي فصل بعنوان "أخلاق من دون مبادئ Principles without Ethics " يذهب رورتي إلى أن البحث البراغماتي، سواء أكان في ميدان الأخلاق أم الطبيعة، هو البحث عن التوافق، لاا سيما ذلك النوع من التوافق مع رفاقنا البشر، وهو بحث يدعوه "التسويغ المقبول ولااتفاق النهائي". فما يميز البحث الأخلاقي البراغماتي من جميع أصناف الأخلاقيات اللامشروطة، الكانطية منها وغير الكانطية، تشديدها على أن "كل شيء علائقي، ومرهون بغيره". لذلك تعيد البراغماتية تأويل تلك التمييزات التقليدية بين الأخلاق والروية Prudence، والأخلاق ولاانتفاع، والأخلاق والمصلحة الشخصية. ولاا يجدُ البراغماتي في هذه المفردات إلاا تعبيرًا
عن تكيفات الفرد والمجموعة مع ضغوطات البيئة المحيطة، البشرية وغير البشرية، ومتطلباتها. وكذا الحال، بخصوص الأخلاق والقانون، فهما لا يبرزان كأمرين ملحين، فنلجأ إلى ابتكارهما، إلاا عندما تظهر النزاعات، ويتعكر صفو الحياة. ولاا فرق عند ديوي والبراغماتيين بين ما هو حق Right وما هو مفيد
(26) Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature , pp. 371–372. (27) Rorty, "Solidarity or Objectivity?" in: John Rajchman & Cornel West (eds.), Post–Analytic Philosophy (New York: Columbia University Press, 1985), pp. 3–5. (28) Robert Eagelstone, "Postmodernism and Ethics against the Metaphysics of Comprehension," in: Steven Connor (ed.), The Cambridge Companion Postmodernism (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp. 183–184. (29) Rorty, An Ethics for Today , p. 8. (30) Rorty, "Kant vs. Dewy: The Current Situation of Moral Philosophy," in: Rorty, Philosophy as Cultural Politics , p. 192. (31) Rorty, "Ethics Without Principles," in: Rorty, Philosophy and Social Hope , p. 72.
Useful. ولكن رورتي يشير إلى ضرورة أن تكون أخلاق الإنسان أوسع من انتمائه لااجتماعي، والقومي، والجندري. فالأخلاق هي زيادة حساسيتنا وتعاطفنا، أي زيادة استجاباتنا لما يحتاجه عدد أكبر فأكبر من الناس. بهذا المعنى بالضبط، لاا يختلف التقدم الخلقي عن التقدم العلمي. فمثلما لا يرى البراغماتيون التقدم العلمي ضربًا من ضروب إضعاف الظاهر لبلوغ الواقع، إنما هو في حقيقته استجابة
لمشاغل واهتمام مجموعات أكبر من الناس، فكذلك التقدم الخلقي إنما هو القدرة على لااستجابة بأكبر وأوسع ما يكون لأكبر عدد من الناس. يزيد رورتي هذه النقطة المهمة تفصيلً. فإن البحث، كل بحث، لاا يهدف إلى الحقيقة بالمعنى التقليدي، إنما يهدف إلى بلوغ أفضل مستوى من القدرة التسويغية. وهدف التسويغ تبديد شكوك قد تحيط بما يُقال، ويكون التبديد إما عبر تأييد ما موجود وقائم، وإما العزم على قول شيء جديد
ومختلف. وبعبارة واضحة يكتب رورتي: "تكمن مشكلة السعي وراء الحقيقة في أنك لن تعرف متى تصل إليها، حتى لو كنت قد وصلت إليها بالفعل. لكن يمكنك أن تهدف إلى تسويغ أوسع من أي وقت مضى، وتبديد المزيد من الشكوك". كذلك أمر الفعل الخلقي: "لاا يمكنك أن تهدف إلى 'فعل الصواب'، لأنك لن تعرف أبدًا ما إذا كنت قد وصلت إلى الهدف [...] ولكن يمكنك أن تهدف إلى زيادة إحساسك بآلاام [الآخرين"]. مناط الحكم الخلقي لدى الإنسان المتناهي هو الحدث العارض، المرهون بتقلبات الزمان والتاريخ، والحاجات والمصالح البشرية. وكل ما عدا ذلك، من قبيل الطبيعة الجوهرية للواقع المادي، والواجبات الأخلاقية غير المشروطة، إنما هي أفكار تريد أن تصعد بالإنسان إلى مكان أعلى وفوق، إلى ما بعد أو ما وراء تماسه الفوري والمباشر بالبيئة والعالم والبشر من حوله، لذلك يعيد رورتي هنا استعارته التي أشرنا إليها سالفًا أعني التمييز بين العمودي والأفقي، ويسميها العُرض بدالً من لاارتفاع أو العمق. ومن هذا لاامتداد الأفقي المتناهي، لاا العمودي اللامتناهي، نبدع معاييرنا الخلقية. وهنا أود أن أقف عند جملة أجدها في غاية التعبير عن إخلاص رورتي لفكرة تناهي الإنسان غير القائم على أي أساس: "في قراءتي لتاريخ الفلسفة، أجد كانط شخصيةً انتقاليةً، ساعدَنا في لاابتعاد عن فكرة أن الأخلاق مسألة أمر إلهي مقدس، ولكنه لسوء الحظ أبقى على فكرة أن الأخلاق مسألة واجبات لاا مشروطة [قطعية]. وأنا أود أن أوافقَ على ما تقترحه إليزابيث أنسكوب بقولها إن لم تكن مؤمنًا بالله، فالأجدر بك أن تسقطَ مفاهيم من مثل 'القانون [الكلي]' و'الواجب' من لغتك التي تستعملها عندما تعزم على فعل شيء ما".
(32) Ibid., p. 71. (33) Ibid., p. 81. (34) Ibid., p. 82. (35) Ibid. (36) Ibid., p. 187.
ليس في وسع العقل أن يكون بديلً من الإله، فيسن قانونًا كليًا وضروريًا وثابتًا. إن الإنسان كائن متناهٍ،
ونتاج المصادفة والعرضي، ومن يكون هذا شأنه لاا يجوز له أن يتجاوز حدوده، فيقع في مغالطات، ربما تشبه مغالطات العقل النظري التي حددها كانط. فإن لم يكن الإله ولاا العقل أساسَيْن لأخلاق،
فمن أين نستمد معاييرنا الخلقية؟ في هذه الحالة الوجودية المبرأة من كل أساس، لاا يستقل المعيار أو المبدأ عن الواقعة، بل هما يتناسجان، ولاا يتميز أحدهما من الآخر إلاا من حيث زاوية النظر. يكتب رورتي: "لنفترض [...] أن المجتمع الذي أنتمي إليه يحتقر من يفعل الفعل (أ)، بحيث يقول أبناء هذا المجتمع: إنهم يفضلون الموت على أن يفعلوا (أ). فيقودني تماهيّ بهذا المجتمع إلى
القول: إننا [أي الناس الذين من نوعي، الناس الذين نحترمهم] لاا نفعل (أ). عندما أقول ذلك، بصوت المتكلم، فأنا أقرر معيارًا. وعندما أنظر إلى مجتمعي، بعين أنثروبولوجي أو
مؤرخ فكري وأقول: إنهم يفضلون الموت على فعل (أ)، فأنا أخبر عن واقعة. إن مصدر هذا المعيار هو، بتعبير واضح، استبطاني لهذه الواقعة. أو إن مصدر هذه الواقعة هو تجسيدي لهذا المعيار". المعيار والواقعة ينتميان إلى مستوى وجودي واحد، ويختلفان فقط من جهة زاوية النظر إليهما، يختلفان في نوع القول الذي تفضله. فليس للمعيار منزلة أعلى من الواقعة ولاا مختلفة عنها لاا من حيث المصدر ولاا المعيارية. وهذا معنى أن تكون الأخلاق من دون مبادئ، لأن من شأن المبدأ أن يكون سابقًا على التجربة، أو قبليًا، وكليًا وضروريًا، أو مقررًا من طرف سلطات، في حين أن التجربة
وما يلزم من أجلها وعنها عَرضي.
ثالثًا: فاتيمو: أخلاقيات الفكر الضعيف
في الفكر المعاصر يرتبط اسم الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو Vattimo Gianteresio بما يسمى بالفكر الضعيف Thought Weak debole) pensiero (بوصفه مقابلً للفكر القوي، وهذا الأخير هو كل فكر ميتافيزيقي وعلمي على حد سواء. والميتافيزيقا عند فاتيمو تشمل كل فكر يدعي موضوعية الحقيقة، وإمكان معرفتها، ويدعي امتلاك الحقيقة التاريخية، وبهذا فإن الماركسية، والفلسفات الوضعية، والواقعية، والمثالية، والعلوم، ميتافيزيقا. ولإضعاف هذا الفكر القوي، يهتدي فاتيمو بمصادر فكرية عديدة، تمتد من المسيحية، على وفق تأويلاته الخاصة، إلى غادامير. ومن أجل ذلك قد يجمع فاتيمو بين مفكرين يبدون متناقضين، كالجَمع، مثلً، بين كارل ماركس Marx Karl)1883–1818(
الشيوعي، ومارتن هيدغر Heidegger Martin (1976–1889) القومي، وتقوده تأويلاته إلى تنزيه فكر نيتشه وهيدغر من أي دعوى فكرية عنيفة. وإذا كان يبشر، شأنه شأن نيتشه، بعصر جديد، فإن عصره الموعود هو عصر الضعفاء، والفكر الضعيف، وليس عصر القوة والأقوياء. فثمة، إذًا، الفكر الضعيف،
(37) Rorty, "Dewy vs Kant," pp. 196–197.
والفلسفة الضعيفة، والأنطولوجيا الضعيفة، والكينونة الضعيفة، والمعرفة الضعيفة، والحقيقة الضعيفة و"الذات الضعيفة"، والدين الضعيف، بل يستعمل فاتيمو تعبير "الإله الضعيف God Weak "، وأخيرًا مفهوم الضعفاء. وعَبر هذا القاموس الضعيف، يسعى الفكر الضعيف لإضعاف بِنَى الميتافيزيقا
وعناصرها وأسسها الثابتة والماهوية، وفعل الإضعاف لاا يقوم على أساس نظري معين، فذلك معناه العودة إلى ميتافيزيقا أخرى. إن انحلال الحقيقة أو موتها بوصفها تطابقًا، ولااعتراف بالتناهي، ومن ثم لااعتراف بتاريخية الحقيقة الأساسية وعَرضيتها، وتغير النظر إلى الذات، فهي لم تعد الحامل للقَبْلي الكانطي، بل هي وريثة لغة
تاريخية متناهية، تمكن الذات وتشرطها في الوصول إلى ذاتها وإلى العالم، إن هذه جميعًا حججٌ
للقول بنظرية تأويلية عن الحقيقة، وهي في الوقت نفسه شروط عصر جديد، عصر يودع الحقيقة، بمعناها الثابت اللاتاريخي، ليَنظرَ إليها حدثًا، وهو عصر لاا يرى الكينونة على وفق مقولاات الأنطولوجيا
التقليدية، بل يراها حدثًا. أفعال الإضعاف أفعال سلب أو نفي Negations، وهذا هو بالضبط معنى العدمية Nihilism، المفهوم الأثير والمركزي في فكر فاتيمو. تأويلات فاتيمو لفكر نيتشه وهيدغر قادته إلى هذا المفهوم، فهذان الفيلسوفان وقفا على جوهر فكر الحداثة، وكانت أفكارهما فرصةً لعدمية إيجابية يمكنها أن تشرع في إعادة بناء الفلسفة وتوفر "فرصة البدء بتاريخ جديد"، وليست عدميةً سلبيةً، مغتمةً بفقدان الإيمان الديني. فكان إعلان نيتشه عن موت الإله وتقويض هيدغر للميتافيزيقا التقليدية تحطيمًا للفكر
التأسيساني الغربي، وهما لم يدشنا مشروعيهما على أساس آخر أو أصدق، وهذا هو الذي يحمل فاتيمو إلى أن يعدهما فيلسوفَي ما بعد الحداثة. إن العدمية فقدان الإيمان بحقيقة موضوعية، وباليقين، والقول عوضًا عن ذلك بمنظور لاا يرى الحقيقة التي درجت عليها الميتافيزيقا إلاا بوصفها نتاجًا للقوة،
وللقوة عبر التاريخ أشكال عديدة. إن التوصل إلى فكرة تموقع الحقيقة في التاريخ، وحدوثها داخل شبكات من القوى والسلطات هو فعل تحرر وانعتاق: إنه فعل عدمي. وما العدمية إلاا تأويلية، يكتب فاتيمو: "أنا لاا أقول فقط إن التأويلية تقود إلى العدمية، بل إن العدمية لاا تظهر إلاا بفضل التأويلية". ويشير فاتيمو إلى كتاب الحقيقة والمنهجبوصفه العمل الذي يبشر بمقدم التأويلية في الفكر الفلسفي المعاصر. ولاا يقتصر تميز غادامير التأويلي على حقل الأخلاق فقط، بل كان إسهامه في إشاعة التأويلية
(38) Gianni Vattimo, The Adventure of Difference: Philosophy After Nietzsche and Heidegger , Cyprian Blamires (trans.) (Baltimore: The John Hopkins University Press, 1993), p. 6. (39) Gianni Vattimo, A Farewell to Truth , William McCuaig (trans.) (New York: Columbia University Press, 2011), p. 53. (40) Gianni Vattimo, "Metaphysics, Violence and Secularization," in: Giovanna Borradori (ed.), Recoding Metaphysics: The New Italian Philosophy (Evanston: Northwestern University Press, 1988), p. 45. (41) Gianni Vattimo, Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy , David Webb (trans.) (Hall: Stanford University Press, 1997), p. 8. (42) Gianni Vattimo, "A Prayer for Silence: A Dialogue with Gianni Vattimo," in: John D. Caputo & Gianni Vattimo, After the Death of God , Jeffrey Robbins (ed.) (New York: Columbia University Press, 2007), p. 103.
أكثر من إسهام أي شخص آخر. ولهذا السبب تحديدًا، فإن فاتيمو يريد أن ينجزَ الجذرية العدمية التي يقترحها بوحي من غادامير. بعد انقضاء عصر الإيمان، وعصر العقل، نعيش اليوم، مثلما يرى أصحاب الفكر الضعيف، "عصر التأويل". وإذا كان رورتي يذهب إلى أن "حب أنفسنا" هو ما يشغل، أو ما يجب أن يشغل، البشرية اليوم، فإن تحصيل أعظم السعادات، هو "الواجب" الذي يراه فاتيمو للبشرية جمعاء. والتأويل وسيلة تحصيل السعادة، وهذه لن تُتحصل إلاا بتجريد الأقوياء من أسلحتهم النافذة؛ فجميع أشكال السلطوية تستند إلى مقدمات ذات طبيعة ميتافزيقية، وعلى الرغم من أنه ليست كل الميتافيزيقا عنيفة، فإن جميع العنيفين، الذين كان لعنفهم آثار جسيمة وشاملة، ميتافيزيقيون. والفكر المستند إلى أسس لاا بد من أن يفضي إلى القمع، فكرٌ يوفر أسس العنف ويسوغه بموضوعية الحقيقة، وبقدرته المزعومة على معرفتها، ومن ثم يزعم لنفسه الأفضلية والأهلية لمعرفة الخير للآخرين وصالحهم، أي احتكار الحقيقة. كان زعم الحقيقة أمضى سلاح بيدِ الأقوياء عَبر التاريخ. فلا بد، إذًا، من تجريدهم منه. وليس غير التأويلية ما يضعف الأقوياء ويقوّي الضعفاء. لهذا كان التأويل المقوم الوحيد لهذا النمط من التفكير. يتضافر الأخلاقي والسياسي تأويليًا، ولهذا الغرض يكرس فاتيمو وزميله سانتياغو زاب لاا Santiago
Zabala كتابًا برأسه هو الشيوعية التأويلية: من هيدغر إلى ماركس Hermeneutic Communism: From Heidegger to Marx (2011)وهو، في الواقع، بيان سياسي أخلاقي، يشتمل على دعوى سياسة إصلاحية، وقيم أخلاقية تتردد فيها أصداءٌ يمكن أن نسمعَها تهتف: "يا ضعفاء العالم أواِّلوا وتحاوَرو."
فالعالم اليوم منقسم إلى فئتين: الأقوياء والضعفاء. بِيَدِ الأقوياء السلاح والمال والحقيقة والموضوعية.
إن العنف هو المعنى السياسي للحقيقة، وليس بيَدِ الضعفاء سوى التأويل. ولأجل ذلك، تعيد الشيوعية التأويلية كتابة موضوعة ماركس الحادية عشرة عن فيورباخ على نحو جديد: "اكتفى الفلاسفة بوصف العالم بطرائق متنوعة، والآن قد حانت لحظة تأويله". الشيوعية التأويلية لاا تؤمن بالحقيقة، إنما تقول بتعدد الحقائق، وتهتدي بالحب، وهذه فكرةٌ نتوسلها للدخول إلى أخلاقيات رورتي. ليست الشيوعية نظامًا يتحقق بالثورة الطبقية إنما هي علاقة حب. فهل ثمة من يشك في أن حب الآخر هو من صميم السياسة الشيوعية؟ يتساءل فاتيمو. يمكن أن ننظرَ إلى مفهوم الحب، أو
(43) Gianni Vattimo, The End of Modernity , John R. Snyder (trans.) (Baltimore: The John Hopkins University Press,
(44) Richard Rorty & Gianni Vattimo, The Future of Religion (Columbia: Columbia University Press, 2005), p. 4. (45) Gianni Vattimo & Santiago Zabala, Hermeneutic Communism from Heidegger to Marx (New York: Columbia University Press, 2011), p. 5.
موضوعة ماركس الحادية عشرة هي: "إن الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسروا العالم بأشكال مختلفة، ولكن المهمة تتقوم في تغييره."
ينظر: كارل ماركس، "موضوعات عن فورباخ"، الاشتراكي، شوهد في 2023/7/18، في: https://cutt.us/zsHNB
(46) Vattimo & Zabala, p. 112.
الرحمة Charity، معادالً لمفهوم التضامن عند رورتي. فمثلما يستبدل رورتي التضامن بالحقيقة، يستبدل فاتيمو الرحمة بالحقيقة. فالرحمة، وليست الحقيقة، هي محور العلاقات بين الناس. وكلا المفهومين (التضامن والرحمة) يتواشجان مع مفهوم الإجماع الذي يفكك فكرة الحقيقة الموضوعية. والإجماع حصيلة حوار؛ إذ لاا تكتسب قضية أو دعوى أي مشروعية كلية إلاا من خلال بناء الإجماع عَبر الحوار. إن التأويلية القائمة على الحوار، أو المحادثة، تفعل (أو تستلزم) مجموعة
مفاهيم، تمكن من قيام هذا الحوار، وتديمه. ورؤية الحقيقة حصيلةَ حوار يعني أن تكون قسمةً بين ذوات متحاورة، وليس غير لااعتراف بالآخر مقدمةً أساسيةً وعملية لقيام الحوار. ويأتي التضامن، والحب، وسلسلة مفاهيم أخرى تتداخل معهما لإدامة الحوار. ويسند الفيلسوفان، رورتي وفاتيمو، هذين المفهومين إلى أسباب عملية أخلاقية، وإلى مصادر فكرية في تراثهما وتاريخهما. ويمكن القول إن احتفاء فاتيمو بفكرة تجسد الإله إنسانًا في هيئة المسيح هو نقلة من الإله اللامتناهي إلى الإله المتناهي، من الإله القوي إلى الإله الضعيف، من الدين إلى العلمانية، من الحقيقة إلى التأويل. إن تجسد الإله على الأرض يعني انقطاع الصلة بالسماء، وبأي عون يمكن أن يأتي من خارج حدود وجودنا المتناهي. كان العونُ من الإله اللامتناهي مُصاحَبًا بالعنف، أما المسيحية فهي
علامة على ولاادة الذاتية، وتمهيد لنشوء العلمانية، وإحلال الحب والرحمة محل المعرفة والحقيقة والموضوعية، الحب المتجسد في إجماع ينتج من حوار لاا يقوم على أساس، وهذا ما يجري عليه مبحث الأخلاق. في مقال بعنوان: " Transcendence Without Ethics " (عنوان يماثل تقريبًا مقال رورتي الذي أشرنا
إليه سابقًا: " Principles Without Ethics ") يعين فاتيمو المنحى الذي يسير فيه مبحث الأخلاق اليوم، وهو المنحى الذي تأخذ به الفلسفة؛ إذ يُنظر إلى الدرس الأخلاقي في ضوء تاريخيتنا. فالخطاب
الأخلاقي تحول من العالم الباطني لسلوك الفرد، أو عالم الضمير، إلى الميدان لااجتماعي. وهذه هي أخلاقيات ما بعد الميتافيزيقا، التي لم تعد ترى الأفعال الأخلاقية طاعةً لأحكام متعالية سواء أكانت مستمدة من ماهيات وبِنى ميتافيزيقية، أو من الواجب الأخلاقي الكانطي. فكلاهما يتأسسان على فكرة الحقيقة الواحدة، والطبيعة الإنسانية الثابتة. بيْد أن التجربة التاريخانية الحديثة أثبتت عكس ما رسخ
قرونًا عديدة، ولاا سيما ما رسخ في العقلية الغربية الميتافيزيقية. فلقد أظهرت تجارب لااستعمار الغربي أن هناك ثقافات وأخلاقيات متعددة أطاحت المركزية الأوروبية، وأسسها ومبادئها التي سوغت، تعسفيًا،
نشر أخلاقياتها وفرضها على الآخرين. لم تعد الأخلاق تقوم على أساس كائن متعال، بل على التفاوض والإجماع. سياسيًا يُعد هذا إنجازًا حاسمًا، وعلى المستوى الأخلاقي، فإنها فكرة تنطوي على مضمون
خلقي معين. إن الأخلاق التي يشير إليها فاتيمو ب "أخلاق ما بعد الميتافيزيقا"، هي التي تتبع التقويض
(4((يلاحظ محرر كتاب After the Death of God في الهامش الثامن من الصفحة 182 أن فاتيمو لاا يقصد بمصطلح Charity الصدقة أو مساعدة الفقراء، بل يعني الكاريتاس Caritas وليس مجرد الإحسان، والكاريتاس تدل على الرحمة والحب أو الكرم الذي
تتميز به الروح. ينظر: Caputo & Vattimo, p. 182. (48) Gianni Vattimo, "Toward a Nonreligious Christianity," in: Caputo & Vattimo, p. 42. (49) Gianni Vattimo, After Christianity , Luca D’Isanto (trans.) (New York: Columbia University Press, 2002), p. 5.
الهيدغري للميتافيزيقا الغربية، لذلك فإن الخطيئة الأخلاقية الفعلية هي الوقوع في هذه الميتافيزيقا الكلاسيكية. الخطيئة أن تتبع تعاليم الميتافيزيقا القائمة على أسس، أيًا كانت هذه الأسس. إن هذه
الأخلاق المبرأة من كل أساس، والمرتبطة بعصرها، وتراثها، ومنشئها Provenance، لاا علاقة لها بما يسمى وقائع موضوعية، فلا وجود لوقائع موضوعية، بل الواقعة التي تتواشج بها هذه الأخلاق وتصدر عنها إنما هي تراث ثقافي، لاا يمكن تمثيله واقعيًا، بل يُمثل من خلال فعل تأويلي مسؤول.
وبانحلال الأسس، ولاانتماءات العِرقية، والعائلية، والطبقية، لن يكون أمامنا سوى خيار بناء أخلاق محورها تناهي وجودنا. ويشدد فاتيمو على أن هذا الخيار لاا يجب أن يدعونا إلى الإيمان باللامتناهي، ولاا يُكرهنا على لاانصياع لخيارات الحالة الراهنة.
خاتمة: ملاحظات نقدية
لاا أجد فكرًا أشد اتساقًا مع مقدماته من فكر ما بعد الحداثة، على نحو ما فهمتُه من رورتي وفاتيمو.
فكل فكر يقر بتناهي الإنسان حقيقةً أولى ونهائية، وينفي في الوقت نفسه أي أساس يمكن أن يقف عليه، أو يرجع إليه، هذا الإنسان المتناهي، لاا بد من أن ينتهي إلى ما انتهى إليه رورتي وفاتيمو من عدمية (على الرغم من تمييز فاتيمو بين العدمية السلبية، التي تهدف إلى التحطيم، والإيجابية، التي تهدف إلى البناء ولاابتكار.) لاا يعود ذلك فقط إلى أننا نحن البشر، كما يُمكن أن يُفهم منهما،
لاا نتوفر على قدرات استنتاج الثابت من الزائل، ولاا الضروري من العرَضي، ولاا الكلي من الجزئي،
ولاا اللامتناهي من المتناهي، ولاا الغيب من الظاهر، بل لأنه لاا وجود أبدًا لاا للثابت ولاا الضروري ولاا الكلي ولاا اللامتناهي ولاا الغيب. فاكتفَيا بالزائل، والعرَضي، والجزئي، والمتناهي، والظاهر، فذلك
هو كل ما موجود، وتلك هي جميع أعراض أو عناصر ذلك التاريخ الذي تعمل العدمية الإيجابية على ابتكاره وتثبيته. ومع ذلك، يخيل إلي أنه حتى هذا الذي وقفوا عنده وقنعوا به لاا يمكن أن يزعموا معرفته أو الوصول إليه، أو حتى إمكان لااعتراف بوجوده. فالقول إن اللغة لاا تمثل الواقع، أو لاا تستطيع تمثيله، والقول إن العقل ليس سيد نفسه، والقول إن الذاتية مرآة مشوهة؛ والقول بعدم وجود أي أساس، وإن الإنسان محض مصادفة زمانية، أقوالٌ ليست، وحسب، لاا تؤهل "الذات الإنسانية المتناهية والمشوهة" لمعرفة الواقع والعالم من حولها، بل تحرمها حتى من القدرة على الحوار. وأزعم أنه كان على فيلسوفَي ما بعد الحداثة، كي يكونا متسقَين مع نفسيهما على طول الخط، أن يلتزما الصمت. فلغةُ الصمت، على شاكلة صمت لودفيغ فتغنشتاين Wittgenstein Ludwig –1889(1951) في رسالته المنطقية الفلسفية، هي التعبير الحقيقي عن المتناهي المفتقر إلى أي أساس،
(50) Gianni Vattimo, "Ethics without Transcendence," in: Gianni Vattimo, Nihilism and Emancipation: Ethics, Politics, & Law , William McCuaig (trans.) (New York: Columbia University Press, 2004), pp. 60–70. (51) Vattimo, "Ethics of Provenance," in: Vattimo, Nihilism , pp. 39–44.
(5((لدفيج فتجنشتين، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968)، ص 163. ولتوضيح
صمت فتغنشتاين، ينظر: سيرل باريت، "ثورة فتغنشتاين: الدين وحدود اللغة"، ترجمة علي حاكم صالح، قضايا إسلامية معاصرة، العددان 66–65 (2016)، ص.188–172
بلُغتِه المحدودة الوظائف والقدرات، لأنه إن أمكن فتغنشتاين الحديث عن الوقائع Facts، ومع ذلك عَدّ حديثَه مجرد سلم يُرمى بعد أن يُرتقى عليه، فما ذلك إلاا لأنه كان يرى اللغة مجرد صورة للعالم
الخارجي، ولذلك آثر الصمت تجاه القيم والتقييمات لأنها ليست وقائع خارجية بل مسائل ذاتية، تقع خارج نطاق قدرات الإنسان اللغوية المحدودة والمقيدة. أما رورتي وفاتيمو، فكانا على العكس، فعلى الرغم من نفيهما قدرة اللغة على تمثيل العالم الخارجي، لاا ينفيان قدرتها على الحديث عن القيم الخُلقية، لأن اللغة، في عُرفهما، ليست وسيلة للوصف، بل للتأويل. والتأويل فعالية أو لعبة اجتماعية لاا علاقة لها ضرورة بالعالم الخارجي ووقائعه، بل إن هذا العالم لاا وجود له مستقلً عن الذات المؤولة كما سنرى. وبذلك، اتخذا الحوار وسيلةً للتواصل والتفاهم. وأظن أنه مسعى معطل؛ لأن الحوار، الذي ارتقيا به بديلً من المعرفة الموضوعية، لاا بد من أن يقوم على مقدماتٍ أو مسلماتٍ موضوعية، أو على وقائع وحقائق، يتفق عليها المتحاورون علنًا أو ضمنًا. وهذه المسلمات هي الأسس، سواء أكانت مسلمات ثقافية أم معرفية. فلا يقوم حوار بين دعاة حقوق الإنسان، مثلً، إلاا إذا كان المتحاورون متفقين سلفًا على أن للإنسان حقوقًا، أيًا كانت. ولاا يمكن أن تجري محاورة لتعيين حقوق الإنسان، إلاا إذا سلمنا
سلفًا أن هناك طبيعة إنسانية، فمن دون ذلك يصبح الحديث عن حقوق الإنسان عقيمًا. ولكن من
الذي يقرر ما هي طبيعة الإنسان: العلم؟ الدساتير الحكومية؟ الحوار ولااتفاق بين البشر؟ الفرد؟ الميتافيزيقا؟ الدين؟ لست أريد أن أنتهي من هذه التساؤلاات إلى اختيار أساس (مع ملاحظة أن الأسس لاا تتمتع بالقوة والمتانة ذاتهما، وليست بالدرجة الواحدة نفسها، بل إن بعضها بالحساب الدقيق ليست أسسًا كافية بذاتها)، إنما أود التشديد منهجيًا على عقم رفض وجود أساس حتى وإن كان مضمرًا. زِدْ على ذلك أن الحوار بديلً من المعرفة ليس، دائمًا، سبيلً مضمونًا للتواصل، ولاا للتفاهم،
لاا سيما الحوار الذي لاا يقوم على أسس إنسانية كلية مشتركة. ويشير بعضهم إلى صعوبة قيام حوار مثمر في ضوء لااختلافات الجذرية بين التراثيات والسياقات الثقافية، حوار يجعل الوصول إلى اتفاق،
أو اندماج حقيقي في فهم مشترك، أمرًا محاالً. إن المتناهي المفتقر إلى أي أساس سيكون حبيس
تراثه وتقاليده، ولن يمكنه الخروج منها. وهي نتيجة ظاهرة في فكر رورتي وفاتيمو. فعلى الرغم من دعاوى لاانعتاق من لاانتماءات الضيقة، فإن فاتيمو، شأنه شأن رورتي، يؤكد على الخصوصية ما بعد الحداثية Particularism Postmodern، لأن التجربة، والتاريخ الخاص والتربية، والتراث، والمنشأ، وليست المبادئ أو الأسس الكلية، هي القادرة على توفير مسوغات القرارات العملية. والتسويغ، عندهما، أهم من الحقيقة، بل هو بديل منها، أو هو الحقيقة إن صح التعبير؛ والتسويغ نتاج تفاوض جماعي: "إن التسويغات الإنسانية المحدودة تختص دائمًا بجماعة لها لعبتها اللغوية" (وسنرى
((5(ينظر: مقدمة كتاب:
Hans Robert Kogler & Karsten R. Stueber, Empathy & Agency: The Problem of Understanding in the Human Sciences (Boulder: Westview Press, 2000), pp. 36–37. (54) Vattimo & Zabala, p. 104.
كيف يحاول فاتيمو الخروج من هذه الزاوية الضيقة). وأظن أنه يمكن أن نستنتج من هذا الرأي أن ترك تحديد القيم الخلقية للحوار ولااتفاق والتفاوض لن ينتهي إلى شيء إلاا إذا كان المتحاورون متشابهين، أو ليست بينهم اختلافات عميقة، وينتمون إلى تراث واحد، وتربية واحدة، وتاريخ واحد تقريبًا، ومنخرطين في لعبة واحدة بالمعنى الفتغنشتايني للكلمة، والشاهد على ما أقول هذا الرأي
لرورتي عن الحوار مع الآخر: "إن أوروبا هي التي ابتكرت الديمقراطية والمسؤولية المدنية. وما زال في وسعنا أن نقول لبقية العالم: أرسلوا أبناءكم إلى جامعاتنا يتعلموا تقاليدنا، وسوف تنتفعون في النهاية من نهجنا الديمقراطي في الحياة [...] أما فكرة الحوار مع الإسلام فتبدو لي فكرة لًاا طائل من ورائها. [فمثلما] لم يكن هناك حوار بين مفكري التنوير والفاتيكان في القرن الثامن عشر، فلن يكون هناك حوارٌ بين ملالي الإسلام والغرب الديمقراطي. كان الفاتيكان في القرن الثامن عشر
يقدم مصالحَه، وكذلك يفعل ملالي العالم الإسلامي. فهم لن يقبلوا التخلي عن مواقعهم في
السلطة مثلما لم يقبل رجال الفاتيكان. ولحسن الحظ فإن الطبقة الوسطى المتعلمة في العالم الإسلامي سوف تأتي بعصر التنوير الإسلامي، ولكن هذا التنوير لاا علاقة له أبدًا بالحوار مع الإسلام". إذًا، الآخر الذي يمكن أن يدخل رورتي، والغرب، في حوار معه هو الآخر الشبيه، هو الذي يتعلم تقاليدهم، فيكون مثلهم، أو واحدًا منهم، أو الذي يتبعُهم، وفي الحصيلة هو ليس آخر. والذي فات
رورتي من التشبيه بين هاتين الحالتين هو أن استحالة حوار مفكري التنوير مع رجال الفاتيكان في القرن الثامن عشر كان شأنًا داخل مجتمع واحد، وحضارة واحدة، فكانت الثورة، بعد ذلك، هي الحل؛ بينما الحوار في الحالة الثانية حوارٌ بين حضارتين، ومجتمعين، مختلفين. فما العمل إذا كان الحوار
بينهما مستحيلً كما يرى؟ هل ستكون الحرب هي البديل من الحوار بين الحضارات المختلفة؟ ثم إن فكرة نقل الحضارة الغربية إلى بقية العالم تنبع من رؤية ترى التاريخ متجهًا للتجمع حول نمط حضاري
واحد هو الحضارة الغربية التي ينتمي إليها رورتي، وهذه دعوى لاا تختلف في شيء عن دعوى نهاية التاريخ، وتتطابق حرفيًا مع ما يكتبه فرانسيس فوكوياما Fukuyama Francis في نهاية كتابه نهاية
التاريخحيث يرفض تشبيه الإنسانية ب "آلااف الفسائل المتفتحة أزهارًا متنوعةً" ويفضل تشبيهها "بموكب
هائل من العربات ممتد على طول الطريق" في "رحلة واحدة ووجهة وحيدة". هل تتطابق إذًا نهاية التاريخ مع النهايات العديدة التي يبشر بها رورتي؟ لذلك، قد نفهم من اقتراح فاتيمو وزاب لاا لمفهوم المحادثة Conversation بديلً من الحوار Dialogue محاولةً للتخلص من هذه المعضلة. فهما يريان أن الحوار، وفي ذهنهما محاورات أفلاطون نموذجًا،
ينطلق من حقيقة ويريد أن يثبتها، بينما المحادثة لاا تبدأ من أي حقيقة كانت، بل تشكك في مفهوم ما
(55) Rorty & Vattimo, pp. 72–73.
(5((فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1993)، ص.311–310
الحقيقة أصل. ولقد كان زاب لاا قد فصل، ب لااستناد إلى غادامير، الفارق بين المفهومين في كتابه بقايا الكينونة (وهذا النص فضلً عن نص آخر لفاتيمو يشكلان روح كتابهما المشترك: الشيوعية التأويلية): إن المحادثةَ حدثٌ ننخرط فيه، نقع فيه، حدث يحدث لنا، وليس أمرًا نقرر إجراءه، يحدث من دون
تخطيط مسبق، ولاا هدف مسبق، ما دامت الحقيقة ليست هي الهدف من المحادثة. والمحادثة هي التي تقودنا ولسنا نحن من يقودها. ويرى لو أن غادامير كتب بالإنكليزية لااستعمل مصطلح Conversation
وليس Dialogue.
هل يجوز اعتبار هذا التوصيف للمحادثة؟ ما هذا الشيء الذي يحدث لنا ويقودنا ولاا نقوده؟ أليست المحادثة كما الحوار، وإن اختلفا وفق زعمهما، مناسبةً هادفة، يجري لااتفاق عليها لحل مشكلة ما، أو التوصل إلى تسوية ما، أو فك عقدة ما؟ يبدو لي هذا لاانغمار في المحادثة، بحيث نكون منقادين فيها، مترتبًا على تصوّر معين للغة. فالمحادثة لغة، تستبد بنا وتغمرنا كما يغمر "اللامتناهي" المتناهي إن جاز
التعبير. فهي تتحدثنا ولسنا نحن من يتحدثها. وهذا رأي يعود في الأصل إلى هايدغر وشايعه غادامير، وآخرون. وهو أيضًا تصور قريب جدًا من تصور غادامير للتراث، فهو يراه أيضًا حدثًا يحدث لنا. وهذه نتيجة لما يمكن تسميته ما بعد الذات، أو نهاية الذات، أو الذات المشوهة. وفي ظني أن هذه إحدى مقدمات العدمية وعواقبها كذلك، فإذا كانت العدمية السلبية نفيًا وسلبًا لكل
أساس، فإنها لن تستطيع أن تكون إيجابية حاالً، ولاا حتى مستقبلً. وفاتيمو نفسه يؤكد أن نتائج هذه العدمية الإيجابية وعواقبها لن تظهر فوريًا. لماذا؟ لأن العدمية السلبية، بوصفها انحلاالً لكل مبدأ
وأساس، لن تفضي إلى مبدأ جديد وأكثر شرعية (وفاتيمو يعني بالشرعية Legitimation الأساس
الميتافيزيقي)، إنما هي تصوغ موقفًا نقديًا تجاه أي مبدأ نهائي وأساسي، ويلاحِ ظ أنه حتى هذا
الموقف يجب ألاا ننظر إليه صحيحًا كليًا أو عالميًا ليلائم كل شخص دائمًا، إنما هو يلائم شرطًا معينًا،
كذلك الشرط الذي عرفه هيدغر بأنه عصر نهاية الميتافيزيقا، التي لم تنته فعليًا، أو عصر ما سماه نيتشه
موت الإله، الذي لم يسمع به الكثيرون، وهو أمر لن تظهر نتائجه إلاا بعد قرون. إن هذا الإقرار بظهور نتائج حدث بعد قرون إنما لاا هي فلسفة تاريخ أخرى تختلف عن أي فلسفة تاريخ تتنبأ بخطةٍ يَسيرُ على وفقها التاريخ، وإن لم تشمل الجميع بعد، فضلً عن أنها تنطوي على فكرة "التقدم"، التي
لطالما كان رورتي وفاتيمو ينتقدانها؛ التقدم التاريخي عَبر انحلال الأسس. تنشدُ أخلاقيات فاتيمو، عَبر هذا التقدم، تاريخًا جديدًا لطبيعةٍ إنسانية جديدة، وأخلاقًا جديدة تناسبه، بديلً من الطبيعة الإنسانية المألوفة عبر التاريخ، ويشرح فاتيمو عملية التحول هذه ب لااستناد إلى مصطلح هيدغر Verwindung، الذي يمكن أن يعني التعافي من تاريخ طويل ولكن من دون القدرة
(57) Vattimo & Zabala, p. 26. (58) Santiago Zabala, The Remains of Being: Hermeneutic Ontology After Metaphysics (New York: Columbia University Press, 2009), pp. 80–81. (59) Vattimo, "An Apology for Proceduralism," in: Vattimo, Nihilism , p. 152. (60) Vattimo, "Ethics of Provenance," p. 42.
على هجرانه وتركه ومغادرته تمامًا ودفعةً واحدة. لن يتم التعافي إلاا بعد استنزاف قوة هذا التاريخ،
والطبيعة الإنسانية السائدة، أي الميتافيزيقا، والتحرر منها رويدًا رويدًا. وستظهر النتائج بعد قرون.
وحينذاك تظهر طبيعة إنسانية، و"يبدأ تاريخ جديد" يشبهان ما كانت تنشده الشيوعية وتعِدُ به؛ مجتمع
شيوعي يخلو من الهيمنة، يخلق إنسانًا أخلاقيًا مبرّأً من أي غريزة، ورغبة، وحب للذات، وانتماء قومي،
أو ديني، أو عقلي، أو ميتافيزيقي؛ إنسان لٌاا نعرفه حتى الآن في الأقل. وليس السبيلَ إلى ذلك لاانعتاق
الثورةُ الطبقية، بل العدمية؛ أفعال السلب، والنفي. وفاتيمو يعبر عن ذلك المنقذ بتحويرِ عبارةٍ لهيدغر: "الشيوعية فقط هي من ينقذنا" (وفاتيمو مولع بتحوير عبارات مشهورة أو تكييفها أو تأويلها). يمكن تشخيص المشكلة هنا تشخيصًا إضافيًا. للوصول إلى هذه اليوتوبيا، أراد فاتيمو، مُخْلِصًا، أن
يجرد العنف من كل أساس أخلاقي؛ سواء أكان دينيًا أم ميتافيزيقيًا أم رقيًا أم عِ علميًا. ومع ذلك، فإن
أخلاقيات التناهي التي يدعو إليها بوصفها البديل التاريخي، هي أيضًا لاا تستطيع أن تبطلَ العنف تمامًا كما يقر هو بذلك، أو قد تفعل ذلك ولكن بعد قرون، وكل فضيلتها أنها تنزع الشرعية عن العنف
التأسيساني، ولكنها في الوقت نفسه تنزع الشرعيةَ عن نفسها هي أيضًا. والسؤال هو: ألاا يمكن أن يكون العنف القائم على المصالح المادية، العارية من أي مسوغ شرعي، عنفًا ممكنًا؟ فإذا استطعنا تجريد الأقوياء من الأسس الشرعية، وهذه عملية يظن مناهضو الأسس أنها لاا تكلف أكثر من نشر كتاب أو كتب، فإننا لن نستطيع أن نجردهم من قوتهم المادية (التي يسميها المسلحة Armed) اللاإنسانية واللاأخلاقية، لأن هذه عملية صراعية، وليست نظرية فكرية وحسب. إن كل ما سوف نفعله أننا نجرد الضعفاء، المجردين أصلً من كل قوة، من كل شرعية. ولن يتوافر، بذلك، لاا لتضامن رورتي، ولاا لرحمة فاتيمو، بُعد عالمي وإنساني، ولاا حتى فعلي. وسوف يفقد الضعفاء كل شيء،
حتى الحقيقة التي كانت تمنحهم القوة والمعنى أو العزاء. ولن يبقى بين أيديهم سوى قوة "افتراضية Virtual ": التأويل. ولهذه "القوة لاافتراضية" مصدر؛ إذ يحتفي فاتيمو كثيرًا بعبارتين لنيتشه: الأولى؛ التي يقر فيها بأنه
لاا وجود للوقائع، وكل ما هنالك تأويلات، وحتى هذا تأويل. والثانية؛ أن عالمنا الواقعي صار حكاية خرافية. ويشرح فاتيمو هاتين العبارتين، بأنهما: "لاا تدلاان فحسب على مشكلة عامة في المعرفة حيث لاا شيء يمكن أن يُعد واقعةً موضوعيةً،
لأننا حتى عندما نتكلم عن الوقائع إنما نعبر فعليًا عن تأويلات، بل إنهما تؤكدان أيضًا أن
'الوقائع غير موجودة' في الأقل كموضوعات خارجية مستقلة على نحو ما تتخيلهما العقلية
(61) Vattimo & Zabala, p. 111.
في مقابلة مع مجلة دير شبيغل Der Spiegel، عام 1966، يجيب هيدغر عن سؤال حول الدور الذي يمكن أن يؤديه الفرد، أو الفلسفة في عالمنا المعاصر: "أن الفلسفة لن تكون قادرةً على إحداث تحول فوري في شرائط عالمنا الراهن، وهذا الأمر لاا يسري على
الفلسفة وحسب، بل يشمل الفكر والممارسة الإنسانيين بأسرهما. لن ينقذنا سوى إله". ينظر: حوار مجلة دير شبيغلمع مارتن هيدغر، عام 1966 بعنوان: "وحده إله يُمكنه نجدتنا" Us Save Can God a Only، في:
Richard Wolin, The Heidegger Controversy: A Critical Reader (Cambridge: The MIT Press, 1998), p. 107.
الموضوعية والعلمية والوضعية. أو في أحسن الأحوال هناك وقائع فقط إذا ما أدركناها كأحداث أو حوادث، نسهم، نحن المؤولين، في تكوينها بطريقة محددة". يستعيد هذا النص بقوة وبوضوح بالغين عبارة جورج باركلي الشهيرة: "الوجود إدراك"، التي يمكن ترجمتها هنا إلى ما يطابقها حرفيًا: "الوجود تأويل". فالواقعة، والوجود كله، ليس لهما، عند باركلي،
وجود مستقل عن الإدراك، والحال نفسه عند فاتيمو، مؤوالً نيتشه، ليس للواقعة المادية من وجود مستقل، فهي مجرد تأويل، والتأويل فهم، وليس الفهم إلاا إدراكًا. كان ربط الوجود بالإدراك يعني المثالية الذاتية، وليس ثمة خلل إن وصفنا ما بعد حداثة فاتيمو، ورورتي معه، بالمثالية الذاتية. وما تقدم من كلام على "الخصوصية ما بعد الحداثية" يصب في لااتجاه. فإذا كان حال الوقائع المادية على هذا النحو، فالأحرى أن تكون القيم الخلقية، على هذا النحو، فهي أيضًا ليست إلاا تأويلات ذاتية. وحينذاك يصبح شأنُ الخير والشر، والعدالة والظلم، والحق والباطل، شأنَ الحقيقة والوهم، والصدق والكذب،
تأويلاتٍ متراكمة ومتراكبة فوق تأويلاتلاا نهاية لها، ولاا قرار. وهذه نتيجة حتمية ينتهي إليها كل فكر عدمي ينفي كل أساس. وتقودنا هذه النتيجة إلى مفهوم رئيس في التأويلية هو الدائرة التأويلية Circle Hermeneutical. المعرفة تأويليًا دائرية، تنتقل من الجزء إلى الكل وبالعكس، فلا يمكن فهم الجزء إلاا إذا فُهم الكل،
ولاا يمكن فهم الكل إلاا إذا فُهم الجزء، ومن هنا دائريتها. وهذه الفكرة، كانت تمثل المنطلق لتأويلية غادامير. ويكتب زاب لاا: "إن فاتيمو شرح في دروسه بضع مرات أن فهم 'دائرية' التأويل أساسي لفهم مقتربنا ما بعد الحداثي، ليس فقط اتجاه الحداثة، بل اتجاه الأنطولوجيا اللاهوتية onto–theology الميتافيزيقية التقليدية، لأنه إذا كان كل تأويل هو نفسه يتأسس على تأويل آخر، فإنه لاا يمكن الخروج من دائرة التأويل ولاا تجاوزها". وعليه، فلكي يُفهم تأويل ما، بوصفه جزءًا، لاا بد من أن يوضع
ضمن الكل الذي يحتويه، وهذا الكل لاا محدود، لأن التأويلات لاا نهاية لها. والنتيجة أن الفهمَ نفسه
يتعطل، لأنه لاا سبيل إلى الخروج من دائرة التأويل المتكررة إلى ما لاا نهاية. وعليه، لن نصل أبدًا إلى تفاهم فضلً عن لااتفاق والإجماع. لذلك بدا الواقع الصلب الذي نعيش فيه، والقيم الخلقية بالنتيجة، مجرد خرافة لدى نيتشه ومن بعده فاتيمو، وكان ذلك هو العدم بعينه. ما يعني، في النتيجة، أن التأويل ليس معرفة ولاا فهمًا، إنه لعبة لغوية فقط. تبدو هذه اللعبة لاافتراضية منسجمة مع الواقع الذي خلقته
التقنيات لاافتراضية الراهنة، التي يجد فيها فاتيمو صوتًا لمن لاا صوت له. ولكن ليس أبعد من ذلك، ولاا أكثر. صوت يتردد في عوالم افتراضية لاا صلة لها بالواقع، فالواقع صار مجرد خرافة. على الرغم من كل ما سبق، تثبت التأسيسانية قدمًا راسخةً، أو تطل برأسها، حتى في داخل الخطاب
المناهض لها: الأضداد قد تتناسج أحيانًا. ففي حين يرفض رورتي أي أساس لاا تاريخي لأخلاق، يرى
في لاالتزام بالتضامن ممكناتٍ أخلاقيةً، بما في ذلك ما يصطلح على تسميته التقدم الخلقي، وهي
(62) Ibid., p. 88.
((6(غادامير، ص.57
(64) Zabala, "Introduction," in: Zabala et al., p. 16.
فكرة لاا يمكن تسويغها بأي حال من الأحوال من خلال العارضية فحسب. فرفض القسوة، مثلً، لن يكتسب أي معقولية، فضلً عن المشروعية، إن لم يكن كليًا، ولكن هذه الكلية لاا تنسجم، بأي حال من
الأحوال، مع عارضية الوجود الإنساني. وشبيه بهذا تسويغ الأخلاق عند فاتيمو. ففي تفصيله لأخلاقيات التناهي، يُخيل إلي أن ثمة نوعًا من
اضطراب في التسويغ. فمن جهة، هو يلجأ، في نهاية فصل بعنوان: " Provenance of Ethics "، إلى كانط لرفع مستوى الرحمة المسيحية الإنسانية، التي يدعو إليها، إلى مستوى مبدأ قطعي، أو مطلق Imperative Categorical. فأخلاقيات التناهي التي تعارض كل عنف شرعي تحتفظ ببعض جوانب أخلاقيات كانط الشكلانية (ولنلاحظ أن هذه الأخلاق كانت دائمًا موضع نقد من رورتي وفاتيمو.)
ومن بين ما تحتفظ به هو "الأمر القطعي": "عامل الإنسانية التي تنطوي عليها وينطوي عليها الآخر غايةً في ذاتها وليست وسيلة". ومع ذلك، فإنه لاا يريد، من جهة أخرى، أن يؤسس هذا الأمر القطعي ولااعتبار للآخر على أي أساس إيجابي أو كلي. ينكر فاتيمو أي مبدأ صلب يمكن أن يؤسس عليه "أمره القطعي". ما الذي يبقى لديه؟ لاا شيء سوى الدعوة إلى النصح والحث والتحريض على لاالتزام به، وليس بوصفه أمرًا يقرر واقعة fact a أو يتحدث بوحي منها. لاا يمكن وضع قدم هنا وأخرى هناك، مصدر لااضطراب هنا هو أن فاتيمو المؤمن بأخلاق مسيحية ولكن لاا متدينة، لاا يريد أن يؤسس كلية مبدئه القطعي وضرورته لاا على الأساس الديني المسيحي، ولاا على الأساس العقلي الكانطي. وهذا مطلب عزيز يصعب تحقيقه، لأن الكلية والضرورة لاا تنسجمان مع حقيقة تناهي الوجود الإنساني، بل تنسجمان مع أساسين هما، في هذه الحالة، إما الأمر الديني أو الواجب الأخلاقي العقلي. وكلاهما عرضة للنفي والسلب من عدمية سلبية. إن الأخلاق ليست أساليب تنظيمية فقط، وإنْ كان هذا أحد أدوارها المهمة، إنما هي تختص أيضًا، وهو أمرٌ مهمٌ، بالجانب الباطني للإنسان. وحتى إذا انسَقنا مع العلمنة، وفاتيمو يماثل العلمنة بالعدمية،
فإن إجراءاتها في الميدان العام لاا تنفع في عَلمنة الميدان الخاص. فما ينطبق على ذاك لاا يسري على هذا، والإجرائية Proceduralism التي يدافع عنها فاتيمو، وهي مفهوم آخر أو ممارسة أخرى يراها قريبةً من التأويلية سواء في الأخلاق والقانون والسياسة، التي تعني ما تتفق عليه الأغلبية مع اعتبار الأقلية، قد لاا تنفع، أو تبدو عقيمةً في ما يختص بالجانب الباطني للإنسان. والبراغماتيون، ورورتي صوتهم الأبرز، يرون البشر حيوانات يبذلون ما في وسعهم للتعامل مع البيئة، يفعلون ما في وسعهم نَهم من التمتع بلذة أكبر وألمٍ أقلِّلتطوير وسائل لتُمك. وهذا قول لاا يقيم للبعد الباطني الوجودي
للإنسان أي اعتبار. ولاا بد من أن تكون هذه الصورة هي نهاية المطاف بإنسان متناهٍلاا يقوم على أساس
(65) Lawn, pp. 107–108. (66) Vattimo, "Ethics of Provenance," pp. 46–48. (67) Vattimo, "Toward a Nonreligious Christianity," p. 39. (68) Vattimo, "An Apology for Proceduralism," p. 162. (69) Rorty, Philosophy and the social Hope , p. 23.
يقوم تناهيه وعارضيته. أما أن يكون للقيم الخلقية معنى نفسي ووجودي، تحفظ للإنسان إنسانيته الكلية وتصونها، وترتقي به من مجرد كائن يحاول التكيف مع الطبيعة إلى كائن يعلو عليها، ويعلو من ثم على تناهيه الأنطولوجي، فذاك بالتأكيد مما يقع خارج نطاق تصور رورتي وفاتيمو معًا. وأخيرًا، يمكن استخلاص فكرتين: الأولى أن المفاهيم التي جهد رورتي وفاتيمو على لاانتقاص
منها، أو نفيها، كالعقل، والحقيقة، والموضوعية، والواقع، والواجب، لاا تختلف عن المفاهيم الخلقية التي تكون قاموسَهما المفاهيمي: التضامن، والرحمة، والحرية، والسعادة؛ فهذه كتلك، جميعها كلية
وضرورية، أو يجب أن تكون كذلك إلاا إذا أُريدَ تقييدهما زمانيًا ومكانيًا، ولاا بد من أن تقوم على أساس
صلب يَدعم، أخلاقيًا وأنطولوجيًا، الكائن المتناهي، فمن دون هذا الأساس تفقد كليتها وضرورتها.
والثانية إذا كان رورتي وفاتيمو يريان العنفَ الوجهَ السياسي للحقيقة، فإن العنف يمكن أن يرتبط حتى بهذه المفاهيم التي يدعوان إليها، فباسم التضامن أو الرحمة أو الحرية يمكن أن يُستعمل العنف. والأقوياء والضعفاء سواء بسواء لاا يعدمون وسيلةً لفعل ذلك. يسعى رورتي وفاتيمو لإضعاف ميتافيزيقا الحقيقة وحقيقة الميتافيزيقا من أجل نفي الشرعية عن العنف، وذهبت تأويلاتهما في هذا لااتجاه إلى نفي كل أساس (الدين، العقل، العلم)، فتخيلا عالمًا يخلو من الحقيقة والمعنى، ومع ذلك لاا يخلو
من العنف ضرورةً.
References
المراجع
العربية
باريت، سيرل. "ثورة فتغنشتاين: الدين وحدود اللغة". ترجمة علي حاكم صالح. قضايا إسلامية معاصرة. العددان).2016(66–65 بيكون، فرانسيس. الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة. ترجمة عادل مصطفى. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2013 جديدي، محمد. الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة ريتشارد رورتي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2008 ديكارت، رينيه. التأملات في الفلسفة الأولى. ترجمة عثمان أمين. القاهرة: المركز القومي للترجمة،
رورتي، ريتشارد. الفلسفة ومرآة الطبيعة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. ط 2. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2022
فتجنشتين، لدفيج. رسالة منطقية فلسفية. ترجمة عزمي إسلام. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1968 فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993
الأجنبية
Bernstein, Richard. Beyond Objectivism and Relativism: Science, Hermeneutics, and Praxis. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1983. Caputo, John D. & Gianni Vattimo. After the Death of God. Jeffrey Robbins (ed.). New York: Columbia University Press, 2007. Connor, Steven (ed.). The Cambridge Companion Postmodernism. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Dostal, Robert J. et al. (eds.). The Cambridge Companion to Gadamer. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Gadamer, Hans–Georg. Truth and Method. Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.). New York: The Continuum Publishing Company, 2002. ________. A Century of Philosophy: A Conversation with Riccardo Dottori. Rod Coltman & Sigrid Koepke (trans.). New York/ London: The Continuum International Publishing Group Inc, 2003. ________. Philosophical Hermeneutics. David Linge (trans.). California: University of California Press, 2008. Giovanna, Borradori (ed.). Recoding Metaphysics: The New Italian Philosophy. Evanston: Northwestern University Press, 1988. Kogler, Hans Robert & Karsten R. Stueber. Empathy & Agency: the Problem of Understanding in the Human Sciences. Boulder: Westview Press, 2000. Lawn, Chris. Gadamer: A Guide for The Perplexed. New York: Continuum, 2006. Rajchman, John & Cornel West (eds.). Post–Analytic Philosophy. New York: Columbia University Press, 1985. Rorty, Richard. Philosophy and the Mirror of Nature. Princeton: Princeton University Press, 1979. _______. Contingency, Irony, and Solidarity. Cambridge: Cambridge University Press,
_________. Philosophy and the Social Hope. London: Penguin Books, 1999. _______. Philosophy as Cultural Politics: Philosophical Papers. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. _______. An Ethics for Today: Finding Common Ground Between Philosophy and Religion. New York: Columbia University Press, 2008. Rorty, Richard & Gianni Vattimo, The Future of Religion. Columbia: Columbia University Press, 2005.
Rorty, Richard & Pascal Engel. What’s the Use of Truth? William McCuaig (trans.). New York: Columbia University Press, 2007. Vattimo, Gianni. The End of Modernity. John R. Snyder (trans.). Baltimore: The John Hopkins University Press, 1985. _______. The Adventure of Difference: Philosophy After Nietzsche and Heidegger. Cyprian Blamires (trans.). Baltimore: The John Hopkins University Press, 1993. _______. Beyond Interpretation: The Meaning of Hermeneutics for Philosophy. David Webb (trans.). Hall: Stanford University Press, 1997. _______. After Christianity. Luca D’Isanto (trans.). New York: Columbia University Press, 2002. _______. Nihilism and Emancipation: Ethics, Politics, & Law. William McCuaig (trans.). New York: Columbia University Press, 2004. _______. A Farewell to Truth. William McCuaig (trans.). New York: Columbia University Press, 2011. Vattimo, Gianni & Santiago Zabala. Hermeneutic Communism from Heidegger to Marx. New York: Columbia University Press, 2011. Wolin, Richard. The Heidegger Controversy: A Critical Reader. Cambridge: The MIT Press, 1998. Zabala, Santiago. The Remains of Being: Hermeneutic Ontology After Metaphysics. New York: Columbia University Press, 2009. Zabala, Santiago et al. (eds.). Weakening Philosophy: Essays in Honour of Gianni Vattimo. Quebec: McGill–Queen’s University Press, 2007.