العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكالية الحرية في الفكر العربي المعاصر بين لطفي السيد وعبد الله العروي

إشكالية الحرية في الفكر العربي المعاصر بين لطفي السيد وعبد الله العروي

The Problematic of Freedom in Contemporary Arab Thought: Between Lotfi El Sayed and Abdallah Laroui

سفيان البراق *

Soufian EL Barrak *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى تعقّب مكانة مفهوم الحرية ورصدها، بحسبانه من المفاهيم المحورية التي انضوت عليها الحداثة عندما انبثقت في أوروبا ابتداءً من القرن السادس عشر عبر جُملةٍ من التحولات التي شملت جميع مناحي الحياة: الاقتصاد، والسياسة، والعلوم، والاجتماع ... إلخ، وذلك عند كلٍّ من أحمد لطفي السيد وعبد الله العروي. يحتلّ السيد مكانةً أسنى في الثقافة العربية المعاصرة، ومردّ ذلك أنه كان من أبرز المتبنّين لقيّم الحرية. والأمر راجعٌ إلى أنه رأى فيها مرادفًا للحياة، ولا سيّما أنّه كان رائدًا للتيار الليبرالي في الرّقعة العربية بلا مدافعة. أمّا العروي فإنّه قدّم، في إطار مشروعه الفكري المؤسّس على سؤال الحداثة، سلسلةً من المفاهيم (الأيديولوجيا، والحرية، والدولة، والتاريخ، والعقل)، نال مفهوم الحرية مكانةً فيها. إنّ غاية "مفهوم الحرية" هي خلق علاقة سجالية بين التصورات الأولى للحرية في المخيال العربي القديم والتحول الذي طرأ على معناها بعد القرن الثامن عشر عند العرب، وبين الحرية بوصفها مفهومًا في وضعه الحديث كما تبنّته البيئة الأوروبية المنتشية بالحداثة السياسية، وهذه عادة درجَ عليها العروي في سلسلة المفاهيم.

Abstract

Abstract: This research traces the evolution of the concept of freedom, starting from its emergence in Europe during the sixteenth century as a building block of modernity, in the thought of both Ahmed Lotfi El Sayed and Abdallah Laroui. The transformations brought about by modernity influenced economics, politics, science, and sociology...etc. Lotfi El Sayed occupies a higher status in contemporary Arab culture as a prominent proponent of the values of freedom, renowned for his strong advocacy for freedom, considering it synonymous with life. He played a pioneering role in promoting liberal ideals in the Arab region. Meanwhile, Laroui presented a series of concepts such as ideology, freedom, the state, history, and reason. Within this framework, the concept of freedom is prominent. The main objective of exploring freedom as a concept is to establish a dialectical relationship between the initial perceptions of freedom in ancient

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • الدولة
  • الحداثة
  • الليبرالية
  • الديمقراطية
  • الفكر العربي المعاصر
Keywords:
  • Freedom
  • State
  • Modernity
  • Liberal Ideals
  • Democracy
  • Contemporary Arab Thought
  • Lotfi El Sayed
  • Abdallah Laroui

The Problematic of Freedom in Contemporary

Arab Thought: Between Lotfi El Sayed and

Abdallah Laroui

المحورية التي انضوت عليها الحداثة عندما انبثقت في أوروبا ابتداءً من القرن السادس عشر

عبر جُملةٍ من التحولاات التي شملت جميع مناحي الحياة: لااقتصاد، والسياسة، والعلوم،

ولااجتماع... إلخ، وذلك عند كلٍّ من أحمد لطفي السيد وعبد الله العروي. يحتلّ السيد مكانةً

أسنى في الثقافة العربية المعاصرة، ومردّ ذلك أنه كان من أبرز المتبنّين لقيم الحرية. والأمر

راجعٌ إلى أنه رأى فيها مرادفًا للحياة، ولاا سيّما أنّه كان رائدًا للتيار الليبرالي في الرّقعة العربية

بلا مدافعة. أمّا العروي فإنّه قدّم، في إطار مشروعه الفكري المؤسّس على سؤال الحداثة، سلسلةً

من المفاهيم (الأيديولوجيا، والحرية، والدولة، والتاريخ، والعقل)، نال مفهوم الحرية مكانةً فيها.

إنّ غاية "مفهوم الحرية" هي خلق ع قااة سجالية بين التصورات الأولى للحرية في المخيال

العربي القديم والتحول الذي طرأ على معناها بعد القرن الثامن عشر عند العرب، وبين الحرية

بوصفها مفهومًا في وضعه الحديث كما تبنّته البيئة الأوروبية المنتشية بالحداثة السياسية، وهذه

عادة درجَ عليها العروي في سلسلة المفاهيم.

PhD research student, Composition: Modernity and the Transformation of Knowledge and Values, Chouaib Doukkali University, Morocco. soufianelbarrak.98@gmail.com

Arab imagination and the subsequent transformations in the meanings that Arabs have attached to it since the eighteenth century. Additionally, it analyses the modern understanding of freedom within the context of European political modernity – a recurrent theme in Larouiʼs conceptual framework.

مقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى تعقّب مفهوم الحرية، بوصفه من المفاهيم الرئيسة التي أثثت منظومة الحداثة لدى مفكرَين عربيَّين يحظيان بمنزلة رفيعة في المشهد الثقافي العربي، وأعني: أحمد

لطفي السيد (1963–1872) وعبد الله العروي. يعتبر السيد من أبرز المتبنّين لقيم الحرية، واستمر في

الذود عنها، ومردّ ذلك أنّه رأى في الحرية مرادفًا للحياة، ورأى فيها أيضًا حلً ناجعًا للتخلص من عبء

التبعية للغرب. ولن يتأتى تحقيقها واقعيًا إلّ بتأسيس حريةٍ حقيقيةٍ لأفراد والجماعات تكون جامعةً

لمختلف الحريات: الطبيعية، والسياسية، والشخصية... إلخ، ودعا إلى مناهضة لااستبداد المتغلغل في البيئة العربية وترسيخ مقومات الديمقراطية للانفلات من سطوته. أما الوجه المقابل للسيد في هذه الدراسة، فإنّه ألّف، في إطار مشروعه الفكري المؤسّس على سؤال الحداثة، سلسلةً من المفاهيم

(الأيديولوجيا، والحرية، والدولة، والتاريخ، والعقل) نال مفهوم الحرية منزلة فيها، حيث إنّ غاية كتاب مفهوم الحرية هي خلق علاقة سجالية بين التصورات الأولى للحرية في المخيال العربي القديم والتحول الذي طرأ على معناها بعد القرن الثامن عشر عند العرب، وبين الحرية بوصفها مفهومًا في

وضعها الحديث كما تبنّته البيئة الأوروبية، وهذه عادة درجَ عليها العروي في سلسلة المفاهيم. وفي

خضمّ مشروعه الفكري بيّن أنّ ثلاثة نماذج فكرية حكمت الثقافة العربية المعاصرة: أولها: الشيخ، ونجد

محمد عبده (1905–1849) خير مثال عنه، وهو الذي "تخرّج من الأزهر أو من مدرسة مماثلة كالقرويين

أو الزيتونة، والذي يجد نفسه مضطرًا إلى الإجابة عن سؤال واحد: لماذا تأخر المسلمون؟". نموذج الشيخ ارتكب خطأً فادحًا، في اعتقاد العروي، لأنّه حصر التخلف عند المسلمين فحسب؛ باعتبار أنّ

التخلف رهينٌ بالتشبث بما خلّفه السلف الصالح وبتمجيد الماضي، وتقديس كل ما هو تراثي. النموذج الثاني

هو رجل السياسة، ويمثله أحمد لطفي السيد، وقد شخَّص هذا النموذج العطب الذي لحق العرب ويتجلى في لااستبداد السياسي الذي تغلغل في البلاد العربية، وأكّد في هذا المضمار على أنّ الديمقراطية هي الممرّ

الآمن، وعبرها "سنعود من جديد إلى مسرح التاريخ". والنموذج الأخير هو داعية التقنية، سلامة موسى (1958–1887)، الذي يظنّ أنّ الدين ليس سببًا في التخلف والتأخر، ويدرجُ مثاالً قمينًا بالتأمل ولااهتمام

لاا يتجسد في دولة اليابان التي أضحت قوة اقتصادية وعلمية تُضاهى رغم تعلُّق شعبها بالعقائد الدينية وميلهم إلى الروحانيات، لكن سرّ نجاحهم كَمُنَ في أنّهم "قصدوا إلى سرّ الحضارة الغربية" ونهلوا منها.

(((عبد  الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص.23 (((المرجع نفسه، ص.45 (((المرجع نفسه.

أولا: أحمد لطفي السيد: بين نقد الاستبداد وحلم الاستقلال

يعدُّ السيد من الوجوه الفكرية العربية التي رفعت شعار الحرية، واستبسل في الدفاع عنها، وذلك في

مشروعٍ فكريّ حكمه قلق لااحتلال البريطاني، والتأخر الذي لحِق مختلف مج لاات الحياة: لااقتصاد،

والسياسة، ولااجتماع. ولاا غرو إذا قلت إنّ السيد أكّد على ترادف الحرية بالحياة؛ إذ لاا تنتعش واحدةٌ من دون الأخرى، لأنّ الإنسان، في تقديره الشخصي، يحتاج إلى الأكل والشّرب حتى يظلّ على قيد الحياة، وهذا إشباعٌ ماديٌ لرغباته الداخلية، أما الإشباع غير المادي فيتجسّد في "إرضاء العقول

لاا والقلوب التي ترضى إلاا  بالحرية". انطلاقًا من هذا القول، يُستشفّ أنّ السيد رأى في الحرية غذاءً

ضروريًا للحياة، فإذا انتفت الحرية تبدّدت ملامح الحياة. إنّ الحرية، بحسبانها حقًّا طبيعيًا، لاا تتلاشى

رغم صروف الزمن؛ إذ إنّ الإنسان عندما يُزجّ به في السجن، على سبيل التمثيل، فإنّه يحافظ على لياقته

الفكرية من دون أن يتعطّل عقله، وهذا ما يتيح له التمتّع بحرّيته الضمنية، بيد أنّ السيد يرى العكس،

ويعتبر أنّ الذين فقدوا حريتهم المادية، رغم حضور حرية التفكير التي لاا يُمكن تسييجها، فإنهم "فقدوا لاانتفاع بها، أي فقدوا بذلك الحرية المدنية لأنّهم يحفظون حريتهم في نفوسهم". حصر السيد الحرية في ثلاثة أنواع: أوالً، الحرية الطبيعية: هي التي يسعدُ بها الإنسان منذ بدء استنشاقه لهواء الوجود، ولاا  تنتفي في جميع الأحوال والظروف، وتظلّ ممزوجة فيه، ويستحيل فصله عنها. إذا نشأ الإنسان في بيئة لاا تعترف بالحرية، وتمجّد القهر، فإنّه يظل بلا حرية، رغم حضورها في ذهنه في صفتها الطبيعية. تنبّه السيد إلى هذه المسألة،

لذلك اعتبر أنّ هذه الحرية لاا تستحقّ أن تحمل صفة حرية "إلاا إذا كان ميسّرًا للإنسان استعمالها". ثانيًا، الحرية السياسية: تعتبر من أرقى الحريات التي يمكن أن يحظى بها الإنسان في رقعة جغرافية

معيّنة؛ إذ تُمكّنه من تكوين رأي سياسي واضح، ويحقّ له لاانخراط فعليًا في تدبير الشّأن العام، ليصبح

"مواطنًا مساهمًا Citoyen لاا  مواطنًا مساكنًا Bourgeois ". إنّ ذود السيد المستمر عن هذه الحرية له

مبرّر واحد وأساسي يتمثّل في الغاية التي يطمح إليها، وهي تكوين ما سماه ب "سلطة الأمة"، التي تتغيّا

اشتراك "كل فرد في بلاده اشتراكًا تامًا كاملً". إنّ بلوغ الحرية السياسية هو قمّة ما  يمكن أن يصل إليه

الإنسان، لأنّها، من جهة، تمنحه الصفة ليصير فاعلً ومؤثّرًا في الشأن السياسي، ويَسلم من السيادة

المطلقة التي يُمكن أن يمارسها شخصٌ واحد بعد نجاحه في جمع السُّلط الثلاث في يده: التشريعية،

والتنفيذية، والقضائية. ومن جهة أخرى، فإنّ من حسنات هذه الحرية، من وجهة نظر السيد، أنّ لها

(((أحمد لطفي السيد، مبادئ في السياسة والأدب والاجتماع (القاهرة: دار  الهلال، 1963)، ص 132 (مع بعض التصرف.) (((المرجع نفسه، ص.133 (((المرجع نفسه. (((هذا التمييز بين المواطن المساهم والمواطن المساكن ابتدعه جان جاك روسو بعدما أكّد أنّ المواطن الحقيقي هو الذي يساهم

في الشأن السياسي ويؤثر فيه. ينظر: عبد  الله العروي، نقد المفاهيم (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2018)، ص.65 (((السيد، ص.139

القدرة على نفي رواسب القرون الوسطى التي فرضت على الإنسان "تقديس الحاكم". ولعل من نافلة القول أنّ التملّص من قوقعة تقديس الحاكم يتيح للإنسان التعامل بكلّ أريحية مع سُدّة الحُكم، لأنّه

يتبوّأ مرتبةً متميّزة في الجسم السياسي للدولة، وله رأيٌ حصيف يعب ر عنه من دون توجّس، ويُمكّنه من

استبعاد من يعتلي هرم الدّولة إذا اقتضت الضّرورة. ثالثًا، حرية الرأي: ما  انفكّ الإنسان يجنح إلى التعبير عما يخامر ذهنه بهدف الترويح عن نفسه، ويكون

هذا التعبير أكثر فاعلية وجدية حينما  يتمّ من دون أغلال من شأنها ممارسة حيفٍ شنيع على أفكاره، لذا

نجد السيد، ومن حذا حذوه من المفكرين الليبراليين، يُطالبون باستقلالية الإنسان ولاانعتاق من أيّ رقابة

محتملة ستقمع آراءه. ربط السيد حرية الرأي بالتعبيرات الصحافية التي من المفروض أن تمارس حقّها

من دون تدخّل أحدٍ فيها؛ حيث إنّ مثل هذه التدخلات من شأنها تحوير الحقائق وتزييفها. نقرأ في هذا المضمار للسيد: "مع أنّ (لورد كرومر)لم يكن في مصر مُشجّعًا للحرية السياسية، إلّ أنّه على ظني

كان يرى أنّ الرأي إذا علا لاا في رؤوس أصحابه بد لااتّقاء نتائج غليانه من منفذٍ تخِفُّ به شدّة الغليان، وذلك المنفذ هو حرية الصحافة، حرية الرأي، حرية القلم واللسان". يتضح للقارئ بجلاء أنّ إلحاح السيد الشديد على احترام هذه الحريات احترامًا تامًّا ينمُّ عن تفكيره النّقدي، وحس ه التنويري، والتطلّع إلى

مستقبل منتعش قوامه الحرية والديمقراطية، حتى يتسنّى للعرب لاارتماء في حضن الدولة الحديثة. تبنّى

السيد ديمقراطيّةً تتأسس على تحقيق "المساواة بين أبناء كلّ طبقةٍ من المصريين وغيرهم من الغرباء".

ولعلّ أبرز دافعٍ كان وراء رفعه شعار الحرية هو نهله من مشروع فلسفة الأنوار وتأثره الكبير بها وبروّادها؛

ذلك لأنّه "تجدّد مع الزمن في مدرسة الثّورة الفرنسية؛ مدرسة فولتير، روسو، ومونتسكيو". إذا كان السيّد حصر الحرية في ثلاثة أنواع، فإنّ العروي، باعتباره الوجه المقابل له في هذه الدراسة، قد

بيّن بجلاء أربعة تمثلّات أساسية لمفهوم الحرية حضرت في الذهنية العربية. أوالً، البداوة التي تحيل

إلى تصورٍ أشمل للحرية، لأنّ الإنسان يعيش في بيئة قاسية ومترامية الأطراف، ويفعل ما يشاء من دون قيود، لأنّ القوانين التي ستُخضعه للمشتركات المتفق عليها منعدمة، كما أنّ الأعراف السائدة في

المجتمع البدوي ليست لها تلك القوة حتى يكون منقادًا إليها، وخير مثال على هذا التمرد هم الشعراء

الصعاليك الذين خرجوا عن قواعد القبيلة وكسّروها وتبنّوا نمطَ عيشٍ جديدًا لم يألفه الناس من قبل.

لاا ينظر العروي إلى البداوة بوصفها تعبيرًا حقيقيًا لمفهوم الحرية وتجسيدًا واضحًا له، بل ينظر إليها

بحسبانها "رمزًا وفكرةً مجرّدةً في الذّهن وخاصةً في ذهن الشُّعراء والأدباء والمؤرّخين". وقد نجحت

(((المرجع نفسه، ص.140 (1((لورد كرومر الأول st Earl of Cromer 1 (1917–1841) يُعدّ من كبار المخططين للاستعمار البريطاني للمجتمع المصري،

وأُوكلت إليه مهمّة القضاء على الخصوصية العربية وضمورها، وقد قضى حوالى ربع قرن في مصر بصفته مندوبًا لصندوق الدّين

المصري. ينظر: أحمد لطفي السيد، قصة حياتي (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2013)، ص.32–29 (1((المرجع نفسه، ص.145 1(((عباس محمود العقاد، رجالٌ عرفتهم (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص.170 (1((المرجع نفسه، ص.166 (1((عبد  الله العروي، مفهوم الحرية (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص.24

تجربة البداوة في تحقيق "ما تطلّع إليه الناس من سعة في العيش وفسحة في التصرف"، لتحمل بذلك دلاالة حقيقية لها بالغ الأثر في تصور الحرية الطبيعية. ثانيًا، العشيرة التي يعيش الفرد في كنفها، ويحتمي بها حينما يكون السلطان جائرًا يموجُ بحيفه، ومن

ثم فهو آمن عندما يكون فيها، وبمجرد لاانفصال عنها يتعرض لأذى. صحيح أنّ العشيرة بوصفها نظامًا قويًّا ومتماسكًا وغاصًّا بالعادات والأعراف، يحمي الفرد من النّوائب والبوائق، بيد أنّها تحدّ "من

حقه في المبادرة" ليصير كائنًا بلا  استقلالية أو حرية، على الرغم من أنّها "تضمن له حقوقًا معروفة

ثابتة" وتعمل على صونها. يرى الفرد في نظام العشيرة، إذًا، إشارةً واضحة تجسد حريته، ويجد في

الوقت نفسه علاماتٍ تُظهر له بجلاءٍ انعدام حريته وفردانيته فيها. ثالثًا، التقوى. ينبني الإسلام مبدئيًا على علاقة وطيدة مع سلطةٍ خارجية متعالية تتأسس على الخضوع

ولاانقياد لها، غير أنّ المسلمين لم يتبادر ذلك إلى خلدهم، ليعيشوا التقوى باعتبارها "استجابة لنداء موجّه

إلى الجزء الأسمى في الإنسان، وهو العقل لكي يتغلب على الجزء الأدنى، أي على النفس الشّهوانية". إنّ التقوى حُبلى بعدة معانٍ مُضمرة، ولعلّ أهمها القيمة لااعتبارية التي تمنحها العشيرة للرجل المتقي،

حيث "ينال رضاها التام ويتّسع مجال تأثيره في المجتمع، وهذا يعطيه صلاحيات أكبر في التصرف". رابعًا، تجربة التصوّف. يعتبر التصوف من التجارب الملهمة التي لها تأثير في التراث العربي الإسلامي،

وقد حملت في كنفها هذه التجربة تمثلات قوية للحرية التي تتجلى أساسًا في لاانعزال عن الحياة

لااعتيادية، ورسم ملامح حياة جديدة لم يعهدها الآخرون، كما أنّ هذا لاانزواء يمنح المتصوف إحساسًا

كبيرًا بالحرية الوجدانية، لأنّه يفعل ما يشاء من دون أغلال أو مراقبة من جهة معيّنة، ليرتقي إلى مرحلة

الزهد، وهي أقصى مراحل الحرية في نظره. وإجماالً، إنّ التصوف بوصفه تجربة فردية خالصة يتصور "الحرية المطلقة بعد لاانسلاخ عن كل المؤثرات الخارجية الطبيعية ولااجتماعية والنفسانية". هكذا، إذًا، حضر مفهوم الحرية في المخيال العربي عبر أربعة تصورات أساسية اقتربت من فهم الحرية ولم تصل إليها بوصفها مفهومًا، وظلّت طوبى من دون أن تتحقق واقعيًا. نعتقد أنّ نظرية السيد حول مفهوم الحرية تنطلق من فرضية أساسية هي التنديد ب لااستبداد الذي ينخر البلاد العربية عامةً، ومصر على وجه التحديد، عبر رفع شعار الحرية والمطالبة بتحقيقها واقعيًا في

الدولة المصرية، باعتبارها الوحيدة الكفيلة باستعادة حقوقهم المهضومة بحيف ظاهر. يقول السيد في هذا الصدد: "إنّ الحكومة – حكومة الفرد – تستمدّ وجودها من عبادة البَسالة والغلبة ولااستبداد، وأزيد

هنا أنّ الفرد من أبناء الأمة في ظلّ هذه الحكومة، ليست له حياة ظاهرة ولاا شرف معترف به إلاا بالإضافة

(1((المرجع نفسه، ص.25 (1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه. 1(((المرجع نفسه،.28 ص (1((المرجع نفسه. (2((المرجع نفسه.

لشخصٍ حاكم ". في حين أنّ نظرية الحرية عند العروي ترتكز على السعي إلى توطين المفهوم في الرقعة العربية، بوصفه مقوّمًا أساسيًا من مقومات الحداثة التي شكّلت أسّ مشروعه الفكري، وقد بيّن

قصور المفهوم لدى العرب القدامى على الرغم من أنّه حضر جزئيًا في كتاباتهم أحيانًا، وحينة أخرى

ظهر على نحو ملتبس ويُجافي معناه الحقيقي. فضلً عن أنّ العروي، على خلاف السيد، لم يُسرف

في تشريح ملامح لااستبداد خلال سرده للتحول الذي شهده مفهوم الحرية، ربما لأنّه يعلم جيدًا أنّ الحديث عن هذا المفهوم وتمجيده هو نقدٌ واضح للاستبداد وأسسه. استعمل السيد عُدّةً مفاهيمية شكّلت نظريته حول الحرية: نجد أُولااها إسهابه في الحديث عن الترادف

القائم بين الحرية التي تفضي تلقائيًا إلى التحلّي بصفة الإنسانية، ومن ثم تستمر الحياة في شكلها

الطبيعي. ثانيًا، مناهضة لااستبداد الذي نخر المجتمعات العربية كما تنخر الدودة ورق العنب، وقد

رفضه رفضًا قاطعًا باعتباره أسوأ نظامٍ يكبح الحرية ويقيدها، وقد اعتقد اعتقادًا راسخًا أنّ لااستبداد

إذا "ارتفع منسوبه إلّ وأصيبت الأمّة بالضعف والوهن". ثالثًا، "سلطة الأمة" التي لها صلاحيات

واسعة في النص الدستوري وتتدخل في الشؤون السياسية بكلّ جسارة من دون أن يجتاحها دبيب الخوف. رابعًا هاجس لااستقلال ولاانعتاق من المحتلّ البريطاني الغاشم. معلومٌ أنّ كل كاتب أو مفكّر

لاا يخرج في كتاباته عن واقعه، لأنّه محكوم بالسياق الذي يعيش فيه، ويكتب ما يلاحظه، ويحاول، قدر

الإمكان، تقديم حلولٍ لتجاوز المعضلات التي يتحمّل مجتمعه عبئها الكبير، وهذا ينطبق، إلى حدّ ما،

على كتابات السيد الذي ما فتئ يُنظّر ويطالب ب لااستقلال عن لااحتلال البريطاني الذي ظلّ في مصر

ما يربو على أربعة عقود. يقول السيد في هذا الباب: "نظلم أنفسنا جدًا إذا نحن اعترفنا بأنّ الإنكليز

من سنة 1887 قد عملوا في البلاد عملً يدلّ على أنّ لهذا لااحتلال آخِرًا ينتهي إليه [...] لسنا نطالب

لااعتراف باستقلال حكومتنا المصرية لأن استقلالها ثابت معترف به مؤيد بالمعاهدات الدولية التي

صدرت بناءً عليها. ولكن الذي نطالب به هو استرداد حقوق الأمة الطبيعية، أو بعبارةٍ أخرى استقلال

الأمّة المصرية بأن تكون لها في بلاد مصر كل السلطة التشريعية". ارتأينا في هذه الدراسة، كما أشرتُ سلفًا، تعقّب سؤال الحرية في متن السيد والعروي، ولاا سيّما أنّ

السيد يحتلّ منزلة كبيرة في متن هذا الأخير، وما ينمّ عن ذلك هو وصفه ب "الممثل الأكمل للوعي

السياسي" في الثقافة العربية المعاصرة.

ثانيًا: عبد الله العروي: الحرية بوصفها مقوّمًا للتحديث

يتمتّع العروي بمنزلة معتبرة في الخريطة الثقافية العربية، نظرًا إلى إسهاماته الفكرية والأدبية القمينة

ب لااهتمام. ويُعتبر سؤال الحداثة أسّ مشروعه الفكري، بدءًا من كتابه العُمدة الأيديولوجيا العربية

2(((السيد، قصة حياتي، ص.49 2(((أحمد لطفي السيد، صفحات مطوية من تاريخ الحركات الاستقلالية في مصر (القاهرة: [د. ن].، 1946)، ص 148 (مع بعض التصرف.) 2(((المرجع نفسه، ص.149 2(((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.56

المعاصرة (1967) وصوالً إلى كتابه الأخير بين الفلسفة والتاريخ (2020). ويمكن القول، إذا جاز التعبير، إنّ الخيط الجامع بين جميع مؤلفاته هو هاجس الحداثة، الذي حضر بقوة في نصوصه، وقد بدأ في رصدها وتعقّبها انطلاقًا من إشكالية تُعدّ من أكثر الإشكاليات المؤرقة، لأنّها استحوذت على مساحة واسعة من السج لاات الفكرية التي خاضها المفكرون العرب منذ منتصف القرن التاسع عشر، بعد الصدمة التي تلقّاها العرب من خلال حملة نابليون بونابرت Bonaparte Napoléon –1769(1821) العسكرية على مصر في الفترة 1801–1798، إلى حد الآن؛ وأعني: لماذا تأخر العرب عن ركب الحداثة؟ أو بصيغة أخرى: كيف ننهض؟ إنّ هذا السؤال الكبير، الذي حاول إصلاحيو القرن التاسع عشر ومن تلاهم الإجابة عنه، طُرح بعدما اصطدم العرب بالغرب الأوروبي في الحملات العسكرية التي قادها نابليون بونابرت، الذي كان مجرّد نموذجٍ للضفة الأخرى المتسمة بالتنظيم والقوة والتماسك،

والمتمتّعة بقوّة صناعية، وكانت تعيش أزهى فتراتها التاريخية ثقافيًا. تفاجأ العرب حينها "بدول أخرى

ترعرعت في الضفة الأخرى من المتوسّط، ذات تنظيم مُحكم، وجيوش في غاية التنظيم، وأسلحة

استعين في صناعتها بأحدث طرق العلم، وإدارات ذات نفسٍ بيروقراطي وبتعليمٍ عصري... إلخ".

كل هذه المؤشرات أحدثت رجة كبيرة لدى العرب، ليكتشفوا ضعفهم وتأخرهم التاريخي، ويحاولوا جادّين السير على خطى نظرائهم من خلال تحقيق نهضة عربية شبيهة بالنهضة الأوروبية. حاول كل مفكر أو باحث الإجابة عن هذا السؤال المربك من منظوره الخاص، وذلك داخل مشروع إصلاحي يروم تحقيق النهضة وتجاوز التأخر. سعى العروي إلى تشييد مشروع يرنو إلى تقديم رؤية إصلاحية لتجاوز "التأخر التاريخي"، وتثبيت مداميك الحداثة في الساحة العربية، وعمل على إبراز العوائق الأساسية التي أسهمت في عدم تحقق الحداثة التي تشكلت ملامحها في الساحة الأوروبية بدايةً من القرن السادس عشر عبر مجموعة من التحولاات النوعية والجادة التي أثارت حمأةً وضجيجًا،

وتتمثل في إصلاح ديني واكتشافات علمية وثورة ثقافية وإحياء للتراث اليوناني والروماني وثورة سياسية... إلخ، إلى فترة الوعي بها خلال القرن الثامن عشر. عمل العروي في مشروعه الفكري كذلك على تقديم سلسلة من المفاهيم التي اعتبرها أنّها تُشكل "فصوالً

من مؤلفٍ واحد حول مفهوم الحداثة". إنّ هذه المفاهيم (الأيديولوجيا، والتاريخ، والدولة، والحرية، والعقل) هي التي كوّنت منظومة الحداثة لدى الغرب، وقد تعامل معها بتقنية فريدة تتمثل في مساءلة كل

مفهوم، أو على الأقل تمثلّاته الأولى، في التراث العربي الإسلامي، وإقحامه في علاقة سجالية مع المفهوم كما ابتدعته البيئة الغربية. والطريقة نفسها تعامل بها مع مفهوم الحرية عندما تقفّى مدى حضوره لدى القدماء العرب، وقدّم ملامحه أو كما تصوروه في زمنهم، وقارنه بالمفهوم في صيغته الحديثة لدى الغرب. اتّسمت الحرية في الثقافة العربية الإسلامية بعدة تسميات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياقات التي جاءت فيها، لأنّ العرب تداولوا ألفاظًا من قبيل: لااستقلال ولاانعتاق والتحرر... إلخ، باعتبارها مرادفات

2(((أنطوان سيف و[آخرون]، هكذا تكلّم عبدالله العروي (بيروت: منتدى المعارف، 2015)، ص.268 (2((عبد  الله العروي، مفهوم العقل (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص.14

حقيقية للحرية بوصفها مفهومًا، واستعملت هذه الألفاظ بوفرة خلال القرنين المنصرمين. كلّ مفردة

تحيل على دافع معيّن هو الذي أدّى إلى رفعها والتشدّق بها؛ إمّا أن يكون سياسيًا أو اجتماعيًا أو

اقتصاديًا... إلخ. إنّ لااعتقاد أنّ هذه الألفاظ تقترن بمفهوم الحرية هو اعتقاد خاطئ، ومردّ ذلك أنّ هذا

الأخير زحف بخطى وئيدة نحو المجتمعات العربية بعدما طالب "الأوروبيون رؤساء الإسلام بتوفير حرية لفائدة الأقليات، حرية التعليم، حرية التجارة والتنقل. وأكّد الأوروبيون في هذا الصدد أنّ الحرية هي سبب تقدّمهم وعظمتهم ورقيّهم". قد يتساءلُ القارئ في هذا الصدد: كيف تصوّر العرب الحرية

في الماضي؟ وما الأسباب التي أدّت إلى لااكتشاف المتأخر لمفهوم الحرية عند العرب؟ تقتضي محاولة إبراز المعنى الذي حضر عند العرب بخصوص مفهوم الحرية البحث عن جذوره الأولى في المعاجم اللغوية المعروفة، ولعل أبرزها لسان العرب، الذي نقرأ فيه: "الحُرّ نقيض العبد،

والجمع أحرارٌ وحِرارٌ [...] وحرّره بمعنى أعتقه [...] والحرّ من الناس: أخيارهم وأفاضلهم". يُتبيّن

من هذا التعريف أنّ الحرية كانت مقترنة بمسألتين: الأولى، دينية وأخلاقية عبر فكّ الرقاب وتحريرها ومنحها حقها الطبيعي، والثانية، تتجلّى في الحظوة لااجتماعية التي يسعد بها الإنسان الحرّ في

المجتمع العربي الإسلامي التقليدي. لم يولِ السيد أيّ اهتمام لأصول الثقافية والفكرية لمفهوم الحرية في الثقافة العربية الإسلامية، بل

غاص في التنظير للمفهوم في صبغته الحديثة اللصيقة بالليبرالية، ولم ينبش في مكانة المفهوم، ولم يُبرز مدى حضوره لدى العرب في مختلف الحقب الزمنية؛ لأنّ الواقع المتّسم بطغيان لااستبداد، وفشو

المحتل البريطاني، وتقهقر بنية المجتمع، وتراجع الحقل الثقافي، كل هذه التفاصيل أَنست السيد جذور المفهوم، في حين أنّ العروي لم يهمل صرامته المنهجية فأبى إلاا أن يبيّن بالدرس والتحليل

المراحل التي مرّ بها المفهوم في الذهنيّة العربية. قدّم العروي جملة أسباب أسهمت في تطور فكرة الحرية في الذهنيّة العربية خلال القرنين الثامن عشر

والتاسع عشر، أوجزها في: أفول اللادولة القائمة على "الحنطة (الحرفة) والزاوية والأسرة"، وتأسيس الدولة، ثم اندثار مجتمعات البداوة، ف لاانتقال إلى المجتمعات المتسمة بالتحضر، ليصير نظام العشيرة واهنًا ومختلً، ولهذا "لم تعُد هذه الأخيرة تستطيع حماية أعضائها"، ثم تهميش المجتمع للتصوف

والمتشبّعين به، وتضاءلت العادات والأعراف واستُبدلت بالقوانين الوضعية، "وانتقل وعي الفرد من

الإحساس بحضور الذّات عبر لاانسلاخ عن العشيرة ومواجهة الدولة"، إلى الإحساس بقيمة ذاته من خلال حضوره "كعضو فعّال في العائلة والدّولة، حيث إنّه يعي قيمة ذاته بقدر ما يعي قيمة مشاركته

2(((العروي، مفهوم الحرية، ص.13 (2((أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن  منظور، لسان العرب، تحقيق عبد  الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، مج 1 (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص 830–829 (مع بعض التصرف.) 2(((العروي، مفهوم الحرية، ص.40 3(((المرجع نفسه، ص.37 (3((المرجع نفسه، ص 38 (بتصرف.)

في حياة الجماعة". بدأت فكرة الحرية تنتشر، ولقيت تفاعلً واسعًا في صفوف المفكرين والباحثين العرب بعد التخلي عن التصوّرات القديمة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ووُظف ت الحرية

شعارًا رسميًا "لتحرير الصانع من لااحتكارات، والمرأة من العادات البالية والتلميذ من المناهج التعليمية

القديمة، والذهن من الخرافات"، ولاانعتاق من لااحتلال العثماني، لتصير من أكثر المفاهيم ذيوعًا واستعماالً وقتذاك، بعد هذا التحول ستتسلّل الليبرالية الغربية إلى المجتمع العربي وسيعتنقها جيل من المفكرين العرب، وعلى رأسهم: أحمد لطفي السيد، وطه حسين (1973–1889)، وحسين هيكل (1956–1888)، وطاهر حدّاد (1935–1899)... إلخ. إنّ الليبرالية، بحسب العروي، هي "المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان. لاا وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي تطمع في شيء سوى وصف النّشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه". شهدت الليبرالية، باعتبارها منظومة تؤمن إيمانًا قويًا بأنّ "الفرد هو أصل المجتمع،

والحرية هي حقّه الطبيعي والبديهي"، عدّة تحولاات جذرية قبل وصولها إلى العرب، وقد مرّت من مرحلة

التكوين والنمو، ثم تشييدها لعِلمَي لااقتصاد والسياسة، إلى أن بلغت مرحلة لااستقلال بعدما  "نزعت من

أصولها كلّ فكرةٍ تنتمي إلى الديمقراطية بعد أن أظهرت تجربة الثورة الفرنسية أنّ الليبرالية قد تنقلب عند التطبيق إلى عناصر معادية لها"، واتّسمت في الأخير باستحالة تحقّقها نظرًا إلى شروطها ومتطلباتها

الكبيرة التي تعجز بعض المجتمعات عن توفيرها مسبقًا. نبّه العروي في هذا الصدد على مسألة جوهرية،

هي أنّ العرب تعرّفوا إلى منظومة الليبرالية بعد نضجها واكتمالها وهي تحمل حصيلة التجارب السابقة

المتمثلة أساسًا في: ليبرالية عصر النّهضة المتّصفة بالإنسيّة، ثم ليبرالية عصر التنوير خلال القرن الثامن

عشر، وبعدها ليبرالية القرن التاسع عشر مع ألكسيس دي توكفيل Tocqueville de Alexis)1859–1805(التي أفرزت مفهوم "المبادرة الخلّقة"، ثم في الأخير ليبرالية القرن العشرين. قدّم العروي في كتابه مفهوم الحرية الفيلسوف جون ستيوارت مِل Mill Stuart John (1873–1806)، الذي كان له بالغ الأثر في الفكر السياسي العربي من خلال كتابه في الحرية، حيث يرى أنّ الحرية هي الأصل الحقيقي لليبرالية. وعلى الرغم من أنّها أسّ الليبرالية، فإنها بعد القرن الثامن عشر لم تعُد

لها القدرة على التدخل في "المشكلات لااجتماعية وحلّها". وبما أنّ مِ ل أثّر في المفكرين العرب بنظريته حول الحرية، فقد بحث العروي عن موقفه تجاه الإسلام بخصوص الحرية، ليستنتج أنه رأى أنّ "المجتمع الإسلامي غير ليبرالي ليس فقط في نظام الحكم الذي كان فرديًا واستبداديًا، بل في النّظام

لااجتماعي المؤسّس على الإجماع في الرّأي وعلى تحريم النّقد والنقاش المفتوح [...] إنّ الإسلام

(3((المرجع نفسه، ص.39 (3((المرجع نفسه، ص.41 (3((المرجع نفسه، ص 49 (3((المرجع نفسه، ص.61 (3((المرجع نفسه، ص.50–49 (3((المرجع نفسه، ص.69

مخالف لأصول المجتمع الليبرالي". لقد بنى مِل رأيه تجاه الإسلام عبر نقطتين أساسيتين: الأولى، هيمنة الحكم لااستبدادي في الرقعة العربية، وهذا يعني انعدام الحريات وهضم الحقوق. والثانية، التفكير النّقدي الذي من شأنه أن يمكّن الشّخص من تحليل وتفكيك الخطابات والمعارف التي يتلقّاها

ويتعامل معها بمسافة موضوعية. وبما  أنّ هاتين النقطتين غائبتان، فبديهي أن يراه مِل مخالفًا للقواعد التي تأسّس عليها المجتمع الليبرالي في أوروبا. يُخبرنا العروي بالعلاقة الوشيجة التي تجمع بين التاريخ والحرية في سياق حديثه عن المنهج الذي اتخذه نواةً في مشروعه الفكري؛ وأقصد التاريخانية التي تؤمن إيمانًا شديدًا بأنّ التاريخ هو الذي يجعل من الإنسان حاملً لصفة الإنسانية، ليس رصدًا لأحداث التاريخية أو نبشًا في الأرشيف وعن الشواهد المخلّفة التي تعاقبت عليها نوائب الدّهر، بل إنّها "اعتبار التاريخ والوعي به". وقد ظهر التاريخ في البداية عبارة عن مرويات شفهية متوارثة على شكل أخبار، قبل أن يتحول إلى "صناعة، ثم كمنهج، ثم كشعور حاد بتاريخية وحريّة الإنسان". يُفهم من هذا القول أنّ التاريخ تحوّل إلى مساهم فعّال يمكّن الإنسان من إدراك حريته

والوعي بها، وهذا ما  يؤكده العروي في مفهوم التاريخحينما  قال: "التاريخ مدرسة الحرية لأننا نتعلّم من أخطاء ومحاولاات من سبقنا ما  يُنير لنا سُبل الحرية ولاانعتاق. المؤرّخ يستخلص العِبرة من الماضي يعرفُ

بالضبط من كان على صواب ومن كان على خطأ، يقينًا منه أنّ للتاريخ غايةً هي الحرية".

على سبيل الختم

قد يتساءل المتلقي عن أسباب فشل المشروع الليبرالي في الساحة العربية على الرغم من تشبّع زُمرة من

أساطين الفكر العربي به، وفي مقدمتهم أحمد لطفي السيد. والسبب وراء هذا الفشل يتجلى، بحسب العروي، في ثلاثة أخطاء وقعوا فيها، الأول أنّ الليبراليين العرب "كانوا يعيشون ظروف القرن الثامن عشر وهم يعاصرون ظروف القرن التاسع عشر، فنتج عن ذلك عدم استيعاب الليبرالية في مسارها التاريخي، ولم يستطيعوا أن يُميزوا بين مراحل الليبرالية [...] وأن يُفرق وا بين الجذور الثابتة والأصول القارّة وبين الصورة

الظّرفية التي تلبّست بها الليبرالية في القرن التاسع عشر [...] ولم يجروا فحصًا نقديًا للمنظومات الليبرالية

بالمعنى الفلسفي". الثاني يتمظهر في أنّ الليبرالية العربية "لم تكن أبدًا وفيةً لأصولها الحقّة، لكن العرب عاشوا عهدًا ليبراليًا حقيقيًا طويلً، أوّلوا أثناءه أفكارًا غير ليبرالية تأويلً ليبراليًا، وهكذا فعلوا بالتراث العربي

الإسلامي وبالمذهب الماركسي وبالمدرسة الوجودية". والثالث أنّ العرب اكتفوا باتخاذهم الحريّة شعارًا فحسب. وصفوة القول: إنّ العروي يرى أنّ السيد، زعيم الليبرالية في المجتمع العربي، يروم تحقيق

(3((المرجع نفسه، ص.60–59 (3((عبد  الله العروي، مفهوم التاريخ (الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص.357 (4((المرجع نفسه، ص.366 (4((المرجع نفسه، ص.44 4(((العروي، مفهوم الحرية، ص.68 (4((المرجع نفسه، ص.70

"إصلاح سياسي يُحيل إلى وطنية محلية – مصرية". وهذه غاية نبيلة، إلّ أنه أخطأ، في نظر العروي،

لأنّه لم يدرك أنّ الليبرالية عند الغرب عرفت اتجاهين: اتجاهًا صلبًا ومنعشًا، والآخر ضامرًا. وبما أنّه تأثر

ب لااتجاه الثاني فإنّ "أسلوبه (سيكون) باهتًا وتصرفه في حياته العامّة والخاصّة متهافتًا". إنّ ما يسترعي لاانتباه بعد مطالعة رأي الرّجلين حول مفهوم الحرية، على الرغم من تنائيهما الواضح،

هو أنّهما ظلّ محكومَين بالهاجس نفسه: أي التأخر التاريخي، على الرغم من اختلاف خصوصية كل

بيئة. ولقد بقي الأمل ينتابهما ب لاانعتاق من دوامة هذا التأخر. قد يظهر للمتلقي تنابذ بارز في الحزمة

المفاهيمية المعتمدة لدى كلّ واحد منهما  (سلطة الأمة مثلً عند السيد)، وتباين متراءٍ في المنهج المتبع، واختلاف ظاهر في المشارب الفكرية، والمرامي التي تغيّاها كلٌّ منهما، إلّ أنّ قلق التأخر

هو نواة ما كَتبا. ولعل ما يزكّي هذا الزعم، إلى حدٍّ ما، هو ما  أكّد عليه صاحب كتاب مفهوم الحرية

في الفكر العربي الحديث: "إنّ فكرنا السياسي المُستند على مبادئ الحرية والديمقراطية قد استطاع

بفضل المفكرين العرب البارزين في تلك المرحلة أن يشقّ طريقه مخترقًا كلّ الصعاب، من حالة إلى

حالة أفضل، فمهّد بذلك الطريق لأمة العربية، نحو حياة متقدمة ومستقرة ومتطورة، قد شكّل القاعدة

الأساسية والمنطلق الحقيقي لفكرنا السياسيّ المعاصر". ربما أغفل العروي، في سياق نقده ليبرالية لطفي السيد، مسألةً جوهرية هي أن نصوص هذا الأخير والتأويلات التي توصّل إليها والنتائج التي استشفّها يجب أن تُقرأ في السياق الذي أسهم في إنتاجها؛

ولعلّ هذا السياق قد اتّسم بوطأة محتلّ غاشم سلب عقول المفكرين، واستحوذ على تفكيرهم، كما شرذم لااستبداد المتغلغل وطنهم، وهذا ما جعل السيد يرنو إلى الحرية في شكلها المعاصر مستندًا

إلى واقعه. فإذا كان العروي قد قام بمراجعة نقديّة وحصيفة للتمثلّات الأولى لمفهوم الحرية لدى العرب

القدامى، فإنّ السيد أهمل كل ذلك وركّز على إيجاد حلول ناجعة وسريعة لتحقيق الحرية في الواقع المصري المأزوم. ولقد تغيّا السيد من خلال كتاباته تحقيق إصلاح سياسي في الرقعة المصرية، وهو

بذلك يستحقّ وافر الإشادة، لأنّ نجاح هذا الإصلاح سيفضي حتمًا إلى ذيوعه في الأقطار المجاورة،

وسيتّخذ نموذجًا قويًا لبقية الدول للسعي وراء التقدم ولاازدهار المنشودَين منذ عصر النّهضة في بداية

القرن التاسع عشر. وتزكيةً لهذا الطرح، لاا  عجب أن نجد مِل بحسبانه رائدًا بارزًا في الدعوة إلى الحرية

في الضفة الأخرى، في كتابه الحرية، يتحدث طوال الصفحات الأولى عن معضلة لااستبداد واستلابه المجحف لقيم الحرية، وتغييبه الواضح للاستقلالية الفردية في المجتمعات المضطهدة سياسيًا، وكيف

يعرقل تقدّم المجتمعات، فالهاجس نفسه تقريبًا سكن ذهن السيد وأبى أن يبرحه. ينطلق العروي من مهاجمة التقليد لمعانقة الحداثة، والسير في الطريق الذي سار فيه الغرب بعدما عاصر الأخير تحولاات جذرية ونوعية سمتها الجِدّة ابتداءً من القرن السادس عشر تمثلت في الإصلاح

(4((عبد  الله العروي، بين الفلسفة والتاريخ، ترجمة عبد  السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب، 2020)، ص.119 4(((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.57 4(((سليم ناصر بركات، مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث (دمشق: دار  دمشق، 1984)، ص.473 4(((ينظر: جون ستيوارت ميل، الحرية، ترجمة طه السباعي (القاهرة: مطبعة الشعب، 1922)، ص.23–21

الديني، ولااكتشافات العلمية، والحداثة السياسية، ومسّت مختلف مناحي الحياة: لااقتصاد والسياسة

والثقافة ولااجتماع. يبتغي العروي أن تعيش المنطقة العربية المسار نفسه حتى تتمكن من لاالتحاق بركب الحداثة، أمّا السيد المسكون بالوضع المصري المنخور ب لااستبداد ولااحتلال، فلم يجد الشروط

نفسها متوافرةً لقطع المسار نفسه، لذلك ارتأى بذل قصارى جهده لتحقيق إصلاح سياسي محليّ يمكّن

مصر من استعادة استقلالها وحريتها، لأنّ تحقيق الحرية، في نظره، شرط أساسي سيختصر الطريق أمام باقي الإصلاحات التي ستشمل لااقتصاد والفكر والمجتمع. إذا كان العروي يفكّك الحرية ويتصدى لهذا المفهوم تحليلً ونقدًا، فذلك راجع إلى كونه أدرك أنّه قطعة أساسية من الحداثة، التي لاا يمكن أن تتحقّق في غياب الحرية، في حين أن السيد ينطلق من فكرة أنّ الحرية حقٌّ طبيعي في المقام الأول، ولاا يمكن التنازل عنها في جميع الأحوال والظروف. وجدير بالذّكر أنّ السيد حظي بتكوين سياسي واقعي أسهم به في تأسيس حزب سياسي مرموق في مصر، من دون أن نغفل التأثير الواضح الذي لحق تفكيره بعد أن تتلمذ على يد محمد عبده الذي يعدّ النموذج الأبرز للاتجاه المتشبث بما خلّفه المسلمون (الشّيخ)، وبذلك أكّد (عبده) أنّ سبب تخلّف المسلمين، وهنا أهمل العرب غير المسلمين، هو تخلّيهم عما جاءت به الشريعة، وما خلّفه السلف الصالح. وتأسيسًا على ما سبق، أعتقد أنّ

المقارنة بينهما  ستكون ظالمة إذا لم نستحضر السياق الذي عاش فيه كلّ واحدٍ منهما، والهموم التي تخامرهما وتستبدّ بهما، إضافةً إلى الخلفية الفكرية التي ينطلق منها كلٌّ منهما.

References

المراجع

بركات، سليم ناصر. مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث. دمشق: دار  دمشق،.1984 السيد، أحمد لطفي. صفحات مطوية من تاريخ الحركات الاستقلالية في مصر. القاهرة: [د. ن.]، ______. مبادئ في السياسة والأدب والاجتماع. القاهرة: دار  الهلال،.1963 ______. قصة حياتي. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2013 سيف، أنطوان و[آخرون]. هكذا تكلّم عبد الله العروي. بيروت: منتدى المعارف،.2015 العروي، عبد  الله. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1995 ________. مفهوم العقل. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1997 ________. مفهوم التاريخ. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2005 ________. مفهوم الحرية. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2008 ________. نقد المفاهيم. الدار  البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2018 ________. بين الفلسفة والتاريخ. ترجمة عبد  السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي للكتاب،.2020 العقاد، عباس محمود. رجالٌ عرفتهم. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2014 ميل، جون ستيوارت. الحرية. ترجمة طه السباعي. القاهرة: مطبعة الشعب،.1922