الفلسفة الأخلاقية الحديثة
Modern Moral Philosophy Elizabeth Anscombe
الملخّص
هذا النص للفيلسوفة البريطانية إليزابيث آنسكوم التي تولّت مناصب في جامعتَي أكسفورد وكامبريدج، واشتهرت بعملها في فلسفة الذهن وتحريراتها وترجماتها لأعمال فتغنشتاين المتأخّرة. درست الفلسفة مع فتغنشتاين وارتبطت به ارتباطًا وثيقًا. أول أعمالها الأساسية هو القصد Intention (1957)، حيث تجادل بأن مفهوم القصد مركزي لفهمنا أنفسنا بوصفنا فاعلين عاقلين. وفي هذه الدراسة، تنتقد آنسكوم تمييز هيوم بين "يكون" و"ينبغي"، وتجادل بأن إقرارات "ينبغي" لا تحمل معنى إلا في سياق لاهوت أخلاقي يؤسّس للأخلاق في أوامر إلهية. ولأن الثقافة الغربية المعاصرة تنكر هذا النوع من اللاهوت، عجز فلاسفة الأخلاق الحديثون عن العثور على قدر كبير من المعنى في هذه الإقرارات؛ ما يُلزمنا بالعودة إلى تصوّرات أسبق في العقلانية العملية والفضيلة. وتنطوي الورقة على ثلاث أطروحات: أولها أنه لا جدوى من الاشتغال بفلسفة الأخلاق ما لم تكن لدينا فلسفة علم نفس ملائمة، وثانيها أنه ينبغي لنا التخلّي عن مفاهيم الإلزام والواجب والصائب أخلاقيًا والخاطئ أخلاقيًا، وثالثها أن الفروق بين المؤلّفين الإنكليز المعروفين في الفلسفة الأخلاقية من سيدغويك إلى يومنا هذا لا تكاد تحوز أي أهمية.
Abstract
Abstract: This article is by Elizabeth Anscombe, an English philosopher who taught at both Oxford and Cambridge, best known for her work in the philosophy of mind and for her editions and translations of Wittgensteinʼs later writings. Anscombe studied philosophy with Wittgenstein and became closely associated with him. Her first major work, Intention (1957), argues that the concept of intention is central to our understanding of ourselves as rational agents. In this
- قصد
- واقعة خام
- العاقبية
- فضيلة
- واجب
- خاطئ
- Intention
- Brute Fact
- Consequentialism
- Virtue
- Duty
- Ought
*** Modern Moral Philosophy
المتأخّرة. درست الفلسفة مع فتغنشتاين وارتبطت به ارتباطًا وثيقًا. أول أعمالها الأساسية هو القصد Intention (1957)، حيث تجادل بأن مفهوم القصد مركزي لفهمنا أنفسنا بوصفنا فاعلين عاقلين. وفي هذه الدراسة، تنتقد آنسكوم تمييز هيوم بين "يكون" و"ينبغي"، وتجادل بأن إقرارات "ينبغي" لاا تحمل معنى إلاا في سياق لااهوت أخ قااي يؤسّس لأخ ق في أوامر إلهية. ولأن
الثقافة الغربية المعاصرة تنكر هذا النوع من اللاهوت، عجز فلاسفة الأخلاق الحديثون عن العثور على قدر كبير من المعنى في هذه الإقرارات؛ ما يُلزمنا بالعودة إلى تصوّرات أسبق في العقلانية
العملية والفضيلة. وتنطوي الورقة على ثلاث أطروحات: أولها أنه لاا جدوى من لااشتغال بفلسفة الأخلاق ما لم تكن لدينا فلسفة علم نفس ملائمة، وثانيها أنه ينبغي لنا التخلّي عن مفاهيم الإلزام
والواجب والصائب أخلاقيًا والخاطئ أخلاقيًا، وثالثها أن الفروق بين المؤلّفين الإنكليز المعروفين
في الفلسفة الأخلاقية من سيدغويك إلى يومنا هذا لاا تكاد تحوز أي أهمية.
British Analytic Philosopher who wrote on the Philosophy of Mind, Philosophy of Action, Philosophical Logic, Philosophy of Language, and Ethics.
Professor of Philosophy at the University of Benghazi, Libya elhassadii@hotmail.com
no. 124 (January 1958), pp. 1–16.
paper, she argues that "Ought" statements make sense only in the context of a moral theology that grounds morality in divine commands. Since Western culture rejects this theology, it is no surprise that "modern moral philosophers" cannot find much sense in them, and they should be thus abandoned in favour of a return to older conceptions of practical rationality and virtue. Anscombe presents three theses: practicing moral philosophy is useless without an adequate philosophy of psychology; moral philosophers should abandon concepts such as obligation, duty, morally right, and morally wrong; and there are no important differences between the well–known English moral philosophers from Sidgwick onward.
سوف أبدأ بإقرار ثلاث أطروحات أعرضها في هذه الدراسة. الأولى أنه لاا فائدة مرجوّة في
الوقت الراهن من لااشتغال بفلسفة الأخلاق، وأنه لزامٌ علينا اطّراحها جانبًا إلى أن تكون لدينا
فلسفة علم نفس ملائمة، يستبين أننا نحتاج إليها. والثانية أنه ينبغي لنا التخلّي عن مفهومَي الإلزام
والواجب – أي الإلزام الأخلاقي والواجب الأخلاقي – ومفهومي الصائب والخاطئ أخلاقيًا، ومفهوم
المعنى الأخلاقي ل "ينبغي"، إذا أمكن هذا على المستوى النفسي؛ ذلك أنها بواقٍ أو مشتقاتٌ من بواقي تصوّرٍ أسبق في الإثيقا عفّى عليه الزمن، وهي ضارة في غيابه. وأطروحتي الثالثة هي أن الفروق
بين المؤلّفين الإنكليز المعروفين في الفلسفة الأخلاقية، من هنري سيدغويك Sidgwick Henry (1900–1838) إلى يومنا هذا، لاا تكاد تحوز أي أهمية. محتّم على كل من قرأ كتاب أرسطاطاليس Aristotle (384 ق.م 322–. ق.م.) علم الأخلاق Ethics، وقرأ أيضًا الفلسفة الأخلاقية الحديثة، أن يكون قد فوجئ بالتقابلات الكبيرة بينهما. المفاهيم البارزة لدى المحدثين تبدو عند أرسطو مفتقدة، أو على الأقلّ مدفونة أو مُقصاة في الخلفية. وأكثر ما يلفت
النظر هو أن مصطلح "أخلاقي" نفسه، الذي ورثناه مباشرة من أرسطو، لاا يبدو أنه قابل لأن يُدمج،
بمعناه الحديث، في تصوّر للإثيقا الأرسطية. فهل بعض مما يسميه بالفضائل "الفكرية" هي ما يجب
علينا وصفه بالجانب "الأخلاقي"؟ يبدو ذلك كذلك؛ حيث يُفترض أن المعيار هو أن الفشل في التحلّي
بفضيلة "فكرية" – فضيلة التقدير الجيد في حساب كيفية الحصول على شيء مفيد، في المجلس البلدي مثلً – قد يكون جديرًا باللوم. ولكن – إذ لنا أن نتساءل – أليس كلُّ فشل موضعَ لوم أو عتاب؟
ذلك أنه يمكن اعتبار أي نقد قدحي، على سبيل المثال، لنتاج آلة أو لتصميمها، لومًا أو عتابًا. وهكذا
فإننا نرغب في استخدام كلمة "أخلاقي" ثانية: فأحيانًا يكون مثل هذا الفشل جديرًا باللوم الأخلاقي،
وأحيانًا أخرى لاا يكون. فهل كان لدى أرسطو هذا الفهم للّوم الأخلاقي، في مقابل أي نوع آخر من اللّوم؟ وإذا كان لديه مثل هذا الفهم، فلماذا لم يحظ بموضع أكثر مركزية؟ إنه يقول إن هناك أخطاء لاا تشكّل أسبابًا لااإرادية لبعض الأفعال، بل أسبابًا لخسّتها، بما يجعل صاحبها جديرًا باللوم. فهل
يعني هذا أن هناك إلزامًا أخلاقيًا بعدم ارتكاب أخطاء فكرية بعينها؟ ولماذا لم يناقش الإلزام بوجه عام،
واقتصر على نقاش هذا الإلزام بوجه خاص؟ إذا صرّح شخص ما بأنه يشرح تصوّر أرسطو وتحدّث
بأسلوب حديث عن "أخلاقية" فعل ما، فلا بدّ أنه يفتقر إلى البصيرة إذا لم يشعر على نحو متواصل مثل
شخص انزاح فكّه عن مكانه: بما حال دون قدرته على القضم على نحوٍ مناسب. لاا ولهذا فإننا نستطيع أن نطلب العون من أرسطو في توضيح الأسلوب الحديث في نقاش الخيرية "الأخلاقية"، والإلزام الأخلاقي، وما إلى ذلك. ويبدو لي أن أشهر الكتّاب في الإثيقا في العصور
الحديثة، من جوزيف بتلر Butler Joseph (1752–1692) إلى جون ستيوارت مل Stuart John Mill (1873–1806)، ارتكبوا، بوصفهم مفكرين، أخطاء في هذا الموضوع، بما يحول دون الأمل في تسليطهم الضوء عليه. سوف أعرض هذه لااعتراضات بقدر الإيجاز الذي تسمح به طبيعتها. يشيد بتلر بالضمير، ولكن يبدو أنه يجهل أن ضمير الإنسان قد يحدّثه باقتراف أشنع الأعمال. ويعرّف ديفيد هيوم Hume David (1776–1711) "الصدق" على نحوٍ يستبعد الحكم الأخلاقي من
مكنة أن يكون صادقًا، ويصرّح بأنه أثبت أنه مستبعد على هذا النحو. وهو ببساطة يعرّف "العاطفة"
بما يجعلها تنتاب كل من يستهدف أي شيء. واعتراضه على لاانتقال من "يكون" إلى "ينبغي" يسري بالقدر نفسه على لاانتقال من "يكون" إلى "يدين" أو من "يكون" إلى "يحتاج" (ولكنه، بسبب الظرف التاريخي، محقّ هنا، وهذا أمر سوف أعود إليه). ويطرح إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) فكرة أن يشرّع المرء لنفسه، وهذا لاا يقلّ
منافاة للعقل عن أن يعتبر شخص ما في أيامنا هذه، حيث تحظى أصوات الأغلبية باحترام كبير، كل قرار مدروس يتّخذه فرد ما صوتًا يؤدّي إلى أغلبية، تعدّ من منظور تناسبي ساحقة، لأنها دائما 0–1.
إن مفهوم التشريع يتطلّب أن تكون لدى المشرّع سلطة عليا. واعتقادات كانط الصارمة بخصوص
موضوع الكذب مكثّفة إلى حدّ أنه لم يخطر بباله إطلاقًا أن الكذبة يمكن أن توصف بشكل متعلّق بأي وصف سوى أنها كذبة (أي "كذبة في ظروف بعينها"). والقاعدة التي يقول بها بخصوص مبادئ القابلية للتعميم ليست مجدية في غياب اشتراطات حول ما يعدّ وصفًا مهمًّا للفعل في ضوء تشكيل مبدأ حوله. ولم يلحظ جيريمي بنثام Bentham Jeremy (1832–1748) ومل الصعوبة التي تواجه مفهوم "اللذة". فغالبًا ما يقال إنهما ارتكبا خطأً من خلال الوقوع في "الأغلوطة الطبيعانية"؛ غير أن هذه التهمة لاا تثيرني
لأني لاا أجد تصوّرات اللذة متساوقة. وقد وجد القدماء أن هذا المفهوم محيّر تمامًا، فهو يجعل حديث
أرسطو مجرّد ثرثرة حول "حيوية الشباب"، لأنه أراد، لأسباب وجيهة، أن تكون اللذة متماهية وفي
الوقت نفسه مختلفة عن النشاط الممتع. ولم تجد أجيال من الفلاسفة الحديثين هذا المفهوم محيّرًا
إطلاقًا، وهو لم يعد إلى الظهور في الأدبيات في صورة مفهوم إشكالي إلاا منذ عام أو عامين، حين كتب فيه غلبرت رايل Ryle Gilbert (1976–1900). والسبب في هذا بسيط: منذ جون لوك John Locke (1704–1632) اعتُبرت اللذة نوعًا من لاانطباعات الداخلية. ولكن من السطحي، إذا كان هذا
هو التصوّر الصحيح للذة، أن نجعلها غاية الأفعال. ولنا أن نكيّف ما قاله لودفيغ فتغنشتاين Ludwig
Wittgenstein (1951–1889) عن "الدلاالة"، فنقول إنه لاا يصحّ أن تكون اللذة انطباعًا داخليًا، لأنه
ليس في قدرة أي انطباع داخلي أن ينتج العواقب التي تنتجها اللذة.
وقد فشل مل، مثل كانط، في إدراك ضرورة وضع اشتراطات على الأوصاف المتعلّقة، إذا كان لنظريته أن تحوز أي محتوى. لم يخطر بباله أن جرائم القتل والسرقة يمكن أن توصف بطريقة مختلفة. إنه يرى أنه حين يكون الفعل المقترح من نوع يجعله يندرج تحت مبدأ وُضع على أسس النفع، فإنه يجب على
المرء لاالتزام به؛ وحين لاا يندرج تحت أي مبدأ أو يندرج تحت أكثر من مبدأ، وتقترح المبادئ المتعدّدة رؤى متضادة في الفعل، فإنه يجب عليه حساب العواقب المعنيّة. غير أنه يمكن دائمًا وصف أي فعل
على نحو يجعله يندرج تحت تنويعة من مبادئ النفع (كما سوف أقول باختصار)، إذا كان يندرج أصلً تحت أي مبدأ من هذه المبادئ. سوف أعود إلى هيوم. إن جوانب فلسفته التي ذكرت، مثل جوانب عديدة أخرى منها، تجعلني أعتقد أن هيوم كان مجرّد سفسطائي حاذق؛ ولاا ريب في أن إجراءاته كانت سفسطائية. غير أني مرغمة ليس
على عكس هذا الحكم، بل على إضافة أنه على الرغم من أنه يصل إلى نتائجه – المغرم بها – بأساليب سفسطائية، فإن اعتباراته تثير دائمًا إشكاليات مهمّة. فغالبًا ما يجد المرء نفسه، أثناء عرض السفسطة،
يلحظ أمورًا جديرة بالكثير من التحقق: فالواضح يحتاج إلى تقصٍّ بسبب الأحكام التي يتظاهر هيوم
بإطلاقها. وهو في هذا مختلف مثلً عن بتلر. ذلك أنه من المعروف أن الضمير يمكنه أن يملي أفعاالً خسيسة؛ وحين يكتب بتلر من دون اعتبار لهذا، فإنه لاا يثير لدينا أي مواضيع جديدة. لكن الأمر يختلف في حالة هيوم؛ ولهذا فإنه فيلسوف عميق وعظيم، على الرغم من سفسطته. ومثل هذا: هبني قلت للبقال الذي أبتاع منه: "يكمن الصدق إما في علاقات بين أفكار، كقولي إن عشرين شيلنغ تساوي جنيهًا إسترلينيًا، أو في مسائل واقعية، كأن أطلب بطاطس، وتلبّي طلبي، وترسل لي فاتورة.
ولهذا فإن الصدق لاا ينطبق على قضية من قبيل كوني مدينًا لك بمبلغ بعينه". لو قام شخص ما بعقد هذه المقارنة، يستبين أن علاقة الوقائع المذكورة في الوصف "س مدين ل ص بالمبلغ كذا" علاقة مهمّة، وسوف أصفها بأنها علاقة أن تكون وقائع "خامًا" بالنسبة إلى "هذا
الوصف". وللوقائع "الخام" المذكورة هنا، هي نفسها، أوصاف تعدّ وقائعُ "أخرى" بالنسبة إليها وقائعَ
"خامًا" – ومثل هذا أنّ نقل بطاطس إلى منزلي وتركها هناك، واقعتان خام بالنسبة إلى "لبّى طلبي
بطاطس". وواقعة أن س مدين ل ص بمبلغ من المال، واقعة "خام" بالنسبة إلى أوصاف أخرى –مثل "س قادر على سداد دينه". غير أن علاقة "الخامية المنسّبة" علاقة مركّبة، وسوف أكتفي بذكر بعض
النقاط: إذا كانت س ص ع فئة من الوقائع الخام بالنسبة إلى الوصف ف، فإن س ص ع فئة من نطاق فئات تتعيّن إحدى عناصره في حال صحة ف؛ غير أن تعيّن فئة ما ضمن هذه الفئات لاا يستلزم
ف بالضرورة لأن الظروف لااستثنائية قادرة دائمًا على أن تحدث فرقًا؛ ولاا سبيل بوجه عام إلى شرح
ما تكونه الظروف لااستثنائية بالنسبة إلى ف إلاا بضرب بضعة أمثلة متنوعة، ولاا سبيل إلى تأمين تحديد نظري للظروف لااستثنائية، لأنه نظريًا يمكننا دائمًا تخيّل سياق خاص آخر يعيد تأويل أي سياق خاص.
فضلً عن هذا، ولكن في الظروف العادية، تشكّل س ص ع تبريرًا ل ف، حيث بطبيعة الحال لاا تشكّل
المؤسسة ص هي نفسها وصفًا (ومثل هذا، جملة أني أعطيت شخصًا ما شلنًا، ليست وصفًا لمؤسسة
النقد أو عملة البلد). وهكذا، على الرغم من أنه من السخف التظاهر بأنه لاا يصحّ لاانتقال مثلً من
"يكون" إلى "مدين"، فإن طبيعة لاانتقال في حقيقة الأمر مهمّة وهي تستبين نتيجة التأمل في حجج
هيوم. سوف تكون واقعة أني أدين للبقال بمبلغ بعينه ضمن فئة وقائع "خام" بالنسبة إلى الوصف "أتهرّب من
دفع ديوني". وبطبيعة الحال، "التهرب" نوع من "الخداع" أو "الظلم" (ومن الطبيعي أن هذا لااعتبار لن يؤثّر بأي طريقة في أفعالي ما لم أرغب في ارتكاب أو تجنّب ارتكاب أفعال ظالمة). حتى الآن، على الرغم من ارتباطاتها القوية، أتصوّر "التهرب"، و"الظلم"، والخداع"، بطريقة واقعية
فحسب. قدرتي على القيام بهذا بالنسبة إلى "التهرب" واضحة بما يكفي؛ أما "العدالة" فليست لدي أي فكرة عن كيفية تعريفها، باستثناء كون مجالها أفعاالً ترتبط بشخص آخر، غير أنه يمكن طرح "الظلم"، الخلل الذي تعانيه العدالة، مؤقتًا بوصفه اسمًا عامًا يسري على جوانب متنوعة، مثل "التهرّب"،
و"السرقة" (المنسّبة إلى أي مؤسسات مِلكية موجودة)، و"التشهير"، و"الخيانة الزوجية"، "وعقاب
البريء". في فلسفة الوقت الحاضر، ثمة حاجة إلى شرح الكيفية التي يكون بها الرجل الظالم رجلً طالحًا، أو
الكيفية التي يكون بها فعل ظالم ما فعلً شائنًا، وتأمين مثل هذا الشرح من ضمن مهمّات الإثيقا، ولكنه
لاا يبدأ إلاا إذا كانت لدينا فلسفة مكينة في علم النفس. ذلك أن إثبات أن الرجل الظالم شخص طالح يتطلّب تصوّرًا موجبًا في العدالة بوصفها "فضيلة". ولكن هذا الجزء من موضع اهتمام الإثيقا مغلق
كلياًّا بالنسبة إلينا م لم يكن لدينا تصوّر في "نمط الخاصية" التي تكونه الفضيلة – وهذه ليست مشكلة
في الإثيقا، بل في التحليل المفهومي – وفي الكيفية التي ترتبط بها بالأفعال التي تتعيّن فيها؛ وهذه
مسألة أعتقد أن أرسطو فشل بالفعل في توضيحها. ولتحقيق هذا نحتاج بالتوكيد إلى تصوّرٍ على الأقلّ
فيما يكونه الفعل البشري أصلً، وفي كيف أن وصفه على أنه "قيام بكذا وكذا" يتأثّر بدوافعه وبالقصد أو القُصود التي ينطوي عليها؛ ولتحقيق هذا نحتاج إلى تصوّر في مثل هذه المفاهيم. ويرتبط المصطلح "يجب" أو "ينبغي" أو "يحتاج"، بالحسن والرديء: ومثل هذا، تحتاج الآلة إلى زيت، أو يجب أو ينبغي أن تزيَّت، لأن عملها بلا زيتٍ رديءٌ بالنسبة إليها، أو أنها سوف تعمل بلا زيت
بطريقة رديئة. وبطبيعة الحال، لاا تستخدم "يجب" و"ينبغي" وفق هذا التصوّر بمعنى "أخلاقي" خاص،
حين يقول شخص ما إنه يجب على المرء ألاا يتهرّب من دفع ديونه (بالمعنى الأرسطي لمصطلح
"أخلاقي")، يُستخدم ذانك المصطلحان فيما يتعلّق بموضوع أخلاقي: أي موضوع العواطف البشرية
والأفعال (بمعنى غير اصطلاحي). غير أنهما اكتسبا الآن معنى "أخلاقيًا" خاصًا يستلزمان وفقه
حكمًا إطلاقيًا (مثل الحكم بأن شخصًا ما مذنب أو غير مذنب) يتأسّس على ما يوصف في جمل
"ينبغي" المستخدمة في أنماط بعينها من السياقات: ليس فقط السياقات التي يصفها أرسطو بأنها "أخلاقية" – العواطف والأفعال – بل أيضًا بعض السياقات التي يصفها بأنها "فكرية".
(((الفقرتان الأخيرتان تلخيص لدراسة "حول الوقائع الخام". ينظر:
Elizabeth Anscombe, "On Brute Facts," Analysis , vol. 18, no. 3 (1958), pp. 69–71.
وتكتسب الكلمات العادية (التي لاا غنى عنها) "يجب"، و"يحتاج"، و"ينبغي"، و"يلزم"، هذا المعنى الخاص من خلال مساواتها في السياقات المعنية مع "مُلزَم" أو "مقيَّد" أو "مُطالَب"، بالمعنى الذي يمكن
وفقه أن يكون شخص ما ملزَمًا أو مكلّفًا بحكم القانون، أو أن يكون شيءٌ ما ملزِمًا بحكم القانون. فكيف حدث هذا؟ الإجابة نجدها في التاريخ: ففي الفترة التي تفصلنا عن أرسطو جاءت المسيحية، بتصوّرها القانوني للإثيقا. وقد أخذت المسيحية أفكارها الأخلاقية من التوراة (قد نميل إلى لااعتقاد
أن التصوّر القانوني للإثيقا لاا يظهر إلاا عند شعب قَبِل قانونًا وضعيًا إلهيًّا مزعومًا؛ غير أنه يشهد على
ونُّبطلان هذا الرُواقي Stoicism، الذين اعتقدوا أن كل ما ينطوي عليه لاامتثال للفضائل الإنسانية
يشترطه القانون الإلهي). ونتيجةً لهيمنة المسيحية لعدة قرون، أصبحت مفاهيم المقيَّد، أو الجائز، أو المعذور، متجسّدة على
نحوٍ معمّق في لغتنا وفكرنا. وقد اكتسبت الكلمة اليونانية " αμαρτάνειν "، المهيأة لهذا لااستخدام،
معنى "الخطيئة" من كونها تعني "الخطأ"، و"مجانبة الصواب"، و"سلوك الطريق الخاطئ". والكلمة اللاتينية Peccatum التي تناظر تقريبًا كلمة αμαρτάνειν كانت أكثر مناسبة لمعنى "الخطيئة"، لأنها
مرتبطة أصلً ب "الذنب"، وهو مفهوم قانوني. والمصطلح العام "اللامشروع"، أو "اللاقانوني"، الذي يعني إلى حد بعيد ما يعنيه المصطلح العام "خطأ"، واضح دونما حاجة إلى شرح. والمثير أنه لم يكن لدى أرسطو مصطلح عام. لديه مصطلحات عامة ل "الخبث"، "الوغد"، "الخسيس"، ولكن المرء بطبيعة الحال ليس وغدًا ولاا خسيسًا بسبب قيامه بفعل شائن، أو حتى قيامه ببضعة أفعال شائنة. ولديه أيضًا
مصطلحات من قبيل "مخزٍ"، و"فاسق"؛ ومصطلحات خاصة تدلّ على خلل في الفضيلة المعنية، مثل "ظالم"؛ ولكن ليس لديه مصطلح مناظر ل "اللامشروع". ولاا سبيل إلى الإشارة في معجم مفرداته إلى ماصدق هذا المصطلح (أي نطاق تطبيقه) إلاا باستخدام جملة طويلة تمامًا: "اللامشروع"، سواء اعتبر
فكرة عاطفة مقبولة أم فعلً أم تركًا لفكرة أو لفعل، شيء مضاد لفضيلة يبيّن عوزها أن المعني طالح
"بوصفه" إنسانًا. وتفضي هذه الصياغة إلى مفهوم تتماهى ماصدقاته مع ماصدقات مفهوم "اللامشروع". أن يكون لديك تصوّر قانوني في الإثيقا هو أن تعتقد أن المطلوب للامتثال لفضائل يعدّ غيابها أمارة على
كون المرء طالحًا بوصفه إنسانًا (وليس فقط بوصفه حرفيًا أو عالم منطق مثلً): أن ما هو المطلوب لهذا
يشترطه القانون الإلهي. وبطبيعة الحال، ليس في الوسع الحصول على مثل هذا التصوّر ما لم تؤمن بالله
بوصفه المشرّع؛ كما هو حال اليهود، والرواقيين، والمسيحيين. ولكن إذا كان هذا التصوّر قد هيمن لعدة
قرون، ثمّ تُخلّي عنه، فإن النتيجة الطبيعية هي وجوب أن يبقى مفهوم "الإلزام"، ومفهوم المقيّد بالقانون أو
مفهوم ما يشترطه القانون، على الرغم من فقده لجذوره؛ وإذا أصبحت كلمة "ينبغي" تُستخدم في سياقات بعينها بمعنى "الإلزام"، فسوف تظل تستخدم بتوكيد خاص وشعور خاص في هذه السياقات. كما لو أن مفهوم "المجرم" يجب أن يبقى على الرغم من إلغاء ونسيان القانون الجنائي والمحاكم الجنائية. وقد يخلص نصير هيوم حين يكتشف هذا الموقف إلى وجود إحساس عاطفي خاص، تعبّر
عنه كلمة "مجرم"، وحده الذي يهب الكلمة معناها. وهكذا فإن هيوم اكتشف الموقف الذي بقي
فيه مفهوم "الإلزام"، وأصبح مفهوم "ينبغي" يوظّف بتلك الخصوصية التي جعلته يُستخدم بمعنى
"أخلاقي"، ولكن هذا لم يحدث إلاا بعد التخلّي منذ زمن طويل عن لااعتقاد في قانون إلهي: إذ تخلّى عنه البروتستانت Protestant إلى حدّ بعيد في عصر "الإصلاح". والوضع، إذا كنتُ محقّة، هو الوضع المثير المتمثّل في بقاء مفهوم خارج إطار الفكر الذي جعله بالفعل قابلً للفهم. وحينما طرح هيوم ملاحظاته الشهيرة حول لاانتقال من "يكون" إلى "ينبغي"، كان يجمع آنذاك بين أمور عديدة مختلفة تمامًا. من ضمنها حكم حاولت عرضه بملاحظاتي حول لاانتقال من "يكون" إلى
"يدين"، وحول "الخامية" النسبية للوقائع. ويمكن عرض أمر مختلف من خلال التساؤل عن لاانتقال من "يكون" إلى "يحتاج"، أي لاانتقال مثلً من خصائص كائن عضوي ما إلى البيئة التي يحتاج إليها. ولاا يعني قول إنه يحتاج إلى هذه البيئة أنك ترغب في أن تكون هذه البيئة لديه، بل يعني أنه لن يزدهر ما لم يحصل عليها. ولاا ريب في أن كل ذلك يتوقّف على ما إذا كنت "ترغب" في ازدهاره، وهذا ما كان لهيوم أن يقول. ولكن ما "يتوقّف" على رغبتك في ازدهاره، هو ما إذا كانت لواقعة احتياجه إلى تلك البيئة، أو كونه لن يزدهر بدونها، أي تأثير في أفعالك. ولكن يُفترض أن كون شيء ما "ينبغي"
أن يكون أو أن هناك "حاجة إليه" يؤثّر في أفعالك: ومن هذا نستطيع أن نستنتج عل نحوٍ طبيعي أن الحكم "بانبغائه" يعبّر عن تسليم بأن ما حكمت "بانبغائه" يؤثّر في أفعالك. وليس هناك قدر من الحقيقة
بخصوص ما يحدث في الفعل يمكن أن يشكّل سببًا منطقيًا للتأثير في أفعالك (إنه ليس حكمًا يدفعنا
إلى الفعل؛ بل حكمنا بخصوص كيفية الحصول أو القيام بشيء نرغب فيه). ولهذا يلزم ألاا يصحّ
استنتاج "يحتاج" أو "ينبغي" من "يكون". ولكن في حالة النبات، مثلً، لااستدلاال من "يكون" إلى "يحتاج" ليس مشبوهًا بأي قدر، وهو مهّم وجدير بالتقصي؛ لكنه ليس مريبًا على الإطلاق. وأهميته
شبيهة بأهمية العلاقة بين الوقائع الخام والوقائع الأقلّ خامية: وهذه علاقة لم تحظ إلاا باهتمام ضئيل. وفي حين أنك تستطيع أن تقابل بين "ما يُحتاج إليه" و"ما يُحصل عليه" – كالمقابلة بين ما هو واقعي
وما ينصّ عليه القانون – فإن هذا لاا يجعل حاجته إلى هذه البيئة أقل "صحّة". ولاا شكّ في أنه في حالة ما يحتاج إليه النبات، لن تسبّب فكرة الحاجة قيامك بفعل ما، إلاا إذا رغبت
في ازدهاره. ولهذا يوجد هنا رابط ضروري بين ما تستطيع أن تحكم بأن النبات "يحتاج إليه" وما ترغب فيه. ولكن هناك نوع من الرابط الضروري بين ما تعتقد أنك تحتاج إليه وما ترغب فيه. وهذا الرابط مركّب؛ إذ يمكنك ألاا تريد شيئًا تحكم بأنك تحتاج إليه. غير أنه يستحيل، على سبيل المثل، ألاا ترغب في أي شيء تحكم بحاجتك إليه. وهذه ليست حقيقة حول معنى كلمة "يحتاج"، بل حقيقة حول ظاهرة الرغبة. ولنا أن نقول إن حجاج هيوم يجعلنا في واقع الأمر نعتقد أنه يلزم أن يكون حول كلمة "يحتاج" أو "مفيد من أجل شيء ما".
(((لم ينكروا وجود القانون الإلهي؛ ولكن مذهبهم الذي يميّزهم أكثر من غيره من المذاهب هو أنه لم يُسنّ كي يطاع، بل لتبيان
عجز الإنسان عن طاعته، حتى باللطف الإلهي؛ وهذا لاا يسري فحسب على الوصايا المتشعبة في التوراة، بل حتى على شروط
"القانون الإلهي الطبيعي". في هذا الخصوص، ينظر مثلً عقيدة التثليث في مقابل المذهب القائل بوجوب الثقة بالمسيح فقط
بوصفه وسيطًا، وليس طاعته بوصفه مشرّعًا.
وهكذا نعثر على إشكاليتين ينطوي عليهما لاانتقال من "يكون" إلى "ينبغي"؛ وبافتراض أننا وضّحنا "الخامية النسبية" للوقائع من جهة، والمفاهيم المتضمنة في " لااحتياج" و" لاازدهار" من جهة أخرى، يظل هناك أمر ثالث. ذلك أن المرء، وفق هيوم، قد يقول: لعلّكِنجحتِ في إقناعنا بخصوص لاانتقال من "يكون" إلى "يدين"، ومن "يكون" إلى "يحتاج"؛ ولكن نظير ثمن تبيان أن جمل "يدين" و"يحتاج" تعبّر عن نوع من الصوادق، أو نوع من الحقائق. ويظل مستحيلًاستنتاج "ينبغي أخلاقيًا" من جمل
"يكون". أعتقد أن هذا التعليق صحيح؛ فكلمة "ينبغي" هذه، التي أصبحت مجرّد كلمة جذّابة، غير قابلة لأن
يستدل عليها، بهذه الجاذبية، من أي شيء. وقد يُعترض بقول إنه يمكن استنتاجها من جمل "ينبغي
أخلاقيًا" أخرى، ولكن هذا غير صحيح. وهو يبدو صحيحًا بسبب حقيقة أننا نقول إن "كل إنسان
هو ص"، و"سقراط إنسان"، تستلزم أن "سقراط ص". ولكن "ص" محمول غير واقعي. وهذا يعني أننا حين نستعيض عنه بمحمول واقعي، فإن لااستلزام صحيح. ثمة حاجة إلى محمول واقعي، وليس مجرّد
كلمة تنطوي على فكرة مفهومة؛ كلمة تحافظ على اقتراح قوة، وتنزع إلى لااختيار على أثر نفسي قوي، لكنها لاا تعود تدلّ إطلاقًا على أي مفهوم واقعي. ذلك لأن اقتراحها إن هو إلاا اقتراح حكم على فعل أقوم به، وفقًا لما كانت تتّفق أو تختلف مع الوصف الوارد في جملة "ينبغي". وحين لاا يعتقد المرء أن هناك قاضيًا أو قانونًا، فإن فكرة الحكم قد تحتفظ
بأثرها النفسي، من دون أن تحتفظ بدلاالتها. تخيّل الآن أنه لم تُستعمل سوى كلمة "حكم" – بتوكيدها
الحكيم المميّز – بحيث يُحتفظ بطابعها دون دلاالتها، وأن شخصًا ما قال: "للحصول على حكم،
تحتاج في النهاية إلى قانون أو قاضٍ". يمكننا الرد بقول: "إطلاقًا، إذ لو كان هناك قانون أو قاض يصدر حكمًا، لكان السؤال بالنسبة إلينا هو إن كان قبول هذا الحكم يعني شيئًا يوجد حكم فيه". وهذا مماثل
لحجةٍ كثيرًا ما تعدّ حاسمة: إذا كان لدى المرء تصوّر لقانون إلهي في الإثيقا، يظل يلزمه أن يوافق على
أنه يحتاج إلى حكم بأنه ينبغي له (أخلاقيًا) لاامتثال لهذا القانون الإلهي؛ ولهذا فإن نظريته الإثيقية في
نفس وضع أي نظرية إثيقية أخرى: وكل ما في الأمر هو أن لديه "مقدمة عملية كبرى"؛ "ينبغي لاامتثال للقانون الإلهي"، بينما يمكن أن يقول شخص آخر، مثلً، "ينبغي أن نستخدم في كل قراراتنا مبدأ القدر الأعظم من السعادة". يجب عليّ أن أقول إن هيوم وعلماء الإثيقا اليوم قد أسدوا خدمة جليلة، بتبيان أنه لاا محتوى يمكن
العثور عليه في مفهوم "ينبغي أخلاقيًا"، باستثناء أن الفلاسفة الأخيرين حاولوا اكتشاف محتوى بديل
(مشبوه تمامًا) والحفاظ على قوة المصطلح النفسية، وكان أولى بهم أن يتخلّوا عنه. ذلك أنه لاا يحوز
أي معنى معقول خارج تصوّر قانوني في الإثيقا؛ لكنهم لن يقرّوا مثل هذا التصوّر؛ وفي الوسع
ممارسة الإثيقا من دونه، كما بيّن أرسطو. وسوف ننجز تقدّمًا عظيمًا لو أننا، بدالً من "خاطئ أخلاقيًا"،
(((كما توصف على نحوٍ مناف للعقل. ولأن المقدمة الكبرى تحتوي على الحدّ المحمول في النتيجة، فإن في الحديث عنها
فيما يتعلّق بالحجاج العملي خطأً نحويًا.
سمّينا جنسًا آخر من قبيل "كاذب"، "وفاجر"، و"ظالم". ويجب علينا التوقف عن السؤال: أكان القيام
بفعل ما "خاطئًا"؟ منتقلين مباشرة من وصف للفعل إلى هذا المفهوم؛ ويجب علينا السؤال مثلً: ما
أكان مثل هذا الفعل ظالمًا؟ وسوف تكون الإجابة في بعض الأحيان واضحة مباشرة. ألتفتُ الآن إلى حقبة في الفلسفة الأخلاقية الإنكليزية يميّزها سيدغويك. ثمة تغيّر مدهش يبدو أنه
حدث بين ستيوارت مل وجورج إدوارد مور Moore Edward George (1958–1873). يفترض مل، كما رأينا، أنه لاا سبيل إلى حساب عواقب فعل محدّدة، مثل: القتل أو السرقة؛ كما رأينا أن موقفه كان غبيًّا، لأن الكيفية التي يندرج بها الفعل تحت مبدأ وحيد ليست واضحة إطلاقًا. وفي حالة مور وعلماء
إثيقا أكاديميين إنكليز جاؤوا من بعده، نجد أنه تبيّن أن "الفعل الصائب" هو الفعل الذي يفضي إلى
أفضل العواقب الممكنة (حيث تُحسب ضمن هذه العواقب الفضائلُ الجوهرية التي يعزوها بعض "أنصار الموضوعانية" إلى أنواع بعينها من الأفعال). ويلزم عن هذا أن المرء يحسن صنعًا، من منظور
ذاتي، إذا رام بفعله الأفضل في الظروف المعنية وفق حكمه على مجمل ظروف فعله هذا. أقول إن هذا يلزم، ولاا أقول إن من الفلاسفة من قال بهذا. ذلك لأن نقاش هذه المسائل قد يصبح غاية في التعقيد: إذ يمكن مثلًالشكّ إنْ كانت الصياغة "كذا وكذا هو الفعل الصائب" صياغة مرضية، لأنه محتمّ على الأشياء أن توجد كي تحوز محمولاات. ولهذا لعلّ أفضل صياغة هي "أنا ملزم"؛ وقد ينكر
الفيلسوف أن "صائب" مصطلح "وصفي"، ثم يتّخذ طريقًا ملتويًا عبر التحليل اللغوي كي يخلص إلى
رؤية لاا تختلف عن الرؤية التي تقول إن "الفعل الصائب هو الفعل الذي يفضي إلى أفضل العواقب" (ومثل هذا الرؤية التي تقول بأنك تقوم بتشكيل "مبادئك" للحصول على الغاية وتختار السعي صوبها، حيث يُفترض أن الرابط بين "اختيار" و"أفضل" هو بحيث إن مثل هذا لااختيار يعني تأمليًا أنك تختار
الكيفية التي تتصرّف بها بحيث تنتج أفضل العواقب)؛ أيضًا فإنه يجب وصف أدوار ما يسمّى "المبادئ
الأخلاقية" وأدوار "دافع الواجب"؛ ويجب تقصّي الفروق بين "الخيّر" و"الخيّر أخلاقيًا"، ومعاينة الطبائع
الخاصة التي تسم جمل "ينبغي". وتثير مثل هذه السياقات مظهر تنوع وازن في الرؤى، في حين أن ما هو وازن في حقيقة الأمر هو التشابه العام بينها. ويتّضح التشابه العام حين تعتبر أن كل واحد من
أكاديميّي الفلسفة الأخلاقية الإنكليز قال بفلسفة يستحيل وفقها، مثلً، إقرار أنه لاا يصح قتل البريء
من أجل أي غاية وأن من يعتقد خلاف هذا مخطئ (يجدر بي أن أذكر أمرين: لأن السيد هير مثلً، حين يدرّس الفلسفة التي تشجّع المرء على الحكم بأن قتل بريء هو ما "ينبغي" له القيام به لأسباب
مبطِلة، سوف يدرّس أيضًا، فيما أعتقد، أنه إذا اختار المرء أن يجعل تجنّب قتل البريء لأي سبب "مبدأَه
العملي الأسمى"، فإنه لاا يصحّ لااعتراض عليه بأنه مخطئ: فهذا هو "مبدؤه". ولكن، مع أخذ هذا
التحفّظ في لااعتبار، أعتقد أنه يمكن أن نرى أن الحكم الذي ذكرت يسري على كل أكاديميي الفلسفة الأخلاقية الإنكليز منذ سيدغويك). وهذا أمر مهمّ: لأنه يعني أن كل أولئك الفلاسفة يختلفون تمامًا
مع الإثيقا العبرية – المسيحية. ذلك لأنه من خصائص هذه الإثيقا قولها بوجود أشياء محرّمة بعينها
(((وبطبيعة الحال يميّز أنصار موضوعانية أكسفورد بين "العاقبة" و"القيم الجوهرية" بما يشي على نحوٍ مضلّل بأنهم ليسوا "من
أنصار العاقبية". لكنهم لاا يرون – ووليام روس Ross William (1877–1971) ينكر صراحة ذلك – جاذبية إدانة البريء مثلً على نحو يحول دون تفضيل الصالح الوطني. ولهذا فإنه لاا أهمية تعزى إلى تمييزهم.
مهما كانت العواقب، ومثلها اختيار قتل بريء لأي سبب، مهما كان وجيهًا، والردع من خلال عقاب
آخرين، والغدر (بمعنى اكتساب ثقة شخص ما في أمر عظيم بوعود صداقة جديرة بالثقة ثم خيانته عند أعدائه)، وعبادة الأوثان، واللواط، والخيانة الزوجية، والتظاهر الكاذب بالإيمان. ولاا ريب في أن تحريم أشياء بعينها بفضل اعتبارها أنواعًا محدّدة يمكن التعرّف إليها من الأفعال، بصرف النظر عن أي
عواقب، لاا يشكّل مجمل الإثيقا العبرية – المسيحية؛ غير أنه أحد جوانبها الجديرة بالملاحظة؛ وإذا كان كل فيلسوف أكاديمي منذ سيدغويك يستبعد هذه الإثيقا، فإن من لاا يرى هذا التعارض بوصفه أبرز ما يميّز هؤلااء الفلاسفة، وأن الفروق بينهم ضئيلة نسبيًا، إنما يعاني حسرًا في النظر. ونلحظ أنه لاا أحد من أولئك الفلاسفة ينبئ عن وعيه بوجود مثل هذه الإثيقا التي يعارض: فمن الواضح تمامًا لديهم أن تحريمًا من قبيل تحريم القتل لاا يصمد في حال بعض العواقب. ولكن صرامة التحريم
تنطوي على فكرة ألاا تغوى خوفًا من العواقب أو طمعًا فيها. إذا لااحظت النقلة من مل إلى مور، فسوف تقدّر أن شخصًا ما قام بها في موضع ما؛ سوف يخطر على
بالك سيدغويك بوصفه اسمًا مرجّحًا؛ وسوف تجدها عنده، بطريقة عارضة إلى حد بعيد. والحال
أنه مؤلّف يبعث على الضجر؛ والأشياء المهمة عنده تحدث على الجوانب وفي الهوامش وفي أجزاء من حجج ليست معنية بتصنيفه الكبير ل "مناهج الإثيقا". نظرية القانون الإلهي تُردّ إلى تنويعة تعوزها الأهمية في هامش يخبرنا بأن "أفضل علماء اللاهوت" (والله يعلم من يقصد) يخبروننا بأنه تجب علينا طاعة الله بسبب أهليته بوصفه كائنًا أخلاقيًا. ويبدو أننا نسمع أرسطو وهو يقول ή φορτικός
ο έπαινος ("أليس المديح ممجوجًا؟)" لكن سيدغويك ممجوج بهذه الطريقة: إنه يعتقد مثلً أن
المتواضع يستهين بقدراته – ويمارس من ثمّ نوعًا من عدم الصدق؛ وأن أساس وضع قوانين ضد
التجديف هو أنه يسيء للمؤمنين؛ وأن التوجّه رأسًا صوب فضيلة الطهر يعني معاداة قوانينها، وهذا
شيء يؤنّب "علماء لااهوت العصور الوسطى" لعدم ملاحظته. من وجهة نظر البحث الراهن، الشيء الأهمّ هو تعريف سيدغويك للقصد، وهو يعرّفه بحيث يستلزم
أن المرء يقصد أي عواقب متوقّعة لفعله الإرادي. ويتّضح أن هذا تعريف خاطئ، وأجرؤ على قول إنه لاا يوجد من يدافع عنه. وهو يستعمله في عرض أطروحة أخلاقية يقبلها الآن كثير من الناس: إن عدم شعور المرء بالرغبة في فعل توقّعه، سواء بوصفه غاية أم وسيلة لغاية، لاا يحدث أي فرق في مسؤوليته عنه. وباستخدام لغة القصد بطريقة أدقّ، وتجنّب تصوّر سيدغويك الخاطئ، قد نصوغ الأطروحة
على النحو التالي: لاا يحدث أي فرق في مسؤولية المرء عن نتيجة فعل يستطيع توقّع أنه لم يقصدها. ويبدو أن هذا مفيد؛ وأعتقد أن انحرافات التفكّر السيئة في مثل هذه الأسئلة تتميّز بأنها تبدو مفيدة.
ونستطيع رؤية ما يعنيه هذا من خلال اعتبار مثل: دعونا نفترض أن لدى شخص مسؤولية رعاية ما طفل ما. ولهذا فإن سحبه عمدًا دعمَه له يعدّ عملً شائنًا من جانبه. سوف يكون من الشائن بالنسبة إليه
سحب رعايته لأنه لم يعد يرغب في ذلك؛ أو لأنه بقيامه بهذا سوف يجبر شخصًا آخر على القيام به
(5) Aristotle, Nicomachean Ethics , W.D. Ross (trans.) (Overland Park: Digireads.com, 2005), § 16, p. 1178.
(لنا أن نفترض جدالً أن إجبار ذلك الشخص على القيام بهذا الشيء شيء مستحسن). ولكن يلزمه الآن الخيار بين القيام بشيء مخزٍ والذهاب إلى السجن؛ إذا ذهب إلى السجن، فسوف يتوقّف دعمه للطفل. وفق مذهب سيدغويك، ليس هناك فرق من حيث مسؤوليته عن التوقف عن رعاية الطفل بين قيامه بهذا الفعل لذاته أو وسيلةً لغاية أخرى، وبين حدوث ذلك بصفته عاقبة متوقّعة ومحتّمة لذهابه إلى السجن
بدالً من القيام بشيء مخزٍ. ويلزمه معايرة قدر السوء النسبي لسحبه الدعم من الطفل وقدر السوء النسبي لقيامه بعمل مخز؛ ويسهل تمامًا أن يكون الفعل المخزي أقلّ شرّيَّةً من السحب العمدي للدعم
من الطفل؛ وإذا كانت حقيقة أن سحب الدعم من الطفل نتيجة جانبية لذهابه إلى السجن لاا تحدث أي فرق في مسؤوليته، فإن هذا لااعتبار سوف يجعله يميل إلى القيام بالفعل المخزي؛ الذي قد يظل شيئًا
شائنًا تمامًا. وبطبيعة الحال، ما إن يشرع في النظر إلى الأمر بهذه الطريقة، فإن الشيء المعقول الوحيد
الذي يجب اعتباره بالنسبة إليه هو العواقب وليس السوء الكامن في هذا الفعل أو ذاك. وبحسبان أنه يحكم على نحوٍ معقول أنه لاا ضرر أعظم ينتج منه، يستطيع القيام بعمل أشد مدعاة للخزي من سحب دعمه من الطفل. وإذا استُبينَ أن هذه الحسابات خاطئة، فسوف يظهر أنه لم يكن مسؤوالً عن
العواقب، لأنه لم يتوقّعها. ذلك أن أطروحة سيدغويك تستلزم أنه لاا سبيل لتقدير مدى شر يَّة الفعل
إلاا في ضوء عواقبه المتوقّعة. وإذا كان ذلك كذلك، فيجب عليك تقدير حجم الشرّ في ضوء العواقب
التي تتوقّع؛ ويلزم عن هذا أنك تستطيع أن تبرئ نفسك من العواقب الفعلية لمعظم أفعالك المخزية، ما دمت تستطيع إقناعنا بأنك لم تتوقّعها. غير أني أزعم أن المرء مسؤول عن العواقب السيئة لأفعاله السيئة، وأنه يجدر ألاا يُعزى إليه فضل العواقب الحسنة؛ وفي المقابل فإنه ليس مسؤوالً عن العواقب
السيئة لأفعاله الحسنة. وإنكار أي تمييز بين العواقب المتوقّعة والعواقب المقصودة، فيما يتعلّق بالمسؤولية، لم يقم به سيدغويك خلال تطويره أيًّا من "مناهج الإثيقا"؛ بل قام بهذه النقلة المهمّة بالنيابة عن الجميع وبمعزل
عن سائر تصوّره؛ وأعتقد أنه من المعقول اقتراح أن هذه النقلة من جانب سيدغويك تشرح الفرق بين
النفعية التقليدية وما أسمّيه "العاقبية"، التي تميّز بها كما تميّز بها كل فيلسوف أخلاق أكاديمي إنكليزي
من بعده. ومن خلالها، وهب فلاسفة الأخلاق لنوع لااعتبار الذي كان يُنظر إليه في السابق على أنه
إغواء، من القبيل الذي تمارسه الزوجات والأصدقاء المتملقون على الرجال، مكانة في نظرياتهم. ومن السمات الضرورية في العاقبية أنها فلسفة ضحلة. ذلك لأن هناك ح لاات حدّية في الإثيقا. إذا كنت أرسطيًا، أو مؤمنًا بالقانون الإلهي، فسوف تتعامل مع الحالة الحدّية من خلال اعتبار إن كان
القيام بفعل ما في ظروف بعينها يشكّل مثلً جريمة قتل، أو فعلً ظالمًا؛ ووفق ما تراه تحكم بما إذا
كان فعلً يجب القيام به. هذا منهج إفتاء [بمعنى لااستدلاال بح لاات نموذجية لتطبيق قاعدة عامة على ح لاات أقل وضوحًا]؛ وفي حين أنه قد يفضي بك إلى توسيع نقطة على محيط الدائرة، فإنه لن يسمح
لك بتقويض مركزها. ولكن إذا كنت نصيرًا للعاقبية، ف "السؤال: أكان من الصواب القيام بفعل ما في
ظروف بعينها؟" سؤال غبيّ. والحال أن المفتي يثير مثل هذا السؤال فقط ليتساءل: أكان من الجائز
القيام بفعل ما، أم من الجائز عدم القيام به؟ وفقط حين لاا يجوز عدم القيام به سوف يقول إن هذا هو
الفعل الذي يجب القيام به. خلافًا لذلك، على الرغم من أنه قد ينهى عن فعل ما، فإنه لاا يستطيع أن يوصي بأي فعل؛ لأنه في الحالة الواقعية، قد تقترح الظروف (فوق ما نتصوّر) كل أنواع الإمكانات،
ونحن لاا نستطيع أن نعرف مقدمًا ما سوف تكونه الإمكانات. وليس لدى نصير العاقبية أساس لقول
"هذا جائز، وذاك غير جائز"؛ لأنه، وفق فرضيته، العواقب هي التي تقرّر، وهو ليس مهتمًّا بالتظاهر بأنه
يستطيع تحديد التدابير الممكنة التي يستطيع المرء القيام بها؛ ومبلغ ما يستطيع قوله هو: يجب على المرء ألاا يسبّب هذا أو ذاك؛ ولاا حقّ له في أن يقول، في حالة واقعية ما، إنه سوف يسبّب كذا ما لم يقم
بفعل كذا. وبطبيعة الحال، يلزم نصير العاقبية، كي يتخيّل أي حالة حدّية، أن يفترض نوعًا من القانون أو
المعيار تعدّ الحالة المعنية حدّية بالنسبة إليه. فمن أين يحصل على هذا المعيار؟ عمليًا؛ الإجابة هي:
من المعايير السائدة في مجتمعه أو الوسط الذي ينتمي إليه. وقد تميّز هؤلااء الفلاسفة في واقع الأمر
بأنهم عرفيون على نحوٍ متطرّف؛ إذ ليس في حوزتهم أي شيء لرفض المعايير العرفية السائدة لدى من
ينتمون إليهم؛ ويستحيل أن تكون عميقة. ولكن فرصة أن يكون نطاقٌ بأسره من المعايير العرفية مقبوالً ضئيلة. وأخيرًا، يبدو أن الغاية من اعتبار مواقف فرضية، قد تكون حتى مستبعدة تمامًا، هي أن تستنبط
من نفسك أو من شخص آخر قرارًا بالقيام بعمل من النوع الشائن. ولاا أشكّ في أن هذا يؤدي إلى تهيئة
الناس – الذين لن يواجهوا الموقف الذي سوف يقومون فيه بخيارات فرضية – للموافقة على القيام بأفعال شائنة مشابهة، أو لمديح أو ثناء على من يقومون بها، مادام مَن هم بين ظهرانيهم يقومون بها،
حين لاا تتوافر الظروف اليائسة المتخيّلة أصلً. أحيانًا يبحث الذين يقرّون أصول مفهوم "الإلزام" و"مفهوم 'ينبغي' الأخلاقي"، بصفة متشدّدة، في
تصوّر القانون الإلهي لأخلاق، لكنهم ينفون فكرة المشرّع الإلهي، عن مكنة الحفاظ على تصوّر
قانوني من دون مشرّع إلهي. وأعتقد أن هذا البحث لاا يخلو من أهمّية. ولعلّ أوّل شيء يقترح نفسه
هو "المعايير السائدة". ولكن تمامًا كما أن المرء لاا يقتنع ببتلر حين يتأمّل في إمكان إخبار الضمير
بما يجب أن يقوم به الناس، فإنه، فيما أعتقد، لن يقتنع بهذه الفكرة حين يتفكّر فيما يمكن أن تكونه "المعايير السائدة". أرفض أن يكون التشريع "خاصًّا بالمرء" لأن هذا مناف للعقل؛ فقد يكون ما تقوم
به "من أجل نفسك" مستحسنًا؛ ولكن هذا ليس تشريعًا. وحين يرى المرء هذا قد يقول: يجب علي أن أضع قواعدي، وهي أفضل القواعد التي أستطيع وضعها، وسوف ألتزم بها إلى أن أعرف أفضل منها: وقد يقول "سوف ألتزم بعادات أسلافي". تتوقّف مكنة أن يقود هذا إلى خير أو شر على محتوى المعايير السائدة أو العادات. إذا كان المرء محظوظًا فسوف تفضي إلى خير. ومثل هذا الموقف سوف يكون على أي حال واعدًا؛ ويبدو أنه ينطوي على بعض الشكّ السقراطي، فوفق الركون إلى مثل هذه الذرائع، يستبين أن الشكّ السقراطي مفيد: "ربما بطريقة ما لا أستطيع أن أرى، وقد أكون في طريق خاطئ، وربما أكون مخطئًا بطريقة أساسية ما". وقد يقود البحث عن "المعايير
السائدة" إلى البحث عن قوانين الطبيعة، كما لو أن الكون مشرّع؛ ولكن ليس من المحتمل أن يفضي
هذا إلى نتائج جيّدة؛ فقد يؤدّي إلى افتراس الضعيف وفق قوانين الطبيعة، غير أنه لاا يكاد يبلّغ اليوم
(((بالضرورة حالة نادرة: لأن الوصايا الموجبة، مثل "أكرم والديك" لاا تكاد تلزم بأي فعل بعينه، ونادرًا ما تجعله ضروريًا.
أحدًا مفاهيم العدالة، فالشعور قبل السقراطي إزاء العدالة، بوصفها نوعًا من التوازن أو التناغم الذي
يحافظ على نظام العالم، يظل بعيدًا جدًّا عنا. وهناك مكنة أخرى: قد يكون "الإلزام" تعاقديًّا. فتمامًا كما أننا نلجأ إلى القانون لمعرفة ما يتطلّبه ممن
يطبّق عليهم، فإننا نلجأ إلى العقد لمعرفة ما يجب على المتعاقدين القيام به. وقد تكون لدى مفكّرين،
هم بالتوكيد بعيدون عنا، فكرة rerum foedus ("عقد الأشياء")، وهي فكرة عن الكون ليس بوصفه مشرّعًا بل بوصفه تجسيدًا لعقد. فإذا استطعت العثور على هذا العقد، فسوف تعرف ما يلزمك القيام
به وفقه. غير أنك لاا تستطيع أن تخضع لقانون ما لم يكن قد سُنّ لك، والمفكرون الذين اعتقدوا في
"القانون الإلهي الطبيعي" يرون أنه سنّ لكل راشد يعرف الخير والشر. وعلى نحو مماثل، لن تكون
ملتزمًا بعقد من دون أن تتعاقد، أي من دون أن تكون هناك أمارات على اشتراكك في عقد. وقد نجادل
أيضًا بأن استخدام المرء اللغة في عقد الحياة العادي يماثل بمعنى ما تأمين أمارات على لااشتراك في عقود متنوعة. إذا كنت تعتقد في هذه النظرية، فبودّنا أن نعرف الكيفية التي تعمل بها. وأخشى أنها سوف تكون إلى حدّ بعيد صورية؛ فقد يكون في الوسع بناء نسق يجسّد القانون (الذي يمكن مقارنة
مكانته بمكانة "قوانين" المنطق): فما يلائم شخصًا أجدر بأن يلائم شخصًا آخر، ولكن لاا يكاد المرء
يصل إلى ح لاات محدّدة مثل حظر جريمة القتل أو اللواط. وبينما يستبين أنك قد تكون تحت طائلة قانون لاا تعترف به ولم تعتبره قانونًا، لاا يبدو من المعقول قول إنك متعاقد من دون معرفة ما تقوم به؛ فمثل هذا الجهل يعد عادة مبطلً لطبيعة العقد. تظل هناك مكنة البحث عن "المعايير السائدة"، في الفضائل الإنسانية: فتمامًا كما أن الإنسان لديه
أسنان كثيرة، وعددها بالتوكيد ليس متوسط عدد أسنان البشر، بل عدد أسنان النوع، فلعلّ نوع الإنسان، معتبرًا ليس فقط من منظور بيولوجي، بل أيضًا من منظور نشاط التفكّر والتخيّر فيما يتعلّق بمناحي
الحياة المتعددة – قدرات وملكات واستخدام الأشياء المتطلبة – "يحوز" فضائل بعينها، وهذا "الإنسان" بحزمة متكاملة من الفضائل هو "المعيار السائد"، تمامًا مثلما أن "الإنسان" ذا طاقم الأسنان المكتمل
هو المعيار السائد. ولكن بهذا المعنى لعبارة "معيار سائد" لم تعد تكافئ على وجه التقريب "القانون". فبهذا المعنى نقترب من تصوّر أرسطي القانوني للإثيقا. ولاا تثريب في تقديري على هذا؛ ولكن إذا
بحث المرء في هذا لااتجاه من أجل أن يهب "المعيار السائد" معنى، فيجب عليه أن يدرك ما حدث لمفهوم "المعيار السائد"، الذي أراد أن يفهم منه "القانون" – من دون إقحام الله – إذ لم يعد هذا المفهوم يعني "قانون" إطلاقًا؛ ولهذا فإن مفاهيم "الإلزام الأخلاقي"، و"ينبغي الأخلاقية"، و"الواجب" قد تجد مواضعها في أفضل الأحوال في "الفهرس"، إذا تسنّى له تدبّر وضعها فيه. ولكن، ألاا يتّضح في الأثناء أن هناك مفاهيم متعدّدة في حاجة إلى تقصٍّ بوصفها، ببساطة، جزءًا من
فلسفة علم النفس، بما يوجب الأخذ بتوصيتي باستبعاد الإثيقا برمتها من أذهاننا؟ وهذا يعني في البداية استبعاد مفاهيم "الفعل"، و"القصد"، و"اللذة"، و"الرغبة". وسوف تعقبها مفاهيم أخرى حين نبدأ بتلك. وفي النهاية قد يكون في الوسع المضي قدمًا صوب اعتبار مفهوم "الفضيلة"؛ الذي أفترض أننا نبدأ من
خلاله بإجراء دراسة من نوع ما للإثيقا.
سوف أختتم بوصف مناقب استخدام كلمة "ينبغي" بأسلوب غير متشدّد، وليس بمعنى "أخلاقي"؛ ومناقب استبعاد الحدّ "خاطئ" بمعنى "أخلاقي"، واستخدام مفاهيم من قبيل "ظالم". يمكن، إذا جاز لنا العرض باستخدام أمثلة، التمييز بين الظالم في جوهره وما هو ظالم في ضوء الظروف. تدبّر عقاب المرء قضائيًا على فعل يستبين أنه لم يقم به عمل ظالم في جوهره. وبطبيعة الحال
قد يحدث هذا، وغالبًا ما يحدث، بطرائق مختلفة؛ من خلال رشوة شهود زور، أو وفق حكم قانوني
"يقضي" بحدوث شيء لم يحدث، أو بوقاحة يمارسها القاضي وبعض المتنفّذين بقولهم صراحة: "بصرف النظر عن حقيقة أنك لم تقم بهذا، فإننا ندينك لقيامك به". ما هو ظالم في ضوء الظروف العادية هو على سبيل المثل حرمان الناس من أملاكهم المؤكّدة من دون إجراءات قانونية، والإمساك عن ردّ الدَّين، أو عن لاالتزام بالعقود، وأنواع كثيرة أخرى من الأفعال. ويمكن أن تحدث الظروف فروقًا كبيرة في تقدير عدالة أو ظلم مثل هذه الإجراءات، وقد تشمل هذه الظروف في بعض الأحيان عواقب متوقّعة؛ كأن تبطل مطالبة المرء بملكية شيء صودر واستخدم للحؤول دون كارثة محققة؛ كما يحدث حين يمكن استخدام إحدى آلااته لإحداث انفجار يدمّرها، ولكنه يحوّل مجرى فيضان
أو يحدث فجوة تمنع انتشار النار. غير أن هذه الظروف لاا تعني أن ما يعدّ في العادة فعلً ظالمًا، من
دون أن يكون ظالمًا في جوهره، يمكن أن يصبح دائمًا فعلً عادالً من خلال حساب معقول لنتائج
أفضل، فالأمر أبعد ما يكون عن ذلك، غير أنه يستبين أن الإشكاليات التي سوف تثور في محاولة رسم خطّ فاصل (أو منطقة فاصلة)، معقدة. وفي حين أنه توجد بلا شكّ بعض الملاحظات العامة التي يجب أن ندلي بها هنا، وبعض الحدود التي يمكن رسمها، فإن القرار فيما يتعلّق بح لاات بعينها سوف يتحدّد إلى حد بعيد logon orthon ton kata (وفق ما هو معقول). ومثل هذا أن كون القرار بخصوص تأخير ما في سداد الدين كذا من جانب شخص ما في الوضع كذا عادالً أو ظالمًا، لن يتحدّد "إلاا وفق
ما هو معقول"، ولاا يمكن من حيث المبدأ سوى ضرب بضعة أمثلة. بتعبير آخر، لاا نستطيع، بسبب وجود فجوة كبيرة في الفلسفة، تأمين تصوّر عام في مفهوم الفضيلة ومفهوم العدالة، ولكن يجب علينا
لااستمرار في لااقتصار على استخدام هذين المفهومين من خلال ضرب الأمثلة؛ وعلى ذلك، تظل هناك منطقة لاا يوجد فيها، من حيث المبدأ وليس بسبب الفجوة، تصوّرٌ إلاا من خلال الأمثلة: وهي
المنطقة التي يوجد فيها معيار "وفق ما هو معقول": الذي هو بطبيعة الحال ليس معيارًا. هذا مبلغ ما آمل قولَه بشأن ما هو عادل في بعض الظروف، وظالم في ظروف أخرى، وعن الطريقة التي
يمكن بها أن تقوم العواقب المتوقّعة بدور في تحديد ما هو عادل. وبالعودة إلى مِثَالي على الظالم في جوهره: إذا كان الإجراء هو معاقبة شخص قضائيًا على ما يُفهم بوضوح أنه لم يقم به، يستحيل بالمطلق
أن يوجد خلاف في وصف هذا الفعل بأنه ظالم. ليست هناك ظروف، ولاا عواقب متوقّعة، لاا تعدّل وصف الإجراء بأنه عقاب قضائي لشخص على فعل نعرف أنه لم يفعله يمكنها تعديل وصفه بأنه ظالم. ومن يحاول أن يختلف مع هذا إنما يتظاهر بعدم معرفة ما تعنيه عبارة "ظالم": لأن هذه حالة بردايمية للظلم. وهنا نرى علوية المصطلح "ظالم" على المصطلحين "ينبغي أخلاقيًا" و"خاطئ أخلاقيًا". ذلك أنه يبدو
أنه من المشروع، في سياق الفلسفة الأخلاقية الإنكليزية منذ سيدغويك، نقاش إذا ما كان في الإمكان
في بعض الظروف أن يكون تبنّي ذلك الإجراء "صائبًا أخلاقيًا"، ولكننا لاا نستطيع أن نجادل بأن هذا
الإجراء سوف يكون في أي ظرف عادالً. أظنّ أن أحدًا في الوضع الراهن في الفلسفة الإنكليزية ليس في وسعي إنتاج الفلسفة المعنية – ولاا يستطيع ذلك – غير أنه يتّضح أن الرجل الصالح رجل عادل؛ والرجل العادل رجل يعتاد رفض ارتكاب
أي أعمال ظالمة أو المشاركة فيها خشية من أي عواقب، أو طمعًا في الحصول على أي ميزات،
سواء لنفسه أم لغيره. ولعلّه لن يختلف أحد مع هذا. غير أنه سوف يقال إن ما هو ظالم يتحدّد أحيانًا بالعواقب المتوقّعة، ولاا شكّ في ذلك. غير أنه توجد ح لاات لاا يحدث فيها هذا: إذا قال شخص ما "أتفق، ولكن هذا يستدعي الكثير من التفسيرات" فإنه محقّ، وأكثر من ذلك أن الموقف الراهن هو أننا لاا نستطيع تأمين مثل هذه التفسيرات؛ لأنه ليس لدينا العتاد الفلسفي. ولكن إذا كان هناك من يعتقد بالفعل، مقدّمًا، أن مسألة وجوب استبعاد فعل مثل تنفيذ حكم قضائي بإعدام بريء من لااعتبار مسألة
مفتوحة؛ فإني لاا أرغب في الجدال معه؛ لأن هذا يعني أن ذهنه مصاب بالفساد. في مثل هذه الح لاات، يروم فلاسفة الأخلاق فرض مأزق إحراج علينا: "إذا كانت لدينا حالة ينطبق فيها الحدّ 'ظالم' بالركون فحسب إلى وصف وقائع، ألاا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان يُتصوّر أحيانًا أنه ينبغي
للمرء أن يمارس الظلم؟ إذا كان 'ما هو ظالم' يتحدّد باعتبار إن كان من الصواب القيام بفعل ما في ظرف بعينه، فإننا لاا نستطيع إثارة السؤال عما إذا كان من 'الصواب' ارتكاب فعل ظالم، لأن 'خاطئ' مبيّتة في
تعريف الفعل الظالم. ولكن إذا كانت لدينا حالة ينطبق فيها الوصف 'ظالم' بالركون فحسب إلى وقائع، دون ركون إلى 'الخاطئ'، فسوف نستطيع إثارة السؤال عن مكنة أن 'ينبغي' للمرء القيام بفعل ظالم، ومكنة ألاا يكون 'صائبًا'. وبطبيعة الحال، استُخدم الحدّان 'ينبغي' و'صائب' هنا بمعنى أخلاقي. فإما يجب عليك
أن تقرّر ما هو 'صائب أخلاقيًا' في ضوء مبادئ أخرى بعينها، أو تصوغ 'مبدأً' خاصًّا بهذا وتقرّر أن الظلم
لاا يكون 'صائبًا' إطلاقًا؛ ولكن حتى لو اخترت البديل الأخير فإنك تتجاوز الوقائع؛ إنك تتّخذ قرارًا بأنك
لن ترتكب ظلمًا، أو بأن الظلم خاطئ. ولكنك في الحالين، إذا كان الحدّ 'ظالم' لاا تحدّده سوى الوقائع،
فإن الحدّ 'ظالم' ليس ما يحدّد ما إذا كان الحدّ 'خاطئ' ينطبق، بل يحدّد هذا قرارٌ بأن الظلم خاطئ، إلى
جانب تشخيص وصف 'الوقائع' على أنه يستلزم ظلمًا. ولكن من يتّخذ قرارًا إطلاقيًا بأن الظلم 'خاطئ'،
لاا أساس لديه ينقد وفقه شخصًا لاا يتخّذ هذا القرار على أساس أنه يحكم بالباطل". وبطبيعة الحال، يفسّر الحدّ "خاطئ" في هذه الحجة على أنه "خاطئ أخلاقيًا"، والدلاالة العامة للحد
تظل باقية في حين أنه لاا ريب في أن محتواه خاو. ودعونا نتذكّر أن "خاطئ أخلاقيًا" وريث فكرة
(((إذا كان يعتقد هذا في الموقف العيني، فإنه بطبيعة الحال كائن بشري يتعرض في العادة للغواية. في النقاش الذي تلا قراءة
هذه الدراسة، ربما كما هو متوقّع، ط رحت الحالة التالية: الحكومة مطالبة بمحاكمة شخص بريء، والحكم عليه وتنفيذ حكم الإعدام فيه تحت طائلة التهديد ب "حرب قنابل هيدروجينية". سوف يبدو من الغريب بالنسبة إلي أن يكون لدينا أمل كبير في تجنّب حرب
يهدّد بها مثل هؤلااء الأشخاص الذين طالبوا بذلك. ولكن الأمر الأكثر أهمية بخصوص الطريقة التي تستحدث بها مثل هذه الح لاات
في النقاش هو افتراض أن أمامنا بديلين لاا ثالث لهما: لاامتثال أو المجابهة الصريحة. لاا أحد يستطيع أن يحدّد مقدمًا في مثل هذا
الموقف ما سوف تكونه الإمكانات؛ أنه لاا وجود لأي تلكّؤ عبر استعداد غير حقيقي للامتثال مثلً، مصاحبًا ب "هروب" الضحية
بطريقة تدبَّر ببراعة.
"المحرّم"، أو "ما يوجد إلزام بالإمساك عن القيام به"؛ الذي ينتمي إلى نظرية أو إثيقا القانون الإلهي.
وهو هنا يضيف حرفيًا شيئًا إلى الوصف "ظالم" مؤدّاه أن هناك إلزامًا بعدم القيام به. ولهذا، إذا كان
القانون الإلهي يلزمنا بعدم ارتكاب الظلم من خلال تحريمه، فإنه يضيف بالفعل شيئًا إلى الوصف
"ظالم" بحيث يقرّ أن هناك إلزامًا بعدم ارتكابه. ولأن "خاطئ أخلاقيًا" هي وريث هذا المفهوم، لكنه
وريث انقطع نسبه من عائلة المفاهيم التي نشأ منها، فإن "خاطئ أخلاقيًا" يتعدّى مجرّد الوصف
الواقعي "ظالم" ولاا يحوز فيما يبدو محتوى مميّزًا باستثناء قوة دافعة أجدها نفسية صِرْفًا. وهذه هي
قوة الحدّ الذي يفترض الفلاسفة بالفعل أن مفهوم القانون الإلهي يمكن رفضه؛ لأنه لاا يحدث فرقًا
جوهريًّا حتى في حال تبنّيه – فهم يعتقدون أن هناك مبدأً "عمليًا" يحكم "ينبغي لي" (أي يحكم كوني
ملزَمًا أخلاقيًّا) ب لاامتثال للقوانين الإلهية" ملزمًا للمؤمن بها. غير أن مفهوم الإلزام هذا لاا يعمل إلاا في
سياق قانوني. وأنا أميل إلى تهنئة فلاسفة الأخلاق المعاصرين لتجريدهم "ينبغي أخلاقيًا" من مظهر
خادع يشي بانطوائها على محتوى، لولاا أنهم يظهرون رغبة مستهجنة في الإبقاء على الدلاالة العامة للمصطلح. في إمكاننا، لو كنا حازمين، استبعاد فكرة "ينبغي أخلاقيًا" والعودة ببساطة إلى "ينبغي" العادية، وهذا
حدّ، فيما ينبغي أن نلحظ، يتكرّر بصفة هائلة في اللغة البشرية إلى حد يصعب معه تخيّل استغنائها
عنه. ولو عدنا إليه، ألاا يمكننا أن نسأل بطريقة معقولة: أكان المرء يحتاج في أي حال إلى اقتراف ظلم، أم أن هذا لن يكون أفضل شيء يمكنه القيام به؟ وبطبيعة الحال يمكننا ذلك. وسوف تكون الإجابة واضحة. قد يقول شخص ما – فيلسوف مثلً – إنه بحسبان أن العدالة فضيلة، والظلم رذيلة، والفضائل والرذائل تنشأ عن أداءات الفعل التي تتعيّن فيها، من الراجح أن يخلق فعل الظلم رجلً طالحًا؛ وازدهار
الإنسان بوصفه إنسانًا إنما يكمن أساسًا في كونه صالحًا (في الفضائل مثلً)؛ ولكن بالنسبة إلى أي س
ينطبق عليه مثل هذا الحدّ، يحتاج س إلى ما يجعله يزدهر، ولهذا فإن الإنسان يحتاج، أو ينبغي له أن يقتصر على تأدية أفعال فاضلة؛ وحتى إذا ازدهر بدرجة أقل، أو لم يزدهر إطلاقًا، في الأمور الأساسية، من خلال تجنّب الظلم، وهذه مكنة واردة، فإن حياته تفسد في الأمور الأساسية بعدم تجنّبه. ولهذا
يظل يحتاج إلى لااقتصار على تأدية أفعال عادلة. هذا على وجه التقريب أسلوب أفلاطون وأرسطو في الحديث. ولكن يمكننا أن نرى أن هناك، فلسفيًا، فجوة هائلة، لاا نستطيع مأها في الوقت الراهن،
في حاجة إلى أن تُمأ بتصوّر في الطبيعة البشرية، والفعل البشري، وطبيعة الفضيلة، وفوق ذلك كله
" لاازدهار" البشري. ويبدو أن هذا المفهوم الأخير هو الأكثر عرضة للاشتباه. ذلك أنه يصعب قبول فكرة أن الشخص الذي يعاني الألم والجوع والفقر وعوز الأصدقاء "يزدهر"، وهذا ما يعترف به أرسطو هو نفسه. فضلً عن هذا، قد يقول قائل إن المرء يحتاج على أقل تقدير إلى أن يكون حيًّا كي "يزدهر".
وقد يقول آخر، لم يرق له هذا المذهب، في سياق حديثه عن حالة صعبة، إن "ما نحتاجه هو كذا، ولن نحصل عليه من دون كذا (الذي هو عمل ظالم). ولهذا فإنه ينبغي لنا القيام بهذا العمل". وقد يقول ثالث، لاا يتتبّع حجاج الفلاسفة المفصّل، "أعرف أنه من المخزي على أي حال قول إنه يفضّل أن يقترف
المرء هذا العمل الظالم". وقد يقول المؤمن بالقوانين الإلهية: "إنه محرّم، وعلى أي حال، لاا يفيد أحد
من ارتكاب فعل ظالم"؛ وهو مثل الفلاسفة اليونانيين يستطيع أن يفكّر من خلال " لاازدهار". فإذا كان
رواقيًا، فسوف يميل إلى الأخذ بمفهوم متشدّد تمامًا فيما "يتألف منه لاازدهار"؛ وإذا كان يهوديًّا أو
مسيحيًّا، فلن يحتاج إلى تبنّي أي فكرة مائزة إلى حد بعيد: فما يجعله يفيد من الإمساك عن الأفعال
الظالمة أمر يتركه إلى الله، أما عن نفسه فهو لاا يقول سوى إنه لاا صالح له في مخالفة قانون (غير أنه يأمل أيضًا ثوابًا عظيمًا في حياة جديدة لااحقة، حين يجيء المسيح مثلً؛ أما في حياته هذه فإنه يعوّل
على وعود خاصة). يبقى على فلسفة الأخلاق الحديثة – التي يقول بها كل علماء الإثيقا الإنكليز المشهورين منذ سيدغويك – بناء أنساق قد يكون وفقها من يقول: "نحتاج إلى كذا، ولن نحصل عليه إلاا بهذه الطريقة" أي إن مسألة إجراء من قبيل العقاب القضائي لبريء قد لاا يكون في بعض الأحوال الفعل "الصائب" تظل موضع نقاش؛ وعلى الرغم من أن فلاسفة أخلاق أكسفورد سوف "يجيزون أن يكون مبدؤه" ألاا يقوم بمثل هذا الفعل، فإنهم يقولون بفلسفة يمكن وفقها أن تؤخذ العواقب الخاصة بهذا الفعل "أخلاقيًا" في اعتبار من يتفكّر فيما يقوم به؛ وإذا كانت تتعارض مع "غاياته"، قد تكون خطوة في تربيته
الأخلاقية أن يصوغ مبدأً أخلاقيًا "يتدبّر" وفقه (حتى نستخدم تعبير السيد نويل–سمث) القيام بالفعل؛
أو قد يكون "اختيار مبدأ" جديد، ويشكّل القيام بها تقدّمًا في صياغة تفكيره الأخلاقي (حتى نتبنّى
تصوّر السيد هير)، يجعله يقرّر: ينبغي للمرء في الظروف كذا أن يدين البريء قضائيًا. وهذا ما أعترض
عليه.
References
المراجع
Anscombe, Elizabeth. "On Brute Facts." Analysis. vol. 18, no. 3 (1958). Aristotle. Nicomachean Ethics. W.D. Ross (trans.). Overland Park: Digireads.com,
(8) Aristotle, p. 308.