مراجعة كتاب: محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق لجون رولز
Book Review Lectures on the History of Moral Philosophy by John Rawls
الملخّص
عنوان الكتاب : محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق. المؤلف : جون رولز . المترجم : ربيع وهبه. الناشر : الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات : 552.
Abstract
Researcher in philosophical thought and political theory. His most important books include: Constitutional Social Justice in Contemporary Political Liberal Thought: An Investigation into the Rawls Model. mohamothm@hotmail.com
- فلسفة الأخلاق
- فلسفة
- جون رولز
- Moral Philosophy
- Philosophy
- John Rawls
عنوان الكتاب: محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق. المؤلف: جون رولز. المترجم: ربيع وهبه. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات.
يتوزع الكتاب، وهو محاضرات قدمها جون رولز Rawls John (2022–1921)، على مقدمة وأربعة أقسام مخصصة لدراسة فلسفة الأخلاق ونقدها من مصادرها مباشرة عند ديفيد هيوم Hume David (1776–1711)، وغوتفريد (1646–1716)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1724–1804)، وجورج فيلهلم هيغل
يكشف الكتاب جانبًا مهمًّا في فلسفة رولز لما يُعرَف على نطاق واسع، وهو الجانب الأخلاقي الذي بنى عليه فلسفته السياسية؛ إذ لم يشهد الفكر الليبرالي المعاصر عامةً، والغربي خاصةً، طرحًا فلسفيًا سياسيًا مؤسسًا على فلسفة أخلاقية تناقض الفلسفة النفعية التي تأسست عليها الليبرالية الرأسمالية التقليدية، وتقوم عليها الليبرالية الرعائية والليبرالية الجديدة والليبرتارية (على النحو الجذري الذي نجده لدى فريدريش أوغوست فون 1992) وروبرت نوزيك Nozick Robert –1938(2002)، بأهمية ما قدّمه رولز وجِدّته وأصالته. يقوم الطرح الليبرالي السياسي الرولزي على فلسفة أخلاقية كانطية؛ ما يفسر امتداد دراستها على نحو نصف صفحات الكتاب. ويظل رولز أوالً فيلسوف سياسة أصيل الإنتاج المعرفي في أعماله الرئيسة، وهو، في هذا الكتاب، مفكر باحث واسع التأثير وشارح وناقد عميق في الفلسفة الأخلاقية؛ الأمر الذي نجح في توظيفه في التأسيس لفلسفته السياسية في نظرية "العدالة إنصافًا". ينبغي الإشارة، في البداية، إلى أن المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات يوفّر للباحثين والمهتمين العرب، عبر ترجمة كتابَي محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاقومحاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية، فرصة مهمة للاطلاع على معظم أعمال رولز؛ إذ تُرجمت سابقًا كتبه الرئيسة الأخرى، وهي: نظرية في العدالة، والليبرالية السياسية، وقانون الشعوب وعود إلى فكرة العقل العاموالعدالة إنصافًا: إعادة صياغة، في حين لمّا يُترجم له كتابان آخران هما أوراق مجمعة، واستفسار موجز عن معنى الخطيئة والإيمان، وبشأن ديني. إن من شأن الترجمة المتوقعة لهذين الكتابين الأخيرين توفير فرصة لإتمام الإحاطة العربية بأعمال رولز وفلسفته ومحطات تطور شخصيته الفكرية من الإيمان المسيحي والأخلاق اللاهوتية إلى الفلسفة الأخلاقية التي أسس عليها فلسفته السياسية. يضاف إلى ذلك أن المركز العربي هو أول من نشر كتابًا مكرسًا بالعربية لفلسفة رولز، وهو العدالة الاجتماعية الدستورية في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في نموذج رولز (2014)، ثم أتبعه بترجمة كتاب اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا (2015 إلى جانب ما)، نشر بعد ذلك من كتب وأبحاث ومراجعات نقدية ذات صلة، ولاا سيما في دوريتَي تبيّن وعمران. أما بالنسبة إلى الكتاب الذي بين أيدينا، فإن لاا رولز يرى في مقدمته أنه فرق جوهريًا بين فلسفة الأخلاق اليونانية القديمة وفلسفة الأخلاق الحديثة (في القرنين السابع عشر والثامن عشر)؛ لأنّ المسألة تكمن في السياق التاريخي ومفرداته، ولأن اهتمام الأولى انصب على التزام فضائل مجتمع المدينة بالطرائق الأكثر عقلانية، على نحو يفضي إلى السعادة الحق أو الخير الأسمى، وهو خير الفرد الملتزم معايير المعقولية في المجتمع الأثيني، في حين انصب اهتمام الثانية على ما عدّته مقررات آمرة للعقل السليم، والحقوق
والواجبات المترتبة على ذلك. الفلسفة الأخلاقية الحديثة وليدة تطورات تاريخية بدأت بالإصلاح الديني ونزاعاته التي لم يعايش اليونان مثيلها، إلى جانب الملكية المركزية وعلاقتها بالكنيسة التي فقدت وحدتها وسلطتها المطلقة، والعلم الحديث "بما له من جذور مهمة في الفكرين اليوناني والإسلامي" (ص. 46). ويشير رولز، في السياق، إلى أن الفلاسفة، في مطلع القرن الثامن عشر، شرعوا في تأسيس معرفة أخلاقية مستقلة عن الكنيسة، وطرحوا أسئلة من قبيل ما إن كان الواجب الأخلاقي مصدره إلهي أو بشري تمثله الدولة أو داخلي في طبيعتنا العاقلة، وما إن كانت هذه المعرفة نخبوية أو متاحة لكل عاقل واعٍ. يرى هيوم أن الطبيعة البشرية العاقلة مصدر المعرفة الأخلاقية، وهي نخبوية، في حين يجب دفع أكثر الناس إلى الواجب بروادع إلهية أو بشرية تمثلها الدولة وقوانينها (يلُاحظ أن الحدود بين الأبعاد القانونية والأخلاقية العامة والفلسفية والدينية غير واضحة). أما باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1677–1632)، فكان جذريًا في ربط العلم والفلسفة برؤية توافق اللاهوت، الأمر الذي لم ينجح لاايبنتز في تجاوزه، بطريقة كل من كانط وهيوم. لقد رفع هيوم العلم إلى مكانة المحدد للحكم الأخلاقي والفكر عامةً، ورأى أن الفلسفة لاا والعلم يحتاجان إلى الدين، لأنّ أخطاءه خطرة أخلاقيًا، بينما أخطاء الفلسفة قليلة الشأن، وأما كانط فرأى أن العلم والأخلاق متساويان، من زاوية تضمنهما صيغًا من العقل.
أولا: ديفيد هيوم
يناقش رولز، في الفصلين الأول والثاني، فلسفة الأخلاق من المنظور السيكولوجي ولاانفع لاات لاا عند هيوم الذي رأى أن أفكار البشر تتحدد بطريقة عقلية قبلية محضة؛ إذ "تصطدم بنا انطباعات الإحساس [..] بدرجة أكثر قوة وعنفًا من الأفكار المنبثقة منها، ف لاانطباعات سابقة على الأفكار وأكثر حيوية وحياة منها" (ص. 73)، والبشر يوجهون بانفع لاات عنيفة (قد تكون ضعيفة) وهادئة (قد تكون قوية)، من حيث أثرها في تصرفات البشر ومعتقداتهم التي تعمل، في أحايين كثيرة، ضد مصالحهم، بفعل نزعتهم العامة إلى الخير ونفورهم من الشر. ويناقش كذلك دور العقل والتدبر العقلي في الأخلاق الهيومية، ويتساءل: هل كانت لدى هيوم رؤية بشأن العقل العملي (كانط)؟ وفي هذا السياق، يقف على التأثير الكبير لأفكار والخيال والتعود بالتكرار، ودور التدبر العقلي في تغيير لاانفع لاات، والنزوع العام إلى الخير والنفور من الشر، وما إن كان هذا النزوع انفعاليًا هادئًا أو رغبة قائمة على مبدأ، إلى جانب تمييزه بين رغبات قائمة على غايات وأخرى قائمة على مبادئ عقلانية أو معقولة. لقد أراد رولز هنا الإشارة إلى العقل العملي الكانطي، بوصفه معيارية تقيّم بها أي فلسفة أخلاقية أخرى، إلى جانب تمييزه بين العقلانية والمعقولية، والتمهيد لمحاجاته بأن نظرية "العدالة إنصافًا" تأتي في سياق معايير المعقولية، على الرغم من أن لااتفاق على مبادئها، في الوضع الأصلي من الناحية لاافتراضية، يأتي نتيجة معايير عقلانية محضة. يقف رولز، في الفصول من الثالث إلى الخامس، على مفهوم العدالة، بوصفها فضيلة مصطنعة، وعلاقة ذلك بالفضيلة الأخلاقية الطبيعية، وفكرة المتفرج الحصيف (العادل والمنصف والنزيه والمحايد) ودورها في تفسير اتفاق البشر بشأن الأحكام الأخلاقية، ونقد الحدسية العقلانية
الأخلاقية، وغير ذلك مما جادل فيه هيوم الذي يرى أن ممارسات البشر وميولهم الأخلاقية انعكاس لطبيعتهم من موقعهم في العالم، تأسيسًا على ثقافة مجتمعاتهم وقيمها. المصطنع هنا لاا يعني المزيف، بل نقيض الطبيعي (التلقائي)، أي إنه ينطوي على تخطيط ونية وحكم وفهم، الأمر الذي ينطبق على الأعراف الإنسانية العامة والمجتمعية الخاصة وفضائلها وقيمها، فالعدالة مصطنعة وفضيلة فضلى في الأعراف، لاا في ميل البشر السيكولوجي إلى تحقيق المصلحة الذاتية والرغبة في لاامتلاك. ويناقش رولز، في السياق، موضوعات ذات صلة، من مثل دور المشاعر الأخلاقية الإبستيمولوجي عند هيوم، ونقده مزاعم الأساس العقلي في الأخلاق، ورفضه التأسيس اللاهوتي لها، وأن الأخلاق من غير الممكن إثباتها فلسفيًا – عقليًا؛ إذ لاا يُحدد حسّ العدالة، وغيره من المشاعر الأخلاقية، من خلال العقل والحدس العقلي. يلُاحظ هنا تجاهل رولز لآدم سميث وكتابه المهم نظرية المشاعر الأخلاقية، ومفهومه بشأن المشاهد أو المراقب المحايد (يذكره ويذكر جيرمي بنثام Bentham Jeremy، 1832–1748، عرضًا)، فالمنخرطون في الوضع الأصلي يؤدون دورًا افتراضيًا نزيهًا محايدًا، ولنقل حصيفًا، في ظل شروط الإنصاف المثالية؛ فهم مزودون بالمعرفة الكافية لإصدار الأحكام بشأن مبادئ العدالة، وحجاب الجهل هو الذي يمنعهم من معرفة مواقعهم وأحوالهم الشخصية في الواقع الفعلي. وفيما يخص الأخير؛ لئن لم يركز، على نحو رئيس، على العناصر النفعية في فلسفة هيوم الأخلاقية، فإنه يفعل ذلك في كتاب محاضرات في تاريخ الفلسفة السياسية إلى جانب وقوفه على فلسفة جون ستيوارت مل Mill Stuart John –1806(1873) النفعية العامة، ربطًا بمسائل العدالة والعقد لااجتماعي الأصلي ومبدأ الحرية، وغير ذلك من موضوعات الفلسفة السياسية. يمكننا القول إن رولز لم يشأ، حتى نقديًا، تسليط الضوء على رواد النفعية الجذرية، لأن طرحه الأخلاقي المؤسس لفلسفته السياسية يتناقض تمامًا مع النموذج الليبرالي الجديد القائم على استعادتها والتأسيس على فلسفتها، فضلً عن تناقضه، على نحو أقل، مع النموذج الليبرالي الرعائي القريب في تأسيسه الفلسفي من نفعية مل، وخاصة فيما يتعلق بمدى موازنة هذين النموذجين بين الحرية والمساواة، بوصفهما قيمتين ليبراليتين رئيستين. يبدو أن رولز يحاول الكشف عمّا لدى هيوم من عناصر تتفق وتأسيسه الأخلاقي للعدالة القائمة على مبدأيه الدستوريين، وهما ما على يُقترح الأطراف للاتفاق بشأنه في الوضع الأصلي، بما هو تجربة فكرية افتراضية يصطنع فيها لااتفاق على مبدأي العدالة، على نحو لاا يتفق واقعيًا وسيكولوجية البشر الميّالة إلى تحقيق المنافع الذاتية (لاا العدالة لااجتماعية) في الواقع الفعلي الذي يفترض أن يسوّغ المواطنون فيه المبدأين ويؤيدوهما، بما يتفق وما لديهم من أعراف وتقاليد (ثقافة) ليبرالية شاملة بشأن الحريات والحقوق الأساس وقيم المساواة التي ينبغي تأكيدها في المجتمعات الديمقراطية، على الرغم من أن هذين المبدأين يمثلان قيمًا سياسية قائمة ومسوغة بذاتها (مفهوم الإجماع المتشابك في العدالة إنصافًا). ثم إن التربية وفقًا لمفهوم السيكولوجية الأخلاقية المعقولة، في العدالة إنصافًا، من شأنها تنمية الحس أو الشعور بقيمة العدالة، وتعزيزه عند المواطنين في الواقع الفعلي.
ثانيًا: غوتفريد فيلهيلم لايبنتز
يقف رولز، في الفصلين السادس والسابع، على موضوعي الكمالية الميتافيزيقية، والأرواح وحريتها، بوصفها جواهر فردية عاقلة فعالة عند لاايبنتز الذي يقبل الأخلاق المسيحية الأرثوذكسية قبوالً تامًّا ويؤسس لها فلسفيًا، ويرى أن الكمالية الميتافيزيقية، وهي من أخلاقيات الخالق في أصله، تحدد مبادئ العقل الإلهي عند اختياره عالمنا بحرية (أفضل العوالم الممكنة)، بدافع من الضرورة الأخلاقية، مثلما أن وجود الخالق ذاته ضرورة أخلاقية عنده وعند كانط، ولاا بد لكمالية أخلاق البشر عند الأولى من أن تكون صورة من صور تقليد كمال الخالق. ويناقش رولز في السياق موضوعات كثيرة؛ لعل أهمها الجواهر الثابتة الكاملة (المونادات)، والتشابه ولااختلاف بين رؤية كانط بشأن الخير الأسمى والكمالية عند لاايبنتز الذي يؤكد ضرورة الإيمان بأن لاا الله يسمح بوقوع الشر، إن لم يكن فيه خير كلي أعظم نسبيًا. ويناقش كذلك موضوعات من مثل العقل وملكة الحكم والإرادة والحرية ونقد كانط لها، وكيفية لاايبنتز بشأنها إلى نوع من الحتمية إفضاء فلسفة والتوافقية، لأنها تقليدٌ لحرية الخالق وتوافقٌ مع إرادته (لاا حرية ذاتية مستقلة وإرادة إنسانية خالصة، مثلما هي الحال عند كانط). ويلُاحظ، في هذين الفصلين، أن رولز، في مواضع وسياقات عديدة، لاايبنتز يسهب كثيرًا في الخوض في ثنايا فلسفة الميتافيزيقية العامة وموضوعاتها المتشعبة المعقدة، من دون ربطها دائمًا بفلسفة الأخلاق ربطًا وثيقًا مباشرًا، باستثناء ما يرتبط منها بالنقد الكانطي.
ثالثًا: إيمانويل كانط
يناقش رولز، في الفصول من الثامن إلى السابع عشر، الأخلاق عند كانط، وهي من بين المسائل الأكثر تأثيرًا وأهمية في الفلسفة الحديثة والمعاصرة (رولز ذاته نموذجًا)، على نحو تفصيلي مطوّل. وبداية من الفصل الثامن إلى الفصل الحادي عشر، يتناول ميتافيزيقا الأخلاق وأسسها، موضحًا سعي كانط إلى تأكيد أن القانون الأخلاقي، وهو مبدأ الخير الأسمى القبلي في عقلنا الحر، وهو منطلق من حسّنا الإنساني الكوني العام ومتجذر في عقلنا العملي، بوصفنا أشخاصًا أحرارًا مستقلين، ومن أن مهمة الفلسفة لاا الأخلاقية تكمن في تمييز الواجب من غير الواجب، بل في تحديد مصدر القانون الأخلاقي. عمومًا، يمكننا تكثيف الأخلاق الكانطية كالآتي: إن الإرادة الأخلاقية التي يمثل إنتاجها مقصد تمتعنا بالعقل، وبما لها من قيمة عليا، هي الآتية بدافع من الواجب بإرادة حرة واختيار عقلي حر، لاا بدافع من الرغبة في تحصيل السعادة (الخير الفردي الخاص، بلا مب لااة بسعادة الآخر وحقوقه وحرياته واحترامه)، وفقًا لما تذهب إليه النفعية الخاصة والعواقبية عمومًا، وإن مبدأ احترام الذات الإنسانية، بوصفها غاية في ذاتها، والآخر بما هو ذات وغاية في ذاته، لاا وسيلة لتحقيق غايات ومنافع وخيرات فردية خاصة أو اجتماعية وسياسية عامة، هو جوهر القانون الأخلاقي الذي يحدد كيفية سريانه علينا مبدأ إجراء الأمر القطعي (المطلق) الذي يتطلب توافر حساسية أخلاقية وقدرة على الحكم أخلاقيًا، بما يراعي الأحوال العادية للحياة البشرية وطبيعتها. ويمكننا الوقوف كذلك، على نحو مكثف، على مفهوم الأمر القطعي الذي يرى رولز أنه إجرائي ويتناوله على نحو مطوّل، من خلال قول كانط: "تصرف كما لو كانت قاعدة سلوكك ستصبح، بفضل إرادتك، قانونًا كونيًا للطبيعة [بصفتك جزءًا منها]"، وقوله: "تصرف [دائمًا] بطريقة تعامل بها
الإنسانية، سواء [أكان] في شخصك أنت [أم] في الشخص الآخر، لاا بوصفكما مجرد وسيلة، بل غاية دائمًا وأبدًا"، وقوله: "لتتصرف دائمًا بحيث تؤهلك مجمل القواعد التي تتصرف على أساسها [لعدّ] نفسك [...] مشرعًا لمنظومة متحدة من المبادئ الأخلاقية العامة التي تأتي الموافقة عليها من جميع الأشخاص [...] العقلانيين متسقة مع إنسانيتهم [...]" (ص 265، 280،.)309 لاا إن أفعالنا تكون أخلاقية إلاا بالحرية ولااستقلال الذاتي، وبدافع من الواجب الذي يمثل احترام القانون الأخلاقي، أيًّا كانت العواقب والمنافع، الأمر الذي يجعلنا جديرين بالسعادة، فالأصل هو جدارتنا الأخلاقية، لاا السعادة أو الخيرات واللذات والمنافع المسببة لها، وغير ذلك مما يأتي بدافع من غرائزنا وميولنا (الفيزيائية والسيكولوجية) الطبيعية، لما في ذلك من نسبية لاا وخصوصية مجال لحدّهما بقوانين ومعايير عقلية عامة واضحة ثابتة، إنسانيًا – كونيًّا. يلُاحظ هنا أنه على الرغم من النزعة الإنسانية الكونية الكانطية، فإن رولز يوظفها للتأسيس أخلاقيًا لنظرية العدالة إنصافًا، بوصفها طرحًا خاصًا بالمجتمعات الديمقراطية ذات الثقافات الليبرالية المساواتية فحسب، ولكنه يجد حًّلًّ معقوالً لذلك في طرحه بشأن العدالة الكونية فيما بين مجتمعات شعوب ليبرالية مساواتية وغير ليبرالية يدعوها ب "هرمية تشاورية سمحة" في كتابه قانون الشعوب. يتناول رولز، في الفصول من الثاني عشر إلى الخامس عشر، أولوية الحق (الواجب) وسبقه، مقارنةً بالخير (النافع)، والبنائية الأخلاقية، والحقيقة العقلية، والقانون الأخلاقي بوصفه قانونًا للحرية عند كانط، إلى جانب موضوعات أخرى في السياق. وتأتي أولوية الحق وسبقه انطلاقًا من رؤية تجريدية متعالية بشأن الذات الإنسانية، بما هي جوهر سابق على العرض والغرض؛ فثمة فرق كبير بين الذات الإنسانية، بما هي قيمة وغاية في ذاتها، والذات بما لها أو بما تريد وتملك، الأمر الذي يمثل مكمن الحرية التي تجعل الذات غير مشروطة بمحددات نفعية اجتماعية وطبيعة، باستثناء الطبيعة الأصيلة العاقلة منها، وهي مصدر الحق الذي يتحدد الخير بناءً عليه لاا قبله. هذا ما يؤسس رولز عليه أخلاقيًا فلسفته السياسية في العدالة إنصافًا، فأولوية قيمة العدالة وسبقها، سيما ولاا العدالة الدستورية الضامنة للحريات ولااقتصادية التوزيعية الضامنة لصورة من صور المساواة (منافع الناس الأكثر عوزًا أو الأقل انتفاعًا وخيراتهم على حساب منافع الأكثر ثراءً وخيراتهم)، تأتي من أولوية الحق وسبقه، وهو المؤسس على الذات الإنسانية، بصفتها ذاتًا حرة مستقلة وغاية في ذاتها، لاا وسيلة لتحقيق منافع؛ بما في ذلك المنافع السياسية ولااجتماعية العامة، من دون أن يعني ذلك أنانيةً وتناقضًا مع القيم الأخلاقية لااجتماعية الغيرية والتعاونية المساعدة في تحقيق قيمة العدالة ذاتها واقعيًا. يناقش رولز البنائية الأخلاقية الكانطية، موضحًا أن المبادئ الأخلاقية يبنيها العقل العملي استدلااليًا تركيبيًا إجرائيًا (إجراء الأمر القطعي)، لاا حدسيًا، وأن أساس عملية البناء هذه هو تصور الذوات (الأشخاص) الإنسانية بوصفها ذوات عقلانية مستقلة حرة، وأن البنائية الأخلاقية ترى، بخلاف الحدسية العقلية، أن المبادئ الأخلاقية الأساس مبنية بإجراء تؤخذ صيغته وبنيته من التصورات والمبادئ المتضمنة في لااستدلاال العملي. وبما أن القانون الأخلاقي هو فكرة عقل عملي، يوضح رولز أن الحقيقة الأخلاقية العقلية الأساس
تتمثل في وعينا الجمعي بالقانون الأخلاقي، ولاا بد من أن تبدأ منها معرفتنا الأخلاقية وتصورنا عن أنفسنا، بوصفنا أشخاصًا أحرارًا، وأن وعينا بأن القانون الأخلاقي، بما هو سلطان أسمى، حقيقة عقلية عملية خالصة أو محضة. ويُعد القانون الأخلاقي قانونًا للحرية، وإذًا، قانونًا للمسؤولية؛ لاا فالذات الإنسانية تكون مسؤولة أخلاقيًا إلاا بتوافر شرط الحرية، وهو المبدأ الأسمى الحاكم للعقل عمليًا – تدبريًا، عندما نتصرف، في ظل الحرية، وما يظهر فيه استقلالنا عن الطبيعة وتسامينا على محدداتها النفعية (الخير أو النافع)، وفي مقدرة العقل العملي على تحديد غاياته الإلزامية لواجبات الفضيلة قبليًا عفويًا، بما يفوق تقييده وسائل تحقيق غاياته المرتبطة برغباته الطبيعية وتحديدها بمعايير العدالة (الحق). يناقش رولز، في الفصلين السادس والسابع عشر، سيكولوجية الأخلاق ووحدة العقل عند كانط. وما يخص الثانية، يناقشه في سياق العلاقة بالفلسفة، بصفتها دفاعًا عن حرية العقل والإيمان به، سيما ما ولاا يتعلق بوحدة العقلين العملي والنظري المحض، في صيغة كلية للعقل تكون الصدارة فيها لأول. وفي سيكولوجية الأخلاق، ينطلق رولز من التمييز بين نزعاتنا، وهي الحيوانية الغريزية وما يرتبط بها من عادات وميول (منافع وخيرات)، والنزعة الإنسانية، لاا بصفتنا كائنات حية فحسب، بل بصفتنا كائنات عاقلة أيضًا، الأمر الذي يندرج تحت حب الذات ومقارنة سعادتها ومنافعها بسعادة الآخرين ومنافعهم، ما يؤدي إلى الرغبة في المكانة والقيمة في الوسط لااجتماعي، وهو أمرٌ يولّد أيضًا رذائل من مثل النفاق والغيرة والحسد، ثم لاا تأتي النزعة الشخصية من خلال النظر إلى الذات الإنسانية بصفتها العاقلة فحسب، بل بصفتها مسؤولة أخلاقيًا (واجبات والتزامات) أيضًا؛ فهي تتمتع بالشعور الأخلاقي أو الحساسية الأخلاقية. وتقدم السيكولوجية الأخلاقية الكانطية أساسًا للتصور المثالي للشخص الذي نريد أن نكون، وهو المتمتع بالعقلانية والمعقولية، وفقًا لما يذهب إليه رولز في سياق التأسيس الأخلاقي للعدالة إنصافًا، ومفهومها بشأن السيكولوجية الأخلاقية المعقولة أو سيكولوجية المعقول؛ فأخذنا بقيمة العدالة (الحق)، والسعي إلى تحقيق سيادتها في شؤون المجتمع كلها، يأتيان في سياق معقوليتنا، في حين يأتي نزوعنا إلى تحقيق منافعنا الخاصة في سياق عقلانيتنا (الخير أو النافع).
رابعًا: جورج فيلهلم هيغل
يناقش رولز، في الفصلين الثامن والتاسع عشر، الفلسفة الأخلاقية عند هيغل الذي يرى أن الإرادة الحرة هي التي تريد ذاتها إرادةً حرة، ويوضح لااختلاف التام، في فهم هذه الإرادة، بين هيغل وكانط، ورفض الأول إمكان الحرية بعيدًا من المجتمع ومؤسساته وأعرافه، على النحو الترنسندنتالي الكوني عند الثاني. ويؤكد رولز أن طموحات الفلسفة الأخلاقية عند هيغل تتحقق في إطار طموحات الفلسفة السياسية، ويتناول مفهوم الحق الذي يستند إلى مبدأ أن نكون أفرادًا أحرارًا نحترم الآخرين بصفتهم أفرادًا أحرارًا، والملكية التي يجب أن تستند إلى معايير الحرية، والحياة الأخلاقية والليبرالية، وهي قائمة على الفلسفة بوصفها توافقًا مع المؤسسات لااجتماعية والسياسية التي تعزز الفردانية وتحقق جوهرنا وأساس كرامتنا؛ فالمعرفة والواجبات الأخلاقية تأتي في سياق الحياة الأخلاقية المعقولة التي تدور في داخل مؤسسات (موجودة مسبقًا) تحقق الحرية، وهي مؤسسات الأسرة والمجتمع المدني والدولة، لاا في سياق السعي وراء السعادة أو
اللذة وفقًا لما يرى النفعيون. ثم إنها لاا تأتي، وفقًا لهيغل، من الأمر العقلي الكانطي القطعي الذي ينطوي على افتراض أن حياتنا الأخلاقية تدور في إطار أو خلفية عالم اجتماعي عقلاني، وأن هذه المؤسسات يجب أن تصمم بوصفها وسيلة لضمان الحريات. الأمر ذاته يقاربه رولز في العدالة إنصافًا، فهي عدالة مؤسسات اجتماعية سياسية واقتصادية، أو لنقُل "دولة مؤسسات"، تنشأ وتبنى وفقًا لدساتير قائمة على مبادئ تعاقدية بشأن العدالة الضامنة للحريات الرئيسة الأساس (المبدأ الأول)، ولصورة من صور المساواة، أو الحد من التفاوتات، وتنظيمها لمصلحة الأقل انتفاعًا أو الأكثر عوزًا، عبر توفير شروط مساواة منصفة في فرص الوصول إلى ما يسمح بالتفاوت فيه من مراكز ووظائف (الشق الأول من المبدأ الثاني)، وتوزيع الثروة في سياق العمل التعاوني المنتج بطريقة مستمرة (الشق الثاني من المبدأ الثاني، وهو مبدأ الفرق). إن الطرح الرولزي الليبرالي السياسي لااجتماعي يناقض الطرح الهيغلي بشأن الدور المطلق للدولة ومؤسساتها وقداستها والمدى غير المقيد لتدخلاتها، مثلما يناقض النفعية الجذرية المستعادة في الليبرالية الجديدة وفلسفتها الليبرتارية بشأن التقليل من أهمية الدولة والدعوة إلى الحد من دورها وتدخلاتها، ولاا سيما في لااقتصاد والسوق (دولة الحارس الليلي أو الحد الأدنى). يرى رولز أن هيغل ليبرالي تقدمي إصلاحي معتدل، ولاا سيما بشأن ليبرالية الحرية، الأمر الذي يشترك فيه مع مل وكانط وروسو (ورولز ذاته في العدالة إنصافًا)، على أنحاء متفاوتة، ولكن رؤيته بشأن كيفية المشاركة السياسية على أساس غير فردي (من خلال طبقات وجماعات ونقابات)، ثم إنه ينكر الحقوق الطبيعية، وأن الدولة لاا تنشأ وفقًا لعقد اجتماعي سياسي أصلي مفترض، وأن لها الحق في خوض الحروب تحقيقًا لمصالحها العقلانية التي لاا يجب أن تكون معقولة بالضرورة، أو محصورة في الدفاع عن النفس، وأنها جوهر عقلاني قائم بذاته، تتناقض مع أهم التصورات الليبرالية ونظريات العقد لااجتماعي بشأن الدولة الديمقراطية الدستورية الحديثة وطبيعتها ونشوئها وشرعيتها المستمدة من شعبها (روسو وكانط خاصةً)، إلى جانب إمكان السلام التعاقدي الكوني المستدام بين دول ذات أنظمة دستورية (كانط)، وما إلى ذلك مما يقاربه رولز ويطوره ويبني عليه في نظريته بشأن العدالة إنصافًا، وطرحه التعاقدي الكوني لتحقيق العدالة والسلام بين شعوب ليبرالية مساواتية وأخرى ذات نظم اجتماعية سياسية هرمية بثقافة وتقاليد تشاورية سمحة، في كتابه قانون الشعوب، وفلسفته الليبرالية السياسية كلها التي بنيت على أسس كانطية وروسوية، على نحو خاص.