العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية في المعاني والأصول
The Second Threshold of Ethical Secularization: Meanings and Principles
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لتحليل مفهوم العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية ومصادرها - ما بعد الواجب - التي تغيّرت معها مفاهيم أساسية في الفلسفة الأخلاقية، مثل الإلزام والحرية والفردانية والانضباطية الاجتماعية والغايات النهائية. وتسعى للنزول نحو البدايات التأسيسية لهذه المفاهيم، محاولةً تلمُّس الرؤى الفلسفية التي أرَّخت لأفكار نقد مقولة "تأليه الواجب" و"الآمر القطعي" و"نكران الذات"، وإحلال مفاهيم أخرى محلّها، مثل "فيض الطاقة الحيوي" و"إثبات الفردانية الذاتية، في مقابل "الفردانية البطولية" و"نفي المعاني الانفعالية والإرشادية لخطاب الأخلاق". وتعمل على تلمّس جوانب الاستفادة من مفاهيم العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، في نقدها الفلسفة المعيارية، وفي أهمية الاستعمال اللغوي الصحيح لمنطق خطابنا الأخلاقي، من أجل أخلاق أخرى مقامية Immanence أكثر.
Abstract
Abstract: This paper analyses the concept and bases of the second threshold of ethical secularization, the concept of "post–duty", alongside which several fundamental concepts in moral philosophy have altered, among them the concepts of obligation, freedom, individuality, social discipline, and ultimate purpose. The essay also delves into the foundational origins of these concepts, attempting to trace the philosophical perspectives that gave rise to notions such as the "deification of duty", categorical imperatives and self–denial, attempting to replace them with concepts like the "surge of vital energy", the assertion of subjective individuality versus heroic individuality, and the negation of emotional and prescriptive meanings in ethical discourse. Finally, the paper examines the possibilities of benefitting from the concepts of the second threshold of ethical secularization, in its critique of normative philosophy and the importance of correct linguistic usage in our moral discourse for another set of situational ethics.
- العلمنة الأخلاقية
- الفلسفة الأخلاقية
- الإلزام
- الحرية
- الفردانية
- الانضباطية الاجتماعية
- Ethical Secularization
- Moral Philosophy
- Obligation
- Freedom
- Individuality
- Social Discipline
Abderrezak Belagrouz | * عبد الرزاق بلعقروز
ومصادرها – ما بعد الواجب – التي تغيّرت معها مفاهيم أساسية في الفلسفة الأخلاقية، مثل
الإلزام والحرية والفردانية والانضباطية الاجتماعية والغايات النهائية. وتسعى للنزول نحو
البدايات التأسيسية لهذه المفاهيم، محاولةً تلُّمُس الرؤى الفلسفية التي أَّرَخت لأفكار نقد
مقولة "تأليه الواجب" و"الآمر القطعي" و"نكران الذات"، وإحلال مفاهيم أخرى محلّها، مثل
"فيض الطاقة الحيوي" و"إثبات الفردانية الذاتية، في مقابل "الفردانية البطولية" و"نفي المعاني
الانفعالية والإرشادية لخطاب الأخلاق". وتعمل على تلمّس جوانب الاستفادة من مفاهيم
العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، في نقدها الفلسفة المعيارية، وفي أهمية الاستعمال اللغوي
الصحيح لمنطق خطابنا الأخلاقي، من أجل أخلاق أخرى مقامية Immanence أكثر.
أولا: بناء الإشكال
لئن كان النقاش الفلسفي حول الأخلاق من أخصب النقاشات، فإنّه أيضًا من الأجزاء التي تنازعت فيها المفاهيم والمنظورات، ليس بشأن المفهوم فحسب، بل حول أساس القيمة الأخلاقية أيضًا، أو المعنى الذي يغذّي منطق السلوك، فضلًا عن التنازع في مسألة النظر المصطلحي حول المفاهيم الأخلاقية، وأُّيُ المفردات تلك التي تسُّدُ المعنى: هل هي الأخلاق Morale أم
الإيتيقا Ethique؟ وما الفرق بينهما؟ إنّ التعقيد الذي باتت عليه الُّنُظم والمؤسسات قد ألزم القول الأخلاقي التفكير في رسم أخلاقيات تخص مجالات الحياة الجديدة: الإدارة والتجارة والطب، ما دفع بالمباحث الأخلاقية إلى مغادرة مساكنها المعيارية الكلية، والاتجاه نحو منطق الحياة في تجددها، بغرض التدبير الحصيف والمُقارِن لحاجات المؤسسات والُّنُظم إلى المعاني الأخلاقية. لنقُلْ، إذًا،
إنّ الأسئلة الفلسفية عن الأخلاق من جهة حضورها وتشعّب المنظورات حولها وكذا تجدّد مجالاتها، بقدر ما تُفصح عن المنزلة الرفيعة للقيم الأخلاقية والحاجة الأزلية إلى المعنى، فإنّها تعِّبِر عن قلق من
جهة أخرى؛ يتجلّى في تشكّل خطوط ثقافية أخرى قد آلمتها الأوامر الأخلاقية وقواعد الإلزام العقلية وصرامة الواجب الصّورية، فلم تعد تستطيب الحياة بالعيش وفقًا لها؛ لأنها مؤلمة ولا تقِّدِر حاجات
الذّات الجمالية حقّ قدرها. إنها لا تبحث عن لباس قيمي عقلاني أو ديني للذّات، بل تنطلق من الذات ودوافعها النفسانية من أجل المُفاتَشة عن المُتع وتلبية الرغبات في سياق فوري وعاجل. وبناءً
عليه، فإنّ طرد هموم النفس إنّما يكون بنسيان القصص الكبرى حول الحياة، وكسر التنشئة الاجتماعية الانضباطية، وفي المقابل الإقبال على جودة الحياة وإثبات الجسد والجمال والمتعة. إنها أفلاطونية مقلوبة، تتقوّى فيها دائرة المحسوسات والصور الجمالية ورغبات الجسد، على حساب المعقولات
والجمال المطلق وحياة الروح. وباتت تُعرف هذه الخطوط الثقافية، في المباحث الأخلاقية،
(((يقول ميشال ميتاياي: "الحقل الذي يخص القيم الأخلاقية هو حقل معَّقَد في حد ذاته، يمكن تفسير المطالب العليا للأخلاق في ضوء معايير ثلاثة: الأهداف السامية، سمات الشخصية الأخلاقية، ومعايير الاحترام [...]". ويقول أيضًا عن أهميتها: "القيم
الأخلاقية هي التي باستطاعتها أن تقدم لنا الأشياء الأكثر أهمية في حياتنا [...] إنها تعطينا معنى لحياتنا، إنها تعطينا أسمى الغايات،
مثل: العائلة، الحب، الصداقة، النجاح، التقدم التقني أو التقدم المعرفي، حماية البيئة، التقوى الدينية، الوطنية، جلّها قيم يمكن أن
تشكل لأشخاص معينين، أو لفئات اجتماعية، أهدافًا عليا تتبوّأ مكانًا رفيعًا في حياتهم، وهذا البحث عن الأهداف يمكن أن يأخذ
مسارين مختلفين: الحياة المثالية، ووسط الحياة المثالية". ينظر:
Michel Métayer, La philosophie éthique, enjeux et débats actuels (Canada: Renouveau Pédagogique, 1997), p. 9.
(((تقول مونيك كانتو سبيربير وروفين أدجيان: "يشير تعبير الأخلاق Morale غالبًا إلى الإرث المشترك للقيم الكلية الكونية التي
تطبّق على أفعال البشر. من هنا جاءت الدلالة التقليدية ولو قليلًا، التي بقيت ملتصقة بهذه المفردة في المقابل، فإنّ المفردة
الأخلاقية éthique غالبًا ما تستعمل من أجل أن تدلّ على ميدان أضيق هو ميدان الأعمال المتصلة بالحياة الإنسانية. بهذا المعنى
فإنها في منأى من أن يُعاب عليها أنّها امتثالية أو وعظية، كما يُعاب على كلمة الأخلاق. إنّما علينا عدم المبالغة في اختلاف المعنى
بين هاتين الكلمتين؛ إذ يمكن في العديد من الحالات أن تستعمل الواحدة بدلًا من الأخرى". ينظر: مونيك كانتو سبيربير وروفين
أدجيان، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي (ليبيا/ لبنان: دار الكتاب الجديد، 2008)، ص.9 ((("إذ لم تَعد الأفعال الإنسانية تأتمر بإلزامات الفيلسوف الأخلاقية، الكلية والقطعية، وإنّما باتت تأتمر بإلزامات الذات المنفصلة
عن مصادر الإلزام الخارجية، عقلية كانت أم دينية، باتت النرجسية وعبادة الذات مصادر جديدة للسلوك، وعليه، تداخلت الفلسفة مع أدوات العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، لكي تفهم بنية السلوك الحالية، وتفهم أكثر مصائر قيم التنوير الفلسفي ونظريات
التقُّدُم الحضاري". ينظر مقدمة الطبعة الثانية، في: عبد الرزاق بلعقروز، تحولات الفكر الفلسفي المعاصر: أسئلة المفهوم والمعنى
والتواصل، ط 2 (بيروت: منتدى المعارف، 2019)، ص.13
بما بعد الأخلاق Post–Moral، أو العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، أو ما بعد الواجب، أو الديمقراطية الأخلاقية، وتعبّر هذه الاصطلاحات عن رغبة في الخروج على نسق الأوامر العقلية ومعايير الواجب
المطلقة، إنها تهجر الكليات والفضاءات العامة وأفكار النّمو المثالي، نحو الحقيقة والمعنى، وتطلب الخصوصيات النفسانية ورغبات الدرجة الأولى والمعايير النسبية وتقدّس الحاضر. هذا المفهوم هو ما نعمل على مساءلته في هذا الإشكال، أي مفهوم ما بعد الأخلاق أو العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية. وقبل إمضاء القلم نحو الإشكال، لا بدّ من صرف القول إلى أنّ هذه الصيغ الأخلاقية التي أشرنا إليها ليست أسئلة فلسفية عن الأخلاق، أو ابتكار أساسٍ آخر للمعاني القيمية، بل هي نماذج واقعية وتجارب وجود في ظل الثقافة المعاصرة، ومن ثم، فمنهج البحث هو أقرب إلى الأناسة الفلسفية منه إلى التحليل أو التركيب، أي إن العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية هي صيغ من صيغ الوجود وتقارير من أرض المعركة أكثر من كونها آفاقًا فلسفية حول قضايا القيمة؛ وإذْ تبيّنت
هذه الفكرة، فإننا نكتفي بها ونمضي إلى مطلوبنا في بسط الإشكال الذي نروم بذل الجهد لأجل استكناه جوهره، ورفع القلق عنه. إنّ الأسئلة التي يجدر بنا طرحها هنا، هي: ما معنى العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية؟ وما الأفكار الفلسفية التي كانت الأصول الخفية لهذه الطريقة من الوجود؟ وما أبرز مفاهيمها؟ وما غاياتها النهائية؟ ولماذا هذا الانفصال عن مضامين العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية؟
ثانيًا: في معنى العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية
قبل الإفصاح عن مدلول العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، حقيق بنا بسط معنى العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية التي تشير إلى تأسيس القيمة على معايير عقلية متحررة من الأوامر المتعالية، ومن مطالب السعادة الفردية، فالمتعالي لا يقِّدِر الإنساني، والسعادة الفردية لا تصلح قانونًا كليًا من
أجل التشريع الأخلاقي، من هنا، كان التفكير الأخلاقي يبحث عن تأسيسات أخرى تجد مكانها في الإنسان، الإنسان باعتباره عقلًا محضًا وليس رغبة حسية. وقد عرفت هذه الصيغة صورتها التركيبية عند إيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724)، في بنيانه النسقي للمعرفة والأخلاق. لقد ارتكز كانط على قياس التماثل بين العقل النظري المحض والعقل العملي، ويظهر هذا في كتابه نقد العقل العملي، قائلًا: "نستطيع أن نعي القوانين العملية المحض، تمامًا مثلما نعي المبادئ النظرية المحض عندما نمعن النظر في الضرورة التي على نحوها يلزمنا العقل بها، ويشير علينا بصرف جميع الشروط الإمبريقية. إن مفهوم الإرادة المحض يصدر عن هذه القوانين العملية المحض، كما يصدر وعيُ ذهن
محض عن تلك المبادئ النظرية المحض". ويصرف جون رولز John Rawls (2002–1921)، في قراءته وتعاليقه على هذا التماثل بين المعرفة بعالم الطبيعة والعمل الأخلاقي، الَّسَعي إلى أنّ ابتداء
القياس بالتماثل عند كانط يستلزم ما يلي: "فنحن في العلوم نَّتَبع أنموذج توحيد معرفة الفهم عبر الفكرة الضابطة للوحدة النظامية. ومن هنا نفترض أنّ الطبيعة مرَّتَبة كما لو كانت مهمة العقل المحض إدراك الوحدة النظامية الأعلى في العالم. وبالمثل نرتّب عالمنا الاجتماعي عبر التصرّف، انطلاقًا من مبادئ
(((إيمانويل كانط، نقد العقل العملي، ترجمة ناجي العونلي (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص.125
أخلاقية سليمة كما لو كانت قوانين للطبيعة. ويتولّى عقلنا العملي المحض في هذه الحالة ترتيب العالم الاجتماعي بإدخاله الاقتران النظامي في كيانٍ كلّي للغايات، ومن ثم بإسباغ صيغة العالم المفهوم على عالمنا الاجتماعي، نضع مبادئ العقل العملي المحض على مسافة أقرب من الشعور، محققين بذلك مدخلًا إلى حساسيتنا الأخلاقية". وبهذا الإجراء، يتضح أنّ كانط قد أرسى بنية العقل العملي على مثال العقل النظري، حيث شرع في نقد المعايير السائدة حول التشريع للأخلاق؛ فالميول الفردية وكذا المحرّكات والحاجات الحسية، في ما يسميه "مبدأ الَّلَذة"، واعتبار الرغبة في السعادة محرّكًا
للقانون الأخلاقي غير ممكنة، لأنّ البواعث الحسية تنتج من إثارات خارجية، بينما التشريع الأخلاقي يبحث عن مبدأ كلي، يكون هو أساس التشريع، مثل الحرية. وإذا كانت سمات القانون الأخلاقي هي الغائية الإنسانية والحرية والكلية، فإنّ الميول الجزئية المهمومة بالسعادة الفردية لا تقتدر على التشريع للفعل الأخلاقي. فليس ثمة قانون كلي تنتظم تحته كل الميول الفردية أو يستجيب لمشتهياتها. وبعد تشابكات نقدية وإيضاحات منهجية، يرسو التحليل عند القانون الأخلاقي "الذي يكون عند البشر أمرًا
قطعيًا، لأن القانون غير مشروط، أما علاقة مثل تلك الإرادة بهذا القانون فتكون تبعية تدلّ تحت اسم
الفرض على الإلزام بفعل ما، مع أنّه إلزام يحصل بواسطة مجرّد العقل أو قانونه الموضوعي، ويسمى
هذا الفعل لهذا السبب واجبًا ". جلٌّيٌ إذًا، أنّ كانط يشتق القانون الأخلاقي الذي يسمي الأفعال
الممتثلة له واجبات، من العقل العملي وليس من مصادر أخرى، ومن ثم، فإنّ العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية تظهر هنا؛ فإذا كان الدين هو من أعطى الشّرائع للبشر، فإنّ العقل هو البديل في التشريع، وكما أنّ الإله في الأولى هو المشرّع للقوانين فكذلك الإنسان في الثانية هو الذي ينبغي له أن يتولّى
تشريع هذه القوانين، وكما أنّ الإله في الأولى منَّزَه عن العلل والمصالح في وضع شريعته الأخلاقية، فكذلك الإنسان في الثانية ينبغي له أن يتجرّد من البواعث والأغراض كلها في وضع شريعته الإنسانية،
وكما أنّ قوانين الخالق في الأولى موضوعة للخلق قاطبة، فكذلك ينبغي لقوانين الإنسان في الثانية أن تكون شاملة للبشرية كلّها، وكما أن طاعة أوامر الإله في الأولى واجبة، فكذلك أوامر الإنسان في الثانية العمل بها واجب. يتضح مما سبق أن خصائص العلمنة الأخلاقية الأولى هي: 1. تأسيس الأخلاق على مبادئ عقلية إنسانية، مثل الواجب أو المنفعة أو الفضيلة، أو بكلمة جامعة: خير الإنسانية العقلاني والفاضل والمنفعي والتقدّمي. 2. احتفاظ هذه الأخلاق العقلية إضمارًا بصورة الخطاب الأخلاقي الديني، مثل الكلية والضرورة
والغائية الإنسانية، وهنا، لا بد من الإقرار بنفوذ التعاليم الدينية في المقولات الأخلاقية بطريقة
(((جون رولز، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، تحرير باربارا هرمان، ترجمة ربيع وهبة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 323–322؛ ينظر أيضًا القياس الَّتَماثلي في نص كانط أيضًا المذكور، بين غلواء الفكر
والغلواء الأخلاقية، في: كانط، ص.191 (((كانط، ص.128 (((طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النّقد الأخلاقي للحداثة الغربية (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
2002)، ص.39
استبدالية، مثل الاستعاضة بالعقل بدلًا من الإيمان، وإحلال الإنسان بدلًا من الإله، وتبديل مفهوم الأمر القطعي بالأمر الإلهي، وهكذا. 3. أوّلية البرهان العلمي على الاعتبارات الأخلاقية، ومن ثم، فمعيار الحقيقة العلمية لا مكان فيه
للمعاني الأخلاقية، مثلًا قواعد المنهج عند رينيه ديكارت René Descartes (1650–1596)، البداهة والتحليل والتركيب والإحصاء، لا تظهر فيها أي اعتبارات أخلاقية ضمن شرائط البرهان، ويسري هذا الوصف على الأورغانون العلمي عند فرنسيس بيكون Francis Bacon (1626–1561) الذي أقام المعادلة بين امتلاك المعرفة بمعناها التجريبي والقوة. 4. إبقاء معاني الغيرية والآخر والولاءات التقليدية ضمن الأنساق الاجتماعية السائدة، والاتجاه بالوصايا الدينية من الواجبات اللاهوتية إلى الواجبات الاجتماعية وأفعال الخير الخادمة للإنسان؛
فبدلًا من المؤاخاة ثَّمَة المواطنة، وبدلًا من التراحم هناك التضامن، فالعلمنة الأخلاقية هنا، هي
صميمها، حذف المعاني الإيمانية والغايات الأخروية؛ وإثبات الحقوق الفردية والغايات المنفعية الإنسانية؛ ومثلما حلّل تشارلز تايلور Charles Taylor المعنى الدقيق لعلمانية العصر الحديث: "لا بمعنى الكلمة الدارج الفضفاض عادة، حيث يشير إلى غياب الدين، بل بمعنى أنّ الدين يحتل مكانًا مختلفًا متوافقًا مع الإحساس بأنّ الأفعال الاجتماعية كلّها تحدث في زمن دنيوي". يتبيّن
لنا إذًا، أن العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية ترتكز على فكرة "تأليه الواجب" الذي يغِّذِي مناشط الحياة كلّها، فليس ثمّة منطقة من مناطق الفعل الإنساني إّلا ونظّمتها أخلاق الواجب، وهنا،
استطاعت العلمنة الأخلاقية أن ترتفع بالتقطيب المعهود بين الأوامر المطلقة والمجرى الحياتي، وأن توجِد الأثر الاجتماعي والسياسي للقيم العقلية ذات الأصول الدينية، ومن هنا، فالإلزام الذي كان واجبًا تجاه الإله فحسب، بات واجبًا تجاه مطالب الفضاء العام، وواجبًا من أجل تلبية
الحقوق الإنسانية، وتحسين الذات الإنسانية عن طريق أخلاق الأنوار المستقيمة والراشدة. لنقلْ، إذًا، إنّ العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية، احتوت على الصلابة والثبات الفلسفي لمبادئها، إّلا أنّ هذه الصلابة لم تحافظ على انغراسها في الوجدان والفضاء الاجتماعي، بل تشكّلت مناحٍ نقدية
في الفلسفة والثقافة، أوحشها "كهنوت الواجب" والإلزامات الّلا مشروطة والتعالي العقلي والغايات المجرّدة. وهنا، بدأت حركة الحقوق الذاتية والتمجيد الشعري للحياة وإثبات الفردانية وإرساء معاني
(((يقول باسكال إنجل Pascal Engel في كتابه رذائل المعرفة: بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية Les Vices du savoir Essai
D’éthique intellectuel: "يوحي فوكو أنّ التصور الديكارتي القائل بوجوب تكوين اعتقاداتنا بناء على وضوح أفكارنا فقط، باستثناء أي شرط آخر للفاعل المفكر، ولا سيّما الشروط الأخلاقية انتصر في العصر الكلاسيكي، وأنّ نظرية المعرفة، أي الإبستمولوجيا،
نظرية العقلانية، وعلى نحو عام، تصورنا عن المعرفة العلمية، قد استبعدت معرفة علاقته القديمة بالأخلاق [...] الاعتبارات الأخلاقية، ولا سيّما تلك التي لها علاقة بالفضيلة، سواء أكانت فكرية أم أخلاقية، اختفت تدريجيًا منذ عصر النهضة، على الأقل من
أشكال التفكير الاجتماعية والسياسية". ينظر: باسكال إنجل، رذائل المعرفة: بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية، ترجمة قاسم
المقداد (بيروت: دار نينوى، 2021)، ص.24 (((تشارلز تايلور، المتخّيلّات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، مراجعة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.119
الفعل الأخلاقي ومعاييره ليس بالواجب تجاه الإله، أو الواجب تجاه الآخر، بل الواجب تجاه الذات وكيفية إمتاع الذات بمعزل عن مقولات الخير والشر، ليست المعايير الكلية هي التي تفرض سلطانها على السلوك غير آبهة بآلامه وحقوقه بل إنّ الشعور بالمتعة وخصخصة الواجبات وتلبية رغبات الغرائز نفسيًا هي المناظير التي تعيّن قيمة الأنساق المعيارية، وقيمة الواجبات الكلية، وقيمة نكران الذات،
فالحركة المضادة في معجم العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية هي الذات مفهومة بالمعنى النفساني الاشتهائي الَّرَغوب. إنّ أوامر الواجب المطلقة في صميمها هي التي أَّرَخت لنسيان الذات الفردانية
وحقوقها في تلبية المُتع والعيش بصورة جمالية في الوجود وإثبات الجسد والجمال والحِسّ. هذا، وإذْ بانت ملامح ما بعد الواجب فإننا نترَّقَى في التفصيل والبيان قليلًا، فنقول: 1. ما بعد الواجب أو العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، ليست فلسفة أخلاقية تريد لمعايير مخصوصة أن تثبت وأن ترسخ، بل تستوحش من فكرة المعيار والإلزام رأسًا، وتستوحش من فكرة
"يجب عليك"، و"الذات من أجل الغير"، و"الفعل من أجل المعنى"، إنّها لا تستأنس إّلا بالسعادة الفردية والتلبية الفورية للرغبات، وامتصاص الفضاء العام في الفضاء الخاص، "لقد تخلّى ال 'يجب أن' عن منزلته لصالح تعظيم السعادة، واللّزوم القاطع لصالح الإثارة الحسية، والمنع القطعي لصالح الضبط الاختياري. لم يعد الخطاب البلاغي المهيب للواجب في قلب ثقافتنا، فقد عوّضناه بإغراءات الرغبة، ونصائح الطب النفسي، ووعود السعادة والحرية هنا والآن". 2. ما بعد الواجب لها مفهومها الخاص للفردانية، ففي العتبة الأولى من العلمنة الأخلاقية كان مثال الفلاسفة هو الفردانية البطولية، فردانية الصدق والكرامة الإنسانية، فردانية إذابة القواعد الإلزامية التي تشَّرَبتها الذات ضمن الأخلاق المغلقة والتربية الاجتماعية الانضباطية، فردانية
الإنسان المتفوّق على الجموع التي لا تلائم أسماعها إرادته، فردانية مكابدة الألم والقلق
والمعاناة من أجل "الأخلاق المفتوحة" في وجه "الأخلاق المغلقة"، و"الوجود الأصيل" في وجه "الوجود الزائف"، أو "الإنسان المتفوّق" في وجه "الإنسان والإنسان الأخير ". إّلا أنّ
هذا اللون من الفردانية الذي كان يقتضي الفكر المستنير والشجاعة والكفاح من أجل المعنى فلم يعد مطلوبًا ولا مستساغًا، "لقد زالت النماذج الملحمية والأخلاقية والسياسية التي كانت تكتنف
ثقافة الأصالة، وتركت مكانها للتحقق الذاتي للأنا بالمُتَعِ الحميمية التي تنطوي عليها السعادة
الشخصية. ونتاج ذلك أنّ أخلاق الأصالة في أيامنا لا تناسبها قيم الالتزام، بقدر ما توافقها قيم جمالية الحياة. وهنا، نحن ندخل عصر أصالة ما بعد البطولة من بابه الكبير لأنّ السعادة أعظم
(1((جيل ليبوفتسكي، أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمة الديمقراطية الجديدة، ترجمة عصام المراكشي (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018)، ص.45 ((1(اشتهرت مع هنري برغسون Henri Bergson).1941–1859(((1(اشتهر بها مارتن هيدغر Martin Heidegger.)1976–1889(((1(اشتهر بها فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche.)1900–1844(
قدرًا من الفضيلة. ومع صعود ثقافة الاستشفاء النفسي والشهوانية نحن نشهد ولادة إنسان آخر
للأصالة". وهكذا، إذًا، تتبدّى أخلاق ما بعد الواجب، بوصفها نموذجَ عيشٍ أو خطاب أو حالة من الوجود،
تشتُّقُ مفاهيمها من الذوق، لا من المنطق، وتشعر بالسعادة عندما تلبّي مطالب الجسد الَّرَغوب؛
لا بالاستجابة إلى قانون الواجب الذي يعترف بالسعادة باعتبارها غاية للفعل الأخلاقي، إنها علامة على نهاية الوعي الفكري والاستعاضة عنه بالوعي النفسي والنرجسي، وهذه الخلاصات الثقافية التي بانت بها العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، إنما تتغذّى في رؤيتها للعالم والذات والوعي والسعادة ونسق المجتمع من أصول فلسفية لم تكن لها المنزلة الحضورية في جوانب الفلسفة الحديثة، بسبب تسيّد مفاهيم الحداثة العقلية وقيم الأنوار المستقيمة وقيم "الواجب مهما كان الثمن". ولأجل ذلك،
فإنّنا نكتفي في بيان معاني ما بعد الواجب بهذا التّحليل، ونمضي إلى مطلوبنا، في استخراج الأصول الفلسفية، باعتبارها الحركة الفلسفية التي تهبط إلى أسس ثقافة ما بعد الواجب أو العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية التي أنشأت المجتمعات ما بعد الأخلاقية.
ثالثًا: في الأصول الفلسفية
ليس القصد بالأصل هنا، البحث التاريخي من أجل القبض على لحظة الميلاد الأصلية أو لحظة البدء الأولى، بل القصد هو الاقتراب المنهجي من النصوص التي أسّست لما بعد الواجب، لأنّنا نبصر في
الأفكار الفلسفية، باعتبارها الأصول الحقيقية للتحّولّات الثقافية، التي تبدأ أفكارًا لكنّها تنتهي إلى
أفعال اجتماعية مشتركة، وهيئات نفسية ظاهرة. وارتكازًا على هذه الفكرة في النظر إلى الأمور، فإنّنا نصرف قولنا إلى تفصيل هذه الأصول وتبيين أغراضها المعرفية والسلوكية.
1. فيض الطاقة الحيوية هو المحدد لمعنى السلوك الأخلاقي
نجد الخطوط الأساسية لهذا المنظور في فهم الأخلاق عند جون ماري جويو Jean–Marie Guyau Esquisse d’une morale sans obligation ni الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء) في كتابه 1888–1854(sanction (1884)، وفيه نقد لفكرة الإلزام المتعالي والواجب العقلي، وغرس لبذرة الأخلاق في فيض الطاقة الحيوية، بالاستناد إلى فكرة معطيات الحياة نفسها. يقول جويو شارحًا رؤيته: "وقد استبعدنا
كل قانون سابق على الظواهر وعال عليها، وبالتالي كل قانون قطعي وقبلي، وعمدنا إلى الظواهر
(1((جيل ليبوفتسكي، تتويج الأصالة، ترجمة محمد بن الطيب وعادل النجلاوي (الرياض: دار أدب للنشر والتوزيع، 2022)، ص.99 ((1(يقول تايلور: "يحدث في أكثر الأحيان أن يتسرّب إلى المتخيّل الاجتماعي ما يبدأ على شكل صورة نظرية يحملها بعض
الناس، وربما يكون التسرّب إلى أفراد النخبة في البداية، لكنه يتجاوزهم إلى المجتمع كله بعد ذلك. هذا ما حدث، على نحو عام،
لنظريات غروتيوس ولوك، على الرغم من أنها شهدت تحّولّات كثيرة على امتداد هذا المسار، بحيث نتجت عنها صيغ متنوعة في
نهاية المطاف". ينظر: تايلور، ص.38 ((1(ثمة تعالقات بين نيتشه وجويو، خاصة في نقد مذاهب المنفعة الإنكليزية، وفي اعتبار الحياة نوعًا من الانجذاب نحو ذاتها،
للاطلاع على هذه التعالقات، ينظر: إبراهيم عمر، "جويو ضد نيتشه"، مجلة إبداع، العدد 9 (أيلول/ سبتمبر.)2001
نفسها نستمدّ منها القانون، وإلى الواقع نستمدّ منه مثلًا أعلى، وإلى الطبيعة نستخرج منها الأخلاق". وجليّ هنا أنّ الأساس الذي ينبع منه القانون الأخلاقي، إنما هو السطح وليس العمق، المحايثة
Immanence، وليس التعالي، "فليس في أخلاقنا من مبدأ فوق الطبيعة، فمن الحياة نفسها، ومن القوة الملازمة للحياة، إنما يتفرّع كل شيء، إنّ الحياة تضع لنفسها قانونها، بتطلّعها إلى الاتساع والنماء بغير
انقطاع. إنّها تفرض على نفسها واجب العمل، لقدرتها على القيام بالعمل". ويقدم جويو لإشكالية الغيرية والأنانية، أو الأنت والأنا، أو بين الذي لي والذي لك، بين المصلحة الشخصية ومصلحتنا العامة، حًّلا من منظور ما يسميه الخصوبة الأخلاقية التي لا ترتهن إلى مقولة الغايات البعيدة بل من فيض الحياة الفردية نفسها، تنبثق نقطة الانطلاق نحو الغيرية، "فمن الناحية المادية، رأينا أنها حاجة فردية أن يلد الفرد فردًا آخر، بحيث إنّ هذا الآخر يصبح كأنّه شرط لنا نحن، إن الحياة كالنار لا تعيش إّلا إذا تواصلت، وهذا يصدق على العقل كما يصدق على الجسم، فكما أنّ من المستحيل أن نحبس النار فكذلك من المستحيل أن نحبس العقل". ومقتضى هذا الإقرار إنهاء التعارض المانوي بين الفردي والاجتماعي، أو بالأحرى اعتبار الفردي يتّجه بصورة أفقية نحو الجماعي، إنّه الفضاء الذي ينبجس من خلاله، ومن ثم فهو خصب ومثمر. يوجّه جويو نقده إلى قانون "حساب اللّذات" الذي تراءى لمذاهب المنفعة، باعتباره المحرك التحتي
والخفيّ للسلوك الإنساني، فاستنتجوا منه الغائية النفعية معيارًا محِّدِدًا للقيمة الأخلاقية؛ بينما نقطة
الانطلاق عند جويو ليست هي العِلّة الغائية بل العلّة الفاعلة، فهي القوة التي تريد أن تعمل، يقول مُظْهِرًا هذه الفكرة: "والواقع أن الإلزام بالنسبة إلى من لا يسلّم بأمر مطلق، ولا بقانون متعالٍ، ما هو إّلا
صورة خاصة من صور الاندفاع. فلو حلّلتم الإلزام الأخلاقي والواجب والقانون الأخلاقي، لوجدتم أنّ ما يكسبه صفة الفعل إنما هو الاندفاع الذي لا ينفصل عنه [...] الوجوب ليس إّلا تعبيرًا عن القدرة
التي تصير بالضرورة إلى فعل، فتصبح بالنسبة إليه مثلًا أعلى، تصبح ما يجب أن يكون، لأنّها ما يمكن أن يكون". إنه يبتغي تصريف القول، في كون مصفوفة المعايير السائدة مثل المنفعة والواجب والفضيلة، قد نصادفها في الطريق نحو الذات الزاخرة بالقوة والممتدة والصاعدة دومًا، لكن لن تصبح
هذه اللحظات مثلًا أعلى ساميًا للفعل الخلقي. لنقلْ، إذًا، إن الأخلاقية التي طوّرها جويو تقوم على فرضيات أساسية، منها: أ. المطلق الذي يغذّي المفاهيم الأخلاقية هو الحياة التلقائية التي تبدع الغنى الأخلاقي والتفوّق
على الواقع، والحياة ليست في حاجة إلى قانون الواجب الذي يرشدها، أو إلى قانون حساب اللّذات المنفعي، إنها مرشدة نفسها، وتعرف طريقها نحو الخير من غير إكراه خارجي، وكأن تصميم الحياة يقودها إلى الخير.
(1((جون ماري جويو، الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء، ترجمة سامي الدروبي (القاهرة: دار الفكر العربي، 1946)، ص.227 ((1(المرجع نفسه، ص.32 ((1(المرجع نفسه، ص.229 ((2(المرجع نفسه، ص.230
ب. إثبات الفردية والأنانية وتوظيف الاستعارة البيولوجية "حتمية الولادة"، لأجل الاستدلال عليها، فالأنانية ليست جزيرة منعزلة تستمتع بلذّاتها وحدها، إنّ شعورها باللذّة يَقْوى بقدر ما تتواصل
وتشتبك وتشارك الآخرين، وهنا يكمن سرّ الخصوبة الأخلاقية. ج. "وفقًا لجويو، أخطأ كانط عندما اعتقد أن الحرية الفردية ترتبط بالطابع الكلي للقانون. الاستقلال الحقيقي يجب أن يؤدّي إلى إنتاج الأصالة الفردية أو التميّز، وليس إلى التوحيد الكلي. ومن هنا،
فإنّ الإلزامية، من خلال طابعها المطلق والكلي، لا تجد مكانًا لها في النظرية الأخلاقية". د. وإذ تبيّنت ملامح الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء، فإنّه حقيق بنا القول إن هذه الأفكار أقرب إلى
ما بعد الأخلاق أو إلى الديمقراطية الأخلاقية ما بعد الحديثة، فتأليه الواجب والإلزام الكلي والغيرية المثالية هي طريدة لفكره السائل وأهداف لانتقاداته، ومن ثم، فإنّ "أفكار جويو حول الأخلاق ليست غريبة عن التحديات التي تواجه عصرنا". فالحياة لا ترغب في أن تتأمّر
بإلزامات فوقها، والفردية مندفعة نحو ذاتها، متحررة من التأثيم والذمامة، منبسطة في الحياة، شاعرة بتصاعد اللذة مع الاشتباك والفرح الاجتماعي الذي يقاسمها اللذة أيضًا.
2. ليس الإنسان مقياس الأشياء كلها بل أنا هو هذا المقياس
كان لهذا الاعتبار نفوذٌ لافتٌ في الممارسات الثقافية ما بعد الحديثة، ويعد ماكس شتيرنر Max Stirner (1856–1806) رائد هذا الاتجاه؛ اتجاه استعادة الأنا المنسيّ في وعثاء البحث عن الحقيقي والإنساني
والأخلاقي. إنّ مؤلّف كتاب الأوحد وملكيّتهقد أزعجته الأنساق الدينية والعقلية والأوامر الأخلاقية، مثل الروحي والحقيقي والأخلاقي والوطني؛ ولأجل الإبانة عن رؤيته التي تنطلق من الأنا، ومن العلاقة المِلكية بالعالم، يقدّم لنا مجاز الحقب الثلاث في نمو الإنسان: الطفل والشاب والناضِج. الطفل روح شَغوف بالأشياء ورغبة في الفهم وانحصار في طلبها، بينما الشاب هو مرحلة الإيمان بقيم الروح فكريًا: الحقيقة، الحرية، والإنسانية، والعدالة؛ فالشاب يتصرّف إزاء العالم تبعًا لمصلحة المثل الأعلى وليس
تبعًا لمصلحته الخاصة، الشباب هو زمن الأحلام والرغبة المضطرمة نحو تحقيقها؛ "لكن مُذ يبدأ المرء بتوديع ماضيه، وبالاستمتاع بكونه هو ما هو، وبأن يحيا حياته، فإنّه يكفّ عن متابعة المثل الأعلى، ليتعلّق بمصلحة خاصة أنانية، أي مصلحة لم تعد تسعى إلى إشباع الرّوح وحده، وإنما إلى إرضاء
كامل الفرد؛ مذّاك تصبح المصلحة غرضية بحق". يبدو، إذًا، أنّ مصالح الإنسان الناضج باتت مادية وليست روحية، وكأنّ مفهوم النضوج عند شتيرنر يعادل كسر ألواح القيم العقلية، واكتشاف الإنسان لذاته مرّة ثانية، "الشاب كان تبيّن روحانيته، ومن بعد ذلك تاه في ملاحقة االروح الكلّي والكامل،
الروح القدس، الإنسان، الإنسانية، وبإيجاز، كل المثل العليا. يتملّك الإنسان نفسه مجَّدَدًا، ويستعيد
(21) Jordi Riba, "L’au–delà du devoir. Guyau précurseur de la morale de notre temps," Corpus Revue de philosophie , no. 46 (2004), p. 59, accessed on 21/1/2024, at: https://2u.pw/PU5nBjE (22) Ibid., p. 57.
(2((ماكس شتيرنر، الأوحد وملكيته، ترجمة عبد العزيز العيادي (العراق/ ألمانيا: منشورات الجمل، 2016)، ص.38
روحه المجسّد فيه وقد صار جسدًا وأصبح شخصًا". إنّ الأوحد والناضج والأناني والباحث عن مصالحه المادية، والناظر بعين الملكية إزاء هذا العالم، هو الإنسان الذي فَّتَش عنه شتيرنر وسط ركام من الأنساق العقلية التي انتزعت منه مصالحه، وجعلته مطيعًا لمصالحها، كان طفلًا شغوفًا ومتضايقًا من أشياء هذا العالم، ثم صعد بروحه إلى ما وراء هذه الأشياء، كي يعيش تجربة الشاب المثالي الحالم في نِسبتها إلى الإلهي والكلّي، إلى أن وصل إلى حالة الإنسان الأناني "الناضج" الذي لا يهتم إّلا بما يُفرحه ويضع مصلحته فوق كل اعتبار. إن غاية هذه الأنا هو الفرح والاستمتاع والشعور بتحقيق المصالح الفردية. ويشرح شتيرنر عبثية البحث عن الحقيقي والكلي بالتماثل مع عالم الحيوان، فالكلب أو الحصان لا يفكّر في الكلب الحقيقي أو الحصان الحقيقي، وينسى حقيقته الواقعية، إنّه حيوان مكتمل في وجوده الواقعي، من غير حاجة إلى التفكير في مثاله الحيواني الأسمى؛ وخطأ الروح والفكر عند الإنسان إنما يتمثّل في هذا النسيان لأنانيته ولكينونته الواقعية، حيث تاه هائمًا وسابحًا مع أوهام المُثل التي ابتكرها الفلاسفة تحت إكراه الحياة، غافلًا عن أنه جسد ومصالح مادية قبل أيّ تعيين آخر. "الإنسان الأخلاقي هو خادم هدف أو فكرة، إنّه يجعل من نفسه أداة للخير، مثلما يفتخر الإنسان المتديّن بكونه عبد الإله وأداته". إن الحركة المضادة للإنسان الأخلاقي هي الإنسان الحقيقي الذي يسكن هنا في الحاضر، والمُنْوَجِد فعليًا في الواقع، إنسان المستقبل ليس من أهدافه، من هنا فصاعدًا "لم تعد المسألة هي معرفة كيف
نفوز بالحياة، بل كيف ننفقها ونستمتع بها، لم يعد الأمر متعلقًا بجعل الأنا الحقيقي يزهر في أناي، وإنما باستهلال عهدي وباستهلاك حريتي [...] أنتم تبحثون عن ذواتكم؟ إذًا أنتم ما زلتم لا تملكون ذواتكم! تتساءلون عمّا ينبغي أن تكونوا؟ إذًا أنتم لستم كائنين بعد! حياتكم غير انتظار طويل ومتّقد؛ "تُقْنَا إلى المستقبل وعشنا على الرجاء طيلة قرون. شيء آخر هو أن نحيا بالاستمتاع. لنقلْ، إذًا، إنّ الإنسان ليس هو مقياس الأشياء كلها، إنما أنا هو ذلك المقياس، والأنا هنا، ليست لها حمولة منطقية أو فكرية، إنما حمولتها، ينفجر وينساب منها، الفرح والاستمتاع وإثبات الحياة، وغير خافٍ على كل عين بصيرة، أن ما بعد الواجب أو ما بعد الإنسان الأخلاقي، تلامس التحديات الأخلاقية للعصر الجديد، فالواجبات المؤلمة والغايات المستقبلية والإلزامات اللامشروطة لن تجد لنفسها مكانًا في الأوحد وملكيته، لأنّ الإنسان الناضج الذي استوى عنده الفهم يرغب ويشتهي ويحب ويستمتع هنا والآن. لا يقبل بتأجيل تلبية مصالحه المادية بل يطلب التلبية الفورية لها، ولا يضحّي بسعادته الخاصة من أجل إلزامات الواجب، بل سعادته وميولاته الجمالية هي نقطة الانطلاق. إنّ أفكار شتيرنر قد استحالت أسلوبًا من أساليب الحياة الثقافية الجديدة، أو بلغة القاموس التحليلي لتشارلز تايلور، كانت أفكاره تدور في حلقة النخبة، أما اليوم فهي عبارة عن متخيّل اجتماعي مشترك أو أسلوب في الحياة من غير
تقنيات استدلالية أو مفاهيم منطقية.
((2(المرجع نفسه، ص.39 ((2(المرجع نفسه، ص.430 ((2(المرجع نفسه، ص.428
3. من اللغة الأخلاقية إلى لغة العلم: نحو نفي خطاب الأخلاق إلى ما وراء العقل
كان لمباحث الميتا–أخلاق التي تقضي بتطبيق منهج نظرية المعرفة على الأخلاق، وتطبيق المنهج نفسه على البنية المنطقية للأحكام الأخلاقية، أثره في الأخلاق، ليس في نقاشاتها النظرية بل في أسبابها العملية، فالهوس بمنهج التحقّق، بخاصة في صيغته لدى الوضعية المنطقية، قد جرى تطبيقه على عالم الملفوظات الأخلاقية، فالشيء الذي غفلت عنه المباحث الأخلاقية أن الأوامر والنواهي أو الانفعالات والإرشادات هي لغة مخصوصة، ولأنّ الأمر هذا فالواجب هو تنزيل أدوات منهج التحقق التحليلي على هذه اللغة الأخلاقية، والغرض الإجرائي هو إنشاء مبحث يهتم بما بعد الأخلاق المعيارية، حيث يمكن القول إنّ التمايز بين ما بعد الأخلاق المعيارية قد عرف حضوره في الفلسفة الأنكلوفونية (التحليلية)، وبظاهرة لافتة، أما من جهة المفهوم فما بعد الأخلاق أو الميتا–إتيقا فهي دراسة معنى المصطلحات الأخلاقية والعلاقة المنطقية بين الأحكام الأخلاقية وأشكال أخرى من الأحكام، والوضع الإبستيمولوجي للأحكام الأخلاقية (هل يمكننا الحديث عن معرفة بشأنها؟ هل هي تعبير عن شعور؟)، وكذا عملية تبريرها والوضع الميتافيزيقي للخصائص الأخلاقية، بغضّ النظر عن أيّ تصوّر إتيقي خاص. ويرى الذين يقِّسِمون الأخلاق بهذا الشكل أنه يتعيّن على الفلسفة الأخلاقية أن
تهتم أساسًا، إن لم يكن حصرًا، بالميتا–إتيقا. إن الميتا–أخلاق ضمن هذا المبحث تُجري التمييز المعهود في الاستعمال، بين الدلالة الوصفية والدلالة الانفعالية واللغة الأخلاقية، إنما تسكن المدلول الثاني، إنّها أشباه قضايا لخلوّها من المضمون المعرفي "وتكشف هذه الصلات استعمال الوضعيين المناطقة لاستراتيجية معنى المعنى، من أجل الدفاع عن لغة العلم، وطرح اللغة القيمية ونفيها إلى ما وراء عالم العقل والعلم. ولا يعني ذلك أنّ الوضعيين المناطقة قد قدّموا نظرية إيجابية في القيم، ذلك أنّ مثل هذه النظرية من اختصاص الفلسفة". فعلًا، فإنّ وضع لغة الأحكام الأخلاقية تحت مجهر المنهج الميتا–أخلاقي يسهم في التوضيح المنطقي والتحليلي لبنية أحكامنا الأخلاقية، خاصة أنّ "الأخلاق والمنهج لا ينفصلان". إن السيولة الاصطلاحية والدلالية للرؤى والأحكام الأخلاقية إنما تجد أساسها في كون "فلاسفة الأخلاق يشتغلون تحت رعاية الأنظمة الأخلاقية المسبقة، بينما يظهر المنهج التحليلي بوصفه انعكاسًا على لغة الأخلاق، وهي الميتا أخلاق، هذه الأخيرة اليوم؛ من أكثر الحقول خصوبة". ومستلزم هذا الاستخدام الخاطئ لأنظمتنا الرمزية، تحت الأوامر الأخلاقية المسبقة، عَطالة المباحث الأخلاقية في نموّها واستقلالها،
مقارنة بالمباحث العلمية. وإنّ مفتاح تخطّي هذا الإشكال أن تتولّى الفلسفة دور العلاج والإيضاح لبنية
(27) Monique Canto–Sperber, Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale , vol. 2 (Paris: PUF, 2004), p. 1247.
(2((سحبان خليفات، المدرسة اللغوية في الأخلاق: دراسة نقدية للاتجاه الإنجليزي المعاصر في الميتا–أخلاق (عمّان: وزارة
الثقافة، 2010)، ص.58
(29) Angèle Kremer Marietti, L’éthique en tant que méta–éthique (Paris: L’Harmattan, 2001), p. 3. (30) Zielinska Anna, Méta–éthique, connaissance morale, scepticismes et réalisme (Paris: Vrin, 2013), p. 9.
اللغة الأخلاقية ولمنطق اشتغالها، يقول لودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein:)1951–1889("لا يمكن لأيّ منطوق وقائع أن يكون، ولا أن يتضمّن، حكم قيمة مطلق [...] إنّ كلماتنا كما نستعملها في العلم سُفن لا تستطيع غير أن تحمل الدلالة والمعنى وتنقلهما – الدلالة والمعنى الطبيعيين. إذا كانت الأخلاق موجودة، فإنّها فوق طبيعية، بينما كلماتنا لا تريد التعبير سوى عن وقائع". والراشح من هذه التقدمة التحليلية، توجيه التفكير من اللّغة إلى الاستعمال، وصرف النظر عن المعاني المثالية، بخاصة المطلقة منها، والانغراس في الفعل والاتصال اليومي، إن اللّغة قالب لا تحتمل إّلا ما يوضع داخله، وخطأ التفكير أنّه ينقل المعاني من أحداثها الحسية إلى المعاني المطلقة، أو من الوقائع الأصلية إلى التشبيهات الاستعارية، والمثال الذي يظهر هذه الفكرة قولي إنّي مندهش من وجود العالم، فالواقعة الأصلية لهذه العبارة أنّني مندهش من بيت هُدِم، بينما عبارة أنّني مندهش من وجود العالم، لا معنى لها، فليس في قَصبتي المفكرة ولساني المتلِّفِظ وسيلة معرفية تُطلعني على أنّ هذا العالم من الممكنات وليس من الموجودات. لقد اعتبرت الميتا–أخلاق أن مشكلة الأسس الأخلاقية تماثل مشكلة الأسس المنطقية وثوابتها، "إنّ الأسئلة التي تطرحها الميتا–أخلاق تلتقي مع حقول فلسفة اللغة الأخرى بشكل كثير [...] إذا كان من الضروري تقديم مبادئ أخلاقية، يبدو أنه من الضروري أيضًا التساؤل حول وضعها المنطقي leur statut logique، ونطاق تطبيقها، وشموليتها. يجب أيضًا على الأخلاق أن تتخذ موقفًا تجاه المبادئ الأساسية للمنطق، مثل مبدأ عدم التناقض. هل يجب أن تكون القواعد الأخلاقية متناسقة تمامًا بصورة مسبقة، أم يمكن أن تُظهر تناقضات ظاهرية". وليس موضوع الميتا– أخلاق الأمر المعياري، أو الأخذ بأيدي الناس نحو سلوك معيّن، أو تبنّي رؤية أخلاقية معيّنة، وغرضها
المنهجي هو صرف البحث عن الأخلاق المعيارية، وتحويل موضوع الأخلاق إلى إبستيمولوجيا اللغة الخلقية. إنها أقرب إلى التقارير العلمية عن نشاطات الناس، منها إلى المُثل التي يرتكزون عليها في تأويل أفعالهم، ولذلك تعاضدت في الميتا–أخلاق علوم أخرى عدا المنطق واللغة، مثل نظرية المعرفة وعلم الاجتماع وعلم النفس. فهي أقرب إلى الوصف الموضوعي، منها إلى الترغيب القيمي. لقد ساهمت هذه التحليلية الإبستيمولوجية في تصفية النظم المرجعية المتعالية للأخلاق، بخاصة النظم الدينية والعقلية، وبات التداول والاستعمال في فضاء عمومي يبتغي التأثير باللغة هو النموذج السائد، بينما تركت أوامر الفلسفة المعيارية والإلزامات العقلية تسكن في مفاهيمها السّاكنة، وفتحت الفضاء لأجل
الفعل انطلاقًا من اللغة الواقعية والوصفية والحيوية والاستعمالية، وبناءً عليه، فهي لحظة من لحظات
فصل اللغة عن القيمة، هذا الفصل أضاف مبررًا إبستيمولوجيًا إلى العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية،
فعندما تُفصل اللغة عن القيمة، يكون الكلام منغرسًا في التواصل والتداول، مستعمَلًا لأجل تلبية المتع الاستهلاكية، ولأجل إفراغ اللغة من المضامين الأخلاقية، والاكتفاء بالمضامين الاستعمالية، ومن ثم، الإسهام في جفاف الفلسفة الأخلاقية المعاصرة. ونظرًا إلى هذا التضمين الانفصالي عن القيمة بوساطة
منطق التحليل اللغوي، وحذف الجوانب الانفعالية والإرشادية للغة، اعتبر جون ولسون John Wilson
(3((لودفيغ فيتغنشتاين، في الأخلاق والدين والسحر، ترجمة حسن أحجيج (القاهرة: العربية للنشر والتوزيع، 2019)، ص.42–40
(32) Anna, p. 9.
في كتابه العقل والأخلاق Reason and Morals: "ما فعله الفلاسفة [الميتا–أخلاقيون] هو أنّهم أرونا الهيكل المنطقي لتفكيرنا الخلقي [...] ثم تركونا وشأننا". وبالفعل، فإن الحياد في المسائل الأخلاقية لا يحلّ المشكلة بل يتركها للذات النفسية التي إذا لم تجد معيارًا كلّيًا ترتكز عليه، فلن يبقى أمامها إّلا
الفضيلة الشخصية، والمقياس الذاتي للقيمة الخلقية، والحرية التي انتحلت صفة تعيين القيم كلها. وهكذا، فإنّ الميتا–أخلاق لا تفهم من المفاهيم الأخلاقية إّلا مستواها الوصفي، بينما الأخلاق حاوية على الدافعية الانفعالية والإرشادية السلوكية. أتاح لنا ما سبق أنّ أصول العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، في ضوء النماذج التي سقناها، من جون ماري جويو إلى ماكس شتيرنر، إلى التحليل المنطقي للغة الأخلاقية، قد قادت البحث الأخلاقي إلى ما بعد الفلسفة المعيارية، أو بالأفصح إلى ما بعد الأخلاقية التي فاقمت من الرغبة بعد أن كان الخطاب الأخلاقي يطمح إلى تنظيمها، فالسعادة والأنا والإغراء والجسد هي عناوين الفعل الأخلاقي ما بعد المعياري، وهي ليست مجرّد تحّولّات ثقافية أناسية، بقدر ما هي أصول فلسفية تبشّر بنهاية
المتعالي، وتثبت فيض الطاقة الحيوية، وتهجر المثالي والكلّي لأجل الواقعي والفرداني، وتبصر في المعيار حكمًا أخلاقيًا مسبقًا، وتطبّق التفكيك على بنية المنطقية، تمهيدًا لنزع القداسة عنه.
خاتمة: ما بعد العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية
ليس الإقرار بتسُّيُد العتبة الثانية من العلمنة الأخلاقية، بالمدعاة والتقُّوُل بنهاية القيمة والمعيار، لكن
لا بد لنا من الوعي بالجوانب الإيجابية للأفكار التي أشرنا إليها في التحليل، وإذا كان المطلوب منّا تجاوزها، فإنّ التجاوز هنا، لا يعني نفي قيمتها رأسًا، إنما جني الجوانب الإيجابية منها والاتفاق على
أهمية الخطوط النقدية التي فتحتها هذه المناحي، ويمكن أن نرصد منها: 1. حقيق بنا القول إنّ الفلسفة المعيارية كانت في علاقة نسيان مع الكينونة الواقعية للإنسان ومكابداته وآلامه، كانت تجد كمالها الذاتي في قيمتها المعيارية، وليس في الاعتناء بالحياة الانفعالية والوجدانية الملموسة، ونظرًا إلى هذه المسافة بين عالم المعنى وعالم الذات، ظهرت
مناحٍ فلسفية أخلاقية، لا تنطلق من الواجب الآمر بل من الجزء الحيوي المسكون بالألم والبحث عن المعنى. غير أنّنا وضمن آفاقنا الفكرية ليس الأقوم في ضوء التحديات الجديدة هو الانتصار للمعياري على حساب الحيوي أو العكس، بل شُّقُ مساحة خضراء تقرّب المعياري إلى المحايث،
وترتفع بالحيوي من الانحصار في الحقوق الذاتية والأنا والسعادة، إلى جودة الحياة وفن العيش
(3((نقلًا عن: خليفات، ص.416 ((3(ترى جاكلين روس Jacqueline Russ (1934–1999)، في كتابها الفكر الأخلاقي المعاصر، أنّ تجدد البحث في ما تسميه الأخلاق النظرية إنّما يجد مبرّراته في سلسلة التحّولّات الثقافية التي شاركت في ولوج زمن "الفراغ الأخلاقي النظري"، وتركت
أثرها العملي في الإنسان، حيث تبصرها في: "إفلاس المعنى والعدمية، وتهافت الأيديولوجيات والطوباويات، وانتصار الفردية، وظهور تقانات جديدة محدثة زيادة قاسية في قدرات الإنسان. وترى أن هذا يقود إلى تحوّل الوجدان الأخلاقي المشترك ومبادئ
المجتمع المعيارية". ينظر: جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 2001)، ص.19–13
الحكيم. ويمكن أن نسمّي هذا الشرط "الاطمئنان الأخلاقي"، وهو صفة نفسية وروحية مكانها
بين الذاتية الَّرَغوبة والأصولية الأخلاقية، وسيرها يبدأ من "الاطمئنان في إصدار الأحكام الأخلاقية
التي يقصد منها سريانها، بشكل مشروع، عبر الثقافات، وفي استحقاق السعي إلى إقناع الآخرين بمشروعيتها على حد سواء [إنّها الأخلاق السياقية] التي تفهم الأخلاقي بوصفه متعاليًا، وبوصفه
مطلقًا، وبوصفه محايثًا، وبوصفه متجاوزًا". 2. من المكاسب الإيجابية التي تتراءى لنا من الميتا–أخلاق، اليقظة من سوء استعمال ملفوظاتنا الأخلاقية، والوعي ببنائها المنطقي والمعنوي، فكما أنّ المنطق هو آلة الفكر المنهجية، فإّن حاجتنا إلى الاستدلال على أحكامنا الأخلاقية أشد أهمية، لأنّ الأخلاق ترتبط بعالم الحياة وليس بدائرة التفكير فحسب؛ يمكن القول إذًا "إنّ للميتا–أخلاق وظيفةً معياريةً قوامها عقلنة حياتنا الخُلقية، بإعادة تنظيم لغتنا، وتفكيرنا الخلقي، ولا يمكن التسليم بشرعية البحث الميتا– أخلاقي ما لم نسلّم أوّلًا بأنّنا نريد أن نصير أكثر عقلانية [...] إنّ التوضيح المنطقي لبنية
الأحكام الخلقية ذو قيمة كبرى في الحالات المُشكَلة والمختلف فيها. إنّ المنهج الميتا–
أخلاقي ضروري لإزالة الالتباسات في مناقشاتنا، والحيلولة دون الانخداع بالتفسيرات المضلّلة للحياة الخلُقية". 3. إنّ أساسيات السياق والاستعمال والاطمئنان في الهيئات الخلقية تفكير خارج ثنائية المعياري والمابعد أخلاقي، بخاصة سياق الخصوصيات الثقافية العربية، التي ما زالت منظوماتها الأخلاقية المعيارية تغذّي عوالم الفكر والسلوك، لكنها تغذية نسَقية أقرب إلى الفلسفة المعيارية التاريخية
في السياق الغربي؛ لذا، فإنّ تحريك السكون في القول الأخلاقي العربي مشروط بإدخال قيمة السياق والذكاء والتوازن والتوافق والاستنباط من المعاني نحو الوقائع والمسالك غير المعهودة، وهذا هو جوهر الأخلاق التطبيقية – الاستعمالية التي من خلالها نقيم سلسلة التكامل بين المعيار وأتون الفعل، أو بالأفصح لا بدّ من الوسيط الأخلاقي الذي ينير الدروب للمجتمعات العربية كي تسلك في أفعالها وتحدياتها الجديدة بالأخلاق المطبقة وليس بالمواعظ المطلقة فحسب، فقضايا العدالة والكرامة والتغيير والحرية والتحوّل الثقافي والمشترك الأخلاقي الإنساني، على
الرغم من صلابة منظومة القيم في الثقافة العربية، فإنّ الوسيط الأخلاقي لم يقتدر على إيجاد صيغ عربية أصيلة لهذه المفاهيم التي ظهرت بسبب الظروف والتحديات. من هنا، تأتي فكرة تدعيم خطاب الأخلاق المعيارية العربية وتقويتها بالأبعاد السياقية واللغوية والترابطية من أجل الاقتدار على إيجادها في الفضاءين الخاص والعام.
(3((سيسيليا إريكسن، التغيّر الأخلاقي: الديناميات والبنية والمعيارية، ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم (الجزائر: ابن النديم؛
بيروت: دار الروافد، 2023)، ص.222–203 ((3(خليفات، ص.426–418
المراجع
العربية
الجزائر: ابن النديم؛ بيروت: دار الروافد،.2023
دار نينوى،.2021
بيروت: منتدى المعارف،.2019
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
الميتا–أخلاق. عمّان: وزارة الثقافة،.2010
الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
المركز الثقافي العربي،.2002 عمر، إبراهيم. "جويو ضد نيتشه". مجلة إبداع. العدد 9 (أيلول/ سبتمبر.)2001
والتوزيع،.2019
References
إريكسن، سيسيليا. التغيّر الأخلاقي: الديناميات والبنية والمعيارية. ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم.
إنجل، باسكال. رذائل المعرفة: بحث في الأحكام الأخلاقية الفكرية. ترجمة قاسم المقداد. بيروت:
بلعقروز، عبد الرزاق. تحّولّات الفكر الفلسفي المعاصر: أسئلة المفهوم والمعنى والتواصل. ط. 2
تايلور، تشارلز. المتخّيلّات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. الدوحة/ بيروت: المركز
جويو، جون ماري. الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء. ترجمة سامي الدروبي. القاهرة: دار الفكر العربي،
خليفات، سحبان. المدرسة اللغوية في الأخلاق: دراسة نقدية للاتجاه الإنجليزي المعاصر في
روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر. ترجمة عادل العوا. بيروت: عويدات للنشر والطباعة،
رولز، جون. محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق. تحرير باربارا هرمان. ترجمة ربيع وهبة.
سبيربير، مونيك كانتو وروفين أدجيان. الفلسفة الأخلاقية. ليبيا/ لبنان: دار الكتاب الجديد،.2008 شتيرنر، ماكس. الأوحد ومِلْكِيتُه. ترجمة عبد العزيز العيادي. العراق/ ألمانيا: منشورات الجمل،.2016 عبد الرحمن، طه. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. بيروت/ الدار البيضاء:
فتغنشتاين، لودفيغ. في الأخلاق والدين والسحر. ترجمة حسن أحجيج. القاهرة: العربية للنشر
كانط، إيمانويل. نقد العقل العملي. ترجمة ناجي العونلي. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2011
ليبوفتسكي، جيل. أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمة الديمقراطية الجديدة. ترجمة عصام المراكشي. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2018 ______. تتويج الأصالة. ترجمة محمد بن الطيب وعادل النجلاوي. الرياض: دار أدب للنشر والتوزيع،.2022
الأجنبية
Anna, Zielinska. Méta–éthique, connaissance morale, scepticismes et réalisme. Paris:
Marietti, Angèle Kremer. L’éthique en tant que méta–éthique. Paris: L’Harmattan, 2001. Métayer, Michel. La philosophie éthique, enjeux et débats actuels. Canada: Renouveau
Riba, Jordi. "L’au–delà du devoir. Guyau précurseur de la morale de notre temps."
Sperber, Monique Canto. Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale. vol. 2. Paris:
Vrin, 2013.
Pédagogique, 1997.
Corpus Revue de philosophie. no. 46 (2004). at: https://2u.pw/PU5nBjE
PUF, 2004.