العودة إلى تفاصيل المؤلَّف خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية ونقدية لنماذج أيديولوجية ونظرية

خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية ونقدية لنماذج أيديولوجية ونظرية

The Discourse of Justice in Contemporary Arab Thought: An Analytical and Critical Study of Theoretical and Ideological Models

الزواوي بغورة

Zwawi Beghoura

الملخّص

يسعى هذا البحث لتحليل خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر، وتشخيص بعض ملفوظاته الأساسية، وبيان علاقاته المتعددة، والوقوف عند سياقه الخاص والعام، معتمدًا على مدونة أولية من الخطابات - النصوص التي ألَّفها مفكرون عرب معاصرون، وذلك بهدف استخلاص جملة من العناصر والقواعد التي تنظم هذا الخطاب وتوجهه.

Abstract

Abstract: This paper analyses the discourse of justice in contemporary Arab thought, identifying some of its basic manifestations, indicating its various relationships and examining its general and specific context. The study relies on a preliminary corpus of discourses and texts composed by contemporary Arab thinkers, with the aim of extracting a set of common elements and rules that regulate this discourse and its direction.

الكلمات المفتاحية:
  • الخطاب
  • العدل
  • العدالة الاجتماعية
  • الفكر العربي
  • الأيديولوجية
Keywords:
  • Discourse
  • Justice
  • Social Justice
  • Arab Thought
  • Ideology

الزواوي بغورة * | Zwawi Beghoura

The Discourse of Justice in Contemporary

Arab Thought: An Analytical and Critical Study

of Theoretical and Ideological Models

على مدونة أولية من الخطابات – النصوص التي أَّلَفها مفكرون عرب معاصرون، وذلك بهدف استخلاص جملة من العناصر والقواعد التي تنظم هذا الخطاب وتوجهه.

نظرية"،  رقم AY01/21. وإنّني أنتهز هذه المناسبة لأتقدم بالشكر الخالص لإدارة الأبحاث بجامعة الكويت، وكلية الآداب، وقسم

الفلسفة، على اعتماد هذا المشروع الذي سمح لي بالاطلاع على أعمال الباحثين العرب في موضوع أخلاقي وسياسي مهم هو العدل والعدالة الاجتماعية.

مقدمة

الناظر في الحياة الثقافية والسياسية والأخلاقية العربية يدرك بيُسر حضور خطاب العدل

في المناقشات الفكرية، والكتابات الإعلامية، والشعارات التي يرفعها كثير من الحركات الاجتماعية والثقافية في العالم العربي، وبخاصّة خلال أحداث ما أصبح يُعرف بالربيع العربي، وبعدها. ضرفت ةيجهنملا ةلئسلاأ نم ةلمج نّإف، هصيخشت وأ، ايدقن لايًاالحت هليلحتو، كلذ دصر ىلع لامًااعو نفسها، منها: كيف ظهر هذا الخطاب في الثقافة العربية المعاصرة؟ وما سياقه التاريخي والثقافي؟ وما معالمه الكبرى منذ أن شَّكَل أحد أسس الحركة التحررية في العالم العربي، ومث لًا لقيام الدولة الوطنية أو القومية، وموضوعًا للنظر الفلسفي؟ يعتمد تحليل الخطاب، كما هو معلوم، على مدوّنة نصية تشكّل مرجعًا في بحث الأسئلة المطروحة. وإذا كان صحيحًا أنّ ثمة كًّمًا هائلًا من هذه الخطابات المتنوعة، فإنّ هنالك معايير تفرض نفسها في

عملية الانتقاء والتصنيف، ومنها أن تكون تمثيلية قدر الإمكان، وأن تحِّقِق قدرًا من الموضوعية، وأن تسمح بتشكيل نظرة كلية؛ وأن تتكوّن على الأقل من مستويين من مستويات تحليل الخطاب، وأعني

بذلك الممارسات الخطابية والممارسات غير الخطابية. يحيل المستوى الأول على مفهوم الخطاب في علاقته بمفاهيم أساسية، أو بتعبير دقيق، على ملفوظات خطابية أساسية، منها المساواة، والحرية، والديمقراطية، والدولة... إلخ. ويحيل المستوى الثاني على المجتمع والمؤسّسات الاجتماعية كمؤسسة التعليم والصحة والقضاء، على سبيل المثال. وهذا يعني

أنّ الأطروحة الأساسية التي يتقدّم بها البحث هي أنّه لا  يمكن الحديث عن العدل والعدالة الاجتماعية في الخطاب الفلسفي العربي المعاصر من دون الحديث عن المجتمع والدولة، والمجتمع العربي الحديث والدولة العربية الحديثة تحديدًا، وتجارب اجتماعية وسياسية وثقافية عربية محدّدة؛ وذلك لأنّ تحليل الخطاب في تحديداته الأولية يعني "دراسة الملفوظات المنطوقة والمكتوبة بوصفها ممارسات اجتماعية، ناتجة من سياقات خاصة". من هنا كان الخطاب من المنظور التداولي هو اللغة في حالة الاستعمال الفعلي. وإذا سلمنا جدلًا أنّ العدل قيمة أخلاقية وسياسية مطلقة، فإنّها تتشكّل وتتشخص في نماذج وتجارب تاريخية، تفرض عليها قدرًا من النسبية، والتحوّل، والتغير، والثراء والتقدم أو الخواء والتراجع، رغم أنّ قيمة

العدل، كما نعلم، قيمة أخلاقية وسياسية قديمة قدم الإنسان، ولعل صورتها الأولى تظهر في "الاعتدال"، و"المعاملة بالمثل"، و"إعطاء كل ذي حق حقه" إلى أن بلغت في عصرنا صورة "حقوق الإنسان". وهذا يعني، في سياق بحثنا، ضرورة التمييز بين العدل بوصفه قيمة ومث لًا، وأشكال من العدل النظري والعملي على حد سواء، تجسدت في خطابات معيّنة في فكرنا العربي المعاصر، يمكن تقسيمها منهجيًا

(1) Chris McVittie & Andy McKinlay, "L’analyse du discours dans les pays anglo–saxons," Bulletin de psychologie , vol. 5, no. 521 (2012), p. 426.

(((ديفيد جونستون، مختصر تاريخ العدالة، ترجمة مصطفى ناصر، سلسلة عالم المعرفة 387 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2012)، ص.13

إلى نوعين من الخطابات: الخطاب الأيديولوجي، والخطاب النظري. وهما خطابان متمايزان ومتداخلان في الوقت نفسه؛ لأنّهما من جهة يصدران عن مؤلفين مختلفين، لهم توجّهات فكرية وسياسية متباينة، ولكنهما  يتضمّنان عناصر متداخلة، وينتميان إلى مرحلة تاريخية حديثة نسبيًا، يمكن تعيينها مبدئيّا من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا، وتظهر في مؤسّسات حديثة ملازمة لظهور الدولة في المجتمعات العربية الحديثة، وهو ما  يشير إليه المستوى الثاني من التحليل باسم الممارسات غير الخطابية.

أولا: الخطاب الأيديولوجي

يشكّل نص كتاب سيد قطب (1906–1966) العدالة الاجتماعية في الإسلام، مَعلمًا محوريًا في هذا الخطاب الأيديولوجي. وثمة معطيات كثيرة تقف وراء هذا التصنيف، منها المعطى التاريخي والسياسي والثقافي المتمثل في أنّ هذا الخطاب – النص عبارة عن سجال ونقد ودحض للخطاب الرسمي وغير الرسمي على حٍّدٍ سواء، والمتمثل في خطاب الاشتراكية والرأسمالية في البداية، ثم في خطاب الاشتراكية الناصرية، ومختلف الاشتراكيات التي تبنّتها النظم العربية في ستينيّات القرن العشرين وسبعينيّاته، وبخاصّة في سورية، والعراق، وليبيا، والجزائر، وكذلك لما عُرف ب "الاشتراكية الإسلامية". ثم إنّه كان ولا  يزال وراء ظهور كثير من الخطابات الإسلامية عن العدل والعدالة الاجتماعية تحديدًا.

(((لا  يتعلق الأمر هنا ببداية أولية ومطلقة، لأنّ ثمة تاريخًا لمفهوم العدل في الفكر العربي، وهو ما سأشير إليه في العنصر الثاني في هذا البحث، ولكنني أعتقد أن هذه البداية تتفق وظهور الحركات الوطنية في العالم العربي وتحوّلها إلى طليعة قائدة لمعظم

المجتمعات العربية، ولبداية تشكّل الدولة الوطنية واستقلالها عن الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي، ولا تزال، كما نعلم جميعًا،

فلسطين محتلة، وتعمل حركتها التحريرية على تقرير مصيرها، بناء على قيمة العدل، والحق في تقرير المصير. إنّ هذا الطرح يتفق، وما نقرؤه، على سبيل المثال، عند بعض الباحثين. ينظر: جلال أمين، "العدالة الاجتماعية من منظور المشروع الحضاري"، في:

جلال أمين [وآخرون]، نحو مشروع نهضوي عربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.655 (((للأيديولوجيا، كما نعلم، معان عديدة، أهمها: أنّها تعبر عن مصالح جماعة معينة، وتقدم لها وعودًا مستقبلية. وهذا ما نقرؤه عند

سيد قطب: "إلى الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين، فوجدتهم في واقع الحياة قائمين". ينظر: سيد قطب، العدالة

الاجتماعية في الإسلام (القاهرة: دار الشروق، 1995)، ص 5، 214، 216. ويجب الإشارة إلى أنني لا أذهب مذهب التمييز والمقابلة بين الأيديولوجيا والعلم كما  يفعل، على سبيل المثال، الفيلسوف لويس التوسير Louis Althusser (1990–1918)، وبعض قرائه في الثقافة العربية، لأنّني أرى أنّه لا  يمكن الفصل بينهما، وهو ما سأبينه في نهاية هذا البحث. ومعلوم أنّ تحليل الخطاب يهتم بتحليل

الأيديولوجيا، بل إنّ ثمة اتجاهًا كاملًا في تحليل الخطاب لا  يهتم إّلا بهذا الموضوع. (((ثمة نقاش حول العلاقة بين النص والخطاب، ولكن المؤكد هو أن النص في حد ذاته خطاب، وهو ما بيّنه العالم اللغوي

الأميركي زليغ هاريس Zellig Harris (1992–1909). وتجب الإشارة إلى أنّه إذا كان تحليل المحتوى سابقًا لتحليل الخطاب،

فإنّهما قد عرفا تكاملًا منهجيًا، بحيث يرمز للفرق والتكامل بينهما على هذا النحو: (الخطاب = النص+ السياق/ النص = الخطاب

– السياق). ينظر: الزواوي بغورة، الخطاب، بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو، ط  3(بيروت: ابن النديم للنشر

والتوزيع؛ دار الروافد – ناشرون، 2022)، ص.124–101 (((ينظر الدراسات الآتية: عبد الحميد براهيمي، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 1997)؛ مصطفى السباعي، اشتراكية الإسلام (القاهرة: الدار القومية للنشر، 1960)؛ محمد الغزالي، الإسلام والمناهج

الاشتراكية، ط  4(القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)؛ جمال البنا، نظرية العدل في الفكر الأوربي والفكر الإسلامي

(القاهرة: دار الفكر الإسلامي، 2011)؛ توفيق مقار ومحمد عبد القادر حافظ، العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد (القاهرة: دار المعارف،

[د. ت.]). ملاحظة: كتب مقدمة هذا الكتاب جمال عبد الناصر (1970–1918)؛ الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "الميثاق

الوطني"، الجريدة الرسمية، السنة  13، العدد 61،.1976/7/30

ولا خلاف في أنّ خطاب العدالة الاجتماعية في الإسلاميشِّكِل جزءًا من الخطاب الديني والأخلاقي

والسياسي والأيديولوجي لمؤِّلِفه قطب، وهو في مجمله جزء من الخطاب الإسلامي المعاصر. لكنّ الذي يعنينا في هذا البحث هو الوقوف على بعض عناصر أو ملفوظات أو منطوقات لخطاب العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومنها الدين والمجتمع، وجملة العناصر المكونة للعدالة الاجتماعية. ولكن قبل ذلك، يجب التشديد على أمرين: أولهما هذه العلاقة بين الدين والمجتمع، وثانيهما ملفوظ العدالة الاجتماعية نفسه، وليس العدالة أو العدل على الإطلاق، رغم أنّ قطب يماثل في بعض فقرات نصوصه بين العدالة الاجتماعية والعدل. والسبب الذي يجعلنا نشِّدِد على هذين الأمرين هو أنّ العدالة الاجتماعية تتعيّن في مجتمع؛ لذا فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه بداية هو: ما مفهوم المجتمع عند

قطب؟ يقول: "ولن يستقيم هذا الدين في عزلة عن المجتمع". ويقول: "لكن الإسلام لا  يملك أن يؤدّي دوره إّلا أن يتمثّل في مجتمع، أي أن يتمثّل في أمة". فما الذي يعنيه بالمجتمع؟ يحضر ملفوظ المجتمع، والمجتمع الإسلامي تحديدًا، في مختلف كتابات قطب، ويتداخل مع ملفوظات: الجماعة، والنظام الاجتماعي، والشريعة، والعقيدة، والأمة. وتلتقي كلها في التحديد العضوي للمجتمع الذي يستعيد بطريقة غير مباشرة حديثًا نبويًا مشهورًا. يتحدّد المجتمع المسلم بأنّه "مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرّك – بإرادة واعية أو غير واعية – للمحافظة على

وجوده، والدفاع عن كيانه، والقضاء على عناصر الخطر التي تهِّدِد ذلك الوجود، وهذا الكيان في أيّة صورة من صور التهديد". ويقول: "ومن ثم لم يكن بد أن تتمثّل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجُّمُع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى [...] ولم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي". يعني هذا أنّ المجتمع المسلم يختلف عن المجتمع الجاهلي اختلافًا جذريًا، وتخترق هذه القسمة بين المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي مختلف

نصوص قطب، وتشِّكِل مبدأ أساسيًا من مبادئ القسمة في تصنيفه للمجتمعات، والمعتقدات،

والأفكار.

(((قطب، ص.11 (((سيد قطب، معالم في الطريق، ط  6(القاهرة: دار الشروق، 1979)، ص.5 (((ينظر خصوصًا: المرجع نفسه، ص 55–46؛ سيد قطب، نحو مجتمع إسلامي، ط  13 (القاهرة: دار الشروق، 2008)؛ سيد قطب،

السلام العالمي والإسلام، ط  14 (القاهرة: دار الشروق، 2006)، ص.149–94 ((1("مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". أخرجه مسلم، وفي رواية البخاري بلفظ: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له

سائر جسده بالسهر والحمى". ينظر: "وجوب الانتصار للمظلومين وسبل نصرتهم"، إسلام ويب، شوهد في 2023/12/6، في: https://cutt.us/0fvmT؛ وحول المماثلة التي يجريها بين المجتمع، والنظام الاجتماعي، والجماعة، والشريعة، والعقيدة، والأمة،

ينظر: قطب، معالم في الطريق، ص  48، 50،.52 (1((قطب، معالم في الطريق، ص.48 ((1(المرجع نفسه، ص.50

لا  يتردّد قطب في الفصل في نشأة هذا المجتمع الإسلامي الذي صنعته في نظره الشريعة الإسلامية. يقول: "والعلة الرئيسية في تفُّرُد المجتمع الإسلامي بنظامه الخاص هي أنّه مجتمع من صنع شريعة خاصة، جاءت من لدن إله، فهذه الشريعة التي وُجدت كاملة منذ نشأتها غير متدرجة تدُّرُجًا تاريخيًا [...] هذه الشريعة هي التي أوجدت هذا المجتمع، وأقامته على أسسه التي أرادها الله لعباده". ويؤكد هذه الفكرة في قوله: "إنّه ليس المجتمع الإسلامي هو الذي صنع الشريعة، إنّما الشريعة هي التي صنعت المجتمع الإسلامي، هي التي حَّدَدت له سماته ومقاماته، وهي التي وجّهته وطوّرته، ولم تكن الشريعة مجرّد استجابة للحاجات المحلية". وإذا كان مفهوم الشريعة يحتاج إلى تحليلٍ وتدقيق، فإنّ ما  يجب الإشارة إليه هو ذلك التشديد الذي رَّكَز عليه قطب، والمتمثل في البعد الأخلاقي للشريعة، وللعدل من حيث هو فضيلة اعتدال أو "توازن" أو"تعادل". يقول: "العدالة في نظر الإسلام: مساواة إنسانية ينظر فيها إلى تعادل جميع القيم [...]، وأنّ التوازن الاجتماعي هو القاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناء العدالة الاجتماعية". وما لا شك فيه أنّ هذا المنظور المثالي للمجتمع المتخيل والثابت، بما أنّ الشريعة هي التي صنعته، وهي التي تحكمه، يتنافى مع أبسط حالات التدرج والتغير، بما في ذلك تلك الحالات التي أقَّرَها التفسير الديني للإسلام، وأعني بذلك عمليات التدرج في التحريم، والتي نقرؤها في القرآن الكريم، وتتنافى، بالطبع، مع ما  يمكن تسميته بالمجتمع الواقعي الذي له بنيته وعناصره، وعلاقاته المختلفة، وأكثر من هذا صراعه وتعاونه، تنافسه وتضامنه، ورذائله وفضائله، ولذلك كله، فإنّ المجتمع يظهر في تحليلات قطب بوصفه "الجماعة العضوية الصغيرة المترابطة بعلاقاتها الشخصية ومصالحها المشتركة"، وذلك عكس مفهوم المجتمع المركب و"اللاشخصي". يتصف هذا المجتمع المثالي المتخيل بجملة من المبادئ الكلية والعامة، منها العدالة الاجتماعية. فما عناصرها الأساسية؟ 1. العدالة الاجتماعية في الإسلام جزء من التصوّر الإسلامي عن الألوهية والحياة والإنسانية.

ويُلتمس هذا التصوّر في القرآن والسنة النبوية فحسب، ويجب أّلا يرتبط بأي مصدر آخر،

وبخاصّة الفلسفة التي قال بها "فلاسفة الإسلام"، لأنّها في نظره "ظلال للفلسفة الإغريقية، غريبة

في روحها عن روح الإسلام". وهو ما  يعني أنّ العدالة الاجتماعية في الإسلام ذات طبيعة دينية

(1((قطب، نحو مجتمع إسلامي، ص.54 ((1(المرجع نفسه، ص.55–54 (1((قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص.179–178 (1((فرديناند تونيز، الجماعة والمجتمع المدني، ترجمة نائل حريري، جوزيه هاريس (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.57 (1((قطب، نحو مجتمع إسلامي، ص.59–58 (1((قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص.20

خالصة، إنْ لم تكن لاهوتية، وبخاصّة إذا قبلنا بالفكرة القائلة إنّ ما  يقِّدِمه قطب هو محاولة

نظرية قائمة على أسس دينية، وإنّ الحجة الأولى والأخيرة التي يستعملها هي حجة النص الديني المقدس التي تحولت إلى سلطة قطعية في عمليات الفصل والتصنيف والقسمة. يؤكّد هذا قوله إنّ التصوّر الإسلامي يقوم على فكرة أنّ "الوجود وحدة متكاملة الأجزاء، متناسقة الخلقة والنظام

والاتجاه". وهذا الوجود صادر عن إرادة الله المطلقة، وأنّ الناس فيه "جزء من الكون متعاون متناسق مع سائر أجزائه، ولأنّ أفراد الإنسان خلايا متعاونة متناسقة مع الكون". وهو ما  يعني أنّ العنصر الأساسي والمحدد لمفهوم العدالة عند قطب، هو العنصر الديني المتضمن بالضرورة للعنصر الأخلاقي، كما تبينه الكلمات والعبارات المستعملة، أو بتعبير دقيق، ملفوظات الخطاب القطبي نفسه، وبخاصة ملفوظ "العدل المطلق". 2. يحكم التعاونَ والتناسقَ بين البشر، أو بالأحرى بين المسلمين، "منهجُ الله وشرعه". ولذا،

فإنّ الأصل في الاجتماع البشري هو "التعاون والتعارف والتناسق في حدود منهج الله وشرعه"، وأنّ "الحياة تعاون وتكافل في نظر الإسلام، لا حرب وتنازع وخصام". والحق أنه إذا كان التعاون يشكّل مظهرًا أساسيًا في الحياة الاجتماعية لا  يمكن إنكاره، وأنّ حضوره دليل على

قيام الحياة الاجتماعية، فإنّ الذي لا  يجب إنكاره أيضًا هو ضروب المنافسة والصراع والحرب والاقتتال بين الناس، وبين المسلمين أنفسهم، أو داخل المجتمع الإسلامي نفسه. وبناء عليه، فإنّ من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الذي يجعل قطب يعطي التعاونَ والائتلاف الأولويةَ في مقابل التنافس والصراع، لو لم يفِّكِر في الجماعة التي يتوجّه إليها بخطابه، وليس في المجتمع

الذي تخترقه ضروب من التعاون والتنافس، وأشكالٌ من التكافل والصراع، ويجعله يتناسى أو ينكر الصراع والاقتتال الذي عرفه المجتمع المسلم الأول الذي يتخذه مث لًا ونموذجًا للمجتمع

الإسلامي الذي يخضع للحاكمية الإلهية، في مقابل المجتمع الجاهلي البشري الذي يحتكم إلى شرائعه الخاصة؛ وأقصد بذلك ما يُعرف عند المؤرخين بالخلافة الراشدة التي شهدت مقتل ثلاثة

من خلفائها الأربعة! والحرب الأهلية التي اصطلح عليها بالفتنة الكبرى! 3. تقوم العدالة الاجتماعية في الإسلام على ثلاثة أسس: التحرر الوجداني المطلق، والمساواة الإنسانية الكاملة، والتكافل الاجتماعي الوثيق. وتشترط قيام حكم إسلامي اصطلح عليه

(1((عمار بنحمودة، "طوبى العدالة الاجتماعية وعداء الديمقراطية"، مجلة يتفكرون، العدد  10 (2017)، ص.132 (2((قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص.22 ((2(المرجع نفسه، ص.23 ((2(المرجع نفسه، ص.188 ((2(المرجع نفسه، ص.23 ((2(المرجع نفسه، ص.24 ((2(المرجع نفسه، ص.28 ((2(المرجع نفسه، ص.32

ب "الحاكمية لله وحده". وهذه الحاكمية نظام مستقل ومتكامل. وهو ما  يعني أن قطب يعطي الأولوية للجانب النفسي والأخلاقي في منظوره للعدالة الاجتماعية، الذي يشخص في الإيمان المتحِّرِر من مختلف أشكال العبودية، باستثناء عبودية الله. ويشكّل هذا التحرّر حافزًا لتمُّثُل قيم

العدل، إّلا أنّنا نعلم أنّ هذا الحافز مهما كانت قوته، وحيويته، فإنّه إذا لم يتجسد في نظام من المبادئ والقواعد المحَّدَدة، فإنّه سيكون موقّتًا ومحدودًا. ولنا في تجربة الخلافة الراشدة دليلٌ على ذلك، وبخاصّة ما شاب حكم الخليفة الثالث في توزيع الخيرات والثروات التي أدت إلى الانتفاضة ضد حكمه، ومن ثمة إلى قتله. وأمّا الأساسان الثاني والثالث، فإنّ قراءة ما قَّدَمه قطب، تكشف عن اعتماده على الأسلوب المجازي والخطابي لتجاوز مختلف المشكلات التي تطرحها مسائل المساواة والتكافل في العدل، وذلك سواء على مستوى النصوص الأساسية للإسلام أو تجربته التاريخية، وما علينا إّلا أن نفكّر في ضروب التفاوت التي عرفها المجتمع المسلم بين الأحرار والعبيد، وبين الرجال والنساء، وبين المسلمين وأهل الكتاب أو أهل الذمة... إلخ، وبخاصّة إذا علمنا أنّ المعنى الأولي للعدالة الاجتماعية مقرون بالمساواة أمام القانون، في حين أنّ العدالة الاجتماعية التي يتحَّدَث عنها تحتكم إلى مبدأ التفاوت الذي يطبع المجتمع نفسه، وهو ما عبّرت عنه الشريعة نفسها. 4. تتحقّق العدالة الاجتماعية عند قطب بوسيلتين أساسيتين: التربية الأخلاقية، والقانون أو الشريعة؛ وذلك لأنّه يرى أنّ "القيم الإسلامية الرفيعة" هي وسيلة التعادل في المجتمع الإسلامي. وأنّ هذا التعادل لا  يتحقّق إّلا بالبناء الذاتي بالتربية الإيمانية لأبناء المجتمع المسلم، وبالقوانين والتشريعات التي ترعى الدولة الإسلامية. يقول: "وحيثما حاول الإسلام أن يحقق العدالة الاجتماعية كاملة، ارتفع بها عن أن تكون عدالة اقتصادية [...] فجعلها عدالة إنسانية شاملة، وأقامها على ركنين قوَّيَين، الضمير البشري داخل النفس، والتكليف القانوني". 5. لا  يمكن فصل خطاب العدل هذا بعناصره الثلاثة: التحرر الوجداني، والمساواة، والتكافل، عن سياقه التاريخي. فإذا كان صحيحًا أنّ قطب أراد تقديم خطاب إسلامي في العدل موَّجَه ضد الخطاب الماركسي والليبرالي، فإنّ هدفه الأساسي هو تقديم خطاب جدالي أو سجالي لأنصاره ومشايعيه، ومُّدُهم بوسيلة تمِّكِنهم من الرد على الخطابات المنافسة. من هنا نرى أنّ خطاب العدل عند قطب هو "خطاب أيديولوجي بمقدار ما هو خطاب نظري، وهو كخطاب أيديولوجي، يشِّكِل في لغة الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein) 1951–1889(

((2(المرجع نفسه، ص.76 ((2(المرجع نفسه، ص.191 (2((رضوان السيد، "مسألة العدل في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر"، في: رضوان السيد [وآخرون]، العدل في المسيحية

والإسلام (جونيه: المكتبة البولسية، 1998)، ص.102

صورة من صور الحياة". وبوصفه كذلك، فقد عملت على تحقيقه مجموعة من حركات الإسلام السياسي المعاصر، بما في ذلك الحركة الإسلامية التي انتسب إليها، وقادها لمدة زمنية معينة. 6. لعل من المفارقة القول إنّه في الوقت الذي رفض فيه قطب العودة إلى أي مصدر من مصادر الفكر والفلسفة، بصفة خاصة، فإنّه في تصنيفه للمجتمع إلى جاهلي ومسلم يستعيد في الحقيقة التصنيف الذي قال به أبو الحسن الندوي (1999–1914)، وأنّ المجتمع المسلم الذي يحتكم إلى الشريعة أولًا وأخيرًا، وهذا الاحتكام هو ما اصطلح عليه ب "الحاكمية" الذي قال به

أبو الأعلى المودودي (1979–1903). ثم إنّ هذا التصنيف الذي أراده قطب أن يكون خاصًا

وأصيلًا لا  يخرج في عمومه عمّا ذهب إليه أبو نصر محمد الفارابي (339–260 ه)، في تصنيفه

للمدن الفاضلة والجاهلة، في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة، رغم الفارق النوعي في مضمون التقسيمين وأبعادهما، ولكنهما من حيث اللفظ متماثلان. والناظر في المفهوم الإسلامي للعدل الذي يساجل به قطب، يجده في الحقيقة قائمًا على فكرة الانسجام. وهذا المعنى نجده عند

القدماء سواء أكانوا فقهاء أو متكلمين، أو فلاسفة، ممّن عَّدَهم مجرّد ظلال للفلسفة اليونانية،

ونجده عند الفارابي الذي يقول في كتابه فصول منتزعة: "إنّ أجزاء المدينة ومراتب أجزائها يأتلف بعضها مع بعض ويرتبط بالمحبة، وتتماسك وتبقى محفوظة بالعدل وأفاعيل العدل". كما  يقول: "العدل أولًا يكون في قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم، ثم من بعد ذلك في حفظ ما قسم عليهم. وتلك الخيرات هي السلامة والأموال والكرامة والمراتب وسائر الخيرات، التي يمكن أن يشتركوا فيها. فإنّ لكل واحد من أهل المدينة قسطًا من هذه الخيرات مساويًا لاستئهاله". 7. يعكس مفهوم العدالة الاجتماعية كما قدمه قطب منظورًا أخلاقيًا ومثاليًا للمجتمع، يأبى أن

ينظر في واقع ذلك المجتمع كما هو معطى في التجربة التاريخية الحية؛ وذلك لأنّه يختزل المجتمع في الجماعة، ولا  يرى المجتمع في تنُّوُعه وتعُّدُده، وأزماته، وصراعاته، أو قل إنّه ينظر

إلى كل هذه الأمور من منظور الجماعة التي يتوجه إليها، لذا كان خطابه خطابًا أيديولوجيًا، يهدف

إلى التغيير، وتحقيق عدالة مثالية وطوباوية. ولكن إذا كان خطاب قطب في العدالة الاجتماعية يتسم بطابعه الأيديولوجي، فإنّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنّه خطاب يتوجه إلى أيديولوجيتين منافستين، الاشتراكية والرأسمالية، اللتين تتسمان ببعض القواسم المشتركة، وبخاصّة ما  يتعلق

بالنظرة الكلية والسجالية.

(3((محمد حافظ دياب، سيد قطب، الخطاب والأيديولوجيا، ط  2(بيروت: دار الطليعة، 1988)، ص.129 (3((أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ (المنصورة: مكتبة الإيمان، [د. ت.])، ص  29 وما  يليها. هذا ويجب الإشارة إلى أنّ كاتب مقدمة الكتاب هو سيد قطب، ينظر: المرجع نفسه، ص.14–10 (3((أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، تعريب أحمد إدريس (الكويت: دار القلم، 1978)، ص.48–37 (3((أبو نصر الفارابي، فصول منتزعة، تحقيق وتقديم فوزي ميتري نجار (بيروت: دار المشرق، 1971)، ص.70 ((3(المرجع نفسه، ص.1

ثانيًا: الخطاب النظري

قد لا أجانب الصواب إذا قلت إنّ الخطاب النظري للعدل في الفكر العربي المعاصر يعُّدُ محاولة لتجاوز أنواع القصور التي وسمت الخطاب الأيديولوجي، سواء أتعَّلَق الأمر بالخطاب القطبي الذي أشرت إلى بعض عناصره، أم الخطابات الاشتراكية الرسمية، أو الخطابات المنافسة باسم الرأسمالية أو الليبرالية. والحق أن هذا الخطاب النظري، أو على الأصح الخطابات النظرية، قد ظهر بوصفه علامة على أزمة الخطاب الأيديولوجي، في شكله الرسمي الاشتراكي تحديدًا، أو في شكله الإسلامي المعارض كليًا أو جزئيًا.

وهو ما  يعني أنّ هذا الخطاب لم يكن البتة منفصلًا عن أسئلة الواقع الاجتماعي، وإنْ كان معنيًا أكثر

بالمشكلات النظرية والتاريخية التي يطرحها مفهوم العدل، ويظهر في مجموعة من الخطابات، أهُّمُها:

1. العدل في التراث الفكري العربي

يحتل كتاب مجيد خدوري (2007–1909)، مفهوم العدل في الإسلام، منزلة رائدة في هذه الخطابات النظرية، وذلك من جهة شموليته لمراحل تاريخ الفكر الإسلامي القديم والحديث، ومن جهة تحليل عناصر مفهوم العدل وأشكاله المختلفة، وبخاصّة العدل السياسي، والفلسفي، والأخلاقي، والقانوني، والاجتماعي، والعدل بين الأمم، ومن جهة المقاربة التحليلية التي تهتم بدراسة "تجربة الإسلام مع العدل"، ومحاولة تعيين حدودها، لأنّها "كغيرها من تجارب الأمم الأخرى، [ولأنّه] ليس في وسع أي شعب ادعاء امتلاك معيار أفضل من معايير الشعوب الأخرى". والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: ما معنى تجربة الإسلام مع العدل؟ تظهر هذه التجربة من خلال التمييز بين شكلين من أشكال العدل: الأول هو العدل الوضعي الذي عَّبَرت عنه النظرية النفعية ونظرية العقد الاجتماعي في الفكر الغربي الحديث، ونقدِهما من جانب

((3(في الواقع، إن هذا الإخفاق لا  يشمل الخطاب الاشتراكي الرسمي فقط، وإنّما  يمتد ليشمل مختلف الخطابات الماركسية في

العالم العربي، التي لم تتمكن من تقديم مفهوم للعدل، كما هو الحال في بعض صور الماركسية الأوروبية، وخاصة ما  يعرف بالماركسية التحليلية. والعودة إلى بعض المراجعات النقدية التي تمت تؤكد هذا المعطى السلبي في تاريخ الفكر الماركسي العربي.

ينظر: عبد الإله بلقزيز [وآخرون]، الثقافة العربية في القرن العشرين، حصيلة أولية، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

2013)؛ علي القادري، تفكيك الاشتراكية العربية، ترجمة فكتور سحاب (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2020 ((3(يجب التذكير بأنّ تيارًا في الفكر الإسلامي المعاصر ينتصر لما  يسميه بالاشتراكية الإسلامية. ينظر: السباعي. (3((مجيد خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ترجمة دار الحصاد (دمشق: دار الحصاد؛ دار الكلمة، 1998). تجب الإشارة إلى أن الكتاب صدر باللغة الإنكليزية عام.1984

Majid Khddouri, The Islamic Conception of Justice (Baltimore & London: The Johns Hopkins University Press, 1984).

(3((في حدود بحثي، لم أعثر على كتاب يتناول العدل تناولًا مفصلًا وشاملًا قبل كتاب خدوري، باستثناء كتاب: عزت قرني،

العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، سلسلة عالم المعرفة 30(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1980). وهو كما  يدل عليه عنوانه، يتناول الحرية والعدل في العصر الحديث، وعند أربعة مفكرين هم: رفاعة رافع الطهطاوي (1873–1801)، وخير الدين التونسي (1890–1820)، وجمال الدين الأفغاني (1897–1838)، وأديب إسحاق (1885–1856)، مع إيراد مكثف لنصوصهم. ((3(خدوري، ص.13 ((4(المرجع نفسه، ص.14

الفيلسوف الأميركي جون رولز John Rawls (1921–2002) في كتابه المشهور نظرية في العدل (1971)؛ والثاني هو العدل الإلهي أو عدل الوحي الذي يمتزج فيه الدين والأخلاق، ويتناسب مع العقل، ويمكن عُّدُه جزءًا من العدل الطبيعي، وفقًا لتصنيف أرسطو، بما أنّه نتاج قوى الطبيعة وليس

قوى المجتمع. يرتبط العدل الإلهي بإرادة الله المطلقة، ويتجلى في الشريعة التي تستند إلى القرآن والسنة النبوية، والاجتهاد، والنظام العام في الإسلام. وتتصف مبادئ العدل الإلهي بالقدسية والصلاحية لكل زمان ومكان، في حين أنّ النظام العام يخضع للتغيّر والتبدّل. وبما أنّ المشِّرِع لا  يباشر بنفسه حكم المؤمنين،

فإنّه من الضروري تعيين حاكم يُفَوَّض له أمر تنفيذ أحكام الشريعة التي تمثّل العدل. ولا  يسمي خدوري هذا النظام من الحكم النظام الثيوقراطي، كما جرت العادة عند بعض الدارسين الذين تناولوا مسألة نظام الحكم في الإسلام، وإنّما  يطلق عليه اسم نظام الحكم النموقراطي Nomocratie وكما  يقول: "دولة نموقراطية إلهية". وللوقوف عند هذه التجربة، يجب في نظر خدوري "عرض الطريقة التي تناول بها زعماؤه ومفكروه مشكلة تحديد معيار العدل وإقراره بصورة تتفق مع نظام من المثل والقيم يطمئن إليه ضمير الجمهور". ويعني هذا أن هذه التجربة تتألف من ثلاثة عناصر: أولها طريقة الزعماء والمفكرين في وضع معيار للعدل. وثانيها قياس مدى اتفاقه مع نظام القيم الإسلامية. وثالثها علاقته بالجمهور. وبتعبير آخر، فإنّ ثمة ثلاثة عناصر مترابطة، تكِّوِن بنية هذه التجربة الثقافية الخاصة، التي لا  يجب عزلها عن بقية تجارب الأمم الأخرى، لأنّه "ليس في وسع أية أمّة في الوقت الحاضر تجاهل تجارب الأمم الأخرى في طريقة إقامة العدل، وطريقة حل المشكلات الناشئة عن تطبيق في مواقف مماثلة". ولقد أفادت تجربة الإسلام مع العدل، واستفادت من تجارب الأمم الأخرى، لذا يجب الوقوف على كيفية تمُّثُلها لتلك العناصر، ومدى انسجامها مع نظامها العام، وذلك بهدف "إعادة بناء نظرية العدل الإسلامي بكل مظاهرها من خلال الكتابات المختلفة لأهل العلم من المسلمين"، وبالاعتماد على "المنهج المثالي التجريبي"، الذي يعني محاولة الربط بين القيم الفكرية والممارسات الاجتماعية. وبناء عليه، فإنّ الأسئلة التي تفرض نفسها على خطاب خدوري هي: ما الذي يقصده بنظرية العدل الإسلامي؟ وهل أعاد بناء هذه النظرية، ونجح في ربط الجوانب المثالية بالجوانب التجريبية أو الواقعية في دراسته لمفهوم العدل؟ وقبل هذا وذاك، هل كشف عن تجربة الإسلام في العدل؟

((4(المرجع نفسه، ص.16 ((4(المرجع نفسه، ص 18. النموقراطية أو نظام الحكم بالقوانين. وهي كلمة يونانية مركبة من كلمتين: nomos وتعني القوانين أو نظامًا من القوانين، و cratie وتعني الحكم. ومعلوم أنّ النوموس الإغريقي وثيق الصلة بالناموس في اللغة العربية. ((4(المرجع نفسه، ص.13 ((4(المرجع نفسه، ص.14 ((4(المرجع نفسه، ص.27 ((4(المرجع نفسه.

أ. يتحَّدَد لفظ العدل باستعمالاته الأخلاقية والاجتماعية؛ لأنّه يعِّبِر عن الحاجات الفردية

الاجتماعية، وذلك على الرغم من أنّ اللغة العربية تقدم لنا ألفاظًا عديدة مرادفة ومماثلة له، ومنها: القسط، والقصد، والاستقامة، والوسط، والحصة، والميزان، وضدها: الجور، والظلم، والطغيان، والميل، والانحراف. وبالنظر إلى تعُّدُد ألفاظ العدل ومعانيه، فإنّ ثمة أربعة

معانٍأساسية يمكن استخلاصها من الموروث اللغوي والديني والفكري العربي، وهي:

أولًا، معنى الاستقامة أو الإصلاح. وثانيًا، معنى التخلي أو الابتعاد. وثالثًا، معنى النظير

والمساوي. ورابعًا، معنى الموازنة. وتعدّ رسالة سعيد بن جبير إلى المَلِك عبد الملك بن مروان

(86–26 ه/ 705–646 م) مث لًا نموذجيًا لهذه المعاني الأربعة التي يتداخل فيها الجانب الأخلاقي

بالجانب الديني. يقول خدوري: "وعلى هذا يكون المعنى الحرفي ل 'عدل' في العربية الفصيحة مزيجًا من القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهو يفيد: الإنصاف، والميزان، والاعتدال، والاستقامة". ب. إذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية قد أكّدا كثيرًا قيمة العدل، فإنّ ما  يجب الإشارة إليه هو

أنّنا لا نجد فيهما موادّ تبين طريقة تحقق العدل في الحياة العملية، وأنّ هذا الأمر متروك لاجتهاد

الحكام والعلماء. وبناء عليه، فإنّه إذا كان العلماء متّفقين على مصادر العدل الإلهي في الإسلام، فإنّهم يختلفون كثيرًا في طريقة تحقيقه في الحياة البشرية، لذا "وضعوا للعدل مذاهب

مختلفة تعكس المصالح المتباينة، والتقاليد المحلية، وتطلّعات القادة والجماعات المتنافسة في الصراع على السّلطة". ج. يتجلّى أول مظهر من مظاهر الخلاف في مفهوم العدل في ارتباطه بشرعية الحكم، وذلك لأنّ الإسلام في نصوصه الأساسية، لم يقِّدِم طريقة محَّدَدة في تعيين خليفة للرسول. من هنا يمكن القول إنّ العدل السياسي كان أول أشكال العدل في الإسلام. وإنّ هذا الشكل كان ولا  يزال موضوع خلاف وصراع بين المذاهب الإسلامية الكبرى: السنة، والشيعة، والخوارج. وإذا كان العدل السياسي قديمًا، ونقرؤه في كتابات أرسطو على سبيل المثال، فإنّه في الإسلام يعُّدُ جزءًا

من العدل الإلهي الذي يتقيد بأحكام الشريعة، وإنّ الحاكم أو الخليفة يستمد شرعيته من الشريعة، لأنّ الشريعة ليست شيئًا آخر غير "حق ممارسة الحكم، وفق معيار للعدل السياسي معترف به". ولكن على الرغم من اختلاف المذاهب الإسلامية في الشرعية، فإنّها متّفقة على ثلاثة مبادئ: أولها، الإمامة ضرورية لتطبيق الشريعة؛ وثانيها، لكي تكون الإمامة عادلة يجب أن تُسند إلى فرد من عائلة النبي، وهو قول الشيعة، أو إلى فرد من قريش، وهو قول السنة، أو إلى فرد من المسلمين، وهو قول الخوارج؛ وثالثها، يجب أن يتصف الإمام بجملة من الصفات التي تجعله مؤَّهَلًا لمنصب الإمامة.

((4(المرجع نفسه، ص.23–22 ((4(المرجع نفسه، ص.26 ((4(المرجع نفسه، ص.19 ((5(المرجع نفسه، ص.32

د. تحوّل العدل السياسي المتمحور حول الشريعة والشرعية إلى عدل كلامي، وذلك حينما ط رحت

مسألة الجبر والاختيار تحت تأثير الأحداث السياسية الكبرى التي عرفتها الخلافة الإسلامية، ولا سيما ما  يعرف بالفتنة الكبرى. وقدّمت الفرق الكلامية: القدرية، والجبرية، والمرجئة، ثم المعتزلة والأشاعرة، تصوّراتهم لمفهوم العدل الإلهي الذي يظهر جليًا في فرقة المعتزلة التي

تسمى "أهل العدل"، لأنّ العدل يشِّكِل، كما هو معروف، أحد مبادئها الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وتحَّوَل هذا العدل الكلامي إلى عدل فلسفي، حينما خاض فلاسفة الإسلام في مفهومه،

وذلك بدءًا من يعقوب بن إسحاق الكندي (256–185 ه/ 873–805 م) الذي كان متكِّلِما معتزليًا

قبل أن يصبح فيلسوفًا، وانتهاء بابن رشد (595–520 ه/ 1198–1126 م)، مرورًا بالفارابي

(339–260 ه/ 950–874 م)، وابن سينا (427–370 ه/ 1037–980 م)، الذين حاولوا تحت تأثير الفلسفة اليونانية الدفاع عن العدل العقلي بوصفه انسجامًا بين العدل الإلهي والعدل الطبيعي،

وتوُّسُطًا يظهر في قيمة الاعتدال التي هي قيمة أخلاقية بالدرجة الأولى، شكلت أساسًا لمفهوم

العدل الأخلاقي والديني، ونقرؤه عند كثير من العلماء والفلاسفة والأدباء، منهم: أبو حامد الغزالي (505–450 ه/ 1111–1058 م)، وأبو بكر الرازي (311–250 ه/ 923–864 م)، وأحمد بن  يعقوب مسكويه (421–320 ه/ 1030–932 م)، ويحيى بن عدي (364–280 ه/ 965–894 م)، وابن حزم الأندلسي (456–384 ه/ 1064–994 م)، وغيرهم. وكلهم دافعوا عن فكرة أساسية؛ وهي أنّ العدل الأخلاقي تعبير عن أسمى الفضائل الإنسانية. ه. يعُدُّ العدل الأخلاقي أكثر أشكال العدل حضورًا في التراث الإسلامي القديم، ونقرؤه في

النصوص الدينية، والفقهية، والفلسفية، وفي المدونات الأدبية والسياسية المعروفة بالآداب السلطانية، أو مرايا الملوك والأمراء والقادة. ويقصد به العمل وفق أسمى الفضائل التي تحض الفرد على الامتثال ل "معيار الخير". ويتسم العدل الأخلاقي بسعيه لإقرار ما  يجب أن يكون عليه العدل، منطلقًا من فكرة أولية مفادها أنّ الإنسان مفطور على الإرادة التي تحِّدِد تصرفه مع الآخرين. وانطلاقًا من هذه الفكرة الأولية، ظهر في الفكر الإسلامي القديم ذلك النقاش الثري بين القائلين بالجبر والقائلين بالاختيار، كما انقسمت الآراء إلى القائلين بالعدل الأخلاقي بما هو تعبير عن الفضائل الإلهية، والعدل الأخلاقي بما هو تعبير عن الفضائل البشرية. ويعدّ مسكويه

مث لًا نموذجيًا للنوع الأول. يقول: "فأمّا العادل بالحقيقة فهو يعدل قواه، وأفعاله، وأحواله كلها،

حتى لا  يزيد بعضها على بعض، ثم يروم ذلك فيما هو خارج عنه من المعاملات، والكرامات،

(5((ينظر تفصيل ذلك، على سبيل المثال، في: عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ط  2 (بيروت: دار العلم للملايين، 2005)، ص.72–55 ((5(المرجع نفسه، ص.102 ((5(المرجع نفسه، ص.141 ((5(المرجع نفسه، ص.131 ((5(المرجع نفسه، ص.136

ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها، لا غرضًا آخر سواها، وإنّما  يتم له ذلك إذا كانت له هيئة نفسانية أدبية، تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها". ويستند مسكويه في قوله هذا إلى أرسطو الذي يقول: "وليست العدالة جزءًا من الفضيلة، بل هي الفضيلة كلها". وهذا يعني أن العدل

الأخلاقي هو الفضيلة بتمامها، ويتوافق مع الشريعة الإسلامية "لأنّ المبادئ الأخلاقية الكامنة في الشريعة والسنة هي أهداف الدين الإسلامي النهائية". ومع أنّ مسكويه يتحدث عن الإنسان الأخلاقي، فإنّ خدوري صنّف مفهومه ضمن التصور الأول، أي العدل الأخلاقي بما هو تعبير عن الفضائل الإلهية، وصنف الرازي ضمن التصور الثاني، أي العدل بما هو تعبير عن الفضائل البشرية، لأنّه في نظره التزم النهج العقلي وحده من دون التوفيق بينه وبين الشريعة، ولأنّ بلوغ

الفضائل لا  يكون إّلا بالعقل، ولأنّه رأى أنّ معيار العدل يتكون من أربعة عناصر هي: العفة، والرحمة، والنصح للكل، والاجتهاد في نفع الكل. ولكن ما  يجب التشديد عليه هو أنّه سواء تعلق الأمر بالعدل الأخلاقي في صورته الإلهية أو البشرية، فإنّ القاعدة الذهبية التي يستند إليها هي قاعدة الاعتدال أو الوسط الذهب، أو الاحتكام إلى قاعدة لا إفراط ولا تفريط. ويتجلى الشكل الأخلاقي للعدل في النصوص المعروفة بالآداب السلطانية، كما أشرت إلى ذلك سابقًا. والحق فإنّ هذا الأدب غزير، ومتنوع، لا  يسمح سياق هذا البحث بتحليله، رغم أهميته، وبخاصة بعد ظهور دراسات كثيرة حوله مؤخرًا، إّلا أنّه مع ذلك، فإنّ ما بيّنه خدوري لا  يزال يتمتع بفائدة

منهجية وعلمية. ويقسم هذا الخطاب الأدبي والأخلاقي على حد سواء إلى قسمين: المؤلفون الذين يصوغون تصرفاتهم الأخلاقية على أسس أخلاقية، والمؤلفون الذين يقدّمون النصائح الأخلاقية للملوك والأمراء. يستند القسم الأول إلى الخبرة الأخلاقية الذاتية، أو إلى تجاربهم الحياتية، ومن هؤلاء فقيه المذهب الظاهري ابن حزم "الذي وضع دستورًا أخلاقيًا مفَّصَلًا يجوز

أن نعدّه التماسًا للعذر عن خلافه مع الساسة والعلماء الذين أنكروا آراءه، وحملوا عليه على

أسس سياسية وعقائدية، لا على أسس أخلاقية". ويعتمد القسم الثاني على تراث القدماء،

وبخاصة التراث الفارسي، ويتألف من حِكَمٍ، وأمثال، وعِبَرٍ، ونصائح، وأقوال الحكماء، والهدف

منها "تعزيز موقع الأسرة الحاكمة، وتوكيد حقها في الولاء". ولعل أهم ممثل لهذا الأدب السلطاني هو أبو الحسن الماوردي (450–364 ه/ 1058–974 م)، الذي قَّدَم نوعًا من الدستور

الأخلاقي الذي يتكون من الدين والشرع، وعنصر يسميه الحق، وهذا العنصر في نظر خدوري

(5((أحمد بن محمد بن  يعقوب مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق (بورسعيد: مكتبة الثقافة الدينية، 2001)، ص.117 ((5(المرجع نفسه، ص.122 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.143 (6((حول هذا الموضوع، ينظر على سبيل المثال: عز الدين العلام، الآداب السلطانية، دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي،

سلسلة عالم المعرفة 324(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006)؛ إبراهيم القادري بوتشيش، خطاب العدالة

في كتب الآداب السلطانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014 (6((خدوري،.153 ص ((6(المرجع نفسه، ص.155

يفيد العدل الذي ينصح به الخليفة ليطبقه قولًا وفعلًا، وذلك بغرض تعزيز سلطانه. كما  ينصح الخليفة بضرورة "التسامح، وحذره من التعسف في الحكم، لأنّه يثير نقمة الرعايا على حكامهم، ويزيد الصراعات الطائفية من قبيل تلك التي تهلك الطوائف السنية والشيعية في بغداد وأماكن أخرى، وحض على السلام والنظام، حتى ذهب إلى أنّه إذا لجأ أحد الأطراف إلى القوة ضد

الطرف الآخر، فمن الخير للوزير أن يحجم عن استعمالها، وحذر من اللجوء إلى القوة إّلا كملاذ

أخير". والحق فإنّ الناظر في هذه الفكرة التي استخلصها خدوري لا  يمكنه إّلا أن يطرح سؤ لًا مشروعًا، وهو: كيف نفهم هذه الخلاصة في ضوء إقرار الماوردي بفكرة السلطان القاهر؟ و. إذا كان العدل في صورته الكلامية والفلسفية والأخلاقية يغلب عليه الطابع النظري، فإنّ العدل القانوني والعدل بين الأمم يتسمان بالطابع النظري والعملي على حٍّدٍ سواء. والمقصود بالعدل القانوني هو الشريعة التي كانت تنظم حياة المجتمعات الإسلامية، وتتسم بخاصيتين: أولاهما مادية تتعلّق بمحتواها أو مضمونها الذي يحتكم إلى مبدأي الحلال والحرام، وتهدف إلى تحقيق الخير العام. وثانيتهما إجرائية تتعلق بأساليبها ومناهجها التطبيقية، وخصوصًا من جهة القضاة. ومن

المعلوم أنّ الفقهاء يستعملون لفظ العدل صفة للقاضي، ويخُّصُونها بجملة من الصفات التي

يجب أن يتميز بها حتى يحِّقِق قيمة العدل. ويتأسس العدل الشرعي من ائتلاف العدل المادي والإجرائي، وبهما  يصبح ترجمة عملية لمختلف أنواع العدل التي يتكوّن منها العدل في الإسلام

"لأنّه الميزان الذي توزن به أفعال الإنسان. وتظل مظاهر العدل الأخرى – الكلامي والأخلاقي وسواهما – موضع جدل عام إلى أن تصبح عناصر مكِّوِنة في ميزان العدل الشرعي". والسؤال

الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو: إذا كان العدل الشرعي، بوصفه قانونًا، يشكّل أساسًا لجميع

أشكال العدل في علاقة الدولة برعاياها، فهل ثمة قانون يحكم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول المعاصرة لها؟ وهل يقوم هذا القانون على مفهوم معين للعدل؟ وبتعبير آخر، إذا كان العدل الشرعي هو القانون الذي يحكم المجتمع الإسلامي، فما هو القانون الذي حكم علاقته بغيره من المجتمعات؟ ينقسم المجتمع الإنساني وفق منظور إسلامي القديم إلى دار الإسلام ودار الحرب. وبما أنّ الدولة الإسلامية ما كان لها أن تكون في حالة حرب دائمة، فإنّها استعانت بفرع من الفقه يسمى "باب السير" الذي يعني "مجموعة قواعد عامة مستمدة من مصادر الشريعة الإسلامية ذاتها، ولها ميزان عدل خاص بها يستند إلى مبادئ إسلامية، بالإضافة إلى تجربة الإسلام مع الشعوب الأخرى". ولكن السؤال الذي يطرح على هذا النوع من العدل هو: ما الموقف من الجهاد الذي يمثل، كما نعلم، حرب الإسلام العادلة؟ خص خدوري هذا الجانب من العدل الشرعي، بدراسة

((6(المرجع نفسه، ص.159 (6((حول أهمية هذه الفكرة، يمكن العودة إلى: أحمد البغدادي، الفكر السياسي عند أبي الحسن الماوردي (الكويت: مؤسسة الشراع للنشر والتوزيع،.)1984 (6((خدوري،.173 ص ((6(المرجع نفسه، ص.188 ((6(المرجع نفسه، ص.192

مستقلة، تحتاج إلى مناقشة مفصلة، تتجاوز حدود هذا البحث، ولذا فإنّ الذي يعنيني في هذا السياق هو الإشارة إلى أنّه على الرغم من أهمية العدل الشرعي، ولا سيّما في علاقته بالقضاء،

الذي يعدّ بمنزلة الممارسة الخطابية في علاقتها بالممارسات غير الخطابية المتمثلة في القضاء، فإنّ خدوري لم يلتفت إلى مؤسسة القضاء في الدولة الإسلامية، واكتفى بالحديث عن القاضي وصفاته، وكذلك في تحليله للعدل بين الأمم لم يهتم بمؤسسة الجيش، في حين أنّنا نعلم أنّ المؤرخين قد اهتموا كثيرًا بهاتين المؤسستين الملازمتين للدولة الإسلامية. ز. يعدّ مفهوم العدل الاجتماعي مفهومًا جديدًا في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، وهو أمر

لم يلتفت إليه قطب، ولم يحاول مساءلة حضوره أو غيابه في التراث الإسلامي، في حين أنّ الدراسة العلمية لهذا التراث تبِّيِن أنّ القدماء لم يشيروا إليه، لذا حاول خدوري تأسيسه انطلاقًا من

إسهامات بعض القدماء، منهم: محمد بن الوليد بن خلف الطرطوشي، وتقي الدين أحمد بن تيمية، وعبد الرحمن بن خلدون (808–732 ه/ 1406–1332 م). من منظوره العلمي للتاريخ والعمران، وخبرته السياسية الشخصية، ومزاولته لوظيفة القضاء في أخريات حياته، فإنّ ابن خلدون قد لامس

مفهوم العدل الاجتماعي، وذلك حينما مَّيَز بين ثلاثة نماذج في الحكم: أولًا، الحكم الذي يكون

مصدره الوحي، وميزان عدله يكون مستمدًا من الشريعة. ثانيًا، الحكم التي يستمد قوانينه من الإنسان

الذي يسُّنُها، ويكون فيه العدل ذا طبيعة عقلية أو عُرفية، ومن ثمّ فإنّه يكون ناقصًا، ما دام الحاكم

هو الذي يقِّرِره، وتمثله نصوص الآداب السلطانية وخطاباتها أو مرايا الملوك التي نقرؤها في التراث

الفارسي، ولاحقًا في التراث الإسلامي، كما أشرت إلى ذلك سابقًا. ثالثًا، نموذج من الحكم يمزج بين الأحكام الدينية والدنيوية. وهذا هو النموذج الذي ساد في الحكم الإسلامي بعد انقلاب الخلافة إلى الملك العضوض. وفي تقدير خدوري، فإنّ "هذا العدل لم يكن مثاليًا وعقليًا خالصًا، بل شكلًا

من العدل الاجتماعي الوضعي، يتألّف من المعايير والعادات التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي". ولكن ما تجب الإشارة إليه هو أنّ خدوري في تحليله لموقف ابن خلدون من العدل لم يلتفت إلى نقيضه وهو الظلم، وعنوانه كما جاء في المقدمة "في أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران"، ولم يكتف ابن خلدون بتخصيصه بفصل واحد، كما جرت عادته في مختلف موضوعات المقدمة على تفاوتها من حيث الطول والقصر، بل زوّده بفصلين إضافيين، وبذلك يعدّ فصل الظلم من

أطول فصول المقدمة، وهذا في حد ذاته له دلالته التي لا تغيب عن الأذهان، وتحتاج إلى تحليل ومناقشة، تتجاوز مجال هذا البحث. ثم إنّ العدل الاجتماعي الذي قال به ابن خلدون لا  يمكن

(6((مجيد خدوري، الحرب والسلم في شرعة الإسلام (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1973)؛ مجيد خدوري، بحوث في الثقافة

الإسلامية (بيروت: الدار المتحدة للنشر،.)1979 (6((فيما  يتعلق بالقضاء، ينظر على سبيل المثال: إبراهيم بحاز، القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة

الفاطمية، جزآن (عمان: دار الياقوت،.)2001 ((7(المرجع نفسه، ص.218 (7((عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق إبراهيم شبوح وإحسان عباس، ج  1 (تونس: الدار العربية للكتاب، 2006)، ص.497–491

فصله عن مفهوم المجتمع نفسه، وبخاصّة أنّ ابن خلدون يعدّ أول عالم في تاريخ الفكر الإسلامي

جعل من المجتمع موضوعًا للعلم، هو علم العمران، يكون مستقلًا عن الشرع أو الشريعة، لأنّه

يخضع لقوانين خاصة به. ولكن مع ذلك، فإنّ النتيجة التي خلص إليها، تحتاج إلى تدُّبُر وبحث.

يقول: "كان ابن خلدون هو الوحيد الذي اقترح مفهومًا دنيويًا (اجتماعيًا) للعدل بعبارات صريحة

واضحة، وأوضح أنّ معيار العدل على المستوى العملي، نتاج العادات الاجتماعية والأعراف والتقاليد المحلية التي لا تَّتَفق دائمًا مع الوحي والعقل". ح. قبل أن يرصد خدوري مظاهر العدل الاجتماعي الذي يميز خطاب العدل في الفكر العربي الحديث والمعاصر، قدّم الأسس العامة التي يقوم عليها العدل في الفكر الإسلامي القديم، أو بتعبير دقيق، نظرية العدل، كما أشار إلى ذلك في مقدمة دراسته. فما الأسس التي تقوم عليها هذه

النظرية؟ أولًا، الاعتماد على الوحي والعقل؛ ثانيًا، العدل سواء في صورته الإلهية أو البشرية فكرة

مثالية يسعى الإنسان لتحقيقها؛ ثالثًا، العدل الإلهي يتطابق مع الشريعة الإلهية؛ رابعًا، معيار العدل

هو الذي يقرر الصواب والخطأ. ومن الواضح أن هذه الأسس أو المبادئ لا تشكّل نظرية بالمعنى الدقيق، وذلك لأنّها تتكون من أشكال من العدل مختلفة، تتضمن فروقًا دقيقة ومتعارضة، وإنّما هي خلاصة جامعة، تشتمل على العناصر الأساسية للعدل الشرعي أو الإلهي. ط. إذا قبلنا بالنتيجة التي خلص إليها المؤلف، وهي أنّ مفهوم العدل الإلهي هو المفهوم السائد في الفكر الإسلامي القديم، فإنّ العدل الاجتماعي الذي بدأت إرهاصاته الأولى مع ابن خلدون تقوى في العصر الحديث أو عصر النهضة العربية الحديثة، وذلك تحت تأثير عوامل أساسية، أهمها:

أولًا، إعادة النظر في مثال العدل الإلهي بعد الاتصال بالعدل الاجتماعي الغربي، وذلك على الرغم

من انقسام رواد النهضة إلى فريقين: أنصار التراث وأنصار الحداثة، إَّلا أنّهما أخذا بفكرة الدستور بمعناه الغربي. ثانيًا، إلغاء تركيا للخلافة الإسلامية. ثالثًا، تحُّوُل مفهوم الدولة الإسلامية من دولة

عالمية إمبراطورية إلى دولة قومية أو وطنية، وإلغاؤها لمبدأ الجهاد أو الحرب المقدسة، وقبولها، عن رضى أو كره، بفكرة السلام العالمي الغربي. ولقد أصابت هذه التحُّولُات مفهوم العدل الإلهي أو

الشرعي في الصميم، وأما الأشكال الأخرى من العدل، فإنّها، كما  يقول: "ظلت خارج نطاق الدولة [...]، وأصبحت بالضرورة ذات أهمية أكاديمية". وهو ما  يسوغ العنوان الفرعي الثاني لهذا البحث. وأيًا كان موقفنا من هذه العناصر، فإنّها تثبت أنّ خطاب العدل الذي قَّدَمه مجدي خدوري يختلف

اختلافًا جذريًا عن ذلك الخطاب الأيديولوجي الذي رأيناه عند قطب، سواء في مبناه أو معناه، أو أثره.

فإذا كان خطاب قطب خطابًا لا تاريخيًا، وأحاديًا، وسجاليًا، وكان له أثر في أنصاره ومشايعيه، فإنّ

(7((علي أومليل، في التراث والتجاور (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990)، ص.93 (7((خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ص.226 ((7(المرجع نفسه، ص.224 ((7(المرجع نفسه، ص.264 ((7(المرجع نفسه، ص.233

خطاب خدوري اعتمد على تاريخ الفكر الإسلامي، وحلّل الأشكال المختلفة للعدل، وبيّن المبادئ

العامة للعدل الشرعي، وأسهم في ظهور دراسات تاريخية وفكرية تتناول جوانب مختلفة من مفهوم العدل، تحيل عليه إمّا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنّه لم يكشف لنا عن تجربة العدل في الإسلام، إَّلا تلك الآراء التي عَّبَر عنها بعض العلماء والفقهاء والمتكلمين

والفلاسفة، ولم يتوَّقَف عند السياقات المختلفة التي كانت وراء ظهور أشكال العدل التي حللها، ولم يهتم بالبحث في بنية المجتمع الإسلامي القديم، وأشكال الدول التي حكمته، وصلة العدل بهذين المستويين أو العنصرين الحاسمين، وأكثر من هذا، فإنّه لم يول أيّ أهمية لمبدأ الشورى سواء في صورتها النظرية أو العملية، والتي من دونها لا  يستقيم تحليل العدل، ولم يتوقف عند تجارب تاريخية بالمعنى الدقيق للكلمة. وهو ما  يعني، في منهج تحليل الخطاب، الاكتفاء بالممارسات الخطابية وعدم الاهتمام بالممارسات غير الخطابية.

2. العدل بوصفه سؤًالًا راهنًا

يعدّ كتاب: ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي، مث لًا نموذجيًا لتحليل خطاب العدل في

الفكر العربي المعاصر، وذلك لكونه يعِّبِر عن اهتمام هذا الفكر بالمسألة الآنية أو الراهنة للعدل،

كما تبِّيِنه وتكشف عنه طريقة عرض آراء القدماء والمحدثين في العدل ومناقشتها، مع تقديم مقاربات

نظرية للمشكلات التي يطرحها الواقع الاجتماعي العربي الراهن، ولا سيّما بعد أحداث الربيع العربي

التي شَّكَلت الخلفية الموِّجِهة لمختلف الإسهامات التي قَّدَمها الباحثون والمفكرون المشاركون في هذا الكتاب، وتتماثل مع إسهامات عربية كثيرة ظهرت في هذه المرحلة. وسأتوقف عند جملة من

(7((يؤكد هذا المعطى مجموعة مهمة من الدراسات التي تحيل إليه، منها: فهمي جدعان، تحرير الإسلام، ورسائل زمن التحولات

(بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص 117؛ ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي (الدوحة/ بيروت: المركز

العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 63؛ ابن حجر الهيتمي، أربعون حديثًا في العدل (بغداد/ بيروت: منشورات الجمل، 2012)، ص 11،.133 (7((عن الصلة بين العدل والشورى، ينظر: فهمي جدعان، رياح العصر، قضايا مركزية وحوارات كاشفة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص.217–178 (7((يتألف كتاب ما العدالة؟ من 12، وموجز عن الكتاب، ومقدمة، وقائمة بالجداول والخرائط، وفهرس عام للأعلام فصلًا والمصطلحات، ويتميز بالتنوع في المداخلات التي ناقشت جوانب مختلفة من مسألة العدل، ولكنه لا  يشتمل على المناقشات المصاحبة للأوراق المقدمة في المؤتمر السنوي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الفترة 2013/3/31–30. وبالعودة إلى موقع المركز على الشبكة العنكبوتية، فإنّني، مع الأسف، لم أعثر على سجل المناقشات التي صاحبت عروض أوراق هذا

الكتاب. ومما لا شك فيه أنّ تلك المناقشات تكشف جانبًا مهمًا في تحليل الخطاب، وهو الجانب الحواري والتواصلي، ولكن مع

ذلك، فإنّ هذا النص – الخطاب يمثل أفضل نموذج للعلاقة بين الممارسات الخطابية والممارسات غير الخطابية المتمثلة في مؤسسة: المركز العربي. ((8(إذا لم يكن النص نصًا جماعيًا، أي تأليفًا جماعيًا، فإنّه يتضمن خطابًا جماعيًا، ناتجًا من عمل منظم (ينظر على سبيل المثال

الورقة المرجعية للمؤتمر: ما العدالة؟ وهنالك مجموعة من الأعمال الجماعية حول العدل، منها: سعود المولى [وآخرون]، تقرير

الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل (بيروت: 2017:)، في https://cutt.us/XE3VA؛ مشير عون [وآخرون]، العدالة في

الانتظام الاجتماعي والسياسي العربي، الأبعاد الفلسفية (بيروت: دار الفارابي، 2019)؛ عامر عبد زيد الوائلي [وآخرون]، فلسفة

القانون ورهانات العدالة، من رهانات التأسيس إلى مقاربات الواقع (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية –

ناشرون، 2016)؛ بومدين بوزيد [وآخرون]، فلسفة العدالة في عصر العولمة (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.)2009

الملفوظات أو العناصر الخطابية الجديدة مقارنة بما جرت معاجلته في العنصرين السابقين، وذلك بقصد رسم تشكيلة خطابية أولية للعدل في الفكر العربي المعاصر، ومنها:

أ– عنصر السؤال

إذا كان السؤال المركزي للنص – الخطاب هو: ما العدالة؟ الذي يظهر في العنوان الرئيس للكتاب، متبوعًا بعنوان فرعي، يكشف عن مجال البحث، وهو: معالجات في السياق العربي، فإنّ ما  يجب الإشارة إليه هو أنّه لا  يكفي القول إنّ العنوان قد جاء في صيغة استفهامية تساؤلية، يفتح موضوع العدل للنقاش والبحث والدراسة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ولكن يجب الإشارة أيضًا إلى العنوان الثاني الذي يظهر في صورة الغلاف: أين العدالة؟ وهو عبارة عن لوحة يحملها متظاهر يطالب بالعدالة، وتفيد من جهة أولى علاقة خطاب العدالة بالمجتمع العربي أو المجتمعات العربية، وبالحركات الاجتماعية العربية المعنية بالعدالة تحديدًا. كما تفيد من جهة ثانية علاقة المؤسّسة الراعية لسؤال: ما العدالة؟ ممثلة بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالمجتمع العربي الذي تتوجه إليه. وهذا يعني أن عنوان النص/ الخطاب يطرح سؤ لًا مضاعفًا، يتكوّن من مستويين: نظري، وعملي. ولكن إذا كان العنوان قد جاء في صيغة سؤال مركزي وموجه لمختلف الخطابات المشكلة لنص الكتاب، فإنّ ثمة أسئلة فرعية كثيرة، تحاول الكشف عن مختلف جوانب العدل في السياق العربي تحديدًا، إّلا أنّه لا  يمكن فصلها عن الأسئلة العامة التي يطرحها خطاب العدل بوصفه ممارسة فلسفية، وهو ما  يعني أنّ كثيرًا منها مكرّر ونقرؤه في مختلف المقاربات، ومنها: أولًا، السؤال اللغوي عن العدل والعدالة وما  يرتبط بهما من ألفاظ بحسب تقدير كل باحث؛ ثانيًا، سؤال تاريخ المفهوم – المنطوق في الفكر اليوناني، والفكر الإسلامي القديم، والفكر الأوروبي الحديث والمعاصر؛ ثالثًا، سؤال أشكال العدل، والنظريات الأساسية في العدل قديمًا وحديثًا، والمعايير التي "تجعل العدالة عدالة". ولكن هنالك أسئلة جديدة متعلقة بالأشكال أو النظريات الجديدة في العدل، منها: سؤال العدالة الاجتماعية وعناصرها التكوينية، وفقًا لبعض النظريات المعاصرة، أو العدالة الثقافية أو الرمزية كما نقرؤها في نظرية الاعتراف، أو سؤال العدالة الانتقالية، أو المجالية المعنية بأشكال التنمية العادلة بين المراكز والأطراف، أو بين المركز والهامش.

(8((يعدّ نص فهمي جدعان مث لًا نموذجيًا لهذا السؤال، فقد استعرض أشكال العدل في الفكر الإسلامي معتمدًا في ذلك على:

خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، كما عرض نظريات العدل في الفكر الغربي، معتمدًا على كتاب ويل كيملشكا، ينظر: الترجمة

العربية لهذا الكتاب، في: ويل كيملشكا، مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو (تونس: دار سيناترا، 2010). وكذلك الترجمة الفرنسية للكتاب:

Will Kymilcka, Les théories de la justice, Une introduction , Marc Saint–Upéry (trad.) (Paris: Editions la Decouverte,

(8((محمد الأشهب، "الحق في العدالة في الخطاب الفلسفي المعاصر"، في: ما العدالة؟ ص.108 (8((وجيه قانصو، "تمثلات العدالة والحرية في التاريخ الإسلامي"، في: المرجع نفسه، ص.236

ب– عنصر اللغة

يحضر هذا العنصر في كل خطاب عن العدل، ويستعيد معطيات لغوية تراثية كثيرة، وأخرى حديثة وجديدة، ناتجة من الترجمة وعلاقة الفكر العربي المعاصر بالفكر الغربي المعاصر تحديدًا، مع محاولة تكييف الاستعمالات القديمة للاستعمالات الجديدة، أو توظيف الاستعمالات الجديدة في قراءة الاستعمالات القديمة. ولقد سبقت الإشارة إلى بعض هذه الاستعمالات الواردة في التراث العربي في العنصر السابقرصانع ةثلثا يف اهلامجإ نكمي، ةديدج بناوج تنمّضت اهنّأ لاإّاا،:، لاوًااأ

على الرغم من الإقرار بالاختلاف بين لفظي العدل والعدالة في الموروث العربي، فإنّ التوجه نحو استخدامهما بشكل مرادف هو الاستعمال السائد الذي يؤكد فكرة الحقوق، وبخاصّة أنّه لا  يوجد من الناحية اللغوية فرق كبير بين اللفظين إّلا "في حدود الفرق بين الفعل واسمه". وأن معنى العدل والعدالة في مختلف المعاجم "يتقَّوَم بعلاقة الأشياء بعضها ببعض، أو بضم بعضها إلى بعض"؛ ثانيًا،

إنّ لفظ العدل أو العدالة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بألفاظ عديدة، أو ملفوظات تشِّكِل شبكة متداخلة، منها على وجه الخصوص: الإنصاف، الظلم، الحق – الحقوق، المساواة، الحرية، الديمقراطية، القضاء، القانون، الشريعة، المواطنة، الاعتراف، الاستثناء، الضرورة، السلطة – القوة، نظام الحكم، الليبرالية، الُّسُلطوية، الاستبداد، الاستبداد الشرقي، الدولة؛ ثالثًا، يؤِّدِي العنصر الأول والثاني إلى إقرار قاعدة

منهجية أساسية في دراسة خطابات العدل في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهي أنّ معاني العدل لم تتشكّل دفعة واحدة، وإنّما على مراحل تاريخية، وأنّ العدل ليس "مفهومًا مكَّوَنًا، بل مفهوم يتكوّن

باستمرار في سياق التطور التاريخي". وأنّ ثمة قاموسًا أو معجمًا في العدل يظهر من خلال مختلف

المقاربات التي قَّدَمت تعريفات وتحديدات للعدل ونظرياته المختلفة، ممّا يسمح بالقول إنّ خطاب

العدل في الفكر العربي الحديث والمعاصر قد اغتنى بملفوظات جديدة مقارنة بخطاب العدل في الفكر الإسلامي القديم، ونسج جملة من العلاقات الجديدة مع المجتمع، والحركات الاجتماعية كالنقابات على سبيل المثال، وفي مجال الصحة، والتعليم، والقضاء، وتوزيع الثروة، وبناء الدولة الوطنية، بحيث يسمح بالحديث عن تشكيلة خطابية للعدل في الفكر العربي المعاصر، كما سيتبيّن لاحقًا.

ج– عنصر التحليل

يشتمل هذا العنصر على أشكال مختلفة من الحجاج والبرهان والإحالة أو المرجع، كما  يسمى في لغة تحليل الخطاب، وأبرزها توظيف التاريخ الفكري بمراحله الكبرى: اليونانية، والإسلامية، والغربية

((8(جبرون، "العدالة في الفكر السياسي التراثي: الحد والمحدودية"، في: المرجع نفسه، ص 28–25، 63–61، 168، 236–233، (8((خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ص.26–20 (8((جدعان، رياح العصر، ص.62 ((8(جبرون، ص.168 ((8(قانصو، ص.234 ((8(المرجع نفسه، ص.520–507 (9((عزمي بشارة، "مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر"، تبيّن، مج  2، العدد 1 (صيف 2013)، ص.27

الحديثة والمعاصرة، مع الإشارة إلى التاريخ الفارسي في بعض الأحيان، وهو ما يُسمّى الحجة التاريخية،

وتقديم منظور نقدي سواء من خلال العرض التاريخي نفسه، أو من خلال إجراء المقارنات، أو الوقوف عند أوجه قصور نظرية من النظريات، ومنها على سبيل المثال نظرية رولز وأشكال النقد المختلفة الموَّجَهة لها، وذلك على الرغم من اعتبارها نظرية أحدثت قطيعة على مستوى نظريات العدل، فإنّها

قامت ب "تغييب منطق الهيمنة"، أو بيان "القيمة التاريخية للمفهوم التراثي، وامتحان فرضية المراهنة عليه في بناء المستقبل جزئيًا أو كليًا"، والإقرار بأنّ الأحداث "التي عرفها العالم العربي في القرن

التاسع عشر [قد أظهرت] مدى تخلف المفهوم التراثي للعدالة، وحجم الضرر الواقع والمتوقع مع استمرار سيادة هذا المفهوم، الأمر الذي دفع عددًا من الأعلام ورموز الفكر العربي إلى استئناف النظر في مفهوم العدالة، والعمل على تجديده"، وتوظيف طرائق بحثية تكشف عن العمل البيني بين مختلف فروع العلوم الإنسانية، ولا سيّما الفلسفة، والاقتصاد، والقانون، والتاريخ، والجغرافيا، وهو

ما  يظهر في توظيف الجداول، والخرائط، والصور، والنصوص، والأقوال، والاقتباسات، والمناظرات بين الفلاسفة، ومنها تلك التي قامت بين رولز ويورغن هابرماس، حيث تظهر مختلف أشكال الحجاج الفلسفي، أو إجراء عمليات استقراء لنماذج محددة.

د– عنصر العلاقة

شدّدت مقاربات مختلفة على ضرورة الاهتمام بواقع المجتمعات العربية، وما تطرحه من مشكلات سياسية وأخلاقية واجتماعية، وعلى رأسها مشكلة الظلم، وكيفية معالجتها، وأن المطلوب هو "الاستجابة لنداء الواقع المشَّخَص: الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولمطلب المسؤولية والواجب، أولًا وآخرًا، وقصدًا للضبط والتحديد والفاعلية". ولكن إذا كانت مختلف المقاربات

قد اهتمت بالعلاقة بين النظري والعملي، فإنّ بعضها كان موضوعها محاولة قراءة انتفاضات الربيع العربي بناء على مفهوم العدل "إنّ هذه الحركات تلتقي في مطلب واحد يوِّحِد بينها، مطلب يصح

القول فيه، إنّه يلخص جميع المطالب المشار إليها، إنّه مطلب العدالة؛ فالعدالة هي الشعار الذي تنصهر في جوفه المطالب كلها"، وأنّ العدالة في انتفاضات الربيع العربي تحَّدَدت بالسلب، أي بوصفها رفضًا للظلم، والقهر والطغيان، وأنّ "الربيع العربي عبّر عن شعور بالعدالة، أمّا مضمونه في

((9(الأشهب، ص.144 ((9(مراد دياني، "اتساق الحرية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية في نظرية العدالة، أو استقراء معالم النموذج الليبرالي المستدام

لما بعد الربيع العربي"، في: ما العدالة؟ ص.365 ((9(جبرون، ص.167 ((9(المرجع نفسه، ص 202–201. ((9(المرجع نفسه، ص.7 ((9(جبرون، ص 137–108؛ الأشهب، ص.137–108 ((9(دياني، ص.334 (9((جدعان،  93 رياح العصر، ص؛ فهمي جدعان، "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، في: ما العدالة؟ ص.93 (9((سعيد بنسعيد العلوي، "العدالة أولًا: من وعي التغيير إلى تغيير الوعي"، في: المرجع نفسه، ص.205

ذاته، فإنّه سيتأسس شيئًا فشيئًا"، ولكن مع ذلك، فإنّ هنالك من رأى أنّ انتفاضة الربيع العربي، تشِّكِل "علامة فارقة"، وتسمح بإمكان "الحديث عن نهضة عربية ثانية، ولكن شرطها الأول هو الفكر الذي يكون بمثابة البوصلة التي تدل على الطريق". ومما لا شك فيه أنّ هذه الآراء التي تتفق على ضرورة العلاقة بين النظرية والواقع، وبين العدالة والمجتمع العادل، تشير من جهة أولى إلى تغيّر

جذري في علاقة المثقف والمفكر العربي بالمجتمع إذا ما قورن بسلفه في الماضي، ومن جهة أخرى إلى محاولة هذا المثقف صناعة التغيير الاجتماعي عمليًا، وذلك بالمشاركة الفعلية في هذه العملية

المعقدة والطويلة التي تهدف إلى إقامة مجتمع عربي عادل وحر.

ه– عنصر النظرية

إذا كانت مختلف المقاربات قد شدّدت على العلاقة بين العدل والحياة العادلة، والعدالة والمجتمع العادل، ودور المثقف والمفكر والباحث في العلوم الإنسانية الاجتماعية في تشخيص الحاضر، فإنّ بعض المقاربات قد نبّهت على الحاجة إلى نظرية في العدل تتوافق والسياق العربي، أو تتوافق

وخصوصية المجتمعات العربية، لا سيّما أنّنا أمام خطابات فلسفية بالدرجة الأولى. من هنا نقرأ عن

ضرورة بلورة مفهوم للعدالة في "عصر ما بعد الثورات"، يقوم على فكرتين على الأقل: أولاهما أنّ مفهوم العدل مفهوم تاريخي، أو يتشَّكَل عبر التاريخ، وهو ما تكشف عنه تاريخ فكرة العدالة نفسها؛ وثانيتهما أنّ العدالة ترتبط بمفهوم المواطنة الذي يتكوّن من عنصر الحقوق والواجبات التي تؤِّطِرها

قيمة المساواة، وهي بذلك تعُّدُ عنصرًا جديدًا وممِّيِزًا للعصر الحديث، ولأنّ المواطنة ترتبط بمفهوم

الدولة الحديثة التي هي دولة وطنية أو قومية. كما لا  يترَّدَد بعضهم في الدفاع عن نظرية المصلحة، كما صاغها فقه المقاصد في الإسلام، لأنّها تُعدّ المكافئ لنظريات العدل المعاصرة، بما أنّها تهدف إلى تحقيق الخير العام. وذهب آخرون إلى اقتراح تطبيق نظريات بعينها، ومنها نظرية الاعتراف التي تنظر في "العدالة بوصفها تحليلًا للمجتمع"، وتعتمد على فكرة الاعتراف بوصفها "علاجًا

للأمراض الاجتماعية"، أو الدفاع عن "النموذج الليبرالي المستدام "، أو تطبيق نظرية أمارتيا سن Amartya Sen، لأنّ "مقاربة سن تلتقي التقاءً رائعًا – وإنْ لم يكن مقصودًا – مع مطلب العدالة،

كما طرح في الربيع العربي. ولكن في المجمل العام "لم يبرز حتى الآن تركيب أو مزيج عام يجمع

((10(محمد الحداد، "جدلية العدالة والحرية في ضوء الثورات العربية: الديمقراطية باعتبارها عدالة القرن الحادي والعشرين"، في: المرجع نفسه، ص.375 ((10(العلوي، ص.225 ((10(المرجع نفسه، ص.226 ((10(بشارة، ص.53 ((10(جدعان، "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، ص.95–94 ((10(الأشهب، ص.139 ((10(المرجع نفسه، ص.138 ((10(دياني، ص.366 ((10(الحداد، ص.397

بين معياري العدل الإسلامي والجماعي. وقد تكون محاولات تحقيق هذا التركيب وشيكة في الخطط المقترحة من قبيل (التكافل الاجتماعي) الذي يسمح بوضع نظام متوازن يجمع بين مبادئ المساواة والمشروع الحر. إنّ مصطلح التكافل الذي يستحسنه أنصار الحداثة وبعض أنصار النهضة يضم تدابير من النظامين، لكن لم يتحقق بعد أي تركيب منهما".

و– عنصر المجتمع

يحضر ملفوظ المجتمع، والمجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقوة في مختلف المقاربات – الخطابات، بوصفه موضوعًا ومقصدًا للعدالة الاجتماعية، ولكن مع ذلك، فإنّ هذا الحضور كان عامًا، باستثناء بعض الإشارات التي تؤكّد الفرق بين المجتمع القديم والمجتمع الحديث من حيث التراتبية "قامت نظم ما قبل الحداثة على التراتبية المولودة كأساس للامتيازات أو غيابها، وكان يمثلها النظام (الفيودالي) الفرنسي بتراتبيته المعقّدة، وامتيازاته الشديدة، وانبثق عنه نظام من الحقوق والامتيازات التراتبية هو نظام الامتيازات الاجتماعية والتراتبيات ما قبل الثورة". ويرتبط ملفوظ المجتمع بملفوظ الدولة أو السّلطة أو النظام السياسي الذي وُصف بالتسلّط، والاستبداد، والدكتاتورية، والتبعية، ولكنه

لم يلق التحليل الكافي، وبخاصّة مع التحول الذي أحدثته الدولة الوطنية/ القومية في تشكيل المجتمع نفسه. ولا  يخفى على الباحثين أنّ كل حديث عن العدالة الاجتماعية، يفترض الحديث عن المجتمع ومؤسّساته ونظامه السياسي.

ثالثًا: خلاصة أولية

يؤدّي العنصر الأول والثاني بشَّقَيه التاريخي والآني إلى طرح سؤال مشروع: ما الذي يمكن استخلاصه من عملية وصف خطاب العدل في الفكر العربي المعاصر وتشخيصه؟ 1. تُثبت المدوّنَة المعتمَدة في التحليل، سواء من جهة عناصرها المدروسة في المتن أو من

جهة إحالاتها الهامشية، على المنزلة المهمّة التي يحظى بها موضوع العدل في الفكر العربي

والإسلامي القديم والحديث، وذلك من خلال الكشف عن المستويين التعاقبي والتزامني، أو بتعبير آخر، من خلال دراسة بنيته وعناصره الأساسية، وتطوره وتعاقبه في التاريخ الفكري العربي القديم والحديث. 2. بَّيَنت الدراسة أنّ التحليل اللغوي لملفوظ العدل وعلاقته بمختلف الملفوظات المرتبطة به قد

غلّبا جانب الاستعمال والسياق والتاريخ في تحديد معناه، وكذلك أشكاله المختلفة القديمة منها والجديدة.

(10((خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ص  256. يجب الإشارة إلى أنّ المقصود بالجماعية عند مجيد هو الاشتراكية التي يجب مزجها بنوع من الليبرالية باسم التكافل الاجتماعي. وفكرة التكافل هذه نقرؤها عند كثير من المفكرين العرب، منهم على سبيل المثال: جدعان، "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، ص.103 ((11(بشارة، ص.28–27

3. إذا كانت قيمة مفهوم العدل قيمة أصيلة في الفكر العربي والإسلامي القديم والحديث، وأنّها كانت موضوع اهتمام من العلماء والفقهاء والفلاسفة والكتاب والمثقفين، فإنّها كانت أيضًا مطلبًا

شرعيًا ومشروعًا للقوى الاجتماعية، ولا سيّما ما تعلق بالعدالة السياسية والاجتماعية والانتقالية،

والعدالة بما هي اعتراف بمختلف مكِّوِنات المجتمع العربي الحديث، ومنها تحديدًا الاعتراف

بحقوق المرأة التي تحتاج بلا شك إلى دراسة مستقلة، وكذلك الاعتراف ببعض اللغات القومية أو الوطنية كالأمازيغية، وغيرها. ومما لا شك فيه أنّ العدالة الانتقالية والعدالة بوصفها اعترافًا

تشِّكِل أحدث أشكال العدالة النظرية والعملية في الفكر العربي المعاصر. 4. تشِّكِل ملفوظات خطاب العدل في مجملها تشكيلة خطابية داخلية، تحكمها آليات وقواعد لعل أهمها قاعدة القسمة والتحُّوُل من الملفوظات الأيديولوجية الصريحة إلى الملفوظات النظرية.

ومما لا شك فيه أنّ الآليات التي تتحَّكَم في الخطاب الأيديولوجي والنظري، بشقيه التاريخي

والآني، مختلفة فيما بينها، إّلا أنّها تشترك في عناصر أساسية، أهمها: الاتساق والانسجام، والعلاقة بين النظري والعملي، أو بين الخطاب والمؤسسة، أو بين الخطاب والجامعة، أو بين الخطاب والمجتمع. 5. عرفت التشكيلة الخطابية للعدل تحوّلًا أساسيًا أو د لًا، تمثل في انتقالها من مرحلة الطرح

الأيديولوجي الصريح إلى الطرح النظري، ولكن من دون الإقرار بالقطيعة أو الفصل بين الأيديولوجي والنظري فصلًا نهائيًا. فإذا كان هذا التحول يثبته نوع الأسئلة المطروحة، واللغة

المستخدمة، والأساليب المتبعة، والأهداف المبتغاة، والنظرة النقدية لما أُنجز، وما  يجب إنجازه، فإنّ ما  يجب التشديد عليه هو أن موضوع العدل نفسه لا  يقبل الفصل أو القطع بين الأيديولوجي والنظري؛ وذلك بحكم طبيعة المفهوم أو الملفوظ نفسه الذي هو جزء من المفاهيم الأخلاقية والسياسية التي يفرض منطقها علاقة تشابكية بين الأيديولوجي والنظري، وبين المعرفي والسلطوي. ثم إنّه إذا كانت المفاهيم الأخلاقية والسياسية في عمومها، ومنها بالطبع مفهوم العدل، واسعة، وغير محَّدَدة تحديدًا كافيًا، وغامضة نسبيًا، ومتعِّدِدة وظيفيًا، فإنّ

ذلك يعود إلى طبيعتها التكوينيّة المزدوجة والمتمثلة في الطابع الوصفي والمعياري في الوقت

نفسه؛ أي إنّها تعِّبِر عن وقائع اجتماعية وسياسية، وعن أحكام قيميّة وأخلاقيّة في الوقت نفسه.

لذا يصعب الاتفاق على معناها، بحيث يستقر هذا المعنى، ويصبح واضحًا، إّلا باتخاذ موقف

بذاته، والانحياز إلى عنصر محَّدَد، وتفضيل حكم قيمة بعينه. وبناء عليه، أستطيع القول، وذلك وفقًا لبعض المقاربات التي تقِّدِمها فلسفة اللغة، ومنها نظرية الاستعمال لفيتغنشتاين، إنّ المفاهيم السياسية مفاهيم مفتوحة، لا تُفهم خارج مجموعتها المماثلة أو عائلتها المشابهة

(11((حول العدالة اللغوية، ينظر: الزواوي بغورة، اللغة والُّسُلطة، أبحاث نقدية في تدبير الاختلاف وتحقيق الإنصاف (بيروت:

دار الطليعة،.)2017 (11((ينظر على سبيل المثال: الزواوي بغورة، الاعتراف، من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت:

دار الطليعة، 2012)؛ حسام الدين درويش، في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية، نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية (الشارقة: الإمارات العربية المتحدة،.)2023

أو تشكيلتها الخطابية وفق ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926)، وبعلاقاتها الثقافيّة

أكثر من علاقاتها المنطقيّة التي يكون فيها للتاريخ وأحداثه الدور الأساس في صياغتها. وعليه،

فإنّ كل محاولة لوضع حٍّدٍ، ولو نسبيًا، لهذا الاختلاف، واللّبس، والتعدّد، لا تحتاج إلى اتخاذ

قرارات منهجيّة علميّة لصياغة دقيقة للمفهوم أو الملفوظ، فحسب، بل يتطلب الأمر كذلك

اتخاذ مواقف سياسية أو أخلاقية واعية. 6. شكّل موضوع العدل في القديم والحديث مث لًا لخطاب التلقي والتفاعل والسجال والجدل بين النص – الخطاب العربي وغيره من الخطابات اليونانية في القديم والغربية في العصر الحديث. وأدّت الترجمة في الحالتين دورًا مفصليًا في هذه العملية. ولكن إذا كان التلقي

القديم يشوبه قدر غير يسير من اللبس في معرفة نصوص فلاسفة اليونان، فإنّ التلقي الحديث قد تمكّن من تجاوز عقبات عديدة، وذلك بفعل معرفة اللغات الأجنبية، والاتصال المباشر بالغرب. ولعل في الإحالة على رولز على سبيل المثال ما  يكشف عن هذا التحوّل في عملية

التلقي، بحيث أصبح مرجعًا أساسيًا في الخطاب النظري بشَّقَيه التاريخي التراثي والآني.

ولكن إذا كان هذا التلقي لا  يزال يحتكم إلى القاعدة الآتية: "لا بد من الأخذ عن الغرب من أجل مجابهة الغرب"، فإن ما  يجب التشديد عليه هو أننا جزء من هذا العالم، وأنّ هذا العالم بقدر ما  يشِّكِلنا، فإنّنا نشكله أيضًا. 7. إذا كانت المدونة قد ركزت على ملفوظ العدل، فإنّ ما  يجب الإشارة إليه هو التلازم بين ملفوظ العدل والحرية والمساواة. وهو ما أكّده في الحقيقة الخطاب النظري بشقّيه التاريخي والآني، ونقرؤه في أكثر من مقاربة سواء تلك التي وقفت عندها أو تلك التي أحلت عليها، وإنّ الإنكار أو التقليل من هذا التلازم، يعدّ عقبة في إدراك معنى العدل، وهو ما  يستدعي، بلا شك، القيام بدراسات بحثية أخرى. 8. لا  يمكن أيّ خطاب في العدل والأخلاق، والعدالة الاجتماعية على وجه التحديد، أن يتأسس بعيدًا عن المعطى الأساسي الأول؛ وهو المجتمع الذي يتوجه إليه. وإذا كانت بعض المقاربات قد أشارت إلى المجتمع العربي القديم والحديث عمومًا، فإنّه لم ينل الاهتمام الكافي، سواء من جهة بنيته ومكوناته، أو من جهة التحّولّات العميقة التي عرفها في العصر الحديث، ونوعية

الأمراض الاجتماعية التي يعانيها، وبخاصّة علاقته بمتغيرَين أساسيَين، هما: الدولة الوطنية أو

(11((حول هذا التلقي والحضور، ينظر: الزواوي بغورة، "نصف قرن على ميلاد نظرية في العدالة... المنطلقات والآفاق"، العربي، العدد 756 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2021)، ص.21–16 ((11(قرني، ص.244 (11((خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ص.257 ((11(مشير عون، "مساءلة العدالة في قرائن الاجتماع العربي المعاصر"، في: عون و]آخرون]، ص.11

الاجتماعية والأخلاقية أن تنظر فيه.

المراجع

العربية

للكتاب،.2006

دراسات الوحدة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 أومليل، علي. في التراث والتجاور. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1990

دار الياقوت،.2001 بدوي، عبد الرحمن. مذاهب الإسلاميين. ط  2. بيروت: دار العلم للملايين،.2005

الوحدة العربية،.1997

دار الطليعة،.2012

(تشرين الثاني/ نوفمبر.)2021

2022)، ص.372–364 (11((خدوري، مفهوم العدل في الإسلام، ص.263

القومية، والنظام العالمي الذي تهيمن عليه الدول الغربية، وهو ما  يجب على الفلسفة

References

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق إبراهيم شبوح وإحسان عباس. تونس: الدار العربية

أمين، جلال [وآخرون]. نحو مشروع نهضوي عربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز

بحاز، إبراهيم. القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية. عمان:

براهيمي، عبد الحميد. العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي. بيروت: مركز دراسات

بشارة، عزمي. "مداخلة بشأن العدالة: سؤال في السياق العربي المعاصر". تبيّن. مج  2، العدد 1 (صيف

البغدادي، أحمد. الفكر السياسي عند أبي الحسن الماوردي. الكويت: مؤسسة الشراع للنشر والتوزيع،

بغورة، الزواوي. الاعتراف، من أجل مفهوم جديد للعدل: دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت:

_______. اللغة والُّسُلطة، أبحاث نقدية في تدبير الاختلاف وتحقيق الإنصاف. بيروت: دار الطليعة،

_______. "نصف قرن على ميلاد نظرية في العدالة... المنطلقات والآفاق". العربي. العدد 756

((11(يرصد المؤرخ المصري خالد فهمي معالم هذا التحول، من خلال تظاهرة العبيد في القاهرة دفاعًا عن حقوقهم ضد أحد

المّلا ك. ينظر: خالد فهمي، السعي للعدالة، الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة، ترجمة حسام فخر (القاهرة: دار الشروق،

_______. الخطاب، بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو. ط  3. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد – ناشرون،.2022 بلقزيز، عبد الإله [وآخرون]. الثقافة العربية في القرن العشرين، حصيلة أولية. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 القادري، علي. تفكيك الاشتراكية العربية. ترجمة فكتور سحاب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2020 البنا، جمال. نظرية العدل في الفكر الأوربي والفكر الإسلامي. القاهرة: دار الفكر الإسلامي،.2011 بنحمودة، عمار. "طوبى العدالة الاجتماعية وعداء الديمقراطية". مجلة يتفكرون. العدد).2017(10 بوتشيش، إبراهيم القادري. خطاب العدالة في كتب الآداب السلطانية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 بوزيد، بومدين [وآخرون]. فلسفة العدالة في عصر العولمة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،

تونيز، فرديناند. الجماعة والمجتمع المدني. ترجمة نائل حريري. جوزيه هاريس (محرر.) الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 جدعان، فهمي. رياح العصر، قضايا مركزية وحوارات كاشفة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2002 _______. تحرير الإسلام، ورسائل زمن التحولات. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. "الميثاق الوطني". الجريدة الرسمية. السنة  13، العدد 61.

جونستون، ديفيد. مختصر تاريخ العدالة. ترجمة مصطفى ناصر. سلسلة عالم المعرفة 387. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2012 درويش، حسام الدين. في فلسفة الاعتراف وسياسات الهوية، نقد المقاربة الثقافوية للثقافة العربية الإسلامية. الشارقة: الإمارات العربية المتحدة،.2023 دياب، محمد حافظ. سيد قطب، الخطاب والأيديولوجيا. ط  2. بيروت: دار الطليعة،.1988 السباعي، مصطفى. اشتراكية الإسلام. القاهرة: الدار القومية للنشر،.1960 السيد، رضوان [وآخرون]. العدل في المسيحية والإسلام. جونيه: المكتبة البولسية،.1998

العلام، عز الدين. الآداب السلطانية، دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي. سلسلة عالم المعرفة 324 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.،.2006 عون، مشير [وآخرون]. العدالة في الانتظام الاجتماعي والسياسي العربي، الأبعاد الفلسفية. بيروت: دار الفارابي،.2019 الغزالي، محمد. الإسلام والمناهج الاشتراكية. ط  4 القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.

الفارابي، أبو نصر. فصول منتزعة. تحقيق وتقديم فوزي ميتري نجار. بيروت: دار المشرق،.1971 فهمي، خالد. السعي للعدالة، الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة. ترجمة حسام فخر. القاهرة: دار الشروق،.2022 قرني، عزت. العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة. سلسلة عالم المعرفة 30 الكويت:. المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1980 قطب، سيد. معالم في الطريق. ط  6. القاهرة: دار الشروق،.1979 _______. العدالة الاجتماعية في الإسلام. القاهرة: دار الشروق،.1995 _______. السلام العالمي والإسلام. ط  14. القاهرة: دار الشروق،.2006 _______. نحو مجتمع إسلامي. ط  13. القاهرة: دار الشروق،.2008 كيملشكا، ويل. مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو. تونس: دار سيناترا،.2010 ما العدالة؟ معالجات في السياق العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،

مسكويه، أحمد بن محمد بن  يعقوب. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. بورسعيد: مكتبة الثقافة الدينية،.2001 مقار، توفيق ومحمد عبد القادر حافظ. العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.]. المودودي، أبو الأعلى. الخلافة والملك. تعريب أحمد إدريس. الكويت: دار القلم،.1978 المولى، سعود [وآخرون]. تقرير الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل. بيروتفي::2017.

https://cutt.us/XE3VA

الندوي، أبو الحسن. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ المنصورة: مكتبة الإيمان، [د. ت.].

الهيتمي، ابن حجر. أربعون حديثًا في العدل. بغداد/ بيروت: منشورات الجمل،.2012 الوائلي، عامر عبد زيد [وآخرون]. فلسفة القانون ورهانات العدالة، من رهانات التأسيس إلى مقاربات الواقع. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية – ناشرون،.2016

الأجنبية

Khddouri, Majid. The Islamic Conception of Justice. Baltimore & London: The Johns

Kymilcka, Will. Les théories de la justice, Une introduction. Marc Saint–Upéry (trad.).

McVittie, Chris & Andy McKinlay. "L’analyse du discours dans les pays anglo–saxons."

Hopkins University Press, 1984.

Paris: Editions la Decouverte, 2003.

Bulletin de psychologie. vol. 5, no. 521 (2012).