العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حالة الاستثناء والإنسان المستباح عند جورجيو أغامبين

حالة الاستثناء والإنسان المستباح عند جورجيو أغامبين

The State of Exception and the Homo Sacer According to Giorgio Agamben

محمد الهادي عمري

Mohamed el-Hadi Omari

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في مصطلح "الإنسان المستباح" أو "المنبوذ" Homo Sacer وعلاقته بحالات الاستثناء عند جورجيو أغامبين، والنظر في تحولاته من اللاهوت إلى السياسة، وارتحالاته من القانون الروماني القديم إلى تجليات صوره اليوم، من خلال التقصّي والبحث الاستكشافي لطائفة من المفاهيم السياسية المجاورة لهذا المصطلح، من قبيل السلطة السيادية والقانون والبيوسياسة وحالة الاستثناء والحياة العارية. إن مفهوم "الإنسان المستباح"، وإنْ تعددت معانيه، فإن تأويله وفق سياقات جديدة، وتفكيك حمولته الرمزية التي ينطوي عليها وتوسيعها دلاليًا ومنهجيًا، من شأنه أن يمنحنا عُدَدًا لقراءة مغايرة لراهن التحديث السياسي، الذي أدرج حياة الإنسان داخل سياسة عنيفة لدولة تبسط سيادتها على الحياة والموت، عبر حالات الاستثناء التي تُنتج الحياة العارية لإنسان مستباحٍ، ومنبوذٍ، ومستبعَدٍ من أي ممارسة سياسية واجتماعية باسم القانون. لذلك تركز هذه الدراسة على النزاع النظري بين التبرير القانوني لحالات الاستثناء، كما نجدها عند كارل شميت، والتباسها وغموضها وتداعيات توظيفها في الدولة، بشكليها الاستبدادي والديمقراطي عند أغامبين. وتتجلى راهنية هذا المشكل في أن حالة الاستثناء لم تعد مؤقتة، بل تحولت إلى حالة دائمة أو قاعدة قانونية في أغلب النظم السياسية المعاصرة.

Abstract

Abstract: This paper examines the concept of Homo Sacer and its relationship to the state of exception in Giorgio Agamben’s thought. The paper examines the term’s transformations from theology to politics, and from ancient Roman law to the manifestations of their forms today. The research investigates a range of political concepts adjacent to this term, such as sovereign power, law, biopolitics, the state of exception, and naked life. Homo Sacer is a concept with multiple meanings, but interpreting it according to new contexts, dismantling its symbolic load and expanding it semantically produces several readings of the current political modernization that puts human life within a violent policy of a

الكلمات المفتاحية:
  • الإنسان المستباح
  • الحياة العارية
  • البيوسياسة
  • العنف
  • حالة الاستثناء
  • معسكرات الاعتقال
  • الاستبداد
Keywords:
  • Homo Sacer
  • Naked Life
  • Biopolitics
  • Violence
  • the State of Exception
  • Concentration Camps
  • Tyranny

محمد الهادي عمري * | Mohamed Hedi Omri

وعلاقته بحالات الاستثناء عند جورجيو أغامبين، والنظر في تحولاته من اللاهوت إلى

السياسة، وارتحالاته من القانون الروماني القديم إلى تجليات صوره اليوم، من خلال التقصّي

والبحث الاستكشافي لطائفة من المفاهيم السياسية المجاورة لهذا المصطلح، من قبيل

السلطة السيادية والقانون والبيوسياسة وحالة الاستثناء والحياة العارية. إن مفهوم "الإنسان

المستباح"، وإنْ تعددت معانيه، فإن تأويله وفق سياقات جديدة، وتفكيك حمولته الرمزية التي

ينطوي عليها وتوسيعها دلاليًا ومنهجيًا، من شأنه أن يمنحنا عُدَدًا لقراءة مغايرة لراهن التحديث

السياسي، الذي أدرج حياة الإنسان داخل سياسة عنيفة لدولة تبسط سيادتها على الحياة

والموت، عبر حالات الاستثناء التي تُنتج الحياة العارية لإنسان مستباحٍ، ومنبوذٍ، ومستبعَدٍ

من أي ممارسة سياسية واجتماعية باسم القانون. لذلك تركز هذه الدراسة على النزاع النظري

بين التبرير القانوني لحالات الاستثناء، كما نجدها عند كارل شميت، والتباسها وغموضها

وتداعيات توظيفها في الدولة، بشكليها الاستبدادي والديمقراطي عند أغامبين. وتتجلى راهنية

هذا المشكل في أن حالة الاستثناء لم تعد مؤقتة، بل تحولت إلى حالة دائمة أو قاعدة قانونية

في أغلب النظم السياسية المعاصرة.

Postdoctoral researcher in modern and contemporary philosophy. Faculty of Letters and Human Sciences, University of Sfax, Tunisia. omrimohamedelhedi@gmail.com

state that extends its sovereignty over life and death through cases of exception. This produces the naked life of a despised outcast, excluded from political and social participation in the name of law. This paper focuses on the theoretical conflict between the legal justification for state of exception as defined by Carl Schmitt, and its ambiguity, and the implications of its employment by both the authoritarian and democratic state, according to Giorgio Agamben. The contemporary relevance of this problem is evident in the fact that the state of exception is no longer temporary, but has rather become a permanent state or legal rule in most contemporary political systems.

مقدمة

"إذا كان الاستثناء هو تلك المنظومة الأصلية التي بواسطتها يرتبط القانون بالحياة ويحتويها بداخله، وذلك من خلال تعليق العمل بالقانون نفسه، فإن وجود نظرية لحالة الاستثناء يغدو شرطًا أوليًا لتعريف الصلة التي

تربط الكائن الحي بالقوانين، وتتركه تحت هيمنتها في الوقت ذاته". انطلاقًا من القول المأثور إن التأويل هو أن يجعل المؤول من نص أو مفهومٍ يعيش عصرًا غير

عصره بإدماج معناه في الحاضر، اختارت هذه الدراسة أن تبحث في إتيمولوجيا مصطلح "الإنسان المستباح" أو "المنبوذ" Homo Sacer عند جورجيو أغامبين، وملاحقة تقلباته من اللاهوت إلى السياسة، وارتحالاته من القانون الروماني القديم إلى تجليات صوره اليوم. وتسعى هذه الدراسة إلى التقصّي والبحث الاستكشافي لطائفة من المفاهيم السياسية المجاورة لهذا المصطلح،

من قبيل السلطة السيادية والقانون والبيوسياسة وحالة الاستثناء والحياة العارية والعنف ومعسكرات

(((جورجيو أغامبين، حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2–1، ترجمة ناصر إسماعيل (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص.42 (((Homo Sacer هو مصطلح لاتيني، ويعني حرفيًا "الإنسان المقدس"، وهذا المفهوم يحمل مفارقة؛ فهو يُشير إلى ذاك الشخص

الذي حُرم من وضعه الاجتماعي والقانوني، والذي يكون خارج القانون ولا يمكن التضحية به شعائريًا، ولكن يمكن قتله دونما معاقبة

القاتل. وقد تُرجم إلى العربية على أنحاءٍ متعددة؛ منها: المنبوذ عند عبد العزيز العيادي أو الإنسان المستباح عند أماني أبو رحمة. يبني أغامبين نظريته السياسية باستعارة هذه الشخصية من القانون الروماني القديم، فالإنسان المستباح أو مهدور الدم هو الفرد الذي

قد يُقتل على يد أي شخصٍ من دون إدانته، ويحظى المجرم بضمانات قانونية؛ لأن المستباح محظور/ مستبعد/ منفي من المجتمع

بحيث يُختزل المستباح في مجرد وجودٍ مادي ويُصبح حًّيًا ميتًا. ويُطلق هذا المصطلح على المستبعَدين من الممارسة السياسية

بسبب استبداد السلطة، ويتوافق مع الإنسان اليوم الذي استُبيحت حياته الخاصة. (((أستاذ فلسفة الجمال بجامعة فيرونا الإيطالية، وحاليًا أستاذ كرسي باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (677–16321) وأستاذ

الفلسفة في مدرسة الدراسات العليا الأوروبية بسويسرا. ارتبط هذا الفيلسوف بالمشهد الثقافي والفلسفي بفرنسا في الستينيات، وتعرف على موريس ميرلو–بنتي Maurice Merleau–Ponty (961–19081) وإلسا مورنتي Elsa Morante (985–19121) وجان بول 1–926(Michel Foucault) وميشيل فوكو 2004–1930(Jacques Derrida 1) وجاك دريدا 980–1905(Jean–Paul Sartre سارتر 984.)1 واظب على الدروس التي ألقاها مارتن هيدغر Martin Heidegger (976–18891) في بلدة "لاتور" الفرنسية. وتأثر هذا المفكر بحنة أرندت وبالخصوص بفالتر بنيامين Walter Benjamin (940–18921) الذي ترجم له معظم كتاباته. توزعت اهتمامات أغامبين في الفلسفة بين السياسة والأخلاق والفن، انشغل في الثمانينيات بقضايا الميتافيزيقا وفلسفة اللغة والجماليات، ومنذ سنة

995 1 وعلى مدار عقدين من الزمن، نشر تسعة كتب في إطار مشروعه الكبير الإنسان المستباح: السلطة السيادية والحياة العارية.

الاعتقال وغيرها. وتختبر الدراسة منهجًا تحليليًا تفكيكيًا يتواءم مع أركيولوجيا أغامبين التي تنحو

نحو جينيالوجيا تُعيد تركيب الدلالات والمعاني من ذاك الوميض الإغريقي والروماني البعيد، لتُؤول الحاضر وتطرح أسئلة تغييره. أما الفكرة التي نروم توضيحها في هذا المقال، فهي أن هذا المفهوم الذي أفرد له أغامبين حيزًا خاصًا جًّدًا من الناحيتَين النظرية والتطبيقية، ضمن مشروعٍ كبيرٍ امتدّ لعقدين

(2015–1995)، قد عبر عنه فلاسفة آخرون بصيغ مختلفة في مجال الفلسفة السياسية المعاصرة مثل "الإنسان المَدين" عند فريديريك نيتشه Friedrich Nietzsche (900–18441)، أو "المَسْخ" عند

الفيلسوف الإيطالي أنطونيو نغري Antonio Negri. إن مفهوم "الإنسان المستباح" وإنْ تعددت معانيه، فإن تأويله وفق سياقات جديدة، وتفكيك حمولته الرمزية التي ينطوي عليها وتوسيعها دلاليًا ومنهجيًا، من شأنه أن يمنحنا عُدَدًا لقراءة مغايرة لراهن

التحديث السياسي، الذي أدرج حياة الإنسان داخل سياسة عنيفة لدولة تبسط سيادتها على الحياة والموت عبر حالات الاستثناء التي تُنتج الحياة العارية لإنسان مستباحٍ، ومنبوذٍ، ومستبعَدٍ من أي ممارسة سياسية واجتماعية، باسم القانون الذي في ظله وُلدت الدولة الغربية الحديثة التي لا تقوم في

جوهرها على القانون، وإنما على حالة الاستثناء، وهو ما يطرح مشكلًا فلسفيًا عميقًا يتعلق بالأساس

القانوني للسيادة لحظة منحها شكلًا قانونيًا لحالة غير قانونية. يتناول هذا البحث فلسفة أغامبين في بعدها الإتيقي وامتدادها السياسي، وفي عودتها التأويلية إلى الكثير من المصطلحات القديمة؛ إذ تعود هذه الفلسفة إلى مفهوم "الحياة العارية" Naked life عند أرسطو Aristotle (ت. 384 ق.م 322–ق.م)، وإلى مفهوم البيوسياسة Biopolitic عند ميشيل فوكو، وتستلهم مفهوم حالة الاستثناء The state of Exception من كارل شميت Carl Schmitt (985–18881)، وتستعير مفهومي الشمولية ومعسكرات الاعتقال من حنة أرندت Hannah Arendt (975–19061)، كما تشتبك مع أنطولوجيا مارتن هيدغر ونقد فالتر بنيامين. لكن على أي نحوٍ استشكل أغامبين حالة الاستثناء وعلاقتها بالإنسان المستباح والعنف السياسي؟ ما علاقة الاستثناء بالقانون؟ وإذا كان الاستثناء هو ما يُشرعه القانون، فهل يحدّ من العنف أم يُبرره؟ هل تُسعفنا تأويلية ما يُسميه أغامبين "الإنسان المستباح"

بإطارٍ نظري لفهم ما يحدث اليوم في عالم أصبح محكومًا كليًا بالاستثناء؟

أولا: الحياة العارية والإنسان المستباح

سطع نجم أغامبين في الأوساط الأكاديمية والثقافية مع نشر كتابه الإنسان المستباح: السلطة السيادية والحياة العارية، في عام 995.1 ويطرح هذا الكتاب، الذي سيكون فاتحة لسلسلة من الأعمال الأخرى، جملة من الفرضيات تتعلق بحالة الاستثناء وعلاقتها بالقانون، وما يترتب عليها من آثارٍ سياسية كالتآزر

(((أرسل أغامبين في بداياته رسالة إلى حنة أرندت عبّر فيها عن عميق إعجابه الذي سيرافقه طويلًا؛ إذ مثلت أفكارها السياسية

إضاءات كبرى في مساره. ينظر:

Giorgio Agamben, "Letter from Giorgio Agamben to Hannah Arendt 21 Feb. 1970," Diacritics , vol. 39, no. 4 (Winter 2009), p. 111.

الداخلي بين الديمقراطية والشمولية، ويُؤول معسكرات الاعتقال بوصفها النموذج البيوسياسي في

الدولة الغربية الحديثة. اعتبِر مفهوم "الإنسان المستباح" بمنزلة مصطلح مفتاح أو لفظ مزعج في نتاجات أغامبين الفكرية؛ لأنه يؤدي دورًا حاسمًا في تحليل السلطة وأزماتها. وفي هذا الكتاب كما في جل كتاباته، يبدو أثر أرندت

واضحًا؛ إذ يتناول الحاضر كما لو أنه اللحظة الكارثية للتقليد السياسي الذي تعود جذوره إلى اليونان

القديمة، التي انتهت إلى معسكرات الاعتقال النازية تعبيرًا عن الوجه البيوسياسي للسلطة، وهو في

هذا المستوى يختلف مع ميشيل فوكو حول ظهور البيوسياسة؛ إذ يُؤكد أغامبين العلاقة العضوية بين

السلطة السيادية والبيوسياسة التي تُشكل جوهر ممارستها، فالحداثة لا تُمثل قطيعة جذرية مع التقاليد السياسية الغربية، ولكنها تجذير لما كان موجودًا منذ البداية. ونجد في هذا الكتاب مراجعة نقدية لتاريخ الفلسفة السياسية وتفكيكًا للمفترضات التي نهض عليها

خطابها، ولسنا نجانب الصواب حين نقول إن كتاب الإنسان المستباححطّم الاجماع السعيد حول عقلانية الغرب وأصالتها وتفوقها. فالانتقال التاريخي تجاه الحداثة السياسية لم يكن نتيجة تعاقد حرّ

بين إرادات سياسية من أجل تنظيم ما يُسمى المجتمع السياسي، بل ما حدث تاريخيًا هو أن تراكم

التقنيات التنظيمية والمؤسساتية في بداية العصر الصناعي الحديث ساهم في تعزيز قدرة السلطة السيادية على الضبط والمراقبة والعقاب والعنف على نحو غير مسبوقٍ. وهذه التقنيات، وفق أغامبين، خلقت الدولة الحديثة والمعاصرة، فليس ثمة انتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني، بل السلطة السياسية في الدولة الحديثة أصبحت تجسيدًا لحالة الطبيعة نفسها؛ إذ حالة الطبيعة كامنة في

مبدأ السيادة، وهي إمكانية حقيقية داخل الدولة، وتتجسد في احتفاظ صاحب السيادة بحقه الطبيعي في التصرف المطلق في ممارسة العنف المنظم والعقاب والمراقبة. وفي هذه المرحلة التي يصفها أغامبين سيظهر الفرد الحديث بوصفه مستباحًا من سلطة سيادية تضع القوانين وتُمارس الحظر، وهذه

اللحظة يُطلق عليها "التجلي الأول للمعتقل السياسي". مثلت مرحلة التحديث السياسي من الأسفل الكيفية التي تحوّل بها الأفراد المستباحون إلى مواطنين

لهم هوية قانونية محددة داخل نظام سيادي معين، لكن بقدر ما كان التحديث إيجابًّيًا لعقلنة السلطة،

أدرج الحياة داخل سياسة عنيفة لدولة تبسط سيادتها على الحياة والموت. وهذا التوسع في الحقوق السيادية للدولة كان السبب الرئيس في بروز الأنظمة النازية والفاشية والتي معها أصبحت حياة الإنسان المستباح رهينة قرار سلطوي. إن سرديةَ البيوسياسة سرديةٌ مستمرة حول السيادة والحياة العارية التي تُنتجها حالة الاستثناء، فالبيوسياسة، وفق ما يرى أغامبين، لم تظهر حديثًا كما هو الحال عند فوكو، وإنما رافقت كل الميتافيزيقيات الغربية منذ أرسطو. وما يُثير الانتباه هو التأصيل النظري لما يحدث

سياسيًا اليوم بالعودة إلى اليونان القديمة، وحين نقول: "التأصيل"، فلا يعني ذلك عند أغامبين تطابقًا

بين البوليس Polis ومعسكرات الاعتقال المعاصرة، ف "ليست المدينة بردايم البيوسياسة في الغرب، وإنما المعسكر"، ففي هذا البردايم شهدت الإنسانية أشنع الفظائع في القرن العشرين من أروقة

(5) Giorgio Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life (Stanford, CA: Stanford University Press, 1998), p. 181.

الموت إلى المعتقلات النازية، إلى السجون السرية والمقابر الجماعية. ويُفسر هذا البردايم ما أطلق

عليه أغامبين التآزر الداخلي بين الأنظمة الشمولية والديمقراطيات الليبرالية. تقوم السيادة عند هذا الفيلسوف على قاعدة الاستثناء؛ لأنها تُشكل الجسم السياسي عبر تحديد من يُسمح لهم بالاندماج فيه، والسيادة أعلى من القانون؛ لأنها تُقرر تطبيقه أو تعليقه، وتُحدد موعدَ بدئه

ونهايته، وعلى من يُطبق ومن يستثني، وهذه السيادة تقتضي إنتاج جسم سياسي على قاعدة تقسيم

للحياة يعود إلى إرث يوناني قديم يُميز بين دلالتين للحياة: "زوي Zoè، الذي يُعبر عن حقيقة بسيطة

للعيش المشترك بين جميع الكائنات الحية 'الحيوانات والبشر، أو الآلهة'، والبيوس Bios الذي يُشير

إلى شكل العيش السليم لفردٍ أو مجموعة"، فالزوي يُشير إلى الكائن الحي بإطلاقٍ في حين يدل

البيوس على الحياة المدنية العقلانية. استبعد الإغريق الحياة البسيطة من السياسة ومن المدينة، يقول أغامبين مؤكدًا ذلك: "الحديث عن زوي سياسي عند مواطني أثينا لا معنى له"، وما يعنيه هاهنا بالحياة العارية أو المهددة ليس الزوي، وإنما ما تبقى من البيوس الذي دمرته السياسة اليوم، ليس مجرد الحياة الطبيعية الإنجابية، ولا هو الزوي عند اليونانيين ولا البيوس، بل "منطقة الالتباس والتحول المستمر بين الإنسان والوحش"، فالحياة الطبيعية لا تُشير إلى عُرْيٍ طبيعي، ولكنها تعرض إنتاجًا مصطنعًا وعُرْيًا مقَّنَعًا يُخفي الرموز

والعلامات الاجتماعية. إن الانخراط في المجتمع السياسي يرتبط بهذا الفصل الذي يسمح باستبعاد بعض البشر وإقامة مساحات حظرٍ محرومة من حماية القانون الذي هو في الأصل مبنٌّيٌ على الحظر.

وفي هذا السياق يعود أغامبين إلى القانون الروماني القديم موِّظِفًا شخصية "الإنسان المستباح" الذي "يتم اختزال وجوده بأكمله في الحياة العارية وتجريده من كل حق، بحكم أن أي شخص يمكنه قتله من دون محاسبته على جريمته"، فالإنسان المستباح أُدرِجَت حياتُه العارية داخل النسق السياسي،

واستُبعِدت حياته المؤهلة من أي ممارسة سياسية واجتماعية، وبتعبير آخر، أدرِج موضوعًا لممارسة

السلطة. وعبر هذا النبذ والإقصاء والاستباحة وُِلدت الدولة الغربية الحديثة، وظهرت السلطة السيادية

التي تُقرر الحياة التي سيُعترَف بها، وانبثقت حالات الاستثناء، وكان من نتائجها معسكرات الاعتقال

والتوقيف والسجن القسري واستباحة الحياة في كل مناحيها. تتجلى الأزمة في تاريخ السياسة الغربية التي تشكلت منذ البداية بوصفها بيوسياسة، ويعد محورُ سلطتِها

فصل الزوي عن البيوس، وإنتاج الحياة العارية عبر حالات الاستثناء. ويُثير هذا التصور الطريف نقاشًا

عميقًا بين أغامبين ونغري، وهو موضع خلاف مع ما ذهب إليه فوكو؛ ذلك أن البيوسلطة عند هذا الفيلسوف مثلت تحولًا تاريخيًا يعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين؛ ما يعني أن هناك

(6) Ibid., p. 10. (7) Ibid., p. 9. (8) Ibid. (9) Ibid., p. 109. (10) Ibid., p. 183.

قطيعة بين السلطة السيادية والبيوسلطة. وقد قدم فوكو أول تحليل نظري متماسك للبيوسياسة باعتبارها شَّكلَت تحولًا حاسمًا في جوهر السياسة، فلم يعد الإنسان حيوانًا سياسيًا بلغة أرسطو: "لقد ظل الإنسان

لآلاف السنين، على ما كان عليه بالنسبة لأرسطو: حيوانًا حًّيًا، قادرًا بالإضافة إلى ذلك على وجود

سياسي، أما الإنسان الحديث فهو الحيوان الذي في سياسته تُوضع حياته ككائن حي موضع تساؤل". هذا التحول رافقه ظهور تقنيات انضباطية مسيطرة على الجسد الفردي، وبيوسياسة تُنظم وتُدير حياة السكان، وتستهدف الجسد بوصفه نوعًا بيولوجيًا يجب أن تُدار وظائفه، وهو ما جعل السلطة عند فوكو

تستثمر الحياة أكثر من القتل. في مقابل ذلك يستأنف أغامبين إشارات أرندت وينظر إلى الحاضر باعتباره محطة مأساوية لتقاليد سياسية لها أصولها اليونانية القديمة وامتداداتها الرومانية. هناك خيطٌ رفيع يشد عملية الانتقال من نموذج السلطة الشمولية الذي بلورته أرندت سنة 9511 إلى نموذج البيوسياسة الذي اشتغل عليه فوكو في منتصف سبعينيات القرن العشرين، فالنموذج الثاني كأنه استمرار أو مواصلة للجهود التأويلية التي اقترحها النموذج الأول، وكثيرة هي البحوث التي ذهبت من أرندت إلى فوكو، ومن فوكو إلى أرندت. يتساءل أغامبين عن غياب مفهوم البيوسياسة في كتابات أرندت حول الشمولية، وغياب فكرة معسكرات الاعتقال في أبحاث فوكو البيوسياسية بالرغم من أن مفاعيل البيوسياسة هي نفسها مفاعيل الشمولية في مستوى السيطرة على الأجساد والتحكم في الحياة والموت. وقد تبلور مفهوم البيوسياسة في الفصل الأخير من كتاب تاريخ الجنسانية الجزء الأول، الذي عنوانه "حق الموت والسلطة على الحياة"، في بحثه في تاريخ الطب ومؤسساته، وعمق النظر في هذا المفهوم في بعض دروسه التي قدمها في الكوليج دو فرانس Collège de France في المدة 980–1975.1 وتبرز البيوسياسة في أعمال فوكو بوصفها نظامًا جديدًا للسلطة، حيث تترك السلطة السيادية/ سلطة

الموت مكانها للسلطة على الحياة عبر معايير تنظيمية يؤدي فيها الطب دورًا حاسمًا في علاقة

بالأخلاقي والقانوني والاجتماعي. عبر هذا المفهوم يُفسر فوكو ظهور الشكل الجديد للسلطة في

القرن الثامن عشر، والذي وَفقه تحولت أو انتقلت من العصر الكلاسيكي عصر امتلاك الحياة إلى

حقبة تكنولوجية سياسية تُعزز ديمومة الحياة ومردوديتها، عبر سلطةٍ تُحكم قبضتها على الجسد وقواه واقتداراته وعلى تنظيم حياة السكان ورعاية الأجساد وإدارة الموت والحياة. فلئن كانت السلطة السيادية تُخضع وتُدمر الأجساد، فإن البيوسياسة تمنح الحياة وتُحافظ عليها بغاية السيطرة عليها. هذا الانتقال حتمته حاجة الرأسمالية ذاتها إلى شريحة سكانية سليمة صحيًا ومُنتجة، وهذه الحاجة من

أخص خصائص ما تقوم به البيوسياسة التي تُشكل الذاتيات عبر التحكم في نسب الولادات والوفيات ومعدلات الإنجاب والخصوبة للسكان.

(((1 ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية 1: – إرادة العرفان، ترجمة محمد هاشم (المغرب: أفريقيا للنشر، 2013)، ص.119 (1((ينظر:

Esposito Roberto, "Totalitarisme ou biopolitique," Tumultes , vol. 1, no. 26, (2006). (13) Michel Foucault, "La politique de santé au XVIII siècle," Dits et écrits (Paris: Gallimard, 2001), p. 16. (14) Michel Foucault, Surveiller et punir (Paris: Gallimard, 1975), pp. 242–243.

على خلاف ذلك يُماهي أغامبين بين السلطة السيادية والبيوسياسة على قاعدة أن عتبة النظام السياسي

تشكل الحياة العارية، فظهور تقنيات البيوسياسة لا يعني قطيعة في تاريخ السياسة الغربية، وإنما هو توسع مفاعيل البيوسياسة عبر إدراج الحياة البيولوجية في مركز انشغالاتها. إن اهتمام السلطة بإدارة الزوي وإنتاج الحياة العارية عبر الاستثناء قلص الحدود الفاصلة بين الديمقراطية والشمولية، وبين الأنظمة الليبرالية والأنظمة الاستبدادية. ولإثبات هذه الفرضية تسلل أغامبين بين تلك الحدود القصية للسياسي والقانوني، متقصيًا الأصول التاريخية للأنظمة السياسية في أثينا وقوانين روما القديمة

والكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، وصولًا إلى النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا ليُعري

ظاهرة تقعيد حالات الاستثناء في الدولة المعاصرة اليوم ودسترتها وأخلقتها، وليُبين أن إنتاج الحياة

العارية فعلٌ أصلي للسلطة السيادية، وأن هذه السلطة عندما تستهدف الحياة البيولوجية يظهر الرابط الخفي بين السلطة السيادية والحياة العارية، فتسُّيُس هذه الحياة هو الفعل الإنجازي لميتافيزيقا

رهانُها الإنسان الحي، وإدراج الحياة البيولوجية في المدينة هو الأساس الذي تعود إليه كل مقولات الفلسفة السياسية، بل إن هذا الإدراج يُشكل الحدث التأسيسي للحداثة.

ثانيًا: أزمة السيادة وحالات الاستثناء

ما الذي يعنينا اليوم في فلسفة أغامبين ونحن نعيش تحت وطأة الأزمات السياسية المتتالية والتي ما انفكت تُزعزع الأنساق والأنظمة في مجتمعٍ إنساني غير آمنٍ يسوده اللايقين والعنف المعمم بكل سياقات تصريفه الرمزية والمادية؟ هل تُسعفنا تأويلية ما يُسميه أغامبين "الإنسان المستباح" بإطارٍ

نظري لفهم ما يحدث اليوم في عالم السياسة؟ ثم ما موقع القانون إذا كان مصطلح "حالة الاستثناء" هو التكثيف الاقتصادي الأعلى في اللغة لمفهوم الأزمة في علاقة السلطة السيادية بالإنسان؟ تُعرف

حالة الاستثناء بأنها قرار تتخذه الدولة "السلطة التنفيذية" تحت إكراهٍما أو نتيجة خطرٍ داهمٍ أو متوقعٍ يُهدد المجتمع والدولة، وطبقًا لهذا القرار يقع تعليق القانون Suspension of the Law مؤقتًا وتتعطل

تطبيقاته، وتحلّ محلها التدابير والإجراءات الاستثنائية التي تأخذ منزلة قوة القانون وتسمو عليه. والجدل السياسي والفلسفي حول شرعية هذا الوضع ومشروعيته ارتبط بمخاوف تتعلق بإمكانية أن تتحول هذه الحالة من إجراء مؤقت اقتضته الضرورة، إلى وضع سياسي دائم يسمح للدولة بالتملص من التزاماتها تُجاه مواطنيها ومصادرة حقوقهم الاقتصادية وحرياتهم الاجتماعية، "وهكذا تُمثل حالة الطوارئ أنطولوجيا معقدة لكونها تحمل التهديد ونقيضه لدولة الحق". وربما ذلك ما يُفسر بروز محاولات في التشريع وفقه القانون لإدماج حالة الاستثناء داخل القانون

وإخضاعها للمواثيق الدولية الضامنة لحقوق الأفراد. لكن هل يمكن أن نبني دولة الحق على مشروعية الاستثناء وتعليق القانون؟ بمعنى هل يحدّ تقنين حالة الاستثناء من انحراف السياسي؟

1(((ينظر: جيورجيو أغامبين، المنبوذ: السلطة السيادية والحياة العارية، ترجمة عبد العزيز العيادي (بغداد/ كولونيا: منشورات الجمل، 2017)، ص.20 1(((المصطفى الشادلي، "في المفهوم الفلسفي والقانوني لحالة الطوارئ: جدلية الدولة والمجتمع"، تبين، مج  9، العدد 36 (ربيع 2021)، ص.39

ألا ينتهك المبدأ القانوني لفصل السلطات ويحتكر كل القرارات لحظة إعلانه "نظام السلطات الكاملة" Full Powers باسم حالة الاستثناء؟ ثم ألا تُعلق القوانين أحيانًا على مشروعية تفترضها لعبة المصالح؟ وكيف لحالة طارئة لا معيار لها أن تُدرج في النظام القانوني؟ وأخيرًا، هل تكون حالة الاستثناء ثغرة

تحملها القاعدة القانونية لحظة تعليق نفسها؟ كثيرًا ما ينتقل الاستثناء من الحالة المؤقتة التي أملتها الضرورة إلى الحالة الدائمة والمؤبدة، "وهذه

هي حال عديد الاستثناءات الظرفية المعطِلة للقوانين وللحقوق، أو السّانّة للإجراءات العُرفية، أو

المعلقة للعدالة في وقت الأزمات والثورات والانقلابات والغزوات الاستعمارية"، فمعظم حالات الاستثناء تحول إلى مصدرٍ للظلم وانتهاك حقوق الإنسان تحت شعارات براقة من قبيل: "حماية الشعب والوطن" و"الأمن القومي" وغيرها من التبريرات التي يُبدعها صاحب السلطان/ السيادة الذي

تعود إليه سلطة قرار سنّ مثل هذه الحالات. إن انتشار الاستثناء في التشريعات والقوانين، وسريانه في مجالَي الحق والعدالة، ليسا إلا مظهرَين من المظاهر الدالة على ما يهدد الإنسانية اليوم من عنف

منظمٍ، وعلى ذلك، فإن العودة إلى أوائل النصوص التي تناولت هذه الظاهرة، تبدو جد ملحة، عسى أن نفهم هذا العالم الذي أصبح محكومًا كليًا بالاستثناء. وليس من العسير أن نفهم تلازم العنف

السياسي وتصاعده، كلما أعلنت حالات الاستثناء، إذا ما قرأنا تاريخية هذا الاقتضاء السياسي. ويُمثل كتاب الإنسان المستباح النص الأكثر عمقًا على المستوى النظري في تأويل "حالة الاستثناء"

وتشريحها على الصعيدين الفلسفي والسياسي، وربطها بالقانون، وهذه الفرضية الأساسية التي ميزت

فكر أغامبين على مدى سنوات طويلة، تُفيد أن حالات الاستثناء غير قابلةٍ للإلغاء في واقع الدولة

المعاصرة؛ لأنها صارت جوهرًا ملازمًا للأنظمة القانونية، وأضحت نموذجًا لعنفٍ بلا حدود ولا رقابة

لسلطة سيادية أحكمت قبضتها على الحياة، ويعتبر أغامبين أن هذا العنف هو أساس القانون وخاصيته، فحالة الاستثناء تعصف بكل القواعد القانونية التي يقوم عليها المشترك الإنساني؛ ما يعني أن القانون

لا يُوجد في سياقٍ مجردٍ، بل تتحدد وجاهته ومشروعيته بتطبيقاته، ويُمثل القانون الدولي مث لًا مهًّمًا

لفهم حالة الاستثناء والآلة التي تقف وراءها، فهو يُطَبَّق ويُعَلَّق بناءً على ما تفترضه لعبة المصالح

الدولية: "لا يُطرح الاستثناء من القاعدة، بل القاعدة تخلقه بتعليق نفسها، وتلك الطريقة الوحيدة التي

تُؤسس بها نفسها باعتبارها قاعدة […] الحالة التي كوّنها الاستثناء لا يمكن تعريفها بالحالة الواقعية

ولا بالحقوقية، بل تُؤسس بين الحالتين عتبة متناقضة". وبهذا تتحول حالة الاستثناء إلى حد ملتبسٍ

وغامضٍ بين الديمقراطية والاستبداد، وتظهر على نحوٍ متزايدٍ بوصفها أسلوبَ حكمٍ لا غنى عنه، فعن

طريق الاستثناء تُحكم السلطة السيادية سلطتها على حياة البشر، لذلك تُمثل حالة الاستثناء إطارًا نظريًا

لفهم ميكانيزمات السلطة التي جعلت مواطنيها كائنات مستباحة ومجردة من ذاتيتها السياسية ومن حقوقها الطبيعية والمدنية، وأبرز مثال على ذلك وضع اللاجئين الذين "يُمثلون عنصرًا مزعجًا في نظام

1(((عبد العزيز لبيب، "العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدولية"، تبين، مج  2، العدد 5 (صيف 2013)، ص.91 (1((ينظر:

Giorgio Agamben, Etat d’exception , Joël Gayraud (trad.) (Paris: Seuil, 2003), pp. 146–147. (19) Ibid., p. 78.

الدولة – القومية الحديثة، والسبب الرئيس أن اللاجئين عندما يقطعون الرابط بين الإنسان والمواطن، وبين الأصل والجنسية، فإنهم بذلك يضعون السردية الأصلية للسيادة المعاصرة في مواجهة أزمة"، فمعسكرات اللاجئين صورةٌ تُعبر بدقةٍ عن فضاءات الاستثناء التي خلقتها السلطة، وهذه الفضاءات بمنزلة "منطقة لا تمييز فيها بين الداخل والخارج، وبين الاستثناء والقاعدة، وبين المحظور والممكن، حيث لم تعد مفاهيم الحق الشخصي والحماية القانونية ذاتها تحمل معنى". لكن "كيف لشيءٍ مُبْهم لا معيار له أن يُدرج في النظام القانوني؟ ولو كانت حالة الاستثناء، على غير ذلك، مجردَ وضعٍ

قائمٍ بحكم الواقع، ومن ثم فهي خارج إطار القانون أو مخالفة له، فكيف يمكن أن يتضمن النظام القانوني ثغرة تتعلق تحديدًا بهذا الأمر الحاسم؟ وما المقصود بهذه الثغرة؟". يُجيب أغامبين عن

أسئلته بأن حالة الاستثناء ليست داخل النظام القانوني أو خارجه، بل تعريفها يُلقي بنا في تخومٍ غامضةٍ

ومُلتبسةٍ لا يمكن التمييز فيها بين الداخل والخارج، فتعليق العمل بالقاعدة القانونية لا يعني إلغاءها، وهذه العلاقة اللاقانونية لا تعني كذلك غياب العلاقة بالنظام القانوني. في مثل هذا الوضع يعيش الكائن الحياة العارية للإنسان المستباح، ويتموقع على هامش القانون، "وهذا ما يجعل من المعسكر النموذج الدقيق للفضاء السياسي وذلك عندما تتحول السياسة إلى بيوسياسة، وعندما يتم الخلط فعليًا

بين الإنسان المستباح والمواطن". إن غياب نظرية مكتملة عن حالة الاستثناء هو أحد الأسباب التي دفعت أغامبين إلى استكشاف تلك المساحات المجهولة والمناطق الغامضة بين القانون العام والشأن السياسي؛ أي بين النظام القانوني والحياة، وهذا الجهد النظري مكّنه من تعريف النظام الشمولي بما هو عملية تأسيس حرب أهلية عالمية، عبر تطبيق حالة الاستثناء التي تسمح باستباحة حياة من هم غير قابلين للاندماج في النظام السياسي، وهذه الحالة ليست إجراءً خاصًا بالدكتاتوريات، وإنما تلجأ إليه الدول المعاصرة التي تُقدم

نفسها بوصفها أنظمة ديمقراطية، وفي هذا السياق يقول أغامبين: "من الأهمية بمكانٍ ألا ننسى أن حالة الاستثناء الحديثة صنيعة التقاليد الديمقراطية الثورية وليست الاستبدادية"، لذلك يقترح ضرورة تحديد موضع حالة الاستثناء، فالنزاع القانوني حول هذه الحالة هو نقاش يدور حول موضعها في علاقتها بالقانون، نعني مسألة ما يقع داخل القانون وخارجه، فحين "تنقلب ضرورة الاستثناء الذي تقرره القاعدة ويشرع له القانون مسبقًا منتقلة من حدها الموضوعي إلى حدها الذاتي، لا يعود السؤال ما هو الوضع الموضوعي الذي يُبيح الاستثناء وإنما من الذي يُقرر الضرورة التي تتجاوز

(20) Ibid., p. 131. (21) Ibid., p. 70.

(2((أغامبين، حالة الاستثناء، ص.48 ((2(المرجع نفسه، ص.171 ((2(تعبير الحرب الأهلية العالمية استعملته أرندت سنة 961 1 في كتابها في الثورة، وهو ما يُؤكد تأثير هذه المفكرة في أغامبين،

وهو لا يُنكر ذلك؛ إذ يعترف في مواضع متعددة من رسائله أو كتاباته بقيمة الأفق السياسي الذي فتحته أرندت. (2((أغامبين، حالة الاستثناء، ص.48

النواميس الجارية؟". ولئن كان صاحب السلطان/ السيادة يحدد الضروري في واقع الممارسة السياسية، مثلما يؤكد كارل شميت، فإن أغامبين سيعمق النظر في هذا المشكل عبر اختبار الرأي الشائع في الفكر السياسي الذي يجعل من الضرورة مرتكزًا لحالة الاستثناء ومبررًا لها، ويعود إلى

مأثورٍ لاتيني يقول: إن "الضرورة ليس لها قانون"، ويُؤوله في معنيين: الأول أن الضرورة لا تعرف

أي قانون، والثاني أن الضرورة تخلق قانونها الخاص، وفي المعنيين تنحل وتذوب حالة الاستثناء في نظرية الضرورة، وهذا التأويل الذي اقترحه يحتاج إلى تحليل المفهوم القانوني للضرورة. وفي هذا الطور، يعود أغامبين إلى السجل القانوني الروماني القديم والنظام الكنسي القروسطي اللذين يستندان إلى فكرة أن ما هو غير مشروع في القانون تجعله الضرورة مشروعًا ومبررًا، وبهذا المعنى يخلص إلى أن نظريةَ الضرورة نظريةٌ للاستثناء، وليست مصدرًا للقانون، وبإدراجها في النظام القانوني الحديث انبثقت مساحة من اللاتمايز تتطابق فيها الضرورة "الواقعة" مع القانون "القاعدة". ولما كانت حالة الاستثناء تجليًا من تجليات الضرورة، فهي تُقدم نفسها بوصفها إجراء "غير قانوني"

غير أنه يتوافق مع النظامَين القانوني والدستوري. يفهم أغامبين الضرورة بوصفها ثغرة في القانون العام تلتزم السلطة التنفيذية سَّدَها، وحالة الاستثناء ليست وسيلة لتلافي هذه الثغرة، بل هي تخلق ثغرة وهمية في النظام القانوني من أجل الحفاظ على بقاء قواعده المعيارية وسريان تطبيقها، وبناءً عليه، فالثغرة ليست داخل القانون، بل في ما يربط

القانون والواقع وإمكانات تطبيقه، والفجوة بين القاعدة وتطبيقها يمكن ردمها عبر حالة الاستثناء التي تخلق حيزًا لتعليق تطبيق القانون مع بقائه ساريًا، ففي حالة الاستثناء تفقد الدولة/ السلطة أساسها

النظري المتمثل في "سيادة الشعب"، ليُصبح العنف في شططه هو الصورة الأكثر اكتم لًا للدولة. يقف شميت في الجهة المقابلة لإيمانويل كانط Immanuel Kant (804–17241) الذي لا يرى في حالة الاستثناء أي وجهٍقانوني، ويتموقع على النقيض من جون لوك John Locke (704–16321) الذي يعتبر أن الاستثناء غير قابلٍ للقياس، ووَّجَه شميت إليهما نقدًا لاذعًا انطلاقًا من اقتناعه بأن القانون

لا يمنح مقاييس التمييز بين الحالة الاستثنائية والطبيعية، ففي إطار تمييزه بين الدكتاتورية المفوضة التي تحمي الدستور والدكتاتورية السيادية التي تخلق دستورًا جديدًا عبر سلطتها المؤسسة، شرّع

((2(لبيب، ص.84 ينظر ((2:(

Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty , George Schwab (trans.) (Chicago, IL: University of Chicago Press, 1985), p. 16.

((2(هو فقيه وقانوني وفيلسوف ألماني مثير للجدل، انخرط في الحزب النازي، وأعلن إعجابه بالفاشية وبرر جرائم النازية، وتقلد مناصب عليا في نظامها. لأعماله أثر كبير في حقول الفلسفة والسياسة والقانون رغم ما يشوبها من تعصب قومي، ونقد للتعددية الليبرالية، واحتقار للديمقراطية. جوهر السياسة يكمن عنده في التفريق بين الصديق والعدو، وينطلق نقده لليبرالية من عدم اعترافها بقاعدة الاستثناء السياسي، والتشريع عنده ذاتي خاص بسيادة الدولة الدكتاتورية، أما الدولة الليبرالية التي تصنع ما يُسمى وحدة

الشعب، فنظامها غير صالحٍ بالنسبة إليه، ويؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى نظام النموذج الواحد، وهو ما لا يتفق مع مفهوم الحركة السياسية

التي ستطلب عاجلًا حدوث استثناءات في السلطة. ويُعتبر شميت أول من نظّر على نحو متسقٍ لحالات الاستثناء، وبررها قانونيًا.

شميت لقانونية حالة الاستثناء، فهذا المنظر التأسيسي لعلاقة الاستثناء بالسيادة يعتبر أن إعلان حالات الطوارئ أصبح إجراءًاعتياديًا تلجأ إليه كل الدول، بما في ذلك الديمقراطية منها، بل يذهب إلى أن

حالة الاستثناء جزءٌ لا يتجزأ من المنظومة القانونية. في حين أن أغامبين يفصل بين الدكتاتورية التي

تُجسد الصورة المطلقة للقانون وحالة الاستثناء التي يتوقف فيها القانون، ويُطلق عليها حالة الفضاء

المعياري، ففي سياق نقده الجذري لنظرية القانون العام يكشف عن العنف بوصفه نواة متأصلة في القانون، وملازمة للسلطة السيادية التي تملك وحدها قرار إعلان حالة الاستثناء، بحيث يُتاح للسلطة

التنفيذية حق إصدار مراسيم لها "قوة القانون"، ويعتبر أن حالة الاستثناء جوهرُ السياسة الحديثة،

وليست مقترنة بالأنظمة الاستبدادية والشمولية فقط، بل تحولت إلى حالةٍ دائمةٍ في كل الأنظمة بما في ذلك النظم الدستورية الديمقراطية، فما الاستثناء إلا استبدادٌ ينهض على القانون. ويُؤكد، في

إطار نقده لشميت، أن الوضع الملتبس لحالة الاستثناء يجعلها داخل القانون وخارجه في الوقت نفسه، حيث تستمد شرعيتها منه لممارسةٍ غير شرعيةٍ، وتحتفظ بالتبرير القانوني من خلال اتصالها بالقانون الذي سَّنَها، وهذه الصورة الملتبسة للقانون تتجلى في انفصال قوته عن فعالية قواعده، وبروز منطقة غامضة ستكون مسرحًا تعمل فيه حالات الاستثناء. في تفريع عنوانه "مفارقة السيادة" من الجزء الأول من كتاب الإنسان المستباح، اعتبر هذا الفيلسوف أن حالة الاستثناء في النسق الحقوقي – السياسي تُمثل الأساس الخفي للنظام السياسي. وحالة

الاستثناء يفهمها أغامبين كما وصفها شميت، فهي وضعٌ يُحدد بدقةٍ ماهيةَ نفوذ الدولة؛ لأن

"الحالة العادية لا تُثبت شيئًا، ولكن الاستثناء يُثبت كل شيءٍ، فإنه لا يقتصر على تأكيد القاعدة:

ففي الحقيقة، القاعدة لا تعيش إلا بالاستثناء"، الذي يتجلى بوصفه علاقة تتضمن الأشياء باستبعادها. ويكمن جوهر السيادة في قدرتها على عدم التقيد بما وضعته من قوانين، وفي قدرتها على وضع الاستثناءات، وعلى فرض القاعدة ووضع استثناء لها، "فالنظام القانوني يستند إلى قرارٍ وليس إلى قاعدة". وتكمن نقطة الخلاف الجوهرية بين شميت وأغامبين في أن الأول يُشرع لحالة الاستثناء في كتابه

اللاهوت والسياسة بما هي حالة غير قانونية، والهدف منها خلق أوضاع ملائمة لتأسيس دستور جديد بالاعتماد على مراسيم لها قوة القانون ومشروعيته، ويعتبر السيادة خارجة عن القانون ومتعالية عليه، بينما تعود حالة الاستثناء عند الثاني إلى السلطة في شكلها اللاهوتي حيث لا يتحدد الحق بالقانون، وإنما بصاحب السيادة الذي يتموقع خارج القانون، والاستثناء بنية أصلانية يرتبط فيها القانون بالحياة من خلال تعليقه لذاته. وليست حالةُ الاستثناء عرضيةً عابرة، وإنما خاصية جوهرية في السياسة والقانون، وبمقتضى هذه الحالة تشن الدولة حربها على كل معارض لها. وإذا كان القانون حقلًا أو مج لًا، فإن السيادة تكون

(2((أغامبين، المنبوذ، ص.32

(30) Schmitt, p. 10.

داخله وخارجه في نفس الوقت (تُطبقه وتُعلقه أيضًا)، وتحت طائلة الاستثناء تُحول السيادة الكائن الإنساني إلى مجرد حياة عارية. لا يرى أغامبين في السيادة إلا تجسيدًا عينيًا لحالة الطبيعة التي

تحدث عنها توماس هوبز Thomas Hobbes (679–15881)، وعنفها يتأتى من عدم التمييز بينها وبين الثقافة، وبين العنف والقانون. وتتمظهر حالة الطبيعة في أزمنتنا بوصفها حالة استثناء تتخطى الأطر

المكانية والزمانية لتتطابق مع أنظمة سياسية يُصبح فيها كل شيءٍ ممكنًا، بما في ذلك انتهاك الحق في

الحياة. وقد فنّد أغامبين، وهو يُشخص هذه الأزمة، وَهْم حقوق المواطن الذي روجته الحداثة على

أنه جوهر للحياة السياسية، فما تحقق من وعودها هو اختزال الإنسان في مجرد حياةٍ عارية تتعرض في كل آنٍ وحينٍ إلى تهديد موت غير مشروط؛ إذ ما يُحدد السياسة ليس الحياة الطبيعية، وإنما الحياة

المعرضة للموت؛ أي تلك الحياة العارية، ونموذجها البيوسياسي هو المعتقل الذي يرمز إلى الحدود بين الحياة العارية والوجود السياسي، والمعتقل هو ذاك الفضاء الذي يتم فيه إنتاج الإنسان المستباح، وهو "الفضاء الذي يُفتح عندما تبدأ حالة الاستثناء في التحول إلى قاعدة".

ثالثًا: في نقد أنطونيو نغري لفرضية الحياة العارية

يعتبر نغري أن أغامبين من أهم من حللوا حالة الاستثناء في حقلَي القانون العام والفلسفة السياسية، فهذه الحالة ليست مسألة قانونية، وإنما هي أمرٌ واقعٌ خارج النظام القانوني القائم، فهي تخلق قانونها

الخاص، فصاحب السلطة يعود إلى القانون إذا ما احتاج إليه، ولكنّه يعطّله أو يُعلقه متى شاء ذلك. ةلاحل اينوناق لاكًااش اهحنم ةظحل ةدايسلل ينوناقلا ساسلاأب قلعتي ايفسلف لاكًااشم ءانثتسلاا ةلاح حرطت

غير قانونية. وهكذا يفهم أغامبين علاقة الاستثناء بما هي علاقة استعباد، والمفارقة أن المستعبَد ليس

خارج القانون ولا تحت طائلته، فهو مُهمَلٌ من القانون ومعرض للخطر. وقد مثلت نظرية الحياة

العارية، كما عرضها أغامبين وعددٌ آخر من المفكرين، أرضيةً خصبةً لنقاش فلسفي عميق وطويل حول وظيفتها النظرية وتبعاتها العملية. ويُعتبر النقد الذي وجهه نغري لأغامبين من أبرز تلك المطارحات

النظرية، ففي مقاله "المَسْخ السياسي، الحياة العارية والاقتدار"، والذي نُشر باللغة الإيطالية ثم تُرجم

إلى الفرنسية في مناسبتين، ونُشر في دوريتي الإنسان والمجتمع؛ والجماهير. في هذا المقال شدد نغري على أن الحياة لا تُفهم في مقاومتها وإنما في هجومها أيضًا، ولا تُدرَك في قوة معارضتها

فقط، بل في اقتدارها على التحول، و"لا وُجود لحياة عارية في الأنطولوجيا مثلما لا وُجود لبِنى

اجتماعية من دون تنظيمٍ أو كلامٍ بلا دلالةٍ. الكوني عيني، وعندما يسبقنا في الزمن والتاريخ، فإنه يَمثُل أمامنا دائمًا على نحوٍ مُتجددٍ بوصفه شرطًا أنطولوجيًا، ويتبدى للإنسان شكلًا أنثروبولوجيًا

(3((أغامبين، المنبوذ، ص.219 ينظر ((3:(

Antonio Negri, "Le monstre politique: La vie nue et la puissance," Pierre Lantz & Ariane Lantz (trad.), L’Homme et La Société , no. 150–151 (Octobre 2003).

ينظر ((3:(

Antonio Negri, "Le monstre politique: Vie nue et puissance," Judith Revel (trad.), Multitudes , no. 33 (2008).

صلبًا ويتعذر قلبُه. نحن نعتبر أن أيديولوجيا 'الحياة العارية' خدعةٌ ينبغي محاربتها تمامًا مثلما نُحارب

صناعة الجينوم والهندسة الوراثية ومطامح الهيمنة على النوع". ويعتبر نغري أننا حين نختزل الخاصية الإنسانية في العُري، فنحن نفعل نوعًا من الادعاء الطبيعوي

لعفوية ساذجة، وإذا أعلنا أن الإنسان هو ذاك الذي يكون عاريًا أمام السلطة، فإننا نبني خدعةً؛ لأننا

بكل بساطةٍ نخلط بين الإنسان الذي يُصارع وذاك الذي أبادته السلطة النازية والفاشية. ويُحيلنا نغري

إلى لوسيانو فراري(1928–2001) الذي وجه نقدًا جذريًا لكتاب أغامبين الإنسان المستباح، وبَّيَن

أن حروب القرن العشرين والمشهد المرعب لمآل الرأسمالية والتزوير الأيديولوجي للحياة وآلة رأس المال، جميعها ضد الرغبة الجامحة في الحرية. وبالنسبة إلى نغري أن نرتفع بالعُرْي إلى مستوى تمثيل الحياة يعني أنْ نُماهي بين طبيعة الذات والسلطة

الغاشمة التي جعلتها عارية، ويعني كذلك أن نخلط في هذا العُري بين الخضوع واقتدارات الحياة.

ويعتبر أن مصطلح "الحياة العارية" مفهوم إيديولوجيّ، مؤِّكِدًا أن الحياة أشدّ قوة من العُرْي، فالحياة

العارية لا يُمكنها، مثلما ذهب إلى ذلك أغامبين، أن تُفسر لنا العنف الفظيع الذي ألحقته الأيديولوجيا

والتاريخ بالكائن الإنساني على امتداد القرن العشرين. ثم إن القول بالحياة العارية يكتسي طابعًا

أيديولوجيًا يُفيد منطقيًا أن إثباتًا ما يكون في الوقت نفسه خاطئًا بالنسبة إلى الحقيقة، ووظيفًّيًا بالنسبة

إلى السلطة، وعبر هذه المغالطة يُبين أنه من غير الممكن اختزال الأنطولوجي في العُرْي، وإدراج

الإنسان في ماهية سلبية. وينتهي إلى أن ما ينفي "الحياة العارية" هو اقتدار الكائن وقدرته على الانثناء في الزمن عبر التعاون والصراع ضد السلطة والتأسيس، ففرضية الحياة العارية ليست خاطئة فقط، فهي ضد القوة المحتملة للكائن، ومفيدة للسلطة، وهي جذرية جًّدًا في سلبها الاقتدار إلى الحد الذي تتراءى تعبيراته فعلًا إرهابيًا، كما أنها تعصف أنطولوجيًا بإمكانية التعبير عن ذاك الاقتدار. وفي إشارة إلى استعادة أغامبين لمفهوم حالة الطبيعة عند هوبز يقول نغري: "من الغريب أن نلاحظ إلى أي حد تُشكل نظرية 'الحياة العارية' سيناريو يُعيد ما كان يُمثل عند هوبز قاعدة للتنين 'لوياثان'

Léviathan. سيناريو حياة بلا أدنى دفاعٍ، حياة مدفوعة إلى الأقصى نحو مقاومةٍ مستحيلة. سيظهر، إذًا، تنينٌ جديدٌ، وسيضعنا في هذا الوضع، ويستعيد كل مزاعم التنين القديم ويُجذرها: هو لا يَِع دنا

البتة 'بالسلام'، وإنما يَعِدنا بكل بساطةٍ 'بالحياة'. هكذا تتمظهر نهائيًا وبوضوح المفارقة وخدعة الحياة

العارية". وفق نغري، هي لغة السلطة السياسية الملتزمة بإلغاء اقتدار البشر على الحياة؛ أي بعرض الأجساد، بما أن هذه الأجساد مقصودة، على حافة الخطر والموت: الحياة العارية صورة بقيت بعد

رأسمالية آفلة مارست الإرهاب على حياة الناس. الحياة العارية صرخة وهَنٍ يتردد صداها في حشدٍ من

الفرادات المهزومة من أجل تأبيد هزائمها. لكن رغم حدة النقد الموجه إلى أغامبين، فإن نقاط الالتقاء

(34) Ibid., p. 39.

ينظر ((3:(

Luciano Ferrari, Dal fordismo alla globalizzazione (Rome: Manifestolibri, 2001). (36) Negri, "Le monstre politique: Vie nue et puissance," p. 40.

والتقاطع بينهما تظل قائمة، ولا يمكن إنكارها خاصة فيما يتعلق بتشخيص راهن الأزمة السياسية اليوم، فالرأسمالية تعود عبر الحياة العارية إلى مصادرها، وتُحاول على قاعدة التراكم المعرفي الجديد القيام بتحويل حقوق الأفراد والجماعات إلى صاحب السيادة. وهكذا فالحياة العارية تزييف للفقر، وتقريظ للاستلاب، وبناء صور جديدة ومخادعة، وتكثيفٌ للعنف المطلق للسلطة، ودفعٌ بالعنف كما البؤس إلى حدودهما القصوى وصولًا إلى الحد الذي تكون فيه الضرورة الوحيدة هي البقاء على قيد الحياة، وهروب البشر العُراة من الموت الذي سبق أنْ تحملوه، فما "إنْ تنتهي أزمة ما حتى تظهر أزمة أخرى أو ربما تكون الأزمة الكبيرة تتغذى من نفسها وتتغير عبر الزمن، وتُحول ذاتها

وتتوالى من جديدٍ مثل كيانٍ فظيع ماسخ يلتهم ملايين البشر ويُغير قدرهم، ويجعل ذلك قاعدة الحياة

لا استثناءها".

خاتمة

في ثلاثينيات القرن العشرين، أَّوَل بنيامين، على نحوٍ طريفٍ، لوحة الرسام السويسري بول كلي

Paul Klee (940–18791) ليُعبر عن موقفه من الحداثة عندما رأى في الملاك الجديد Angelus

Novus رمزًا للحداثة، ذاك الملاك/ ملاك التاريخ الذي يطير بعيدًا متأملًا عالمًا مدمرًا، يتأمله لا ليتوقف

عند أطلاله، بل يطير بعيدًا بناءً على قرارٍ حازمٍ وحاسمٍ، حتى إنْ كان قرار رحيله عن ذاك العالم يُحزنه،

وكأن "الحداثة سحبت وعودها، واستخفت ما بعد الحداثة بتلك الوعود، بل سخرت منها، وملأت الفجوة بمظاهر براقة وصور وألوان وأصوات، واستبدلت الجوهر ليحل محله المظهر". هذا العالم ما بعد الحداثي الذي يرسمه استباقًا بول كلي، ويُؤوله بنيامين لم تُغادره الملائكة مكرهة،

بل فرّت منه الآلهة. أدت ما بعد الحداثة غرضها، مثل كل طقوس العبور، في نقلنا إلى مستقبل ليس له

بعدُ أسماء، وتركتنا عُراة مع لا يقينياته، وليس غريبًا أن ينخرط أغامبين في تجذير هذا التأويل للحداثة

السياسية وما بعدها بالنظر إلى عمق علاقته الوجدانية والفكرية مع بنيامين. تكمن طرافة أطروحات أغامبين وجدتها في تفكيك وتشريح لواقع الأزمة السياسية المعاصرة، وفي عودته إلى الكثير من المصطلحات في تراثه الفلسفي لا من أجل توظيفها للتحليل فقط، وإنما لإعادة شحنها بمضامين ودلالات جديدة، فهو يعود إلى مفهوم الحياة العارية عند أرسطو، وإلى مفهوم البيوسياسة عند فوكو، ويستلهم مفهوم حالة الاستثناء من شميت، ويستعير مفهومي الشمولية ومعسكرات الاعتقال من أرندت، كما يشتبك مع هيدغر، ليعود إلى نقد بنيامين لشميت مطورًا موقفه

من حالة الاستثناء؛ ما دفع أغامبين لاستئناف تفكيرٍ في العنف بعد هؤلاء لا يتعلق بشطط الأزمة وتجاوز العنف حده البشري، بل الأمر مرتبط بتلك العلاقة الملتبسة بين السياسة والعنف والتي تزداد غموضًا يومًا بعد يومٍ.

(3((زيجمونت باومان وكارلو بوردوني، حالة الأزمة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.5 ((3(المرجع نفسه، ص.65

تحمل فلسفة أغامبين مشكلات العصر وتفتح سبلًا لفهمها، وما يمكن استخلاصه وتأكيده في خاتمة هذه الورقة البحثية هو أن العودة إلى أغامبين لها أهمية خاصة في علاقة بالراهن السياسي العربي؛ إذ تُصاغ معظم القوانين في الدول العربية لتقنين حالات الاستثناء وتفصيلها من داخل القواعد القانونية ذاتها، على نحوٍ تصيرت فيه الحريات أكثر تقييدًا وانتهاكات الحقوق أكثر انتشارًا. والثورة التونسية واحدة من الثورات التي أعدمها الاستثناء الذي تقنن في المراسيم والقوانين الاستثنائية في دساتير "التأسيس الجديد". وليس من العسير أن نلاحظ أن حالات الاستثناء خلقت نوعًا من العبودية الطوعية، وأنتجت ذاتيات سياسية مشوهة تتوهم هذه الإجراءات والتدابير الاستثنائية بوصفها حماية أمنية، فهذه الذاتيات المؤمنة Subjectivités Sécurisées تشعر وكأنها تتقاسم الخوف مع الدولة، وترى حبل نجاتها في وضع الاستثناء الذي تفرضه السلطة باسم القانون. لعل فشل الأنظمة الديمقراطية المعاصرة لا يقل عن فشل النظم السياسية الاستبدادية والشمولية، وما حالات الاستثناء إلا بذور دكتاتوريات كامنة في تربة الديمقراطية التي من رحمها ولدت، في الثلث الأول من القرن العشرين، أعنف النظم التوتاليتارية (الفاشية والنازية والستالينية). ربما تكون من أهم مسوغات العودة إلى أغامبين ضرورةُ إعادة النظر في الديمقراطية وتجاوز صيغها الشكلية واعتبارها قيمة أكثر منها نظامًا سياسيًا، قيمة

يساهم في تجذيرها الجميع لإرساء دولة الحق فعلًا وتجسيد علوية القواعد والمعايير القانونية على كل أشكال الاستثناء مهما كانت مشروعيتها.

References

المراجع

العربية

أغامبين، جورجيو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2–1. ترجمة ناصر إسماعيل. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015 _______. المنبوذ: السلطة السيادية والحياة العارية. ترجمة عبد العزيز العيادي. بغداد/ كولونيا: منشورات الجمل،.2017 باومان، زيجمونت، وكارلو بوردوني. حالة الأزمة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 الشادلي، المصطفى. "في المفهوم الفلسفي والقانوني لحالة الطوارئ: جدلية الدولة والمجتمع". تبين. مج  9، العدد 36 (ربيع.)2021 فوكو، ميشيل. تاريخ الجنسانية 1: – إرادة العرفان. ترجمة محمد هاشم. المغرب: أفريقيا للنشر،.2013 لبيب، عبد العزيز. "العدالة في وضع استثنائي: ملاحظات في مآزقها الدولية". تبين. مج  2، العدد 5 (صيف.)2013

الأجنبية

Agamben, Giorgio. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Stanford. CA: Stanford University Press 1998. _______. Etat d’exception. Joël Gayraud (trad.). Paris: Seuil, 2003. _______. "Letter from Giorgio Agamben to Hannah Arendt 21 Feb. 1970." Diacritics. vol. 39, no. 4 (Winter 2009). Esposito, Roberto. "Totalitarisme ou biopolitique." Tumultes. no. 26 (2006). Foucault, Michel. Surveiller et punir. Paris: Gallimard, 1975. Negri, Antonio. "Le monstre politique: La vie nue et la puissance." Pierre Lantz & Ariane Lantz (trad.). L’Homme et La Société. no. 150–151 (Octobre 2003). ________. "Le monstre politique: Vie nue et puissance." Judith Revel (trad.). Multitudes, no. 33 (2008). Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. George Schwab (trans.). Chicago: IL: University of Chicago Press, 1985.