عن الاقتصاد في التعامل مع الحقيقة: بعض التأملات الليبرالية
On Being Economical with the Truth: Some Liberal Reflections
الملخّص
تحاول الفيلسوفة البريطانية مارغريت كانوفان في هذه الدراسة مناقشة وتحليل التساؤلات الملغزة التي تثيرها المبادئ الفلسفية للمذهب الليبرالي، بصورة تنتقل بنا من "التعارض" التقليدي المألوف بين الالتزام الليبرالي بالتنوير ونقاده من المحافظين، إلى "التلاقي" المثير للقلق بين تراثين (الليبرالي والمحافظ) يعتمد كلاهما على الأوهام النافعة والأساطير التي لا يمكن أن تصمد في وجه الفحص أو النقد العلني. تبدأ كانوفان تحليلاتها انطلاقًا من الورقة التي قدّمها روجر سكروتون عام 1988 حول "نقد المذهب الليبرالي باسم المجتمع المحلي" والتي رأى فيها أن المبادئ الليبرالية تعاني عدم الاتساق لأنها تقلل من أهمية الولاءات الاجتماعية الضرورية لتحقيق التماسك الاجتماعي وتتخذ من قاموس مفردات النزعة الفردية إطارًا مرجعيًا مسلّمًا بصحته من دون تقديم مبرر لذلك. وترى أن هذه المعالجة كانت مثيرة للجدل والقلق، لأنها لفتت الانتباه إلى أن القيم والمبادئ الليبرالية تعدّ بمنزلة "مثل أعلى واهن ومعرض للخطر وفي حاجة إلى الحماية المستمرة"، خاصة إذا كانت موضوعًا للنقاش العلني الحر على الدوام، وهو ما يتطلب من المفكرين الليبراليين نوعًا من التدبر والاقتصاد في التعامل مع الحقيقة.
Abstract
تفسير فكرها السياسي Hannah Arendt: A Reinterpretation of her Political Thought، و الشعب The People، والنزعة الشعبوية Populism، و الوطنية لا تكفي Patriotism is not Enough، و الأممية والنظرية السياسية Nationhood and Political Theory وغيرها.
Lecturer in Modern and Contemporary Philosophy, at the Philosophy Department, Faculty of Arts, Helwan University. Michael_ Mansour@arts.helwan.edu.eg
- المذهب الليبرالي
- المذهب المحافظ
- أسطورة الطبيعة
- اليمين المجتمعي
- العقد الاجتماعي
- حالة الطبيعة
- النقاش الحر
- Liberalism
- Conservatism
- Church myth
- English society
- Social condition
- Nature
- Free religion
مارغريت كانوفان * | Margaret Canovan ترجمة مايكل مدحت يوسف ** |
On Being Economical with the Truth:
Some Liberal Reflections
التساؤلات الملغزة التي تثيرها المبادئ الفلسفية للمذهب الليبرالي، بصورة تنتقل بنا من
"التعارض" التقليدي المألوف بين الالتزام الليبرالي بالتنوير ونقاده من المحافظين، إلى
"التلاقي" المثير للقلق بين تراثين (الليبرالي والمحافظ) يعتمد كلاهما على الأوهام النافعة
والأساطير التي لا يمكن أن تصمد في وجه الفحص أو النقد العلني. تبدأ كانوفان تحليلاتها
انطلاقًا من الورقة التي قدّمها روجر سكروتون عام 9881 حول "نقد المذهب الليبرالي باسم
المجتمع المحلي" والتي رأى فيها أن المبادئ الليبرالية تعاني عدم الاتساق لأنها تقلل من
أهمية الولاءات الاجتماعية الضرورية لتحقيق التماسك الاجتماعي وتتخذ من قاموس مفردات
النزعة الفردية إطارًا مرجعيًا مسلّمًا بصحته من دون تقديم مبرر لذلك. وترى أن هذه المعالجة
كانت مثيرة للجدل والقلق، لأنها لفتت الانتباه إلى أن القيم والمبادئ الليبرالية تعدّ بمنزلة "مثل
أعلى واهن ومعرض للخطر وفي حاجة إلى الحماية المستمرة"، خاصة إذا كانت موضوعًا
للنقاش العلني الحر على الدوام، وهو ما يتطلب من المفكرين الليبراليين نوعًا من التدبر
والاقتصاد في التعامل مع الحقيقة.
وحصلت على الدكتوراه عن أطروحة حول جوزيف بريستلي، وعُِّيِنَت أستاذة للعلوم السياسية بالجامعة نفسها، ثم انتقلت لاحقًا إلى
جامعة كيل وظلت بها حتى عام 2002. قدمت كانوفان العديد من الأعمال المهمة في الفلسفة السياسية منها: حنة أرندت: إعادة
تفسير فكرها السياسي Hannah Arendt: A Reinterpretation of her Political Thought، و الشعب The People، والنزعة الشعبوية
Populism، و الوطنية لا تكفي Patriotism is not Enough، و الأممية والنظرية السياسية Nationhood and Political Theory وغيرها.
لزملائي، وبخاصة أندرو دوبسون Andrew Dobson، لما قدموه من اقتراحات وتعليقات مفيدة. كما أشعر أيضًا بالامتنان الشديد
للتعليقات النقدية التي قدمها محررو دورية الدراسات السياسية ومراجعوها. وتجدر الإشارة إلى أنه لا أحد ممن ذكرتهم يتبنى النتائج التي وصلت إليها.
العقد الاجتماعي، حالة الطبيعة، النقاش الحر.
Abstract: In this study, the British philosopher Margaret Canovan analyses the enigmatic questions raised by the philosophical principles of liberal doctrine. Her discussion moves us from the familiar traditional "contradiction" between the liberal commitment to the Enlightenment and its conservative critics, to the worrying "convergence" between two traditions (the liberal and the conservative), both of which depend on useful illusions and myths that do not stand up to public scrutiny. Canovan begins her analysis with Roger Scruton’s 1988 paper critiquing Liberalism in the name of community. He argued that liberal principles are inconsistent because they downplay the social loyalties necessary for social cohesion and without any justification take the vocabulary of individualism as a self–evident frame of reference. For her part, Canovan argues that this treatment was controversial and disturbing, because it drew attention to the fact that liberal values and principles might be considered weak ideals that need constant protection, especially if they are always the subject of free public debate.
مقدمة
على الرغم من أن الالتزام بمناقشة جميع الموضوعات والقضايا "نقاشًا حرًا" هو إحدى الركائز
التقليدية للمذهب الليبرالي، فإن الليبراليين المعاصرين ربما يجدون مبررًا للشعور بالخوف
والقلق عندما يصبح مبدؤهم الخاص بالحقوق الكونية للإنسان عرضةً للتحدي باسم المجتمع الإثني Ethnic Community. لأنه على الرغم من اشتهار المذهب الليبرالي باعتناقه العقلانية، فإن مبادئه تعتمد جوهريًا على عناصر أسطورية لا يمكن أن تصمد بصورة لائقة في وجه الفحص العلني.
وسيكون من الحكمة أن يصبح الليبراليون أكثر وعيًا بهذا المكون "الأسطوري" في رؤيتهم. وسيكون
هذا كفيلًا بحمايتهم من السذاجة السياسية وما يترتب عليها من خيبة أمل بعد التحرر من الأوهام. وسوف يساعد ذلك أيضًا في التصدي للنقاد اليمينيين بصورة أكثر تماسكًا وقوة، وذلك بالتقليل من الاعتماد على العقلانية والتوجه بدلًا من ذلك نحو مخططات وطرائق المذهب المحافظ.
أولا: وهم نافع
"يحتاج الإنسان إلى المعتقدات، لا المشكلات، لكي يحسن إدارة سلوكه وتوجيهه. ولذلك يجب أن يكون مهده محاطًا بالمعتقدات اليقينية. وعندما يستيقظ عقله، ينبغي أن يُعطى ويُوهب جميع آرائه، أو على الأقل جميع الآراء التي تتعلق بسلوكه [...] إن الحكومة ديانة حقيقية، لها معتقداتها اليقينية، وأسرارها المقدسة، وكهنتها. ويعني خضوعها للنقاش الفردي تدميرها".
(1) Jack Lively (ed.), The Works of Joseph de Maistre (London: Allen and Unwin, 1965), p. 108.
كان هذا هو رد جوزيف دي مايستر Joseph De Mister (821–17531) على الفكر الحر الذي قوّض دعائم الولاء للكنيسة والملك وجلب على أوروبا في القرن التاسع عشر وبال الثورة الفرنسية
وكارثتها. كانت الفلسفة في اعتقاده "آفة العالم العظمى"، والقوة المدمّرة التي عصفت بأسس
المجتمع. وتكمن الطريقة الوحيدة لإعادة السلام الاجتماعي في إنقاذ البشر من مذهب الشك الذي تولّد عن البحث الحر. ويمكننا أن نجد مشاعر شبيهة بذلك، وإن كان التعبير عنها يأخذ صيغة أكثر حذرًا، في تأملات إدموند بيرك (797–17291) حول الأحداث نفسها في فرنسا والدور الذي أدّاه
الفكر المستهتر في خلقها. وعلى الرغم من أن الجانب الأشدّ قوة وبروزًا في حجة المذهب المحافظ ضد الفلسفة قد تمثّل دومًا في الزعم أن المذهب العقلي في السياسات يكتسب طابعًا سطحيًا وفًّظًا
ومضلل، فإن العقل المحافظ ينطوي في أعماقه على حجة أخرى أكثر رقيًا وتطورًا ضد التفلسف
في مجال السياسة. هذه الحجة هي أن النقاش النقدي ربما يكون محفوفًا بالمخاطر، ليس لأنه يسمح بالخطأ فحسب، ولأنه أيضًا مسؤول عن كشف حقائق خطيرة لا تحتمل أسس أيّ مجتمع إمكانية
فحصها وانتقادها. بل إنها في حاجة إلى إخفائها على نحو لائق بمجموعة من الأوهام المريحة Comforting Illusions والأساطير التي تبعث على الرهبة والخشوع إذا كنا راغبين في الحفاظ على السلام والتناغم. في واقع الأمر، لم ينكر بيرك زعم الثورات أن الدول الموجودة بالفعل تأسست على العنف والظلم. وبالنسبة إليه، كما هو الحال بالنسبة إلى دي مايستر أيضًا، كانت الثورات في هذا العالم المتداعي، بمنزلة المادة الخام التي لا مفرّ منها للسياسات. إن الإصرار الثوري على تعرية التراث والعادات
القديمة لم يؤِّدِ إلا إلى إبراز الدور الذي تؤديه القوة. ويستطرد بيرك قائلًا: "إنه لمن سوء الحظ، وليس كما يعتقد البعض أنه من أمجاد هذا العصر، أن أصبح كل شيء قابلًا للنقاش". وتحت تأثير مذهب الشك الذي أتى به عصر التنوير، جرى الكشف بوقاحة عن كل ما يستر عورات الحياة، وتعرية النظام الملكي والأرستقراطي وإظهار حقيقتهما باعتبارهما "أوهامًا سارة". وهو الأمر الذي لا يترك
أمام الدولة سوى القوة الغاشمة لكي تستجمع شتات نفسها وتحافظ على وجودها. "وفي المخطط
(((فيلسوف ودبلوماسي فرنسي تأثر بأعمال إدموند بيرك ونزعته المحافظة، وأيّد تجديد النظام بالرجوع إلى الدين بعد أن آمن
بالثورة في شبابه. من أهم مؤلفاته حوارات بطرسبرغ St. Petersburg Dialogues، وحول البابا On the Pope، و تأملات بشأن فرنسا
Considerations on France. (المترجم) (3) Lively, p. 105.
(((تشير الدراسة في الكثير من المواضع إلى التعارض الكلاسيكي بين إدموند بيرك وتوماس باين باعتباره رمزًا للتعارض بين
المذهب الليبرالي والمذهب المحافظ، وذلك بعد أن أصدر باين في عام 791 1 الجزء الأول من مؤَّل فه حقوق الإنسانللرد على
مؤلف بيرك تأملات في الثورة الفرنسية (7901)، أي بعد عام من الثورة الفرنسية. (المترجم)
(5) Edmund Burke, Reflections on the French Revolution (London: Dent, 1910), p. 38; Michael Oakeshott, Rationalism in Politics (London: Methuen, 1962).
(((قارن ذلك بمقال بول لوكاس:)1737–1664(
Paul Lucas, "On Edmund Burke’s Doctrine of Prescription; Or, An Appeal from the New to the Old Lawyers," The Historical Journal , vol. 11, no. 1 (1968), pp. 35–63. (7) Burke, p. 88.
العام لهذه الفلسفة الهمجية [...] لا تجد القوانين دعمًا إلا فيما تثيره في النفوس من رعب وهلع [...] وفي أروقتها الأكاديمية، وفي نهاية أفق كل مشهد من مشاهدها، لن ترى سوى المشانق". وكما يلاحظ كونر كروز أوبريان (2008–1917)، فإن بيرك أدرك حقيقة المجتمع والطبيعة البشرية بصورة تضاهي ما وصل إليه نيقولا مكيافيلي Niccolò Machiavelli (527–14691) في الوضوح والعمق، لكنه كان مضطرًا إلى ممارسة الرقابة على نشر ما وصل إليه من رؤى. ويدل هذا على أن موقف بيرك أبعد ما يكون عن الثقة التي وضعها جون ستيوارت مل (873–18061) في الآثار والنتائج المفيدة لعملية النقاش الحر. ومهما يكن من أمر، فإن اهتمامنا الآن لا ينصبّ على التعارض المألوف بين الالتزام الليبرالي بالتنوير ونقّاده من المحافظين، ولكنه ينصبّ على بعض نقاط التلاقي غير المتوقعة والمثيرة للقلق بين تراثين مختلفين. فترى ماذا سيحدث إذا اتضح أن الليبراليين أيضًا، يعتمدون على الأوهام النافعة أكثر مما يفترضون أو يتصورون؟ وماذا سيجري إذا اتضح أيضًا أن المبادئ الليبرالية التقليدية تتضمن مكونًا هائلًا من الأساطير يُمكّنها من تحمل الفحص العلني Public Scrutiny والانتقاد، وماذا إذا اتضح أنّ أحفاد مل قد يملكون من الحكمة ما يسمح لهم أن ينهلوا من معين بيرك، إن لم يكن من معين دي مايستر فيما يتعلق بحصافة تجنّب النقاش العلني بشأن بعض الموضوعات؟ تؤلف هذه المجموعة من الأفكار المقلقة والمثيرة للاضطراب موضوع المقال الموجود بين أيدينا.
ثانيًا: النقاش الحر في مواجهة القيم الليبرالية
انطلق عنان هذا السيل من الأفكار بفعل أحد المؤتمرات التي عُقدت عام 9881 حول النظرية السياسية، وجاء هذا على وجه الخصوص بفعل الاحتفاء بورقة بحثية يدور موضوعها حول نقد المذهب الليبرالي باسم "المجتمع المحلي". يبدو هذا النقد، في ظاهر الأمر، طبيعيًا ومألوفًا جدًا. فالمجتمع المحلي Community واحد من أكثر موضوعات النظرية السياسية ذيوعًا وانتشارًا في الوقت الحاضر. وقد اعتاد الأكاديميون على هذا النوع من الهجوم على الفردية الليبرالية، سواء من الاشتراكيين أو من
(8) Ibid., pp. 74–75.
(((رجل سياسة ودبلوماسي ومؤرخ وأكاديمي إيرلندي، شغل منصب وزير البريد والتلغراف في الفترة 977–19731، واشتهر
بموقفه الراديكالي من قضية تقسيم إيرلندا. من أهم مؤلفاته: العلاقة الطويلة: توماس جيفرسون والثورة الفرنسية The Long Affair:
Thomas Jefferson and the French Revolution، وأرض الإله: تأملات حول الدين والمذهب القومي God Land: Reflections on
Religion and Nationalism، وأصوات الأسلاف: الدين والمذهب القومي في إيرلندا Religion and Nationalism Ancestral Voices:
in Ireland، وغيرها. (المترجم)
(10) Conor Cruise O’brien, The Suspecting Glance (London: Faber and Faber, 1972), p. 36.. "The Political Thought Conference," Paper Presented at The New College, Oxford, January 1988 ينظر:(1((
"المجتمعيين الجدد". غير أن اللافت للانتباه بشأن الورقة التي نتحدث عنها، هو أن هجومها على المذهب الليبرالي باسم المجتمع المحلي جاء من اليمين؛ من ثنايا التراث الفكري الذي لا ينبع فقط من فريدريش هيغل Friedrich Hegel (831–17701) (الذي يمكن أن نلاحظ تأثيره أيضًا في أعمال "المجتمعيين الجدد")، أو حتى من بيرك ومايكل أوكيشوت (990–19011)، ولكن أيضًا من إحالات إلى مصادر أكثر غرابة مثل دي مايستر أو موريس باري Maurice Barrès1).923–1862(قدّم المتحدث، روجر سكروتون Roger Scruton (2020–1944)، اقتراحًا مفاده أنّ المحاولات
الليبرالية للانتقاص من أهمية الولاء للمجتمعات المحلية القومية تعاني عدم اتساق وخللًا جوهرًّيًا.
فعلى الصعيد النظري، من المفترض أن الدولة الليبرالية تمثل أفرادًا يتمتعون بحقوق ولا تنشأ من مجتمع محلي إثني يسبقها في الوجود وينتمي إليه هؤلاء الأفراد، لكن سكروتون يذهب إلى أنه حتى أكثر الدول ليبرالية لا تستطيع الاستغناء عن شكل من أشكال المجتمع المحلي القومي الذي يُضفي
عليها درجة أساسية من التماسك الاجتماعي. إلى هذا الحد، تذكّرنا هذه الحجة في جوهرها بحجج المفكرين/ المجتمعيين الجدد. وقد واصل سكروتون عرض أطروحته قائلًا إنّ هذا المجتمع
(1((ينظر على سبيل المثال:
Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Cambridge University Press, 1982); Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1981); Amy Gutmann, "Communitarian Critics of Liberalism," Philosophy and Public Affairs , vol. 14, no. 3 (1985), pp. 308–326.
(1((المذهب المجتمعي Communitarianism هو الفلسفة التي تؤكد أن الروابط الاجتماعية للإنسان تشكّل جزءًا أصيلًا من هويته،
وأن شخصية الإنسان تتشكل في جزء كبير منها بفعل السياق الاجتماعي الذي يوجد فيه، ولذلك رأى أنصارها أن المذهب الليبرالي القائم على النزعة الفردية غير متسق أنطولوجيًا أو إبستيمولوجيًا. وقد تأثر المذهب المجتمعي الجديد New Communitarianism
بأفكار توماس جيفرسون (826–17431) ورالف والدو إمرسون Ralph Waldo Emerson (882–18031) حول لامركزية الحكومة
والسعي نحو المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، من أجل تمكين المواطنين العاديين سياسيًا. ولاحقًا، تطورت هذه الأفكار واشتملت
على أنماط متعددة من نقد "الفهم الليبرالي للذات"، ويمكن أن نجد تعبيرًا عن الصيغة المعاصرة لهذه الحركة في أعمال كل من
تشارلز مارغريف تايلور Charles Margrave Taylor وألسدير ماكنتاير ومايكل والزر Michael Walzer ومايكل ساندل. (المترجم) 1(((فيلسوف ومنظّر سياسي ومؤرخ إنكليزي اهتم بالتاريخ والدين وعلم الجمال والقانون. ركزت أعماله الأولى على الدين والأخلاق، واهتم أيضًا بالجانب الفلسفي من الموضوعات التاريخية، ويُعد من أهم الكتّاب المحافظين في مجال النظرية السياسية.
من أهم أعماله: المذهب العقلي في السياسة Rationalism in Politics، وحول السلوك البشري On Human Conduct، والدين
والسياسة والحياة الأخلاقية Religion, Politics, and Moral Life، وغيرها. (المترجم) (1((أديب وروائي وسياسي فرنسي، بدأ حياته رومانسيًا من أنصار النزعة الفردية، لكنه تحوّل إلى اليمين القومي عقب قضية
درايفوس وأصبح عضوًا في حزب الاتحاد الجمهوري وأحد كبار المفكرين المحافظين في فرنسا. من أهم مؤلفاته: التل المقدس
Sacred Hill The، والحرب وروح الشباب The War and the Spirit of Youth، وروح فرنسا الخالدة The Undying Spirit of
France. (المترجم) (1((فيلسوف وناقد اجتماعي إنكليزي تخصّص في علم الجمال والنظرية السياسية، جاء اعتناقه للفكر المحافظ الذي تخصص
فيه ودافع عنه بعد أحداث ثورة الطلاب في عام 9681 في فرنسا، إذ أصبح أحد الأعضاء المؤسسين للجماعة الفلسفية المحافظة في
عام 974 1 والتي كان الهدف منها تطوير الأسس الثقافية للمذهب المحافظ. من أهم أعماله في هذا السياق: معنى المذهب المحافظ
The Meaning of Conservatism، وكيف تصبح مفكرًا محافظًا How to be a Conservative، والمذهب المحافظ: دعوة إلى التراث
المترجم). (Conservatism: An Invitation to the Great Tradition العظيم
(1((على غرار ما قام به سكروتون نفسه، عادة ما تبالغ الحجة الأخيرة في تصوير "النزعة الفردية المجردة" للفكر الليبرالي، وتتجاهل التشديد على المواطنة والقومية اللاإثنية في التقاليد الليبرالية. وقد انتبهت إلى هذه المسألة بفضل المحرر وأحد المراجعين المجهولين للدورية.
المحلي القومي يتشكل بفعل أنماط محددة من الولاءات، التي تعد بمنزلة تفضيل للأهل وذوي القربى في صميم المؤسسات السياسية، حتى الليبرالية منها. أثارت هذه الورقة البحثية قدرًا هائلًا من الجدل. وكان هناك شعور واضح بالانزعاج والقلق؛ شعور
بأن هناك خروجًا على قواعد غير مكتوبة، شعور بأن القط يلهو حرًا بين الحمائم أو بأن الثور مطلق
السراح في متجر الخزف. وبدرجةٍ ما، كان الأمر متعلقًا بالتّهذيب الأخلاقي: كان هناك شعور بالحاجة
إلى نوع من اللياقة والمجاملة في الدفاع عن الولاءات الإثنية Ethnic Loyalties أمام جمهور ينتشر بينه من يمكن أن نسميهم ب "الغرباء". لكن القلق تسلّل إلى مستوى أعمق من ذلك، وبدا كأنه نابع من شعور يشوبه الغموض بأن التحدث علنًا وبجدّية عن موضوعات على غرار الولاءات الإثنية يعدّ في
حد ذاته أمرًا بالغ الخطورة؛ لأنه يلمس وترًا حساسًا ويقترب من الحقيقة بصورة قد يشعر معها البعض
بالإهانة. وكما هو الحال مع أغلب أساتذة الجامعات البريطانية، كانت النقاشات الأكاديمية في هذا المؤتمر تدور في أفق ليبرالي إلى حد ما، ولا يعني ذلك الانتماء إلى أي حزب أو جماعة تنضوي إلى هذا المسمى، ولكنه يعني الاشتراك في إجماع راسخ حول قيمة شكلٍ ما من أشكال التراث الليبرالي وأفكاره مثل حقوق الإنسان والتسامح مع التنوع باعتبارها أفكارًا مُسَلّمًا بصحتها. وعلى هذا الأساس، كنا نحن معشر
الليبراليين المتفاوتين في انتماءاتهم بين الجمهور، بمنزلة الهدف الرئيس لهجوم سكروتون القائم على المُثل العليا للمذهب المجتمعي Communitarian Ideals. تُرى، لماذا شعر الأشخاص أنفسهم الذين
لم تثرهم القيود التي يفرضها المذهب المجتمعي الجديد على النزعة الفردية، بالخطر والتهديد بسبب هجوم إضافي يوجهه أحد أنصار اليمين؟ من التفسيرات التي خطرت ببال البعض من جمهور المؤتمر: أن فكرة "المجتمع المحلي" كما يفهمها اليمينيون تدقّ ناقوس الخطر لأنها تنطوي على نبرة واقعية مشؤومة لا توجد في النسخ البديلة من الفهم والتفسير. في حين يميل الكتّاب المنتمون إلى تيار المجتمعيين
الجدد نحو تجاهل الاهتمام بمجتمعات محلية بعينها والالتفات إلى عيوب المذهب الليبرالي الفردي، بينما يبدو من المرجح أن المُثل العليا الاشتراكية لمجتمع محلي يقوم على الأخوة، كانت وسوف تظل
مجرد حلم. إن المجتمعات المحلية التي يتخيلها اليمينيون ليست أحلامًا على الإطلاق. ربما تبدو في
بعض الأحيان كأنها كوابيس، ولكنها كوابيس تتسم بالواقعية والصلابة والتماسك بصورة تجعلها بمنزلة تهديد واقعي بالغ الخطورة للقيم الليبرالية. كتب روجر سكروتون في مواضع أخرى عن المذهب المحافظ قائلًا إنه:
"ينبع مباشرة من شعور المرء بأنه ينتمي إلى نوع من التدفق الدائم، وإلى نظام اجتماعي مسبق الوجود، وأن هذه الحقيقة فائقة الأهمية في تحديد سلوكه [...] وفي سياق الشعور بالانخراط في هذا التدفق الدائم لعالمه الاجتماعي، يجد الإنسان نفسه منجرفًا في غمار تيارات الحياة الاجتماعية المشتركة".
(18) Roger Scruton, The Meaning of Conservatism (London: Macmillan, 1984), p. 21.
تتشابه هذه العواطف البيركية أو الهيغلية مع مثيلاتها لدى الكثير من الكتاب المجتمعيين المعاصرين. لكن سكروتون، على خلافهم، يضيف لاحقًا أنه نظرًا إلى أن هذه الحياة المشتركة
تأخذ طابعًا يتميز بالخصوصية، وتدور على نحو أساسي حول وجودنا داخلها في مواجهة الغرباء الموجودين خارجها، فإن هذه العواطف غير الليبرالية تجاه الغرباء (مثل المهاجرين) تبدو كأنها نابعة حتمًا من الوعي الاجتماعي: إنها تتضمن تحيزًا طبيعيًا، ورغبة في الوجود بصحبة من ينتمون
إلى جنسنا نفسه. يمكننا هنا أن نرى السبب المحتمل لشعور الجمهور الليبرالي بالتوتر والقلق؛ فإذا كان البشر يشعرون حقًا بالتعطش للانتماء إلى المجتمع المحلي الذي وُلدوا فيه، وإذا كانت
طبيعتهم تُملي عليهم الشعور بالولاء لهذه المجتمعات المحلية والعداء تجاه الغرباء، فإنه من المرجح أن تتمتع المؤسسات السياسية والحركات التي تعبّر عن هذه التطلعات أو تقوم بحشدها
بقدر من السلطة والقوة. وعلى النقيض من ذلك، فإن المنظور الليبرالي للبشر باعتبارهم أفرادًا أحرارًا ومتساوين ويتمتعون بالحقوق بصرف النظر عن أصولهم الإثنية، لا يمكن إلا أن يكون مثلًا
أعلى واهنًا ومعرّضًا للخطر باستمرار، ولا يملك جوهرًا صلبًا يستند إليه سوى التّضامن البروليتاري
Proletarian Solidarity الدولي.
ولصياغة الأمر بصورة واضحة، يمكننا القول إن الهاجس المقلق بالتعرض للخطر الذي خيّم
على المؤتمر، قد صاحبه شعور بأن الآراء من النوع الذي عبّر عنه سكروتون كانت خطرة لأنها
قد تكون حقيقية. وبعد همهمات وهمسات مضطربة عقب نهاية الجلسة، وجد أصحاب العقليات الليبرالية أنفسهم مضطرين إلى الاعتراف بأن هناك أمرًا جللًا فيما قاله سكروتون، لكنهم شعروا،
بصورة لا تخلو من انزعاج واضح، بأنه نظرًا إلى أن ما قاله قد يكون حقيقيًا تمامًا، فإنه من الأفضل
أن يظل مسكوتًا عنه، على الأقل في العلن. كما وجد العديد من الحاضرين أنفسهم بصورة غير متوقعة في حالة من التعاطف مع المذهب اللاهوتي القديم، الذي استشهد به سير روبرت أرمسترونج Sir Robert Armstrong (2020–1927) مؤخرًا في قضية شهيرة، ومفاده أنه قد تكون هناك أوقات
وأماكن يمكن أن نتعامل فيها مع الحقيقة بنوع من التدبر والاقتصاد. إلى هذا الحد، وبمعنى ما، لا يوجد شيء جديد أو مثير للاهتمام في فكرة أن السياسات تتطلب وتقدّم مبررًا إلى درجة ما من التردد المشوب بالحذر. كان المفكرون السياسيون، على الأقل منذ
عصر مكيافيلي، مستعدين للاحتفاء بفكرة أن هناك الكثير من الحقائق المعروفة بالنسبة إلى النخبة أو الخبراء Cognoscenti، والتي لا يجب الكشف عنها للعامة. لكن الفكرة التي مؤداها أن من الحكمة أن نتعامل مع الحقيقة باقتصاد في نطاق النظرية السياسية، تتعارض مع جميع قيمنا الثقافية التقليدية. وحيث إن هذه القيم ليبرالية في جوهرها، فإن أيّ اقتراح من هذا القبيل من شأنه أن يبدو غير لائق،
(1((نسبة إلى إدموند بيرك. (المترجم)
(20) Scruton, p. 68.
((2(سياسي إنكليزي عمل في مجال الخدمة المدنية وتقلّد العديد من المناصب وحصل على لقب بارون، وهو أول من صاغ تعبير "الاقتصاد في التعامل مع الحقيقة" وجعله من المفردات الشائعة الاستخدام. (المترجم)
وخاصة أن مصدره أشخاص ينتمون إلى المذهب الليبرالي. وبعيدًا عن ذلك، فإن قمة الإحراج تأتي من حقيقة أن القيم الليبرالية ذاتها، كما يبدو، في حاجة إلى الحماية من الإقرار الصريح والعلني بحقائق مزعجة. وعلى الرغم من أننا قد اعتدنا على استخدام الرقابة بمختلف أنواعها ودرجاتها لحماية الأنظمة السياسية القمعية المنتمية إلى اليمين واليسار على حد سواء، فإننا نادرًا ما نجد في أنفسنا القدرة على التوافق أو التعايش مع فكرة أن هناك أفكارًا ومعتقدات سياسية راسخة الأسس يُفَضل أن تظل في الخفاء من دون التصريح بها في سبيل حماية الحرية وحقوق الإنسان. إن الشعور الغريب بالإحراج المتولّد عن هذا الموقف يأتي من حقيقة أن المذهب الليبرالي، بجميع تياراته المتنوعة والمنتشرة على نطاق واسع، ارتبط ارتباطًا وثيقًا منذ نشأته بالاعتقاد في النقاش العلني. إن أولئك الذين حاربوا الملوك ووقفوا في وجه السلطة الكنسية من أجل الانخراط في الخطاب النقدي المنفتح، ونشروا العقلانية والعلم، وأعلَوا من شأن فضائل الحوار العلني في مواجهة مكائد المحاكم وألغاز الإيمان وغوامضه، سلّموا بأن مثل هذا النقاش لا يمكن أن يفشل في دعم قضيتهم وتعضيدها. وفي غمار ثقتهم بأن التفكير الناقد سوف يقوم بتقويض دعائم الحقائق اليقينية الداعمة لسلطة الكنائس والملوك، يبدو أن الليبراليين الأوائل لم يدركوا أن يقينهم الخاص يمكن أن يكون عرضة للخطر بالقدر نفسه. في حقيقة الأمر، لقد عجزوا عن استيعاب أن التنوير كان على الدوام صفقة شاملة تتضمن عنصرين لا يوجد بينهما رابط جوهري: الالتزام بالنقاش العلني من ناحية، ومجموعة من المبادئ السياسية الأساسية من ناحية أخرى. إن الالتزام بالفحص النقدي Critical Examination لجميع الأفكار، ومنها الأفكار الليبرالية، لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز القيم الليبرالية، على غرار الحرية والتسامح وحقوق الإنسان، ولا يروّجها على مستوى الممارسة العملية. جزء من المشكلة هنا أن الخبرة السياسية أفقدت الليبراليين ثقتهم بردود الأفعال والاستجابات الشعبية. لقد خامر المثقفين الليبراليين في القرن الذي عاصروا فيه المذهب النازي شعورٌ بأنهم أعضاء في أقلية يطوّقها الحصار، تدافع عن الحرية والعقل في مواجهة المد المظلم لّلا عقلانية الجماهيرية. لكن يبدو
أنّ هناك سببًا آخر خلاف ذلك وراء الشعور بعدم الارتياح الذي انتاب الأكاديميين الليبراليين من
جمهور سكروتون. إن الهجوم الذي يأتي من اليمين يتسم بمواطن قوة مستقلة تمامًا عن قدرته على حشد الدعم الجماهيري، كما أن المذهب الليبرالي يحتوي على الكثير من مواطن الضعف بخلاف استناده المزعوم إلى عالم من الأسطورة السياسية. وفيما يلي، أجادل بأن المذهب الليبرالي ذاته يحتوي في صميمه على عنصر أسطوري جوهري، وبأن التنافر المعرفي بين هذا العنصر الأسطوري ورؤية المذهب الليبرالي لذاته باعتباره الحزب المعبّر عن العقل والتنوير يجعله أكثر ضعفًا وعرضة
للخطر في مواجهة النقد الاجتماعي اليميني؛ لكنني أجادل على الرغم من ذلك بأن المذهب الليبرالي يمكن الدفاع عنه، بل إنه في بعض النواحي أكثر قابلية للدفاع عنه من خلال مفردات المذهب المحافظ مقارنةً بالمفردات الليبرالية التقليدية.
ثالثًا: أسطورة الطبيعة
يُعدّ المذهب الليبرالي بمنزلة النظرية السياسية لعصر العقل بلا منازع. ومنذ بداياته الأولى استمد
أتباعه شعورهم بالمجد والفخر من معقوليته. وحتى خصومه أقرّوا بهذه العقلانية. فما الذي نعنيه إذًا
بالتلميح إلى أن هذه الثمرة التنويرية تحتوي في قلبها على نواة أسطورية خفية؟ في نهاية الأمر، قد يؤدّي فهمنا لطبيعة "الأسطورة السياسية" إلى تبديد صدقية هذا التلميح تمامًا. دعونا نعالج مث لًا شهيرًا
على ذلك، من خلال فحصنا تأملات إرنست كاسيرر (945–1874 1) حول جذور النازية، في كتاب أسطورة الدولة، حيث يرى أنها تتمحور حول التعارض بين الأسطورة والعقل؛ الأمر الذي يجعل من الأساطير السياسية مرادفًا لقوى الظلام الكامنة تحت سطح المجتمع والتي تتأهب للانقضاض في أوقات الأزمات. ووفقًا لهذا الفهم، تبتعد النظريات السياسية التي أدت إلى نشأة المذهب الليبرالي عن التفكير الأسطوري تمامًا. إن رؤية كاسيرر التي مفادها أن المفكرين التنويريين تخلّصوا
من سحب الغموض واستحضروا ضوء النهار المشرق تتوافق قطعًا مع رؤية هؤلاء المفكرين لأنفسهم
وفهمهم لذواتهم. وعندما كتب توماس جيفرسون Thomas Jefferson (826–17431) أننا "ننظر
إلى هذه الحقائق على أنها ذاتية الوضوح، لقد خُلِق البشر جميعًا متساوين" كان يعتقد (كما أوضح
لاحقًا لأحد مراسليه) أنه يعبّر عن الحس الفطري المشترك بين البشر. لكن من وجهة نظرنا، فإن
ما يثير الاهتمام في هذا الفهم الذاتي هو أنه كان على خطأ. وكما أشار عدد لا يُحصى من المفكرين،
لا يوجد في الحس الفطري المشترك ما يدعونا للاعتقاد أن جميع البشر خُلقوا متساوين أو يتمتعون بحقوق راسخة في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. على العكس من ذلك تمامًا: فالمراقب غير
المتحيز الذي يقوم بفحص الحالة الإنسانية ووضع البشر سوف يستنتج أنه لا يوجد شيء واضح بذاته فيما يتعلق بالمساواة بين البشر. إنّ أكثر الرجال فخرًا بالعقلانية وابتعادًا عن الخرافة يُلزمون أنفسهم
بمزاعم سياسية تتناقض مع حدسنا الفطري Counter–intuitive بوضوح. كان خداع الذات ماثلًا، وكانت ملابس الإمبراطور شفافة حقًا. بالنسبة إلى كاسيرر، يقف التفكير الأسطوري على الطرف النقيض من العقلانية ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالغموض والألغاز. ولذلك فمن وجهة نظره، كانت الفكرة الليبرالية الأولية حول تأسيس المجتمع على التعاقد الأصلي Original Contract بمنزلة خطوة حاسمة في طريق الابتعاد عن الأسطورة السياسية. "وإذا قمنا باختزال النظام الاجتماعي إلى أفعال فردية حرة، وإلى خضوع تعاقدي حر من طرف المحكومين، فإن الغموض برمّته يتلاشى. ليس ثمة شيء أقل غموضًا من التعاقد". ينظر
(22) Ernst Cassirer, The Myth of the State , vol. 3 (London: Oxford University Press, 1946), p. 280. (23) Ibid., p. 177.
((2(الإشارة هنا إلى قصة ملابس الإمبراطور الجديدة لهانس كريستيان أندرسن Hans Christian Andersen (875–18051) التي يقوم فيها اثنان من المحتالين بخداع الإمبراطور وإيهامه بأنهما قادران على حياكة ملابس جديدة خفية عن أعين الحمقى، وعلى الرغم من أن الإمبراطور وحاشيته لا يرون هذه الملابس، فإنهم لا يصرّحون بذلك ويستمرون في التظاهر بأن الملابس موجودة
وحقيقية لكيلا يصفهم أحدٌ بالحماقة، وحتى بعد أن قام طفل صغير بكشف الخدعة وأشار إلى أن الإمبراطور لا يرتدي شيئًا، استمر
الإمبراطور في التظاهر وسار في موكبه بكل فخر. والمقصود هنا هو أن المفكرين الليبراليين يستمرون في التظاهر بأن مذهبهم ذو طبيعة عقلانية تخلو من الأساطير على الرغم من وعيهم بالطابع الأسطوري للكثير من أفكار المذهب الليبرالي. (المترجم)
كاسيرر إلى العقد الاجتماعي باعتباره أداة تحليلية محضة، في إشارة واضحة إلى توماس هوبز Thomas Hobbes (679–1588.)1 لكننا إذا نظرنا بدلًا من ذلك إلى جون لوك (704–16321)، لربما تسرب إلينا الشعور بالشك في الأصل العقلاني النقي الذي لا تشوبه شائبة للمذهب الليبرالي، وحينها سنرى أوجه التشابه الواضحة مع "الأساطير التأسيسية" التي تمثّل ظاهرة سياسية شائعة في جميع أنحاء العالم. انتقل لوك في الرسالة الثانية، عقب تقديمه للرسالة الأولى في الحكومة المدنية، الذي قام فيه بتفنيد محاولة سير روبرت فيلمر (653–15881) للتوسع في أساطير الملكية البطريركية من خلال تتبع جذورها وصولًا إلى آدم، إلى تقديم روايته المُنافِسة حول أصول الحكومة الشرعية من خلال تتبع جذورها وصولًا إلى ما سماه بالزمن البدائي، ويسرد لنا في هذه الرواية الكيفية التي اكتسب بها البشر الحق في الملكية في حالة الطبيعة State of Nature، وكيفية اتفاقهم على تأسيس الحكومة. ينكر لوك بشدّة، مثل أيّ مواطن روماني قديم، احتمال أن تكون قصته محض خيال. ومثل قدامى الرومان أيضًا، يؤمن بوضوح بأن رؤيته للماضي تترتب عليها نتائج عملية في الحاضر. ومن الواضح أن الموقف الذي نقوم بتحليليه هنا هو ما يسميه عالم الأنثروبولوجيا مرسيا إلياد (986–19071)، في سياق مناقشته الأساطير التأسيسية، بالتاريخ الحقيقي لما حدث في بداية الزمن، وهو تاريخ من شأنه أن يزوّدنا بنمط نموذجي للسلوك البشري. لا يذكر إلياد العقد الاجتماعي في مناقشته الأساطير السياسية الحديثة وكذلك أيضًا هنري تيودور، الذي يرى نموذجًا إرشاديًا واضحًا لذلك في حالتَي
أسطورة التأسيس الرومانية وأسطورة الصراع الطبقي والثورة الماركسية. في حالة تيودور، ربما يكون السبب في استبعاده الأساطير السياسية الحديثة هو تأكيده على المحتوي الدرامي للأسطورة. ومقارنةً برومولوس وريموس، أو الكفاح المروع للبروليتاريا الماركسية، فمن المؤكد أن أساطير
(25) Cassirer, p. 173.
((2(قارن في ذلك بين الكتابين التاليين:
Henry Tudor, Political Myth (London: Pall Mall, 1972); Mircea Eliade, Myths, Dreams and Mysteries (London: Collins,
(2((فيلسوف ومنّظ ر سياسي إنكليزي اشتهر بالدفاع عن الحق الملكي في الحكم. كانت كتاباته هي الدافع وراء تأليف جون لوك (704–16321) لمقاله في الحكومة المدنية، حيث عرض في كتاب Patriarcha لرأي المذهب المحافظ الذي مفاده أن الدولة هي
امتداد الأسرة، وأن الملكية نظام مقدّس إلهي، وإذًا لا يجوز خلع الملك ولا مهاجمته. (المترجم)
(28) Tudor, p. 61. (29) John Locke, Two Treatises of Government , Peter Laslett (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1964), pp. 352–354. (30) Eliade, p. 23. (31) Tudor, p. 137. (32) Ibid.
((3(أسطورة رومولوس Romulus (717–771 ق. م.) ورموس Remus (753–771 ق. م.) وهما توأمان وابنا الإله مارس (الآرس) إله الحرب، والعذراء ريا سيلفستريس، تروي الأسطورة قصة تأسيس مدينة روما على يد رومولوس بعد قتله أخاه التوأم ريموس. (المترجم)
المذهب الليبرالي تعدّ أمرًا هينًا. وعلى الرغم من ذلك، يذهب تيودور إلى أن الأساطير "تفسر
الشيء من خلال سرد قصة تتعلق بنشأته، والمغزى من أيّ أسطورة هو إرضاء مطلب الوصول
إلى عالم متسق أخلاقيًا". وإذا جاز لنا أن نجمع بين هذين المعيارين، فسوف تتولد لدينا رؤية
للأسطورة السياسية باعتبارها حكاية تدور حول الأصول السياسية التي يمكن أن تُضفي على العالم معنى أخلاقًّيًا. إن الأفكار التأسيسية للمذهب الليبرالي تنتمي إلى حد بعيد إلى هذا النوع من الأساطير. قد يبدو من الغريب أن منظّري الأسطورة السياسية الذين لم يجدوا صعوبة في التعرف إلى العنصر الأسطوري في المذهب الماركسي قد اتفقوا بالإجماع على تجاهل الأسطورة الليبرالية الخاصة بحالة الطبيعة. ربما يكون أحد الأسباب وراء ذلك هو أن الأساطير الليبرالية كانت دائمًا أكثر فطنة وحذرًا
وأقل حدّة وتوهجًا من مثيلاتها الماركسية، لكن من المؤكد أن السبب الآخر هو أنها أصبحت أقل بروزًا
وشهرة مع تطور المذهب الليبرالي. لقد فقدت قصة حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي – أو دعونا نقُل، سماتها ذات الطبيعة الدرامية المميزة – سحرها الخّلا ب في سياق القرن الثامن عشر، وبمجيء الثورة الفرنسية، استُبدلت هذه القصة باللجوء إلى الحقوق الطبيعية Natural Rights المتحررة من الارتباط بأيّ أحداث تنتمي إلى الماضي الأسطوري. صحيح أن توماس باين (809–17371) كان لا يزال في
استطاعته الاحتجاج على لجوء إدموند بيرك إلى التاريخ عندما قال الأخير إن الخوض في الماضي البعيد، والعودة إلى الأزمنة التي جُبل فيها الإنسان على يد خالقه، يعدّان أمرين ضروريين، لكن
مما لا شك فيه أن هذا العصر كان محكومًا بالنزوع نحو المبادئ التي ستُعرف لاحقًا باسم المذهب
الليبرالي، وهي مبادئ تتوجه نحو الانفصال عن الماضي الأسطوري وتتأسس على ما اعتقد الناس أنه نظام الطبيعة. إن إعلان الاستقلال الأميركي والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن ينصان على أن البشر يتمتعون منذ الميلاد بحقوق طبيعية هنا والآن. لقد توقّف المذهب الليبرالي، كما تطوّر
عقب ذلك وصولًا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، عن التعامل مع أسطورة حالة الطبيعة، تمامًا
كما توقّف عن الاعتماد على إله الطبيعة. كان للمذهب الليبرالي، في صيغته النفعية Utilitarian Form، موقف إيجابي معادٍ لفكرة حقوق الإنسان. وتعدّ انتقادات بنتام للإعلان الفرنسي أكثر حدة من انتقادات بيرك، في حين أن مل تنازل بوضوح عن أيّ لجوء إلى الحقوق الطبيعية عندما جادل في سبيل الدفاع عن الحريات الفردية.
أما إذا كانت هذه التنازلات تستحق الإشادة، فإن هذا أمر مختلف تمامًا: يجب على المذهب الليبرالي
((3(ربما يمكننا أن نستثني من ذلك أسطورة "نورمان يوك" التي استمرت فترة طويلة من الزمن في الأوساط الليبرالية والراديكالية. ويشير مصطلح "أسطورة نورمان يوك" إلى الرؤية التي مؤداها أن إنكلترا قبل عام 0661 كانت دولة تتمتع بمؤسسات ذاتية الحكم،
وهي الفترة التي انتهت على يد وليام الفاتح الذي فرض شكلًا من أشكال المجتمع الإقطاعي القمعي، وقد شاع استخدام المصطلح في الخطاب القومي والديمقراطي في القرن السابع عشر. (المترجم)
(35) Tudor, p. 122. (36) Ibid. (37) Thomas Paine, The Rights of Man (London: Dent, 1915), p. 41. (38) John Stuart Mill, Utilitarianism: Liberty and Representative Government (London: Dent, 1910), p. 74.
أن يدفع خلسة بافتراضه الخاص حول المساواة في حقوق الإنسان لكي يتمكن من تبرير مبدَِئه القائلِ إن سعادة البشر ترتبط بالوزن المكافئ لها في الحسابات النفعية، وذلك بصورة يتساوى فيها الفلاحون مع الملوك، وغير المؤمنين مع القديسين، وطبقة المنبوذين مع طبقة البراهمان. وعلى الرغم من ذلك، فإننا نجد أن مذهب المنفعة بعيد تمامًا عن الأسطورة في نبرته والمناخ المحيط بأفكاره. هل ينبغي لنا،
إذًا، أن نستنتج أنه على الرغم من وجود عنصر أسطوري في أصول المذهب الليبرالي في القرن السابع عشر، فإنه لم يبقَ له أيّ أثر في مبادئ الليبرالية الحديثة؟ لسوء الحظ، ليس الموقف على هذه الدرجة من البساطة. فمن عادة الأساطير أن تبقى زمنًا
طويلًا حتى عندما يتوقف البشر عن اعتقاد صحتها تمامًا. وحتى الآن، لا يزال الملكيون الذين
تخلّوا عن زعم القداسة الفريدة للدم الملكي يشعرون بأن الملوك والملكات ليسوا مجرد بشر فانين، ولا يزال الراديكاليون الذين توقفوا عن تصديق أسطورة الخلاص الماركسية العظيمة يرون الثورات بمنظار وردي حالم. وعلى المنوال نفسه، لا يزال أنصار المذهب الليبرالي الذين تخلوا عن حلم اللجوء إلى حالة الطبيعة يعتزّون على الرغم من ذلك بمعتقداتهم المناقضة للحدس
الفطري بشأن الموجودات البشرية والمجتمع. وفي كل حالة من هذه الحالات، نجد أن الظواهر السياسية كما تبدو لنا في العالم يُنظر إليها أو يجري تفسيرها في ضوء واقع بديل يُعتقد أنه أكثر
حقيقة مما نراه أمامنا بالفعل. قد لا يكون البشر كما نصادفهم في حياتنا أحرارًا أو متساوين،
ولكنهم كذلك في العالم البديل من الأسطورة الليبرالية، وسواء تصوّرنا أن هذه هي حالة الطبيعة
الأصلية أو لا، فإن السلطان الطاغي لهذه الأسطورة على مخيلتنا الأخلاقية لا يعتمد، كما يبدو، على التصريح الواضح بذلك. إن جوهر العنصر الأسطوري في المذهب الليبرالي يكمن في مجموعة من الافتراضات حول الطبيعة: حول طبيعة الجنس البشري وطبيعة المجتمع. وقد اتخذت هذه الادعاءات في الأصل، كما رأينا، شكلًا أسطوريًا على هيئة وصفٍ لحالة الطبيعة الأصلية، وللحقوق الطبيعية التي تمتع بها مجموعة
من البشر الأحرار المتساوين داخل هذه الحالة، وللعقد الاجتماعي الذي انبثقت منه هذه الحقوق من خلال ممارسة التوافق الإرادي الحر. وفي مرحلة لاحقة، تحوّلت هذه المزاعم إلى تأكيدات
بشأن نظام طبيعي مستمر وموازٍ لعالم الواقع المتسم بالنقص. وكما جاء بالنص في كلمات الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن فإَّنَ البشر: "فيما يتعلق بحقوقهم يولدون أحرارًا ومتساوين
ويظلون على هذا الحال [...] وهذه الحقوق هي الحرية، والتملك، والأمان، ومقاومة الطغيان". وكما أشار النقاد الساخرون، فإن هذه التصريحات، التي تعد بمنزلة تعبير عن حقائق، ببساطة لم تكن صحيحة. هل كان المسؤولون عن إصدار هذا الإعلان يقصدون حقًا أن البشر ينبغي أن يكونوا أحرارًا ومتساوين؟ إذا كان الأمر على هذا النحو، فكان يجب عليهم التصريح بذلك لتجنّب الخلط
بين الموضوعات وسوء الفهم. لكن على الرغم من أن المدافعين عن الحقوق الطبيعية اعتقدوا حًّقًا أن البشر يجب أن يكونوا أحرارًا ومتساوين في العديد من جوانب الحياة الاجتماعية، فإنهم قاموا
(39) Jeremy Waldron (ed.), Nonsense Upon Stilts (London: Methuen, 1987), p. 26.
بتأسيس الطبيعة الإلزامية Imperative لهذه الحقيقة على الزعم أن الحرية والمساواة، على مستوى أكثر عمقًا وجوهرية، يمثلان بالفعل شرطين للموجود البشري. كان التغير التيرمنولوجي Terminology الذي شهده القرن الحالي سببًا في إعادة إحياء فكرة الحقوق
الطبيعية بوصفها حقوقًا للإنسان (وهي حقوق مُنحت للنساء أيضًا في وقت متأخر)، ولكنه لم يغير
شيئًا في الواقع. لم يكن الهدف من التأكيد على حقوق الإنسان هو مجرد القول إنها حقوق يجب
أن يتمتع بها البشر، بل كان الهدف هو الزعم أن البشر، في نظام بديل يتجاوز العالم الذي نشاهده، وبصورة تتناقض مع الطبيعة، يملكون هذه الحقوق بالفعل. يرتبط المذهب الليبرالي في نشأته وتطوره بافتراضات غريبة ومبهمة حول الطبيعة، تحاول دائمًا تجاوز الطبيعة المرئية للجنس البشري
والمجتمع والولوج إلى الطبيعة الحقيقية المحتجبة وراءها بطريقةٍ ما. وإذا تساءل المرء: لماذا لجأ أسلاف المذهب الليبرالي إلى هذا الاستخدام الغامض والمبهم لمصطلح الطبيعة؟ ستكون الإجابة: إنه في الثقافة التي تنظر إلى مصطلح "الطبيعة" باعتباره مصطلحًا عظيمًا ومجيدًا، نجد أن الطريقة
الأكثر نجاحًا وتأثيرًا لحرمان النظام الاجتماعي القائم من شرعيته هي إنكار وصفه بأنه "طبيعي"،
والاحتفاظ بهذا الوصف للحديث عن عالم أسطوري بديل قوامه الحرية والمساواة. لقد حافظت هذه الاستراتيجية على نجاحها فترةً من الزمن. وكان موطن ضعفها هو التزام الليبراليين اليساريين بمجموعة من الافتراضات حول الإنسان والمجتمع تتسم بصعوبة الدفاع عنها في مواجهة النقد. هناك قصة مشابهة لذلك نجدها فيما يرويه إرنست غيلنر (995–19251) عن الإبستيمولوجيا التجريبية الكلاسيكية Classical Empiricism في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبتأمل الماضي من وجهة النظر الحديثة، يتضح لنا أن هذه الفلسفة لم تقدّم أيّ منظور حقيقي لطبيعة العالم، أو
لإبداعات العقل البشري على الإطلاق. وبمقارنة هذا المذهب بمنافسيه من النزعة الرومانسية Romanticism، يبدو المذهب التجريبي مشوهًا وفقيرًا في محتواه. لكن غيلنر يجادل بأنّ الهدف من
المذهب التجريبي لم يكن تقديم تأملات حول التجربة بقدر ما كان الانتخاب والاختيار منها، من أجل إضفاء الشرعية على بعض أنواع الخبرات والتشكيك في البعض الآخر. كانت مهمة المذهب التجريبي، على وجه التحديد، هي تأسيس معيار لما يمكن أن ننظر إليه باعتباره "معرفة" بصورة تستبعد السحر، والعرافة والدوغما الدينية Religious Dogma، وبذلك خلّص الفضاء العام تحديدًا من القوى المظلمة اللاعقلانية التي ستكون الحركة الرومانسية متلهفة إلى إعادة دمجها في العالم والترحيب بها مرة أخرى. ربما يكون من المفيد بالنسبة إلى أغراضنا أن ننظر إلى الأسطورة الليبرالية عن "الطبيعة" باعتبارها ممارسة مشابهة لعمليتي الاختيار وإضفاء الشرعية على غرار المذهب التجريبي،
(4((فيلسوف وعالم أنثروبولوجيا اجتماعية بريطاني – تشيكي، ذاع صيته منذ كتابه الأول كلمات وأشياء Words and Things الذي هاجم فيه الفلسفة اللغوية، واشتهر بدفاعه عن العقلانية النقدية. شغل منصب أستاذ الفلسفة في كلية لندن للاقتصاد مدة اثنين وعشرين عامًا، وأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كامبريدج مدة ثمانية أعوام، وامتدت اهتماماته لتشمل نظرية التحديث
والمذهب القومي. من أهم مؤلفاته: الأمم والمذهب القومي Nations and Nationalism، وشروط الحرية Conditions of Liberty،
وما بعد الحداثة والعقل والدين Postmodernism, Reason and Religion. (المترجم)
(41) Ernest Gellner, Legitimation of Belief (Cambridge: Cambridge University Press, 1974) pp. 32, 36, 46–47, 61, 127.
وهي ممارسة تمّت على نحو موازٍ وفي بعض الحالات من طرف المفكرين أنفسهم. كان السبب
المحدد وراء ذلك هو أن الموجودات البشرية، كما نصادفهم في العالم، ليسوا أحرارًا، ولا متساوين،
ولا يتمتعون بحقوق ثابتة، مما دفع أولئك الذين يريدون ترسيخ بعض المبادئ التي تتناقض مع التجربة على نحو صارخ إلى بذل قصارى جهدهم في محاولة إضفاء الشرعية على هذه المبادئ باللجوء إلى "طبيعة" أسطورية مضادة. تشير حنة أرندت (975–19061) إلى أن جيفرسون تخلّى عن هذه اللعبة عندما كتب في إعلان الاستقلال الأميركي: "إننا ننظر إلى هذه الحقائق على أنها واضحة بذاتها"، بدلًا من أن يكتب "هذه الحقائق واضحة بذاتها". وسواء قام جيفرسون بذلك عن وعي أو لا، فقد أقر الأميركيون في الواقع بأن الحالة التي تغيب فيها "الطبيعة" و"إله الطبيعة" عن العالم تترك مج لًا فسيحًا أمام الرغبة. ومع ذلك، فلكي نستجمع بداخلنا الشجاعة اللازمة لتطوير أعمالهم،
سيكون من الضروري أولًا أن نتظاهر بأنه ليس ثمة حاجة إلى التغيير على الإطلاق. هناك، إذًا، في قلب المذهب الليبرالي، مجموعة من الأساطير التي تُضفي الشرعية على تصوراتنا حول الإنسان والمجتمع: أساطير حول حقوق الإنسان، وأحقية الأفراد وأولويتهم، والمساواة بين البشر (وحتى النساء)، وبداهة الحرية، وفائدة قيام الحكومة على أساس من الرضا والتوافق وما شابه ذلك. وفي حين تنكرت هذه الأفكار في هيئة تقرير لحقائق عن العالم والموجودات البشرية على حد سواء، فإنها في الواقع، كانت بمنزلة أساطير تدعم محاولات تغيير العالم وتحسين معطيات الطبيعة. وبعبارة أخرى، كانت هذه المعتقدات ضرورية لأنها لم تكن واضحة في ذاتها. إن البشر كما نراهم ونصادفهم في العالم يختلفون كثيرًا عن الصورة الليبرالية التقليدية. إنهم ليسوا متساوين، ولا أحرارًا،
وبعيدين جدًا من كونهم أفرادًا متميزين يتحكمون في مصائرهم، بل نجدهم منغمسين بعمق وإلى أقصى درجة في المجتمعات والثقافات الخاصة التي ينتمون إليها. فضلًا عن أن القيم الليبرالية للسياسات المتحضرة لا تصل إليهم بسهولة على الإطلاق. إن المؤسسات التي يقدّرها المذهب الليبرالي السياسي ويعتز بها – مثل حكم القانون، والحماية المتساوية للحقوق، والانتخابات الحرة، والتسامح مع المعارضة، والنقاش الحر، والتعامل اللائق مع الأقليات الإثنية – لا يمكن أن تتعارض كليةً مع الميول الجوهرية للموجودات البشرية، لأنها لو كانت كذلك، فإنها لن تؤدي وظيفتها على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك، فسيكون من الصعب إنكار أن المؤسسات من هذا النوع يتعذّر جدًا تأسيسها والمحافظة عليها، كما لو كانت تتعارض مع الطبيعة البشرية ذاتها. إن التجربة، بفعل ما تقدّمه لنا من خيبات أمل مستمرة، تشير إلى أن هذه المؤسسات أشبه بالورود الممتازة: فهي لا تنمو بصورة طبيعية، ولكن تزدهر فقط بتدخّل صناعي، كما أن البعض منها خبيث الرائحة. لو قلنا إن جميع الليبراليين قد أخفقوا في إدراك هذا، فسيكون قولنا خاليًا من الدقة والإنصاف. في
الواقع، سنجد أن البعض من أكثر المفكرين تميزًا في التراث لا يرون أن المجتمع الليبرالي ينمو بقوة
وعلى نحو طبيعي، بل يرون فيه بناءً سياسيًا هشًا. ويأتي إحساس هؤلاء المفكرين بهشاشة المؤسسات
السياسية الليبرالية متوافقًا مع تأكيدهم على المواطنة، والالتزامات الواعية – وهي التزامات تختلف
(42) Hannah Arendt, On Revolution (London: Faber & Faber, 1963), p. 194.
تمامًا عن الروابط الإثنية اللاواعية – التي لا غنى عنها للحفاظ على تماسك مثل هذا المجتمع.
هذا النمط المتشكك من الليبرالية Sceptical Liberalism، والذي يقدم ألكسيس دي توكفيل Alexis De Tocqueville (859–18051) مث لًا نموذجيًا له، يدين بالقليل لأسطورة "الطبيعة"، بل إنه يصل إلى
أوج قوته واكتماله عندما تتراخى سلطة الأسطورة عليه. ومع ذلك، تمكّن المذهب الليبرالي في ريعانه من اكتساب تأثير هائل بفعل الانتقال الأقل تعقيدًا وتكلّفًا من الواقعية التاريخية إلى الطبيعة الأسطورية للأشياء. وباستلهام مسمى الطبيعة، تمكّن الراديكاليون بشجاعة من إطاحة نظام العادات والتقاليد الموروثة برمّته، واستطاعوا إرساء دعائم مؤسسات تقوم على مبادئ كونية. وعلى غرار الجيل الّلا حق
من الاشتراكيين الثوريين المستندين إلى فكرة الحتمية التاريخية، فمن المؤكد أن شجاعتهم كانت ستخذلهم إذا أدركوا إلى أيّ مدى كانت ممارساتهم الإبداعية تتسم حقًا بالعشوائية. ولسوء الحظ،
فإن الأسطورة نفسها التي وهبت المذهب الليبرالي قوته، يمكن أيضًا أن تجعله عرضة للهجوم والنقد في أيّ لحظة، ما دام الليبراليون غافلين عن العنصر الأسطوري في بنية معتقداتهم. في الأوقات التي
كان خصوم الليبراليين فيها ينتمون إلى الملكية ذات الطابع الديني، لا يبدو أنّ أسطورة "الطبيعة" كانت تشكل عائقًا مثيرًا للجدل. حًّقًا كانت تعليقات الملكيين منذ عهد فيلمر ووصولًا إلى دي مايستر تتسم
بفطنة عظيمة فيما يتعلق بلامعقولية المزاعم الليبرالية بشأن طبيعة الإنسان والمجتمع، لكنهم كانوا يملكون أساطيرهم الخاصة التي يدافعون عنها، ولم يكن وضعهم يسمح لهم بالإصرار على صيغة رصينة وحكيمة من الواقعية. تغيّر هذا الوضع تمامًا في أواخر القرن التاسع عشر بفعل صعود نوع جديد من الفكر اليميني، اللاديني،
المتشكك، الذي حفّزته الداروينية لجذب الانتباه لبعض الميول البشرية الأقل استساغة. وتحت وطأة النظرة القاسية عديمة الشفقة لفريدريك نيتشه (900–18441)، وفيلفريدو باريتو Vilfredo Pareto (848–19231)، وروبرت ميكلز Robert Michels)1936–1876(، وتشارلز موراس Charles Maurras (952–18681)، وباري، وكارل شميت Carl Schmitt)1985–1888(
((4(انتبهت إلى هذه المسألة بفضل أحد مُراجعي الدورية. ((4(ينظر على سبيل المثال:
Robert Filmer, Patriarcha and Other Political Works , Peter Laslett (ed.) (Oxford: Basil Blackwell, 1949), pp. 1–26.
((4(اقتصادي وعالم اجتماع فرنسي المولد إيطالي الجنسية، اشتهر بنظريته حول التفاعل بين الجماهير والنخبة، وبتطبيق مبادئ
الرياضيات على التحليل الاقتصادي. من أشهر مؤلفاته: دليل الاقتصاد السياسي The Manual of Political Economy، وصعود
وانهيار النخب The Rise and Fall of Elites، وتحول الديمقراطية The Transformation of Democracy. (المترجم)
((4(سياسي وعالم اقتصاد ألماني المولد إيطالي الجنسية اشتهر بصياغته القانون الحديدي للأوليغارشية الذي مفاده أن الأحزاب
السياسية والمنظمات السياسية تتجه بصورة حتمية نحو الأوليغارشية والسلطوية والنزعة البيروقراطية. من أهم مؤلفاته: محاضرات
تمهيدية في علم الاجتماع السياسي First Lectures Political Sociology، والأحزاب السياسية Political Parties. (المترجم) (4((فيلسوف وكاتب وشاعر وناقد ومنظّر سياسي فرنسي، يُعدّ من أشهر المفكرين المحافظين المؤثّرين في الحياة السياسية
والثقافية في بدايات القرن العشرين خاصة من خلال كتاب التكاملية القومية Integral Nationalism الذي تنبّأ فيه بظهور النزعة
الفاشية – التي يصنّف ضمن مفكّريها – على الساحة السياسية. (المترجم) (4((فيلسوف وفنان ومنّظ ر سياسي محافظ اشتهر بانتقاده المذهب الليبرالي وتأييده النازية. من أشهر مؤلفاته: مفهوم السياسي The
Concept of the Political، والرومانسية السياسية Political Romanticism، واللاهوت السياسي Political Theology. (المترجم)
وغيرهم من الآباء الروحيين للفاشية، انكمش المذهب الليبرالي المتعلق بالمساواة، وحقوق الإنسان، والحكم بالتراضي والموافقة وارتد من كونه مجموعة من الأساطير ليصبح محض أوهام طفولية. لأنه إذا كانت "الطبيعة" هي المعيار في حقل السياسة، فإن أسهل الأمور قاطبة بالنسبة إلى مفكري ما يمكن أن نسميه باليمين "الاجتماعي" كانت استغلال غموض هذا المفهوم والتباسه لصرف أذهاننا عن صورة مثالية لهذه الطبيعة إلى صورة أخرى "موحشة". لقد واجهت الرؤية الليبرالية للإنسان والمجتمع تحديًا من خلال صورة منافسة عن الطبيعة لا يتمتع فيها الإنسان بالحرية، أو المساواة، ولا حتى
بالعقلانية. وفي عصر مستغرق تمامًا في النزوع الإمبريالي، قارن الكثير من القراء بين استبصارات
اليمين ورؤاه وبين الاعتقادات المتعلقة بالطبيعة الإنسانية والمجتمع التي يبدو التزام الليبراليين بها جليًا، وهي معتقدات وجدوا فيها واقعية اجتماعية وعمقًا لا يُضَاهى في عظمته. وبنهاية الحرب العالمية الأولى، ارتد الغموض والالتباس المحيطان بالطبيعة في وجه المذهب الليبرالي وأتى بنتائج عكسية، وباستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي امتلكت عوامل مؤسسية خاصة تمكّنها من الإبقاء على المبادئ الليبرالية والحفاظ عليها، تعرّضت مبادئ مثل الحقوق الطبيعية
لفقدان صدقيتها واقعيًا. لم تعُد هذه المبادئ لمكانتها في الأجندة السياسية Political Agenda بفعل
الحوار والجدل العقلاني، بل بفعل خبرة مريرة. وفي مواجهة البراهين العملية التي قدّمتها ألمانيا الهتلرية وروسيا الستالينية بشأن طبيعة الحياة التي يمكن أن يحياها المرء في عالم لم يؤمن حكّامه "بالطبيعة" الأسطورية لحقوق الإنسان والمساواة، بل صاغوا سلوكهم وفقًا للنموذج القائم على الطبيعة التجريبية والذي نجد فيه (على نحو ما أتى على لسان المبعوث الأثيني في كتابات ثيوقيديدس) أن القوي يفعل ما يحلو له والضعيف يعاني تحت وطأة الضرورة. في مثل هذا العالم، تراجع المنتصرون عن التزامهم بالنزعة الواقعية المعقدة للفلسفة الفاشية المبكرة. وهكذا، استجمعوا مرةً أخرى شتات المذهب الليبرالي الممزق، وأصدروا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. تجلت معالم هذه التجربة في الفكر السياسي الغربي على مدار سنوات طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. وفي السياق الراهن، سيتركّز اهتمامنا على جانبين من هذه التجربة. الأول هو المساعي والجهود البطولية التي قام بها جيل من الفلاسفة للعثور على أساس عقلاني للمبادئ الليبرالية مثل حقوق الإنسان والعدالة والحرية. أما الجانب الآخر للحياة الثقافية في حقبة ما بعد الحرب، والذي يعكس نوعًا من عدم الثقة بهذه المساعي الفلسفية، فهو: الاتفاق النبيل على تجنب موضوعات محددة
((4(الذي يأتي على النقيض من اليمين اللاهوتي؛ ومع ذلك، تحوّل الأخير إلى أحد المصادر الرئيسة للفكر الاجتماعي. ينظر في
ذلك:
Leon Bramson, The Political Context of Sociology (Princeton: Princeton University Press, 1961); Robert Nisbet, The Sociological Tradition (London: Heinemann, 1967).
((5(ثيوقيديدس (395–460 ق. م.) أحد كبار المؤرخين اليونانيين، اشتهر بكتاب: تاريخ الحرب البيلوبونيزية History of the Peloponnesian War الذي يسجّل فيه تاريخ الصراع بين مدينة أثينا ومدينة إسبرطة. (المترجم) ((5(يشير مصطلح Proto–Fascism أو الفاشية المبكرة إلى الأيديولوجيات والحركات الثقافية التي ساعدت على نحو مباشر في خلق أسس المذهب الفاشي بصورته المعروفة. (المترجم)
والامتناع عن النقاشات الملحّة والمحرجة حول وجهات نظر بعينها. ومن ثم، لم تحظَ الموضوعات
ذات الدلالة المُحرجة والحساسة، على غرار العرق والإثنية وعدم المساواة والتراتبية والغزو
والسيطرة، بأيّ اهتمام جاد، في الوقت الذي نجد فيه أن نيتشه، وهو مصدر الكثير من أنماط
التفكير الفاشي البدائي، يحظى بقدر هائل من إعادة التفسير والتأويل إلى الدرجة التي تحوّل معها من
الناحية العملية إلى مفكر ليبرالي. شهدت السنوات الأخيرة تغيرات في هذين الجانبين. ومما يدعو إلى السخرية أنه في الوقت الذي انتصر فيه المذهب الليبرالي الاقتصادي على غريمه الاشتراكي بصورة حاسمة، أصبحت النظرية السياسية الليبرالية والخطاب الليبرالي العام موضوعَين للهجوم والنقد. فمن وجهة النظر الليبرالية،
يُعدّ هذا الوضع مثيرًا للقلق لأسباب تتجاوز النطاق الأكاديمي الصرف، لأنّ الحجج المستمدة من
التجربة، والتي يستخدمها النقّاد الثقافيون بصورة مقنعة جًّدًا، يسهل ترجمتها إلى خطاب شعبوي بلاغي. إن المبادئ الليبرالية، ولا سيما المبدأ القائل إن حقوق الإنسان هي حقوق كونية Universal ولا ترتبط بأيّ انتماء إلى جماعات إثنية، تتسم بالضعف الشديد في مواجهة الحركات التي تعزف على
وتر مشاعر الولاء للجماعة والعداء تُجاه الغرباء المنتشرة على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه نجد أن ثلاثة قرون من التشجيع والدعم لفكرة التوجه نحو "الطبيعة" للبحث عن المبادئ التي ننشدها، جعلت من الصعوبة بمكان مقاومة الدفاعات المتطورة والمتقنة عن حق الشعب في اتباع دوافعه التلقائية التي تبدو "طبيعية"؛ أي التي تحدث بقدر كبير من التكرار والانتظام. لا عجب إذًا (بالعودة إلى الورقة البحثية المُقدّمة في المؤتمر والتي بدأنا منها)، في أن الربط الواضح الذي يقيمه روجر سكروتون
بين الموضوعات المجتمعية الهيغلية الجديدة Neo–Hegelian Communitarian Themes والنزعة القومية الإثنية قد تولّد عنه قدر ملحوظ من التوتر لدى جمهوره. ألا يملك الليبراليون أيّ دفاع عندما يجدون أنفسهم عرضة للهجوم الذي يشنّه هذا اليمين
"الاجتماعي"؟ نظرًا إلى أن الليبراليين عادة ما يرون أنفسهم ويراهم الآخرون أيضًا عقلانيين، فإن رد
فعلهم الأول هو البحث عن أساس فلسفي مجرد لمبادئهم، ربما على غرار ما نجده في نظرية جون رولز John Rawls (2002–1921) عن العدالة. تكمن الصعوبة هنا في أنه حتى إذا كانت مثل هذه النظريات منيعة في مواجهة الهجوم الذي يكشف عن التناقضات الداخلية، فإن طبيعتها المجردة ذاتها تثير التساؤل. إن نظرية رولز، التي يحوم في أرجائها شبح حالة الطبيعة متنكرًا في هيئة الموقف
الأصلي Original Position، تقدّم لنا صورة أشخاص معزولين عن سياقهم الاجتماعي الواقعي، ومجرّدين عن اهتماماتهم وولاءاتهم الخاصة، ويشرعون في تأسيس مبادئ العدالة التي من شأنها
أن تكون عقلانية ومنزّهة عن التحيز. لكن لماذا ينبغي لأيّ إنسان قبول الاستنتاجات الافتراضية
((5(في ما يتعلق بتجاهل النزعة القومية في النظرية السياسية خلال حقبة ما بعد الحرب، ينظر:
Brian Barry, "Self–Government Revisited," in: D. Miller & L. Siedentop (eds.), The Nature of Political Theory (Oxford: Oxford University Press, 1983), pp. 122–123.
(5((ينظر على سبيل المثال النقد المجتمعي البالغ التأثير والبراعة الذي وجهه ساندل إلى رولز في كتاب المذهب الليبرالي وحدود
العدالة.
التي يصل إليها هؤلاء الأشخاص باعتبارها ذات طبيعة سلطوية وتأسيسية للمجتمعات الحقيقية، ما لم تكن الأسطورة الليبرالية حول الطبيعة البديلة التي يكون البشر فيها أحرارًا ومتساوين ويتمتعون
بحقوق راسخة تمثّل بالفعل جزءًا من بنائه العقلي وأدواته المعرفية؟ السبب وراء ذلك، كما أشار
عدد لا يحصى من النقاد منذ بيرك وهيغل، هو أن البشر الذين نصادفهم في العالم الحقيقي لا يقابلوننا باعتبارهم عيّنات مجردة من الإنسانية، بل باعتبارهم أعضاءً في جماعات، ومواطنين في أمم، ورعايا
لدول، كما أنّ حقوقهم تتسم بالتباين والتنوع بقدر تباين أوضاعهم الاجتماعية وتنوعها. ربما كان من الأفضل بالنسبة إلى الليبراليين أن يصبحوا أكثر وعيًا بالعنصر الأسطوري في تراثهم، بدلًا
من محاولة البرهنة على صحة وجهة نظرهم باستخدام الحجج المجردة. إن الارتقاء بوعيهم على هذا النحو يمكن أن يحمل معه عددًا من المزايا، من ضمنها حماية أنفسهم من السذاجة. فمنذ ثورات القرن الثامن عشر، تعرّض الليبراليون "المتمسكون بأن [...] الحقيقة واضحة في ذاتها" لخيبة أمل قاسية
عند مواجهتهم بالظواهر السياسية التي تبدو متناقضة مع رؤيتهم للعالم. وأسوةً بما أدى إليه مسار الثورة الفرنسية من إقناع جيل كامل من الليبراليين بأن بيرك كان على حق في نهاية المطاف، استُنزِفت ثقة الأجيال اللاحقة وتقوضت دعائمها في مواجهة الأحداث البغيضة التي يبدو أن مفكّري الجناح اليميني تنبؤوا بها ببصيرة اجتماعية فائقة. كانت تأملات باريتو حول النخب والصفوة، وأفكار باري حول الهوية القومية، وتأملات نيتشه حول الضغينة والحقد، وأفكار هيغل، التي أعيد اكتشافها بصورة دورية متكررة، حول اعتماد الاستقلال الذاتي للفرد على محيطه الاجتماعي، تبدو جميعها بمنزلة استعراض لجانب من الواقعية الغائبة عن الصورة الليبرالية لعالم مأهول بأفراد متساوين وأحرار، ويتمتعون بالحقوق ويؤلّفون مجتمعاتهم وحكوماتهم بالتراضي والاتفاق. ومقارنةً باليمين الاجتماعي، تبدو المبادئ الليبرالية كأنها سطحية ومفرطة في تفاؤلها؛ وهي كذلك بالفعل إذا فهمناها باعتبارها وصفًا لحال العالم وطبيعته. لهذا سيكون من الحكمة أن يتعرف الليبراليون إلى السمة الأسطورية لتفكيرهم، لأن المذهب الليبرالي لم يكن وصفًا لطبيعة العالم على الإطلاق، بل هو مشروع ينبغي تحقيقه وإنجازه. وبالطبع، يمكننا التحدث عن "طبيعة" المذهب الليبرالي المبكّر، و"النزعة الإنسانية" لعصرنا الحاضر كما لو كانا موجودَين بالفعل، لكن المغزى من التحدث عنهما هو أنهما في انتظار التحقق ولم يُخلقا بعد. إن جوهر أسطورة المذهب الليبرالي هو التأكيد على حقوق
الإنسان على وجه التحديد، لأنها ليست جزءًا من صميم بنية الكون. وإذًا، فإن الحقيقة المُفزعة التي
تخفيها الأسطورة الليبرالية هي أن المبادئ الليبرالية تتعارض مع الطبيعة الإنسانية والاجتماعية. إن المذهب الليبرالي لا يتمحور حول التخلص من بعض العقبات الطارئة والسماح للإنسانية بالكشف عن جوهرها الطبيعي، بل إنه أشبه ما يكون بزراعة حديقة وسط غابة تواصل زحفها واعتداءها باستمرار؛ فهو يحارب من أجل حقوق الإنسان لأن معظم البشر لا يملكونها، ويرسي دعائم "العدالة الطبيعية" في العمليات القانونية لأنها ليست طبيعية بالمرة، ويصرّ على التسامح مع الأقليات لأنه
يتعارض مع الولاءات الغريزية، ويعمل من أجل تحقيق السلام لأن البشر بطبيعتهم متهيئون للحرب. لا يعني ذلك أن الليبراليين في حاجة إلى تقبّل النزعة الواقعية للجناح اليميني دفعةً واحدة. فالنزعة
الواقعية لها أساطيرها الخاصة أيضًا، ولعل أبرزها الأساطير المتعلقة بالحتمية التي تؤسس لنمط غير واقعي تمامًا من المعرفة بحدود القدرة الإنسانية. لكن عنصر الحقيقة في الصور القاتمة والكئيبة التي يرسمها نقّاد المذهب الليبرالي للمجتمع والسياسة هو على وجه التحديد ما يجعل مشروع تحقيق المبادئ الليبرالية أكثر إلحاحًا. إن العالم مكان مظلم، ولذلك فهو في حاجة إلى الخلاص بواسطة
نور الأسطورة وضيائها. يشبه المذهب الليبرالي العديد من الأيديولوجيات الأخرى في كونه مشروعًا يحافظ على وجوده وبقائه من خلال سرد أسطورة حول طبيعة الإنسان والمجتمع، وهكذا ربما يكون في استطاعة أتباعه أن يتعلّموا شيئًا من التطورات الأخيرة في التقليد المنافس. فبعد قرون من التمسك بأسطورة الثورة الحتمية، أصبح الماركسيون مؤخرًا أكثر استعدادًا للاعتراف بأن توقعاتهم وتنبؤاتهم لم تكن علمية.
وعلى هذا الأساس تولّدت رغبة جديدة للحديث عن المذهب الاشتراكي باعتباره "يوتوبيا" بدلًا من إدانة اليوتوبيات والتبرؤ منها باسم الاشتراكية العلمية. إن اشتهار الليبراليين بالعقلانية يجعل من اعترافهم بأساطيرهم أمرًا صعبًا، ولذلك فإنهم يجدون نوعًا من الراحة في المشهد الذي يتوافق
فيه الاشتراكيون مع الجوانب اللاعقلانية في أيديولوجيتهم. ومهما كان فقدان اليقين الذي استمده الاشتراكيون أو الليبراليون في السابق من "العلم" أو "الطبيعة" أمرًا مزعجًا، فإن إحدى المزايا العظمى
للتعرف إلى العناصر اليوتوبية والأسطورية في فكرهم هي أن ذلك سوف يعينهم على النجاة من الوقوع في أسر ما يسمّى بالمذهب اليوتوبي Utopianism؛ وهو ما يعني تجنّب الإفراط في الاستهانة بالصعوبات العملية التي تعترض سبيل تحقيق مشروعاتهم. كان من الممكن لمزيد من الوعي بالفجوة بين الأسطورة والواقع أن يمثّل نعمة عظيمة بالنسبة إلى البلشفيين عام 9171، وهي نعمة يحتاج إليها البعض من الليبراليين المعارضين للعنصرية في الوقت الحاضر.
رابعًا: مخططات مقترحة للّيبراليين
ربما يكون من المفيد للّيبراليين الآن أن ينقذوا أنفسهم من خيبة الأمل والسذاجة السياسية بالتعرف إلى طبيعة العنصر الأسطوري في بنية تفكيرهم، ولكن كيف يمكن أن يساعدهم ذلك على مواجهة نقادهم من اليمينيين؟ أليس من شأن هذا أن يضعهم في موقف أكثر ضعفًا وعجزًا؟ وعلى وجه الخصوص، كيف يمكن ذلك أن يساعد الليبراليين من جمهور المؤتمر الذي بدأنا بمناقشة أحداثه، أو يعفيهم من الشعور بالإحراج عند مواجهة أفكار غير مستساغة حول المجتمع الإثني، وجدوا أنفسهم يتذمرون منها بطريقة بعيدة عن الروح الليبرالية تمامًا ويهمسون بأنها قد تكون صحيحة، ولكن من الأفضل عدم التصريح بذلك؟ إذا عُدنا الآن إلى معضلتهم، سنرى على الفور أن فكرة النقاش الحر اللامحدود، التي تمثّل مكونًا جوهريًا في التراث الليبرالي، تبدو في هيئة مختلفة تمامًا بمجرد انتباهنا للعنصر الأسطوري في المذهب الليبرالي ووعينا به.
. Vincent Geoghegan, Utopianism and Marxism (London: Methuen, 1987) (5(قارن ذلك بكتاب:(
في الأوقات التي كانت فيها أسطورة الطبيعة البديلة Alternative Nature في ذروة قوتها ومن ثم تُعامل باعتبارها حقيقة، كانت مسألة النقاش الحر تعتبر أمرًا في منتهى البساطة. لقد بدت المبادئ
الليبرالية، إذا جاز القول، كأنها منحوتة على وجه الكون ليراها الجميع، ولم يكن في استطاعة أكثر النقاشات السياسية حريةً أن يفعل شيئًا بخلاف التعجيل بانتصارها من خلال تسليط الضوء عليها. وعلى غرار الماركسيين الأرثوذكسيين الذين اعتقدوا أن الانتكاسات المؤقتة سوف تؤدي إلى الانتصار في نهاية المطاف، كان في استطاعة الليبراليين الأرثوذكسيين تحمّل رفاهية اتخاذ موقف متراخٍ في
مواجهة النقد العلني لمبادئهم. لكن بمجرد إدراكنا لحقيقة الأسطورة الليبرالية، تتلاشى هذه الصورة المتفائلة. إن المبدأ الليبرالي الخاص بالنقاش الحر لا يدعم بالضرورة انتصار المذهب الليبرالي، بل من المرجح أنه يساعد على إبراز الفجوة بين الأسطورة الليبرالية والخبرة الاجتماعية. وبإمعان النظر في إسهامات مثقفي الجناح اليميني في انتصار المذهب الفاشي من خلال القضاء على فكرة المساواة الطبيعية لصالح التراتبية الطبيعية، والصراع وحق الأقوى، لا نستطيع إنكار أن النقاش الحر قد يؤثّر سلبيًا في المبادئ الليبرالية، وربما تتجاوز تأثيراته حدود أسوأ ما يدور بمُخيلة النقاد أنفسهم. بعبارة
أخرى، وعلى خلاف الافتراضات التقليدية، يصعب أن يكون الإطار الأمثل للمذهب الليبرالي ملتزمًا
تمامًا بالنقاش الحر، بل يجب بالأحرى أن يحافظ على النقد الراديكالي في حدود ملائمة من خلال
الرضوخ العام لسلطة أسطورة مفيدة وتبجيلها. ليس هذا بالاستنتاج المريح أو المطمئن للمفكر الليبرالي. ولا شك في أن هناك العديد من المفكرين السياسيين، منذ أفلاطون فصاعدًا، ممن قبلوا ودافعوا عن توظيف الأساطير النافعة في مجال السياسة، لكن لم يكن أٌّيٌ منهم ليبرالًّيًا. على أيّ حال، كيف يمكن أن يدافع الليبراليون عن أسطورتهم في
مواجهة النقاد اليمينيين؟ يصعب القيام بذلك باستخدام الرقابة أو بإخراس المتحدثين المتعصبين، لأن هذه الطرق تؤدي مباشرةً إلى تدمير المبادئ الليبرالية الخاصة بالحريات الفردية، والتسامح مع الأقليات وما شابهها. لا يستطيع الليبراليون إسكات النقاد اليمينيين، ولا يمكنهم دحض مزاعمهم. لكن ما يستطيعون القيام به، على الرغم من ذلك، هو اللجوء إليهم وطلب مساعدتهم، شرط أن يكون هذا بلغةٍ يستطيعون فهمها والاستجابة لها، لأن النقاشات والحجج مُستعارة من المذهب المحافظ
ذاته. يستطيع الليبراليون الاستعانة بضبط النفس والاعتدال في النقد العلني للمبادئ الليبرالية باسم الفضائل البيركية المتمثلة في الحصافة، والنزوع العملي، وعدم الثقة بالعقلانية المجردة، ومراعاة الظروف واحترام الخبرة والتجربة، ومن خلال هذه المساعدة يمكن أن يكتمل النقاش. يمكننا في المقام الأول أن نحثّ المحافظين على التفكير مليًا في التأثيرات المحتملة لخطابهم قبل
أن يشرعوا في الحديث. يشعر المثقفون، سواء أكانوا ينتمون إلى اليمين أم اليسار أم الوسط، بالميل
((5("ليس ثمة قاعدة يمكن الاعتماد عليها مثل القاعدة التي مؤداها أن كل ما يعد 'حقيقيًا وصائبًا' سوف يكتب له الفوز في النهاية،
وكلما ازداد عنف المقاومة، كانت هذه القاعدة أكثر رسوخًا وثباتًا في نهاية المطاف". ينظر:
Joseph Priestley, "Political Dialogue (1791)," in: John Towill Rutt (ed.), The Theological and Miscellaneous Works of Joseph Priestley , vol. 25 (London: G. Smallfield, 1817–1832), p. 106.
لمتابعة سلسلة أفكارهم المترابطة مهما كان مآلها. وفي أغلب الأوقات، رأى الليبراليون، على وجه الخصوص، أن ذلك يمثّل التزامًا أخلاقيًا، وواجبًا يدينون به للتنوير. ويُعدّ نيتشه، الذي سجّل لنا
شعوره بالإعياء من جراء التحديق في الهاوية التي قادته إليها تأملاته الأخلاقية، مث لًا ورمزًا بطوليًا
لهذا النوع من الالتزام الأخلاقي. لكن هذا الموقف من الأفكار بعيد عن الروح المحافظة تمامًا لأنه
يتسم بعدم المسؤولية. إنه لا يضع في الاعتبار الظروف المحددة لفحص الأفكار موضع المساءلة، أو تأثيراتها الاجتماعية المحتملة في المصالح العامة، لأنّ المفكر المحافظ الحقيقي لن يدع الجنّي
يفلت من المصباح من دون مراعاة الدمار الذي يمكن أن يحدثه. وعلى وجه التحديد، سوف يراعي المفكر المحافظ طبيعة الجمهور الذي يخاطبه، وسوف يقدّر جيدًا من يتداولون أفكاره وما يمكنهم أن يفعلوا بها. إنّ الاعتقاد أن جميع البشر عقلانيون وخيّرون لا ينتمي
إلى بناء المذهب المحافظ، بل على العكس من ذلك، لطالما اعتز اليمينيون بواقعيتهم في مثل هذه الأمور. لذلك سيتذكر المفكر المحافظ أن الأفكار السياسية التي يؤمن بصدقها وحقيقتها؛ أي الأفكار التي تعبّر واقعيًا عن طبيعة الإنسان المتحجرة، يمكن لهذا السبب تحديدًا أن تروق لجمهور عريض
وتؤدي إلى الابتذال. إن تذكّر المخاطر المتعلقة بالتبسيط المفرط، وبالتعقيدات السياسية التي أكّد عليها أسلافه بقوة، من شأنه أن يجعل المفكر المحافظ في حالة من التردد قبل أن يسجّل أو يصرّح
بشيء يمكن، على سبيل المثال، أن يزود حزب الجبهة الوطنية بالدعم والعون. إذا كان المفكر المحافظ صادقًا في التزامه بالتراث الذي ينتمي إليه، فسوف يتذكر أن الحضارة ضعيفة وهشة، وأن بقاءها يعتمد على العناية بالمؤسسات التي بُنيَت بجهد وعناء عبر الأجيال: مؤسسات
القانون والنظام، وطقوس العدالة وجميع آداب السلوك في الحياة، بما في ذلك أسلوب النقاش العلني. لا ينبغي أن يفوقه أحد في الوعي بأهمية الانضباط في المجتمع، والانضباط الذاتي أيضًا، ولا ينبغي أن يفوقه أحد في كراهية مذهب العفوية والتلقائية، والتعبير عن الذات، و"الإفصاح عن جميع الأفكار علنًا". وبتذكّره الدائم لحكمة بيرك التي مفادها أن "الغضب والحماسة يستطيعان في
نصف ساعة أن يعصفا بأكثر مما تستطيع الحكمة والتأني والبصيرة بناءه في مئة عام"، لن يفكر فقط في الدمار المتولد عن سذاجة الليبراليين في الثورة الفرنسية، ولكنه سيفكر أيضًا في الفظائع الأبعد غورًا للنازية، والتي ساهم المثقفون اليمينيون في خلقها. وهكذا، فإنه بدلًا من الاندفاع في الكتابة،
سيأخذ في الاعتبار المسؤوليات الملقاة على عاتق الكاتب الذي يتناول الشأن السياسي، خاصة إذا كان يأمل في الانتشار الواسع لكتاباته. وإذا وضعنا في الاعتبار أن النغمة السائدة في الصيغة المبكرة من المذهب الليبرالي كانت الهجوم على اللاعقلانية والمؤسسات التقليدية مثل الكنيسة وسلطة الملوك، فسنتفهم تمامًا وقوع المفكرين
اليمينيين فريسة لإغراء الانتقام من خلال إسقاط الأسطورة الليبرالية باستخدام سلاح الواقعية
(56) Friedrich Nietzsche, Beyond Good and Evil (Harmondsworth: Penguin, 1973), p. 35.
((5(الجبهة الوطنية NF هو المسمى الذي يطلق على الحزب اليميني الفاشي في المملكة المتحدة. (المترجم)
(58) Burke, p. 164.
الاجتماعية فائق الخطورة. ومع ذلك، يجب على المفكر المحافظ في مواجهة هذا الإغراء تذكّر أن العقلانية النقدية نادرًا ما تتلاءم مع أسلوبه في التفكير. كان الموقف التقليدي للمفكرين المحافظين
هو التشكك في العقلانية والوعي بقيمة التحيز، والإيمان، والأساطير في مجال السياسة. لذلك، وقبل أن يركّزوا هجومهم على العنصر الأسطوري في المذهب الليبرالي، أعتقد أنهم سيحسنون أداء مهمتهم لو فكروا في إذا ما كان الاعتقاد في وجود حقوق كونية للإنسان يقوم على مبررات عقلانية، بل في إذا ما كانت الحصيلة النهائية لهذا الاعتقاد تقدّم نوعًا من النفع الاجتماعي. هل يعدّ المجتمع الذي يغيب عنه هذا الاعتقاد، مثل ألمانيا النازية، أفضل حقًا من المجتمع الذي يدين به؟ في هذه الأمور، نجد أن المفكر المحافظ الحقيقي سيهتدي بالخبرة وسيرنو ببصره صوب التاريخ ويتفحّصه بعناية بالغة ليواصل طريقه بحذر وحكمة. عندما قرأ دي توكفيل كتاب صديقه جوزيف آرثر
دي غوبينو Joseph–Arthur de Gobineau (882–18161)، "عن اللامساواة بين الأعراق البشرية"، والذي يُعدّ بمنزلة أحد المصادر الرئيسة للتعصب العرقي في القرن التاسع عشر، علّق عليه قائلًا:
"من المرجح أنه زائف ومخاتل، ومن المؤكد أنه خبيث وشرير". وفي مواجهة إغراء الكشف عن أسطورة المذهب الليبرالي وتعريتها، لربما تمكّن المحافظون من أداء مهمتهم على نحو أكثر إتقانًا إذا أعاروا إبطال الحجج التي يستخدمها خصومهم قدرًا أقَّلَ من الاهتمام، وأولوا التأثيرات المدمرة
الناجمة عن تقويض سمعتهم ومكانتهم في الخطاب السياسي مزيدًا من العناية.
References
المراجع
Arendt, Hannah. On Revolution. London: Faber & Faber, 1963. _______. The Origins of Totalitarianism. London: George Allen & Unwin, 1967. Bramson, Leon. The Political Context of Sociology. Princeton: Princeton University Press, 1961. Burke, Edmund. Reflections on the French Revolution. London: Dent, 1910. Cassirer, Ernst. The Myth of the State. London: Oxford University Press, 1946. Eliade, Mircea. Myths, Dreams and Mysteries. London: Collins, 1960. Filmer, Robert. Patriarcha and Other Political Works. Peter Laslett (ed.). Oxford: Basil Blackwell, 1949. Gellner, Ernest. Legitimation of Belief. Cambridge: Cambridge University Press, 1974. Geoghegan, Vincent. Utopianism and Marxism. London: Methuen, 1987. Gutmann, Amy. "Communitarian Critics of Liberalism." Philosophy and Public Affairs. vol. 14, no. 3 (1985). Lively, Jack (ed.). The Works of Joseph de Maistre. London: Allen and Unwin, 1965
((5(ورد هذا الاقتباس في:
Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism (London: George Allen & Unwin, 1967), p. 158.
Locke, John. Two Treatises of Government. Peter Laslett (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1964. Lucas, Paul. "On Edmund Burke’s Doctrine of Prescription; Or, An Appeal from the New to the Old Lawyers." The Historical Journal. vol. 11, no. 1 (1968). MacIntyre, Alasdair. After Virtue. London: Duckworth, 1981. Mill, John Stuart. Utilitarianism: Liberty and Representative Government. London: Dent, 1910. Miller, D. & L. Siedentop (eds.). The Nature of Political Theory. Oxford: Oxford University Press, 1983. Nietzsche, Friedrich. Beyond Good and Evil. Harmondsworth: Penguin, 1973. Nisbet, Robert. The Sociological Tradition. London: Heinemann, 1967. Oakeshott, Michael. Rationalism in Politics. London: Methuen, 1962. O’brien, Conor Cruise. The Suspecting Glance. London: Faber and Faber, 1972. Paine, Thomas. The Rights of Man. London: Dent, 1915. Rutt, John Towill (ed.). The Theological and Miscellaneous Works of Joseph Priestley. London: G. Smallfield, 1817–1832. Sandel, Michael. Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge: Cambridge University Press, 1982. Scruton, Roger. The Meaning of Conservatism. London: Macmillan, 1984. The Political Thought Conference." Paper Presented at The New College, Oxford, January 1988. Tudor, Henry. Political Myth. London: Pall Mall, 1972. Waldron, Jeremy (ed.). Nonsense Upon Stilts. London: Methuen, 1987.