مراجعة كتاب قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد لبيير روزانفالون
Book Review: The Populist Century: History, Theory, Critique By Pierre Rosanvallon
الملخّص
عنوان الكتاب: قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد. المؤلف: بيير روزانفالون. المترجم: محمد الرحموني. الناشر: بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 295.
Abstract
Book title: The Populist Century: History, Theory, Critique. Author: Pierre Rosanvallon. Translator: Muhammad Al-Rahmouni. Publisher: Doha/ Beirut: Arab Center for Research and Policy Studies. Date of Publication: 2022. Pages: 295.
- الشعبوية
- التاريخ
- النظرية
- النقد
- The Populist
- History
- Theory
- Critique
عنوان الكتاب: المؤلف: بيير روزانفالون. المترج م: محمد الرحموني. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد.
بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مقدمة
برز مصطلح الشعبوية في السنوات القليلة الماضية، وشاع تداوله في وسائل الإعلام وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لوصف تيارات أو شخصيات سياسية، سواء في مواقع السلطة أم المعارضة، في عدد من الدول. ودخل المصطلح دائرة الاهتمام الأكاديمي أيضًا، فصدرت دراسات ومؤلفات تتناوله بالشرح والتأريخ والتفسير، ومن هذه المؤلفات، كتاب قرن من الشعبوية: التاريخ والنظرية والنقد، للمؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي بيير روزانفالون، رئيس كرسي التاريخ الحديث والمعاصر في الكوليج دو فرانس، ومدير الدراسات بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية. يضمّ الكتاب مقدمةً وأربعة عشر فصلًا وخاتمة، موزّعة على ثلاثة أقسام، مع ملحق عن تاريخ عبارة "الشعبوية". يقرّ روزانفالون، في مقدّمة كتابه، بالغموض الذي تنطوي عليه عبارة "الشعبوية"، ويرى أنها "مضِّلِلة؛ إذ تسمّى جملة من التحّولّات السياسية المعاصرة بتسمية واحدة، في حين أن هذه التحّولّات تتطلب مقدرة كبيرة للوقوف على تعقيداتها ودوافعها العميقة" (ص. 71)، فيدعو إلى الحذر والتحلّي بالوعي السياسي والدقة العلمية الضروريين للخوض في الموضوع والتعامل مع هذا المفهوم الملتبس، من دون أن يعني ذلك التخلّي عن استعمال العبارة، لسببين: "في المقام الأول بيّنت الوقائع أنّ لا غنى عن استعمالها رغم غموضها. ويعود الفضل في سريانها على الألسن والأقلام رغم كلّ التحفظات التي سقناها، إلى كونها تستجيب بطريقة ضبابية وملحّة في الآن نفسه إلى الحاجة الماسة لاستعمال لغة جديدة لوصف هذا البُعد غير المسبوق الذي طبع المرحلة السياسية الجديدة التي انطلقت في مطلع القرن الحادي والعشرين؛ وإلى عدم وجود عبارة أخرى تنافسها في النهوض بهذه الوظيفة إلى حدّ الآن" (ص. 8)1 وهو يعتقد أنّ "الكتابات الأخرى" تناولت الظاهرة بالتوصيف، من دون بحث معمّق، ويفترض أنّ الشعبوية أيديولوجيا ذات مشروع وأساس نظري؛ لذا يهدف كتاب روزانفالون "إلى رسم تصوّر أوّلي لهذه النظرية الغائبة. ويطمح إلى أن يُنجزها بلغةٍ تسمح بمقاربة جذرية للفكرة الشعبوية. وهذا ما يفترض التعامل معها على أساس أنها تشِّكِل الأيديولوجيا الصاعدة التي تسم القرن الحادي والعشرين" (ص. 23)، داعيًا إلى التعامل مع الشعبوية "باعتبارها حلًا مقترحًا لمشكلات العصر"، قبل التعامل معها باعتبارها مشكلة (ص. 31). ويبيّن أنّ بعض الشعبويين ينتقدون الديمقراطية الليبرالية، ويعدّون أنفسهم من ال "ديمقراطيين" غير الليبراليين.
أولا: الشعبوية: عناصر وسمات أساسية
يأتي القسم الأولمن الكتاب بعنوان "تشريح الشعبوية"، وتتناول فصوله عرضًا للعناصر والسمات الأساسية للثقافة السياسية الشعبوية، وفق تحليل المؤلف، وهي تصُّوُر للشعب: الشعب واحد، نظرية في الديمقراطية، طريقة للتمثيل، سياسة وفلسفة في الاقتصاد، خطة لإثارة الأهواء والمشاعر. بحسب روزانفالون، "ينبني المشروع الشعبوي لإعادة تأسيس الديمقراطية عبر إعادة محورتها حول فكرة الشعب في المقام الأول على التخلّي
عن تحليل العالم الاجتماعي بمنظور طبقي"، ويتوقف عند تحليلات اثنين من أهمّ المدافعين عن الشعبوية من اليساريين؛ هما: إرنستو لاكلو وشانتال موف، اللذان "لاحظا أنّ مسألة الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج المترتبة عليها ما عادت هي السبب الوحيد أو حتى الرئيس المحدد للتقسيم الاجتماعي المعاصر. ففي الواقت الراهن، اتّسعت الصراعات التي تصوغ الفضاء العمومي لتشمل فضاءات جديدة شأن العلاقات بين الرجال والنساء والتفاوت بين المناطق ومسألة الهوية والتمييز، ولتشمل كذلك كلّ ما يُستشف منه اعتداء على كرامة الأشخاص وكلّ ما لا يستطيعون تحُّمُله من أشكال التهميش والهيمنة" (ص. 37). وتعمل الشعبوية على تعيين "عدو الشعب"، وهذا التعيين "لا يرتكز على حقيقة وجود تضارب في المصالح أو تناحر على السلطة فحسب، وإنما هو ذو بُعد غرائزي، مردّه الخوف من التهميش والاحتقار وغياب التعاطف"، مركّزة كثيرًا "على الدور القوي للانفعالات في التجييش السياسي وفي تشكيل الاعتقاد بوجود عوالم خارجية متصارعة، تثبّت منارات [حدود] بين "نحن" و"هم"، يصعب تخطّيها" (ص. 39). فالشعبوية لا تكتفي بإعادة تحديد مفهوم "الشعب"، إنما تذهب إلى نفي التنوع وتعدّد الاتجاهات والآراء داخله، فهو واحد في مواجهة "الآخرين/ أعداء الشعب"، وهم قد يكونون من السياسيين أو الإعلاميين أو المهاجرين أو الأجانب. وعن وصف الشعبوية بأنها "نظرية في الديمقراطية"، يرصد المؤلف ثلاث خصائص للتصور الشعبوي للديمقراطية، وهو تصوّر "يسعى في المقام الأول لإعطاء الأولوية للديمقراطية المباشرة، وذلك بالدعوة خاصة إلى تكثيف الاستفتاءات التي تكون بمبادرة شعبية. وفي المقام الثاني يدافع عن مشروعٍ لإرساء ديمقراطية استقطابية، منتقدًا الطابع غير الديمقراطي للهيئات غير المنتخبة وللمحاكم الدستورية. وأخيرًا يشيد، وهذا هو بيت القصيد، بالتعبير الشعبي الآني والعفوي" (ص). 44 ويمكن ملاحظة ولع الحكومات الشعبوية حول العالم باللجوء إلى الاستفتاء، "لتركيز شرعيتها، وفي أغلب الحالات لزيادة صلاحيات السلطة التنفيذية. وهكذا أضحت الاستفتاءات بمنزلة قرارات للتنفيذ" (ص. 46) يشرح روزانفالون مسألة "التمثيل" في الشعبوية، بالعودة إلى شعبوية أميركا اللاتينية في أواسط القرن العشرين، حيث التعارض بين الشعب والنخبة كان أكثر التعارضات وضوحًا لدى المواطنين، في بلدان قليلة التصنيع، لم تكن مجتمعاتها مهيكلة في طبقات، "وفي هذا السياق برزت موضوعة الرجل الأمة". ويقتبس عن خورخي إلييثير جايتان Jorge Eliécer Gaitán (948–18981)، الزعيم الكولومبي البارز في الثلاثينيات والأربعينيات، قوله: "لست فردًا، بل أنا شعب [...] وهو ما استلهمته الشعبويات اللاحقة التي ظهرت في أرجاء القارة الأميركية" (ص. 54)، ويعدّ خوان دومينيغو بيرون Juan Domingo Perón 1–895(9741) وهوغو تشافيز Hugo Chávez 1–954(2013)، ممن استلهموا هذه الفكرة. غير أنّ فكرة "الرجل الأمة" لم تقتصر على شعبويات أميركا اللاتينية، ذلك أنّ "الصعود القوي للشعبويات في كلّ أنحاء العالم بيّن بكلّ وضوح أنّ تصُّوُر الزعيم في صورة "الرجل الأمة"، يكشف عن رؤية للتمثيل السياسي، تعطي لكلّ هذه الشعبويات ميزة عامة مشتركة. ففي أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا في عام 9951 رفعت الجبهة الوطنية في
ملصقاتها شعار "لوبان هو الشعب" (ص. 56) تشكّك الشعبوية في جدية التمثيل البرلماني وصحته في الديمقراطية الليبرالية؛ لذا يصرّ القادة الشعبويون على التصاقهم بالشعب، فهم هو، وهو هم، من دون توسّط الأحزاب السياسية والهيئات المنتَخبة. يدلّل المؤلف على استمرار هذا النهج لدى سياسيين شعبويين معاصرين، مثل الفرنسي جان "الذي Jean–Luc Mélenchon لوك ميلونشون أيقن أنّ شخصنة السلطة أمر "لا يُطاق"، وتمنى في الآن نفسه "مواصلة المشروع الشعبي حتى ينجَز". وهو نفسه الحائر والمصمم في الوقت ذاته على أن يتقمّص دور الرجل الأمة، مسوّغًا بذلك اعتناقه الشعبوية. وعندما سُئل عن الطريقة التي يضمن بها جمع الأتباع من عوام الناس أجاب: "يمكنكم الفناء في شخصي [...] الأشخاص الذين أصادفهم في الشارع وفي الحافلة وفي المترو يدركون غريزًّيًا من هو معهم" (ص. 58). وقال، في تصريحات نقلتها صحيفة لوموند: "الجمهورية؟ ما هي الجمهورية؟ أنا الجمهورية"، "شخصي مقدّس"، "لم أعد جان لوك ميلونشون، أنا سبعة ملايين شخص" (ص. 58)، ويقصد هنا عدد الذين صوّتوا له في الانتخابات الرئاسية. والمثال الثاني هو الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Donald Trump الذي "لم يتردد في القول في خطاب التنصيب في مؤتمر الحزب الجمهوري: أنا صوتكم" (ص). 59 ويرى روزانفالون أنّ "تأكيد هذا التطابق هو في حدّ ذاته برنامج سياسي. إنّ جوهر السياسة الشعبوية، وبقطع النظر عمّا تصوغه من العروض الإصلاحية، يتأسس على الكلمة المجسَدة ذات البعد الوجودي بمعنى ما. إنه خطاب يتوجّه إلى العواطف والعقل معًا" (ص. 59) يُعاين الكتاب الجانب الاقتصادي للشعبوية، من خلال فكرة "الحمائية القومية" التي تظهر في موقف الشعبويين السلبي من المجموعة الأوروبية، وترتبط بتحليل ظاهرة الهجرة. فالخطابات الشعبوية تُصِوِّر تنامي الهجرة على أنه "مسار مفروض على الدول من الطبقات المسيطرة، بحثًا عن يد عاملة رخيصة، من دون أن تحظى بأِّيِ تسويغ ديمقراطي صريح. إنّ الأمر يؤدي في نظر الشعبويين إلى التفاف غير مقبول على الإرادة الشعبية، وهو حصيلة استراتيجيا رأسمالية أدّت إلى تفكيك طبقات المجتمع وإضعاف الطبقات الشعبية من السكان الأصليين. ولمّا تمّ توسيع دور الحمائية لتشمل مراقبة موجات المهاجرين، اعتُبرت مساهمة في تعزيز السيادة الشعبية" (ص. 64). عمدت الشعبوية إلى التركيز على ضبط الحدود، تحت مظلة مزاعم حماية الاقتصاد وحركة البضائع والأفراد، الذي يأتي في إطار رؤية واسعة للأمن، حيث يهدف إلى استبعاد الجماعات التي تُعتبر تهديدًا للتماسك الوطني. تتضمن هذه المقاربة أيضًا مفهوم انعدام الأمن الثقافي، حيث تُدمج فيه الأيديولوجيات التي تشكل تهديدًا لهوية الشعب، وحيث يُنظر إلى المسلمين بصفتهم خطرًا مشتركًا. ومن ثم، يعني الاستقلال الدفاع بالوسائل كلها عن هوية الشعب وتماسكه. وبهذه الطريقة، تشكل مختلف جوانب الحماية القومية محورًا رئيسًا للثقافة السياسية الشعبوية (ص. 67) آخر خصائص الشعبوية التي عدّدها روزانفالون، هي أنها "خطة لإثارة الأهواء والمشاعر" (ص. 23)، وهنا يقتبس عن ميلونشون، بوصفه "أحد السياسيين القلائل الذين حلّلوا هذه الظاهرة بشكل جيّد، لذلك دعا السياسيين إلى أن يولوا المشاعر مكانةً في تعبيراتهم السياسية:
كسياسيين كنا نتحدث عن 'الشعب' و'الطبقة العاملة' و'الحزب' و'الجماهير' بصيغة الغائب المبني للمجهول. أمّا اليوم، فنتحدث عنهم بصيغة المتكلم المفرد: 'أنا'. ويبدو أنني أدّيت دورًا ما في هذا التحوّل" (ص 72 ما يُبرز)؛ قدرة الشعبويين على استثارة مشاعر الجمهور وانفعالاته لتحويلها إلى مواقف سياسية. يربط المؤلف رواج نظرية المؤامرة في الأوساط الشعبوية بما يسميه "مشاعر الغموض والعجز العام التي يشعر بها العديد من المواطنين" (ص. 75)، ويرى أنها "تندرج في الغالب في إطار عقلنة متخَّيّلة تعويضية. وبالفعل، فالتفاسير التآمرية لما يحدث في العالم هي محاولة لإضفاء الانسجام على عالم يبدو لأصحاب هذه التفاسير محيّرًا ومخيفًا" (ص. 75). ويتحدث عن "وظيفة ذهنية وسياسية تؤديها نظرية المؤامرة"، فهي "تعكس شعورًا متفشّيًا بالحرمان والتأثيم، هو مصدر آلام البشر. هذه الوظيفة الذهنية والسياسية تُعزّزها وظيفة سيكولوجية؛ إذ تُوفّر هذه النظريات إجابات بسيطة وسهلة عن المشاكل التي تواجه الناس" (ص. 76)، وهذا التبسيط من سمات الخطابات الشعبوية على اختلافها. يفترض روزانفالون أن "سجلّ الأهواء والمشاعر هو العامل الحاسم لدراسة 'الشخصية الشعبوية'" (ص. 80)، ويؤكّد أن الغضب والمخاوف هما من العوامل الانفعالية والنفسية الدافعة إلى انضمام الأفراد إلى الحركات الشعبوية، حيث تمتلك هذه الحركات القدرة على تجاوز الحدود العاقلة لإثارة مشاعر الاستياء ومنح الأفراد الفرصة للانتقام. وعلاوة على ذلك، يُعزّز تبني الأفكار الشعبوية شعور الانتماء إلى مجموعة تتبنى أفكارًا معارضة للفكر السائد؛ ما يمكّن الفرد، في الوقت نفسه، من الابتعاد عن الواقع كما هو متجٍّلٍ في معظم الأحيان (ص. 80) يختم المؤلف القسم الأول (تشريح الشعبوبة) بأنّ السمات الخصوصية للمثال النموذجي للشعبوية تتحدد بتغيّر الواقع، "ففي كلّ مرّة يتخذ صورة مخصوصة، انطلاقًا من رجوح أحد عناصره على الأخرى. وهكذا، فإنّ معطيات السياق التاريخي، ومتغيرات الوضع الجيوسياسي، ووضع المؤسسات، ومكانة الدين في المجتمع، وملامح الشخصيات السياسية المعنية وغيرها من المعايير، كلّها ترسم مظاهر أساسية تؤهلنا للحديث عن الشعبويات (في صيغة الجمع)"، مؤكدًا ثلاث سمات ينبغي كشفها لفهم المسألة: الأولى، هناك بيئة مناسبة تدعم الفكرة الشعبوية حاليًا، سواء كانت هناك حركات شعبوية محددة أم لا. والثانية، وجود فارق بين الحركات الشعبوية والأنظمة الشعبوية، حيث تُضفي الأنظمة بمؤسساتها الطابع الرسمي على مبادئ الحركات الشعبوية. وتكمن السمة الثالثة في التحدي الذي يثيره وجود "شعبوية يسارية" بشكل مميز من "شعبوية يمينية" (ص. 81)
ثانيًا: في تاريخ الشعبوية
يتتبع روزانفالون في القسم الثانيمن الكتاب "المراحل التاريخية للشعبوية"، مستهلًا بحثه ب "الشعبوية القيصرية والديمقراطية اللاليبرالية في فرنسا"، حيث تجلّت الشعبوية في جوهر القيصرية ومقاربتها سيادة الشعب، التي "تندرج في إطار ثلاثي: تصُّوُر للتعبير الشعبي يرتكز على الاستفتاء كإجراء مفضّل؛ وفلسفة للتمثيل السياسي، يتجسّد بمقتضاها الشعب في شخص الزعيم؛ ورفض للهيئات الوسيطة التي تحول
دون التواصل المباشر بين الشعب والسلطة. ورغم اعتراف القيصرية بأنّ للشعب سلطة إضفاء الشرعية على الحكام وسلطة معاقبتهم (من طريق الانتخابات المنظَمة بحرّية)، فإنّها لا تعترف بالحريات العامة (حرية الصحافة، حرية التنظيم الحزبي... إلخ)، بحجة أنها تعرقل التعبير الحر والآني للإرادة العامة. إنّ الشعب وفق هذا التصوّر كٌّلٌ لا يتجزأ (ص. 011)، وهو ما يجده أيضًا في عهد الجمهورية الفرنسية الثانية تحت حكم لويس نابليون، وموقفه من الأحزاب ونظام الانتخاب، ومفهوم الشعب والعلاقة بالصحافة. ينتقل بعدها المؤلف إلى الأعوام بين 8901 و 9141، التي رأى أنها شهدت تحوّلًا مزدوجًا "على المستوى السياسي: عرفت تلك الفترة أولى أزمات النموذج الديمقراطي. وعلى المستوى الاقتصادي، جاءت صدمة 'العولمة الأولى'، حيث اندلعت موجة من كراهية الأجانب ودعوة إلى اعتماد سياسة حمائية أدّتا إلى محو الخطوط الفاصلة بين الأحزاب، وإلى إعادة رسم الإشكاليات التي تؤسس للثقافة السياسية" (ص 9 11). ثم يشير إلى تنامي التشكيك والنقد الموجّه إلى النظام الديمقراطي في تلك المرحلة، ورواج الكتابات الساخرة التي تهاجم النظام الانتخابي التمثيلي ودور الأحزاب فيه، مع اهتمام متزايد بفكرة الاستفتاء، لتجاوز عيوب النظام التمثيلي. فضلًا عن تصاعد أيديولوجيا الحمائية القومية، وعلاقتها بانتشار ظاهرة هجرة العمالة وانتقال رؤوس الأموال، في ظل التوسع الإمبريالي الفرنسي والبريطاني، ووصول أعداد هائلة من العمال الأجانب إلى دول أوروبا الصناعية والولايات المتحدة الأميركية. وتحت عنوان "المختبر الأميركي اللاتيني"، يسلّط روزانفالون الضوء على الشعبوية في أميركا اللاتينية، وكيف دخلت عبارة "الشعبوية" حيّز الاستعمال في اللغة السياسية العادية في القرن العشرين، "لنعت الحركات والأنظمة الأميركية اللاتينية. ولذلك ظلّت العبارة تُستخدم إلى وقت قريب لوصف نظام تشافيز في فنزويلا، ونظام رفاييل كوريا Rafael Correa في الإكوادور، ونظام إيفو مورالس Evo Morales في بوليفيا. لقد كان ثلاثتهم ورثة تاريخ دشّنه قبلًا خورخي إليسير غيتان في كولومبيا وخوان بيرون في الأرجنتين، في منتصف القرن العشرين في القارة الأميركية" 37 (ص. 1). ويرى روزانفالون أن وصفهم ب "الشعبويين" أتى نتيجة امتناعهم عن التصنيف السياسي الشائع؛ إذ إن هؤلاء ليسوا متمسكين بأي توجّه سياسي معيّن، فهم ليسوا من اليمين، ولا من اليسار، ولا يمكن تصنيفهم تحت تصنيف رأسماليين أو اشتراكيين. تُستخدم هذه العبارة الغامضة من نقّادهم للتعبير عن استيائهم من مزيج غير محدد شعروا به، حيث تتداخل فيه محاولاتهم للدفاع عن المبادئ الديمقراطية مع توجّهاتهم الشمولية. كما يُعبّرون عن دهشتهم من الأسلوب الفريد الذي اعتمدوه في حملاتهم الانتخابية وخطاباتهم الرسمية، والذي لم يسبق له مثيل (ص. 137) يقتبس المؤلف عبارات من خطابات غيتان وبيرون للتدليل على شعبويتهما، مع الإشارة إلى تأثّرهما بالفاشية الإيطالية التي عايشاها في الثلاثينيات. مع ذلك، يؤكّد أنهما لم يصفا نفسيهما بأنهما "شعبويان"، فلم تكن عبارة "الشعبوية" تُستخدم على نطاق واسع من المهتمين بالواقع الأميركي اللاتيني إّلا في بداية ستينيات القرن العشرين. ويكشف اعتمادهم على
هذه العبارة عن التحدي الذي يواجه تحليل هذا النوع من الأيديولوجيات والأنظمة التي سادت حياة أميركا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، ضمن الإطار المفهومي الشائع في علم السياسة (ص. 145) ويخلص روزانفالون، في ختام عرضه تاريخ الشعبوية، إلى ضرورة فهم جوهر الشعبويات، "ضمن هذا المنظور العام الذي يندرج بدوره في إطار التاريخ الطويل للتجربة الديمقراطية" (ص 49 1). ففي هذا التاريخ، كان امتناع الديمقراطية عن أن يكون لها تعريف نهائي "يكبر بقدر تعُّمُق حدة الإحساس بالانخداع وتوالي الخيبات اللذين طبعا تاريخها. لقد كان هذا التخبط دافعًا إلى مزيد من البحث في الديمقراطية، وموِّلِدًا في الوقت نفسه لمزيد من عدم الرضا بمنجزاتها [...] فهي مجال يتشابك فيه تاريخان، تاريخ خيباتها وتاريخ غموضها. وإن الصعود الكبير للشعبويات في القرن الحادي والعشرين يندرج ضمن هذا التاريخ الإشكالي" (ص. 50)1 والالتباسات التي انطوت عليها الديمقراطية "شكّلت تاريخ الحداثة السياسي والاجتماعي؛ إذ أسّست للديمقراطية باعتبارها مج لًا واسعًا للاكتشاف وللتجريب، مغذية في الآن نفسه مخاوف بعضٍ وانتظارات بعضٍ 62ٍآخر" (ص. 1). ويعود المؤلف إلى الجانب التاريخي في الملحق المُدرج في آخر الكتاب (ص 249 وما بعدها)، بعنوان "تاريخ عبارة الشعبوية"، وفيه يتتبع ظهور الشعبوية الروسية التي ارتبطت بمسعى النزول نحو الشعب في الأرياف، خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم الشعبوية الأميركية في تسعينيات القرن نفسه، ممثلة بحزب الشعب. ويعرّج على الشعبوية في الأدب، وكيف دخلت عبارة "الشعبوية" إلى اللغة الفرنسية من بوابة الأدب.
ثالثًا: نقد الشعبوية
في القسم الثالث (الأخير) من الكتاب، يتركّز نقد روزانفالون للشعبوية على بعض مسائلها الأساسية، مثل الاستفتاء العام والموقف السلبي من المحاكم الدستورية والتصوّر الشعبوي لمفهوم الشعب، ثم ما يسميه "الاستبداد الديمقراطي"، وسياسة "اللاانعكاس" أو "اللاعودة". ينطلق المؤلف في نقده مسألة الاستفتاء من الفكرة الديمقراطية، فيرصد أربع نقاط "مخيفة" للاستفتاء؛ "أولًا، هو إجراء يميّع مفهوم المسؤولية السياسية، ومن ثمّ ينجر عن ذلك في المقام الثاني خلط مضرّ بين مفهوم اتخاذ القرار ومفهوم الإرادة في المجال السياسي. وفي المقام الثالث، يؤدي إلى تهميش البعد التداولي للديمقراطية. ويفضي في المقام الأخير إلى تقديس رأي الأغلبية بأن يجعله غير قابل للمراجعة" (ص. 80)1 ويرى أنّ من شأن التدخل المباشر للمواطنين في الشأن السياسي عن طريق الاستفتاءات "إضعاف السلطة التشريعية والحط من أهميتها، كما يؤدي في الوقت نفسه، وبصفة آلية، إلى تعزيز دور السلطة التنفيذية" (ص. 95)1 وعوضًا من ذلك، يقترح روزانفالون "ديمقراطية تفاعلية"، تتيح تقييم عمل الحكومة وإخضاعها لرقابة مستمرة، فهي نظام ديمقراطي يُنظم بمراقبة شعبية ولا يقتصر على احترام آراء الناس بشكل دوري فحسب، بل يعتمد أيضًا على آليات مستمرة لبناء الثقة بين الحكومة والشعب. ومن الجدير بالذكر أن رأي الشعب يتجلّى ليس من خلال عمليات التصويت فحسب، بل يمكن تعزيزه عبر تطوير آليات دائمة لتعزيز الثقة بين الطرفين، بدلًا من مجرد الاعتماد على الاستفتاء لتجاوز نقص الثقة (ص. 197)
في خصوص تنديد الرؤية الشعبوية للديمقراطية "بالطابع غير الديمقراطي للهيئات الوسيطة وللمحاكم الدستورية على أساس أنها مؤسسات غير منتخبة من طريق الاقتراع العام"، يرى روزانفالون أنها بذلك تُضفي على المؤسسات المنتخبة طابعًا إطلاقيًا متناقضًا، "وذلك لسببين: أولهما تزايد تراجع الأداء الديمقراطي للانتخابات؛ وثانيهما، وأهمهما، أنّ الحزب أو التحالف الأغلبي الفائز في الانتخابات لا يمكن أن يمِّثِل كلّ الشعب" (ص. 99)1 في حين أنّ السلطة الاجتماعية التي تعيّن الحكام في مناصبهم، كسلطة منتخبة "تطوّقهم بعد ذلك من طريق قضاة المحكمة الدستورية. وتتضافر الوسيلتان لدفع المجتمع إلى حسن مراقبة السلطة التشريعية، فاستقلالية القضاة تجاه السلطة التشريعية، تسمح، بطريقة غير مباشرة، بجعل السلطة التشريعية أكثر ارتباطًا بالجميع" (ص. 208). ويردّ على نفور الشعبويين من المحاكم الدستورية بوصفها هيئات ليبرالية وغير منتخبة، فيقول: "غالبًا ما وُصفت المحاكم الدستورية والهيئات التعديلية المستقلة بأنها 'ليبرالية'، طالما أنها تحمي الأفراد من خطر استبداد الأغلبية. صحيح أن لها من هذه الزاوية 'أثرًا ليبرالًّيًا'، ولكن ينبغي لنا أن نرى فيها في الآن نفسه مؤسسات ديمقراطية كاملة الشروط باعتبار مساهمتها في إرساء السيادة الجماعية [...] وبالتالي ينبغي أن نميّز بين المؤسسات ذات الوضع الديمقراطي (أي تلك التي تنبع سلطتها من كونها منتخَبة)، وتلك التي لها صفة الديمقراطية بحكم أهدافها وطريقة اشتغالها" (ص. 210) وتعقيبًا على مفهوم "الشعب" الواحد المُتخيّل الذي تتجسّد تطلّعاته في شخص زعيم يُعبّر عنه، وفق التصور الشعبوي، يدعو المؤلف إلى تغيير النظرة الغامضة تجاه الشعب، وبدلًا من ذلك، يجب أن يتم الاعتراف به بتنوّعه وتوتراته الداخلية. بدلًا من التركيز على تجسيد الشعب ككيان واحد متمثل في الزعيم، ينبغي أن يُشجع الشعب على رؤية ذاته بوضوح، كي يتمكّن من اتخاذ القرارات بناءً على هذه الواقعية، وهذا يساعد في تشكيل مجتمع سياسي يستند إلى مشاركة الجميع (ص. 225) أما آخر نقطتين في نقد روزانفالون للشعبوية فهما: "الاستبداد الديمقراطي" و"فلسفة وسياسة اللاانعكاس/ اللاعودة". وهو لا يقصد بالعبارة الأولى المستحدثة تلك الأنظمة الاستبدادية التي تضع "مساحيق ديمقراطية" شكلية؛ إذ يهدف إلى تفسير حالتين أخريين: الأولىتتعلق بتبرير ممارسات الاستبداد في سياق ديمقراطي؛ والثانية تتعلق بانزلاق بعض البلدان نحو الحكم الشمولي داخل إطار ديمقراطي مؤسس. بمعنى آخر، يتعلق الأمر بوجود استبداد في سياق ديمقراطي، من دون حدوث نقض للنظام الديمقراطي، مثل انقلاب عسكري أو إعلان حالة الطوارئ الوقتي الذي يؤدي إلى تعليق مؤقت لعمل المؤسسات (ص. 228) يلاحظ روزانفالون أن الشعبويين لا يرون الفوز في الانتخابات مجرّد تداول للسلطة، بل يعدّون ذلك إيذانًا ببدء عهد سياسي جديد، يقطع مع المرحلة السابقة، "ولذلك غالبًا ما يُردّد الشعبويون عبارات وشعارات من قبيل 'عهد الشعب الذي لاح' و'إعادة التأسيس' و'لا عودة إلى الوراء'. وتُعدّ العبارة الأخيرة أكثرها دلالة وأهمية، فهي تنطوي على فكرة القطيعة المؤِّسِسة لعهد جديد". ويقتبس مث لًا من حديث ميلونشون
"عن تأسيس الجمهورية السادسة في فرنسا من طريق إرساء مجلس تأسيسي: 'إنّ الأمر لا يتعلق بتغيير قواعد اللعبة فحسب، بل بالاستحواذ على السلطة. وإنّ المجلس التأسيسي الذي انبثقت منه الجمهورية السادسة هو ثورة النظام السياسي لإرساء حكم الشعب'" (ص. 229). فاللجوء إلى المجالس التأسيسية لتغيير المؤسسات بصورة جذرية، هو أول وسائل الأنظمة الشعبوية لترتيب عملية اللاعودة، يليها فتح الباب لإعادة انتخاب المسؤولين الذين أمسكوا بالسلطة، وإجراء "إصلاحات دستورية"، وإعادة هيكلة المحاكم الدستورية، بإغراقها بقضاة موالين للنظام الجديد باسم السيادة المطلقة للسلطة الشعبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع (ص. 230) بحسب روزانفالون، "تعتبر أميركا اللاتينية رمزًا لعملية التحول التدُّرُجي من أنظمة ديمقراطية إلى أنظمة مستبدّة ديمقراطًّيًا. ولذلك يمكننا تطبيق التحليل نفسه على أنظمة أخرى في قارات أخرى، مثل النظام الروسي تحت حكم بوتين والنظام التركي تحت حكم أردوغان" (ص. 233). فالترتيبات المعتمدة لإعادة انتخاب الرئيس شكّلت منزلقًا؛ ما أدى إلى تأسيس نظام يميل نحو الاستبداد داخل إطار ديمقراطي. ومن الملاحظ أن هذه الترتيبات كانت تُدعم تحت مسمى الديمقراطية، حيث كان أنصار نظام الرئاسة يبررون ذلك بضرورة الاعتراف بأهمية "إرادة الشعب" كمبدأ أساسي (ص. 234)
رابعًا: ما البديل؟
يُحيل روزانفالون القارئ، في خاتمة كتابه، إلى مؤلفاته التي خصصها لتاريخ الديمقراطية ونظريتها، مؤكدًا مسعاه "إلى توضيح وبلورة مفاهيم السبل الجديدة التي ينبغي سلوكها لإعادة التفكير والتأسيس للعمل المواطني وللمؤسسات بشكل متزامن". ويستخلص مبادئ عامة "من شأنها أن تكون أساسًا لعملية إعادة تأسيس ديمقراطي جدير بأن يشِّكِل بديلًا صلبًا مما يُعرضه الشعبويون" (ص. 241) يقترح المؤلف "توسيع نطاق الديمقراطية حتى تتحقق، ومضاعفة طرائق التعبير عنها، وكذلك إجراءات تجسيدها وعدد مؤسساتها" (ص. 242). ولمعالجة معضلة التمثيل، يرى الحل الأمثل "في تكثيف طرائقه وأشكاله بما يتجاوز في الآن نفسه دوره الحيوي والمحدود في العملية الانتخابية". ويكون ذلك بوسائل عديدة؛ منها "تمتين العلاقة بين الممِّثِلين والممثَلين على مراحل من خلال ما يمكن أن نُسميه الديمقراطية التفاعلية، وذلك بإرساء آليات دائمة للتشاور والإعلام والمساءلة" (ص. 243). وينتهي إلى فكرة "ديمقراطية الممارسة" التي يمكن اعتمادها مستقبلًا، وهي تقتضي "صياغة مبادئ تنِّظِم علاقة الحكام بالمحكومين. وثلاثة من هذه المبادئ تُعتبر أساسية، وهي على التوالي: الوضوح (مفهوم أوسع وأكثر فعالية من مفهوم الشفافية) والمسؤولية (مع ما تقتضيه من المساءلة والتقييم السياسي بقطع النظر عن عملية الاستقالة) والتفاعلية" (ص. 246). وفي النهاية، لا يتعلق الأمر عند روزانفالون "برسم نموذج ديمقراطي، بل بالتأشير إلى عمل دؤوب يتطلّب الإنجاز، ومبادئ تتطلب التطبيق، ولنتذكر جميعًا أن الديمقراطية هي قبل كلّ شيء النظام الذي لا يتوقف عن مساءلة نفسه" (ص. 247)
خاتمة: هل تعدّ الشعبوية "نظرية"؟
يقدّم روزانفالون في كتابه تحليلًا معمّقًا للظاهرة الشعبوية ومراحل نشوئها وتطوّرها، ضمن مسار تاريخ الديمقراطية في العصر الحديث، فضلًا عن سمات وخصائص تجمع الشعبويات على اختلافها. لكن لا يبدو أنّه وُفّقَ في تقديم إثبات متماسك للافتراض الذي انطلق منه، بأنّ الشعبوية "نظرية" أو "أيديولوجيا" قائمة بذاتها. فإنه، نظرًا إلى كون "الديمقراطية في عصرنا هي الديمقراطية الليبرالية، ولا يستحق غيرها هذه التسمية"، سيبدو أنّ تحليل روزانفالون
المراجع
بشارة، عزمي. في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
للشعبوية ينطوي على شيء من التناقض، حين يراها "نظرية في الديمقراطية"، أو "شكل من الحل الديمقراطي"، وفي الوقت نفسه، يُبيّن نقده لها مدى تعارضها في الجوهر والمآل مع القيم الديمقراطية. ومن ثمّ، ربما يكون الأقرب إلى الدقة عند تحليل الظاهرة الشعبوية، النظر إليها بوصفها من أعراض ما يسميه عزمي بشارة "الأزمة الدائمة للديمقراطية"، وأنها خطاب سياسي "يستمد شرعيته من مفردات الديمقراطية، مستفيدًا من التوتر بين الديمقراطية والليبرالية. وقد يتحوّل هذا الخطاب إلى أيديولوجيا في حالات متطرفة"؛ أي إنها لا تشكّل "نظرية" مستقلة على نحو ما افترض روزانفالون.