العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إلى أي حد يجوز إدماج القيم الاجتماعية في التشريع القانوني؟

إلى أي حد يجوز إدماج القيم الاجتماعية في التشريع القانوني؟

To What Extent is it Permissible to Incorporate Social Values into Legal Legislation?

عزالعرب لحكيم بناني

Azelarabe Lahkim Bennani

الملخّص

نتناول في هذه الدراسة آليات تحقيق الإنصاف، من خلال الفقه الجنائي في الفلسفة والقانون. ونتوقّف عند الإنصاف بين المفاهيم الأخلاقية الاجتماعية والمفاهيم الجنائية من موقع الفلسفة التحليلية. ونتوقف كذلك عند أخلاق الحمد وأخلاق الذمِّ كما طورها بيتر ستراوسن، وهي ردود الأفعال المستهجنة أو المستحسنة. لكننا نفحص مدى الوجاهة المعيارية التي يفترضها الاحتكام إلى القيم الاجتماعية، ومدى صلاحية القيم في تأسيس القانون الجنائي. وهذا ما دفع فلاسفة القانون إلى تحويل إشكالية التنظيم القانوني لمواضيع الاستهجان أو الاشمئزاز أو الاستنكار إلى موضوع فلسفي بامتياز. تنبني المنظومة الأخلاقية والقانونية على وضع فصل حادّ ونهائي بين الإنسان العاقل والحيوان الغريزي؛ والحال أنّ فريدريك نيتشه يعتبر أنّ نسبة كبيرة من مشاعر الاستهجان والإحساس بالغثيان والنّفور والتقزز لا تحتاج إلى تنظيم قانوني وأخلاقي متفاوت في درجات التجريم والعقاب. وتكاد تكون أغلب هذه الانطباعات الارتدادية ذات حمولة ثقافية من وحي المجتمعات، وليس من وحي الطبيعة. وهذا هو المعطى الذي ما يزال يعرف فحصًا عميقًا في فلسفة الأخلاق المعاصرة وتنظيمها القانوني والجنائي.

Abstract

Abstract: This research paper examines the mechanisms of achieving equity through criminal jurisprudence in philosophy and law. It discusses equity as an ethical–social and criminal justice concept from the standpoint of analytical philosophy. We also consider the ethics of praise and blame as developed by Peter Strawson, which are reactions of approval or disapproval. However, we will explore the normative validity of relying on social values and the extent to which these values can underpin criminal law. This has led legal philosophers to transform the issue of legal regulation of disapproval, disgust, or condemnation into a distinctly philosophical subject. The ethical and legal system is based on a sharp and definitive separation between the rational human and the instinctual animal. Nietzsche, however, believes that a significant portion of feelings of disapproval, nausea, aversion,

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة
  • القانون
  • الأخلاق
  • المجتمع
  • القيم
  • التشريع القانوني
Keywords:
  • Philosophy
  • Law
  • Ethics
  • Society
  • Values
  • Legislation

والقانون. ونتوقّف عند الإنصاف بين المفاهيم الأخلاقية الاجتماعية والمفاهيم الجنائية

من موقع الفلسفة التحليلية. ونتوقف كذلك عند أخلاق الحمد وأخلاق الذِّمِ كما طورها

بيتر ستراوسن، وهي ردود الأفعال المستهجنة أو المستحسنة. لكننا نفحص مدى الوجاهة

المعيارية التي يفترضها الاحتكام إلى القيم الاجتماعية، ومدى صلاحية القيم في تأسيس

القانون الجنائي. وهذا ما دفع فلاسفة القانون إلى تحويل إشكالية التنظيم القانوني لمواضيع

الاستهجان أو الاشمئزاز أو الاستنكار إلى موضوع فلسفي بامتياز. تنبني المنظومة الأخلاقية والقانونية على وضع فصل حادّ ونهائي بين الإنسان العاقل والحيوان

الغريزي؛ والحال أنّ فريدريك نيتشه يعتبر أنّ نسبة كبيرة من مشاعر الاستهجان والإحساس

بالغثيان والنّفور والتقزز لا تحتاج إلى تنظيم قانوني وأخلاقي متفاوت في درجات التجريم

والعقاب. وتكاد تكون أغلب هذه الانطباعات الارتدادية ذات حمولة ثقافية من وحي

المجتمعات، وليس من وحي الطبيعة. وهذا هو المعطى الذي ما يزال يعرف فحصًا عميقًا في

فلسفة الأخلاق المعاصرة وتنظيمها القانوني والجنائي.

Professor of Analytical Philosophy and Philosophy of Religion at Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fez. Azelarabe.lahkimbennani@usmba.ac.ma

and disgust do not require legal and ethical regulation with varying degrees of criminalization and punishment. Most of these reactive impressions are culturally derived from society rather than from nature. This insight remains the subject of deep examination in contemporary moral philosophy and its legal and criminal regulation.

مقدمة

عندما يناقش الفلاسفة العرب فلسفة القانون، في ضوء النص الديني والعلوم الشرعية، يطبّقون آليات تأويل النصوص تأويلًا هيرمينوطيقيًا على تأويل آيات الأحكام، ولا يرون أنهم

بذلك يشرّعون، وإنما يكتفون بإبداء الرأي الشّرعي Opinion Juridique، بناء على افتراض وجود

مقاصد عامة معلومة مسبقًا ولا تتغير في الشريعة. والفرضية هي أن العالم الأصولي يقدّم رأيًا شرعًّيًا

Jurisconsulte ولا يُشرّع Juriste. فلا يجوز له، وفق هذا التصوّر، أن يُشرّع (أن يحلّ حرامًا وأن يحرّم

حلالًا)، بل يجوز له فقط أن يؤوّل مقاصد الحكم، بحسب منطوق النص. وهذا ما يستدعي النقاش. نزعم أن الأصولي لم يكتف يومًا بتأويل التشريع، بل كان ينتج التشريع (في القضاء عند الحكم بالرأي)، وكذلك عند الحكم على النوازل، بما أن الأقضية غير متناهية أمام أحكام قطعية متناهية. ونحن نميّز عادة بين آليّات الوقاية وآليّات الحماية؛ أي بين الأفعال التي يستهجنها المجتمع وليست خطرًا

مباشرًا، و"المصالح المحمية" Biens Juridiques التي ينبغي للقانون أن يحميها. ولذلك نتساءل:

ما موضوعات الحماية؟ وما موضوعات الوقاية؟ وما مشروعية محاكمة أنماط السلوك التي نرفضها، ولو خرجت عن المألوف أو عن قواعد السلوك الصائب؟ ألا يجوز القول إن علماء الأصول يشرعون ولا يكتفون بتأويل آيات الأحكام؟ سنفحص ذلك في ضوء التمييز بين الوقاية والحماية. وإذا كانت فلسفة التشريع تضع القيود المعيارية على المشرّع، فما طبيعتها؟ أهي اجتماعية أم أخلاقية؟ في هذا الصدد، سنقدّم الآليات المعيارية التي اقترحها بيتر ستراوسن 2) 006–1919(الخاصة بالاستحسان والاستهجان الأخلاقي وآليات الحدّ من التجريم لدى مارثا نوسباوم Martha Nussbaum، بناءً على مبدأ الكرامة لدى إيمانويل كانط وعلى فهم جديد لثنائية الطهارة

والنجاسة وعلى بعض أنماط السلوك التي تصدم الذوق العام، حجةً. ونتساءل أيضًا: كيف نستفيد من مبدأ الشبهة الشهير: "ادرؤوا الحدود بالشبهات". لتجنّب العقوبة المقَّدَرة عند توجيه تهمة الزّنا أو تعويض العقوبة بالتأنيب أو التعزير، عند الجهر بالمعاصي، ما لم يتمّ الجهرُ بالسوء؟ هل يسمح

لنا مبدأ الشبهة بالدفاع عن حرمة الحياة الخاصة في الفضاء الخاص أو في عالم الخيال، ما دامت العين الأجنبية لا تراهما؟ هل تتجاوز مقاصد الشريعة الضروريات الخمس لتنطبق كذلك على حفظ الحياة الخاصة التي قد تدخل ضمن الخيرات المحمية التي لا يجوز انتهاكها؟ على الرغم من الاهتمام المتزايد الذي ينصبّ

على حماية الحياة الخاصة، سنبرز أنّ حمايتها المشروعة قد تؤدّي إلى عواقب سلبية على الحياة

الاجتماعية والاقتصاديّة. قد تؤدّي المخلفات السلبية إلى تضاعف الحاجة إلى دور الرعاية والإرشاد نتيجة سوء استغلال الحرية. وسنعطي أمثلة من مجموعة القانون الجنائي المغربي بخصوص جرائم الشّرف، مع مقارنتها بقوانين أجنبية وعربية، كما نعرض أمثلة لجرائم انتهاك الآداب العامة أو إشاعة الفواحش. ذلك أن الشريعة تهدف إلى حماية الذات والمجتمع من الآفات المضرة بهما. لذلك سنبرز لتأويل آيات الأحكام فلسفةً تتعلق بفهم المقاصد الشرعية، واعتماد مبدأ الشبهة لحماية المتهمين من العقوبات الجسيمة. هذا ما سندرسه من زاوية المنظور الإسلامي، في إطار التمييز بين الفضاء الخاص والمجال العام. وسنفحص إشكالية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من زاوية فلسفية في ضوء المدرسة التحليلية لفلسفة الأخلاق مع ستراوسن، قبل أن أعرض تصوّر مارثا للانتقال من الأخلاق إلى التنظيم القانوني. وفي الأخير، نقدّم نموذجًا تطبيقًّيًا لإشكالية تقنين القضايا الأخلاقية من القانون الجنائي المغربي وبعض النماذج الجنائية الغربية.

أولا: الآفات الأخلاقية بين الوقاية والحماية

تسعى المجتمعات لتدارك الآفات الأخلاقية وأنماط السلوك التي تهدّدها. فما الانتهاكات التي ينبغي الوقاية منها؟ وهل توجد مبرّراتٌ معقولة لإدماج موضوعات اللوم داخل المجتمع ضمن الأفعال المحظورة؟ وهل على القانون أن يحظُرَ الأفعال التي لا يقبلها المجتمع، ولو على حساب مصلحة بعض الأفراد؟ هل هذا هو مبرّر التمييز بين آليّات الوقاية وآليّات الحماية؟ تتعلّق "الوقاية" بالأفعال التي يستهجنها المجتمع، بينما لا تشكّل خطرًا مباشرًا على مصالح الناس؛ وفي المقابل، تتعلق "الحماية" ب "المصالح القانونية" التي ينبغي للقانون أن يحميها. وتتعلق نقطة الخلاف الرئيسة بين الفلاسفة بالحدود المفترضة بين موضوعات الحماية وموضوعات الوقاية، وبمدى مشروعية الإدانة القضائية لأنماط السلوك التي ترفضها الأعراف الاجتماعية، بدعوى أنّها ليست مألوفةً أو تخرج عن قواعد السلوك الصائب، على الرغم من أنّها لا تبلغ درجة الخطورة التي توجب حظرها ورفعها إلى مستوى الأفعال الجنائية. وهكذا تتّسع دائرة التجريم أو تضيق في المجتمعات، بحسب نظرتها إلى طبيعة الأفعال غير الأخلاقية التي يجب أن تتدخل فيها الدولة لتنظيمها قانونًّيًا. نبتدئ بالمجتمعات الإسلامية، ونتساءل عن الحدود الفاصلة بين الوقاية والحماية، ما دام علماء الدين يعتبرون أن حماية المجتمع تبتدئ بالوقاية وبتجريم الأفعال التي تؤدّي إلى هلاك المرء عند المبالغة فيها؛ ويعتبر بعض الفلاسفة أنّ المجتمع يستهجن الأفعال غير الأخلاقية، من دون أن يصبح الاستهجان

(((يجوز أن يتصرف الشخص "أ" بصورة خاطئة من دون أن يعتدي على أحد، ولكن لا يجب تجريم فعله، بما أنّه لم يُلحَق أذى

بأحد. ينظر:

Douglas Husak, Overcriminalization , The Limits of the Criminal Law (Oxford: Oxford University Press 2008), p. 71.

مبِّرِرًا يلزم الدولةَ بتجريم كلّ الأفعال غير المقبولة. ومع ذلك، كلما كانت الدول حريصة على

التحكّم في المجتمع، سارعت إلى سنّ تشريعات تنظم الحياة الخاصة والحريات الفردية، من خلال الوقاية من مخاطر الأمراض في المجال الطبي، على سبيل المثال، أو من أشكال النجاسة وضروب السموم والأقوال الماسّة بحرمة الناس وشرفهم في المجالات الأخرى. وقبل أن تظهر ثنائية الجريمة

والعقاب، عرفت شتّى الثقافات ثنائية الطهارة والنجاسة، بحيث إنّ الناس الذين لا يغتسلون أو لا يتخلّصون من فضلاتهم، أو يُمنَعُون من ذلك، يفقدون كرامتهم ويُنَّزَلون منزلة أدنى من مستوى البشر. ومن فقد كرامته لا يدافع عن حقه في الوجود، "ولذلك يسهل علينا أن نعذّبه أو أن نقتله". فالنفس تشمئزّ من كل الأفعال الدنيئة التي تكاد تصيبنا بلوثتها وتذكّرنا بالخطورة على حياتنا وبجذورنا الحيوانية. وبما أنّ مسألة الطهارة والنجاسة شكّلت مرجعية الخير والشر من المنظور الديني، كان تقنين الأعراف الأخلاقية مدخلًا إلى تنظيم القواعد الجنائية؛ وهي قواعد تتعلق بالأفعال "الشريرة المحظورة" التي يجرّمها القانون (مثل عدم احترام قانون السير) " mala prohibita "، وتلك الأفعال "الشرّيرة في ذاتها"

التي تحدث ضررًا فعلًّيًا " mala in se " بالغير.

ثانيًا: المنظور الديني إلى موضوعات الحمد والذم

يميّز المنظور الإسلامي بين المحرّمات التي قد لا تُحدث ضررًا بالذات الفاعلة، وتُحدث في الوقت

ذاته ضررًا بالعلاقات الاجتماعية (مثل الضرر الذي يلحقه الجنس والخمر بالمجتمع)، وبين المحرّمات

في ذاتها (مثل القتل والحرابة والقذف) التي تفصح عن فعل شرّير؛ وتوقّف الباحثون الجنائيون عند

العقوبات المقدّرة في جرائم الحدود والقصاص، واعتبروا أنّ التدخّل في تقويم الأفعال المحمودة والمذمومة في نطاق الحياة الفردية يحظى بأهمّية عقدية يروم تنظيم الحياة الاجتماعية بصورة صائبة. فقد عُِّبِر عن كثير من الأفعال المجَّرَمة بلفظ "المعاصي"، لأنّها ليست شًّرًا مباشرًا في ذاتها، بل هي

محرّمات أو "تابوهات تحيط بالجنس والميلاد والعادة الشهرية، وهي رغبة في اتّقاء الظواهر الحسّية

الفاضحة التي تتّصل بصورة كبيرة بالإفرازات العضوية". قامت الأخلاق على الطهارة، كما تجسّدت

رمزًّيًا في الوضوء، أي في التطهّر من النجاسة نتيجة العدوى من المصادر النجسة والملوثة. وكلّ من اقترب من مصدر نجس ملزمٌ بأن يتطهّر منه، سواءً كان المصدرُ إفرازات طبيعية أو تمثّلت النجاسة في

الاتصال بحيوانات أو الشهوة بعد لمس النساء، وهو ما يستدعي إعادة الوضوء بحسب بعض المذاهب الفقهية. وكما أنّه يجوز معاقبة المذنب عند ارتكاب جناية، يجب إبعاد مصادر النجاسة والتطهّر منها

(((تشكل جنايات الوقاية من المخاطرة Offenses of Risk Prevention (أو منع المخاطرة) صنفًا ثانيًا من القوانين التي ساهمت

في تضخّم القانون الجنائي. ينظر: Husak, p. 38.

(3) Martha C. Nussbaum, Hiding from Humanity: Disgust, Shame and Law (Princeton: Princeton University Press, 2004), p. 90. (4) Ibid., p. 99. (5) Ibid., p. 113.

عند لمسها. ولذلك تعني طهارة البدن عدمَ الاتصال بمصادر نجسة، بالقدر الذي تعني فيه براءةُ الذمّة التأكدَ من عدم ارتكاب جناية. وكما أنّ النجاسة التي أصابتنا تتطلب استرجاع الطهارة، ولو بصورة رمزية بوساطة الوضوء، تتطلب تلك النجاسة بعد ذلك أن نتابعها جنائيًا إذا ما تحولت إلى عدوان خطير

على الآداب العامة. لا يظهر العدوان في صورة ضررٍ مباشر Mala in se، في حالة الضرب والجرح والقتل، بل يتجسّد في المحرّمات الاجتماعية، "كالدعوة الماجنة التي تقوم بها بعض الأعمال، بصورة

إجمالية، إلى الجنس، ومثل تصوير العملية الجنسية على النحو المخصوص الذي يُبيّنه القانون بصورة

مكشوفة وصادمة، من دون أن تنطوي في مجملها على قيمة أدبية جادّة أو فنية أو سياسية أو علمية". تقول نوسباوم في هذه الحالة إنّه من الواجب في حقّ مثل هذه الأعمال أن تخضع للتنظيم القانوني، بمعنى أن يُنَصّ عليها في قانون العقوبات. يمكننا أن نستنبط من ظهور مشاهد صادمة للذوق العام حُجّةً تفيد أنّ عرض تلك المشاهد للعموم دعوة

إلى الفساد أو إلى إذكاء الرغبة في المجون. ولكنّ المنظور الجنائي في الإسلام يتمتع بخصوصيات تميل إلى التبرئة أكثر ممّا تميل إلى التجريم. ويظهر الميل إلى التماس الأعذار Excuses للمذنبين في الظروف التالية، من دون أن يعني ذلك تسويغ Justification الفعل غير المقبول: ما لم يتجرّأ

الجاني على نشر الفاحشة الأخلاقية خارج المجال الخاص، لا يحتاج إلى رادع قانوني يتجاوز الوازع الأخلاقي، فتميل الكفة عند حضور الوازع إلى عدم متابعة الجناة، وإلى إقلاع القضاء عن زجر الأفعال المقترفة في المجال الخاص، ما دام أنّ المدّعي لا يملك إمكان إقامة البيّنة على الادّعاء. وفضلًا عن

ذلك، اعتمد فقهاء الجنايات في الإسلام مبدأ "الشبهة" (درء الحدود بالشبهات) وهو عذر يجيز للمرء أّلا يعترف على نفسه وأّلا يسعى لإدانتها، لأنّ المبدأ يسمح للمرء بأن يدّعي جهل الحكم الشرعي بشأن الفعل أو يسمح له القول إنّه أخطأ الهدف وأصاب موضوعًا غيره، "ويمكننا أن نستشهد بمجموعة من الظروف التي تستحضر الشبهة لمواجهة تهمة الزّنا وتحول بذلك دون تطبيق العقوبة المقَّدَرة". ذلك أنّ الشريعة الإسلامية تحوّلت إلى ما يشبه قوانين الكومونويلث؛ أي إلى "قانون

الجماعة ذاتها. فهي تجِّسِد القيم المشتركة والأفهام المعيارية للجماعة". وبناء عليه، فالأضرار التي تصيب "الجمهور" أو الجماعة بصورة إجمالية تختلف عن الأضرار التي تصيب الأفراد فقط. لذلك، ثمّة سعي لتأويل التعاليم الأخلاقية الإسلامية على نحو يُطَهَّر فيه الفضاء العمومي من الأفعال المستهجَنة، حتى لا يلحق ضررًا فعلًّيًا بالمجتمع ويدخل بذلك في دائرة التّجريم. وقد اعتُمد كذلك

(6) Nussbaum, p. 135. (7) Ibid. (8) Douglas Husak, Ignorance of Law: A Philosophical Inquiry (Oxford: Oxford University Press 2016), p. 12.

((("هناك العديد من الظروف التي يمكن تقديمها دفاعًا عن الشبهة ضد تهمة الزنا غير المشروع، والتي تمنع تطبيق العقوبة

المحددة وخاصة فيما يتعلق بالجماع مع الجواري، نجد العديد من الأمثلة على مثل هذه الظروف، مثل كون الشخص شريكًا في

الملكية، أو حصوله على موافقة المالك، أو كون المرأة مملوكة لابنه". ينظر: Ibid.

(10) R. A. Duff, Punishment, Communication and Community (Oxford: Oxford University Press, 1971), p. 59. (11) Ibid., p. 60.

مبدأ التستّر على الأفعال المذمومة التي تكون في الفضاء الخاص، من أجل تجنّب العقوبات القاسية، فرجع الفقهاء في تنظيم الأعراف الاجتماعية إلى الأحاديث النبوية التي أوصت "بستْر" المؤمن، وبتجنّب النميمة والغيبة والقذف، وإجم لًا بغضّ الطرف عن الأفعال المقترفة في جنح الظلام، ما لم تخرج إلى العلن، سعيًا لتحقيق غرض أساس وهو حماية كرامة الأشخاص وحياتهم الخاصة. وهي

تكتفي في العقوبة بالتأنيب الأخلاقي عند الاقتضاء أو تقف عند التعزير، في مقابل العقاب الجنائي الذي يصبح مستحًَّقًا بعد الجهر بالمعاصي. ويعني الستر (أو التستّر)، إذًا، حماية المذنب من العقاب

البدني القاسي الذي يتجاوز التأنيب الأخلاقي الموجّه إلى ضمير الشخص، ما لم يتمّ الجهرُ بالسوء

على رؤوس الأشهاد. عمومًا، تهدف خصوصيات التصوّر الجنائي الإسلامي إلى إيجاد المبررات

الأخلاقية التي لا تهدف فقط إلى حماية الحياة الخاصة، بل كذلك إلى حماية الضمير الشخصي.

ثالثًا: التجريم بين المجال الخاص والمجال العام

إذا كان في الإمكان إيجاد المبررات الأخلاقية لحماية الخصوصيات والضمير، ألا يجوز لنا أن ندمج ضمن مجالات الحماية قضايا الفن والعلم وإبعادها عن الرقابة السياسية، ما لم تشكّل هذه المجالات تهديدًا مباشرًا للتوازن النفسي ولاستقرار المجتمع؟ وهل تسمح هذه المبررات بإحكام الفصل بين

المجالين الخاص والعام من الزاوية الإسلامية؟ وهل يمكننا من الزاوية الأخلاقية أن نحصر التجريم في القضايا العمومية التي تمسّ حق المجتمع؟ يمكننا أن نستأنس برأي نوسباوم حينما رجعت إلى مقال نشره توماس ناجيل Thomas Nagel في موضوع الفصل بين الخاص والعام، وهو يكاد يعزّز منظور الدعوة الأخلاقية الإسلامية إلى التستّر على الأفعال المشينة التي لا يجهر المرءُ بها في المجال العام. فماثلًا، لا يجد ناجيل ضررًا في توفير "مجال

خاص يتابع فيه المرءُ التحليق في استيهاماته Phantasmes التي يذهب غيرُه إلى أنّها ستصبح مخجلةً

وصادمةً إذا ما انتشرت بين الناس. تقترن بعض أصناف السلوك الجنسي بمتابعة هذه الاستيهامات. وقد دافع ناجيل عن رأيه، بدعوى أنّه يجب توفير بعض الحدود الصارمة التي تمنع الآخرين من أن يتدخلوا في الحياة الشخصية للأفراد، مبرزًا أنّ هذه الحدود تشير إلى إحدى واجهات التمييز بين المجال الخاص والمجال العام". تستدعي منّا الحجج التي دافع بها ناجيل عن حرية الخيال في المجال

(((1 جاء في حديث مرسل عن زيد بن أسلم أنّ الَّنبَّيَ عليه الصلاة والسلام قال: "اجْتَِن بوا هذه القاذوراتِ التي نَهى الله عنها، فمَن

ألَمَّ فلْيَستَتِرْ بسِترِ اللهِ، ولْيَتُبْ إلى اللهِ؛ فإَّنَه مَن يُبدِ لنا صَفحتَه، نُقِمْ عليه كتابَ اللهِعَزَّ وجَّلَ" ينظر: أبو بكر محمد بن عبد الله

المالكي، فتح الغفّار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار، تحقيق حامد عبد الله المحلاوي التميمي، مج  3 (بيروت: دار الكتب

العلمية، 0002)، حديث 3165، ص 3102؛ وعن أبي هريرة، سمعت رسول الله يقول: "كُّلُ أَّمَتي معافى إلا المُجاهرين وإَّنَ من

المُجاهرة أن يعمل الَّرَجلُ بالليل عملًا، ثَّمَ يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يسترهُ رُّبهُ،

ويصبح يكشف ستر الله عنه". متفق عليه. يُنظر: محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي،

مج 15 (الرياض: دار السلام للنشر والتوزيع، 0122)، ص 83.2 وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب

الُّدُنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَّسَر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في

الدنيا والآخرة". ينظر: يحيى بن عبد العزيز اليحيى، الجمع بين الصحيحين، ج 1 (الدمام: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، 0242)، حديث 0262، ص.1581

(13) Nussbaum, p. 297.

الخاص أن نبحث عن أوجه المقارنة بالحجج المعيارية التي سوّغت وجاهة وصية الاس تتار. حين دافع

ناجيل عن الحق في الاس تتار، أشار ضمنًّيًا إلى حق الشخص في أّلا تتلصّص عين أجنبية على حياته

الخاصة، وهو الحق الذي يُخرج مسؤولية تنظيم الحياة الخاصة من مجموع الواجبات الملقاة على

الدولة، بما أنّ التعرّف إلى خبايا البيوت ليس مصلحة أساسية يتطلع المجتمع إلى تحقيقها. تظهر قيمة الاس تتار من الزاوية الدينية في الاستفادة من غياب الشهود الأربعة داخل مجال الحياة الخاصة؛ غير أنّ الحماية لم تكن مطلوبةً لذاتها، بل كانت تسعى لتحقيق هدف رئيس وهو حفاظ المرء على سلامته الجسدية ومنع تطبيق العقوبات القاسية في حقه، مثل عقوبات الرّجم والجلد. فإذا

ما توفّرَ المرءُ على مجال خاص يبعده عن العيون الأجنبية أَمنَ نفسَهُ من المتابعة القانونية عقابًا له على

سلوكه المخلّ بالآداب العامة. غير أنّ الإخلال بالآداب لا يمنع المُخَلَّ من التعزير، وهو عقوبة غير

مقدّرة شرعًا ولا تتبع المسطرة القضائية الجارية، ولا يحول ذلك الإخلال كذلك دون استهجان تلك الأفعال، إذا ما أحدثت ضررًا أو أذى بالفاعل أو بغيره، وسواءً تمّ اقترافُها في المجال العام أو الخاص. إذا كانت إماطة الأذى عن الطريق واجبًا أخلاقًّيًا، فمعنى الأذى لا يتغيّر بحسب الأشخاص، بما أنّ

الأذى ينتسب إلى الوقائع والمعايير التي كانت متطابقة مع طبيعة الأشياء ذاتها في مذهب الأخلاق لدى أرسطو؛ كما أنّ الرذيلة نسبة مضبوطة بين التفريط والإفراط، ويكون التحكم فيها لبلوغ غايات نبيلة، سواء في الفكر اليوناني أو في العصر الوسيط عامةً، كما يرى ماك إنتاير McIntyre ذلك. وإذا ما كان الارتقاء الأخلاقي بالنفس لا يتحقّقُ لزومًا بالعقاب الجسدي، فإنّ ذلك لا يُعفي من التأنيب

الأخلاقي ومن البحث عن التربية الخلقية السليمة. فتربية الأطفال في الصغر تؤهّل لاكتمال الحاسة الخلقية في الكبر. وقد أصبحت الفضيلة قيمة مطلوبة لذاتها في الأخلاق الأرسطية، على خلاف أخلاق المتعة والمنفعة. وهكذا، كان تأويل الأخلاق الأرسطية يسعى لتحقيق العلم الذي يؤهل الناس لفهم كيفية الانتقال من (الإنسان في الوضع الذي يوجد فيه) إلى (الإنسان في الوضع الذي كان في الإمكان أن يوجد فيه لو أنه حقق وجوده الماهوي)، بناءً على الطريقة التي صاغ بها إنتاير كيفية

الانتقال، وانتقلت الأخلاق الأرسطية إلى الموروث الروحي الإسلامي الذي أسهب في محاربة الأذى الناتج من ضعف الإنسان وعجزه عن مقاومة الخبائث، على الرغم من تطلع الإنسان بطبيعته إلى الكمال. واتّخذت المنظومة الأرسطية وجهًا لاهوتًّيًا جديدًا حينما "تم استنباتها داخل الإطار المرجعي

للمعتقدات الدينية، سواءً في المسيحية مع طوماس الأكويني Thomas Aquinos (74–122512) أو

في اليهودية مع موسى بن ميمون Moses Maimonides (04–113512) أو في الإسلام الذي اعتنقه ابن رشد. لم نعد نكتفي آنذاك بفهم الأخلاق باعتبارها أوامر غائية، بل اعتبرنا كذلك أنّها تُجسّد القانون

الذي يحتكم إلى الله". نعني بفهم الشرع الإلهي معرفة الخيرات المحمية التي لا يجوز انتهاكُها، في ضوء التقاليد الموروثة عن الجاهلية وانتهاء بالمذاهب الفقهية التي قامت بتأصيلها. ويعني وجود خيرات شرعية مراقبة

(14) Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory , 3 rd ed. (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007), p. 53.

سلوك المؤمن وإخضاعه لضوابط القرآن والسنة. واقترن الشرع بمراقبة السلوك الفردي، فلم يكن يكترث بالبحث عن بنية قانونية، على نحو ما كان موروثًا عن الرومان. فتاريخ الإسلام هو في جوهره ومن "جوانب كثيرة تاريخ الممالك الإسلامية". وهو كذلك تاريخ انتشاره بفضل التجار والحركات الصوفية والإمبراطوريات الإسلامية. وهذا هو السبب الذي يستدعي القول إنّه "رغم صريح الحكم تميزت الأحكام بالاختلاف إلى حد التناقض في غالب الأحيان، مثل التغريب أو النفي: أما المرأة فلا تُغَرَّب لئلا تقع في الزنا مرة أخرى بسبب التغريب. كما أنه لا تغريب على العبيد لضرورة استخدامهم في خدمة مولاهم". أما فيما يتعلق "بإعدام العبيد أو تعذيبهم، فإنّنا نستطيع أن نقول بخصوصهم – على الأقل في بعض النصوص – إنّ أجساد الأشخاص الذين يتمتعون بمنزلة اجتماعية أدنى يُعرَضون على نحو مختلف". ولذلك كانت المنظومة المعيارية تهدف من هذه الزاوية إلى حماية "النظام الاجتماعي"، من دون أن نعتبره في حد ذاته جزءًا من الشرع الإلهي. وحينما كان يتبيّن أن ظاهر الآيات يتعارض مع الحكمة

الأساسية منها، حاول العلماء آنذاك أن يؤوّلوا ظاهرها بما ينسجم مع الحكمة منها. فالمنظومة المعيارية تهدف إلى حماية النظام الاجتماعي، بدلًا من تكريس الظلم باسم الشرع. هكذا، نستطيع تكوين فكرة ملموسة عن المرجعية الأخلاقية بفضل الغايات الهادفة إلى إصلاح الإنسان وتهذيبه لبلوغ الكمال الإنساني؛ كما نميّز بوضوح بين مقاصد الشريعة من زاوية أخلاقية عامة ومقاصد

(((1 ذلك أن القرآن لا يمُّدُنا بتصوّر شمولي بخصوص العلاقة بين الفرد والدولة والمجتمع ولا يفرض نظام دولة بعينه.

Gudrun Krämer, "Islam, Menschenrechte und Demokratie: Anmerkungen zu einem schwierigen Verhältnis," in: Nikole Janz & Thomas Risse (ed.), Menschenrechte, Globale Dimensionen eines universellen Anspruchs (German: Nomos, 2007), p. 41.

(((1 ابتداء من الدولة الأموية (750–661)، وصولًا إلى خلافة صكتو في شمال نيجيريا، مرورًا بالدولة الصفوية في بلاد فارس

(722–15011)، والإلخانية المغولية الكبرى (370–10431)، ومغول جنوب آسيا (858–12741)، والإمبراطورية العثمانية (–1281 924.)1 ينظر:

J. S. Scott, "Religion and Postcolonial Writing," in: Ato Quayson (ed.), The Cambridge History of Postcolonial Literature , vol. 2 (Cambridge: Cambridge University Press, 2011), p. 753.

1(((عروسي لسمر، التشريع الإسلامي وتديين العقاب (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 0172)، ص.112

(18) Todd Stephen, "Recht, Theater, Rhetorik und Demokratie im antiken Athen," in: Ludger Schwarte et al. (eds.), Körper und Recht: Anthropologische Dimensionen der Rechtsphilosophie (German: Wilhelm Fink Verlag, 2003), p. 72. (19) Thomas Bauer, Die Kultur der Ambiguität, Eine andere Geschichte des Islams (Berlin: Verlag der Weltreligionen, 2011), p. 157.

(2((تعتبر الآراء الشاذة في بعض الأحيان تهديدًا للنظام الاجتماعي، ولذلك أصدر آية الله الخميني سنة 9891 فتوى في قتل

سلمان رشدي بعد نشر روايته الآيات الشيطانية (988.)1 ينظر:

Salman Rushdie, The Satanic Verses (United Kingdom: Viking Penguin, 1988).

بدعوى الاعتداء على العقيدة الإسلامية، بينما كان هدفها نقدًا سياسيًا في جوهره لإملاء مظاهر السيادة على المسلمين في العالم.

ينظر في خصوص هذه الأحكام القاسية:

Robert J. Murphy, Capital Punishment in Islam: Fatwas and Honor Killin (South Carolina: CreateSpace Independent Publishing Platform, 2016), p. 42.

الشريعة في الأحكام الجنائية. ذلك أنّ تأويل الشريعة لا ينفصل عن علم المقاصد الإلهية، قصد التوصل إلى الحكمة من وجود آيات الأحكام. كما ظهرت الحاجة إلى التأويل المقاصدي بعد اكتمال نزول القرآن، بينما كانت الحاجة إلى قيام القضاء بمهماته ضرورةً ملحّةً قبل ظهور الإسلام وبعده. وبناء عليه، كانت الضرورة تستوجب العودة إلى الرأي الشرعي، عند تعذر وجود النص، وإلى قضاء مصالح الناس بناء على افتراض وجود مقاصد شرعية عامة. فالشريعة هي مجموع الأوامر والنواهي التي يقنّنها عالم الأصول من خلال استنباط معايير السلوك (الأحكام) من الحكم الأخلاقية المتفرقة بين المأثورات الدينية وحكم المتصوفة وبيانات علماء الكلام. في هذا الاتجاه، استُثمِرت مرجعية العبادات والمفاهيم المتصلة بها مثل مفهوم الطهارة والنجاسة والإثم والتوبة والندم والحسنات والسيئات، إلى جانب اس ثتمار المصطلحات الأخلاقية مثل الظلم والعدل والفسق والكفر؛ وهي تعكس المبادئ التي تساهم في تبرير صحة نصوص القانون. ويعتبر علم الكلام أنّ الله لا يهمل حق العباد في استخلاص معايير العدل والإنصاف. ويمكننا أن نذكر الجوانب الأخلاقية المختلفة التي تسمح باستنباط الأحكام الشرعية.

رابعًا: المقاصد الأخلاقية وتحقيق الكمال

قامت النظرية الأخلاقية على غاية الكمال التي يبتغيها الإنسان. وهذا ما قاد المسلمين إلى تأويل الشريعة في ضوء تحقيق الحكمة من وجود الإنسان والوصول إلى المقاصد وتحقيق المصالح. وفي مقابل ذلك، وعلى خلاف القانون الذي لا يقوم في صلبه على آليات الصياغة الأخلاقية، اعتبرت الشريعة الوصول إلى الكمال الإنساني هو الغاية التي توَّسَلتها الحقوق الطبيعية في الإسلام. فاقترنت المفاهيم الأخلاقية بمطلب الحد من الظلم ودفع المفسدة وجلب المصلحة، من أجل تحقيق النجاة. وكان الهدف من ردع الجاني هو هدايته إلى الطريق السوي، لأنّ هذا الهدف غاية من بين غايات العقوبة في الإسلام. وهذا يعني أن التأويل الأخلاقي للشريعة كان يهدف إلى تقعيد الأحكام الشرعية التي تظلّ عملًا بشريًا، اجتهد الأصوليون في استخراجها، حين ميّزوا بين الأحكام التي

استنبطها العلماء ومصدر الأحكام الذي لا شكّ في أنّه إلهي. ويتعلق الأمر بالأحكام التي تفترض وجود حقوق أساسية يجب حمايتها؛ وهي الضروريات التي تعني "الخيرات الأساسية" التي تحفظ بقاء الإنسان. أما المصالح الأساسية الأخرى التي تتغير بتغير الأحوال،

(21) Julian Obermann, Der philosophische und religiöse Subjektivismus Ghazalis: Ein Beitrag zum Problem der Religion (Berlin: Forgotten Books, 2017), p. 12. (22) Ali Benmakhlouf, Pourquoi lire les philosophes arabes (Paris: Fayard, 2015), p. 154.

2(((مصطفى بنحمزة، "قدرة الاجتهاد على إنتاج احكام داعمة وحامية لحقوق الإنسان"، في: مصطفى بنحمزة [وآخرون]، أي

مستقبل للعلوم الإسلامية؟ (الرباط: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 0192)، ص.175–123

(24) Mohammed Nekroumi, Tugend als Gemeinwohl: Grundzüge hermeneutischen Denkens in der postklassischen koranischen Ethik am Beispiel der Maqasid–Theorie von as–Satibi (Belin: Harrassowitz Verlag, 2018), p. 110.

تصح هنا فكرة المصلحة المرسلة (المصلحة العامة) إذا ما أصبحت "راجحة" في مقابل الشر أو المفسدة.

فهي تحتاج إلى معايير تأخذ بالأسباب، أملًا في تحقق النتائج، مثل حاجة المريض إلى دواء وحاجة المتهم إلى محام. وبناء عليه، فإن المنظومة الشرعية ومخلفاتها الجنائية تقوم على وجود مصالح أساسية؛ وهي مصالح متصلة ببقاء الإنسان والحفاظ على الحرث والنسل ومصالح مقترنة بالحفاظ على حقوقه، أو باستردادها عند ضياعها. ونتيجة غياب منظومة صارمة من القواعد القانونية في الإسلام، تدارك الأصوليون ذلك الغياب بفضل لجوئهم إلى مراعاة المصالح، بعدما أصبحت الحقوق مرتبطة بالموازنة بين الأفعال الخيّرة والشريرة

بما يخدم مصلحة الأمة، بدلًا من أن تظل مبادئ معيارية مجرّدة. وهكذا، فإن فكرة المصلحة الدنيوية

"تروم تحقيق النجاة انطلاقًا من الأعمال الفردية [...] حينما يرجَحُ الخيرُ الشَّرَ، في انسجام مع العادات

والأعراف". يعني هذا من الزاوية الإنسانية أن الإجماع قد انعقد بشأن حماية الحاجات الضرورية، مثل حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل. وما دام الأمر يتعلق بتحقيق الكمال الذاتي، فإن مساهمة العقل تؤخذ في الاعتبار أثناء تطبيق الشريعة الدينية؛ لأنه يسعى للموازنة بين مصالح متباينة، ونقصد بها الخيرات الأساسية التي تتمثّل في الحسنات التي نُقبل عليها وفي الآلام التي نتجنبها. وتتوزع هذه الخيرات بين مجالات المعاملات والعبادات؛ وهي في جزء كبير منها حقوق العباد التي لا تخلو من حقوق الله، وهي في معظمها حقوق الله التي لا تخلو من حقوق العباد. وبناء عليه، لا توجد حدود صارمة تفصل بين مجال العادات ومجال الشرع. وقد أشار محمد النكرومي إلى ذلك، "فإن الغاية من الشرع هي أن يقوم أولًا بالحماية والتشجيع على الأفعال التي تخدم الصالح العام، كما يسعى ثانيًا لإقصاء الأفعال التي تخلق مشكلات غير ضرورية على هذا الطريق أو

تضع حواجز تحول دون الوصول إلى هذه الغاية". وقد قامت خدمة الصالح العام بدور أساسي في تغليب الأفضال الأخلاقية على المسؤوليات الجنائية الفردية وعلى ترتيب الجزاءات. وبناء عليه، نجد اختلافًا كبيرًا بين تصورَين متباينين: يعتبر التصوّر الديني أنّ الحق يمحق الباطل وأنّ

النهار يُذهبُ الليل، ولذلك فإنّ الحسنات تُذهبُ السيئات. فكلما حرص المرء على المساهمة في

الصالح العام، رجحت كفّةُ الحسنات كفّةَ السيئات. تصبح الحسنات مُبرّرًا كافيًا لتجاوز السيئات

وللبحث عن شبهات للاستفادة من قرينة الشك ما لم يصَّرَ ذوو الدم أو الحقوق على استرجاع

حقوقهم. مع ذلك، يظل كثيرٌ من الصعوبات قائمًا في وجه المنظور الإسلامي الخاص بتجريم الفواحش في

المجال العام. وبما أنّ العقوبات الجنائية الإسلامية قد تركت مكانها للعقوبات البديلة في التعزير؛ قد يعترض الفقهاء على التمييز بين الفضاءَين الخاص والعام، ويستمرون في الدعوة إلى التعزير،

(25) Ibid., p. 110. (26) Ibid., p. 111. (27) Ibid., pp. 126–127.

عند تعذّر تطبيق الحدود؛ كما أنّ عقوبة الفواحش لا تخضع لمبدأ المساواة في الحظوظ بين الأفراد، بما أنّنا نجد أشخاصًا غير محظوظين، ولا يملكون مج لًا يبعدهم عن فضول الغرباء، بخلاف غيرهم؛ وقد تلاشى التمييز الصارم بين المجالَين الخاص والعام بعد أن تسللت وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحياة الشخصية؛ ويمكننا أن نعتبر أنّ نقطة الضعف الرئيسة في منظور الفقهاء تتجلى في عدم التمييز الواضح بين الستر والتستّر، أي بين الأفعال التي تخرج عن المواضعات المألوفة والأفعال التي تشكّل جرائم، بصرف النظر عن مكان اقترافها. هكذا، يفقد الضحايا حقوقهم إذا ما اقترف العنف الأسري أو الجرائم الجنسية في المجال الخاص. وفي الأخير، يعني التمييز بين المجالَين الخاص والعام أنّ المجتمع يمارس الرقابة على الأفراد؛ غير أنّ هذه الرقابة لا تعني أنّ الأفراد يمارسون الرقابة الذاتية على أنفسهم؛ إذ من المفيد أن ننقل مناقشة القيم الأخلاقية المتصلة بالحريات الفردية من المجال الخاص إلى الفضاء العمومي. وقد يكون من المفيد أن نفحص إشكالية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من زاوية فلسفية جديدة من منظور معياري تحليلي لفلسفة الأخلاق مع ستراوسن.

خامسًا: إشكالية الحمد والذمّ في فلسفة ستراوسن

نعتمد بصورة إجمالية القيم الاجتماعية التي تدفعنا إلى مباركة أفعال الناس أو الاستياء منها أو إبداء الامتعاض، فنحمد أفعال الناس أو نذمّها. وهكذا، يصبح الإنسان محمودًا ومباركًا أو مذمومًا مدحورًا. من هذه الزاوية، وضع ستراوسن تصوّرًا أخلاقًّيًا ركّز فيه بوجه خاص على ردود الفعل

الأخلاقية، مثل ردود الفعل التي تظهر في التعبير عن الاستياء من الأفعال غير المقبولة، مثل عدم المبالاة بنا، أو عدم احترام المواعيد أو القيام بأفعال النميمة أو الاعتداء اللفظي على الآخرين. وفي المقابل، نشكر المرءَ على فعله المحمود تجاهنا وتجاه الغير؛ آنذاك نعتبر الفاعل قدوةً حسنة ينبغي

أن يسير بقية أفراد المجتمع على هديها. هكذا أبرز ستراوسن أنّ المواقف التي أسماها "مواقف ردود الفعل Reactive Attitudes الظاهرة تعتبرُ ردود فعل طبيعية في جوهرها، في مواجهة الإرادة الخيرة أو

المريضة أو عند الاعتراض على لامبالاة الآخرين تجاهنا، كما هو ظاهر من مواقفهم وأفعالهم". وإذا ما فهمنا كلام ستراوسن وفق منظورنا الثقافي والديني، نقول إنّ الحمد والذمّ يقترنان بالاعتراف بقيمة الأفعال والأشخاص في ذاتهما أو يقترنان بالاستياء والتعوّذ منهما، عملًا بمفهومَي التحسين والتقبيح. ونحن نستند كذلك في واقعنا الاجتماعي إلى القيم الاجتماعية المألوفة ونتفاعل أخلاقًّيًا مع

أنواع السلوكات التي نعتبرها مقبولة أو مرفوضة، معروفةً أو منكرَةً؛ يفترض ستراوسن في عرضه لردود

فعل الحمد والذم ردود الفعل العفوية ولا ينطلق من مواقف مسبقة، ولا يتجاوز الأحكام التي ترسمها

(2((وهذا ما يمكن تحقيقه في مذاهب علم الكلام الجديد؛ إذ إنّنا نحتاج إلى منظور إسلامي معاصر يناقش الانتقال من الأخلاق

إلى التجريم، خارج المساجلات التقليدية بين الأشاعرة والمعتزلة وخارج مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" المعتزلي، وفي إطار مناقشة البعد القانوني للأخلاق.

(29) Peter F. Strawson, Freedom and Resentment and Other Essays (Paris: Routledge, 2008). (30) Ibid., pp. 10–11.

طبيعة العلاقات العادية بين الأفراد داخل المجال التداولي؛ ولذلك لا تفترض أشكال التفاعل العادية في ذهنه وجود هيئة عليا تُحدّد ما هو المعروف الذي تحمده وما هو المنكر الذي تتعوذ منه. ويذهب جاري واتسون بعيدًا في فهم ستراوسن، ويستبعد وجود حكم شخصي مسبق على مضمون الأفعال. فعندما نعمل على تحميل المسؤولية، "نفسر ذلك بنسبة من مواقف ردود الأفعال، ولا نفسره بوجود مضمون قضوي مفهوم ويشكل مضمون الاعتقاد في المسؤولية". وقد اعتبر ستراوسن أنّ المواقف التي نتخذها في ردود أفعالنا تنظر إلى المسؤولية الأخلاقية التي تلقى على عاتق الآخر، وهي صلة وصل ثابتة "في مختلف الوشائج الأخلاقية وعضو في الجماعة الأخلاقية". هكذا، تحرص الجماعة على لوم الأفعال الجنائية المقصودة، وعلى التسامح في حدود محَّدَدة مع الجاني إذا ما ألحق ضررًا بالضحية، شريطة ألا يكون الضررُ متعَّمَدًا. نجد هنا عدم توازن بين الجاني

والضحية لصالح الجاني. لا يجد سلوك الأفراد اعتراضًا من داخل الجماعة، ما لم يشكّل تهديدًا مباشرًا للمجتمع. وتظل محاكمة

الأفعال المحظورة قائمة باسم الدفاع عن القيم الاجتماعية والمعايير الشرعية، كما لا تقلّ حماية القيم الاجتماعية أهميةً عن تطبيق مبدأ العدل. غير أنّ الاعتراض على سلوك الأفراد يظهر في إصدار أحكام على هذا السلوك، وهي الأحكام التي تمثّل ردود فعل سلبية عليه. غير أنّنا من زاوية نظر ستراوسن نعتبر أنّ "اللوم تقييم لا يهدف إلى تصُّيُد

الأخطاء من منظور يدّعي الموضوعية والاستقلال كليّا، بل يهدف إلى توجيه مجموعة من ردود الفعل

إلى الفاعل، من منطلق ذلك التقييم ذاته". قد لا يستطيع المسيء فهم ردود الأفعال المستهجنة، لأنّنا قد نكتشف أنّه كان سيّئ الحظ، بما أنّ

ظروف تنشئته الاجتماعية قد أفرزت لديه مظاهر عجز يمكن التعرّف إليها بصورة مستقلة؛ وتظهر مظاهر

العجز إجم لًا في صعوبة تكوين صداقات وفي إظهار التعاطف مع الغير وفي عدم التأثّر بالاعتبارات الأخلاقية وفي الافتقار إلى القدرة على أخذ الغير في الاعتبار. ويتساءل جاري واتسون: كيف نفهم موقف ستراوسن بشأن ردود الفعل الأخلاقية؟ و"أنفهم من معنى تحميل المسؤولية أن يصبح تحميل تبعات الأفعال ناجعًا إذا ما اعتمد طريقةً في الضبط الاجتماعي للأفراد، أم أنّه يجوز لنا أن نفهم تحميل

(31) Gary Watson, "Responsibility and the Limits of Evil: Variations on a Strawsonian Theme," in: John Martin Fischer & Mark Ravizza (eds.), Perspectives on Moral Responsibility (Ithaca/ London: Cornell University Press, 1994), p. 259. (32) Ferdinand Shoehman (eds.), Responsibility, Character and the Emotions: New Essays in The Moral Psychology (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), p. 267.

((3(فقد نصّ الفقهاء على أن القاضي الذي حكم بالضعيف يُشترط فيه أن يكون عدلًا لا جائرًا وأن يكون ممن يُقتدى به في

الترجيح.

(34) Shoehman, p. 262. (35) Watson, p. 274.

المسؤولية بمعنى خاص وهو أنّ الفاعل قد استجاب لشروط الخضوع للمساءلة الأخلاقية من زاوية نظر النظرية التعبيرية Expressive Theory؟".

سادسًا: كيف أصبح مجال الطهارة والنجاسة موضوع تنظيم قانوني؟

نميّز في الواقع بين جنسين كبيرين من الحالات المتباينة فيما بينها: توجد مشاهد مناظر مقرفة وروائح

كريهة تشمئزّ منها الحواس، كما قد نصطدم بمشاهد صادمة ومستفزّة للحياء العام، مثل أن يتعرّى المرءُ

بصورة متعَّمَدة أمام الناس. نكتشف أنّ الإخلال بالحياء يعني عدم الاستحياء الذي لا يُجَرَّمُ في حد

ذاته، بل فقط في الحالة المتعَّمَدة، أي في الحالة المستفزّة والصادمة. يمكن أن يدافع الطرف المشتكي عن دعواه باستحضار مبرّر الاستفزاز الذي تعرّض له، ولو أنّ الفاعل لم يقصد ذلك، ولم ينتبه إلى

وجود غيره من الناس حينما قام بالسلوك الصادم أو المستفز؛ لكنّ مبرّر الاستفزاز يُعتَبرُ مبرّرًا قانونًّيًا في

ظروف خاصة، مثل أن يشعُر ضحية الاستفزاز الذي قام به الفاعل بالحرج الشديد أمام الأفعال المقترفة على مرأى من الناس، أو إذا ما شعر ضحية الاستفزاز بالإهانة لأنّ قيمه الأخلاقية لا تتقبل سلوك الفاعل المستفز؛ لكن الاستفزاز يصبح بلا موضوع، إذا ما كان في إمكان ضحية الاستفزاز أن يدير وجهه بعيدًا عن الفاعل، أو إذا ما كان المشهد جزءًا من عمل فنّي، فيفقد مبرّر الاستفزاز آنذاك قوته الاستدلالية.

وعمومًا، إنّ الاشمئزاز من رائحة كريهة زكمت نفوسنا يختلف عن الاشمئزاز من رائحة كريهة تصفها رواية أو يعرضها شريط سينمائي. توجد ردود فعل مستهجنة على مشاهد مقزّزة، وقد تذهب إلى درجة محاسبة الظروف المحيطة بتلك المَشاهد. وقد تُستعمل عبارات تستهجن "الأفعال الصادمة للمشاعر" أو التي "تخدش الحياء"، من دون أن نعلم إن كان قد حصل ضررٌ فعلٌّيٌ أم أنّ الصدمة لم تكن صادقة،

لأنّها لم تحدث ضررًا نفسًّيًا، بقدر ما تمنع التعبير عن رأي آخر لا علاقة له بالحياء العام. لا يتعلّق

الأمر في هذه الحالة باستهجان أفعال، بقدر ما يتعلّق بالحطّ من حرية الأشخاص الذين ينتمون إلى فئات تَّتهَمُ بالشذوذ عن القيم الاجتماعية الجارية. ينمو الشعور بالتقزّز من هذه الأنماط من السلوك أو يتراجع في هذه الحالة، بحسب ظروف التنئشة الاجتماعية. وقد أبرزت نوسباوم في مقابل ذلك أنّ

(36) Shoehman, p. 274;

النظرية التعبيرية هي التي تعتبر أنّ عقاب الجناة رسالة موجّهة إلى المجتمع، وتفيد أنّ السلوك المجَّرَم غير مقبول. ينظر:

R. A. Duff, Trials and Punishments (Cambridge: Cambridge University Press, [1986] 2009), p. 68.

((3(تقول المادة 483 من القانون الجنائي المغربي: "من ارتكب إخلالًا علنًّيًا بالحياء وذلك بالعري المتعمد أو بالبذاءة في

الإشارات". ينظر: المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.59.413 بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي، حرر بالرباط في 28

جمادى الثانية 3821 الموافق 26 نونبر 962 "1، الجريدة الرسمية، السنة 52، العدد  4026 – مكرر، 963/6/51، ص 9612، شوهد في

024/6/12:2، في https://tinyurl.com/579tz6sw (38) Nussbaum, p. 127.

((3(ينصّ القانون الجنائي المغربي في المادة 489 على ما يلي: "يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مئة

وعشرين إلى ألف درهم من ارتكب فعلًا  من أفعال الشذوذ الجنسي مع شخص من جنسه، ما لم يكوّن فعله جريمة أشد". ينظر:

المملكة المغربية، "ظهير شريف 1.59.413"، ص.1297

التقزّز طبيعٌّيٌ في مختلف الثقافات، حينما يتعلق الأمرُ باستهتار المرء بشروط النظافة والصحة العامة

عند تلويث الأماكن العامة بالبراز أو البول. وحتى في هذه الحالة، نعتبر أنّ تلويث مكان ما بالبراز والبول موضوعُ اشمئزاز وتقزّز، من دون أن يعاقب عليه، إذا ما حصل ذلك ماثلًا أمام الطبيب المعالج للجهاز البولي. انطلاقًا من هذه المعطيات، يظهر فرق واضح بين ظاهرتين مختلفتين؛ نتحدث من جهة أولى عن التقزّز من ظواهر تصدمُنا في استقرارنا النفسي وفي علاقاتنا الاجتماعية وقد تشكّل خطرًا علينا، من

دون أن نملك فرصة تجنّبها؛ ونتحدّث من جهة أخرى عن ظواهر اعتدنا أن نشمئزّ منها داخل ثقافتنا، بينما لا تثير اشمئزازًا داخل ثقافات أخرى، أو قد يشرع المرءُ في الاشمئزاز منها بناءً على قناعاته

الذاتية، من دون أن تحتمل تلك الظواهرُ تأويلًا متجانسًا وحيدًا. وهكذا، فإنّ الأفعال التي تثير الاشمئزاز

لا تستدعي بالضرورة إظهار الاشمئزاز من الفاعل، كما لا ينبغي إيجاد مبرّر قانوني لتجريم كل الأفعال

المستهجنَة، ما دامت لا تشكّل خطرًا فعلًّيًا من زاوية جنائية. وهذا ما نتعرض له في أمثلة تطبيقية.

سابعًا: الجنس وجرائم الشّرف بين قانون نابوليون والقانون الجنائي المغربي

ذكرت نوسباوم أن "عددًا كبيرًا من المجتمعات تشجع الناس على التفكير في الاعتداءات من زاوية

انتهاك حرمة هذه المجتمعات ومنزلة الناس النسبية داخلها". والاعتداء على المنزلة الاجتماعية Statut ليس اعتداء على الإنسان بما هو إنسان، بل هو اعتداء على "الشّرف" وعلى "الجاه" داخل القبيلة، لأنّ الشّرف والجاه كانا بمنزلة قانون أخلاقي أسمى. والنتيجة هي أنّ مردودية العلاقات السياسية كانت تنبني على شرف الانتماء. وهذا ما أبرزه كريس ويكام بقوله إنه لم يكن من الهيّن أن يحصل المرء على سمعة مشرّفة في كل "طبقات مجتمعات العصر

الوسيط، وفي كل المناطق والأحقاب". وذكر كيف أنّ "مؤاخذة عدم الوفاء أو الجبن أو مؤاخذة ممارسة جنسية غير مقبولة (حينما كان يتعلق الأمر بالنساء) أو مؤاخذة الرجل المرأة على خيانته، كانت تهديدًا موَّجَهًا إلى الشّرف". وكان الاختلاس أكثر مقتًا عند الجماعة من السرقة في واضحة النهار، لأنّ الاختلاس يساوي خيانة الأمانة والمَّسَ بميثاق الشّرف المشترك. عندما يقوم المجتمع على قيمة الشّرف لا يجدي العفو عن المختلس ولا إعفاؤه من العقاب، بما أنّ المختلس يصاب بالوصم. والوصم أخطر من العقاب. والنتيجة هي أنّ الجاني يتعرض عند وصمه

(40) Nussbaum, p. 128. (41) Martha Nussbaum, Anger and Vorgiveness: Resentment, Generosity, Justice (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 28. (42) Chris Wickham & Susanne Held, Das Mittelalter: Europa von 500 bis 1500 (Stuttgart: Klett–Cotta Verlag, 2020), p. 31. (43) Ibid., p. 31.

لفقدان الشّرف، فيُمنَعُ من الإدلاء بشهادته أمام المحاكم، ومن أداء اليمين ويتخذ الوصم صورة عقاب

نفسي في مظاهره المتعددة؛ ما يعني أنّ المنظومة القانونية المبنية على الترادف بين العقاب والوصم خليط من القيم الجنائية والقيم الاجتماعية المبنية على الشّرف والولاء والخضوع أو الخيانة والتمرد والفساد.

ثامنًا: تقنين العلاقات الجنسية في المغرب

إنّ الوصم في جرائم الفساد (المتعلقة بالجنس بوجه خاص) أشدّ وقعًا على النفوس من العقاب ذاته، بما أنّ شرف المرأة يحتل منزلة عليا في سلّم القيم والأعراف الاجتماعية في مجتمع الذكور، وبما أنّ القانون الجنائي المغربي يرفض الممارسة الجنسية خارج رابطة الزواج بين الجنسين. ولا جدال في أنّ سائر الدول الغربية كانت تتوفّر بدورها على هذه القوانين المتعلقة بالآداب العامة. ذلك أن مقولة "الآداب العامة" تقترن بالضغط الذي يمارسه الرأي العام على الهيئة التشريعية. ويظل "استنكارُ" قلة الحياء المذكورة في تلك المادة مبرّر تجريم ذلك السلوك حتى في المجتمعات التي

احتفظت بالتشريع الإسلامي في حدوده الدنيا. وعلاوة على ذلك يقبل القانون المغربي جريمة الشّرف (مجموعة القانون الجنائي، 9631)، بعد أن تبنّى المشرع المغربي قانون نابوليون: ينصّ الفصل 418 من مجموعة القانون الجنائي على ما يلي: "يتوفر عذر مخفض للعقوبة في جرائم القتل أو الجرح أو الضرب، إذا ارتكبها أحد الزوجين ضد الزوج الآخر وشريكه عند مفاجأتهما متلبسين بجريمة الخيانة الزوجية". وينصّ الفصل 420 على ما يلي: "يتوفر عذر مخفض للعقوبة في جرائم الجرح والضرب دون نية القتل، حتى ولو نشأ عنها موت، إذا ارتكبها رب أسرة على أشخاص فاجأهم بمنزله وهم في وضع اتصال جنسي غير مشروع". استوحى القانون المغربي المواد التي تلتمس العذر لجرائم الشّرف من المادة 324 من قانون نابوليون Code Napoléon الذي ظهر سنة 810.1 ولم يُحذَف هذا القانون إلا سنة 975.1 لم يسمح القانون الفرنسي للنساء بقتل أزواجهن الخائنين، ولكنه أجاز للأزواج قتل زوجاتهم الخائنات.

((4(ينصّ الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي على أن: "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية تكون

جريمة الفساد ويعاقب عليها من شهر واحد إلى سنة". المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.59.413"، ص.1297 ((4(المادّة 483 من القانون الجنائي المغربي: "من ارتكب إخلالًا علنًّيًا بالحياء وذلك بالعري المتعمد أو بالبذاءة في الإشارات

أو الأفعال يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من مئة وعشرين إلى خمسمئة درهم". ينظر: المرجع نفسه، ص.1296

(46) Helga Cremer–Schäfer & Heinz Steinert, Straflust und Repression. Zur Kritik der populistischen Kriminologie (Berlin: Westfälisches Dampfboot; Nachdruck der 2., überarbeitete edition, 2021), pp. 4–33.

((4(المملكة المغربية، "ظهير شريف رقم 1.59.413"، ص.1291

كان الفصل رقم 324 من القانون الجنائي الذي أصدره نابوليون مصدر الفصل رقم 881 الذي أصدره القانون الجنائي العثماني سنة 8581، وقد كان القانونان الفرنسي والعثماني معًا مصدر الفصل 340 الذي أصدره القانون الجنائي الأردني، والذي سمح للزوج بقتل زوجته وعشيقها إذا ما ضبطهما في حالة تلبّس؛ كما أنّ الانتداب الفرنسي على لبنان أدّى إلى فرض قانون جنائي سنة /1943 9441 وهو

القانون الذي اكتفى بسنتي سجن للمرأة بحدّ أقصى في حق علاقة جنسية غير مشروعة، وبسنة واحدة سجن للرجل بحدّ أقصى. نتج التشُّدُد في معاقبة جرائم الفساد بعد استبعاد عذر الشبهة وانتقاد ذريعة حماية الحياة الخاصة لتبرير العلاقات الرضائية. حاول التشريع الجنائي تدارك أوجه الضعف المتعلقة بتنظيم الآداب العامة في ضوء الانتقادات التالية:.1 عدم التمييز الواضح بين الستر والتستّر؛ أي بين الأفعال التي نقوم بها في الحياة الخاصة، وتَشُّذُ عن المواضعات المألوفة وقد تشكّل جرائم في ذاتها..2 يتزايد ضحايا العنف الجنسي في جنح الظلام ويفقد الضحايا حقوقهم، إذا ما اقترف العنف الأسري أو الجرائم الجنسية في المجال الخاص. 3. يمارس المجتمع الرقابة على الأفراد في المجال العام، وليست له رقابة على المجال الخاص؛ مع الأسف، لا يفضي تحرّر الفرد من الرقابة على المجال الخاص إلى إجباره على ممارسة

الرقابة الذاتية؛ أي إلى محاسبة النفس. 4. تنعدم رؤية واضحة وشفافة للعلاقة بين المجالَين الخاص والعام. فلا شيء يمنع الأفراد من ممارسة نزواتهم في حياتهم الخاصة، من دون أن يناقشوا بروح المسؤولية مدى شرعية النزوات في الفضاء العمومي.

تاسعًا: مقارنة القانون الألماني في مجال تقنين الآداب العامة

أريد تقديم مثال حيّ يوضح إشكاليات تقنين الآداب العامة؛ ذلك أنّ هذا التقنين أقدم على بديل

متطرف في التشريع الألماني، بعدما تخلى عن تجريم العلاقات الجنسية بين شخصين راشدين وبلا إكراه. وهذا ما أدّى إلى تقنين الدعارة في القانون، من دون أن يتعارض هذا التقنين في رأي المشرع مع مقتضيات الآداب العامة:

((4(اقتبست الدول العربية التالية فصولًا جنائية من المادة 324 الفرنسية نفسها: القانون الجنائي الجزائري سنة 9911، الفصل 792؛

والمصري 9371، الفصل 85؛ والعراقي 9661، الفصل 409؛ والأردني 9601، الفصل 340؛ والكويتي، الفصل 315؛ واللبناني المحذوف سنة 9111؛ والعماني، الفصل 252؛ والسوري 9531، الفصل 485؛ والتونسي 9911، الفصل 072 تمّ حذفه؛ والإماراتي

3/1978، الفصل 334؛ واليمني 99412/1، الفصل 322؛ والفلسطيني، يملك قانونين جنائيين: الأردني 9601 في الضفة الغربية وقانون الانتداب الإنكليزي، الفصل 81 في قطاع غزة، اللذين حُذفا على التوالي بالفصلين 1 و 2 ثم حذفا معًا بالفصل 3 في قانون

9111 رقم 71، بعد توقيع محمود عباس، وتطبيقهما في القطاع الشمالي والقطاع الجنوبي. ينظر: Murphy, pp. 78–79.

نشر ألبين إيزر سنة 9701 مقالة بعنوان "الجنس من منظور إصلاح القانون الجنائي"، بناءً على أنّ

مدونات جنائية كثيرة استندت جزئًّيًا إلى الآداب العامة. نعود هنا إلى الفقرة 31 من مجموعة القانون

الجنائي الألمانيBGtS التي كانت بعنوان Straftaten wider die Sittlichkeit "جرائم وانتهاكات الآداب العامة"، ثم أصبحت سنة 9981 بعنوان Offenses against Sexual Autonomy "انتهاكات ضد الاستقلال الجنسي للفرد". كان هدف الإصلاح هو التركيز على الفرد بدلًا من الجماعة فيما يخصّ

الحماية الجنسية. ولذلك استُبدِل عنوان "انتهاكات الآداب العامة" بعنوان "انتهاكات الاستقلال

الجنسي". وكان هدف تغيير القانون هو حماية النساء من جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي، وقبول العلاقة الرضائية بين الطرفين في صيغة واضحة لا لَبس فيها. وظلت الموافقة الشخصية Consent هي معيار الفصل بين الاستقلال الجنسي والجرائم الجنسية. نتساءل بهذا الشأن: هل الموافقة مبرّر كافٍ لقبول السلوك الجنسي المستهجن داخل المجتمع، حتى

لو لم يلحق ضررًا بأحد؟ أخذت معظم الدول الإسلامية بالقانون الجنائي الحديث، ولم تصرف النظر

عن أهمية الآداب العامة ولم تكترث بمعيار الموافقة. فما الحجج التي تقيّد العلاقة الجنسية بميثاق

الزواج؟ نعتقد عادةً أنّ الضرر الفعلي الذي يصيب المجتمع، نتيجة العلاقات الحرة، أكثر من النفع الذي يجنيه الأفراد لأنفسهم. لكن إذا ما تبيّن أنّ السلوك غير المحافظ لا يضرّ بالمجتمع، هل تصبح

موافقة الأطراف معيارًا كافيًا للتمييز بين الجرائم الجنسية والعلاقات الرضائية؟ تصبح بعض أنماط السلوك مرفوضةً أخلاقًّيًا لأنّها تضرّ بالمجتمع؛ إذ تفضي إلى تدنّي نسبة الزواج،

وإلى تفاقم ظاهرة الأطفال المتخلّى عنهم، وارتفاع نسبة الطلاق، وإلى تفاقم الإجهاض، وتزايد الأمراض المنقولة جنسيًا. ثمّ إنّ المرأة تصبح ضحية العلاقات الجنسية في البلدان التي تعاني تدنّي مستويات التربية والتعليم

وهيمنة سلطة الرجل. وتذكر نوسباوم أنّ النظرية النسوية كانت سبّاقة إلى المساهمة الأخلاقية في

التوعية بكرامة المرأة واستقلاليتها، وإلى الضغط الإيجابي على المنظومة القانونية. ونستفيد من كلامها أنّنا "نحتاج إلى نظرية أخلاقية لشحذ ضمائرنا إلى درجة المطالبة بتعديل القانون. يجب على الأخلاق أن تسبق المقتضيات القانونية، ولو أنّ القوانين هي القواعد التي يجب علينا أن نتّبعها، حتى

(49) Albin Eser, Sexualität in der Strafrechtsreform (Zeitschrift: Juristische Analysen, 1970), pp. 218–242.

(5((كما هو الحال في العبارة الفرنسية المرادفة "attentats aux moeurs"، attentats à la pudeur" "؛ أو في الصيغة الإيطالية

delitti contro la moralita’ publicae il buon costume" "، أو السويدية "sedlighetsbrott". (51) Karl Lackner, Kühl Kristian & Martin Heger, Strafgesetzbuch: STGB (Auflage: neu bearbeitete, 2023), p. 146. (52) Kevin Cole, "Affirmative Consent," in: Kimberly Kessler Ferzan & Larry Alexander (eds.), The Palgrave Handbook of Applied Ethics and the Criminal Law (New York: Springer International Publishing, 2019), p. 47.

(5(("تونس والمغرب هما الدولتان الوحيدتان اللتان تتمتعان بقانون محدد بشأن مكافحة العنف ضد النساء والفتيات. ويُجرّم

بعض أشكال العنف ضد النساء والفتيات مثل العنف الأسري والتحرش الجنسي". ينظر: العنف ضد النساء والفتيات في منطقة

جنوب البحر الأبيض المتوسط (عمّان: المرصد الإقليمي حول العنف ضد النساء والفتيات، 0202)، ص.18 (5((لم تَّمَ إدانة الاغتصاب الزوجي في الجمهورية الألمانية وتجريمه إلا سنة 997.1 ينظر:

Stefanie Beck, Die Philosophie Martha Nussbaums hinsichtlich ihrer feministischen Ausrichtung (German: Södertörns högskola/ Institutionen för Filosofi, vårterminen, 2009).

لو لم تظهر المنظومة الأخلاقية للعيان". ويظل السؤال المتعلق بتجريم الممارسات غير الأخلاقية مرتبطًا بقدرة المجتمع على تعزيز تماسك الأسرة، وعلى رعاية الأطفال المولودين خارج الإطار الشرعي، وعلى حماية الأمهات العازبات، ومناهضة الاتجار بالبشر. ولذلك، علاوةً على أنّ المجتمع المحافظ ما يزال يعتبر العلاقات الجنسية الرضائية مرفوضةً شرعًا وخلُقًا معًا، وإضرارًا بالآداب العامة، أصبحت تكاليف التراضي باهظة الثمن. فقد أدّى الاكتفاء بمعيار التراضي إلى تقنين شبكات الدعارة. فإذا ما كانت الموافقة شرطًا في إباحة العلاقات الجنسية، جاز لنا قبول الارتباط الحر بين أطراف الجنس نفسه أو داخل العائلة ذاتها. فقد أصبحت حرية التعاقد مبدأً لا يكترث للاعتراضات الأخلاقية على ما سلف. ومع ذلك، يوجد اختلاف بين الدول الليبرالية في تعاملها مع شبكات الدعارة. فالسويد، ماثلًا، تختلف عن ألمانيا في موضوع الاتجار بالبشر. وأطلقت استمارةً واسعة استخلصت منها أّن 80 في المئة من السويديين يدافعون عن فكرة "وجوب إلغاء الدعارة". فصدر قانون 9991 الذي اعتبر الدعارة عنفًا جنسًّيًا. وخلافًا للسويد، أدخلت ألمانيا تعديلًا على قانون الدعارة سنة 0022، وجعلها مهنةً

كسائر المهن. غير أنّ هذا التعديل، بحسب السويديين، قد "ضيّع على الألمان فرصة ذهبية لتوعية الرأي

العام لمواجهة مشكلة حقيقية تفيد أنّ الدعارة تنتهك الكرامة البشرية". وفي مقابل السويد، أصدرت المملكة المتحدة تقريرًا عنوانه The Wolfenden Report سنة 9571 أوصى بالتراجع عن الدعوة إلى

تجريم الدعارة. فإذا كانت الدعارة نموذج الفساد الأخلاقي الذي يحطّ من الكرامة، لم يَحُل الفساد دون ظهور تباين شديد في مواقف الشعوب من الأخلاق. فقد تراجع الاعتراض على تناول المخدرات التي تذهب العقل، فدعت نوسباوم في وقت مبكر إلى عدم تجريم الأنواع الخفيفة من المخدرات؛ وهذا ما جعل المنظومات القانونية تخضع لتعديل مستمر مع تغيّر المنظورات الأخلاقية. أصبح تأديب الأطفال عنفًا يرفضه القانون. ودعا دوغلاس هوزاك إلى علاج ضحايا المخدرات بدلًا من سجنهم وإلى التراجع عن المبالغة في التجريم وإلى الحد من تضخم القانون الجنائي، باسم تعُّقُب تجّار الممنوعات وشبكات الاتجار في البشر أو محاربة الإرهاب.

(55) Ibid., p. 64. (56) Ibid., p. 65.

(5((تقرير "وولفندن" الذي صدر في عام 9571، قد أوصى بتجريم العلاقات المثلية بين البالغين المتفقين على الفعل، وعارض تجريم الدعارة، التي لم تكن في ذلك الوقت غير مشروعة. ينظر: , p. 75 Hiding from Humanity Nussbaum,.

(58) Ibid., p. 228.

(5((لم تحظر ألمانيا ضرب الآباء أطفالَهم إلا سنة 0002، واستُبدل به قانون حقّ الأبناء في تنشئة تخلو من العنف (القانون المدني

الألماني، المادة 3116، الفقرة الثانية). وعلى المستوى الدولي لم تعمل إلا 32 دولة على منع العقوبة الجسدية التي يفرضها الأبوان على الأطفال. وقد أفاد "التقرير الدولي بخصوص العنف تجاه الأطفال" World Report on Violence against Childen للأمم المتحدة أّن 95 في المئة من الأطفال يضطرون إلى تحُّمُل العقوبات الجسدية داخل بيت الأسرة. ينظر:

Paulo Sérgio Pinheiro, World Report on Violence against Children (New York: United Nations, 2006).

ويُطَبَّقُ "العقاب الجسدي" في أكثر من مئة دولة بحماية القانون داخل الحقل الدراسي. ينظر البوابة الإلكترونية التي تدعو إلى وقف

Zero Abuse Project , accessed on 10/6/2024, at: https://cutt.ly/meoiHKKr الضرب: (60) Husak, Overcriminalization , p. 80.

خاتمة

لماذا لجأت الدول الإسلامية إلى التنظيم القانوني للأخلاق العامة من أجل مواجهة الممارسات المحظورة في الدول الليبرالية المتطرفة، ولو أدّى ذلك إلى تضخم القانون الجنائي؟ يظل قانون الأسرة والأحوال الشخصية ونظام الإرث من المجالات الشرعية المتبقّية التي ما تزال تقاوم التنظيم القانوني الحديث في كثير من الدول وبدرجات متفاوتة. فقد استُبدلت القوانينُ الحديثة بالمرجعيات الشرعية في حقول الاقتصاد والسياسة والإدارة والأمن وغيرها من القطاعات الاجتماعية. غير أنّ المجالات الشرعية تقاوم التحديث القانوني وتتمسّك بالأخلاق الاجتماعية. وتُظهر الأخلاق الاجتماعية الموروثة أنّ النجاسة تلوث الغير وتصيب المجتمع بالفساد. وعليه، أصبحت الأخلاق الاجتماعية حصنًا حصينًا يحمي المجتمع من آفات التفُّكُك. فتخليق الإنسان يعني تحصينه من التلوث المثير للاشمئزاز. واعتُبرت الأخلاق تحصينًا للمنظومة القانونية في المتون الشرعية. فالخمر من الخبائث الملوثة للعقل، والجنس غير المشروع من النجاسات المفسدة للطهارة. والخمر والجنس كلاهما شغلا حيّزًا معتبرًا في الأخلاق، ولم نجد في الإسلام التسامح ذاته الذي

أظهره الغرب تجاه السلوك غير الأخلاقي، ما دامت سمومًا تؤثّر في تماسك المجتمع وفي "المصالح المحمية" الأساسية. وبما أنّ الإسلام دين الدولة في معظم الدول الإسلامية، أصبح صون "المصالح المحمية" جزءًا من

سياسة الدول. وأصبح من واجب الدولة حماية المواطن من نفسه قبل حمايته من غيره؛ وسمحت لنفسها بإحداث مراقبة اجتماعية على الأفراد، بدعوى الحفاظ على المجتمع. وقد ظهر هذا الموقف "الأبوي" Paternaliste في ضمّ تدبير الوقاية إلى الحماية، من خلال إصدار قوانين تحمي من الانتحار ومن تناول المخدرات وما إلى ذلك. في هذا الصدد، لا تتفق كل التشريعات على تقنين الوقاية في القانون الجنائي. فقد دعا بعض الفقهاء القانونيين إلى أن نميّز في تنظيم الآداب العامة بين آليات الحماية الموجهة إلى "الأطفال" وآليات

الوقاية الموجهة إلى "الراشدين"، وهو ما يعني، بناءً على اقتراح نوسباوم، أنّه لا يوجد ضررٌ في أن

"تُوَجَّه الإجراءات الحمائية الأبوية إلى الأطفال الموجودين تحت الوصاية، بينما لا يجوز أن تُوجّه الإجراءات نفسها إلى الراشدين، ولو أنّ الصوَر التقليدية للمراقبة الاجتماعية لا تزال مستمرة في بعض الوجوه، مثل إلزامية المشاركة في الانتخابات والخضوع للإجراءات الصحية، وما إلى ذلك". لم تعترض نوسباوم على القانون الألماني (9731) الذي "يبيح توزيع المواد الإباحية بين الراشدين، لكنها تشدّد على عدم نشرها بين الأطفال وعدم استغلال الأطفال لهذا الغرض".

(61) Nussbaum, Hiding from Humanity , p. 338. (62) Ibid., p. 339. (63) Ibid., p. 145.

سنّت ألمانيا قوانين صارمة بخصوص المواد الإباحية الموجّهة إلى الأطفال على الشبكة العنكبوتية.

ويمكننا أن نوجه اعتراضات كثيرة على نوسباوم: الهدف من التجريم في البلدان الإسلامية يظل هو فرض الوصاية على الراشدين، من أجل الحد من الآفات الاجتماعية الناجمة عن توسيع حقل الحريات الفردية وقصد الاقتصاد في نفقات معالجة آفات الانحرافات الاجتماعية. لم تدخل هذه الحسابات المالية في حسبان نوسباوم. نحن ملزمون بحساب المصالح والمفاسد، لا سيما إذا ما افترضنا أنّ المواطنين لم يرتقوا بعد إلى النضج الذي يؤهلهم للاستفادة من فضاء الحرية. وعلاوة على ذلك، يوجد ارتباط وثيق بين القانون والأخلاق، بما أنّ المراقبة الاجتماعية في الإسلام تبتدئ في علاقة الشخص بنفسه وبتغيير أحوال النفس قبل تغيير أحوال المجتمع، سعيًا لتكريس القيم التي تربّى

عليها القاصرون قبل أن يبلغوا سن الرشد. وعليه، إذا ما اعتبرنا المواد الإباحية أذىً في حد ذاته، فهي أذىً في حق الأطفال وأذىً كذلك بالمعنى نفسه في حق الراشدين. وإذا ما رَّخَصنا للراشدين ما حظرناه على الأطفال، سيحمل الأذى معنى نسبًّيًا. والدليل على ذلك أنّ هدف القانون هو أن يحمي الفئات الهشّة

التي تتعرض للاستغلال بسهولة. وليس هناك فرق في هذا الشأن بين الراشدين والأطفال إلا في الدرجة. وفي الجهة المقابلة، تتعرض النظرة الأبوية إلى المجتمع، هي أيضًا، للنقد. ذلك أنّ الإكراه على تطبيق آليات الوقاية بالقوة نفسها التي تطبق بها آليات الحماية يفضي إلى المبالغة في التجريم، وإلى معاقبة الأبرياء على تجاهل طرائق الوقاية. لا جدال في أنّ الإنسان قد يضعف أمام المصلحة الشخصية، ويصعب علينا أن نجرّم كل أنماط السلوك المنحرف. لذلك يظل التساؤل مطروحًا: إلى أيّ حدّ يقود فيه

اللوم إلى التجريم؟ فليس اللوم في جميع الحالات شيئًا مستحًَّقًا. ونحتاج في هذه الحالة إلى معايير

أخلاقية نواجه بها المبالغة في التجريم، حتى نتلافى معاقبة الأبرياء، بعد الخلط بين الوقاية والحماية وبين الخوف المفترض والضّرر الفعلي وبين الجرائم التي يخلقها القانون والشرور "في ذاتها".

References

المراجع

العربية

البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. مج 15. الرياض: دار السلام للنشر والتوزيع،.2012 بنحمزة، مصطفى [وآخرون]. أي مستقبل للعلوم الإسلامية؟ المغرب: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية،.2019 العنف ضد النساء والفتيات في منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط. عمّان: المرصد الإقليمي حول

العنف ضد النساء والفتيات،.2020 لسمر، عروسي. التشريع الإسلامي وتديين العقاب. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2017 المالكي، أبو بكر محمد بن عبد الله. فتح الغفّار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار. تحقيق حامد عبد الله المحلاوي التميمي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2000 اليحيى، يحيى بن عبد العزيز. الجمع بين الصحيحين. الدمام: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع،.2024

الأجنبية

Bauer, Thomas. Die Kultur der Ambiguität, Eine andere Geschichte des Islams. Berlin: Verlag der Weltreligionen, 2011. Benmakhlouf, Ali. Pourquoi lire les philosophes arabes. Paris: Fayard, 2015. Cremer–Schäfer, Helga & Heinz Steinert. Straflust und Repression. Zur Kritik der populistischen Kriminologie. Berlin: Westfälisches Dampfboot; Nachdruck der 2., überarbeitete edition, 2021. Duff, R. A. Punishment, Communication and Community. Oxford: Oxford University Press, 1971. ________. Trials and Punishments. Cambridge: Cambridge U. Press, [1986] 2009. Eser, Albin. Sexualität in der Strafrechtsreform. Zeitschrift: Juristische Analysen, 1970. Ferzan, Kimberly Kessler & Larry Alexander (eds.). The Palgrave Handbook of Applied Ethics and the Criminal Law. NewYork: Springer International Publishing, 2019. Fischer, John Martin & Mark Ravizza (eds.). Perspectives on Moral Responsibility. Ithaca/ London: Cornell University Press, 1994. Husak, Douglas. Ignorance of Law: A Philosophical Inquiry. Oxford University Press

_______. Overcriminalization, The Limits of the Criminal Law. Oxford: Oxford University Press 2008. Janz, Nikole & Thomas Risse (ed.). Menschenrechte, Globale Dimensionen eines universellen Anspruchs. German: Nomos, 2007. Lackner, Karl, Kühl Kristian & Martin Heger. Strafgesetzbuch: STGB. Auflage: neu bearbeitete, 2023. MacIntyre, Alasdair. After Virtue: A Study in Moral Theory. 3 rd ed. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007. Murphy, Robert J. Capital Punishment in Islam: Fatwas and Honor Killings. South Carolina: CreateSpace Independent Publishing Platform, 2016. Nekroumi, Mohammed. Tugend als Gemeinwohl: Grundzüge hermeneutischen Denkens in der postklassischen koranischen Ethik am Beispiel der Maqasid–Theorie von as–Satibi. Berlin: Harrassowitz Verlag, 2018. Nussbaum, Martha. Anger and Vorgiveness: Resentment, Generosity, Justice. Oxford: Oxford University Press, 2016. _________. Hiding from Humanity. Disgust, Shame and Law. Princeton & Oxford: Princeton University Press, 2004. Obermann, Julian. Der philosophische und religiöse Subjektivismus Ghazalis. Ein Beitrag zum Problem der Religion. Berlin: Forgotten Books, 2017. Pinheiro, Paulo Sérgio.  World Report on Violence against Children. New York: United Nations, 2006.

Quayson, Ato (ed.). The Cambridge History of Postcolonial Literature. vol. 2. Cambridge: Cambridge University Press, 2011. Rushdie, Salman. The Satanic Verses. United Kingdom: Viking Penguin, 1988. Schwarte, Ludger et al. (eds.). Körper und Recht: Anthropologische Dimensionen der Rechtsphilosophie. German: Wilhelm Fink Verlag, 2003. Strawson, Peter F. Freedom and Resentment and Other Essays. Paris: Routledge, 2008. Shoehman, Ferdinand (eds.). Responsibility, Character and the Emotions: New Essays in The Moral Psychology. Cambridge: Cambridge University Press, 1987. Wickham, Chris & Susanne Held. Das Mittelalter. Europa Von 500 Bis 1500. Klett–Cotta, 2020.