في الصّلح الهيغلي بين الحرية والقانون
On the Hegelian Reconciliation Between Freedom and Law
الملخّص
تتناول هذه الدراسة فلسفة القانون عند هيغل، وتهتمّ بإشكالية العلاقة بين الحرية والقانون عنده. فمعروفٌ أن هيغل أنتج تصوّرًا مختلفًا للقانون، متميّزًا من التصوّرات التي أنتجتها الفلسفة السياسية الحديثة في مسائل متعددة؛ من بينها نهتمّ بمسألتين مترابطتين؛ تتعلق أولاهما بمصدر القانون، وثانيتهما بالعلاقة بين القانون والحرية. لا يتأسس القانون على الحق الطبيعي عند هيغل، فالطبيعة غير وهّابةٍ للحقوق. وواهبُ الحقوق هو العقل الموضوعي، وليست الشرائع والدساتير المختلفة سوى تمظهراتٍ لنشاط العقل عبر التاريخ، يعني هذا أن القانون ليس تنظيرًا من اجتهاد عقلٍ بشري فردي، بل هو تشريعاتٌ وضعيّة مستنبطة من العقل الكلّي. وهذا العقل ليس عقلًا بشريًّا فرديًّا، حتى نتّهم تشريعه بالاستبداد، بل هو عقلٌ كلّي، بمعنى الكلّية في جدل هيغل؛ باعتبارها لحظة تركيبٍ ينتفي فيها التناقض بين الذوات الجزئية. العقل الكلّي عنده موجود، والشاهد على وجوده نشاطه عبر التاريخ. وهو ليس عدوًّا لعقولنا الجزئية، بل هو تعبير عنها في صورة أكبر: صورة تاريخ العقل في كلّيته. لذلك، ليست القوانين التي ينتجها العقل معادية لحريات الأفراد، بل هي تجسيد لتلك الحريات. كل تناقض بين الحرية والقانون هو عند هيغل، في جوهره، تناقض بين الكلّية والجزئية. ومن أهم الفلسفات التي تعبّر عن التناقض بين الكلّي والجزئي فلسفة كانط. وقد تمظهر ذاك التناقض في تصوّره للعلاقة بين الحرية والقانون.
Abstract
Abstract: Our research revolves around Hegel’s philosophy of law, with special emphasis on the problematic relationship between freedom and law in his thought. It is well–known that Hegel developed a distinctive conception of law, differing from the modern political philosophy in several aspects. In this study, we are particularly interested in two interconnected issues: the source of law and the relationship between law and freedom. According to Hegel, law does not originate from natural rights; nature, in his dialectic, does not bestow rights. The giver of rights is objective reason; laws and constitutions are manifestations of this reason’s activity throughout history. This implies that law is not a theoretical construct of individual human reason but rather positive legislation derived from universal reason. This universal reason is not an individual human intellect that can be accused of tyranny; it is a collective reason, in the Hegelian sense, as a synthesis where the contradiction between individual subjects dissolves.
- هيغل
- الحق الموضوعي
- الحرية
- القانون
- العقل الكلّي
- Hegel
- Objective right
- Freedom
- Law
- Universal reason
والقانون عنده. فمعروفٌ أن هيغل أنتج تصوّرًا مختلفًا للقانون، متميّزًا من التصوّرات التي
أنتجتها الفلسفة السياسية الحديثة، في مسائل متعددة؛ من بينها نهتمّ بمسألتين مترابطتين؛
تتعلق أولاهما بمصدر القانون وثانيتهما بالعلاقة بين القانون والحرية. لا يتأسس القانون
على الحق الطبيعي عند هيغل، فالطبيعة في جدله، غير وهّابةٍ للحقوق. واهبُ الحقوق هو
العقل الموضوعي، وليست الشرائع والدساتير المختلفة سوى تمظهراتٍ لنشاط العقل عبر
التاريخ. يعني هذا أن القانون ليس تنظيرًا من اجتهاد عقلٍ بشري فردي، بل هو تشريعاتٌ
وضعيّة مستنبطة من العقل الكلّي. وهذا العقل ليس عقلًا بشرًّيًا فردًّيًا، حتى نتّهم تشريعه
بالاستبداد، بل هو عقلٌ كلّي، بمعنى الكلّية في جدل هيغل؛ باعتبارها لحظة تركيبٍ ينتفي
فيها التناقض بين الذوات الجزئية. العقل الكلّي عنده موجود، والشاهد على وجوده نشاطه
عبر التاريخ. وهو ليس عدًّوًا لعقولنا الجزئية، بل هو تعبير عنها في صورة أكبر: صورة تاريخ
العقل في كلّيته. لذلك، ليست القوانين التي ينتجها العقل معادية لحريات الأفراد، بل هي
تجسيد لتلك الحريات. كل تناقض بين الحرية والقانون هو عند هيغل، في جوهره، تناقض
بين الكلّية والجزئية. ومن أهم الفلسفات التي تعبّر عن التناقض بين الكلّي والجزئي فلسفة
كانط. وقد تمظهر ذاك التناقض في تصوّره للعلاقة بين الحرية والقانون.
Professor of Philosophy, Faculty of Arts and Humanities, Ben M'Sik - Hassan II University - Casablanca. ibtissamnouressalam@hotmail.fr
Hegel posits that universal reason exists, evidenced by its activity throughout history. It is not an enemy of our individual minds but an expression of them in a grander form: the historical trajectory of reason in its entirety. Therefore, the laws produced by this reason do not oppose individual freedoms; rather, they embody them. Any conflict between freedom and law, for Hegel, is essentially a conflict between the universal and the particular. One of the most notable philosophies that articulate the conflict between the universal and the particular is Kant’s philosophy, particularly in his view of the relationship between freedom and law.
مقدمة
يميّز التشريع الهندي القديم بين مفهومَي نيتي NITI ونيايا NYAYA، اللذَين يدّلا ن على
القانون العادل. لكنّ نيتي يشير إلى القانون العادل وما يتوافق معه من سلوكٍ صائب، على نحو صوري، دونما اهتمام بالواقع ومتغيّراته، في حين يشير نيايا إلى القانون العادل، المتوافق مع
الظروف الواقعية والاجتماعية المتغيرة. ونزعم أنّ الفرق بين المفهومَيْن، وتحديدًا، بين صوريّة
الأول وواقعية الثاني، هو عيْنه الفرق بين تصُّوُرَي إيمانويل كانط Immanuel Kant 1) 804–1724(
وفريدريش هيغل Friedrich Hegel (831–17701) للقانون. لم تكن النظرة الصورية للقانون بلا عواقب؛ فقد حاول كانط في أسس ميتافيزيقا الأخلاق، إبرام عقد وٍّدٍ وسلام بين الحرية والقانون، من دون أن يفلح في ذلك. ويرى هيغل أنه لم يكن ممكنًا أن ينجح كانط في ذلك، أصلًا؛ لأن الأسس التي بنى عليها فلسفته في القانون لا تمكّنه من بلوغ نتيجة أخرى، غير تلك التي توصّل إليها. في تقدير هيغل، مشكلة كانط ميتافيزيقية، بالأساس، تشمل فلسفته بالكامل، وتنعكس على نحو "مكارثي" – والوصف لهيغل – في العلاقة بين الفرد والقانون. في مقابل ذلك، أعلن صاحب أصول فلسفة الحق، منذ بداية كتابه، أن إعادة بناء العلاقة بين الفرد والقانون، بما هو تجسد للحرية، هدف الكتاب وغايته. أشار عبد الرحمن بدوي (002–19172)، إلى واحدة من أهمّ المشكلات التي يصادفها الباحث في فلسفة القانون عند هيغل، وهي تلك المتعلقة بالمفاهيم؛ فمفهوم الحق، في الألمانية وغيرها من اللغات المشتقة من الأصل اللاتيني، مفهوم يُستخدم للدلالة على معنيَيْن مختلفين؛ أوّلهما الحق بما هو مفهوم مقابل
لمفهوم الواجب، وثانيهما القانون، بما هو مجموع الشرائع المنظّمة للسلوك في المجتمع. وقد أصرّ رجال
القانون على ممارسة هذا التشويش بشكل غريب وغير مبرر؛ إذ إنهم يستخدمون مفهوم الحق للدلالة على "القانون المسنون في مواد. وسمّوا الكلية الجامعية التي تُدرّس فيها القوانين باسم Faculté de droit
(1) Amartya Sen, The Idea of Justice (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press, 2009), pp. 20, 21. (2) Immanuel Kant, Fondement de la métaphysique des mœurs , H. Lachelier (trans.) (Paris: Hachette, 1904), pp. 95–96. (3) Friedrich Hegel, Principes de la philosophie du droit , André Kaan (trans.) (Paris: Gallimard, 1940), p. 57.
(((عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيغل (القاهرة: دار الشروق، 9961)، ص.7
كلية الحق". يضيف بدوي أن الخلط في نصوص هيغل، بين المعنيَيْن، الحق والقانون، مضاعف؛ لأنه
أضاف إليهما معنيين آخرَين: الأخلاق والسياسة. ويستشهد بدوي، لتأكيد فكرته هذه، بقول نيكولاي هارتمان
Nicolai Hartmann (950–1882:)1 "إن الموضوع الذي عالجه هيغل في كتاب 'مبادئ فلسفة الحق' ليس أبدًا فلسفة القانون كما تتصوّرها اليوم. وذلك ليس فقط لأن نظرية الدولة [...] لا تنحصر في القانون العام،
بل لأن هذا الكتاب يعالج موضوعًا أوسع بكثير: إنه يشتمل على عرض الأخلاق كما يتصوّرها هيغل،
وموضوعها الخاص هو الحياة الأخلاقية. فبالمعنى المعتاد، هناك سوء فهمٍبين العنوان ومضمونه". نرى، وإن كنا نتفق مع ما أورده بدوي، أنّ سوء الفهم هذا لا يتبدّد من دون الإشارة إلى مسألة مهمة: إن المفاهيم في فلسفة هيغل تحتكم إلى مبدأ المحايثة، كما يؤكد جون إيبوليت؛ ومن ثمّ، يمكن أن تبدو مفاهيم مختلفة متمايزة خارج فلسفة هيغل، لكنها داخل نصوصه، تتضمن المعنى نفسه؛ وكأن المفاهيم عنده، عدسات تصوير مختلفة، تلتقط كل واحدة منها مرحلةً من مراحل تطوّر الفكرة عينها.
هكذا، ليست مفاهيم الحق والقانون والأخلاق والسياسة متمايزة إلا خارج فلسفة هيغل، أما داخلها فهي تشير إلى فكرة واحدة، وضع لها هيغل اسمًا جامعًا هو الروح الموضوعي. تنطلق إشكالية هذه الدراسة من الأسئلة التالية: كيف يمكن إبرام عقد صلحٍ بين القانون والحرية الإنسانية؟ أليس القانون مجموعة من الأوامر والنواهي الهادفة إلى تنظيم الاجتماع البشري؟ ألا تتعارض تلك الأوامر والنواهي في كثيرٍ من الأحيان مع حريات الأفراد؟ ألا ينصاع الفرد خاضعًا صاغرًا
أمام قوة القانون الإلزامية؟ كيف يمكن تجاوز التناقض الكانطي بين الحرية والقانون؟ بأيّ معنى تُعتبر
الدساتير والشرائع تمظهراتٍ موضوعية للعقل الكلّي؟ وأخيرًا، هل كان الصلح الهيغلي بين الحرية
والقانون مجرد تبرير فلسفي لدولة ذات قوانين استبدادية؟
أولا: لا يتأسس القانون على الحق الطبيعي بل على الحق الموضوعي الناتج من العقل الكلّي
انتشرت في تاريخ الفلسفة السياسية فكرة مفادها أن القانون الوضعي هو مجموعة من القواعد والتشريعات المستنبطة من الحق الطبيعي. وأبدى هيغل اعتراضه على هذه الفكرة، في مواضع مختلفة من نصوصه، وبصورة أجلى وأوضح، في كتابه أصول فلسفة الحق. صحيح أنّ القانون الوضعي عند هيغل مستمدّ من الحق، لكن الحق ليس هبة من الطبيعة، بل هو صنيعة العقل. وحين يتحدث هيغل عن العقل باعتباره صانعًا للحق والقانون لا يقصد العقل الفردي، بل العقل الكلّي. يُقرّ هيغل، في نصوصه كلّها، بوجود عقلٍكلّي يثوي خلف الظواهر جميعها. والعقل يعني النظام؛
ليس الوجود الموضوعي، المتمثل في القانون والدولة ومؤسساتها، عشوائيًا، وإن بدا كذلك، بل هو
(((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه، ص.8
(7) Jean Hyppolite, Études sur Marx et Hegel (Paris: M. Rivière, 1955), p. 14.
منظّم وفقًا لقانون دقيق مُذْ بدأ مساره عبر التاريخ. وفي تقييم هيغل، تفشل كل فلسفةٍ تذهل عن وجود
هذا القانون، كما فشل كانط وروسو، وكل الذين تجاهلوا قانون العقل الكلّي، الموجود سلفًا، وسعوا
إلى التنظير لقانونٍصوري جديد، لا علاقة له بالواقع. أخطاء كهذه تحصل، حصرًا، في الفلسفة وهي
منعدمة في مجال العلوم الطبيعية، في رأي هيغل. خذ ظاهرة سقوط الأمطار، ماثلًا، لا تجد بين
علماء الطبيعة من يزعم أنّ القانون الذي تُشرح به هذه الظاهرة غير مناسب، وأننا في حاجةٍ إلى اختراع قانون جديد أشد ملاءمة لها. حتى حين تختلف النظريات العلمية وتصوّب الواحدة الأخرى، يكون
الهدف دائمًا لصيقًا بالطبيعة. لدى علماء الطبيعة، في نظر هيغل، إدراكٌ لفكرةٍ مهمة، مفادها أن الطبيعة
تسير وفقًا لقانون كلّي، موجود سلفًا، وأنّ مهمتهم تنحصر في الكشف عن هذا القانون وليس اختراعه، ببساطة، لأنّ اختراعه غير ممكن. القانون واحد، عند هيغل، له وجوه وتمظهرات؛ وكما يتمظهر في الطبيعة يتمظهر أيضًا في الدولة والمجتمع. بناءً عليه، على الباحث في شؤون الدولة والمجتمع أن
يدرك وجود هذا القانون الكلّي الثاوي خلف المتغيرات الاجتماعية والسياسية، ويكشف عنه، من خلال فلسفته، بدلًا من السعي لاختراع قوانين صوريّة لا علاقة لها بواقع الدولة والمجتمع. ليس القانون، عند هيغل، اختراعًا واتفاقًا وتواضعًا بين الناس، بل هو استنباطٌ من العقل الكلّي. وليست
الغفلة عن هذه الفكرة ممّا يتسامح فيه هيغل؛ فالأمر عنده يقود إلى كارثةٍ يدفع المجتمع والدولة أثمانها الباهظة. على مستوى البحث الفلسفي، تكشف تلك الغفلة أن الفلسفة فكر مستباح انتُهكت حرمته. وآيُ ذلك تجاسر المتطاولين على التنظير والتحليل الفلسفَّيَيْن، وكأنّ الفلسفة "وحيٌ ينزل على
النيام من السماء". ليست الفلسفة وحيًا، عند هيغل، بل هي علمٌ يتطلّب يقظة فكرية عالية، تمكّن
صاحبها من اكتشاف العقل الكلّي والانسجام معه، بدلًا من صنع العداء معه. لم ينتهِ كانط، وحده، إلى صنع علاقة عداءٍ بين الفرد والقانون. فقد اعتبر السفسطائيون، أيضًا، القانون عدًّوًا للفرد ورغباته. لكنّ هيغل لم يُساوِ بين هؤلاء وكانط، لسبب بسيط يتمثل في أنّ الأخير لم يدعُ
مطلقًا إلى تسييد المصلحة الخاصة، بل على العكس من ذلك، سعى إلى "الكلّي" وفشل في إدراكه. وليست هذه حال السفسطائيين؛ حيث لا مبدأ ولا قانون يسمو فوق المصالح الخاصة. والمسألة عندهم واضحة: متى عارض القانون مصلح كت الشخصية اخرقْه، ببساطة. وإن كان في خرق القانون ما يضرّ
بمصلح كت، التزم به. لم ينتبه السفسطائيون إلى أنهم، بذلك، فشلوا في الدفاع عن سيّد مبادئهم المتمثل
في المصلحة الخاصة؛ لأنهم ما أدركوا أّلا مصلحة للجزء في هلاك الكل. فقد نظّروا لهلاك الكلّ حين نفوا إمكانية الاتفاق على مبادئ كلية وأكدوا أنّ الحقائق، كلها، ذاتية نسبية جزئية. كيف ننظم الاجتماع
البشري حين نُعرض عن المبادئ الكلية؟ أَيُنظّم على أساس الهوى والذاتية والنسبوية؟ ألا تفتح هذه التصورات السفسطائية الباب على مصراعيه للفوضى؟ حين تصير القوانين آراء ووجهات نظر، في نظر هيغل لا فرق يبقى بين "الفضيلة والرذيلة، والشرف والعار، والعلم والجهل"، ما دامت كلّها آراء.
(8) Ibid., p. 34. (9) Ibid., p. 35. (10) Ibid., pp. 38–40.
لا غرابة، إذًا، أن تصادف وأنت تقرأ الكتاب ثناء هيغل على أفلاطون؛ لأنه ناضل من أجل استقرار أثينا وفقًا لنظام أخلاقي كلّي يسري على الجميع. في محاورة فيدون، صوّر أفلاطون Plato (347–427 ق.م.) تحُّلُق تلاميذ سقراط Socrates (399–470 ق.م.) حول أستاذهم يتوسلون موافقته على الفرار احتجاجًا على قانون أثينا الجائر، القاضي بإعدامه، وفي مقطع شديد الاعتراف بكلّية القانون وسموّه على المصالح الخاصة، حيث يلتفت فيه سقراط إلى رفيقه كريتون ويؤكد له أنه لو كانت القوانين تتحدث، لقالت له: لماذا تدمرنا، سقراط؟ نحن من جلبناك إلى الحياة ونظمنا المدينة التي نشأت فيها، واعتنينا بتربي كت وتعليمك. هل هذه هي طريق كت في رد الجميل؟ وبعد سبعين سنة من التفكير في أثينا، فشلت في فهم قيمة القانون وسلطته، وأنت بتدمير القانون تدمر الوطن بأسره. ليست القوانين عند هيغل آراء يمكن مخالفتها أو الاتفاق معها، بل هي أفكار حيّة مستنبطة من الواقعي الفعلي، تتلخص مهمة الفلسفة في فهمها والكشف عنها. وهذا ما سعى إليه أفلاطون، حسب ما أكد هيغل؛ مخطئٌ من يعتقد أنه في محاوراته انفصل عن الواقع وشرد في عالم ما ورائي وهمي. كان شديد الارتباط بواقعه، وسعى، من خلال ما كتب، لحلّ مشكلة واقعية عاناها اليونان: مشكلة النظام الأخلاقي. ومن يعود إلى الرسالة السابعة لأفلاطون يدرك صحة ما نبّه إليه هيغل؛ ففيها يؤكد أفلاطون أنه لجأ إلى الفلسفة بعد أن فشلت كل محاولاته السياسية الرامية إلى الإصلاح، داخل أثينا وخارجها. وعاين عن كثبٍ فساد الأنظمة السياسية التي عاصرها، وكانت محاوراته تجاوبًا مع واقع فاسد، ومحاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه. في الفلسفة، ليس الارتباط بالواقع من النوافل، بل معيارٌ حكمَ، من خلاله هيغل، على مدى أصالة الفلسفات التي تناولها بالنقد؛ ويزخر الواقع بما لا حصر له من الصور والأشكال والظواهر. الفيلسوف الأصيل لا يقصي مظاهر الواقع هذه، بل ينظر إليها كقشورٍ تثوي خلفها النواة الأساس، وهي العقل الكلّي. تفهم الفلسفة هذا الكلّي في تمظهراته المختلفة وتكشف عنه، وهذا كل ما تستطيع تقديمه. بعيدًا عن شعارات التغيير والتبشير، تبدو مهمة الفلسفة عند هيغل متواضعة، فهي لا تغيّر العالم
ولا تبشّر بغَدٍ أفضل، وليس ذلك في مقدورها، أصلًا؛ لأنها تصل متأخرة بعد أن يكتمل بناء العالم. لذلك يشبّهها ببومة مينيرفا، التي لا تطير خلال النهار، ولا تفعل ذلك قبل المغيب، بعد أن يكتمل مشهد من مشاهد الحياة وينتهي، تأتي الفلسفة لتفهمه وتحلّله وتكتشف حركته. والفلسفة إذ تحلّل ذاك المشهد المنتهي، لا تردّ إليه حياته وشبابه، بل تفهمه فحسب.
(((1 أفلاطون، محاورات أفلاطون: أوطيفرون، الدفاع، أقريطون، فيدون، جمع بنيامين جويت، ترجمة زكي نجيب محمود (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 0222)، ص.87–84
(12) Hegel, p. 41.
1(((عبد الغفار مكاوي، المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون، مع النص الكامل للرسالة السابعة (المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، 0182)، ص.104–101
(14) Hegel, Principes de la philosophie du droit , pp. pp. 41–45
ثانيًا: في أن العقل الفردي أًّي ا بلغت حكمته لا يمكن أن ينتج الشرائع والقوانين
تتموقع إشكالية العلاقة بين الفرد والقانون، ضمن فلسفة الروح، وهي ثالث أقسام النسق الهيغلي. غنٌّيٌ عن البيان أنّ هيغل، في الأقسام الثلاثة من فلسفته، يدرس موضوعًا واحدًا هو العقل. في المنطق
يدرسه محضًا خلوًا من كل تعيين. وفي فلسفة الطبيعة يدرسه وقد انعكس في نقيضه، المادة. أما في
فلسفة الروح فيدرسه بعد أن عاد إلى ذاته. يتميز القسم الأخير من غيره من الأقسام بتعُّيُنه؛ فهو
لا يتناول العقل فارغًا (المنطق) أو منعكسًا في ضدّه (الطبيعة)، بل يتناول العقل ونقيضه في تركيب
عينيّ: الإنسان ومؤسساته وتنظيماته؛ فالإنسان، من جهة، حيوان كغيره من أشياء الطبيعة، ومن جهة
أخرى، هو عقل متمظهر في العالم الموضوعي. إنّ العالم الموضوعي هو عالم العقل وما صنع: فالتنظيمات والشرائع والمؤسسات، كلها من صنع العقل. فلسفة الروح الموضوعي، عند هيغل، هي فلسفة العقل وهو يمارس نشاطه في العالم. لكن عن أيّ عقل يتحدث هيغل، هنا؟ العقل الفردي البشري أم العقل الكلّي؟ لنؤكد بداية أن
العلاقة بين المفهومين تقوم على مبدأ المحايثة، كغيرهما من مفاهيم هيغل، وأنّ أيّ فصلٍ بينهما هو
فصل مؤقت؛ العقل البشري الفردي جزء من كٍّلٍ: هو العقل الكلّي في مسيرته عبر التاريخ. للفصل
بينهما أوان ينتهي حين يتعرف الجزء على نفسه في الكل ويتوحد معه. ولأسبابٍ معرفية، يمكن أن نقول إن هيغل حين يتحدث عن فلسفة الروح الذاتي، يدور حديثه عن العقل البشري الفردي. وإن كان في كتبه، جميعها، يعرض النسق، نفسه، فإن تفصيل القول في الروح الذاتي موجود في كتابه فينومينولوجيا الروح. لا غرابة أن يدور الكتاب، إذًا، حول عمليات العقل البشري الفردي: الرغبة والخيال والتذكر والحدس والسعادة... إلخ. أما حين يتحدث عن الروح الموضوعي، مماثلًا في القانون والدولة ومؤسساتها، فهو لا يقصد العقل البشري الفردي، في جزئيته، فحسب، بل يتعدّاه إلى العقل الكلّي. فالعقل الفردي، أًّيًا بلغت عبقريته، لا يستطيع صنع الأنظمة والشرائع التاريخية.
وإن نتجت الأنظمة والشرائع من عقل فردٍ واحد، حاكم أو حتى نخبة حاكمة، فتلك الشرائع عند هيغل خاطئة بالضرورة. لماذا؟ إن نتجت الشرائع من إرادة شخصٍ فرد أو طبقة ستكون جزئية، ناتجة من إرادة جزئية، والنظام الأخلاقي الذي تُستنبط منه القوانين والشرائع الوضعية ليس جزئيًا، بل نظام كلّي؛ لأنه ناتجٌ من العقل الكلّي،
وهذا عقلٌ فوق العقول الجزئية المتناهية. يصفه هيغل بالمهندس الأزلي، فيقول: "هناك مهندس أزلي، طيلة هذه السنين، يوجه هذه السفينة، إنه العقل الواحد الحيّ". وهو في فلسفته يرادف مفهوم الروح
الكلّي. المفهومان (الروح والعقل) مترادفان إلى درجة أنّ بيتر سنجر اقترح العودة إلى الترجمات
(15) Joseph Willm, Essai sur la philosophie de Hegel (Paris: F. G. Levrault, 1836), p. 100.. Friedrich Hegel, La phénoménologie de l’Esprit , Jean Hyppolite (trans.), vol. 1 (Paris: Aubier, 1939) ينظر:(1(((17) Friedrich Hegel, The Encyclopedia of the philosophical sciences , William Wallace (trans), 2 nd ed. (Oxford: Oxford University Press, 1959), p. 22.
القديمة التي تعتمد مفهوم العقل بدلًا من الروح؛ إذ إنّ فينومينولوجيا العقل أقرب إلى مقصود هيغل من فينومينولوجيا الروح، كما يبيّن سنجر؛ الروح في المخيال الشعبي كائن خيالي لا جسد له، يقترن
بحمولة دينية يصعب فصله عنها. وليس هذا مراد هيغل من فلسفة الروح الذاتي، أو فلسفة العقل الذاتي، التي تعرض التمظهرات التي يكشف بها العقل عن ذاته؛ ولأن العقل لا يكشف عن ذاته إلا أمام العقل، فإن فينومينولوجيا العقل (الروح) هي مسيرة انكشاف العقل (الروح) أمام ذاته. إن استحضرنا عاملين، أولهما أنّ فينومينولوجيا الروح هي مسيرة انكشاف الروح أمام ذاته، وثانيهما أنّ تلك المسيرة لا تمّ إلا عبر التاريخ، نفهم لماذا قال برنارد بورجوا – وهو واحد من أهم قراء هيغل المعاصرين – أنّ
الروح "حركة ذاتيّة [...] إنه ليس شيئًا آخر سوى ما يفعله بذاته". وما الذي يفعله الروح بذاته؟ إنه
ينكشف أمام ذاته عبر التاريخ. حديث هيغل عن العقل الكلّي، هو حديث عن حركة ومسيرة واستمرارية تاريخية؛ وهي مسيرة لا يمكنها أن تمضي من دون العقول الفردية الجزئية وإنتاجاتها المختلفة؛ يضع كل عقل من العقول البشرية الجزئية لبنةً في هذا البنيان التاريخي للعقل الكلّي، وينتهي دوره فتخلفه عقول جزئية أخرى
تؤدي الأدوار عينها. هذه عقول جزئية لذواتٍ جزئية تتبع أهدافًا جزئية، وهي لا تدرك أنها من خلال سعيها نحو أهدافها الجزئية تلك، تشيّد بنيان نظام العقل الكلّي. لا يستطيع العقل الكلّي أن يتحرك من
دون استغلال سعي العقول البشرية الفردية نحو مصالحها. هذا الاستغلال هو عين ما يسمّيه هيغل،
في محاضراته في فلسفة التاريخ: مكر العقل. ولأننا في معرض التمييز بين العقل الكلّي والعقول
الجزئية، نضيف هنا أن الماكر هو العقل الكلّي الساعي إلى بناء نظامٍكلّي تاريخي، والممكور به هو العقول البشرية الجزئية الساعية إلى مصالحها الخاصة. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ العقول الفردية وإن سعت إلى تصميم النظام الكلّي على مقاس مصالحها، لن يتسنّى لها ذلك، لأنّ النظام العامّ الكلّي
قانونٌ يصمّمه العقل الكلّي. مهمة العقول الجزئية، إذًا، فهم هذا النظام وتبنّيه، والانسجام معه، وليس
التمرد عليه. كيف تتمرد عليه وهي جزءٌ منه؟
ثالثًا: أهمية مفهوم الإرادة في إشكالية العلاقة بين الحرية والقانون عند هيغل
يُعتبر مفهوم الإرادة عند هيغل، فيما يتعلق بالعلاقة بين الحرية والقانون، المفتاح الأساس. فهو يدرك
أهمية هذا المفهوم؛ لذلك تراه في نصوصه كلّها لا يتناول مفهوم الحق من دون التمهيد له بشرح مفهوم الإرادة. ولأن كتابه أصول فلسفة الحقعرضٌ مفصّل لفلسفته السياسية، حظي هذا المفهوم
فيه بمساحة تمهيدية مهمة. يتضمن مفهوم الإرادة عند هيغل مفهوم المعرفة ويتجاوزه؛ المعرفة نشاط فكري، يتمظهر في أفعال الروح الذاتي (وهو مجال الإدراك الوعي، الذاكرة... إلخ) أما الإرادة، فهي
(18) Peter Singer, Hegel, A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 1983), pp. 60–65. (19) Bernard Bourgeois, Hegel: Les actes de l'esprit (Paris: Vrin, 2001), p. 7. (20) Friedrich Hegel, La raison dans l’histoire, Introduction à la philosophie de l’histoire , Kostas Papaioannou (trans.) (Paris: Librairie Plon, 1965), p. 129.
نشاط الروح الموضوعي؛ نشاط العقل المفكر وهو يعمل وينظم ويرتب عالمه العقلي. ذكرنا آنفًا أن
هيغل يميز، مؤقتًا، بين العقل الفردي والعقل الكلّي؛ حين يتحدث عن الإرادة، فإلى أي عقلٍيشير؟ إرادة من؟ أهي إرادة العقل الفردي أم أنها إرادة العقل الكلّي؟ في معرض مناقشة هذا السؤال، لا بد من التأكيد أنّ مسار مفهوم الإرادة لا يختلف عن مسار مفهوم العقل، هذه المفاهيم أصلًا محايثة لبعضها، كما أشرنا؛ إن كان التمييز بين العقل الكلّي والعقل الفردي الجزئي تمييزًا مؤقتًا ينتهي إلى مستوى التركيب، حسب ما يبيّن الجدل الهيغلي، فالمسار عينه يقطعه مفهوم الإرادة؛ في مستوى من مستوياتها
تكون جزئية تناسب العقل الجزئي الفردي، ثم ترتفع إلى مستوى تركيبي لتصير كلّية تتناسب مع العقل الكلّي، مهندس الأنظمة والقوانين. في الجدل الهيغلي، ندرك أنّ الجزئي لا يقبع، على حاله، جزءًا متعارضًا مع الكلّ، كما هي الحال
في فلسفة كانط؛ ففي الجدل، ترتفع المتضادّات جميعها، وإن بدت شديدة التناقض، إلى مستوى
التركيب، حيث يتعرف كل طرفٍ على نفسه في نقيضه. وفي جدل هيغل تندثر قواعد المنطق القديم، كعدم التناقض ومبدأ الثالث المرفوع. وفي منطق أرسطو لا يمكن الشيء أن يكون هو نفسه
ونقيضه، معًا، لا يمكن المكتب، ماثلًا، أّلا يكون مكتبًا. في جدل هيغل من الممكن لكل مكتبٍ أّلا
يكون مكتبًا؛ وهو لا يظلّ مكتبًا حين يصير (في رحلة الصيرورة). الفرق بين جدل هيغل ومنطق أرسطو
هو التاريخ. جدلُ هيغل حافل بالتاريخ، متنبّه لفعله في المفاهيم والكائنات؛ لكلّ كائنٍ، فكرة كان أو
شيئًا، رحلةٌ يقطعها عبر التاريخ. في رحلة الصيرورة تلك، ينعدم كل موجود ويتحول إلى شيءٍ آخر مخالف له تمامًا. هكذا هي رحلة مفهوم الإرادة؛ توجد في البداية في شكل كوني مجرّد، ينعدم ليحلّ
نقيضه مكانه، فتأخذ الإرادة شكلًا متعيّنًا، ينعدم بدوره حين تصير إرادة كلية فردية. لا يظهر مفهوم الإرادة عند هيغل في عالم الروح الذاتي؛ فالروح الذاتي، كما أسلفنا، يعبّر عن نفسه من
خلال مجموعة من العمليات الفكرية، كالشعور والتمثل والحدس... إلخ. ليست الإرادة كالعمليات تلك؛ فهي لا تكتفي بالفكر المجرد لتعبّر عن ذاتها، بل تحتاج إلى العالم الموضوعي الخارجي،
أيضًا. فالإرادة هي بالضرورة إرادة تريد شيئًا، وهذا الشيء موجود في العالم الموضوعي. ولأن العالم الموضوعي هو مجال فلسفة الحق، يقول هيغل: الإرادة نقطة بداية مفهوم الحق. يتطور مفهوم الإرادة عند هيغل في مستويات ثلاثة؛ الأول مستوى الإرادة المجرّدة الفارغة من كل تعيين.
ليست الإرادة هذه إرادة غير مكتملة بالنسبة إلى هيغل؛ فالإرادة، كما أسلفنا، هي الوجه العملي للفكر، هي فكر يريد شيئًا بعينه ويختاره. هل يعني ذلك أنّ الإرادة في هذا المستوى الناقص غير المكتمل لا تعبّر عن نفسها؟ يقول هيغل إن إرادة الفراغ عبّرت عن نفسها في كل الخطابات المتطرفة المدمّرة
(((2 يصف هيغل جدله ويقول إنه مختلف عن ذاك الذي تجده في محاورات أفلاطون. ولا يحظى هذا النوع من الجدل بأي تقدير عنده، فهو يرى أنه لا يضيف إلى الفكرة إلا مزيدًا من اللبس والغموض، بخلاف الجدل الهيغلي الذي يوضح المسار الذي تقطعه
. Hegel, Principes de la philosophie du droit , pp. 78–79:المفاهيم عبر التاريخ ويكشفه. ينظر (22) Hegel, The Encyclopedia of the philosophical sciences , p. 344. (23) Ibid., p. 57.
دينًّيًا وسياسًّيًا. الخطاب المتطرف خطاب فارغ لا يريد سوى التدمير. إن سألت المدمّر عن بديل
ما دمّر لن يقدّم بديلًا، لأنه لا يملكه ولا يريده، وإن ادّعى عكس ذلك. هذه إرادة خطرة على الاجتماع البشري، لأنها فارغة جوفاء مجردة من كل تعيين لا تشبع ذاتها إلا بهدم كل الأنظمة القائمة. وفي المستوى الثاني، تتقدم الإرادة خطوةً نحو تحقيق ذاتها. وهي لا تتقدم إلا بنفي حالتها الأولى؛ كانت فارغة جوفاء كلّية لامتناهية، وها هي تمضي نحو كل ما يناقض وضعها السابق، لتصير إرادة متعيّنة متناهية جزئية. بخلاف حالة الفراغ السابقة، تعبّر الإرادة الجزئية عن إرادة تريد شيئًا معيّنًا من أشياء
العالم الموضوعي. وهي إذْ تتعلق بشيء معيّن، تخرج، أول مرة، من ذاتيتها نحو العالم التجريبي. وفي المستوى الثالث، تتقدّم الإرادة خطوةً أخرى؛ ولأن التقدم لا يكون إلا بالنفي، تراها تنفي، مجددًا، حالتها الجزئية السابقة، وتنتقل إلى مستوى تركيبي، يعبّر عن اتحاد اللحظتين السابقتين. في
ذاك المستوى لا تظل الإرادة كلّية فارغة، ولا جزئية متعيّنة؛ تصير إرادةً جزئية متعيّنة، عائدة إلى الكلّية،
يسمّيها هيغل الإرادة الفردية. إن تبحث عن الفرق بين هذه الإرادة وسابقاتها، تجده متماثلًا في الوعي
بالكلّية رغم الجزئية. كيف ذلك؟ هي إرادة مرتبطة باختيار جزئي معيّن، فالناس في المجتمع المدني،
يتبعون أهدافًا جزئية متعلقة برغباتهم وبمصالحهم الخاصة. لكنها أسمى من سابقتها، لأنها لا تعادي النظام الكلّي، بل تدرك أنها جزءٌ منه، ولا قيمة لها من دونه. في هذا المستوى من مستويات تطور
الإرادة، يتحقق لدى الفرد وعيٌ بأنه رغم جزئيته المتمثلة في أفعاله واختياراته وأهدافه، ينتمي إلى كٍّلٍ،
متمثّلٍفي النظام الأخلاقي التاريخي الذي تعبّر عنه الدولة والقانون. يُدرك أنه ابن نظامٍكلّي يضرب
بجذوره في تاريخ الأمة برمّته، وأنه في جزئيته صورة لهذا الكلّي وليس عدًّوًا له. حين يتحقّق هذا الإدراك يحقق الإنسان حريته؛ لذلك يرى هيغل أنّ المستوى الذي تكون فيه الإرادة حرةً ليس مستوى
القدرة على الاختيارات الجزئية، كما يُعتقد خطأً، بل مستوى الإرادة الفردية. لا يترادف مفهوم الحرية عند هيغل مع نظيره عند الليبراليين؛ ففي الليبرالية تترادف الحرية مع القدرة على الاختيار من دون إخضاع. وإن كانت الحرية تعني قدرة الفرد على اختيار واحد من جملة اختيارات مطروحة من دون إخضاع، من الذي يضع أمامه تلك الاختيارات؟ بالنسبة إلى هيغل، الاختيارات المطروحة أمام الأفراد جميعها قسرية. أًّيًا كان الاختيار، هو في عمقه، اختيار قسري. لذلك يعتبر هيغل الحرية الفردية
حرية وهمية. وهي عشوائية، أيضًا؛ لأن كل اختيارٍ يلبي رغبة جزئية معيّنة، يضحّي، في الوقت عينه،
برغبات جزئية أخرى. والأمر، في مجمله، عشوائي كالسحب العشوائي في الاحتمالات. في محاولةٍ محمودةٍ لشرح قسريّة الاختيارات، ماثل سنجر بينها وبين آلية عمل الحملات الإعلانية في المجتمع الاستهلاكي؛ حيث يحاصر صنّاع الإعلانات الفرد بما لا حصر له من الاختيارات القسرية؛
(24) Ibid., pp. 58–59. (25) Ibid., pp. 60–61. (26) Ibid., pp. 61–63. (27) Ibid., pp. 67–68.
فيعتقد أنها اختياراته الحرة، في حين أنها قسرية فرضها التكرار وذكاء الإعلان في خلق حاجات وهمية. عُدْ إلى أصول فلسفة الحق تجد أنها الفكرة نفسها التي يدافع عنها هيغل؛ فهو يعتبر أن اختياراتنا قسرية يفرضها علينا المجتمع الذي نحيا فيه، بما هو لحظة من لحظات التاريخ. هكذا يكون كل اختيار حٍّرٍ من اختياراتك، في جوهره، خضوعًا لقوى التاريخ والمجتمع. اختيارات الإرادة، جميعها، عشوائية لا تتسم بالضرورة. الإرادة لحظة تفكير مقترنة بفعلٍ، والفعل جزئي بطبيعته؛ حين يخصصه الفرد لإشباع رغبةٍ بعينها، يضحي بالضرورة برغبات أخرى؛ لأن جزئيّة الفعل لا تمكّنه من تلبية رغباته بأكملها. ويظل التناقض
دائمًا قائمًا، بين كلّية ما تريده أنت بصف كت إنسانًا، على المستويين المادي والروحي، وجزئيّة ما تستطيع
اختياره وتحقيقه. الإرادة الفردية، هي إرادة تتميّز من سابقاتها بإدراكٍمهمّ يتمثل في أنها تدرك أنها أكبر
من اختياراتها؛ تدرك أن الإنسان فيه بعدٌ كلّي لا تشبعه الرغبات والأهداف الجزئية، لا يشبعه سوى الانسجام مع النظام الكلّي. في مرحلة الإرادة الجزئية، كان التناقض قائمًا بين الإرادة في ذاتها والإرادة لذاتها؛ فهي في ذاتها كلّية، لأنها إرادة كائن كلّي ببعدَيه الروحي والمادي. وهي لذاتها جزئيّة لأنها مرتبطة بفعل جزئي. ولا ينتهي التناقض إّلا حين تصير إرادة في ذاتها ولذاتها. لا تبلغ الإرادة هذا المستوى إلا حين تريد ما يطابقها، وهي لا يطابقها سوى الكلّي. والكلّي لا يتجسّد إلا في النظام الأخلاقي الكلّي. ذاك النظام وحده قادر على تلبية ما يحتاج إليه الإنسان روحًّيًا ومادًّيًا. حين تريد الإرادة هذا الكل، تتحرّر من جزئيتها السابقة. لا يكون التحرر من الجزئيّة بترك الرغبات الجزئية والمصالح الخاصة،
كما هي الحال عند كانط، بل بالاعتراف بالانتماء إلى النظام الكلّي، على أنه نظام يوفّر للإنسان احتياجات لم يبلغها ولن يبلغها بأفعاله الجزئية الصغيرة. ماثلًا، نعرف منذ فجر الفلسفة أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن العيش في مجتمع حاجة ضرورية بالنسبة إلى الإنسان؛ هل يستطيع الفرد بكل أفعاله الجزئية أن يصنع لنفسه مجتمعًا؟ إنه يستطيع أن يلبي رغباته الجزئية، وهذا أمرٌ مطلوب لا يعارضه هيغل، أمّا توفير هذه الحاجة الكبرى، حاجة العيش داخل نظام كلّي، فلا أحد يستطيع توفيرها سوى التاريخ والعقل الكلّي. لم يوجد النظام الكلّي لقمع رغبات الفرد بل وُجد لتلبية
حاجاتٍ لا يستطيع توفيرها لنفسه.
(28) Singer, pp. 34–36. (29) Hegel, Principes de la philosophie du droit , pp. 67–69. (30) Ibid., pp. 71–72.
((3(يُرفع التناقض بين الوجود في ذاته والوجود لذاته بالتفكير الانعكاسي، وشرح هيغل هذه الفكرة بمثال العبد: فالعبد ليس حرًا
لأنه لا يعرف نفسه ولا يقارن بين ما هو عليه في ذاته وما هو عليه لذاته، العبد في ذاته إنسان، عاقل، حر... وهو لذاته، في واقعه إنسان مسلوب الحرية، وهو لا يفكر في هذا التناقض، أصلًا، حتى يرفعه. ينظر:
Hegel, Principes de la philosophie du droit , pp. 71–72. (32) Ibid.
رابعًا: نقد هيغل العداء بين الحرية والقانون في فلسفة كانط
أدرك كانط، أيضًا، أنّ الرغبات الجزئية قيدٌ يجب أن يتحرّر منه الإنسان، سواء نبعت من الطبيعة البشرية
البيولوجية أو من تأثير المجتمع. والتحرّر، عنده، لا يكون إلا بالتخلّص من الرغبة والتقيّد بالعقل.
العقل وحده، عند كانط، قادرٌ على توجيه الفعل الإنساني وجعله متوافقًا مع الأمر الأخلاقي.
يوجّه هيغل لكانط نقدَين، في هذا السياق، يتعلق أولهما بصورِيّة نظريته في الأخلاق وخلوّها من
كل تعيين أو مضمون. ويتعلق الثاني منهما بإقصائه للرغبات الإنسانية؛ حين عارض كانط بين الأمر الأخلاقي والرغبات، خلق صراعًا لا حلّ له بين العقل والرغبة، وبين الأخلاق والمصالح الشخصية،
وبين الجزئي والكلّي. في فلسفة كانط، حتى لو قمت بالواجب الأخلاقي، بدافعٍ من مصلح كت الشخصيّة، فإنّ فعلك غير متوافق مع الواجب. هذا القول بالنسبة إلى هيغل غير واقعي؛ فالأفراد
لا يملكون سوى السعي نحو مصالحهم الخاصة، كما أسلفنا، وأثناء سعيهم ذاك، يشيّدون، من دون
وعيٍ منهم، بنيان النظام الأخلاقي الكلّي. يعني ذلك أنّ بناء النظام الأخلاقي لا يستلزم تدمير المصلحة الخاصة. وعند كانط نِّفِذْ الواجب الأخلاقي ولا تسأل ما الذي سأجنيه من ذلك. وعند هيغل، اسعَ نحو مصالحك الجزئية ولا تنسَ أنك على جزئيّ كت كائن كلّي؛ أنت جزءٌ من كٍّلٍ إن تدمّره تدمّر معه
مصالحك ورغباتك ووجودك الجزئي بأكمله. لا تخف من النظام الكلّي وتخشاه فهو ليس قيدك، هو صورتك عينها، بعدسة أكبر. يتفق هيغل وكانط، في القول بأنّ الفعل الأخلاقي هو الفعل المتوافق مع العقل الكلّي، لكنّ مفهوم العقل الكلّي، ليس واحدًا عند كلّ منهما. تتمثل أكبر الاختلافات وأهمها في أنّ العقل ذاك، عند هيغل، ليس صوريًا مفارقًا للواقع التاريخي، كما هي الحال عند كانط. لتوضيح هذه الفكرة، ساق سنجر مث لًا
موفّقًا يتعلق بقصة المدن وعلاقتها بالتخطيط؛ عندما قامت المدن لم يخطط لها أحدٌ، تشكّل هذا
الكلّي – المدينة – من تركيز كلّ فردٍ على مصالحه الشخصية؛ هذا بنى منزلًا يعيش فيه، وآخر متجرًا
يبيع فيه... إلخ. وهكذا بدأت قصة المدينة بطريقة عشوائية، تمامًا، من سعي كل فردٍ نحو مصلحته
الخاصة. ثم أتى على المدينة تلك حينٌ من الدهر، فكّر فيه حكماؤها في ضرورة التخطيط لها؛ لم يبتغِ التخطيط المستجدّ تأسيس المدينة على مقتضى الحاجات الواقعية التي تأسست بسببها، بدايةً،
بل على مقتضى صورٍ قبلية عن الجمال ومتطلبات الحياة المنظّمة (كانط). هكذا خصّص المخطّطون
أماكن للسكن، وبعدها ساحات واسعة صُمّمت فيها حدائق خضراء كبيرة، ثم مراكز خُصّصت للتسوق. كانت هذه المدينة الجديدة المصمّمة وفقًا لنماذج قبلية، منظمة وجميلة جدًا، لكنها بعيدة عن
متطلبات السكان التي تفرضها حياتهم الواقعية؛ فأماكن السكن بعيدة عن الحدائق التي يُفترض أن
يلعب فيها الأطفال، ما جعل الأهالي عاجزين عن مراقبة أطفالهم من النوافذ والشرفات، كما هي الحال في الحياة الواقعية. ثم إن المتاجر الصغيرة المحاذية للمنازل انعدمت، للحفاظ على النظام والجمالية، وجرى تعويضها بمراكز للتسوّق بعيدة جدًا عن أماكن السكن. وهو ما جعل إحضار أي
(33) Singer, pp. 38–39. (34) Ibid., pp. 39–40, 44–45.
بضاعة أمرًا صعبًا ومرهقًا. لم تُلِبِّ المدينة الجميلة المنظّمة حاجات الناس الواقعية؛ لذلك ظهر
جيلٌ جديد من المخطّطين، استفادوا من أخطاء سابقيهم، وتعلّموا أنّ التخطيط العقلي يجب أن ينصت لنبض الواقع (هيغل). تبيّن لهم كم كان مفيدًا ذاك النظام القديم الذي لم ينشئه فردٌ واحد؛
فتوقفوا عن هدم الأحياء القديمة، وبدلًا من ذلك عملوا على ترميمها وتنظيمها، وفقًا للحاجات
المنبثقة من الواقع، وليس بتوجيه من صورٍ قبلية عن الجمال والنظام. في القصة المذكورة، تشبه المدن القديمة المجتمعات التقليدية التي انتظمت وفقًا للعادات والأعراف، ويشبه التخطيط الأول فلسفة كانط، في حين يشبه التخطيط الثاني فلسفة هيغل، التي تلحق العقل الكلّي الكامن خلف مظاهر الواقع. آمن هيغل بلانهائية العقل وبقدرته اللامحدودة، وبإيمانه هذا تجاوز النقائض العقل التي وقع فيها عند كانط في محاولته بلوغ الميتافيزيقا. فكانط رسم حدودًا للعقل، يميز من خلالها بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن معرفته؛ فكرة وجود شيء لا يمكن معرفته فكرةٌ متناقضة في حدّ ذاتها؛ إن كان هناك شيء لا يمكن معرفته، ولا يمكن أن يقول عنه العقل أيّ شيء، فكيف علم كانط أنّ هذا الشيء موجود أصلًا؟ وكيف استطاع العقل أن يقول: إن هذا الذي لا يمكن معرفته موجود أصلًا؟ أليس وصفه بالموجود ضربًا من ضروب المعرفة؟ أجاب هيغل عن هذا السؤال بالتأكيد على عدم وجود أيّ شيء لا يمكن معرفته؛ ما دام الشيء في ذاته موجودًا فالعقل قادرٌ على معرفته. والشيء الذي لا يستطيع العقل معرفته هو لا وجود له من الأساس. بخلاف كانط، لم ترسم فلسفة هيغل حدودًا للعقل، بل لحقته لتكشف عن تمظهراته عبر التاريخ.
خامسًا: تمظهرات العقل عبر التاريخ
لا يكشف العقل عن ذاته إلا في التاريخ، وليست رحلته في التاريخ سوى رحلة تقدّم الوعي بالحرية. سبق أن أشرنا إلى أن المفاهيم عند هيغل، جميعها، تحتكم إلى مبدإ المحايثة؛ في سياقنا هذا، ماثلًا، تحايث مفاهيم الحرية والحقّ والتاريخ بعضها على نحو عجيب؛ إذ إنّ التاريخ في واحد من أهم تعريفاته عند هيغل هو تقدّم الوعي بالحرية. ومفهوم الحرية هذا لا يكشف عن نفسه إلا في مفهوم الحق، بل إنّ الحق، عند هيغل، في تعريفه، هو التجسيد العيني للحرية. مرّ تاريخ الحق أو تاريخ التجسيد العيني للحرية بمراحل يشبّهها هيغل بمراحل عمر الإنسان،
تجسدت كل مرحلة منها في حضارة معيّنة. يمثل العالم الشرقي مرحلة الطفولة في التاريخ،
وتجسّده الصين والهند والإمبراطورية الفارسية. صحيح أنّ هذه الحضارات تختلف عن بعضها عند
(35) Ibid., pp. 49–51. (36) Walter Terence Stace, The Philosophie of Hegel: A Systematic Exposition (New York: Dover Publication, 1955), pp. 46–49. (37) Hegel, Principes de la philosophie du droit , p. 77. (38) Ibid., p. 185.
هيغل، لكنها تتشابه في كونها، جميعًا، خارج تاريخ الوعي بالحرية؛ حتى الحضارة الفارسية وهي الأرفع شأنًا بينها. الحرّ الوحيد، في العالم الشرقي هو الحاكم، والبقية تخضع له. كانت القوانين
في هذه المرحلة جائرة مستبدّة، ويرى هيغل أنه لم يكن من الممكن أّلا تكون كذلك، في ظل غياب الوعي بالحرية. مع اليونان بدأ الوعي بالحرية، غير أنها حرية ناقصة؛ لأسباب، أوّلها أن اليونانيّ لم يفكّر على
نحو حٍّرٍ مستقلّ عن عاداته وأعرافه. وثانيها، أنّ المجتمع اليوناني تأسّس على فئة العبيد التي
لا تدرك حريتها ولا تعيها، وحقوق الأحرار في المواطنة وتفرّغهم للمشاركة في الحياة السياسية،
تتأسس على فئة العبيد المتفرغة لضرورات الحياة. في هذه المرحلة التاريخية، كانت فكرة الحق، وما تجسدت فيه من قوانين وضعية، غير مستقلة عن العادات والأعراف. وتلك كانت مرحلة المراهقة في التاريخ. بعد ذلك، انتقل تاريخ الحق إلى مستوى الرجولة في التاريخ، وهو مستوى عبّر عنه العالم الروماني.
بخلاف السعادة التي طبعت العالم اليوناني، ظهر العالم الروماني، في مسرح التاريخ، عند هيغل، تعيسًا؛ نتيجة التناقض بين وعيه بحريته الجزئية، من جهة، وقسوة القوانين التي تطالبه بالام ثتال للدولة،
من جهة أخرى. وهي دولةٌ لم تنضج بعد لتعبّر عن حريته. ويرى هيغل أنّ التناقض بين الفرد والقوانين
كان ضرورًّيًا، في هذه المرحلة التاريخية، تحديدًا، وليس قبلها؛ فاليونان عاشوا في ظل مدنٍمنفصلة،
لكلّ مدينةٍ قوانينها المستنبطة من تقاليد أهلها وأعرافهم. كان هذا الأمر مستحيلًا عند الرومان؛ إذ إن الإمبراطورية الرومانية كانت مترامية الأطراف شرقًا وغربًا، تحكم جماعات بشرية مختلفة العادات
والتقاليد والأعراف؛ لذلك كان من المستحيل حدوث حالة الانسجام التي يولّدها استنباط القانون من العادات والتقاليد. بخلاف ذلك، كان من الضروري فرضُ نظامٍواحد يخضع له الجميع بالقهر والإلزام. بسبب هذا الطابع القمعي الذي ساد قوانين الرومان، انطوى الروماني على نفسه ولجأ إلى المذاهب الشكّية والأبيقورية والرواقية، التي تختلف فيما بينها، لكنها تشترك في مسألة مهمة، بالنسبة
إلى هيغل، تتمثل في ازدراء الواقع وجعل الفرد غير آبهٍبالمال والثراء والمناصب السياسية. تعبّر تلك
الفلسفات عن عجز فردٍ يشعر بأنه حرّ عن مواجهة سلطةٍ مستبدة. ثم بلغ تاريخ الوعي بالحرية مستوى الشيخوخة في العالم الجرماني. لا تشير الشيخوخة، هنا، إلى العجز والوهن، بل تشير إلى النضج والاكتمال. قد تستغرب إقحام هيغل، في مرحلة العالم الجرماني، مجمل الأحداث التي جرت بدءًا من سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى العصر الحديث، وهي أحداث
يتداخل فيها الهولندي مع الفرنسي والإيطالي... إلخ. يبدو الأمر عنصريًا، كحديثه عن العالم الشرقي،
(39) Friedrich Hegel, La raison dans l’histoire , Kosta Papaionnou (trans.) (Paris: Librairie Plon, 1965), pp. 303, 304. (40) Ibid. (41) Ibid., p. 185. (42) Ibid., pp. 288–292. (43) Singer, pp. 22–24.
يبرّره بالحدث الرئيس الذي أثّر في هذه المرحلة التاريخية، الذي يتمثل في الإصلاح الديني، وهو
إنجاز جرماني. مثّل ظهور المسيحية حدثًا مميّزًا في تاريخ تمظهر العقل الكلّي، في نظر هيغل؛ فالمسيح إنسان وإله،
جزئي وكلّي، متناهٍولا متناه، في الوقت عينه. تلقّن صورته المتميّزة درسًا مفاده أن الإنسان رغم قصوره
وتناهيه، يتضمن قيمة لا متناهية. قدّمت المسيحية للإنسان، في رأي هيغل، وعيًا دينيًا مكّنه من التعرف
على سموّ مقامه في الوجود؛ هو كائن روحي لا متناه، على صورة الله، بخلاف غيره من الكائنات. لم يظهر هذا الوعي الديني مكتملًا، منذ البداية، بل استغرق زمنًا طويلًا لينضج، لخّصه تاريخ المسيحية بأكمله. مرّ ذاك التاريخ من مرحلة ظلام طويلة عبّرت عنها الكنائس الفاسدة الجامدة في العصور
الوسطى، ثم أشرقت شمس الإصلاح الديني، على حدّ تعبيره، فخلّصت الإنسان من قيود الكنيسة ومنحته حريته الروحية. أثارت مكانة المسيحية في فلسفة هيغل نقاشًا طويلًا بين قرّائه؛ فقد اتّهمه المسيحيون الأورثوذوكس
بالإلحاد؛ بسبب تبنّيه مذهب وحدة الوجود. وبعد وفاته، اُّتُهم بالكفر بالمسيحية، أيضًا؛ ويذكر بول ريدينغ أنّ الأرملة المتديّنة الورعة، ماري هيغل، أصيبت بنوبة حزن عميق بعد أن قرأت محاضرات زوجها المنشورة بعد وفاته، حول فلسفة الدين؛ لم تفهم كيف كتب الرجل الذي عهدته لوثريًا أصيلًا هذه الهرطقات. وبسبب المحاضرات، عينها، انقسم الهيغليون، بعد وفاة رائدهم، فصائل ذات اليمين وذات اليسار، لاختلافهم في تأويل تصوّرات أستاذهم في فلسفة الدين؛ فقد اعتبرت فصائل اليمين أن فلسفة هيغل تمثل المذهب المسيحي الأرثوذكسي، في حين ذهبت فصائل اليسار إلى أن فلسفته وظفت المسيحية، رمزيًا، للتعبير عن التمظهر التاريخي للإنسان عبر التاريخ. أًّيًا كان مقصود هيغل في محاضراته تلك، فالثابت أن الإصلاح الديني عنده هو مركز أحداث العالم الجرماني، لأنه حرّر الإنسان على المستوى الروحي. أما على المستوى السياسي فالتحرّر، عنده، لا يتحقّق إلا حين
تقوم المؤسسات السياسية على أساس العقل، ويتجسّد الحق، بوصفه فكرة عقلية، في قوانين وضعية.
(44) Ibid., pp. 25–26. (45) Hegel, La raison dans l’histoire , pp. 292–296.
((4 (اعتبر رجال الدين، حينها، مذهب وحدة الوجود، عند سبينوزا، مروقًا عن الدين، لأن باروخ سبينوزا Baruch Spinoza
(77–163216) إذ يُعلن عن الوحدة بين الله والعالم، ينسب إلى الله عيوب العالم ونقائصه. ينظر:
Jules Simon, La religion naturelle (Paris: Librairie de L. Hachette, 1856), p. 119. (47) Paul Redding, "Hegel’s Philosophy of Religion," in: Graham Oppy & Nick Trakakis, Nineteenth–Century Philosophy of Religion, vol. 4: History of Western Philosophy of Religion (New York: Routledge, 2014), p. 49.
(4((بدأ الخلاف بعد أن نشر ديفيد ستراوس كتابه نظرة نقدية حول حياة يسوع، في عام 835.1 وهو أحد تلاميذ هيغل، استعان بفلسفة أستاذه في دراساته حول المسيحية، وأثارت تلك الدراسات ضجة كبيرة، لأنها حوّلت أصول الدين المسيحي إلى حوادث
أسطورية من صنع الخيال. ينظر:
François Bonifas, "La théologie en Allemagne: Au dix–neuvième siècle," Revue Théologies, Recueil Trimestriel , vol. 1, no. 1 (1877), p. 277. (49) Redding, p. 49.
سادسًا: في أنّ القوانين الوضعية تجسيد لفكرة الحق المتمظهر عبر التاريخ
تقوم القوانين الوضعية، عند هيغل، على فكرة الحق بما هو تجسيد تاريخي للحرية. ويشير هذا القول إلى أهمية التاريخ ودور المؤرخ. لكن ذاك الدور لا يتعدى مستوى تقديم المعطيات التاريخية وإضاءة جوانبها. لا ترقى الدراسة التاريخية للقانون، أًّيًا بلغت قيمتها، إلى مستوى الدراسة الفلسفية. وإشكالية القانون، بالنسبة إلى هيغل، فلسفية؛ فالفيلسوف وحده يستطيع التعرف على المبادئ العامة للقانون بما هي تمظهرات للعقل الكلّي؛ وهذا هو المعيار الوحيد الذي يُحكم به على القانون. حين نذهل عن ذاك المعيار، يمكن أن نجد أفضل التبريرات لأشد القوانين ظلمًا وطغيانًا. يذكر هيغل، في هذا السياق، المشرّع الروماني سيكستيس كايسيليوس Sextus Caecilius (916 ق.م 75–1 ق.م)، الذي كان قادرًا على الدفاع عن أشد قوانين الرومان بشاعةً، بدعوى نجاعتها، من بينها قانونٌ روماني يمنح المُدينَ، في حال انقضاء مدة مديونيته، الحقّ في قتل المُدان، أو بيعه. وإن كان المقرضون كثرًا، من حقهم تقطيع المُدان أشلاء. وبرّر كايسيليوس هذا القانون المريع بقدرته على الردع وضمان الثقة بين الأفراد، على مستوى التعاملات المالية؛ ففي رأيه، لا تجد بين الرومان من لا يردّ قرضًا، خوفًا من القانون. ومن جهة أخرى يعتبر المشرّع الروماني أن هذا القانون جيدٌ لأنه بشعٌ جدًا، لذلك لا يطبّق. وبفضل استحالة تطبيقه يردّ الرومان ديونهم، من دون عنف. تعليقًا على هذا السخف، يؤكد هيغل أن من يذهل عن القانون بما هو تمظهر للعقل الكلّي، يمكنه أن يهذي بما شاء. إن كان الحق فكرة عقلية تتطور عبر التاريخ، من الذي يتكلف باستنباط القوانين الوضعية من فكرة الحق العقلية هذه؟ تحديد طبيعة الحق واستنباط مبادئ القانون منه عملٌ فلسفي. وهذا ما أثبته هيغل في كتابه أصول فلسفة الحق. أما مهمة استنباط القوانين الوضعية من تلك المبادئ فهي مهمة موكولة إلى القضاة؛ فالعقل، كما يقول هيغل، لا يستطيع عند حدوث جريمةٍ ما أن يقول لنا ما الأنسب؟ أربعون جلدة أو تسع وثلاثون؟ وبالنسبة إلى تحديد غرامة معينة لا يستطيع العقل أن يقول لنا هل الأنسب خمس جنيهات أو أربعة. وفي عقوبة سجنية، لا يستطيع العقل أن يقول هل الأنسب سنة أو سنة ويوم واحد؟ هذه أمورٌ تتفق عليها هيئة قضاة. المهم، أن يجري الاتفاق على قرار وأن يبرّر بعد نقاش بين القضاة، ويتم الثبات عليه، في كل الحالات المشابهة. الحقّ، عند هيغل، وضعي بالضرورة؛ لأسباب، تعود إلى مضمونه الذي يتحدد بشخصية شعبٍ ما، ومستوى تطوره التاريخي، ولأنه عبارة عن تصوّراتٍ فكرية كلّية تطَّبَق على حالات وضعية جزئية، ولأنّ تطبيق هذا القانون الكلّي على حالات
جزئية يتطلب إجراءاتٍ وضعية مختلفة قبل بتّ المحاكم في الأحكام.
(50) Hegel, Principes de la philosophie du droit , pp. 53–54. (51) Ibid., pp. 240–242. (52) Ibid., p. 50.
خاتمة: هل كانت فلسفة القانون عند هيغل مجرد غطاء فلسفي لدولة ذات قوانين استبدادية؟
وُجّهت انتقادات لهيغل، من أهمها النقد القاضي بأنّ فلسفته السياسية، برمّتها، مجرد غطاء فلسفي يبرر
الواقع السياسي في بروسيا. فهل كانت الدولة التي وصفها في أصول فلسفة الحق هي، فعلًا، بروسيا؟ لم يذكر هيغل في الكتاب أيّ جملة عن بروسيا، مع ذلك تجد عددًا من قرائه يتهمونه بالتنظير للأنظمة
الشمولية؛ فتشارلز تايلر يقول إنّ هيغل وروسو، رغم ما بينهما من اختلافات، نظّرا للاستبداد الذي ظهر في القرن العشرين. في فلسفة كٍّلٍ منهما، صهرٌ لاختلافات المواطنين، كلّها، في فكرة الواحد الكلّي
المشترك. ويتبنّى كارل بوبر Karl Popper (994–19021) الموقف نفسه، ويعتبر هيغل واحدًا من أكبر منظري الأنظمة النازية والفاشية؛ لأنه يزعم أن الدولة تقوم على العقل؛ بناءً عليه، تكون معارضة
الدولة معارضة للعقل، وعبادة للرغبات الجزئية. بهذا القول قَّدَم هيغل، في نظر بوبر، حجة قويّة يمكن كل حاكم مستبدّ توظيفها لسحق معارضيه؛ بدعوى أن معارضتهم ناتجة من الجزئية، وأن عليهم الارتقاء فكريًا، لفهم العقلانية الكامنة وراء قراراته. بالنسبة إلى سنجر، حجة بوبر هذه، ضعيفة وإن بدت قوية، لأسباب تتمثل في أنّ أكثر الاستشهادات التي استشهد بها كارل بوبر، لا تعود إلى هيغل، بل إلى ملاحظات طلابه، والعبارة الشهيرة التي لجأ إليها بوبر، وكل من أراد نقد هيغل في هذا الموضوع:
"الدولة هي الإلهي وقد تعيّن على نحوٍ أرضيّ"، ترجمتها غير صحيحة. والأصح هو: "وجود الدولة
تعيينٌ للإرادة الإلهية". وأراد هيغل من خلالها أن يقول إن الله يريد للدولة، بما هي نظامٌ كلّي أن تقوم. أضف إلى ذلك، وهذا هو الأهم، أنّ الدولة، عند هيغل، لا تتلخص في النخب الحكومية، بل هي تطور
الحياة الاجتماعية لشعبٍ من الشعوب، فنظام الدولة هو مسيرة ذاك الشعب عبر التاريخ، مسيرة حياته الاجتماعية في مختلف مراحل تطورها. كما أن هيغل في كتابه أصول فلسفة الحق، في معرض حديثه عن فون هالر Von Haller (777–17081)، انتقد، قوله القاضي: "القوة تصنع الحق"، وغنٌّيٌ عن البيان
أن هذا القول أساسٌ من أسس الخطاب النازي والفاشي، انتقده هيغل بشدة، مؤكدًا أنّ القانون يُستنبط
من الحياة الروحية للشعب وليس من إرادة فردٍ بعينه، وأن إخضاع الأفراد لقوانين يفرضها الحاكم على
هواه يؤدي إلى علاقة كراهية وعداءٍ بين الفرد والقانون. واستنادًا إلى فلسفة التاريخ عند هيغل، نتفق مع سنجر؛ لأن الشعور بالكراهية تجاه الدولة وبالقسر
(53) Charles Taylor, Multiculturalisme: Différence et Démocratie , Denis Armand Canal (trans.) (Paris: Aubier, 1994), pp. 70–71.
(5((في الترجمة الفرنسية، ترد العبارة التي يقول بيتر سنجر إنها خاطئة، على هذا النحو: "Il faut donc vénérer l’État comme un
être divin–terrestre"، ينظر: Karl Popper, La société ouverte et ses ennemis: Hegel et Marx , Jacqueline Bernard, Philippe Monod (trans.), vol. 2 (Paris: Seuil, 1979), p. 21;
في الترجمة الإنكليزية التي استشهد بها كارل بوبر، وردت العبارة على النحو التالي:
"The state is the Divine Idea as it exists on earth." Karl Popper, The Open Society and its Enemies, The High Tide of Prophecy: Hegel, Marx, and the Aftermath, vol. 2 (London: George Routledge and Sons, 1979), p. 29. (55) Singer, pp. 55–57.
والاستبداد، يعبّر عن تناقض بين الكلّي والجزئي، أشبه بذلك الذي وصفه هيغل في معرض تحليله
للعالم الروماني. لا تتطابق دولة هيغل، بحسب ما يورد سنجر، مع بروسيا ولا مع أيّ دولة قامت في عصره. صحيح أنّ هيغل استحسن الإصلاحات التي قامت في بروسيا، وكان حريصًا على استقرار نظامها، لكنه لم يدعُ إلى عبادتها. ليست بروسيا هي الدولة الموصوفة في كتاب أصول فلسفة الحق؛ لأسباب واضحة، في رأي سنجر؛ أولها، أن الملكية عند هيغل دستورية، بينما كانت ملكية بروسيا مطلقة. وثانيها، أن دولة هيغل تتضمن مساحات للتعبير عن الرأي؛ كمجلس النواب والهيئة التشريعية، وهي مؤسسات لم توجد، قطّ، في البلاد. وثالثها، أنّ المحاكمات في الكتاب تمّ عن طريق هيئة المحلّفين، لإشراك المواطنين في العملية القضائية، وهي هيئة لم توجد، قطّ، في بروسيا. أكّد هيغل، مرارًا، أن الدولة بقوانينها ومؤسساتها تجسيد لحرية الفرد وليست تقييدًا لها. لكنه لم يقصد بقوله ذاك دول الأرض جميعها، بل قصد الدولة التي يقوم نظامها ومؤسساتها على مقتضى العقل، لا على مقتضى الأهواء. وليست هذه حال الدول جميعها؛ فالدول المستبدّة ذات القوانين الجائرة موجودة، لكنها لا تعبّر عن فكرة الدولة في ذاتها ولذاتها.
References
المراجع
العربية
أفلاطون. محاورات أفلاطون: أوطيفرون، الدفاع، أقريطون، فيدون. جمع بنيامين جويت. ترجمة زكي نجيب محمود. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2022 بدوي، عبد الرحمن. فلسفة القانون والسياسة عند هيغل. القاهرة: دار الشروق،.1996 مكاوي، عبد الغفار. المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة). المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،.2018
الأجنبية
Bonifas, François. "La théologie en Allemagne: Au dix–neuvième siècle." Revue Théologies, Recueil Trimestriel. vol. 1, no.1 (1877). Bourgeois, Bernard. Hegel: Les actes de l'esprit. Paris: Vrin, 2001. Hegel, Friedrich. Principes de la philosophie du droit. André Kaan (trans.). Paris: Gallimard, 1940. _______. The Encyclopedia of the Philosophical Sciences. William Wallace (trans.). 2 nd ed. Oxford: Oxford University Press, 1959. ________. La raison dans l’histoire, Introduction à la philosophie de l’histoire. Kostas Papaioannou (trans.). Paris: Librairie Plon, 1965.
(56) Ibid., pp. 54–55.
Hyppolite, Jean. Études sur Marx et Hegel. Paris: M. Rivière, 1955. Kant, Immanuel. Fondement de la métaphysique des mœurs. H. Lachelier (trans.). Paris: Hachette, 1904. Oppy, Graham & Nick Trakakis. Nineteenth–Century Philosophy of Religion: vol. 4, History of Western Philosophy of Religion. New York: Routledge, 2014. Sen, Amartya. The Idea of Justice. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard UniversityPress, 2009. Simon, Jules. La religion naturelle. Paris: Librairie de L. Hachette, 1856. Singer, Peter. Hegel, A Very Short Introduction. Oxford: Oxford University Press, 1983. Popper, Karl. La société ouverte et ses ennemis: Hegel et Marx. Jacqueline Bernard, Philippe Monod (trans.). vol. 2. Paris: Seuil, 1979. ________. The Open Society and its Enemies, The High Tide of Prophecy: Hegel, Marx, and the Aftermath. vol. 2. London: George Routledge and sons, 1979. Taylor, Charles. Multiculturalisme: Différence et Démocratie. Denis Armand Canal (trans.). Paris: Aubier, 1994. Terence Stace, Walter. The Philosophie of Hegel: A Systematic Exposition. New York: Dover Publication. 1955. Willm, Joseph. Essai sur la philosophie de Hegel. Paris: F. G. Levrault, 1836.