العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نقد فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية: تداخل السياسة والدين والأخلاق والحداثة

نقد فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية: تداخل السياسة والدين والأخلاق والحداثة

Critique of Taha Abderrahmane’s Philosophy of Trustworthiness: The Interplay of Politics, Religion, Ethics, and Modernity

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

هذه الدراسة تحليل نقدي لمشروع طه عبد الرحمن الفكري، وقد قُسمت إلى ستة أقسام. في القسم الأول حددت المسلمات الخمس الأساسية التي بنى عليها عبد الرحمن مشروعه الفكري، وحددت ماهية منهجه وركائزه السبعة. وفي القسم الثاني تناولت العلاقة بين الدين والسياسة في مشروعه، وكيف جرى تديين السياسة أو تسييس الدين، والمماهاة بينهما لمصلحة الدين التزكوي. أما في القسم الثالث، فتناولت العلاقة بين الدين والأخلاق وكيف جرى تديين الأخلاق أو تخليق الدين، وتحويل الأخلاق إلى مجرد مذهب في التصوف. وأما في القسم الرابع، فتناولت الدور السياسي للتصوف وكيف أنه يعتمد المشروع على "الأقطاب الصوفية" لتصحيح العلاقة بين المسلمين ودينهم، وذلك على الضد من الدور الذي يعطيه الإخوان المسلمون والسلفية للفقهاء، على الرغم من اتفاقه معهم من حيث مركزية فكرة "الوسيط"، وهي فكرة أتى الإسلام بضدها. وفي القسم الخامس تناولت ما أسميته "عبودية المنطق للعلوم الدينية"، والتناقضات التي تعتري استخدام عبد الرحمن للمنطق ومناهجه. ثم تناولت الدراسة في القسم السادس تناقضات نقده للحداثة الغربية من حيث إنه يقوم على اللعب بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وأنه نقد غير أصيل لأنه مستمد من نقد الحداثة لنفسها، وليس من تطبيق مذهبه الديني على الحداثة الغربية كما توحي بعض كتبه. وقد ختمت كل قسم بنقد يُوضح تناقضات المشروع في كل نقطه تناولتها، والغايات السياسية التي تقف وراء الأفكار التي يطرحها.

Abstract

Abstract: This paper provides a critical analysis of Taha Abderrahmane’s intellectual project across six sections, each of which concludes with a critique highlighting the contradictions in the ideas and the political motives behind them. The study begins by identifying the five basic assumptions upon which Abderrahmane built his intellectual project and defining the nature of his methodology and its seven pillars. It then examines the relationship between

الكلمات المفتاحية:
  • السياسة
  • الدين
  • الأخلاق
  • الحداثة
  • طه عبد الرحمن
  • الائتمان
Keywords:
  • Politics
  • Religion
  • Ethics
  • Modernity
  • Taha Abderrahmane
  • Trustworthiness

أقسام. في القسم الأول حددت المسلمات الخمس الأساسية التي بنى عليها عبد الرحمن

مشروعه الفكري، وحددت ماهية منهجه وركائزه السبع. وفي القسم الثاني تناولت العلاقة

بين الدين والسياسة في مشروعه، وكيف جرى تديين السياسة أو تسييس الدين، والمماهاة

بينهما لمصلحة الدين التزكوي. أما في القسم الثالث، فتناولت العلاقة بين الدين والأخلاق

وكيف جرى تديين الأخلاق أو تخليق الدين، وتحويل الأخلاق إلى مجرد مذهب في التصوف.

وأما في القسم الرابع، فتناولت الدور السياسي للتصوف وكيف أن المشروع يعتمد على

"الأقطاب الصوفية" لتصحيح العلاقة بين المسلمين ودينهم، وذلك على الضد من الدور الذي

يعطيه الإخوان المسلمون والسلفية للفقهاء، على الرغم من اتفاقه معهم من حيث مركزية فكرة

"الوسيط"، وهي فكرة أتى الإسلام بضدها. وفي القسم الخامس تناولت ما أسميته "عبودية

المنطق للعلوم الدينية"، والتناقضات التي تعتري استخدام عبد الرحمن للمنطق ومناهجه. ثم

تناولت الدراسة في القسم السادس تناقضات نقده للحداثة الغربية من حيث إنه يقوم على

اللعب بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وأنه نقد غير أصيل لأنه مستمد من نقد الحداثة

لنفسها، وليس من تطبيق مذهبه الديني على الحداثة الغربية كما توحي بعض كتبه. وقد ختمت

كل قسم بنقد يُوضح تناقضات المشروع في كل نقطه تناولتها، والغايات السياسية التي تقف

وراء الأفكار التي يطرحها.

Editorial Manager of Tabayyun. rasheed.hajsaleh@dohainstitute.edu.qa

religion and politics in his project, focusing on how politics has been religionized or religion politicized, and the similarities between them in favour of the religion of righteousness. The third section discusses the relationship between religion and ethics, exploring how ethics has been religionized or religion moralized, turning ethics into merely a school of mysticism. The fourth section inspects the political role of mysticism. It demonstrates how the project relies on "mystical poles" to correct the relationship between Muslims and their religion, in contrast to the role assigned to jurists by the Muslim Brotherhood and Sufis, despite agreement on the centrality of the "mediator" concept, which Islam opposes. The fifth section deals with "the enslavement of logic to religious sciences," and the contradictions that plague Abderrahmane’s use of logic and methods. The final section dwells on Abderrahmane’s contradictions regarding Western modernity, noting that his critique plays between what is and what should be, and is derived from modernity’s own critique of itself rather than from an authentic application of his religious doctrine to Western modernity (as he claims).

القسم الأول: المسلمات والمنهج

1. المسلمات

يرتكز مشروع طه عبد الرحمن الفكري على عدد كبير من المسلمات والمبادئ الأولية المستمدة من تاريخ الفلسفة أو من تاريخ الإسلام أو من تأويله لآيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية الشريفة، وكذلك من سير الصحابة والتابعين وشيوخ الصوفية والفقهاء وعلماء الكلام، أو من المنطق ومناهج البحث الغربية. وقد اخترنا هنا خمس مسلمات أساسية نعتقد أنها تشكّل البنية الداخلية لمشروعه الفكري. المسلمة الأولى: يعيش الإنسان "ازدواجية الوجود الإنساني "؛ "الوجود المرئي" (المادي) و"الوجود غير المرئي" (الغيب). فالإنسان عند عبد الرحمن ينتمي إلى العالم الحسي الذي يعيشه على الأرض وكذلك إلى عالم الغيب؛ عالم الله وصفاته وإرادته، وعليه أن يجمع بين العالمين في الوقت ذاته. غير

(((يطرح عبد الرحمن في كل كتاب من كتبه العديد من المسلمات التي يعتمد عليها، وهذه الظاهرة غريبة من الناحية المنطقية والمنهجية. في العادة، يسعى الفيلسوف، أو المفكر، لتقليص عدد المسلمات إلى الحد الأدنى، وهو ما لا نجده عند عبد الرحمن، وهو أستاذ للمنطق في جامعة محمد الخامس بالرباط منذ عام 1970 حتى 2005، وقد نشر العديد من الكتب في هذا المجال، في

مقدمتها كتابه المنطقوالنحو الصوري (1985). فعادةً ما يبدأ الفلاسفة بمسلمتين أو ثلاث، ويبنون عليهما/ عليها مذهبهم الفلسفي،

وتكون المسلمات منطقية أو عقلية أو حدسية، وليست مستخلصة من كتب دينية أو طرق صوفية أو لغوية. أما عبد الرحمن، فقد اعتمد على مئات المسلمات في مشروعه الفكري، وهذا قد يشير إلى أن مذهبه الفلسفي يفتقر إلى الجدية من الناحيتين المنطقية والمنهجية. وبالنسبة إليه، أصبحت المسلمات وسيلة مريحة للتعامل مع أي تحديات يواجهها مشروعه، ووسيلة لبناء حجج للتصدي للمعترضين عليه. (((طه عبد الرحمن، روح التدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، ط  2 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.20

أن المشكلة التي يعانيها الإنسان المعاصر – بحسب عبد الرحمن – أنه اقتصر في عيشه على الوجود المادي ونسي الوجود الغيبي. وهذا النسيان جعله "أشبه بالحيوان الزاحف ". وهي مشكلة موجودة عند المسلمين مثلما تعانيها الحداثة الغربية. وعلى أساس هذه الازدواجية نجده يقِّسِم الإنسان

إلى "نفس"، ويقصد بها الجسم المرتبط بالحاجات الجسمية والمرئية، و"روح" متعلق بالله والدين والتزكية؛ فإذا كان الإنسان "يحيا بنفسه في العالم المرئي، فإنه يحيا بروحه في العالم الغيبي". وهي فكرة تقليدية قديمة موجودة في أغلب المذاهب الدينية والفلسفات والمذاهب الإصلاحية الكبرى التي عرفتها البشرية منذ آلاف السنين. وما نؤاخذ به هذه المسلمة، أي "تَشُكُّل حياة الإنسان بازدواج المرئي بالغيبي" أن عبد الرحمن (كما سنرى) لم يكن مخلصًا لها، لأن الأصل في مشروعه ليس الجمع بين هذين العالمين، كما يقول، بل تجاوز العالم المرئي (القاصر) إلى العالم غير المرئي (العالم الأصلي). وكل مشروعه الفكري يقوم على إدانة العالم المرئي إذا لم يحتكم كلًّيًا إلى العالم غير المرئي، وما هذا الجمع في حقيقته سوى

إدماج الأول في الثاني، أو نسيان الأول نسيانًا شبه كليّ (نسيان عكسي) إلى حٍّدٍ يتلاشى فيه العالم

المرئي ويغيب عن الأنظار، وهذا طبعًا بتأثير من نزعة عبد الرحمن الصوفية المتطرفة. المسلمة الثانية: كثيرًا ما يفصل البشر بين العالمين غير المرئي والمرئي، وهم عندما يقومون بهذا

الفصل فإنهم نسوا أن الله هو خالق الكون ومسيره وسيده، وبدؤوا بنسب السيادة إلى أنفسهم واغتروا بأن لديهم القدرة لتدبير شؤونهم بأنفسهم ووحدهم (السيادة للشعب). ويبين لنا عبد الرحمن أن البشر عندما قاموا بهذا الفصل فإنهم نقلوا "كمالات" العالم الأول إلى العالم الثاني. وأحد هذه الكمالات "التي اقتبسوها وادعوا استحقاق الوجود المرئي لها هو 'الجلالة' [...]؛ ما لبثوا أن جعلوا لها، تسُّتُرًا

على أصلها الغيبي، كنية غلبت في الاستعمال هي 'السيادة'، وقد بلغوا من قوة التعلق بها أن نسبوها إلى المؤسسات والشعوب والأفراد، وجعلوا طلبها علامة على تحُّمُل الإنسان أمر تدبير شؤونه بنفسه".

والسيادة المنفصلة عن أصلها في الغيب (السياسة) ستؤدي – لا محالة – إلى "التسلط"، لأن النفس هي التي تدبر هذه السيادة بدلًا من الله، فمشكلة السيادة أنها تجعل الإنسان "ينسب كل شيء إلى

(((المرجع نفسه، ص.24 (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه، ص.25–24 (((المرجع نفسه، ص.39 (((حتى مسألة صوفية عبد الرحمن تبدو مُشكلة. فمن المعروف أن الفلاسفة الذين لديهم نزعة صوفية وروحية مقلّون في الكتابة

مثل: هنري برغسون Henri Bergson (1941–1859)، ولودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1951–1889)، وفي العالم العربي محمد بديع الكسم (2000–1924). فهم يكتفون بكتاب أو اثنين لأنهم يعتقدون، بتأثير من تصوفهم، أن الفيلسوف إذا قال "حقيقته مرة واحدة قد يكون كافيًا ولا داعي للمزيد"، بخلاف عبد الرحمن، فهو غزير الإنتاج. حول نزعة برغسون وبديع الكسم

الصوفية، ينظر: صادق جلال العظم، ثلاثة محاور فلسفية، دفاعًا عن الماديّة والتاريخ (مداخلة نقدية مقاربة في تاريخ الفلسفة

الحديثة والمعاصرة) (بيروت: دار الفكر الجديد، 1990)، ص.24–23 (((المرجع نفسه، ص.25

ذاته، ولا يزال يمارس هذه النسبة الذاتية، حتى يستبد ولا يرى استبداده". ولمّا "كانت هذه السيادة

المنتحلة، في الأصل، حًّقًا غيبًّيًا لا يملكه إلا الله الحق، جل جلاله، كان دفع ضررها، بل الخروج

منها، لا يتم إلا بواسطة عملٍ أصله الغيبي ثابت ويكون منشؤه الروح، بحيث يحِّوِل الإنسان من داخله

وبجمعيته؛ وما ذاك إلا 'عمل التزكية"'؛ أي التصوف. وبذلك يتحرر الإنسان من "سلطان النفس عليه، حتى إذا ترقّى في هذا التحرر، استرجع ذاكرته الأصلية التي فطر عليها". ودليل عبد الرحمن على وجود العالم غير المرئي أو الغيب، وأن الله هو الضامن لهذا العالم، يأخذه من الإدراك الحسي؛ فهو يبين أن "الذات الشهيدة الحفظية هي وحدها التي تقدر على رؤية ما لم يره [الإنسان] وعلى حفظ وجود ما رأى". والمثال المفضل عنده أن المسلم عندما يطوف بالكعبة الشريفة لا يرى سوى جانب واحد منها أثناء طوفانه، بحكم ارتفاع جدرانها. وبالرغم من ذلك، فإن صورتها الكلية (الغيبية) حاضرة في ذهنه تمامًا، حتى عندما يرى جدارًا واحدًا ولا يرى بقية الجدران.

وهذا طبعًا ليس بغيب، كما يضخم المسألة عبد الرحمن، بل هو أمر يتعلق بطبيعة الإدراك الحسي الذي يحتفظ بطريقة مكتملة عن الشيء الذي رآه سابقًا، فالصورة الكلية للكعبة حاضرة في ذهن المسلم لأنه طاف بها وشاهدها بعينيه من مختلف الجوانب بطريقة حسية مباشرة، وبعد ذلك يحتفظ الإدراك الحسي بتلك الصورة الكلية. والطريف في الأمر أن مشروع عبد الرحمن لا يختلف البتة، من هذا المنظور، عن نظرية المُثل

الأفلاطونية، ولكن ذلك بلغة صوفية إسلامية؛ وإذا أردنا الدقة فهو يطبق/ يستخرج نظرية المثُل

الأفلاطونية من النصوص الإسلامية. فعالم الوجود غير المرئي عنده يشبه عالم المُثل الأفلاطونية. وإذا

كان الإنسان عند أفلاطون ينسى عالم المُثل عندما يولَد ويذهب إلى عالم المادة والحس، فإن الإنسان

عند عبد الرحمن قد نسي العالم غير المرئي عندما قدم إلى عالم المادة والحس. وكما أن خلاص الإنسان لا يكون إلا بتجاوز العالم المادي والعودة إلى التأمل في عالم المُثل، فكذلك خلاص الإنسان

عند عبد الرحمن؛ إذ لا يكون إلا بالعودة إلى تأمل العالم غير المرئي. وكما أن المعاني لا توجد إلا في عالم المُثل؛ فكذلك لا معاني إلا في العالم غير المرئي. وكما أن أفلاطون يحتقر الحواس والماديات

ويعتبرها مصدر الخطأ والشهوانية، كذلك يعتبر عبد الرحمن عالم الماديات سبب كل ما هو سلبي في حياة الإنسان. وكما أن الفيلسوف المتأمل وحده هو القادر على تجاوز العالم المادي إلى عالم المُثل، والقادر على التحرر من سلاسل الكهف التي رُبط بها، كذلك المتزكي (المتصوف) هو وحده

عند عبد الرحمن الذي يستطيع أن يتجاوز العالم المرئي إلى العالم غير المرئي. وكما أن المعرفة عند أفلاطون Plato (427 ق. م 347– ق. م) هي تذُّكُر الإنسان للحقائق في عالم المُثل، فكذلك يولد

(((المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه. ((1(المرجع نفسه، ص.37 ((1(المرجع نفسه.

الإنسان عند عبد الرحمن وهو مزود ب "الذاكرة الغيبية" التي تحفظ "سابق صلاته بعالم الغيب"؛ "بحيث تحمل روحه قوة خاصة أشبه بذاكرة سابقة على ذاكرته التي يملكها في العالم الغيبي؛ وهذه القوة الروحية [هي] التي تحفظ ذكريات عالم الغيب". المسلمة الثالثة: إلغاء علاقة الفصل والوصل بين الدين والسياسة عبر الدمج بينهما ماهويًا، بحيث

يصبح الدين سياسةً والسياسة دينًا، فلا سياسة خارج الدين مثلما لا دين بعيدًا عن السياسة. وهو هنا يقف على الضد من كلا الطرحين المعروفين: الطرح السلفي الذي يطالب بممارسة السياسة من منطلق ديني، والطرح العَلماني الذي يقول بالفصل بين الدين والسياسة. أما عبد الرحمن فيقارب تلك العلاقة بنوع من التحليل يقوم على بناء المجال السياسي بمفاهيم دينية/ صوفية، تجعل السياسة والدين شيئًا

واحدًا، وهو ما سنفصّل فيه القول لاحقًا. المسلمة الرابعة: اختزال المفاهيم الأخلاقية في معانٍ دينية/ زهدية، أو إرجاع الأخلاق إلى الإسلام الصوفي تحديدًا، إذ لا أخلاق عنده خارج التصوف الطرقي (الزوايا)، والصفة اللاأخلاقية تنسب هنا إلى المسلمين المختلفين عنه في المذهب، (ولا سيما السلفية والإخوان المسلمين والشيعة) وكل أبناء الديانات الأخرى، وتنسب كذلك إلى الحداثة الغربية الغارقة في لاأخلاقيتها. وهو الأمر الذي يجعل من مذهب عبد الرحمن الفلسفي (يصف مشروعه بأنه مشروع فلسفي) مجرد مذهب ديني معيّن،

وليس مشروعًا فلسفًّيًا كما سنرى، لأن الفلسفة لا تفكر إلا في الكلي، وفي مصير البشرية جمعاء، على

الرغم من انطلاق الفيلسوف من ثقافة معيّنة أو وضع تاريخي محدّد. وأريد أن أقول هنا كلمة حول فلسفة الدين عند عبد الرحمن. فإذا كانت الفلسفات التي تتناول الدين تقوم بتحليله من منظور نفسي (سيغموند فرويد Sigmund Freud، 1939–1856)، أو اجتماعي (إيميل دوركايم Émile Durkheim، 1917–1858)، أو أخلاقي/ عقلي (إيمانويل كانط Immanuel Kant، 1804–1724)، أو اقتصادي (كارل ماركس Karl Marx، 1883–1818)، أو عقلاني (ماكس فيبر Max Weber، 1920–1864)، أو نفعي (وليم جيمس William James، 1910–1842)... إلخ، فإن مشروع عبد الرحمن لا ينتمي بهذا المعنى إلى مجال فلسفة الدين؛ أي مجال التفكير الفلسفي والاجتماعي والنفسي حول الدين وتفاعله مع المجتمعات وبين الناس، بل نجده ينطلق في فلسفته الدينية من دين معيّن هو الدين الإسلامي، وبهذا المعنى ينتمي مشروعه إلى علم الكلام الإسلامي،

وليس إلى الفلسفة. وهناك فرق يعرفه كل من يعمل في شؤون الفكر بين علم الكلام الإسلامي واللاهوت المسيحي من جهة، وبين الفلسفات الدينية من جهة أخرى. فالأول ينطلق من دين معيّن

ويستخدم طرائق منطقية وعقلية ولغوية في تحليل الدين، ولكنه يبقى في إطار الدفاع عن دين معيّن،

وتبريره بطرائق عقلية للعقائد الكبرى أمام الحس المشترك أو العقل؛ أي تحلل الدين من منطلق ديني، وفهمه على أسس دينية، وإن كانت الطرائق عقلية ومنطقية. وهذا علم كلام أو لاهوت، وليس فلسفة؛ وهو ما يقوم به عبد الرحمن في كل كتبه.

(1((عبد الرحمن، روح التدين، ص.52–51

ومن ثم، تتحول الطرائق المنطقية والمناهج الحديثة المتبعة في تحليل الدين إلى مجرد وسيلة تريد أن تنتهي إلى تأكيد المقدمة التي بدأت منها ولم تعد أدوات للكشف والفهم؛ أي مجرد أيديولوجيا، في حين تطرح فلسفة الدين موضوعات الإيمان؛ مثل وجود خالق للكون، والعلاقة بين الدين والأخلاق بوصفها موضوعات كلية خارج نطاق دين معيّن لأنها تفكر في الدين بوصفه كيانًا كلًّيًا. ولا يضير

الفيلسوف أن يكون له موقف إيماني شخصي يعود إلى دينه الذي يعتنقه، ولكن تبرير هذا الموقف يكون على أساس موقفه الفلسفي الكلي Universal، وليس على أساس دينه الذي يعتنقه، أو حتى يسلم به. فكانط عندما قال إن المبادئ الأخلاقية أعلى من الدين لم يقصد دينه المسيحي الذي يؤمن به، بل قصد الدين بأكمله، وبرتراند رسل عندما رفض الأصل السماوي للدين فإن رفضه كان لكل الأديان ولم يقبل بالأصل السماوي لدين ما، بينما يرفضه عندما يتعلق الأمر بدين آخر؛ فالمسألة هنا تعتمد أولًا على الكلية. نقول هذا الكلام لأنّ هناك لبسًا في طريقة تسويق عبد الرحمن مشروعَه

الفكري. فهو مشروع لا يعني سوى جزء من المسلمين فحسب، وهم أصحاب الفهم الصوفي للدين الإسلامي، ولا يعني مئات الملايين من المسلمين السلفيين أو حتى المقتنعين بالعلمانية والديمقراطية في الهند وتركيا وإندونيسيا والبلدان العربية (تبلغ نسبة من يقبل بفصل الدين عن الدولة من العرب اليوم 47 في المئة)، وهذا يجعلنا أمام مسؤولية تفسير تضخيم ظاهرة عبد الرحمن في الحياة الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة. المسلمة الخامسة: تقوم على تحميل التصوف الطرقي أدوارًا سياسية/ اجتماعية تجعل من التصوف

بديلًا من السياسة. وهي مسلمة غريبة نسبًّيًا؛ لأن التصوف في تاريخ الفكر الإنساني، وليس في تاريخ

الإسلام فحسب، مذاهب تقوم على الانعزال والاهتمام بالخلاص الفردي للمتصوف، أو رغبة الإنسان في أن يتَرَوحَن ويبتعد قليلًا عن صخب الحياة. والحديث عن دور سياسي للتصوف، بالطريقة التي

يتحدث بها عبد الرحمن، هو حديث غريب. وإذا أخذنا مث لًا د لا على هذه الغرابة التصوفَ في تركيا المعاصرة، وفي السلطنة العثمانية من قبل، وهو تصوف عريق يكاد يطبع التدين التركي بطابعه، ومنتشر انتشارًا واسعًا، فإنه ليس هناك من يتحدث عن أدوار سياسية كبيرة للتصوف كتلك التي يتحدث عنها

عبد الرحمن. فالمتابع لسلوك أعضاء حزب العدالة والتنمية التركي (الغالبية العظمى من أتباعه يحترمون الطرق الصوفية ويتبعونها رمزيًا) لا يلاحظ للتصوف والتزكية أي تأثير في سلوكهم السياسي؛ فهم

يتعاملون مع السياسة وفق مبادئ الديمقراطية والعلمانية، وحزب العدالة والتنمية التركي (الصوفي) هو حزب علماني ديمقراطي في الوقت نفسه. ولذلك، يلجأ عبد الرحمن لتسخير الفلسفة والمناهج العلمية الحديثة وتاريخ الفقه وعلم الكلام لخدمة هذه القضية القديمة (تبرير التصوف الطرقي وجعله الخيار السياسي الأفضل للمسلمين وحكامهم في آنٍ واحد). وهذه طريقة في التسخير نجدها سابقًا عند أبي حامد الغزالي (505–450 ه/ 1111–1058 م) الذي استخدم أيضًا طرائق التفكير الفلسفية وانتهى متصوفًا، رافضًا الفلسفة وعلوم عصره منتصرًا

(1((المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤشر العربي 2022، برنامج قياس الرأي العام العربي (الدوحة: 2022)، ص 378، شوهد في 2024/8/30، في: https://acr.ps/1L9zOCe

لمذهبه الديني الخاص. يُذكَر أن الغزالي كان من أكبر منِّظِري العصور الوسطى؛ عصور الانحطاط

(كما يسميها محمد عابد الجابري، 2010–1935). وهناك ميلٌ واضح عند عبد الرحمن إلى أن يكون غزالَّيَ هذا العصر؛ فمنطلق مشروعه الفكري من أوله إلى آخره يقوم على اعتقاده أن أخلاق التصوف

الطرقي هي المخِّلِص الكبير للبشرية بكل أديانها ومذاهبها، وعلى رفض العقلانية بكل أشكالها، بل جعل أخلاق التصوف هي المخلص حتى للحداثة الغربية من أزمتها الأخلاقية والسياسية المزعومة.

2. المنهج

يقوم منهج عبد الرحمن في مقاربته لمختلف الموضوعات التي تناولها في مشروعه على سبع ركائز أساسية حاول إجمالها في كتابه دين الحياء، وهي كما يلي: 1. "الاستغناء عن الأدلة العقلية المجردة": يخبرنا عبد الرحمن أنه على الرغم من لجوئه إلى الأدلة العقلية في بداياته، فإنه ترك هذه الأدلة لأنه وجد في "الاستبصار الوجداني" للوجود وصفات الله وأفعاله ضالتَه. ويضيف: "حتى أني زهدت فيها بالمرة، وذلك لِما عُدت أشعر به من يقين يغني عن كل دليل". 2. "وصل الأفعال الإلهية بالذات الإلهية": هذه الطريقة ساعدته على تجنب أحد عيوب الفكر وهو "الاستغناء بالتفكير في الأفعال عن التفكير في فاعلها". 3. "وصل الأوامر الإلهية بالآمر الأعلى": هي طريقة ساعدته على نقل تعامله من "النطاق العقلي المجرد إلى النطاق الوجداني الحي"؛ إذ يقول: "فجعلتُ تعلقي بالآِم ر الأعلى يتقدم عملي بأوامره، حتى إذا قمت بهذه الأوامر، استشعرت بأني قمت بها على مرأى منه". 4. "وصل المعرفة بالكائنات بالمعرفة بالمكِّوِن، سبحانه": وجد عبد الرحمن أن النظر في الكائنات بوصفها أشياء مستقلة عن الله سبحانه على الرغم من إيمانه بأنه هو الذي خلقها أمرٌ فاسدٌ ولا بد

من أن يستكمل بوصلها ب "المعرفة بالمكِّوِن، ذاتًا وصفاتٍ وأفع ل ". 5. "اعتبار النظر الإلهي": أي النظر إلى الأوامر الإلهية بوصفها موضوع تفكر دائم ومعمق.

((1(يُعد نقد الحداثة الغربية أحد ركائز مشروع عبد الرحمن الفكري، وهو نقد حاضر في أغلب كتبه، كما خصص له بعضًا من هذه

الكتب نذكر منها: طه عبد الرحمن، سؤال الاختلاف: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (بيروت: المركز الثقافي العربي،

2000)؛ طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج من الأخلاق (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،

2016)؛ طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة (بيروت: معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية،.)2007 (1((طه عبد الرحمن، دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني – روح الحجاب (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2017)، ص.160–159 ((1(المرجع نفسه، ص.160 ((1(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.161 ((2(المرجع نفسه.

6. "التوسط بالشاهد الأعلى": أي التوسل بالله سبحانه على الدوام وليس عند طلب الحاجات فحسب. 7. "التعلق بالأسماء الحسنى": يقصد بذلك المداومة على ذكر أسماء الله الحسنى تقربك من حقيقة هذه الأسماء. ولهذه الطريقة أهمية خاصة عند عبد الرحمن تعود إلى "أنك تجد لذة خاصة في ذكرها، كما أن قلبك يتعلق بها، حًّبًا فيها؛ فيثمر هذا القرب تغيّرًا عميقًا في النظر، إذ يتسع

بما لم يسبق له، متفتحة آفاقه ومتأصلة أبعاده، فزاد يقيني بأنه لا سبيل إلى تجديد الإنسان، إيمانًا وأخلاقًا، إلا بأن تتشَّبَع روحه بالأسماء الحسنى، إذ إن الأمداد الإلهية التي يتلقاها إنما تأتيه بطريقة

التجليات التي تكون لهذه الأسماء العظمى".

القسم الثاني: المماهاة بين الدين والسياسة/ تديين السياسة وتسييس الدين

يُعد عبد الرحمن من أبرز المدافعين عن بناء السياسة بمفاهيم دينية، حتى إنه يرفض أي تفريق بين

الدين والسياسة؛ فالسياسة عنده دين وتعبد وتزٍّكّ وزهد، والسياسة خارج هذا الإطار دمار وحروب وقتل وظلم. وله طريقته الخاصة في دمج السياسة في الدين دمجًا كلًّيًا. ففي البداية نجده يرفض ممارسة السياسة من منطلق بشري اجتماعي كما هو الحال اليوم في المجتمعات الحديثة، لأن مقاربة السياسة منفردة بذاتها (خارج إطار الدين) آفة يسميها "آفة التسييس"، ويقصد بالتسييس "إفراد الجانب السياسي بالقدرة على الإصلاح والتغيير، على اعتبار أن قيمة الفرد تنحصر في الفوائد والآثار السياسية التي يتلقاها في نطاق اجتماعي تتشابك فيه الاختيارات المذهبية والمصالح السلطوية والتنازعات على مراكز القوة". وهذا مفهوم نيقولا ميكيافيلي Niccolò Machiavelli (1527–1469) عن السياسة؛ أي الصراع حتى العظم على السلطة والحكم بعيدًا عن الأخلاق، أو بحسب تعبير عبد الرحمن: "تدبير الشؤون الرئاسية للمجتمع مع اعتبارها كل شيء ومحيطة بكل شيء ولا شيء فوقها". وهو مفهوم للسياسة سمح لعبد الرحمن بالنظر إليها بوصفها تعيش أزمة دائمة لأنها ليست أكثر من صراع على النفوذ وستؤدي بالضرورة إلى تجاوز الإنسان بوصفه قيمة؛ أي تجاوز ل "مبدأ التأنيس"، وإلى إغراقه في بحور "التصارع والتغالب والتحاقد والتكايد". ويبدو من هذا التحليل أن عبد الرحمن يهمل أن السياسة اليوم في البلدان الديمقراطية تختلف كثيرًا عن مفهوم

السياسة قبل القرنين التاسع عشر والعشرين. فاليوم، يكون الحاكم محاطًا بدستور وقوانين وبرلمانات فاعلة وقضاء ونقابات لا يمكنه أن يتجاوزها، كما أنه يخوض، كل عدة سنوات، انتخابات حرة مع

((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.162–161 (2((طه عبد الرحمن، العمل الديني وتجديد العقل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997 1989[])، ص.103 ((2(المرجع نفسه، ص.104 ((2(المرجع نفسه.

منافسين أشداء. وهذه القيود حدّت كثيرًا من ممارسة الحاكم للسياسة بعيدًا عن الأخلاق العمومية

والمصالح العليا للدولة التي يحكمها. ولا نريد أن نقدم صورة "وردية" عن النظام الديمقراطي، فهو نظام له مشكلاته أيضًا، ولكن يبقى في كل الأحوال أفضل من نموذج "المستبد العادل" الذي يدعو عبد الرحمن إليه على نحو مضمر (وقبله ميكيافيلي). ففي زمن ميكيافيلي، لم تكن ثمة ديمقراطية، وكان الحكّام مطلقي السلطة، ولذلك كان مقبولًا في حينه أن يضحى بالأخلاق، وأن تسود مصالح الحاكم. أما اليوم، فإن الوضع اختلف كثيرًا في الغرب، ولكن المشكلة أنه لم يختلف كثيرًا في البلدان

العربية الإسلامية، مثلما لم يختلف كثيرًا في مشروع عبد الرحمن، وهذا وجه المفارقة. ويكمن الحل عند عبد الرحمن في تأطير العمل السياسي بإطار ديني، لأن هذا الإطار هو الذي يلطّف السياسة عنده ويجعلها أكثر إنسانية. ولكن أي نوع من التأطير الديني يصلح للعمل السياسي؟ يرفض عبد الرحمن التوجهات السلفية والإخوانية، ويؤاخذها بثلاثة مآخذ أساسية: 1. المأخذ الأول: وقع أتباع "الأصولية الدينية المعاصرة " (ويسميهم أيضًا "التديينيون"، أو أصحاب مذهب "الإسلام دين ودولة)" في "آفة التسييس"، أي إنهم ركزوا على الفهم السياسي للدين أكثر من تركيزهم على العناصر الروحية والأخلاقية والزهدية في الدين الإسلامي، وهو ما يفسر تحوّل حركات الإسلام السياسي عمومًا إلى حركات سياسية نضالية. ولذلك نجده يشّبه

الأصولية الإسلامية بالعلمانية الغربية، وهو تشبيه غريب يقوم على أنه مثلما أعطت العلمانية الأولوية للسياسة على الدين فإن الأصولية الإسلامية قلدت الغرب بطريقتها الخاصة عبر نزعة "تديين السياسة"؛ أي إلباس السياسة ثوبًا دينيّا على اعتبار أنها تعتقد أن الإسلام "أحاط بجميع

مناحي الحياة والسلوك"، وأنه "لا الشأن الخاص ينفصل عن الشأن العام، ولا التعبد [الدين] ينفصل عن التدبير [السياسة"]. وفحوى نظرية عبد الرحمن هنا أن الإسلام لا يفِّرِق أصلًا بين

الدين والدنيا، أو بين السياسة والدين، وأنه لا يرى أي تمايز بين الشأن الخاص والشأن العام، حتى نرفض الفصل بين الدين والسياسة أو نقبله، وأن هذه الإشكالية وقعت فيها الأصولية الإسلامية بتأثر من العلمانية الغربية. 2. المأخذ الثاني: وقعت الأصولية الإسلامية في آفة "الممارسة العقلانية المجردة". ويقصد بذلك أن هذه الأصولية، بتأثير من رغبتها الشكلية في مواجهة العلمانية الغربية، قاربت الدين مقاربة عقلانية تقوم على العودة إلى النصوص وتأويلها بمقتضيات العقل والشرع للقيام بإصلاح المجتمع، بعيدًا عن الزهدية التي كان من الواجب أن تبني عليها مشاريعها الإصلاحية الحديثة. وفي هذا السياق، اعتبرت الأصولية الإسلامية التصوف ظاهرة لاعقلانية تعاني البدع والتبرك.

((2(نستخدم هنا مصطلحات طه عبد الرحمن. ((2(المرجع نفسه، ص.335 ((2(المرجع نفسه، ص.108 (3((عبد الرحمن، روح التدين، ص.335 ((3(المرجع نفسه.

ومن هنا، أتى عداء السلفية للتصوف والطرق الصوفية. يقول عبد الرحمن: "الملاحظ أن السلفية صرفت همتها إلى تصور منهج السلف على مقتضى مبادئ التعقل للنصوص، واقعة في ذلك تحت تأثير النموذج العقلاني النظري الأوربي الذي لم تُفلِت من الانبهار به، واعتباره الأصل في كل مظاهر التقدم والتطور الحضاري الغربي"، في حين كان عليها أن تعود إلى التصوف وتحاول إحياءه، وأن تنفض غبار التاريخ عنه وتجديده بما يلائم روح العصر. 3. المأخذ الثالث: يرى أنها حركات متطرفة تعتمد على التعبئة، و"التكلف والتعفن اللذين ستنطبع بهما هذه التعبئة"، وذلك بعيدًا عن الوسطية أو الاستقامة. والاستقامة عنده هي: "حالة كون الشيء طالبًا لطريق الوسط بين حدّين هما الإفراط والتفريط باعتبار الوسط هو سبيل الظفر

بالسداد". "وحيث إن السلفية لم تفلت من المغالاة في موقف المخاصمة، ومن التقصير في موقف المجانب، فقد قصّرت بشرط اليقظة وخرجت من جادة الاستقامة [الوسطية]؛ الأمر

الذي عرّضها إلى انعطاف قيمها عليها بالسوء". وفي المقابل، يقوم مشروع عبد الرحمن على

مفهوم "اليقظة"، واليقظة التي هي عنده الاشتغال الشرعي بالدين من منطلق الروحية والزهدية (الطرق الصوفية) لها شروط من أهمها: "اجتناب التطرف"، و"الحفظ من التوقف" (الابتعاد عن اللامبالاة والإهمال). هكذا، يبدو موقف عبد الرحمن من السلفية والإخوانية وغيرهما من جماعات الإسلام السياسي واضحًا: ابتعدوا عن السياسة، وابتعدوا عن تسييس الدين، وابتعدوا عن مقاربة الدين والسياسة

بوصفهما شيئين مختلفين. ابتعدوا عن مقاربة الدين عبر العقلانية، أو عن طريق الرجوع إلى السلف بمناهج عقلية/ تأملية مجردة. إن مشكلتكم هي أنكم تشبهتم بالغرب وأدخلتم علينا مشكلة غربية كنّا في غنى عنها. السياسة – قبل كل شيء – شأن روحي وزهدي وتزكوي تختص بها الروح وليس النفس (الجسم)، هي توجه إلى الله وعبادته وليست توجهًا في اتجاه العالم المادي وصراعات البشر فيه. وفي هذا السياق، يعيد عبد الرحمن تأويل عدد من المفاهيم الدينية/ السياسية من أجل أن تلائم مذهبه الصوفي. ف "الجهاد" لم يعد عملًا يتعلق بالسياسة والجيوش، بل هو "مجاهدة النفس"، ويكون "عملًا روحيّا بالأصالة". كما أن "الدعوة" إلى الإسلام بالطريقة التقليدية/ السياسية يشوبها "آفة الادعاء"

وقد تختلط ب "المكاسب المادية"، في حين أن الدعوة عنده هي قبل كل شيء "دعوة أخلاقية" يقوم بها

(3((عبد الرحمن، العمل الديني، ص.100 ((3(المرجع نفسه، ص.107 ((3(وهذا المفهوم الأرسطي للفضيلة بوصفها وسطًا بين حدّين متطرفين. (3((عبد الرحمن، العمل الديني، ص.107 ((3(المرجع نفسه، ص.108 ((3(المرجع نفسه. (3((طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000)، ص 212. وهذا هو مفهوم أبي الأعلى المودودي للجهاد.

أقطاب/ أولياء الطرق الصوفية، ولا تصحّ الدعوة إلا "إذا قام الداعية بشرط الإخلاص لله في دعوته،

وقام المدعو بشرط تسليم الإرادة لله". وقُل مثل ذلك في أغلب تحليلاته للمصطلحات الموجودة في عالم الدين والسياسة، بل إن التحليل عنده سرعان ما ينقلب إلى شرح ودعوة إلى الصوفية. فهو إذا كان يطرح باستمرار مبدأ "البعد عن التسييس"؛ أي البعد عن السياسة بذاتها وممارستها من منطلق صوفي، فإنه يقرن ذلك بمفاهيم صوفية من قبيل: "الصحبة"؛ أي مصاحبة المريد لشيخه "ردحًا من

الزمن" حتى يتعلم منه أكثر، و"الإحسان"؛ أي اتصاف المرء بالأخلاق الحسنة و"الفضائل الروحية". وعبد الرحمن لا يعتقد أن هذه المفاهيم خاصة بمذهبه أو بطائفة معيّنة، بل بالإنسانية جمعاء لأنه ينطلق

من مسلمة تقول: "إن قيم الإنسانية مستمدّة من الدين"، والدين كما أوضحنا لا يدرك تمام الإدراك إلا بالطرق الصوفية، بل إن الدين لا يمكنه أن يطبق قيمه الإنسانية إلا عبر الطرق الصوفية؛ "وعليه، فإن دعوة أهل الصلاح ليست نزعة طائفية، ولا دعاية مادية، وإنما هي دعوة إنسانية أخلاقية". ومن الواضح أن هذه الطريقة في التحليل ستقوده – لا محالة – إلى مقولة "الحاكمية لله وحده" ما دامت "السياسة" عنده لا تتجه إلى الله إّلا عبر "التعبد"، إن لم تكن هي التعبد عينه. ومذهبه هذا لا يختلف عن مذهب أبي الأعلى المودودي وحسن البنا في النتيجة، ولكن ذلك من حيث الطريقة فقط؛ فتحقيق الحاكمية لا يتم عنده عن طريق السياسة كما هي موجودة في مذاهب الإسلام السياسي، بل عن طريق الزهد والتزكي. وفي شرح نظريته في الحاكمية لله لا بد من التأكيد أنه يرفض التفسير المعروف الذي يقول إن معنى كلمة "حكم" في الإسلام لا يتعلق ب "الحكم السياسي"، بل بالقضاء فحسب، وهي تشمل عنده الحكم السياسي والقضاء معًا، ولكن بطريقته الزهدية الخاصة على اعتبار أنْ لا تفريق بين السياسة والقضاء، على طريقة عدم التفريق بين السياسة والدين. كما أنه يرفض نظرية الحاكمية لله بالمعاني التقليدية: "فمن قائل بأنها تعني تعيين الله للحاكم، مستخلِفًا له في الأرض، ومِن قائل بأنها الوكالة عن الله

والحكم باسمه، ومِن قائل بأنها استبداد هيئة رجال الدين بالحكم، ومِن قائل بأنها اعتبار الشريعة الإلهية حاكمة على كل شيء، ومن قائل بأنها الإقرار بأن الله المستقل بالتشريع لعباده". الحاكمية، وهي نقطة كان على أنصار الحاكمية أن يتنبهوا إليها حتى لا يساء فهمهم، لا تتعلق بالسياسة فحسب، أو ليست السياسة (التسلط على الخلق) هي المدخل الملائم لفهمها، بل تتعلق ب "التعبد للحق". ولهذا التعبد شقّان: الشق الأخلاقي الذي يصل بين معنى "الحاكمية" ومعنى "الآمرية"، والمقصود بهذا

((3(المرجع نفسه، ص.213 ((4(المرجع نفسه، ص.212 ((4(المرجع نفسه، ص.214 ((4(المرجع نفسه، ص.213 ((4(المرجع نفسه. (4((عبد الرحمن، روح التدين، ص.359 ((4(المرجع نفسه، ص.358

الشق أن الله هو الذي أمر بخلق البشر والذي أمر بأرزاقهم وهدايتهم على امتداد حياتهم؛ وعلى ذلك فإن حياة البشر ليست أكثر من تنفيذ مستمر لتلك الأوامر، التي إن خرج عنها الناس هلكوا، أو نزلوا إلى "رتبة البهيمية". أما الشق الآخر، فهو "الشق الروحي"، وهو يصل بين معنى "الحاكمية" ومعنى "الشاهدية"، والمقصود بهذا الشق إدراك الإنسان للشواهد الغيبية والظاهرة على "الأمرية الإلهية" في كل شيء. وطبعًا؛ للشهادة رُتب. وأعلاها الرتبة التي فيها "تُدرك المتزكيَ المحبةُ الإلهية الخاصة"،

فتجعله يفنى عن رؤية إرادته برؤية إرادة الله فيه. ولا يزال المتزكي يتقرّب بما هُدي إليه من صادق

الأعمال وخالصها. والحُّقُ، سبحانه، يغمره بمحبته الخاصة، حتى يُفنيه عن أفعاله وصفاته التي هي له

نفسه ليُنشئ فيه أفع لًا وصفات هي من عنده تعالى، فيبدله – وهو كائن معه في روحه – بسمعه سمعًا

من لَدُنه وببصره بصرًا من لَدُنه". بحسب هذا الفهم للعلاقة بين السياسة والدين؛ لا يعود للحديث عن الدولة (بالمعنى الحديث) أو الديمقراطية أو البرلمانات أو الفصل بين السلطات، وما إلى ذلك من مفاهيم حديثة تبنى عليها السياسة، أُّيُ معنى. ولذلك، نجد عبد الرحمن يتناول هذه المواضيع بوصفها "شُبهة" عليه أن يحرر

تفكير الناس منها. أما الديمقراطية، فإن عبد الرحمن يرفضها على بكرة أبيها بكل أشكالها: الديمقراطية المباشرة، والتمثيلية، والديمقراطية التشاركية، والديمقراطية التشاورية، والديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الشعبية. وحجته في ذلك يمكن معرفتها بسهولة من تكوين مذهبه: إنها أسلوب في الحكم لا يراعي الخصوصية الروحية والزهدية للبشر، من حيث إن المتزهد لا يقارب "الشأن العام" من منطلقات سياسية تخلط الحياة العامة بالحياة الخاصة، بل من منطلق الحياة الخاصة أولًا (حياة الزهد والتعبد والتزكي)، ثم يقارب الحياة العامة من مفاهيم تلك الحياة الخاصة. وهذا تصور ل "العمل التدبري [السياسة] يجعل العام فرعًا للخاص والظاهر فرعًا للباطن ويتوسل بآليات سياسة النفس توُّسُلَه بآليات سياسة المجتمع"، حتى إنه يرفض نظريات العقد الاجتماعي بحجة أنها تحلل

وضع الإنسان في الحياة الدنيا (العالم المرئي) وتتجاهل وجوده المسبق في "عالم الملكوت"، وأن انتقال الناس من الحالة الطبيعية، حالة العنف والاقتتال، إلى الحالة المدنية هو انتقال ليس له أي معنى عنده لأنه انتقال، في حال صحته، جرى عبر التعاقد بين الناس والحكام، في حين أن الأصل في العقود، عنده، أنها يجب أن تكون بين البشر وخالقهم. أما مأخذه الثاني على نظريات

((4(المرجع نفسه، ص.369 ((4(المرجع نفسه، ص.389 ((4(المرجع نفسه، ص 394 ((4(المرجع نفسه، ص.343 ((5(المرجع نفسه، ص.341–340 ((5(المرجع نفسه، ص.341 (5((عبد الرحمن، دين الحياء، ص.16

العقد الاجتماعي، فيعود إلى أن الانتقال كان من حالة طبيعية (مادية) إلى حالة مدنية (مادية)؛ أي من حالة مادية إلى حالة مادية. ولذلك يطرح علينا عبد الرحمن نظرية مختلفة في العقد الاجتماعي يسميها "نظرية المواثقة"، وهي تنطلق من أن التعاقد يجب أن يكون بين الإنسان وربه وليس بين البشر وحكامهم. والأساس في هذه المواثقة "ميثاق الشهادة الذي أقر فيه الإنسان بربوبية خالقه لما تجَّلَى له بأسمائه الحسنى، وميثاق الائتمان الذي حمل بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها هذه الأسماء". وتقوم نظرية المواثقة على أن الإنسان يعيش اليوم "الحالة الاختيانية"؛ وهي حالة خان فيها مواثيقه مع الله، وعليه أن يعود إلى "الحالة الأصلية"؛ أو "عالم الملكوت". وفي النتيجة، يمكننا أن نحدد الاختلاف الأساسي بين نظرية العقد الاجتماعي الحديثة ونظرية المواثقة بأنه إذا كانت نظرية العقد الاجتماعي تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين حول قضايا حق التملك والحقوق السياسية والاجتماعية، فإن نظرية المواثقة لا تهتم بذلك لأن الملك لله وحده والحقوق لله وحده، ولأن وجود الإنسان من أوله إلى آخره متمحور حول المواثيق التي أقرها الإنسان تجاه ربه والالتزام بها (يستخرجها عبد الرحمن من القرآن والسنة مع تأويله إيّاها بطريقته الخاصة). فالنظرية الميثاقية لا تعترف بالمُلك، بل تدعو إلى ما يشبه المشاع،

ولا ترى أن هناك صراعًا يمكن أن ينشأ بين البشر عندما يقرون ب "توريث الائتمان"؛ أي إن كل شيء هو مجرد أمانة وضعها الله في أعناق البشر. يذكر أن نظريات المشاع ورفض الملكية كلًّيًا ما هي إلا مجرد

نظريات رومانسية لا تحمل أي طابع عملي؛ هي مجرد هروب من الواقع المعقد، وفي كل الأزمنة وجد "دراويش" ومتدينون وفلاسفة ومصلحون واشتراكيون يحذرون البشر من الملكية بوصفها مصدر الشرور كلها. غير أن التاريخ السياسي للعالم والصراعات على الملكية يبين أن مشكلة الملكية لا تحل برفضها أو تحويلها إلى قضية روحية، أو التعالي عليها، بل بإقامة أنظمة سياسية عادلة تحفظ للجميع حقوقهم قدر المستطاع. وهذه قضية معقدة وفيها مدارس ونظريات واختلافات كثيرة، تتطلب أن تجتهد الشعوب في تقرير مصيرها وإنشاء أنظمة تلتزم بحقوقها، لا أن يأتي من يطلب منهم تجاهل المسألة برمتها على طريقة النعامة التي تضع رأسها في التراب عندما يداهمها خطرٌ. أما حركات الإسلام السياسي وأحزابه، فيعتقد عبد الرحمن أنه لا ينفع الأصولية الإسلامية تبنّي الطرائق

الديمقراطية والانتخابات في الصراع السياسي على السلطة، لأن تلك الأصولية تعمل من منطلق "التطرف"، ولا تقبل بمشاركة الآخرين السلطة في المجال السياسي لعدم ثقتها بمن يختلف معها. ولذلك، فإن الأصوليات واقعة – لا محالة – في دائرة التشكيك من حيث إن الأطراف السياسية الأخرى لا تثق بتلك الأصوليات أيضًا، وسيبقى تطرف أصحابها "سلاحًا قوًّيًا في يد خصومهم يشهرونه في

وجوههم، بغية إضعاف منزلتهم في قلوب الجمهور، والقضاء على حظوظهم في صناديق الاقتراع".

((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.17 ((5(المرجع نفسه، ص.16 (5((عبد الرحمن، روح التدين، ص.342

غير أن التجربة السياسية في العالم العربي تبين، بوضوح، خطأ تقدير عبد الرحمن للموقف. فبعد سنة واحدة فقط من كتابته لهذا الرأي (كتبه عام 2011)، بدأت الأحزاب الإسلامية بتسلم السلطة بموجب انتخابات نزيهة في مصر وتونس والمغرب. أما مفهوم الدولة بالمعنى الحديث – أي من حيث هي "كيان تدبيري مؤسسي قوامه أرض محروسة وساكنة ومراقَبة وحكومة متسيّدة" – فهو مفهوم، في نظر عبد الرحمن، فاسد ومنبع للشرور؛ لأن

الدولة تساس فيه من جانب مؤسسات مدنية، وليس عبر منهج التعبد والزهد، الذي لا يفرق أصلًا بين الدين والدولة والسياسة، وليس هناك من سببٍ لظهور الدولة الحديثة سوى بدعة الفصل بين الدين والدولة. وحتى من يقول إن الدولة الحديثة أمر لا يرفضه الدين الإسلامي لأنه لا يوجد فيه "نظام تدبير" واضح الأركان أو نظرية في الدول والحكم، فإن عبد الرحمن يرفض مثل رأيه هذا، وحجته في ذلك "أن الشريعة الإسلامية توفر للمكلفين أكثر الاختيارات التدبيرية والرشدية الممكنة التي يكون فيها صلاح دينهم، حتى يضعوا بأنفسهم من القوانين ما يفي حاجاتهم ويخدم مصالحهم، مسترشدين في ذلك بالقانون الأسمى الذي وضعه الله لهم". وعلى ذلك، فإن سكوت الشريعة الإسلامية عن شكل الدولة في الإسلام، لا يفسر عنده بأنه سكوت للتوسعة على المسلمين حتى يحددوا النظام السياسي الذي يلائم زمانهم وتحولات مجتمعاتهم، لأن هذا السكوت ليس سوى حكمة يراد بها إتاحة فرصة للمسلمين لكي يتأملوا دينهم وعدل الله وإرادته ويستخرجوا منها نظام تدبير يلائمهم وينسجم مع عقيدتهم. ويؤكد عبد الرحمن مرة ثانية أن الدولة الإسلامية "دولة لا تتأسس على مبدأ التسيّد على

الخَلْق، وإنما على مبدأ التعبد للحق؛ أو قل إن طبيعة الدولة الإسلامية طبيعة تعبّدية، لا تسيّدية، ذلك

أن المواطن المتدين الذي يسهم في تدبير الشأن العام قد يحمل في نفسه نية خالصة للتقرب بإسهامه إلى الحق سبحانه، بحيث ينزل العمل التدبيري هنا منزلة عبادة". فالسياسة عنده تمارس عن طريق العبادة وحده، و"هذا توسيع لمفهوم 'العبادة' لا يسلّم به من يحصر العبادة في الشعائر الدينية المقَّرَرة أو

يقتصر على التعامل النفسي من الدين؛ غير أنه لا يمكن أن ننكر أن في المواطنين المتدينين من يكون قد ارتاضت جوارحهم على أداء الشعائر المقررة، حتى تلَّبّست جوانحهم بالمعاني الروحية والمقاصد

الخلقية التي تحملها هذه الشعائر، فهؤلاء بالذات يكونون قادرين على أن يستحضروا هذه المعاني والمقاصد في غير هذه الشعائر متى أخلصوا القصد فيها لله". ومن الواضح أن استغراق مشروع عبد الرحمن في هذه التزكية التعبدية سيؤدي به إلى رفض مقولات وشعارات من قبيل: "الخلافة هي حراسة الدين وسياسة الدنيا" (أبو الحسن الماوردي، 450–364 ه/ 1058–974 م)، أو "الإسلام دين ودولة"، أو "الإسلام دولة ودين"، أو "الإسلام دين ودنيا"، لأنها مقولات وإن كانت تدعو إلى تطبيق مبادئ الإسلام على الدولة، فإنها تنطلق من البدعة العلمانية

((5(المرجع نفسه، ص.343 ((5(المرجع نفسه، ص.344–343 ((5(المرجع نفسه، ص.350–349 (6((المرجع نفسه، ص.350

التي تفصل بين الدين والدولة منذ البداية. أما الشعار المتمثل في أن الخلافة هي "حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (عبد الرحمن بن خلدون، 808–732 ه/ 1406–1332 م) فإن عبد الرحمن يرفضه أيضًا لأنّ فيه شُبهة "سياسية"، فهو أغفل "أن "حراسة الدين" هي نفسها أمر دنيوي يحتاج إلى أن يقوم هو أيضًا على الدين، بحيث تكون الصيغة الكاملة لتعريف الخلافة هي: "حراسة الدين بالدين وسياسة الدنيا بالدين"، بل حتى شعار "الدولة الإسلامية دولة دينية" لا يُرضيه ولا يقبله إلا بشرط؛ وهو أن

يُقصد بمفهوم الدولة هنا "نظام من التدابير التي تنظم المجتمع"، وليس "نظام الحكم التسُّيُدي الذي

اختصت به الممارسة السياسية الحديثة". ولذلك يكون الشعار مكتملًا ومناسبًا لمقاصد عبد الرحمن

عندما نقول: "الدولة الإسلامية دولة دينية إلهية". وفي النتيجة، إذا قال "الأصوليون" أو "التديينيون": "الدين ليس دائمًا مقصورًا على الروحانيات"، رد

عليهم عبد الرحمن بأن الدين مقتصر على الروحانيات التي تتضمن أيضًا السياسة التي هي مجرد تعبّد.

وإذا قالوا: "الإسلام لا يكون إلا سياسيًا"، رد عليهم: الإسلام ليس سياسيًا. وإذا قالوا: "شخصية

المسلم شخصية سياسية"، رد عليهم شخصية المسلم شخصية روحية زهدية. وإذا قالوا: "الدولة من صميم الإسلام"، رد عليهم: لا يوجد شيء اسمه دولة في الإسلام. وإذا قالوا: "نؤكد شرعية الديمقراطية الحقيقية وقربها من جوهر الإسلام"، رد عليهم بأن الديمقراطية من العلمانية وقائمة على فصل الدين عن الدولة، وهذا يناقض روح الإسلام. وعبد الرحمن لا يرفض "تديين السياسة" التي يمارسها "التديينيون" فحسب، بل يرفض "تسييس الدين" أيضًا، ويقصد به قيام بعض الدول العربية والإسلامية الحديثة ب "دمج" الدين في السياسة، أو التقريب بينهما، أو إظهار الدولة بأنها تتوافق مع قيم الإسلام وتحترمها، وذلك عبر السيطرة على المؤسسات الدينية والإفتاء والتعليم الديني، وغير ذلك، ودفع هؤلاء إلى تصدير خطاب يحضّ الناس على تقبّل هذه الدول؛ لأنها، وإن لم تكن دولًا دينية إلهية، فإنها في النهاية تراعي الدين وتخاف الله في

أعمالها. وعنده أن هذه الدول تلجأ إلى تسييس الدين "من أجل أغراضها التسيدية، حتى يتاح لسيطرتها على المواطنين أن تتصَّرَف بغير مراقبة أو تتقَّوَى بغير حٍّدٍ". أما  طريقة هذه الدول في عملية تمرير

"أغراضها السيادية" فهي القيام بتأويل "النصوص الدينية على هواها أو مصدرةً فتاوى على مقاسها".

(6((المرجع نفسه، ص.345 (6((المرجع نفسه. 6(((عبد الرحمن، روح التدين، ص.351 6(((يوسف القرضاوي، الدين والسياسة: تأصيل ورد شبهات (دبلن: المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، 2007)، ص.72 (6((المرجع نفسه، ص.77 (((6 المرجع نفسه، ص.79 (6((المرجع نفسه، ص.117 (6((المرجع نفسه، ص.151 6(((عبد الرحمن، روح التدين، ص.353 ((7(المرجع نفسه.

وإذا كان الفرق بين هذه الدول والدول العلمانية أنها لا تنكر "السيادة الإلهية"، فإنّ "تسيّدها تسيدًا

مشتبهًا"، وليس "تسيدًا محكمًا"؛ أي إنها لا تحكّم الله، ولا تنطلق من أن السياسة في أصلها عبادة،

وليست تسيّدًا. ولدينا في هذا السياق ملاحظات: أولًا، ليس مشروع عبد الرحمن في الدمج بين الدين والسياسة سوى استرجاع لمشروع أوغسطينوس Augustine 430–354(م) في كتابه مدينة الله، ولكن بنسخة تناسب مذهبه في التصوف الإسلامي. وكما يقول عبد الرحمن ب "ازدواجية الوجود" المتناقضة بين الوجود في العالم المرئي والعالم غير المرئي، فالأول يعيشه الإنسان بالنفس الحسية/ المادية، والثاني يعيشه بالروح، فكذلك يقسم أوغسطينوس الوجود إلى "مدينتين مختلفتين ومتناقضتين: مدينة الشر للذين يعيشون بحسب الجسد، ومدينة البشر للذين يعيشون الروح". وكما أن "حب التسيد" أو "مبدأ النسبة" (نسبة الإنسان الأشياء لنفسه وليس إلى الله) هي سبب كل الشرور عند عبد الرحمن كذلك فإن "تغلب شهوة المجد البشري في قلب الإنسان على مخافة الله ومحبته [...] رذيلة من ألدّ أعداء الإيمان والتقوى" عند القديس أوغسطينوس. وكما أن الله يبدل الإنسان المتزكي "بسمعه سمعًا من لَدُنه" فكذلك يبين لنا أوغسطينوس أن الله بالنسبة إلى الصالحين "تسمعه الأذن كأنه يتكلم بواسطة أعضاء في الجسم [...] ويتكلم لغة يفهمها العقل، ولا يسمعها بأُذنه". وكما يميز عبد الرحمن بين الإنسان الذي يعيش في العالم المرئي (المادي) والعالم غير المرئي (الغيب) ويجعل الذي يعيش بمقتضى العالم المرئي أشبه بالحيوان، أما الذي يعيش بمقتضى العالم غير المرئي فإنه يعيش حياة "الصلاح"، كذلك يميز أوغسطينوس بين "أسلوب الحياة بحسب الإنسان أو بحسب الله"، فالأول يعيش حياة تشبه "الحيوان" والثاني يعيش حياة حقيقة تشبه حياة "الملاك". وكما يربط عبد الرحمن سعادة البشر وصلاح المجتمعات ب "التعبد لله وحده"، فكذلك يذهب أوغسطينوس إلى أن هناك ترابطًا وثيقًا "بين تصميم الله الأزلي والخلق وسعادة النفس [لأن] الله هو سبب سعادة النفس"، وإلى أن "معرفتنا من الله وسعادتنا فيض من محبته". كما أن المتزكي في مشروع عبد الرحمن أشبه بالساكن في مدينة الله عند أوغسطينوس. ويمكن أن نشير إلى الدوافع المتشابهة عندهما في كل ما قالاه. فقد ألّف القديس أوغسطينوس كتابه الضخم مدينة اللهللقول بأن المسيحية هي التي ستنقذ السياسة من توحشها، لأن السياسة خارج إطار روح الدين المسيحي لن تقود إلا إلى تدمير البشرية؛ ثم لينتهي إلى أن على المسيحيين العودة إلى دينهم المسيحي بطريقة روحية/ صوفية لا تتجه إلا نحو الله وتكون ممثّلة لنعمه وإرادته. وكذلك

((7(المرجع نفسه، ص.354 (7((القديس أوغسطينس، مدينة الله، ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو، مج  1، ط 2 (بيروت: دار الشروق، 2006)، ص.163 ((7(المرجع نفسه، ص.247 ((7(أوغسطينس، مج 2، ص.7–6 ((7(المرجع نفسه، ص.162 ((7(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه، ص.9 ((7(المرجع نفسه، ص.41

عبد الرحمن؛ إذ جعل مشروعه للقول بأن الإسلام الزهدي هو ما سينقذ السياسة التسلطية التي ابتُليت بها بلاد المسلمين، وكذلك الغرب؛ لينتهي إلى أن على المسلمين، إذا أرادوا الخلاص، العودة إلى دينهم الإسلامي بطريقة روحية/ صوفية لا تتجه إلا نحو الله وتمثل نعمه وإرادته وعدله. ثانيًا، مشروع عبد الرحمن مشروع سياسي في حقيقته أو مشروع سياسي/ ديني، وليس مشروعًا في "فلسفة الأخلاق"، كما يسميه وائل حلاق، وليس حتى مشروعًا دينًّيًا. هو مشروع يريد من المسلمين أن يهجروا السياسة بالمعنى الحديث، ولا يفكروا في الديمقراطية، ولا في الحكم أو الدولة، ولا في حقوق الإنسان، ولا في الثورة على الحاكم إذا كان ظالمًا. وليس عليهم أن يسعوا إلى الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لأن مؤسسات دنيوية كهذه فاسدة من أساسها، ولا تهتم إلا بتسييد الإنسان، وتنسى عالم الغيب الذي على الإنسان أن يتأمله في كل خطوة في حياته. وفي المقابل، ليس عليهم أيضًا التفكير في السياسة من حيث هي تقريب عمومًا بين مبادئ الإسلام والمؤسسات السياسية الحديثة؛ لأنّ في ذلك خروجًا عن روح الإسلام التي هي روح تعبدية تزكوية تنفر من السياسة التي هي، أيضًا، "كذب" و"نفاق" و"تكايد" و"تملق" و"أنانية" و"غرور" و"جشع" و"وقاحة" و"استهتار بالقيم" ومرتع ل "السلوكيات المنحرفة"، و"حب الشهرة"، و"حب الجاه". وفي الحقيقة لا يمكن حصر عدد الأوصاف السلبية للسياسة عند عبد الرحمن في هذه الدراسة لأنها تُعدّ بالمئات، والأمر يحتاج إلى تأمّل في هذا الكم الهائل والبحث في أسباب شيطنة السياسة بهذه الصورة الغريبة، لا سيما أنها شيطنة تشبه شيطنة الأنظمة التسلطية عمومًا للسياسة، وذلك لدفع الناس إلى الابتعاد عن السياسة وتركها لأنها منافية للأخلاق والفضائل، وكذلك التخويف منها من منطلق نفسي/ سياسي. ولكن من الواضح أن هذه الشيطنة للسياسة تعكس عدم ثقة عبد الرحمن وتلك الأنظمة بالناس وخشيتهم من تزايد رغبتهم في المشاركة في السياسة بعد عام 2011. وعمومًا، فإن هذا النوع من التطهّر/ التطيّر من السياسة تعرّض

لنقدٍ من علم النفس الاجتماعي المعاصر: إنه اعتراض شعبي بسيط على مصائب السياسة بالهروب من السياسة والصعود إلى عالم المقدسات وعالم الله الذي ليس فيه ظلم ولا قهر، وبذلك يتعالى المرء عن مظالم العالم المرئي (الواقعي)، ويبرّئ نفسه منها في الوقت ذاته.

((7(طبعًا، يجب الإشارة إلى أن السياق العام لمشروعَي أوغسطينوس وعبد الرحمن يختلف تمامًا. فقد عاش أوغسطينوس في

القرنين الرابع والخامس الميلادَّيَين، بينما يعيش عبد الرحمن في القرن الحادي والعشرين. لذلك، فإن المضامين ومعاني المفاهيم

والمصطلحات المستخدمة بالنسبة إلى كل منهما تنتمي إلى فضاء معرفي وفلسفي ولغوي مختلف عن الآخر. فما يمكن أن يكون

مفهومًا لأوغسطينوس قد لا يكون مفهومًا لعبد الرحمن، إذ كتب أوغسطينوس كتابه مدينة اللهليوضح أن المسيحية ليست مسؤولة

عن حالة الحرب والدمار التي كانت تسود عصره، وأن أطماع البشر ونزعة التملك والسيطرة هي المسؤولة عن ذلك. أما عبد الرحمن، فقد كتب كتبه ليؤكد أن الديمقراطية لا تلائم العالم الإسلامي، وأن الحداثة الغربية بمنجزاتها في حقوق الإنسان والمواطنة والعدالة والمساواة لا تتماشى مع قيمنا، مثلما يرى أن مشاريع التوفيق بين قيم الإسلام والحداثة الغربية هي مشاريع فاشلة ولن تجلب سوى الدمار والخراب. إنّ القصد هنا هو أن سياق كتابات أوغسطينوس كان دفاعيًا عن الدين ضد تُهم وُجهت إليه، بينما سياق كتابات

عبد الرحمن هجومي على جزء من المسلمين وعلى الحداثة الغربية، مع أهداف سياسية واضحة. (8((وائل حلاق، إصلاح الحداثة: الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمن، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2020)، ص.9 (8((عبد الرحمن، روح التدين، ص.104–102

ثالثًا، أبلَغُ النتائج السياسية لمشروع عبد الرحمن التصوفي/ التزكوي انتهاؤه إلى خيار شبه عدمي يدعو إلى اللادولة، أو نظام بلا سلطة سياسية واضحة المعالم. فالدولة الحديثة عنده سبب كل الشرور ولا تدفع إّلا إلى الاقتتال بين البشر واستعباد بعضهم لبعضهم الآخر. والأفضل أن يكون هناك نوع

من التدبير المعتمِد على التعُّبُد. وهو خيار من غير واضح؛ فكيف يمكن أن يطَّبَق بدَّقَةٍ على أرض

الواقع؟ وهكذا، يبدو مشروع عبد الرحمن من هذا المنظور متوافقًا مع توجهٍ في الفكر العربي

المعاصر بدأ يظهر في العقدين السابقين، توجهٍ يُنِظِّر لوضع (عربي أو إسلامي أو عالمي) لا تكون فيه

دولة أو سلطة واضحة الأركان، بحجة أن الدولة الحديثة لاأخلاقية ولم تحقق العدالة التي وعدت بها (وائل حلاق، محمد بامية). وفي هذا السياق، يدعو محمد بامية إلى "نظام بلا سلطة"، أو "الأناركية" Anarchism، وهو مصطلح يشير إلى نوع من التدبير الاجتماعي الشعبي لمجموعات من البشر تقطن في المكان نفسه، وتدير شؤونها بنحو ذاتٍّيٍ ليس فيه دولة حديثة. ويعتمد بامية على بعض التجارب

في التاريخ البشري منذ أيام اليونان حتى العصر الحديث، وعلى تجارب مُدنٍ في البرازيل تعتمد في

إدارة شؤونها على حكم الأهالي لأنفسهم فيما يشبه المجالس المحلية. ولكن الأمر يتعقد أكثر مع عبد الرحمن لأنه يرى أن السلطة من حيث إنها تنظم العلاقات والمصالح بين الناس هي المشكلة في حد ذاتها، بل إنه يقف على الضد من التمايز الحديث الذي ظهر بين الدولة (مؤسسات وقوانين) والحاكم أو السلطان، بحيث لم يعد الحاكم هو صاحب الدولة، بل صار مجرد موظف يأتي ويذهب بحسب نتائج الانتخابات. إن عبد الرحمن يرفض الدولة الحديثة من أساسها. وفي مقابل هذا التوجه نجد من يحذر من التخلي عن الدولة ويؤكد على ضرورة التمسك بهذا التمايز من حيث هو مكسبٌ

حصلت عليه البشرية بعد مسيرة نضال طويلة، لأنه لا خلاص من الاستبداد من دون هذا التمايز أولًا، ولأن غياب الدولة بالمعنى الحديث لا يعني سوى الدخول في حالة من الفوضى وعودة الصراعات بين كيانات ما قبل الدولة من قبائل وطوائف وجماعات إثنية. يُذكَر أن المتابع لدعاة اللاسلطوية في

تاريخ البشرية يجد أنهم في الأغلب اشتراكيون طوباويون، أو مثقفون حالمون، أو أدباء رومانسيون، أو ذوو شخصيات تزكوية. وهم على العموم، فعلًا، غير مهتمين بمشكلات العالم. وهناك تُهَمٌ كثيرة

تعرضت لها اللاسلطوية؛ من بينها القول إنها "تبقى نظرية فحسب"، أو إنها "رفاهية برجوازية تخدم الوضع القائم فحسب"، أو القول، بكل بساطة، إنه "لا يوجد سبيل لتدمير الدولة أو تفكيكها، وهكذا لن تجني الممارسات في النظرية السياسية اللاسلطوية أي ثمار".

((8(طبعًا، يرفض عبد الرحمن هذا العيب في مذهبه بقوله إنه يدعو إلى مذهب لا يهتم بالحياة الدنيا وتنظيم المرء لوضع سياسي

يضمن له العدالة والمساواة والعيش الكريم، من منطلق سياسي/ اجتماعي لأنه مهتم بغاية مختلفة تمامًا عن السياسة الحديثة التي

لا تعنيه في شيء، وهذه الغاية هي "الغاية التي جُعلت للإنسان منذ خلقه، وهي التعبد لله وحده"، ومن داخل هذه الغاية يمكن أن

يقارب المرءُ السياسة. ينظر: المرجع نفسه، ص.497 (8((ينظر: محمد بامية، نظام بلا سلطة: المفهوم الأناركي للنظام الاجتماعي، ترجمة كريستينا كاغدو وشكري ريان (بيروت: جسور للترجمة والنشر،.)2024 (8((عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحات في الفلسفة والنظريات والسياق (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.24 (8((أندرو فيلا، "اللاسلطوية (أناركية)"، ترجمة وليام عوطة، موسوعة ستانفورد للفلسفة، مجلة حكمة الإلكترونية، 2019/11/26، شوهد في 2024/7/31، في: https://2cm.es/IdI7

رابعًا، يضاف إلى ما سبق أن المتأمل في مشروع عبد الرحمن لا يجد اختلافًا جوهريًا بين مشروعه

التزكوي/ الصوفي ومشاريع علم الكلام أو السلفية وغيرها من تيارات الإسلام السياسي. وما الاختلافات إلا في التفاصيل، وهي غالبًا ما تعود إلى الطرائق والوسائل، ولا تعود إلى النتائج المجمع عليها من

جميع الأطراف. حتى إنّ المستشرق هاملتون جيب يذهب إلى أن الفارق بين كل هؤلاء هو في حقيقته "فارق لهجة أكثر منه فارق مضمون. اللاهوت [الإسلامي] يلح على المعرفة العقلية ويعتمد الدماغ. والتصوف يضرم حماسة الإدراك الحدسي ويؤجج التجربة الحدسية باعتماد القلب". ليصل إلى قناعة مفادها أن "التصوف موقف أكثر منه مذهبًا". والمتأمل في التشابهات بين الإسلام السياسي

عمومًا وتصوف عبد الرحمن يجد، مثلًا، أنه إذا كان كل من المودودي وحسن البنا يؤكدان على

الحاكمية لله عبر السياسة، فإن عبد الرحمن يؤكد على الحاكمية لله عبر التعبد. فهما يجعلان من الدين متحكمًا في السياسة، عبر التمييز بينهما، بينما يجعل عبد الرحمن من الدين متحكمًا في السياسة

عبر الدمج بينهما. كما أن الدين هو مصدر السياسة والأخلاق عند كل من الطرفين، وإن اختلفت الطرائق.

القسم الثالث: تخليق الدين وتديين الأخلاق/ اختزال الأخلاق في التصوف الطرقي

لا تختلف علاقة الدين بالسياسة عن علاقة الدين بالأخلاق عند عبد الرحمن. فكما أن السياسة هي تعبد لله فكذلك الأخلاق هي تعبد لله، وكما أنه لا وجود للسياسة بلا تعبد فكذلك لا وجود للأخلاق بلا تعُّبُد؛ أي بلا دين. فالأصل عنده أن "أسباب الأخلاق من أسباب الدين، حتى أنه لا حدود بيّنة

مرسومة بينهما". ولأن "الأخلاق إنما هي أول الأفعال التي تصدر عن ملكات الإنسان، تكون أكثر من غيرها تغلغلًا في الحقيقة الدينية"، وهذا أول تناقض في كلامه، إذ كيف يكون لأول الأفعال تغلغل في حقيقة أخرى سابقة عليه. إنه قد اضطر إلى هذه الطريقة في الكلام لأن الأخلاق، منطقًّيًا،

يُفترض أن تكون قبل الدين لأن الكلي قبل الجزئي، ولأن الأول قبل ما يليه وليس متغلغلًا فيه. أهم مشكلة بالنسبة إلى الأخلاق في العصور الحديثة عند عبد الرحمن أنها "تدهرنت"؛ أي فُصلت عن الدين. فالأخلاق الإسلامية المعاصرة وكذلك أخلاق الحداثة الغربية غارقة اليوم في الماديات والشهوانيات والفردانية المفرطة لأنها ابتعدت عن الدين، بل أخذت تقيم نفسها على الضد من الدين. ولإصلاح هذا الخلل الذي تعود إليه كل الأزمات المعاصرة التي تعيشها البشرية، يقدّم عبد الرحمن نظريته حول "الفلسفة الائتمانية" بديلًا مما هو موجود من فلسفات في المجال الفكري. وإذا كانت

(8((المستشرق جيب، بنية الفكر الديني في الإسلام، ترجمة وتصدير عادل العوا (دمشق: مطبعة جامعة دمشق، 1959)، ص.119 ((8(المرجع نفسه. (8((عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، ص.25 ((8(المرجع نفسه. (9((طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.29

الفلسفة عمومًا تقوم على ثلاثة مبادئ عقلية معروفة وضعها أرسطو قبل نحو خمسة وعشرين قرنًا؛ هي "مبدأ الهوية"، و"مبدأ عدم التناقض"، و"مبدأ الثالث المرفوع"، فإن عبد الرحمن يقدم أيضًا ثلاثة مبادئ لفلسفته الائتمانية يسميها "مبادئ العقل الأولى"، وهي بديل من المبادئ العقلية التي وجدها تحكم تاريخ الفلسفة، وهذه المبادئ هي: 1. "أولًا، مبدأ الشهادة؛ ويتمثّل هذا المبدأ في تقرير أن الشهادة بمختلف معانيها تجعل الإنسان يستعيد فطرته، محصّلًا حقيقة هويته ومعنى وجوده، بدءًا بشهادة الإنسان في العالمين: الغيبي والمرئي التي تقر بوحدانية الله وشهادة الخالق على هذه الشهادة، وانتهاءً بالشهادة على الذات والشهادة على الآخرين [...]؛ فإذا كان 'مبدأ الهوية' يقضي بأن الشيء هو هو، فإن 'مبدأ الشهادة' يقيد هذه القضية المجردة، إذ يقضي بأن الشيء هو هو متى شهد عليه غيره؛ وهذه الشهادة ليست واحدة، وإنما متعددة؛ فهناك 'شهادة الإله' و'شهادة الرسول' و'شهادة الإنسان القريب'، وهو الذي ينتمي إلى نفس الدين و'شهادة الإنسان البعيد' وهو الذي ينتمي إلى دين آخر، و'شهادة أطراف الإنسان' و'شهادة الكائنات الأخرى'، لأن كل الموجودات في العالم الائتماني تتمتع بحق الشهادة". 2. ثانيًا، مبدأ الأمانة: "يقوم هذا المبدأ بتقرير أن الأمانة بمختلف وجوهها تجعل الإنسان يتجرد

من روح التملك، متحمّلًا كافة مسؤولياته التي يوجبها كمال العقل، بدءًا بالمسؤولية عن الأفعال وانتهاء بالمسؤولية عن المسؤولية [...] لأن كل الموجودات، في العالم الائتماني بمنزلة أمانات لدى الإنسان. ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن 'مبدأ الأمانة' هذا يقابل 'مبدأ عدم التناقض' (أو قل 'مبدأ الاتساق المجرد') الذي تأخذ به الفلسفة غير الائتمانية؛ فإذا كان مبدأ عدم التناقض يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان، فإن 'مبدأ الأمانة' يقيد هذه القضية المجردة، إذ يقضي بأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان متى كان العقل مسؤول ". 3. ثالثًا، مبدأ التزكية؛ "يقوم هذا المبدأ في تقرير أن التزكية بمختلف مراتبها خيار لا ثاني له يجعل الإنسان يجاهد نفسه للتحقق بالقيم الأخلاقية والمعاني الروحية المُنزلة، ابتغاءً لمرضاة الخالق جل جلاله، وحفظًا لأفضلية الإنسان على الوجود، وتصديًا لجديد التحديات والأزمات في القيم الإنسانية داخل عالم يزداد ضيقًا". وتعود أهمية التزكية أيضًا إلى أنها لا تكتفي بدفع الآفات الجديدة "وإنما تتولى، بالأساس، تفجير الممكنات الأخلاقية والمكنونات الروحية لدى الأفراد

((9(المرجع نفسه، ص.14 ((9(المرجع نفسه، ص.17–14 ((9(المرجع نفسه، ص.15–14 ((9(المرجع نفسه، ص.16 ((9(المرجع نفسه.

والجماعات، سعيًا إلى الرقي بإنسانيتهم التي بها يتميزون عن غيرهم من الكائنات، بحيث يكون

الأصل في التزكية هو الترقية – أي التنمية الخلقية والروحية – وليس مجرد التقويم". ونود أن نتوقف هنا عند الأخلاق الائتمانية عند عبد الرحمن لنشير إلى بعض الملاحظات: الأولى، إذا كان عبد الرحمن يردد دائمًا أن ميزة أطروحاته أنها عملية وبعيدة عن فلسفات "العقل المجرد"

سواء أكانت عربية إسلامية (ابن سينا، 427–370 ه/ 1037–980 م)، الفارابي (339–260 ه/ 950–874 م)، ابن رُشْد (595–520 ه/ 1198–1126 م)، أو سلفية إسلامية، أو من الفلسفات الغربية منذ زمن اليونان

حتى اليوم، فإن كلامه هذا لا يتوافق مع فكرته التي تقول إنّ على الإنسان أن "يستعيد فطرته"، وأن يعتمد على "التنمية الروحية" لكي يحل مشكلاته السياسية والاجتماعية ويخرج من "حالة التردي" التي يعيشها العالم المعاصر بشقيه الغربي والإسلامي. هذه الفكرة، وهي موجودة في تاريخ البشرية منذ زمن الأساطير قبل آلاف السنين، تحمل داخلها نزوعًا رومانسيًا (غير عملي) بعيدًا عن الواقع وتعقيداته؛

إن لم تكن هروبًا من هذه التعقيدات. وعبد الرحمن نفسه يعرف تمامًا أن دعوته بالعودة إلى الفطرة هي

دعوة موجودة في جميع الأديان، وفي ثقافة أغلب الشعوب، ومنذ زمن بعيد؛ فما الجديد الذي يقدمه في هذا المجال؟ ولماذا يعتقد أن دعواته هذه ستنجح في الوقت الذي مرت فيه دعوات الآخرين على تاريخ البشرية مرور السحاب. إنها دعوات تضمنت المضمون نفسه الذي يدعو إليه عبد الرحمن، منذ أكثر من ألف عام على أقل تقدير. إن الكلام حول مفهوم الفطرة والتمركز حوله بوصفه "مستودع القيم الأخلاقية ذات الأصل الديني"، والادعاء أن الإنسان المعاصر "بلا فطرة، ومن كان بلا 'فطرة الدين' كان بلا 'قلب حي' ومن كان بلا قلب حي كان معدودًا في الأموات"، مجرد كلام خالٍ من أي معنى اجتماعي/ سياسي يهم عرب اليوم. وتقود هذه الرومانسية إلى صفة أخرى تعانيها تلك الدعوات؛ أنها دعوات للخلاص الفردي (ذات طابع نفسي)، على الرغم من حرص عبد الرحمن على تقديم مشروعه بوصفه مشروعًا للخلاص الجماعي يصلح أن يقود البشرية جمعاء. فالمتأمل في مشروعه، بعد إزالة المزِّوِقات المنطقية والمنهجية والتفطن

لاستعراضية المصطلحات والمفاهيم، يجد أن جوهر مذهبه يقوم على التزكية الفردية عبر "الجهاد" النفسي. والتزكية والجهاد لا يتمّان إلا في مكان مخصص هو "الزاوية" الصوفية، مع "معِّلِم" محدد هو القطب

أو الشيخ، ووفق منهج محدد هو صحبة الشيخ وتقليده في كل شيء. وما مئات المسلمات والمبادئ والمفاهيم الفلسفية والدينية سوى تزيين علمي/ فلسفي/ أخلاقي لهذا الخلاص الصوفي الفردي. وغني عن القول إن النزعات الرومانسية لا تجمّل الماضي وتضفي عليه صفات متخيلة ليست فيه

فحسب، بل تقوم بتحويل مشكلات الواقع المعيش إلى مشكلات تتصف بالعدمية المفرطة والتخويف من الحياة. وبالنسبة إلى عبد الرحمن، فإن "أفراد الإنسانية أضحوا، عن بكرة أبيهم، يدورون في فلك

((9(المرجع نفسه، ص.17 (9((عبد الرحمن، دين الحياء، ج  1، ص.14 ((9(المرجع نفسه.

الموت؛ فالواحد منهم، إما ميت، أو محتضر أو مهدد بالموت؛ والمسلم مثله مثل أي فرد آخر، فإن لم يكن قد مات، معتقدًا أنه حي لمزاولته مراسم الدين، فيجوز أن يكون في حالة احتضار، وإلا فإن الموت له بالمرصاد، لا يدري متى يخطفه ما لم يستعد إلى أن يعيد أخلاقه كما بدأها". ومن الواضح أن هذا النص لا يعاني العدمية ورهاب الواقع فحسب، بل يريد تخويف الناس عبر إيهامهم بأنهم موتى، أو شبه موتى. ومن المعروف أن أكثر ما يثير الخوف في نفوس البشر هو الموت، حتى إن خطباء الجوامع والدعاة على "يوتيوب" يكثرون من ذكر الموت لكي يسيطروا على مستمعيهم عبر إشعارهم بالذنب لأنهم لا يفكرون في الموت كل ساعة وكل ثانية من حياتهم، فالأصل في وجودهم هو أن يحضّروا أنفسهم للموت بوصف الحياة الآخرة هي المستقر، وأن الحياة الدنيا هي مجرد عبور. ويبدو أن هذا ينطبق على عبد الرحمن الذي يكثر من ذكر الموت أو مصطلحات قريبة منه. فالأصل في فكره أن الناس إذا لم يأخذوا بمشروعه، فإن حياتهم ستذهب سدى، وأنهم يعيشون حياتهم وكأنهم أموات. ومن الواضح أن استحضار الموت بكثافة سيجعل قراءه ومريديه غير متفطنين إلى خواء المبادئ العقلية للأخلاق الائتمانية التي وضعها أساسًا لفلسفته؛ ما يدفعنا إلى الشك في أن أسس مشروع عبد الرحمن

وقواعده نفسية وشعبوية وليست عقلية/ منطقية كما يعتقد هو. الثانية، انطلقت الإصلاحات التي كان لها شأن في تاريخ البشرية من تحليل الواقع السياسي المأزوم واستخراج ممكنات التغيير والإصلاح من داخل هذا الواقع، وليس عبر فرض العديد من المبادئ والمسلمات على الواقع. فسقراط Socrates (470 ق. م 399– ق. م) وأرسطو Aristote (384 ق.) 1755–1689(Montesquieu) ومونتسكيو 1704–1632(John Locke ق. م) وجون لوك 322–م وعشرات المفكرين غيرهم، انطلقوا من أن الإصلاح أو النهضة أو التغيير أو "اليقظة"، أو التحول؛ لا بد من أن ينطلق من تحليل السلطة السياسية القائمة وإعادة بنائها كليًا أو جزئيًا، وأنه لا معنى للحديث عن

"إصلاح" بعيدًا عن هذه النقطة. فهم استخدموا المسلمات والمبادئ؛ لا من أجل خلق واقع غارق في الذاتية، بل لجعل الواقع مفهومًا وقابلًا لتأثير البشر فيه. الثالثة، يتجاهل عبد الرحمن أن "مبادئ العقل الأولى" التي وضعها لفلسفته الائتمانية هي مبادئ مستمدة من تفسيره الخاص لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وتفسيرات بعض الفقهاء والمتصوفة واجتهاداتهم خلال تاريخ الإسلام، وأنها ليست أولية أو عامة كما يوحي كلامه. فمبادئ العقل الأولى الخاصة بتاريخ الفلسفة مبادئ لا يمكن أن يرفضها أي عقل من دون أن يقع في تناقض، وهي اليوم جزء من العلوم الرياضية والمنطقية التي يسلّم بها كل البشر. وفي المقابل، فإن مبادئ عبد الرحمن هي مبادئ دينية وليست منطقية أو عقلية، وهي بمنزلة اجتهاد لغوي شخصي ومجرد هيرمينوطيقا لا يقبل بها أغلب المسلمين، كما يعترف بذلك هو نفسه. فالشهادة في الإسلام هي مجرد إقرار بأن المسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وهي أمر مهم لأن الإسلام كان يحارب تعدد الآلهة. أما المعاني التي يستخرجها عبد الرحمن من الشهادة وتحويلها إلى "مبدأ"، فهي مجرد تأويل شخصي خاص به وليست مبدأ عقليًا، ويمكننا أن نقول ذلك عن المبدأين الآخرين: "مبدأ الأمانة" و"مبدأ التزكية".

((9(المرجع نفسه، ص.15

القسم الرابع، الدور السياسي للتصوف الطرقي

من مسلمات عبد الرحمن الكثيرة أن "الإصلاح الديني" هو الأساس في الإصلاح السياسي وسابق له (وسابق كذلك لإصلاح الأخلاق). فهو يبين بوضوح "أن السياسة، منذ فترة التحكيم [يقصد التحكيم بين علي بن أبي  طالب ومعاوية بن أبي سفيان]، يلازمها التسيد، إن حيازة أو تحيزًا أو خيانة،

بينما العبادة لا يلازمها، إذ لو طرأ عليها، لفسدت، بل إن العبادة والسيادة ضدان لا يجتمعان من نفس الوجه؛ لهذا، كان يُتوَّسَل بصلاح العبادة فساد السياسة، ولا يُتوَّسَل بصلاح السياسة دفع فساد العبادة؛

فإذا فسدت العبادة، لا تصلحها السياسة، على فرض أن السياسة يمكن أن تكون صالحة، ابتداءً، بل قد

يمتنع، في حق النظام الإسلامي، أن تصلح السياسة مع فساد العبادة، متى سلمنا بأن السياسة تتعامل مع صلة إرادة المؤمنين بربهم؛ وحينئذ، يتبين أن العبادة الصالحة تتقدم على السياسة الصالحة تقدم الشرط على المشروط". وقد أوردنا هذا النص المطول لعبد الرحمن لكي نبين التناقض الأساسي الذي يعانيه مشروعه في الإصلاح الديني أو أولوية صلاح العباد، أو أولوية الإصلاح الديني على الإصلاح السياسي. فإذا كان فساد العبادة (تحول الحكم في الإسلام من حكم عبادي يبتغي وجه الله إلى حكم تسيدي سياسي في بداية الدولة الأموية) جرى بفعل أسباب سياسية لا أسباب دينية، كما يقر بذلك عبد الرحمن، فإن ذلك يعني أن السياسة وأطماع الدنيا هي التي حرفت العبادة من التزكوية إلى التملك وتسببت في انقسام المسلمين إلى فئات متصارعة نحو أربعة عشر قرنًا؛ أي إن السياسة هي التي أفسدت العبادة. ولكن من جهة أخرى نجد عبد الرحمن يرفض أن تصلح السياسة العبادة، بالرغم من أنها هي التي أفسدتها. وتعود هذه المفارقة إلى أن عبد الرحمن يتعامل مع السياسة على أنها نتيجة، بينما يجب أن تُعامل بوصفها سببًا. وفي المقابل، يتناول فساد العبادة على أنه سبب، بينما هو

في الحقيقة نتيجة. إن عبد الرحمن، بعبارة أوضح، ينقلب في تفسيره للأمور، فيعتبر السبب نتيجة والنتيجة سببًا، مما قد يؤدي إلى فهمٍ مشوٍّهللعلاقة بين السياسة وفساد العبادة. بينما يقول مشروعه

عكس ذلك تمامًا. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يبدأ بالسبب؛ أي بإصلاح العبادة، أو قل إنه تنقلب

عنده المعادلة بتحويل السبب إلى نتيجة والنتيجة إلى سبب. وفي النتيجة، يقول عبد الرحمن بأنْ نبدأ بالإصلاح الديني على الرغم من أن السياسة هي التي أفسدت الدين، ويرى أن الإصلاح السياسي يأتي نتيجةً للإصلاح الديني. ويذكر أن غالبية الأنظمة العربية تهرب من أولوية الإصلاح السياسية عبر طرح أنواع من الإصلاح تراوح بين الإصلاح الاقتصادي، أو الإصلاح الإداري، أو الإصلاح المؤسساتي، أو إصلاح يحمّل الناس وتقاليدهم وثقافتهم مسؤولية حالة التراجع. وحينما نعود إلى سؤال "كيف تنصلح

العبادة (الدين)؟"، يبدو أنها تنصلح بالتصوف والتزكية أي بذهاب الناس أفواجًا إلى الزوايا والتكايا

الصوفية لتعُّلُم التزكي والإحسان ومصاحبة شيوخ الصوفية الصالحين سنوات طويلة، كلّ على نحو طوعي وفردي. ثم لينبثّوا بعد ذلك في الأرض ينشرون التزكية ويسلكون سلوكها في مختلف مجالات الحياة، وبذلك تتحقق العبادة الحقيقية القائمة على الشهادة والأخلاق الائتمانية. وهذه ليست مجرد أمنيات رومانسية هاربة من السياسة وويلاتها، بل هي رؤية عبد الرحمن الحقيقية لحل المشكلات

(10((طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة: مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية (الرباط: منشورات مركز مغارب، 2015)، ص.102

السياسية الكبرى التي يعانيها المسلمون: الانقسام السني الشيعي في العالم الإسلامي، والطغيان، وآثار العولمة السلبية، وحالة التردي، أو المشكلات السياسية والاجتماعية التي يعانيها الغرب: الفردية المفرطة، وتوحش الرأسمالية، وتشُّيُؤ الإنسان، والانفلات الأخلاقي. لقد تعرض التصوف إلى انتقادات كثيرة من تيارات دينية سلفية، وفلسفات تراثية وعلمانية. فقد اتهمه حسن حنفي بأنه المسؤول الأول عن "أخلاق الطاعة" التي تُسِهِّل على المستبدين السيطرة

على المجتمع، واتهمه الجابري بأنه ليس أكثر من نوع من "التخدير ". أما مدارس علم النفس الحديثة، فقد نظرت إليه بوصفه نوعًا من "التصعيد" النفسي، أو التسامي Sublimation؛ هروبًا من

المشكلات الواقعية بتبني قضايا مثالية كبرى، بل إن ولتر ستيس Walter Stace) 1967–1886(اعتبره ظاهرة مستقلة تمامًا عن الدين، وذكر أن هناك مذاهب صوفية كبرى ليست من الدين في

شيء، ولا أدل على ذلك من مذهب أفلوطين Plotinus (270–205 م) (ملامح الأفلوطينية واضحة في مذهب عبد الرحمن التزكوي، ولا سيما نظرية الفيض). ويضيف ستيس أن التصوف متغلغل في الديانات البوذية والهندية أكثر من تغلغله في الديانات السماوية الثلاثة إلى حدّ بعيد، بل إنه قد يكون ظهر في هذه الديانات السماوية إما بتأثير من البوذية وإما بتأثير من التيارات الصوفية في الفلسفة اليونانية. والتصوف عنده مرتبط بالمشاعر (حالة نفسية بحتة) وليس بالعقائد، دينية كانت أم غير دينية، فالمتصوف يشعر "أنه نبيل إلى أقصى حد. ويتجاوز تمامًا العالم المؤقت: عالم

التدفق، والعبث، والإحباط، والأحزان، وهو يجلب معه السلام الذي يجاوز كل فهم. ويمكن له أن يخبر بذلك كله ويشعر به دون أيّ معتقدات على الإطلاق". وفي النتيجة، إن التصوف عند

ستيس مسألة مضافة على الدين من خارجه، لأن "الصوفي في أي ثقافة، عادة ما يؤِّوِل تجربته من

منظور الدين الذي تربى عليه". ويمكن هنا أن نناقش السجال النقدي المعروف في منطقتنا بين السلفية والصوفية وكيفية تعامل عبد الرحمن معه. فهو يلخص الانتقادات التي توجهها السلفية إلى التصوف الإسلامي اليوم في ثلاثة عيوب يعانيها التصوف: أوّلها التبديع (ابتدعوا وخالفوا نهج السلف الصالح)، وثانيها التجميد (تحميل

الطرق الصوفية مسؤولية ما آلت إليه الأمة الإسلامية من حالة التخلف والجمود)، وثالثها "موالاة الاستعمار" (التعامل مع الاستعمار، ومعاكسة القوى التحررية في البوادي والمدن). وفي الحقيقة

(10((حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب (بيروت/ عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ص.62 (10((محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 592. وهو نقد شكّل موضوعًا لنقد شديد من كل من طه عبد الرحمن ووائل حلاق اللذين يتهمانه بعدم

تقديره للمكانة العالية للتصوف في التاريخ الإسلامي. حول نقد وائل حلاق للجابري، ينظر: حلاق، ص.50–44 (10((ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (لندن: مؤسسة هنداوي، 2023 1999[])، ص.353–352 ((10(المرجع نفسه، ص.352 ((10(المرجع نفسه. (10((عبد الرحمن، العمل الديني، ص.91

يسَّجَل لعبد الرحمن اعترافه بهذه "الُّتُهم"، وبوجودها على أرض الواقع، فهو يعتبر أن الحركات الدينية

والفكرية، بما فيها الصوفية والسلفية، ليست على حالة ثابتة وأنها تمر بمراحل إبداع ونهوض وتجديد مثلما تمر أحيانًا بمراحل جمود وتبعية وتقليد أحيانًا أخرى، وقد تبتعد عن أصولها وعن جادة الصواب في مرحلة، لتعود إليها في مرحلة لاحقة. ولكن الحلقة المفقودة في مشروع عبد الرحمن هي عدم ذكره للعوامل التي تؤثر في دخول الصوفية مرحلة التبعية أو مرحلة التجديد؛ متى تبتعد عن أصولها؟ ومتى تعود إليها؟ ولذلك نجده يكتفي بالتوصيف بدلًا من طرح تفسير يساعد على فهم التغيرات التي تطرأ على أحوال الطرق الصوفية. وهنا يلجأ إلى بعض الأفكار التقليدية الصوفية المتداولة منذ مئات السنين. فهو مثلًا يعزو السلبيات التي تعيشها الصوفية الإسلامية الحديثة إلى دخولها في مرحلة "التبَُّرُك"، ويقصد بها

مرحلة تفتقد فيها الطريقة الصوفية "الشيخ المربي". وفي هذه المرحلة، "قد تتعرض الطريقة إلى مظاهر من التبدّع تزداد حدة كلما  طال الأمد بينها وبين الأستاذ المربي، لأنه هو وحده القادر على تقويم سلوك المريدين، ورعاية نهج السلف فيهم؛ فما إن يأخذ المريدون بالتهاون في الوفاء بشروط التبرك المذكورة [امتثالهم الكامل لتوجيهات الأستاذ المربي] حتى تتطرق البدع إلى الطريقة، فقد يخلّون بالتزاماتهم باتباع النصائح المتروكة لهم، وقد يقعون في ادعاء 'المعرفة'، وفي طلب اقتداء الغير بهم"؛ أي تجاوز المريدين على دور الأستاذ المربي بسبب غيابه. والحل طبعًا يكمن في السعي لإيجاد أستاذ

مرٍّبٍ يعيد الطريقة الصوفية إلى مرحلة التجديد والإبداع والنهوض. وفي هذه النقطة تحديدًا لا يساورنا

شك في أن عبد الرحمن يعتقد أنه هو نفسه القادر على سد هذه الثغرة الكبرى التي تعانيها الطرق الصوفية، وأنه لا محالة يريد أن يكون "قطب" زمانه. وتعود فكرة القطب في التراث الصوفي إلى زمن قديم، وهي تقول بأن الإسلام يحتاج في كل قرن إلى مجدد للدين الإسلامي، وإلا فإن أوضاع المسلمين ستتدهور وسيزداد تعصبهم وتعلقهم بالماديات. ويؤكد على فكرة القطب جميع المتصوفة تقريبًا، وتعد أساسًا في اشتغالهم بالتصوف والتربية عمومًا.

فقد أكد عليها محيي الدين بن عربي وكانت الدافع وراء كتابه المشهور الفتوحات المكية الذي كتب فيه: "لا بد في كل زمان من وجود قطب [أو ولي أو أستاذ مرٍّبٍ] عليه يكون مدار ذلك الزمان "، يعِّلِم

الناس روح الدين الإسلامي ويبين لهم المعاني الخفية والروحية لآيات القرآن الكريم كلما انحرفوا عن جادة الدين. ويستند غالبية المتصوفة في فكرة "القطب" أو "الولي" أو "الأستاذ المربي" إلى

حديث نبوي يقول: "إَِّنّ الَّلّهَ يَبْعَثُ لِهَذهِ اُأْلَُّمِّ ةِ علَى رَأْسِ كُِّلّ مِائَةِ سنَةٍ مَنْ يُجَِّدُّ دُ لهَا دِينهَا".

((10(المرجع نفسه، ص.94–93 ((10(المرجع نفسه، ص.91 ((10(المرجع نفسه، ص.92 (11((محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ضبط وتحقيق أحمد شمس الدين، ج  7 (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت)].، ص.286 (11((أبو داود السجستاني، سنن أبي داود، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج  4 (بيروت: المكتبة العصرية، [د. ت.])، حديث: 4291، ص.109

وعبد الرحمن يشكو من غياب القطب أو الأستاذ المربي في هذا الزمان، ويَعدّه السبب الرئيس في

"تردي" أوضاع الأمة. وعلى العموم يمكن أن نسجل الملاحظتين التاليتين على مذهب عبد الرحمن في التصوف: أولًا، من الواضح أن طرحه لخيار الطرق الصوفية بوصفه المنهج الأمثل لصلاح أحوال الدين والأمة يحمل غايات سياسية مضمرة. فالمشروع يطرح نفسه على حَّكَام الدول الإسلامية من حيث إنه يقدم لهم حًّلا جذرًّيًا لمشكلتين أساسيتين أخذتا تضغطان عليهم على نحو متزايد في العقود الأخيرة: • المشكلة الأولى: توسع حركات الإسلام السياسي بمختلف مشاربها (السلفية، والإخوان المسلمون، وحزب التحرير). وفي هذا الإطار، يساعد تصوف عبد الرحمن الحَّكَام على مواجهة الإسلام السياسي عبر ثلاث ركائز أساسية: – يرى التصوف الطرقي أن حركات الإسلام السياسي ليست من لدن الدين، فهي تُديّن السياسة.

والإسلام الحقيقي ليس فيه تديين للسياسة لأن تديين السياسة بدعة غربية. – تصوف عبد الرحمن يرى أن الإسلام دين وسط أو "استقامة"، ولذلك يرفض الإسلام السياسي لأنه إسلام متطرف ومتعصب ولا يقبل الآخر وكثيرًا ما ينزلق إلى العنف والتفكير. – التصوف الطرقي يركز على البعد الروحي والتزكوي لنصوص الدين الإسلامي ويرفض الطابع العقلي المجرد الذي تتبعه حركات الإسلام السياسي في التفسير والتأويل، وهو طابع متأثر بالحداثة الغربية المتحجرة روحيًا وأخلاقيًا. • المشكلة الثانية، هي توسع الجمهور العربي المؤمن بالديمقراطية وبمشاركة الشعوب في السياسة من منطلق حداثي يؤكد على الحريات والحقوق وسيادة القانون، وخاصة بعد عام 2011. والمنهج الصوفي يساعد الحكّام في مواجهة خطر إمكانية تبني شعوبهم للديمقراطية والعلمانية الغربية؛ سواء أكانت توفق بين الإسلام والحداثة الغربية بطرائق تجمع بين القيم الإسلامية وقيم الحداثة الغربية، أم كانت علمانية متطرفة تدعو إلى الفصل الكامل بين الدين

((11(يفرد المتصوفة عمومًا منزلة أساسية للأستاذ أو القطب أو المعلم الذي أثّر فيهم وتتلمذوا على يديه، وهم كثيرًا ما يذكرون

هذا المعلم بوصفه هو الذي أيقظهم من سباتهم، أو غفلتهم، ولذلك يحملون تقديرًا عاليًا له وشعورًا استثنائيّا بالامتنان تجاهه. يقول

عبد الرحمن في كتابه دين الحياء: "إن صلتي بأستاذي الكبير والمربي سيدي حمزة بن العباس القادري لا تقارن بغيرها؛ فالتقائي به ليس كالالتقاءات، إذ كان القصد منه هو 'أن أعرف ربي'؛ فله الفضل عليّ في 'اجتهادي في معرفة ربي'؛ وأيضًا اصطحابي له ليس

كالاصطحابات، إذ كان الهدف منه هو 'أن تتزكى نفسي'، فله الفضل علي في 'مجاهدتي لنفسي': وكذلك اقتدائي به ليس كالاقتداءات، إذ كان الغرض منه هو 'أن أصحح عملي'؛ فله الفضل علي في 'جهادي في أن أصحح عملي'؛ فمتى صححت عملي، تزكت نفسي، ومتى تزكت نفسي، عرفت ربي؛ فأثمرت بفضل الله هذه الصلة التربوية ذات الوجوه الثلاثة: تصحيح العمل وتزكية النفس ومعرفة الله، تحولًا جذرًّيًا في مشاعري ومداركي، حتى أنكرت نفسي؛ إذ تجددت علاقتي بربي، وعلاقتي بنفسي، وعلاقتي

بالآخر، وعلاقتي بالعالم". ينظر: عبد الرحمن، دين الحياء، ج  3، ص 157؛ يذكر أن الشيخ حمزة بن العباس القادري هو شيخ الطريقة القادرية البودشيشية في المغرب. وقد أوصى برئاسة الزاوية لولده، ثم لحفيده من بعده. ينظر: "وفاة شيخ الزاوية البودشيشية

المغربية حمزة بن العباس"، سي إن إن بالعربية، 2017/1/18، شوهد في 2024/8/1، في: https://2cm.es/IdOU

والسياسة. والتصوف الطرقي يرفض الديمقراطية بكل أشكالها رفضًا قاطعًا بوصفها تزاول

السياسة على نحو منفصل عن الدين، بل عن الأخلاق أيضًا، الأخلاق التي هي في ذاتها مستندة إلى الدين. كما أنه يركز على علاقة المسلم بربه ويحمّل هذا المسلم المسؤولية

الكاملة عن كل شر، أو تراجع، أو ظلم أو نقص، كما أنه لا يهتم بحقوق المسلم تجاه الحاكم، وكثيرًا ما يحرر الحَّكَام من أي مسؤولية تجاه شعوبهم. وعلى ذلك يأمن الحكّام خطر الثورات

الشعبية المحاكية لقيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. وهذه قضايا لا تكتفي الطريقة الصوفية بالوقوف على الضد منها، بل إنها تعتبرها أمور لا يجوز للمسلم التفكير فيها أصلًا لأن الحريات السياسية والحقوق جزء من منظومة قيم الحداثة الغربية اللاأخلاقية واللادينية واللاإنسانية. السياسة التي يدعو إليها تصوف عبد الرحمن جزء من العبادة القائمة على التزكية والترفع عن الحقوق الدنيوية، واستلهام علاقة العبد بربه. وبهذا لا يجد الحاكم الحصيف من خيارٍ أمامه إلا أن يفسح المجال للتصوف الطرقي حتى يأمن تلك العواقب، ولا سيما أن تصوف عبد الرحمن يشارك الحكام السعي لتنفير الناس من السياسة الحديثة لأنها كلها شرور وفتن، وصراعات، وخداع، واستعباد. يضاف إلى ذلك أنه لا يقدم نظرية سياسية واضحة في الحكم والتغيير الذي يريده الناس، فالأساتذة المربون (الأقطاب/ الأولياء) لم يشكلوا خطرًا في أي يوم على الحكّام، بل إنهم في أغلب الأحيان (باستثناء حالات قليلة) كانوا مكرمين من

الحكام، وبذلك يسعى مشروع عبد الرحمن، على نحوٍ مضمر، إلى عقد تحالف بين الطرفين. يضاف إلى ذلك – وعلى العكس تمامًا من حركة الإصلاح الديني في الغرب، والتي تقوم إحدى

ركائزها الرئيسة على التخلي عن فكرة الوسيط بين الناس والله – أن عبد الرحمن يحيي فكرة الوسيط في الإسلام. والوسيط هنا هو "الأستاذ المربي" (القطب/ الولي)، ويعطيه دورًا أساسيّا في توجيه

الناس دينيًا وتربويًا حتى لا يسيسوا الدين أو يدينوا السياسة، ولا ينزلقوا في اتجاه التبرك والتبديع.

فغياب الأستاذ المربي (الوسيط بين الناس والله) أكبر مشكلة عنده ولا يستقيم إسلام المسلمين من دونها. وهذا توجه غريب في تفكيره؛ إذ يسير على عكس التوجه الحضاري العالمي الذي أخذ يعطي للإنسان – بوصفه فردًا وعقلًا وحقوقًا وحرية – دورًا أكبر في الحياة السياسية أو الدينية أو الروحية.

والكل يعرف تاريخ نضال الأديان الطويل للتخلص من فكرة الوسيط بين المتديّن وربّه، لما جلبته هذه

الفكرة من تسلط رجال الدين على المتدينين وحَرفٍ للدين، لكي يخدم مصالحهم ويجلب لهم السلطة

والوجاهة والمال، وقد وصل هذا الحرف إلى تحويل كثير من هؤلاء الرجال الدينَ إلى سيف يسلط

على رقاب المتدينين، والشواهد أكثر من أن تسرد، ولا مجال للتوسع فيها هنا، وحتى الإسلام نفسه عندما أتى كانت فكرة إزالة الوسيط بين العبد وربه من الأفكار الأساسية التي بنى عليها رؤيته للعلاقة بين العبد وربّه. أما تصوف عبد الرحمن، فإنه يريد إحياء دور طبقة رجال دين ظهرت في الإسلام في عصور، يصفها غالبية الدارسين بمرحلة التراجع، ويصفها عبد الرحمن نفسه ب "التردي"، وكأنه يريد أن يحيي ما يسمى بطبقة رجال الدين أو الإكليروس الموجودة في المسيحية، ولا سيما في العصور الوسطى. فالمتأمل

في مشروعه سرعان ما يتضح له أن المسلم وحده غير قادر على فهم دينه، ولا يمكن أن نأمن انزلاقه في مسارب التبديع والتسييس والتبرك والتشيؤ والتسيد. وفي النتيجة؛ إذا أردنا أن نضع عنوانًا لمشروعه الفكري، فإن مصطلح "الوصاية" على المسلم يجب أن يكون في صلب هذا العنوان. فالمشروع يشكّل منهجًا موازيًا لمشاريع الاستبداد السياسي، ولكنه بلغة صوفية. فكما يقول المستبدون في البلاد

الإسلامية إن الناس غير مؤهلين لأن يكونوا مستقلين بذواتهم، فكذلك يحذر عبد الرحمن من استقلال المسلم بذاته، وكما أن المستبد يصر على أن الناس لا يعرفون كيف يطبقون الديمقراطية وحدهم؛ فكذلك يصر عبد الرحمن على أن المسلم لا يعرف كيف يطبق الإسلام وحده. وكما أن المستبد يريد أن ينصّب نفسه وصًّيًا على الناس بحجة وجود قصور فيهم، فكذلك يريد عبد الرحمن أن ينصّب

الأقطاب/ الأساتذة المربون على المسلمين بحجة قصور المسلمين عن فهم التزكية والروحانية الموجودة في الإسلام إذا ابتعدوا عن أولئك الأقطاب. وكما أن المستبد يُشيع أن الناس من دون مستبد

قوي سيتفرقون ويقتتلون ويظلمون بعضهم، فكذلك يشيع عبد الرحمن في كتبه أن المسلمين من دون قطب يوجههم سيقتتلون ويتطرفون ويتظالمون ويضلون عن السبيل إلى الله سبحانه وتعالى. وكما أن إصلاح أحوال الناس لا يكون إلا بالامتثال للمستبد القوي الذي سيتمكن من إخراج الناس من أحوال التراجع والظلم والهوان، فكذلك إصلاح أحوال المسلمين لا يكون إلا بالامتثال لتعاليم القطب/ الولي الذي سيتمكن من إخراج المسلمين من حالة التسييس والتراجع والتطرف والتردي التي يعانونها. وكما أن الإنسان في النظام المستبد عليه أن يثق بالمستبد ويسلم مصيره له لأن عليه أن يثق به، فكذلك يطلب عبد الرحمن من المسلم أن يسلم أمره للقطب/ الأستاذ وأن يثق به ثقة مطلقة فلا يقول إلا ما يوجهه إليه شيخه (من دون ذكر أي حجة منطقية أو تاريخية وهو أستاذ المنطق).

القسم الخامس: عبودية المنطق للعلوم الدينية/ سرير عبد الرحمن

إذا تناول الدارس مشروع عبد الرحمن، ولا سيما علاقة الدين بالسياسة، وعلاقة الأخلاق بالدين، ودور التّصوف في السياسة، سرعان ما يستوقفه التأمل في المنطق أو المنهج الذي يحكم هذا المشروع

والتداخل غير العلمي بين البلاغة والمنطق، والتوظيف الأيديولوجي للمنطق. وعندنا شعور متنامٍ بأن ثمّة مشكلة في توظيف عبد الرحمن للمنطق أو المنهج عمومًا. ونود أن نتوقف في هذا الجزء من

البحث عند الجانب المنطقي في مشروعه. فعبد الرحمن ولا سيما في كتبه: فقه الفلسفة، والمنطق والنحو الصوري، وفي أصول الحوار وتجديد علم الكلام، يقدم نفسه أنه شخصية منطقية وأن المنطق يعد أمرًا أساسيّا في مجادلاته، إلى حد يوحي بأن عليك أن تكون متبحرًا في المنطق حتى تستطيع أن

تفهم أفكاره وأطروحاته وتجاريها. غير أن المرء عندما يطلع على تلك الكتب سرعان ما يجد تداخلًا مخًّلا من الناحية المنهجية بين الجانب المنطقي والجانب اللغوي/ البلاغي، أو قل: تكوينه لمنطقه بطرائق بلاغية ومفاهيم خطابية من ناحية، وتذويبه للمنطق في اللغة وتركيزه فيه على شروط المناظرات اللغوية. يضاف إلى ذلك تعويله على منطق أرسطو القديم الذي لم يعد أحد يستند إليه في الدراسات العلمية والفلسفية المعاصرة؛ فمنطق أرسطو هو جزء من تاريخ المنطق والميتافيزيقا المرتبطة به،

ولم يعد له اليوم أي أهمية علمية معتبرة، ولا تدِّرِسه الجامعات إّلا من حيث هو تاريخ للمنطق، أو لكي يطلع الطلبة على تاريخ المنطق ويتمرنوا على التجريد المنطقي. ويبدو أن مثل تلك الهواجس ليست لديّ فقط، بل إن عبد الرحمن بدأ يشعر بها، ولعل هذا ما دفعه إلى القول إنّ منهجه يقوم على

"الاستغناء عن الأدلة العقلية المجردة"، بل يضيف: "إني زهدت فيها بالمرة، وذلك لمِا عدُت أشعر به من يقين يغني عن كل دليل". منطلق عبد الرحمن في الأخذ بالمنطق (منطق أرسطو) هو أنه إذا كان علم المنطق يأخذ "معايير" مشروعيته "من مجال الممارسة الذي يحتوي هذا العلم، فإن معايير البت في مشروعية المنطق تقضي أن نستخرجها مما يسميه "المجال التداولي [البلاغي] الإسلامي العربي العام"؛ والمقصود بهذا المجال هو "جملة المبادئ والقواعد العامة التي تقوم بها الممارسة الإسلامية العربية وتتميز عن سواها من الممارسات غير الإسلامية وغير العربية". ويحدد عبد الرحمن هذه المبادئ أو "الكليات المطردة الثابتة العامة والحاكِمة غير المحكُوم عليها" بمبدأ واحد، تتفرع منه ست قواعد (مسلمات) عقدية ولغوية وعقلية: المبدأ هو "مبدأ التفضيل" ونصه: "اعلم أنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من استقامة العقيدة وبلاغة اللسان وسلامة العقل مثلما أوتيته العرب، تفضيلًا من الله". "أما القسم العقدي، فيتكون من القاعدتين التاليتين: • قاعدة التوحيد التنزيهي: سِّلِم بأن الله واحد مستحق للعبادة والتعظيم بوجه لا يشاركه فيه أحد. • قاعدة التخليق: سِّلِم بأن كل ما سوى الله لا يكون إلا بمشيئة الله وإيجاده وجوده. أما القسم اللغوي، فيتشكل من القاعدتين الآتيتين: • قاعدة التبيين: لا تأت من القول إلا على أساليب العرب في التعبير وعلى مذاهبهم في التبليغ. • قاعدة الإيجاز: وليكن الاختصار في العبارة طريقك في أداء المعاني الطبيعية المتداولة. أما القسم العقلي، فيتكون من القاعدتين التاليتين: • قاعدة العمل: لا تتكلم في أمور الدين إلا فيما كان تحته عمل ووراءه منفعة.

(11((عبد الرحمن، دين الحياء، ج  3، ص.160–159 (11((طه عبد الرحمن، سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد، جمع وتقديم رضوان مرحوم (بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2015)، ص.213 ((11(المرجع نفسه. ((11(المرجع نفسه. ((11(المرجع نفسه، ص.214

• قاعدة الاتباع: ليكن إدراكك لأمور الغيب ليس بمجرد العقل، وإنما استنادًا إلى أصول الشرع [الشريعة الإسلامية"]. وهي قواعد مؤتلفة ومتحدة؛ أي لا يمكن أخذ إحداها وترك الأخرى، بل يجب الأخذ بها جميعًا، لأنها في النهاية نابعة من مبدأ واحد. وفي النتيجة، يترتب على هذه القواعد أن وجود الإنسان وحياته ومعارفه وأخلاقه وبلاغته وتفكيره وأعماله تكون محكومة بهذه المبادئ. وبعد المزاوجة التي يقيمها عبد الرحمن بين مبدأ التفضيل وقواعده العقدية واللغوية والعقلية وبين المنطق الأرسطي القديم يتوصل إلى أن المنطق يُفسِد عقائد الدين الإسلامي وأصوله إذا أخذناه

من دون ذلك المبدأ وتلك القواعد (وهذا ملخص أطروحة الغزالي حول المنطق الأرسطي)؛ لأن المنطق عنده مجرد آلة محايدة أو "حساب" غير عملي، يهتم بالبناء وليس بالأفعال، ولذلك يسرع عبد الرحمن إلى تكبيله بتلك القواعد. وعلى العموم، يمكن نقده منطقه بالطريقة نفسها التي نقد بها جون ستيوارت ميل منطق أرسطو من حيث إنه منطق عقيم غير منتج لأن النتيجة لا تقوم سوى بإثبات المقدمات (المبادئ والقواعد) التي انطلق منها، على نحو دائري، بل إن تلك المبادئ والقواعد تصبح هي المنطلق في عملية التفكير، وهذا ليس منطقًا بالمعنى الدقيق لكلمة "منطق"، بقدر ما هو محاولة لإلباس مذهب ديني لباسًا منطقيًا وليس أكثر من ذلك. وغنٌّيٌ عن القول إن تلك القواعد التي تشبه "سرير بروكرست" المشهور هي في النهاية تجميع

للأسس التي بنى عليها الفقهاء وعلماء الكلام في العصور الوسطى علم أصول الفقه (استخراج الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمسائل المتعلقة بها)، وعلم الكلام (الدفاع عن العقائد الدينية بالطرائق العقلية). وإذا كان ذلك كذلك، فما الجديد الذي يأتي به عبد الرحمن؟ وأين يكمن تجديده في الدراسات الإسلامية والفقهية المعاصرة؟ إنّ المنطق هو منطق قديم، والمبادئ والقواعد التي يكبل بها المنطق قديمة، وحتى المسائل التي يتناولها في كتبه هي نفسها المسائل التي تناولها القدماء. يكتب عبد الرحمن: "وسوف يكون النهوض بعلوم الوسائل [...] متمثلًا في تجديد الاهتمام بعلم الأصول، مفيدًا في إخراج البحث العلمي الإسلامي من وصف الانغلاق على مضامين النصوص وحدها إلى وصف الانفتاح على طرق إنشاء وتطوير وتبليغ هذه المضامين، أي مفيدًا في إقامة البحث

((11(المرجع نفسه، ص.213 ((11(المرجع نفسه، ص.214 ((12(المرجع نفسه، ص.231 ((12(تتحدث أسطورة عن حداد اسمه بروكرست، وأنه كان قاطع طريق، وكان يمدّد أجساد ضحاياه أو يقطعها ليناسب طولها طول

سريره الحديدي. وقد استخدم هذا المصطلح عدد كبير من الفلاسفة منهم برتراند رسل لوصف من يريد فرض رأي ثم يبحث عمّا

يؤيده لاحقًا، وتتم هذه الطريقة بوضع فرضيات مسبقة نسقطها على الموضوع الذي نريد أن نتناوله، بحيث تظهر تلك الفرضيات

كأنها جزء داخلي للموضوع. ((12(يقصد المنطق.

المضموني على البحث الآلي؛ وعند بلوغ هذا المقصد سوف نكون قد اهتدينا إلى الطريق الصحيح الذي سلكه المبدعون من أسلافنا ويسلكه كل من تعلقت همته بالاجتهاد والتجديد". هكذا يتحدد جوهر "اليقظة" ب "اهتدائنا إلى الطريق الصحيح الذي سلكه المبدعون من أسلافنا"؛ أي باستجرار ما قاله "المحِّدِثين والفقهاء والأصوليين والمتكلمين واللغويين من أمثال الشافعي وأبي سعيد السيرافي والباقلاني والقاضي عبد الجبار والجبائي وابنه وأبي المعالي وأبي قاسم الأنصاري وابن صلاح وابن تيمية وابن قيم الجوزية والسيوطي"، وكذلك الغزالي والشاطبي. وإذا كان تاريخ علم أصول الفقه استجرارًا حرفًّيًا لما قاله "المبدعون من أسلافنا" وتكرارًا لقواعد علم أصول

الفقه الذي أسسوه، فمن أين أتى "الانغلاق" الذي يتحدث عنه عبد الرحمن؟ بنية المعرفة وبناء القواعد وطرائق التفكير في علم الأصول، شكلًا ومضمونًا، هي واحدة تقريبًا منذ عصر "المبدعون من أسلافنا"

حتى اليوم. وعلى ذلك، يبدو "الانغلاق" في علم أصول الفقه مفهومًا متخيلًا عند عبد الرحمن، أو

مشكلة مزيفة. ويمكن القول إنه يريد حل مشكلة لا يستطيع القارئ أن يعثر عليها في كتبه على نحوٍ جدي. ويُذكَر أن الذي يعود إلى كتبه لا يعثر إلا على القليل من مسائل أصول الفقه، وهو لا يخوض

في مسائله الدقيقة، وليس لديه نظرية خاصة في علم أصول الفقه. ثم كيف يمكن أن يجدد في هذا العلم وكل كتاباته عنه تقول إنه يعتقد أنه علم مكتمل، والدليل على ذلك أن مبادئه التي ذكرها نجدها عند الغزالي في كتابه إلجام العوام عن علم الكلام، وعند غالبية الفقهاء وعلماء الكلام المؤسسين؟ عندما يقدم قواعد ومبادئ نظرية مجردة ويدعي أن علم أصول الفقه سيجدد نفسه لو أخذ بها وطبقها، فإنه لا يقوم بأي تطبيقات عملية واضحة ومتكاملة لتلك المبادئ المجردة؛ ما يشي إما بعدم معرفته بهذا العلم على نحو دقيق، وإما بأنه يطرح مهمة وهمية، وإن كنت أميل إلى الخيار الثاني. وفي الحقيقة، ليس عبد الرحمن وحده من يعاني هذا الوهم، أو التهويم، فقد كثرت الشكاوى ممن يستخدمون مصطلح "تجديد" علم أصول الفقه. فهذا العلم – بالنسبة إليه وبالنسبة إليهم أيضًا – مستقر منذ مئات السنين ولا يوجد فيه ما يحتاج إلى إعادة نظر أو تجديد، حتى الاختلافات بين مدارسه اختلافات ثانوية ولا تمس جوهر العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامي. وعلى ذلك، فإن مصطلح "تجديد" الذي ورد في عناوين ثلاثة كتب من كتب عبد الرحمن: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام (1986)، والعمل الديني وتجديد العقل (1989)،

(12((عبد الرحمن، سؤال المنهج، ص.270 ((12(المرجع نفسه، ص.220 (12((يقول الغزالي إن من يعمل في العلوم الشرعية عمومًا "عليه أن يراعي سبعة أمورٍ: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف

بالعجز، ثم السكوت، ثم الكف، ثم الإمساك، ثم التسليم لأهل المعرفة. أما التقديس [...] فأعني به: تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها. وأما التصديق [...] فهو الإيمان بما قاله صلى الله عليه وسلم، وأن ذكره حق، وهو فيما قاله صادق، وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده. وأما الاعتراف بالعجز [...] فهو أن يقر بأن معرفة مراده ليس على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته".

ينظر: أبو حامد الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام (بيروت: دار المناهج، 2017)، ص.49 ((12(يذكر أن عبد الجبار الرفاعي يرى أن عبد الرحمن "فيلسوف ضد الفلسفة"، وأن كتاباته مليئة "مصطلحات غائمة" تريد هدم كل شيء من أجل بناء مذهبه الذي يعاني "المراوغات الذهنية والثغرات المنطقية". ينظر: عبد الجبار الرفاعي، "غواية اللغة: أحمد

فرديد وطه عبد الرحمن"، موقع الحوار المتمدن، 2017/1/18، شوهد في 2023/8/31، في: https://2cm.es/IdPW

وتجديد المنهج في تقويم التراث (1993)، "خالٍ من المعنى" إذا استخدمنا مصطلحات الفلسفة التحليلية. فالأساس في علوم أصول الفقه وعلم الكلام، ومختلف العلوم الشرعية هو التسليم الكامل بمجموعة من المسلمات والمبادئ، وليس البنية المنطقية أو الاستدلالية. ويقوم علم الأصول على أخذ التسليم بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مصدرين أساسيين للتشريع، وإضافة مصادر أخرى؛ مثل الإجماع، والقياس، إنْ لم يوجد ذكر واضح في القرآن والسنة للمسألة المطروحة، مع وضع بعض القواعد اللغوية والعقلية لتنظيم عملية وضع الأدلة والربط بين النصوص والوقائع. وهذا ليس علمًا بالمعنى الحقيقي لمصطلح "علم"، بقدر ما هو تنظيم لعلاقة المسلمين بكتبهم

ونصوصهم المقدسة، وتأطير للخلافات التي تظهر بين أبناء الدين الواحد حول بعض المفاهيم وتأويلها. وهذا أمر مفهوم وموجود في كل الأديان بطرائق مختلفة. وما يقال عن علم أصول الفقه يمكن قوله عن علم الكلام الذي يعرّف بأنه "تعقيل الدين، وفهمه بالمنطق

وبالرأي للذود عن الإيمان بهذا المنطق والرأي". ومن هذا التعريف يتضح لنا أنه أيديولوجيا وليس علمًا؛ لأن مهمته الدفاع عن مواقف مسبقة وليس تكوين معرفة أو القيام باكتشاف. وهذا هو حال كل

العلوم الدينية في الإسلام وفي بقية الأديان. وهذا هو الاختلاف الأساسي بين العلوم الدينية والفلسفة كما ذكرنا سابقًا. وهناك من يشبّه الاختلاف بين علم الكلام (والعلوم الشرعية عمومًا) وبين الفلسفة

بالاختلاف بين القاضي والمحامي؛ القاضي يريد الحقيقة أًّيًا كانت/ من دون أيّ تحيز مسبق على

عكس المحامي الذي لا يريد إّلا الدفاع عن موكله ويجتهد في سبيل ذلك. ولعل هذا ما يفسر مكانة

الحِجاج أو المناظرة وتضخمها في هذه العلوم (لعبد الرحمن عدة كتب في المناظرة والحجاج)، حتى إنّ ابن خلدون يرجع نشأة علم الكلام إلى المناظرة والدفاع "ضد المبتدعة والمنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، [كما] يرى أصحاب كل مذهب آخر من المذاهب الإسلامية أن علم الكلام دفاع عن حقيقته المذهبية الخاصة بكل فرقة تعتبر وحدها هي الفرقة الناجية من فرق الإسلام". ويعترف عبد الرحمن بأنّ تخصيصَ القسم الأكبر من كتبه لقضايا اللغة والحجاج والحوار وفن الخطابة

ولجوءَه إلى أسلوب إنشاء المصطلحات الجديدة يعودان – كما يصرح هو – إلى "هيامه باللغة"، وحب

الشعر في بداية حياته، ورغبته في أن يكون شاعرًا، وأنه "اكتوى بالحرف اكتواء العاشق بمعشوقه"،

غير أننا نميل إلى تفسير هذا التضخم اللغوي، وحرصه على تقديم فكره عبر أكداس من المصطلحات الخاصة به، بأنهما قد يعودان إلى مشكلة داخلية تتعلق بمدى جدية التجديد في مشروعه، فلجأ إلى التجديد اللغوي للهروب من سؤال التجديد الحقيقي الذي يدعيه مشروعه. مفهوم التجديد عند عبد الرحمن ليس أكثر من تجديد لغوي، ووضع مفاهيم وتراكيب لغوية جديدة لوصف عمليات عقلية

(12((عادل العوا، المعتزلة والفكر الحر (دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1987)، ص.26 ((12(المرجع نفسه. ((12(المرجع نفسه. (13((طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2011)، ص.46

وطرائق منهجية قديمة منتشرة في أغلب كتب التراث وتاريخ الفلسفة والفقه وعلم الأصول وعلم الكلام، وليس هناك تجديد يشار له بالبنان، إلى حدّ أنه يمكن القول إن هناك نوعًا من التمويه

على النزعة التقليدية بإشغال القارئ بمئات المصطلحات الجديدة، ولكنها بمضامين قديمة. وفي الحقيقة، ما يزال مشروع عبد الرحمن المعاصر يدور في فلك العصور الوسطى والقضايا التي انشغلت بها العلوم الشرعية في تلك العصور. وتعود هذه القضية إلى أن عبد الرحمن وبعد دراسته وتعمقه في تاريخ الإسلام وعلومه الشرعية والتصوف لم يهُن عليه أن تذهب هذه المعرفة سدى من دون

أن يستثمرها في إنتاج مشروع فكري إصلاحي تجديدي مترامي الأطراف، ولكنه مشروع مغترب عن الواقع المعاصر ومشكلاته السياسية والاجتماعية التي تضغط أكثر فأكثر، ولا سيما بعد عام 2011. فمشكلات العرب اليوم سياسية واجتماعية أساسًا، وليست فقهية أو متعلقة بالتصوف، أو علوم أصول

الفقه، أو فن الخطابة، أو التأسيس لعلم خاص بالحجاج والمناظرة، لا سيما أن عبد الرحمن نفسه لا يقدم أي جديد في هذه الميادين.

القسم السادس: مغالطات نقد الحداثة الغربية/ أو النقد الانتقائي

أول مغالطة نجدها في نقد عبد الرحمن للحداثة الغربية أنه عندما يقارن بين المجتمعات الإسلامية والغربية فإنه لا يقارن بينهما من منطلق واحد. فهو يفكر في المجتمعات الإسلامية كما يجب أن تكون، بينما يفكر في المجتمعات الأوروبية كما هي على أرض الواقع؛ أي بين وضعين: الأول ما يجب أن يكون وليس ما هو كائن، والثاني ما هو كائن وليس ما يجب أن يكون، وهذا تحيز مسبق لا تخطئه عينٌ. يقول عبد الرحمن: "إننا لا نقصد هنا ب 'مجال التداول الإسلامي' المجتمعات الإسلامية في وضعها المترِّدِي الراهن، وإنما المجتمعات الإسلامية كما يجب أن تكون لو أنها تمسكت بالمبادئ الإسلامية [يقصد التصوف الطرقي]؛ ولا ينفع المعترض أن يقول إننا نهمل الواقع ونشتغل بغيره؛ ذلك أن مقاربتنا للحداثة هي أصلًا مقاربة فلسفية؛ ومعلوم أن كل مقاربة فلسفية تكون تقويمية، لا تحقيقية كما هي المقاربة العلمية؛ وكل تقويم ينبني على النظر إلى ما يجب أن يكون؛ بحيث يبقى النظر إلى الواقع أمرًا

عارضًا وتابعًا له". ولكن لماذا لا ينفع الاعتراض على عبد الرحمن في هذه النقطة؟ وهل يهمل،

((13(يذكر أن التهمة المتمثلة في أنه لا يوجد تجديد حقيقي لدى المفكرين الذين يطرحون التجديد، وأن تجديدهم اقتصر على التزويق اللغوي ونحت مصطلحات أقرب إلى الموضة، وُجهت إلى عدد من المفكرين أصحاب المشاريع التجديدية أو الإصلاحية

في العالم العربي، ومنهم حسن حنفي (2021–1935)، وغالبية المجددين في علم الكلام وعلم أصول الفقه. ((13(هناك سيل كبير من الكتب والدراسات التي حاولت رسم ملامح التجديد في مشروع عبد الرحمن. ولكنها، مع الأسف، فاتها أن مشروع عبد الرحمن تقليدي ومجرد استجرار لنصوص ومناهج تراثية قديمة، ولا يتضمن أي تجديد حقيقي، وأن مصطلح تجديد الوارد في عناوين كتبه لا يحتوي على أي مضمون: لا في مجال علم الأصول، ولا في مجال التصوف، ولا في مجال نقد الحداثة

الغربية. ومن هذه الكتب نذكر: يوسف بن عدي، مشروع الإبداع الفلسفي العربي: قراءة في أعمال د. طه عبد الرحمن (بيروت:

الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012)؛ يوسف المتوكل، النظرية التكاملية عند طه عبد الرحمن: آفاق التجديد في مناهج تقويم

علوم التراث الإسلامي العربي (عمان: دار الخليج للنشر والتوزيع،.)2023 (13((طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.18

فعلًا، الواقع وينشغل بغيره (ما دامت مقارباته فلسفية تقويمية تنبني على النظر إلى ما يجب أن يكون)؟ إن وجه اعتراضنا أنه هو نفسه لا يكتفي بنقد فلسفي للغرب انطلاقًا مما يجب أن يكون (قيمه)، بل إن نقده ينطلق من واقع حال الغرب، بل إنه يركز على هذا الواقع بقدر ما يركز على ما يجب أن يكون أو قيم الحداثة؛ أي كيف تحققت القيم على أرض الواقع والمشكلات التي حدثت أثناء مسيرتها؟ إذا كانت روح الحداثة (أيّ حداثة) تقوم عنده على ثلاثة مبادئ هي: مبدأ الرشد (الانتقال من القصور،

والتبعية الفكرية والسلوكية، إلى الاستقلالية والإبداع في التفكير والسلوك)، ومبدأ النقد (الانتقال من مبدأ الاعتقاد والتفكير التسليمي إلى حالة الانتقاد والاستدلال العقلي)، ومبدأ الشمول (الانتقال من مجال الخصوصية إلى مجال العمومية والتأثير في العموم من منطلق الخصوص)، أو إذا كانت هذه هي مبادئ الحداثة عنده بعبارة أخرى، فإن مشكلته مع الحداثة الغربية ليست في روحها ومبادئها، بل في تطبيقها لمبادئ الحداثة الثلاثة على أرض الواقع. إن الحداثة الغربية عندما  طبقت تلك المبادئ حصلت اختلالات وظهرت "آفات" كبرى، ولا بد من إعادة النظر في هذا التطبيق لأن الحداثة تحتمل عدة طرائق من التطبيق، وما الحداثة الغربية سوى واحدة من هذه التطبيقات، وهذه الطريقة ليست بالتأكيد أفضلها عند عبد الرحمن. وباختصار، تعود مشكلة التطبيق عنده إلى أن الحداثة الغربية عندما  طبقت مبدأ الرشد، فإنها اختزلته في التخلص من قيد وصاية رجال الكنيسة على المجتمع، ثم وسعته إلى التخلص من قيد الدين المسيحي نفسه. وعند عبد الرحمن لا يتحقق تطبيق مبدأ الرشد في التخلص من السلطات إلا إذا توجه الإنسان في تصرفاته كلها إلى "المطلق"، وهذا يتحقق عن طريق قيمة "الإخلاص" إخلاص الإنسان في أعماله لله (الإخلاص مبدأ إسلامي)؛ أي ينسب أشكال تلك الأعمال وأقدارها وآثارها وأهدافها إلى الله وليس إلى نفسه، وهذا يتحقق بأن "يستغني" الإنسان عن الدنيا بالله، ف "الإخلاص لله هو وحده الذي يورث الحرية الحقة". أما الآفة الثانية في تطبيق مبدأ الرشد، فهي "آفة الانفصال"؛ أو اختزال الإبداع في "الانفصال عن قيم التراث، في حين أن في قيم التراث ما لا تبلى فائدته أبدًا، فيتعين حفظ الصلة به". والذي يحقق الصلة بالتراث قيمة إسلامية هي "الكمال"؛ والكمال لا يلتمس "في كائنات مجردة أو متوهمة بقدر ما يطلبها في نماذج تاريخية وقدوات حية". فالكمال هو ما يساعدنا على التخلص من "آفة الانفصال" في الحداثة الغربية. أما مشكلة الحداثة الغربية مع "مبدأ النقد"، فهي أن هذا المبدأ "يوجب التوسل بالاستدلال العقلي كما يوجب العمل بالفصل التقني؛ غير أن الحداثة الغربية اختزلت مفهوم 'الاستدلال' في ممارسة العقل الأداتي الذي لا يعنى إلا بالوسائل والتقنيات مشتغلًا بتدبيرها وتقنينها وتحديد نجاعتها ومردوديتها؛ بينما القيم والمقاصد الإنسانية مادية أو معنوية، لا تقل

((13(المرجع نفسه، ص.25–23 (13((عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، ص.27 ((13(المرجع نفسه. ((13(المرجع نفسه، ص.28–27 ((13(المرجع نفسه، ص.28

توسطًا بالعقلانية عن الوسائل والتقنيات، هذا إن لم تكن عقلانيتها أرسخ أًُّسًا وأهدى سبيلًا؛ ولما كان اعتبار الوسائل يتوقف على اعتبار المقاصد ظهر أن عقلانية الوسائل تحتاج إلى الاسترشاد بعقلانية المقاصد. ولا يمكن أن يتحقق هذا الاسترشاد إلا بواسطة القيمة الإسلامية التي هي 'الإيمان"'. أما مشكلة الحداثة الغربية مع "مبدأ الشمول"، فهي أنها انطلقت من المادة؛ أي من "التأثير المادي" في المجتمعات وصبغت الوجود بصبغة مادية محضة، في حين "أن بعضًا من هذه المجالات تتداخل فيه العناصر المادية والمعنوية، بحيث يفضي إخضاعها للتأثير المادي إلى الإخلال بتوازنها، بل يؤدي إلى فساد مكوناتها". وأما القيم الإسلامية التي يمكن أن تعيد لهذه المجالات توازنها، فهي "الروحانية"؛ "البؤرة التي تنبعث منها كل القيم التي يرتقي بها الإنسان في مراتب الكمال". غير أن ما لم يأخذه عبد الرحمن في نقده للحداثة الغربية أن عملية التطبيق عملية مستمرة وليست ثابتة، وهذه السيرورة نقدية بذاتها؛ بمعنى أن مبدأ النقد لا يطبق فحسب، بل يتفاعل أيضًا مع التطبيق، بحيث يعاد النظر في الوضع الكلي إذا وصل هذا الوضع إلى ما يشي بأن هناك أزمة أو مشكلة كبيرة أخذت تخيم عليه. وإذا أخذنا مث لًا على ذلك نقده للعقلانية الأداتية، وجدناه ينطلق من أنه "بعد أن كانت التقنية وسيلةً في يد العلم، صار العلم وسيلة في يدها تزوده بآفاق جديدة في البحث تستنبطها من خصائصها الاستعمالية ونتائجها التحولية، كما توجهه بحسب الحاجات الاستهلاكية التي تحِّدِدها السوق العالمية أو بحسب المشاريع التجارية التي تضعها كبريات الشركات المتحكمة في هذا السوق". وهذا نقد ينطلق من واقع الحال، وليس من قيمة من قيم الحداثة الغربية قائمةً بذاتها. الحداثة الغربية تحمست للعلم والتقنية لأنها وجدت فيهما أفضل وسيلة تمكّن الإنسان من السيطرة على الطبيعة؛ مثل بناء السدود ومعالجة الأمراض، وتحسين أدوات الزراعة... إلخ، ولم يكن من قيمها أن تجعل الآلة تسيطر على العلم أو تحويل العلم ومنجزاته إلى شركات كبرى لا هدف لها إلا الربح. هذه قضية ظهرت أثناء التطبيق، وخلال مجرى التحولات التي تمر بها قيمة من القيم، وليست مكونًا داخلًّيًا للقيمة. وبتعبير هايدغر، إن السيطرة التقنية على العلم وتحولها إلى أداة بيد الشركات للربح ليسَا من كينونة التقنية.

((13(المرجع نفسه، ص.29–28 ((14(المرجع نفسه، ص.31–30 ((14(المرجع نفسه، ص.131 (14((عبد الرحمن، روح الحداثة، ص.81 ((14(يذكر أن نقد عبد الرحمن للعلم وسيطرة التقنية عليه نقد قديم وموجود عند عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في الغرب، كانوا قد حذروا منذ قرن من الزمان من تغوّل التقنية على حياة الإنسان. ومن أشهر الانتقادات التي وجهت للحداثة من هذا المنظور

انتقادات يورغن هابرماس، وإدغار موران Edgar Morin، وإدموند هوسرل Edmund Husserl، ومارتن هايدغر Martin Heidegger

(1889–1976)، ولا سيما هوسرل في كتابه: أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا الترانسندنتالية، وهايدغر في كتابه

التقنية – الحقيقة – الوجود. وإذا قارن المرء بين كلام عبد الرحمن ونقد هؤلاء للتقنية لا يكاد يعثر على أي رأي خاص به. وإذا أخذنا مث لًا على هذا التشابه نجد أنه يكاد يردد حرفًّيًا نقد هايدغر للتقنية الغربية. يقول هايدغر مثلًا: "نريد – كما يقال – أن نتحكم في

التقنية ونوجهها لصالح غايات (روحية). نريد أن نصبح سادة عليها. وإن إرادة السيادة تصبح أكثر إلحاحًا، كلما هددت التقنية أكثر

بالانفلات من مراقبة الإنسان". ينظر: مارتن هيدغر، التقنية – الحقيقة – الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص.45

وفي النتيجة، إذا كانت مشكلات الحداثة الغربية ظهرت أثناء تطبيق قيم تلك الحداثة على أرض الواقع، وخلال مجرى ذلك التطبيق وتحولاته، فكيف سيرد عبد الرحمن على من يقول له إن مشكلة مبادئ الإسلام (بالطريقة التي يفهمها هو) تتعلق بالتطبيق، كما هو شأن أي مبادئ تنزل على أرض الواقع. وليس أول هذه المشكلات أن تطبيق مبادئ التصوف الطرقي منذ مئات السنين لم يمنع عبد الرحمن نفسه من وصف المجتمعات الإسلامية اليوم بأن وضعها "مترٍّدٍ". يضاف إلى ذلك أن عبد الرحمن يؤكد على مبدأ أساسي من مبادئه الكثيرة التي يقر بها تسليمًا، وهو "أن الحداثة لا تنقل من الخارج، وإنما تبتكر من الداخل". وإذا كان ذلك كذلك، فكيف يريد من الغرب أن ينقل الحداثة الإسلامية إليه من الخارج. وهذا مثال آخر على الكيل بمكيالين. ثم إن منطلق نقد عبد الرحمن للحداثة الغربية، وأزمتها الأخلاقية التي ينسبها إليها، ليس منطلقًا إسلامًّيًا في حقيقته؛ أي ليس نقدًا صادرًا من مقاربة الحداثة الغربية بمبادئ إسلامية كما يتخيل ذلك في معظم كتبه. إنه نقد منقول من نقد مدارس فلسفية واجتماعية غربية نفسها للحداثة الغربية. ولا سيما نقد جون رولز John Rawls (2002–1921) ومدرسة فرانكفورت بأجيالها المتتابعة، وكذلك الاتجاهات الماركسية الحديثة. كما أنه نقد يتفق مع نقد زيغمونت بومان Zygmunt Bauman) 2017–1925(وسلافوي جيجيك Slavoj Žižek، وكذلك مع دراسات ما بعد الكولونيالية Postcolonial Studies (إدوارد سعيد، 2003–1935)، وهومي بابا Homi Bhabha. إنّ نقده لا يكاد يخرج عن هؤلاء من حيث إن الحداثة الغربية تعاني نقصًا كبيرًا في إنسانيتها وأخلاقيتها، وتضخّم في نزعتها الاقتصادية المتوحشة، وتحجّر العلاقات الاجتماعية والأسرية. وهو يعني، كما ذكرنا، أن مصدر نقد عبد الرحمن للحداثة الغربية هو الحداثة الغربية نفسها والمشكلات التي وقعت فيها أثناء مجرى التحولات التي مرت بها، وليس مبادئ التصوف الطرقي. وما يزيد الطين بلةً أن عبد الرحمن لا يرى البتة الإصلاحات الكبيرة التي حققتها الحداثة خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا يعيرها أي انتباه؛ لأنها، بكل بساطة، ستطيح مشروعه في "إصلاح الحداثة" (الاسم الذي يطلقه وائل حلاق على مشروع عبد الرحمن) عبر دفعها إلى تبني مبادئ التصوف الطرقي التي ينادي بها. فاليوم، لا يمكن القول إن الحداثة لا تعاني مشكلات عديدة، ولكن يمكن القول أيضًا إن الحداثة قطعت شوطًا طويلًا في معالجة عدد من مشكلاتها، فالضريبة على الأغنياء وصلت في المتوسط إلى نحو 30 في المئة في بلدان الاتحاد الأوروبي، ونقابات العمال زادت من الحد الأدنى للأجور عدة مرات، والخدمات الصحية والتعليم يقدمان بجودة عالية للفقراء والأغنياء بالتساوي. وللعاطلين عن العمل واللاجئين والنساء حقوق لا أعتقد أن عبد الرحمن يعرف عنها الكثير.

(14((عبد الرحمن، روح الحداثة، ص.68

خاتمة

يقدّم مشروع عبد الرحمن الفكري مفهومًا وظيفًّيًا للتصوف بالنسبة إلى السلطات القائمة. لقد أدرج

الإنسان/ المسلم في ماهية سلبية تختصر المشكلة فيه، بل تجعله المشكلة كلها، من حيث إن هذا الإنسان نسي النزعة التزكوية التي تقوم عليها النصوص الدينية الإسلامية ولم يعد يدرك حقيقتها الروحية. وهكذا لم يعد مطلوبًا اليوم من المسلم أن يسعى لتحصيل حقوقه السياسية والاجتماعية

والوقوف في وجه ظُّلا مه، فالمشكلة تكمن فيه هو وليس في أي مكان آخر. والمطلوب هو عودة هذا المسلم إلى ذاته، عودة نفسية روحية تجتث نزعة الشر والتكبر والتسيد الموجودة داخله. وهذا مخرج ملائم جًّدًا سيرحب به كل نظام تسلطي على وجه الأرض. فمذهب عبد الرحمن هو تزييف للفقر والظلم، وإيجاد أسباب متخيلة لحالة "التردي" التي يعيشها "المسلم العربي"، وتحويل حقوق الأفراد والجماعات إلى مجرد نقاش فقهي/ لغوي غارق في التجريد والماضي، واستجرار لنصوص موجودة في تراث الإسلام منذ قرون طويلة عبر تأويلها وإعادة تأويلها في عملية لا تكاد تنتهي، وهذا أحد أهم أسباب كثرة كتبه. نقول: "تزييف للفقر"؛ لأن مشروعه الفكري يعاني نقيصة رهيبة، وهي أنه لا ينبس ببنت شفة عن الجانب الاقتصادي للناس؛ لا من قريب، ولا من بعيد. وكأن الاقتصاد ليس ذا أهمية في حياة البشر، على الرغم من أن الهموم الاقتصادية في المنطقة العربية والإسلامية تُعد من أكبر المشكلات التي تواجهها المنطقة، وأحد أهم محاور الصراعات التي تعيشها هذه الأيام.

References

المراجع

أوغسطينس، القديس. مدينة الله. ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو. ط  2. بيروت: دار الشروق،

بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحات في الفلسفة والنظريات والسياق. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2021 جلال العظم، صادق. ثلاث محاور فلسفية، دفاعًا عن الماديّة والتاريخ (مداخلة نقدية مقاربة في تاريخ

الفلسفة الحديثة والمعاصرة). بيروت: دار الفكر الجديد،.1990 جيب، هاملتون. بنية الفكر الديني في الإسلام. ترجمة وتصدير عادل العوا. دمشق: مطبعة جامعة دمشق،.1959 حلاق، وائل. إصلاح الحداثة، الأخلاق والإنسان الجديد في فلسفة طه عبد الرحمن. ترجمة عمرو عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2020 حنفي، حسن ومحمد عابد الجابري. حوار المشرق والمغرب. بيروت/ عمان: المؤسسة العربية

للدراسات والنشر،.1990 ستيس، ولتر. التصوف والفلسفة. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي،

السجستاني، أبو داود. سنن أبي داود. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: المكتبة العصرية، [د. ت.]. عبد الرحمن، طه. العمل الديني وتجديد العقل. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997

______. سؤال الاختلاف: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2000 ______. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2000 ______. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 ______. الحداثة والمقاومة. بيروت: معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية والفلسفية،.2007 ______. حوارات من أجل المستقبل. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2011 ______. روح التدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. ط  2. بيروت: المركز الثقافي العربي،

______. بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 ______. سؤال المنهج: في أفق التأسيس لأنموذج فكري جديد. جمع وتقديم رضوان مرحوم. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2015 ______. شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج من الأخلاق. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2016 ______. دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني – روح الحجاب. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2017 ______. دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني – أصول النظر الائتماني. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2017 العوا، عادل. المعتزلة والفكر الحر. دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع،.1987

الغزالي، أبو حامد. إلجام العوام عن علم الكلام. بيروت: دار المناهج،.2017

العلمية، [د. ت.].

الدوحة: 2022:. في https://acr.ps/1L9zOCe

البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1995

القرضاوي، يوسف. الدين والسياسة: تأصيل ورد شبهات. دبلن: المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث،

محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية. ضبط وتحقيق أحمد شمس الدين. بيروت: دار الكتب

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2022، برنامج قياس الرأي العام العربي.

هيدغر، مارتن. التقنية – الحقيقة – الوجود. ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح. بيروت/ الدار