العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القانون والدولة والـ(ـلا) أمن: بحث في المقاربات الأمنية النقدية ومشكلة الأمن السيبراني

القانون والدولة والـ(ـلا) أمن: بحث في المقاربات الأمنية النقدية ومشكلة الأمن السيبراني

Law, the State, and (In)Security: A Study of Critical Security Approaches and the Problem of Cybersecurity

سماعين جلة *

Smaine Djella *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في التداخل والتعارض – من الناحية الأنطولوجية - بين ثلاثة مفاهيم أساسية: القانون، والدولة، والأمن، وما يرتبط بها من إعادة تعريفٍ لمفاهيم أخرى كالحرية والعدالة والحق. يتمحور سؤال الدراسة المركزي حول كيفية صياغة قانون يحقق الأمن داخل الدولة. ويجري استعراض العلاقة بين الدولة والقانون ومناقشة الأمن السيبراني بوصفه ساحة جديدة تتصارع فيها قيم الحرية والسيادة، حيث يتعارض مبدأ حماية الحريات الفردية مع التدخلات الأمنية للدولة. وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على الكيفية التي يمكن بها أن تؤدي هذه التدخلات إلى انتهاكات الحريات المدنية، مع فرض تصور جديد للأمن تصنعه الدولة، وتتناول مسألة الانتقال من "دولة القانون" إلى "دولة الأمن"، إذ يصبح الأمن الهدف الأسمى للدولة، بدلًا من الحرية. وتدعو إلى إعادة التفكير في دور الدولة بوصفها وسيطًا بين الفضاءات الرقمية المتشابكة، وتحدي صياغة إطار قانوني قادر على التكيف مع التحولات الرقمية من دون التضحية بالقيم الديمقراطية.

Abstract

Abstract: This study examines the overlap and conflict – ontologically – between three fundamental concepts: law, state, and security, along with the redefinition of other concepts such as freedom, justice, and rights. The central question of the study revolves around how to formulate a law that successfully enforces security within the state. It reviews the relationship between the state and the law and discusses cybersecurity as a new arena where the values of freedom and sovereignty clash, where the protection of individual liberties conflicts with state security interventions. It also highlights how these interventions can lead to violations of civil liberties, imposing a new conception of security crafted by the state. Additionally, the study addresses the transition from "rule of law" to a "security state", where security, rather than freedom, becomes the ultimate goal of the state. It calls for rethinking the role of the state as a mediator between interconnected digital spaces and the challenge of formulating a legal framework capable of adapting to digital transformations without sacrificing democratic values.

الكلمات المفتاحية:
  • القانون
  • الدولة
  • الأمن السيبراني
  • الحرية
  • العدالة
  • الفضاء الرقمي
Keywords:
  • Law
  • State
  • Cybersecurity
  • Freedom
  • Justice
  • Digital Space

مفاهيم أساسية: القانون، والدولة، والأمن، وما يرتّبط بها من إعادة تعريفٍ لمفاهيم أخرى

كالحرية والعدالة والحق. يتمحور سؤال الدراسة المركزي حول كيفية صياغة قانون يحقق

الأمن داخل الدولة. ويجري استعراض العلاقة بين الدولة والقانون ومناقشة الأمن السيّبراني

بوصفه ساحة جديدة تتصارع فيها قيم الحرية والسيادة، حيث يتعارض مّبدأ حماية الحريات

الفردية مع التدخلات الأمنية للدولة. وتسلط الدراسة الضوء أيضًا على الكيفية التي يمكن بها

أن تؤدي هذه التدخلات إلى انتهاكات الحريات المدنية، مع فرض تصور جديد للأمن تصنعه

الدولة، وتتناول مسألة الانتقال من "دولة القانون" إلى "دولة الأمن"، إذ يصّبح الأمن الهدف

الأسمى للدولة، بدلا من الحرية. وتدعو إلى إعادة التفكير في دور الدولة بوصفها وسيطًا بين

الفضاءات الرقمية المتشابكة، وتحدي صياغة إطار قانوني قادر على التكيف مع التحولات

الرقمية من دون التضحية بالقيم الديمقراطية.

مقدمة

يعبّر جوهر القانون عن احترام نظام الإرادة العامة، واحترام التنظيم الذي يحكم المجتمع

والدولة. غير أن ربطه بمسألة الأمن كثيرًا ما يثير ذلك الجدل حول علاقة الفرد بالدولة،

ومدى ضمان حقوقه وحريته وخصوصيته. يُنظر إلى إنفاذ القانون في هذه الحالات باعتباره أداة

لتحقيق الأمن والاستقرار على المستوى الداخلي للدولة (الأمن العام)، من حيث إنه يحدّد العقوبات التي تترتّب على انتهاكه (القوة القاهرة) بقدر ما تعبّر فيه الدولة عن القوة المشتركة والمشروعة التي

تستطيع حماية الكل ومنع حصول الأذى/ الضرر. وهنا تتجلّى قيمتا العدالة والحق، حين يكون الأفراد راضين عمّا يمكنهم منحه من حرية والتزام. ومع ذلك، توجد أسئلة فرعية عديدة تثيرها مسألة الحرية:

فما "مقدار" الحرية الذي ينبغي للأفراد التمتّع به – أو التنازل عنه – في سياقاتٍ مجتمعية وسياسية وأمنية ما لمصلحة النظام العام (الدولة)؟ وكيف يميل ميزان القانون بين كفتَي الفرد والدولة؟ وإذا كانت العلاقة بين القانون والدولة هي منع تعسّف السلطة الحكومية وضمان حرية الأفراد الشخصية

واحترام حقوقهم، فكيف يكون شكل القانون الذي يضمن هذه الحرية في حالات انعدام الأمن؟ بعبارة أخرى: أُّيُ قانونٍ لأيّ تعريفٍ للأمن ينبغي لنا أن نصنع؟ يزداد هذا الأمر تعقيدًا حين نتأمّل مشكلة الأمن السيبراني؛ إذ تتصارع وظيفة الدولة في تحقيق الأمن

مع حرية الأفراد في الفضاء المعلوماتي. وهكذا نجد أنفسنا أمام معضلة فلسفية تتطلب إعادة النظر في جوهر العلاقة بين الفرد والدولة، والسلطة والحرية، والفرد والمجتمع، والقانون والإرادة... إلخ، بالقدر الذي تبرز فيه الإشكالية المتعلقة بحرية الأفراد في استخدام المعلومات والولوج إلى الفضاءات السيبرانية وحقهم "الفرداني" في تحديد ما يهدّدهم وتعريف أشكال حمايتهم وأمنهم، كما تدافع عن ذلك في الأقل المقاربات النقدية للأمن، وبين ما تملكه الدولة من مشروعية في صياغة السياسات والتشريعات التي تؤطر سلوك هؤلاء. يبقى، مع ذلك، أن الغاية الجوهرية للقانون، إذا ما افترضنا تعريفه ضمن دولة القانون ومبدأ الأمن، تكمن في رؤية الدولة الواسعة للأمن باعتباره حقًا فوقيًا،

وتدافع لصالح مفهوم محدّد وضيّق لهذا الحق، ولكن من دون أن يُختزل هذا الحق في هيمنة النظام

السياسي أو الحُكم بصفة مطلقة على المصالح العمومية Public Good، بل وفقًا لمتطَّلَبات الصالح

العام. وهنا يجب أن تتّسم القوانين والتشريعات بالوضوح الأنطولوجي وبالملفوظ العمومي الصادع

(((نستلهم في هذا السياق ذلك التمييز الذي وضعه عزمي بشارة في كتابه: مسألة الدولة، كما يشرحه على الأقل في بدايات إنتاج نظرية للدولة، بين الصالح العام  General الذي لا يكون محَّدَدًا بوصفه مصالح عمومية Public إلا بصفة سلبية، أيْ بكونه ليس

خاصًا، ويفترض هذا الصالح العام حاجات عامة، مثل الحاجة إلى الأمن وحفظ الحياة، ومنع التجاوزات، وفضّ النزاعات، ومن ثم

وضع قواعد عامة مُلزمة وتشريعاتٍ وإدارة المجالات المختلفة المشتركة بين الناس وتخطيط بنى تحتية مشتركة والدفاع عن الكيان

الاجتماعي المنظم من المخاطر الخارجية من جهة، ومفهوم المصالح العمومية Good Public وأيضًا Public Interest التي تجمع

وفق مقاربته هذه بين الصالح العام القائم في أساس الدولة، والتصوّرات المختلفة للعموم ومصالحه باختلاف الأنظمة الحاكمة

وما تمثّله من أيديولوجيات وقيم من جهة أخرى. وكلما تعززت هيمنة هذه الأنظمة وتعاظمت واجباتها، ازداد تأثير الدولة، كما يتمثل

في أنظمة الحكم، في صنع المصالح العمومية وتمثيلها وفرض تصوّر لها، وذلك في مقابل تصورات أخرى مختلفة أو مضادة. لمزيد

من التفاصيل، ينظر: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.168–167

بالحق بما يضمن طابعها الكوني وعدالتها المتعالية. وهذه الدراسة تدافع عن هذه الافتراضات، وتحاجّ لأجلها من دون أن تصوغ سرديةً للحتمية الدولتية ولا تبريرًا لاستخدام ثيمة "النظام العام"

على حساب الحريات العامة والحقوق الأساسية.

أولا: في تعريف الأمن وسنّ القانون: ما بين شعور الفرد بالتهديد والتدبير الأخلاقي للدولة

قبل الشروع في تتبّع مسار هذه المناقشة وتحديد الاتجاهات التي يمكن أن تؤول إليها مسألة فلسفة

القانون وعلاقتها بتعريف الأمن وجوهره، يجب الاعتراف بوجود عائق إبستيمي ناتج من صعوبة إيجاد مساحات التقاطع والتداخل، وفحوى الارتباطات الوظيفية التي تجمع بين ثلاثة مفاهيم مجرّدة:

الدولة والأمن والقانون، يُعدّ تعريفها وتحديدها أمرًا على درجة عالية من التعقيد. ومع ذلك، يمكن

التعامل مع هذه المفاهيم وصياغة تصوّرٍ يجمع بينها ويفهم العلاقات التبادلية التي تربط الفرد بالدولة

وتحدّد شروط وجوده (الأمني) الذي ينظّمه القانون وتؤطّره السياسات العامة للدولة من حيث إنها تسعى للارتقاء بهذا الوجود إلى فضاءات الرفاهية والحرية والاستقرار والإرادة الذاتية. ذلك ما تطمح إليه هذه الدراسة، من دون أن تهمل أن مسألة سنّ القانون وتعريف نشاط الدولة تراوح أيضًا بين التعسّف في استعمال السلطة، وضمان حرية الأفراد وحقوقهم والتعبير عن إرادتهم. فمن حيث تعريف الدولة، يصعب، في الحقيقة، إيجاد تعريف خاص لها؛ ذلك أنها تعني بالفعل طائفة من الأشياء المختلفة من خلال طائفة من وجهات النظر المختلفة التي يرجع اختلاف أصحابها إلى تباينهم في الاعتماد على متغيّرات التعريف بين الشكل والوظيفة، والعلاقات بين الحاكم والمحكوم،

أو بالنظر إلى تحديد إطارها الجغرافي، وتعداد مزايا قوّتها ومسارات نشأتها التاريخية... إلخ. ومع

ذلك، يمكننا، تماشيًا مع أهداف هذه الدراسة، أن نقترح تعريفًا إجرائيًا للدولة بوصفها مجموعة من

البُنى الاجتماعية المختلفة التي تربطها علاقات مواطَنة وتنظمها قواعد قانونية. وتخضع هذه البنى

لسلطة سياسية تمتلك قدرة مؤسسية ووسائل قهر شرعية وسيادية داخل حدود جغرافية محددة، وتتمثل وظيفتها في تحقيق الأمن والرفاه والمنفعة لهذه البنى كلّها. أما من منظور فلسفة القانون، فهي تعَّرَف بوصفها فكرًا استفهاميًا عن القانون والدولة كما قال بذلك

ألبرت بريمو Albert Brimo (990–19141)، وهي كما أوضح الفيلسوف القانوني هربرت هارت Herbert Hart (992–19071)، متضَمَّنة ومبنية في "نظام "قواعد أولية وثانوية" التي تحكم المجتمع

وتحافظ على النظام من خلال التهديد واستخدام القوة القهرية. فالدولة، من هذا المنظور، هي السلطة السياسية العليا التي تُنشئ النظام القانوني وتنفّذه داخل حدودها. وإذا كان موضوع فلسفة القانون هو صورة، كما يقول بذلك هيغل، بمعنى مفهوم القانون وتحقيق هذا القانون، فإنّ صورته هنا تتجلّى في فلسفة

(((كوِل ن هاي ومايكل ليستِر وديفيد مارش، الدولة: نظريات وقضايا، ترجمة أمين الأيوبي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.27 (((فايز محمد حسين، فلسفة القانون (القاهرة: دار المطبوعات الجامعية، 2007)، ص.13

(4) Herbert Hart, The Concept of Law (Oxford: Oxford University Press, 1961), pp. 89–90.

الأمن التي تتحدّد بتمّثلّات أمن الدولة والفرد؛ وبوصفها، كما يقول جيف هويسمانز Jef Huysmans، "مجموعة من الافتراضات الأنطولوجية والإبستيمية التي تشكّل فهم التهديدات الأمنية والاستجابات المناسبة لها". وإذا كانت الدولة هي الحقيقة الواقعية العليا ومؤسسة أخلاقية ترعى المواطنين وتسير بهم نحو الخير العام، فإنها في جانب آخر تضع القانون الذي ينظّم الحياة العامة ويتحرك بوصفه فكرةً شاملة

تقوم على الحق والعدالة والمساوة والفضائل الإنسانية؛ وعلى تحديداتٍ شرعية جزئية تتحقّق بالفعل في الواقع. وفي هذه الحالة، يكون "الحد الأدنى لمحتوى القانون الطبيعي هو المتطَّلَب لمَا يكون لدى البشر

احتياجات أساسية معيّنة، مثل الأمن الشخصي، إذا كان لأيّ مجتمعٍ أن يستمّر"ّ. وإذا كان مفهوم الحق هو الإرادة، أو تجسيد الإرادة، فالأمن يصوغ جوهره، في علاقته بالقانون، بوصفه تطبيقًا للعدالة الإرادية. ومع ذلك، يبقى النقاش حول جوهر ما تقوم عليه إرادة الحرية هذه وحول وظائفها ومصدرها بين الفردي والجماعي وبين المدني والسلطوي. وإذا ما آثرنا الميل إلى لغة هيغل، فإنه يوجد تكامل للقانون الموضوعي مع الحرية الذاتية. مع العلم أنه هو نفسه يفرّق بين

فلسفة الحق التي تنتمي إلى عالم المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية، وأن الحق المجرّد موجود

في الفعل نفسه وليس نتاجًا للتاريخ (إذا ما أصبح وضعًّيًا يتحوّل إلى قانون)، وما بين القانون بوصفه

الجانب الوضعي لفكرة الحق، وهو عقلانٌّيٌ ذلك أن ما هو عقلٌّيٌ متحَّقَقٌ بالفعل، وما هو متحقّق

بالفعل هو عقلي. غير أن ما يثير الإشكالات في الوقت الراهن، بخصوص تعريف القانون الذي يحقّق الأمن ويؤطّره، هو مدى توافق "العقلانيات" الناظمة لتلك التعريفات المتباينة عن القانون والأمن؛ بين عقلانية الدولة بوصفها كليّة يُمثل السلام والطمأنينة الخير الأسمى الذي تتطلّع إليه

إرادتها العقلانية هذه وأن مسؤولية هذه الإدارة للمخاطر تبقى على عاتق الحكومة، وبين عقلانية الأفراد بصفتها عقلانيات مجَّزَأة تنتظم بإرادتها الواعية لتشكيل الكلّي والجمعي والمشترك. إذًا، يبقى ما يحرّك النقاش ضمن هذه الإشكالية هو تحديد المصدر في جوهر الأخلاق التي تُترجم في شكلها

الواقعي إلى قانون: أتقوم في الدولة أولًا (أو هي التي تعرّفها – أي الأخلاق – بكل ما يؤول عن ذلك

من علاقاتٍ سلطوية)، أم أنها في الأفراد، على أن ينتقل مضمونها من الجزئي إلى الكلي؟ نتيجةً لذلك، فإن وظيفة القانون هنا هي في ذلك التجسيد الواقعي والاستقرار النظري، اللذين يُترجمان في

الواقع بصفتهما إلزامًا للطرفين واتفاقًا بينهما على شكل التنظيم والعدالة والحق. أما من حيث تعريف الأمن، فيبدو جلًّيًا أنه باتت تسيطر على تعريفه ومفْهمَته في وقتنا الراهن ما يُسمى

"الدراسات النقدية للأمن" Critical Security Studies التي تعِّرِف أمن الأفراد بصفته تحررًا/ انعتاقًا

Emancipation من التهديد، والتي ترى أن موضوع الأمن يجب أن يتركّز على الفرد وليس الدولة؛ ذلك أن التهديدات التي تمسّ الفرد وحريته ليست هي نفسها التهديدات التي تمسّ الدولة؛ إذ

(5) Jef Huysmans, "The Question of the Limit: Desecuritization and the Aesthetics of Horror in Political Realism," Millennium: Journal of International Studies , vol. 27, no. 3 (1998), pp. 571–572. (6) Hart, p. 189.

(((عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل (القاهرة: دار الشروق، 9961)، ص.86

"بدلًا من ربط أمن الفرد بأمن الدولة (كما في النظرية الواقعية)، يوضح التركيز على أمن الأفراد الأشكال التي قد يتناقض فيها هذا الأمن مع ادعاءات أمن الدولة. ويؤدي جعل الأفراد موضوعًا للأمن إلى فتح الكرة الصلبة للدولة، ووضعها أمام الفحص النقدي، حيث تؤدي ضرورة حماية الأفراد إلى التركيز على حقوق الإنسان الفردية، وترقية حكم القانون وحماية الأشخاص من بعضهم، ومن مؤسسات الدولة الُّلُصوصية. وهكذا ينتقل التركيز إلى الأمن الشخصي بالتركيز على حقوق الأفراد ضد دولهم في عدّة مجالات، منها:

الحرية من التعذيب، أو السجن الخاطئ، أو الحماية من العنف والتجريد اليومي" (وفي مراتٍ عديدة تَفهم هذه الدراسات الأمنَ المجتمعي والأمْننة بوصفهما قيمتين مجتمعيتين، تتشكلان ضد تدخل الدولة

التي قد تكون هي أيضًا مصدرًا للتهديد وانعدام الأمن)؛ وأن الأمن الإنساني هو تحررٌ من الخوف وأمنٌ من

الحاجة وضمانٌ لحقوق الأفراد وحمايةٌ لحياتهم الخاصة. وبحسب أنصار هذه المدرسة، يجب أن يكون موضوع الدراسات الأمنية النقدية انعتاق الأفراد من مصادر الاستبداد والبنى المجحفة القائمة في النظام السائد (الممثّل في مؤسسة الدولة). ويمكن، في هذا الصدد، أن نستشهد بمقطع لأحد أقطاب الدراسات الأمنية النقدية وموقفه من الدولة بصفتها راعية للأمن، كين بوث Ken Booth (988–19261)؛ إذ يقول:

"إَّنَ التركيزَ على الأفراد كموضوعٍ مرجعٍ للأمن، وتعريف المفهوم كسياسة انعتاق، واتباع منهجية المسافة النقدية، كانت اللبنات الأساسية التي قامت عليها مدرسة أبريستويث للدراسات الأمنية Welsh School Security Studies. حسب أنصار هذه المدرسة، يجب أن يكون موضوع الدراسات الأمنية النقدية انعتاق الأفراد من مصادر الاستبداد والبنى المجحفة القائمة في النظام السائد (الممثل في مؤسسة الدولة) المفتاح الحارس لأمن الشعوب؛ وأهمية الدراسات الاستراتيجية، ووصف شؤون العالم 'الحقيقية'؛ والفرضيات الضمنية في الثنائيات البسيطة الكامنة في صلب العلاقات الدولية؛ والرؤية الارتدادية للطبيعة البشرية الواضحة في مواعظ الواقعية الكلاسيكية؛ والهيمنة المطلقة للبنية على الفاعل الواضحة في النيوواقعية؛ والفلسفة الوضعية غير الانعكاسية ضمنًا في الكثير من المناهج التقليدية في العلاقات الدولية".

في السياق ذاته، ترك باري بوزان Barry Buzan مع أولي ويفر Ole Wæver وجاب دي وايد Jaap de Wilde كتابًا مرجعًّيًا عنوانه: الأمن، إطارٌ جديد للتحليل Security: A New Framework for

Analysis، وقد شدّدوا فيه على أهمية إدماج المكوّن الاجتماعي في تعريف مسألة الأمن، ومراجعة

الأطروحات المتعلقة بمركزية المكوّن العسكري والدولة لمفهمة الأمن، وانتقدوا فيه الدراسات

الأمنية التقليدية التي تقوم على المركزية الدولاتية للأمن والمتمركزة حول القوة والنزعة العسكرية. لذلك، يشكّل توسيع مفهوم الأمن إلى قطاعاتٍ أخرى وتعميقه، ليكون الفرد موضوعه، خطوةً أساسية

(((سيد أحمد قوجيلي، الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن (عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2014)، ص.32 (((المرجع نفسه، ص.33 (1((المرجع نفسه، ص.36–35

(11) Barry Buzan, Jaap de Wilde & Ole Wæver, Security: A New Framework for Analysis (London: Lynne Rienner Pub, 1997), p. 1.

لجعل مجاله يستوعب أنماطًا مختلفة من التهديدات (عسكرية وغير عسكرية) ويتجاوز أجندة الدولة في تحديد هذا المجال وتعريفه، بما في ذلك وضع معايير تمّيز بين ما هو "أمني" وما هو "سياسي" فحسب.

غير أن توسيع مفهوم الأمن إلى فضاءات ومجالات وتطبيقات أوسع قد يُفقده تماسكه الفكري، وهو

تخُّوُف لم يهمله هؤلاء الثلاثة الذين أكدوا أيضًا "وجود قلقٍ سياسي من أن السماح بتعريف الأمن خارج

القضايا غير العسكرية لتحقيق الوضع الأمني قد يكون له نتائج غير مرغوبة، وتكون له نتائج عكسية على مستوى العلاقات الاجتماعية والعلاقات الدولية برمتها". ومع ذلك، يمكننا أن نضيف أن مقترحهم النظري هذا، الهادف إلى توسيع قطاعات الأمن، لم يقدم تحليلًا شاملًا لجميع القطاعات المحتملة التي قد تظهر فيها مخاوف أمنية؛ مما قد يقيّد قابلية تطبيق مفهوم

الأمْننة، فضلًا عن التحديات العملية التي تنشأ من تطبيق إطارٍ غير محدد وواضح على سيناريوهات

أمنيّة حقيقية. وثمة مسألة أساسية أخرى، مفادها أنّ بوزان وزميليه لم يتعمّقوا في مؤلفهم الجماعي

هذا في إبراز دور التكنولوجيا والأمن السيبراني ضمن القطاعات المختلفة المقترحة لتوسيع مفهوم الأمن، على الرغم من محورية هذا الدور في تحليل الأمن، لا سيما بأبعاده المعاصرة. يضاف إلى ذلك أننا غالبًا ما نجد أن كتابات رواد هذا الاتجاه تعكف على نقد ممارسات سياسات الأمن، أو تلتفتُ بعين

ناقدة إلى نظريات الأمن الأخرى، على نحو يؤدي أحيانًا إلى نقصٍ في الحوار مع وجهاتِ نظر مختلفة

أو جماهيرَ متنوعة، بل حتى في مجالات البحث الأكاديمي. فقد عرقل ذلك تشُّكُل فهمٍ موَّحَدٍ لمسائل

الأمن وتعريفاته، وتبلوُر حلولٍ عملية وإجرائية فعّالة للتهديدات والمخاطر التي تمس، على حدّ سواء،

الدولة والمجتمع بسبب التناقضات التي احتوتها البحوث النقدية المتعلقة بالأمن.

(12) Ibid., p. 2.

(1((أهمل بوزان قضية الأمن السيبراني وتطور التكنولوجيات موضوعًا أساسيًا في نقديته الأمنية، على الرغم من شمولية هذا

المعطى لكل القطاعات المدنية والعسكرية التي كان قد اقترحها في مشروعه لمفهوم الأمن الموَّسَع. ولا نجد هذا الاهتمام حتى في

كتاباته المعاصرة (إذا ما كانت هناك حجة تقول إن كتاب الأمن: إطارٌ جديد للتحليلصدر في عام  9971، في وقت لم تبرز فيه بعد

المناقشات الجدية حول الأمن السيبراني). للتحُّقُق ولمزيد من التفاصيل، ينظر كتابات بوزان الأخيرة عن الأمن العالمي والعلاقات

الدولية (ما نلاحظه كذلك هو أن بوزان بدأ يترك شيئًا فشيئًا مشروعه المتعلق بالأمن النقدي ليركز على حوارات ونظريات العلاقات

الدولية، والمدرسة الإنكليزية، والصين، والمجتمع العالمي):

Bary Buzan, "Rethinking Security after the Cold War," in: Michael Sheehan (ed.), National and International Security (London: Routledge, 2000); Barry Buzan, Making Global Society: A Study of Humankind Across Three Eras (London: Cambridge University Press, 2023); Barry Buzan & Amitav Acharya, Re–Imagining International Relations: World Orders in the Thought and Practice of Indian, Chinese, and Islamic Civilizations (London: Cambridge University Press, 2021); "The Transformation of Global International Society and the Security Agenda: Interview with Professor Barry Buzan," Security and Defence Quarterly , vol. 30, no. 3 (2020), pp. 7–14; Barry Buzan & Lene Hansen, The Evolution of International Security Studies (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Barry Buzan & Ole Wæver, Regions and Powers: The Structure of International Security (Cambridge: Cambridge University Press, 2003); Barry Buzan & Ole Wæver, "Macrosecuritisation and Security Constellations: Reconsidering Scale in Securitization Theory," Review of International Studies , vol. 35, no. 2 (2009), pp. 253–276.

وخلافًا لذلك، نجد زميله أولي ويفر Ole Wæver، وهو أحد رواد المدرسة النقدية للأمن، قد ترك بعض المناقشات في قضية الأمْنَنة

والأمن السيبراني، ومنها:

Ole Wæver, "Artificial Intelligence and Security: A Critical Perspective," International Relations , vol. 32, no. 3 (2018), pp. 289–308; Ole Wæver, "Securitization and Desecuritization in the Age of Artificial Intelligence," Security Dialogue , vol. 50, no. 5–6 (2019), pp. 437–452.

عمومًا، فإن المفهوم المركزي الذي يقوم عليه الأمن النقدي هو الانعتاق أو التحرر، الانعتاقٌ من

القيود والرعاية والسلطة والنظام؛ وكما يقول كين بوث الذي سكّ هذا المفهوم: "'الأمن' يعني غياب التهديدات؛ أما التحرر فهو تحرير الناس (أفرادًا وجماعات) من تلك القيود المادية والبشرية التي تمنعهم من تنفيذ ما يختارون القيام به بحرية". والأمن، في هذه الحالة، هو عمليةٌ خطابية تسمح للأفراد بالتعبير عما يهددهم، بمعنى أنه يحمل في طياته تلك التعبيرات القائمة على الخوف من أشياء محتملة قد تكون الدولة هي مصدرها؛ "وترفض المدرسة النقدية الأمنية تعريف السياسة الذي يضع الدولة وسيادتها في مركز الموضوع، والسلطة الأخلاقية للدولة، والاعتقاد بأن الدولة ينبغي أن تكون المفتاح الحارس لأمن الشعوب". نستنتج أن الفرد يقع في صلب تعريف الأمن بدلًا من الدولة، وأنه يجب أن نضمن له قدرًا من الانعتاق (وليس الحرية) بوصفه عملية مستمرة وتقدمية وتطورية وثورية،

وبوصفه شعورًا بغياب التهديدات. ومع ذلك، يمكننا أن نلحظ تجليات المبدأ الليبرالي في هذا التعريف، من حيث تقليص دور الدولة، ومن حيث الالتزام بعمليات تحررية من كل نظامٍ وسلطة وروابطَ سلطوية خفيّة. ولربما يلتقي هذا

الطرح مع أفكار ميشال فوكو الذي يطالب ب "دولة الحد الأدنى" من السلطة والحكم، ويكون الأمن هنا أمنًا من المخاطر، و"مصلحة الدولة تكون في حدودها الدنيا داخليا"، والأمن والحرية يعنيان

حماية المصالح الفردية والجماعية ضمن ما يسميه "اقتصاد السلطة الخاص بالليبرالية" حيث وظيفة الدولة الأساسية ليست في توفير الحماية على المستوى الخارجي، أي في علاقتها بالدول الأخرى، بل على مستوى داخلي للتحكيم الدائم على حرية الأفراد وأمنهم، أمنهم من مخاطر الليبرالية التي تعني "العيش في خطر" بما يستدعي، ضمن إطار "الفن الجديد للحكم"، تربيةً كاملة على الخطر ونشر ثقافة الخطر. ولكن ألا تُعيدنا حالة الخوف هذه، التي يجب تأمين النفس الفردية منها، إلى فلسفة

توماس هوبز، حين يعتبر أن الدولة نموذج مؤسساتي لوضع نهايةٍ لحالة الخوف، وأن الدولة تُبنى على الخوف وعلى القانون؟ أتحتاج الدولة إلى عامل الخوف لتبرّر شرعيتها فحسب، أم وظيفتها أيضًا؟

من جانبٍ آخر، ثمّة من يعتقد أن هؤلاء الباحثين النقديين، على الرغم مما قدّموه من وعود، فشلوا في

تزويدنا بتفسيرٍ معقّد ومقنع لسياسة الأمن أو أخلاقياته، وهو اعتبار يدفع هؤلاء إلى التساؤل عمومًا:

هل نحن في حاجة إلى "دراسات أمنية نقدية"؟

(14) Ken Booth, "Security and Emancipation," Review of International Studies , vol. 17, no. 4 (1991), pp. 313–326.

(((1 قوجيلي، ص.36–35 1(((ميشيل فوكو، السياسة الحيوية، ترجمة الزواوي بغورة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2018)، ص.54 (1((المرجع نفسه، ص 93–90؛ يتعَّمَد الفكر الليبرالي في كل مرة تأكيد مفهوم الخطر بوصفه حالة طبيعية ملازمة للرأسمالية ولليبرالية،

وأنه يجب التكيّف مع هذا الخطر والوعي به، وذلك من دون أن يطرح مساءلة صريحة حول أزمة الليبرالية والرأسمالية وأزمة البناء

الفرداني للحياة البشرية. لذلك كان اختراع "الحد الأدنى من المخاطر" نوعًا من الحيلة المفاهيمية لتجنّب الاعتراف بمخاطر الرأسمالية

الليبرالية وأنه على الدولة في كل سياق إدارة هذه المخاطر وتحقيق الأمن مع ضمان الشروط التي يستمُّرُ فيها النشاط الرأسمالي وتُضمن

فيه الحرية الفردية. يمكننا أن نحيل في هذا الموضوع إلى مؤلف مهمّ كتبه الاقتصادي يانيس فارافاكيس. ينظر: يانيس فارافاكيس،

المينوتور العالمي: أمريكا وأوروبا ومستقبل الاقتصاد العالمي، ترجمة عماد الأحمد (ميلانو: منشورات المتوسط،.)2016

(18) Christopher Browning & Matt McDonald, "The Future of Critical Security Studies: Ethics and the Politics of Security," European Journal of International Relations , vol. 19, no. 2 (2013), pp. 235–255.

في الواقع، تنطلق هذه الدراسة، على عكس ما تقدمّه هذه الفلسفات النقدية، فتقول إن أمن الفرد

لا يكون إلا بضمان أمن الدولة والعكس صحيح أيضًا، وإن العلاقة تكاملية وليست صراعية أو تقابلية

بين ذاتٍ وموضوع. ففكرة الخوف المقترحَة ضمن هذا الإطار النقدي تقوم على الشعور الذي يقيم

الحَّقَ على اقتناع ذاتي، ويمكننا تحليل هذا المبدأ استنادًا إلى فكرة هيغلية تقول إن "ما يتخذه الحق

بوصفه واجبًا وقانونًا كأنه حرف ميت وبارد وقيد من القيود. فهذا الشعور لا يتعَّرَف على نفسه في

القانون، وبالتالي لا يعرِف أنه حٌّرٌ في مجال القانون هذا؛ لأن القانون هو العلّة العاقلة لكل شيء،

ولا يسمح العقل للشعور بأن يجد لنفسه الدّفء في أعماق قلبه الخاص". فتشريع القانون، وفق فلسفة الأمن المبنية على الشعور الذاتي، يعني أن العملية لن تخضع لمنطق عقلي، بقدر ما ستتحدّد وفق اعتبارات نفسية ومزاجيات سيكولوجية واجتماعية. ولكن ما يجمع بين هذين المنطقَين في التشريع هو كون القانون جزءًا من الإرادة والحرية والروح الواعية. أضف إلى ذلك أنه لا يمكن

معالجة إشكالية الأمن من خلال المناقشة الفلسفية والتجريدية، بل كذلك ضمن الرهانات والصراعات وعلاقات القوى والتوازنات القائمة بين الفواعل المختلفة. وإذا كانت الدولة بمقتضى العقد الاجتماعي هي استعداد البشر للتخلّي عن حقوقهم (إرادًّيًا) من

أجل السلام وتوفير الحماية والحفاظ على الذات وفق صيغٍ عقلانية وتعاقدية ليست منافية للعقل أو العدالة، فإنّ قيمة الأمن تكون تعبيرًا عن حاجة المتعاقد وتنازله عن حقوقه. وبالقدر نفسه يكون

القانون تعبيرًا عن الأمن والاستقرار ضمن مبدأ أَّنَ زرع الخوف من العقوبة لمن ينتهك القواعد هو

سبيل إلى النظام والانتظام والأمان. أما من حيث ما تطرحه الفلسفات النقدية بخصوص الأمن، فمشكلتها هي في الوصول إلى تعريفات كليّة تجمع التناقضات والتفكك في الرؤى كما تشترط

ذلك فكرة الحق، بل سيصنع إخضاع الحالة الأمنية لمحدّدات عاطفية وفردية لوضعياتٍ لاأمنيّة إطارًا

قانونًّيًا يكون معَّرَفًا بالظروف والسياقات الراهنة والمتغيّرة، من دون البحث عن شروط استمرارية

القانون المعيارية، ذلك أن مسألة الأمن ستبقى خاضعة لإدراكٍحسيّ بدلًا من مناقشتها وفق التصوّر

الشامل لفكرة الأمن في مداها العقلي والأخلاقي المثالي والأبدي والجمعي؛ ثم إنّ تشريع القوانين

سيعرف تعقيداتٍ أخرى بين جدلية المعنى القانوني والمفهوم السياسي من جهة، ومعنى الأمن من جهة أخرى؛ فضلًا عن أنه لا يكون في وسع النظام الاجتماعي، وفق هذه المقاربات النقدية، تنظيم نفسه أمام العقلانيات الفردانية (التي هي في الواقع عقلانياتٌ فردية وفي غالب الأحيان صراعية وتنافسية، على عكس ما تصوّرها هذه الفلسفات من أنها عقلانيات تعاونية ومنسجمة)؛ ف "لو صارَ أن

حالات الشعور والوجدان والإلهام قد حَّلَت محل القانون لأصبح من الممكن عندئذٍ تبرير أيّ جريمة

بالمعتقدات والاقتناعات الذاتية للمجرم أو 'نواياه الأخلاقية"'. علاوةً على ذلك؛ إذا كان تحديد اللاأمن ينبع من شعور الذات الفردية وحريتها من خلال الانعتاق،

فإن تعريف قانونٍللأمن وفق هذا المفهوم سيضعنا أمام إشكالية تعريف القانون ذاته بوصفه الحد

1(((هيجل، أصول فلسفة الحق، ص.70 ((2(المرجع نفسه، ص.19

من حرية الفرد بما يتوافق وحرية الآخرين وفق قانون كلّي يمثل أحد أوجه الممكن؛ ف "كل مجال يوجد فيه القانون هو مجال للحرية المتحقَّقَة بالفعل". زيادةً على ذلك، بدلًا من أن تكون الحرية الموضوع الأساس لدستورية القوانين، يكون الأمن والأمان موضوعها؛ إذ إن تحديد الأفراد للتهديدات الأمنية والمخاطر أو لحالات الخوف النفسية والعاطفية يكون في شكله الكلي غير واضح ومُجتزأ ليكون في وسعه إيجاد الصورة الأخلاقية الكاملة المجَّسَدة في إرادة القانون، أي قانون الأمن. ولأن الدولة – بلغة هيغل دائمًا – هي الواقع الفعلي للصورة الأخلاقية، بمعنى الروح الأخلاقية من حيث إنها إرادة جوهرية واضحة لنفسها، وتفكّر في نفسها، وتعرِف نفسها، وتنفّذ ما تَعرف بالقدر الذي به تُعرف، فإن تحديدها لتعريف الأمن وسياساته يكون قائمًا في الأخلاق، ووجودها غير المباشر يكون في نشاط الفرد واقتناعه وحريته في ذاته.

ثانيًا: الأمن السيبراني والدور الحيوي للدولة

لتقديم مثال تطبيقي بشأن هذه المناقشة الفلسفية حول القانون والدولة والأمن، ستتطرّق الدراسة إلى علاقة القانون بالأمن السيبراني Cybersecurity، وهو موضوع كثيرًا ما تُثار فيه مسألة حقوق الأفراد وحرياتهم في مقابل تدخّل الدولة وسطوة التشريعات القانونية حين تُقَلَّص الحريات باسم تحقيق "الأمن". فما بين تعزيز أمن الأشخاص وضمان حريتهم وحقوقهم في الخصوصية، غالبًا ما يُنظر إلى تشريعات "الأمن السيبراني" على أنها "ساحة المعركة الجديدة" لحقوق الإنسان، بالقدر الذي تبرز فيه الرهانات والاختلالات في تحديد ما هو "مدني" وما هو "أمني" أو "عسكري"، فضلًا عن إشكاليات تداخل الوظائف بين القوى الأمنية والقوى القضائية التي تَعتبِر من جهتها أن الهيئات الُّشُرطية ليست هيئات قضائية. وإنه ليَروق في هذا الصدد أصحاب المقاربات النقدية للأمن تأكيد أن توسيع الدول لصلاحياتها في تطبيق الأمن السيبراني من شأنه المساس بالحريات المدنية وتمديد السيطرة الحكومية باسم الصالح العام والسيادة. ولكن إذا كانت هذه المقاربات

((2(بدوي، ص.20 ((2(يمكن، من باب الحصر، أن نحيل إلى ما كتبه أولي ويفر في بعض مقالاته التي أشرنا إليها سابقًا. ففي دراسة له بعنوان: "الذكاء

الاصطناعي والأمن: مقاربة نقدية" Artificial Intelligence and Security: A Critical Perspective" "، يدرس تأثير الذكاء الاصطناعي

في الأطر الأمنية التي محورها الدولة، ويجادل بأن هذا الذكاء لديه القدرة على تعطيل المفاهيم التقليدية المرتبطة بسيادة الدولة والسيطرة على الأمن. فيناقش كيف أنّ الذكاء الاصطناعي يمكنه تمكين الجهات الفاعلة غير الحكومية وتحدي احتكار الدولة

للعنف. ويستكشف أيضًا آثار الذكاء الاصطناعي في المهمات المتعلقة بدولة المراقبة وبالتآكل المحتمل للحريات المدنية. تدعو

دراسته هذه إلى إعادة تقييمٍ نقدي للمناهج الأمنية التي تركز على الدولة فاعلًا محورًّيًا في عصر الذكاء الاصطناعي. ومن المنطلقات

نفسها، يبحث ويفر في دراسة أخرى بعنوان: "الأمْنَنة وإزالة الأمْننة في عصر الذكاء الاصطناعي" " Securitization and

Desecuritization in the Age of Artificial Intelligence" كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في عمليات الأمْنَنة وإزالة الأمننة داخل

الدولة. ويرى أن الدولة يمكنها استخدام هذا الذكاء لإضفاء طابعٍ أمنٍّيٍ على بعض القضايا وتأطيرها على أنها تهديداتٌ وجودية

تتطلب اتخاذ تدابير استثنائية، بما يزيد من مراقبة الدولة وسيطرتها. وفي مقابل ذلك، يستكشف أيضًا إمكانات الذكاء الاصطناعي

لتسهيل إزالة الأمننة من خلال تحدي "الروايات الأمنية الراسخة" وتعزيز الأطر البديلة، والانخراط في تحليلٍنقديّ في إمكان الذكاء

الاصطناعي تشكيله حول ممارسات "أمن الدولة" وخطاباته.

تقول إن الأمن يقوم على مبدأ قدرة الأفراد على تحديد المشكلة الأمنية، أو على (كما تطالب بذلك مدرسة كوبنهاغن) التكُّلُم (الفعل الخطابي) على ما يهدّدهم (وتلك وظيفة لا تخصّ الدولة)، فإن الأفراد وهم يستخدمون الوسائط والتقنيات الإلكترونية (يتكلّمون ويتواصلون) غالبًا ما يجهلون التهديدات التي تعترضهم داخل المجال السيبراني، لا سيما أن أغراض هذا المجال وأهدافه ترتبط أساسًا بأهداف الدول وصراعها في حقل العلاقات الدولية أكثر من ارتباطها بنشاط الأفراد اليومي وسلوكياتهم الفردية. وهو الأمر الذي يجعل الدول تضع القوانين وتسُّنُ التشريعات التي تضمن حمايتهم في أتون هذه الصراعات، بما في ذلك توفير المعدّات والأنظمة التي تحمي المستخدمين وتحمي سرية الأصول المعلوماتية وسلامتها ضد التهديدات الداخلية والخارجية. وفي هذه الحالة، لا يكون القانون (المتعلق بالأمن السيبراني) تعبيرًا عن أمر السيادة أو إرادة السلطة العليا في الدولة فحسب، بل بوصفه ضمانًا لحرية الأفراد وحماية خصوصياتهم وبياناتهم وحقّهم في الحياة الخاصة والآمنة أيضًا. قد يبدو ملائمًا أن نعالج قضية الأمن السيبراني هذه، عَّلَها تكون مصداقًا لما تمّت مناقشته في الأجزاء

السابقة من حيث قيمة نشاط الدولة في تحقيق الأمن وسنّ القانون المعتمِد في فلسفته على الرؤية الكلية للدولة (وتلك وظيفةٌ عادة ما توكل إلى وزارة الداخلية أو الهيئات الاستخباراتية أو أجهزة خاصة في القضاء. وفي غالب الأحيان، يوجد تعاون بين جميع هذه الأجهزة) في تنظيم المجتمع بما يضمن حياة الأفراد وحريتهم وإرادتهم في عيش حياة طبيعية سليمة. ففي الواقع، لا يمكن الحديث عن أمن سيبراني للأفراد والجماعات داخل بيئة رقمية فائقة التطوّر ومحفوفة بالمخاطر من

دون أن ننظر إلى "البنية التحتية الحيوية" التي تنشئها الدول لضمان الأمن، ومراقبة السلوك، وتتُّبُع

مصادر التهديدات، وتحديد هوية المجرمين وطبيعة الإجرام. ويمكن الإشارة، فيما يتعلق بجهود الدول، إلى تأمين مجتمعاتها ورصد المخَّصَصات لتقوية بنى الأمن السيبراني والحماية الرقمية، إلى تقرير الرقم القياسي العالمي للأمن السيبراني GCI، الذي يصدره كل سنة الاتحاد الدولي للاتصالات، لقياس الالتزامات التي قطعتها دول العالم في مجال الأمن السيبراني، من خلال خمسة تدابير، هي: القانونية التي تقيس مختلف التشريعات الخاصة بالأمن السيبراني والجريمة الإلكترونية؛ والتقنية من خلال القدرات التقنية للوكالات والقطاعات المتخصصة؛ والتنظيمية التي ترصد الاستراتيجيات والمنظمات الوطنية الخاصة بالأمن السيبراني؛ وتنمية القدرات بقياس حملات التوعية والتدريب والتعليم وغيرها؛ والتعاون أي قياس الشراكات والتعاونات مع الشركاء والبلدان الأخرى. ويذكر التقرير الرابع الصادر في 2020 أن العديد من الدول قد سنّت تشريعاتٍ خاصة بالإخطار بالخرْق والنّفاذ غير القانوني وسرقة الهوية والسلوك المعادي للمجتمع والتحُّرُش

عبر الإنترنت وحماية الخصوصية والبيانات والاستجابة للحوادث الحاسوبية وغيرها. فقد وقّع 331 بلدًا على لوائح حماية البيانات والخصوصية، وهناك 15 بلدًا في طور الصياغة، و 46 بلدًا ليست لديها لوائح. وقد حدّثت بلدان كثيرة لديها لوائح قانونًا معمولًا به في تشريعاتها لتجسيد

الاتفاقات والقواعد الجديدة. ويضيف آخرون أن الدول يمكنها التعامل مع تهديدات الذكاء الاصطناعي، من خلال التعُّرُف إلى الأسواق عبر الإنترنت ومراقبتها لأدوات القرصنة، وإنشاء أدوات أمنية جديدة، وتدريب الموظفين والمستخدمين، وتحديث الأنظمة، والعمل مع جهات إنفاذ القانون. ولا ننسى أن 98 في المئة من المواقع الإلكترونية الحكومية تستخدم تشفير SSL لنقل البيانات ونشر بيانات سياسة الخصوصية والأمن، على الرغم أن نصفها فقط يبيّن بوضوح الإجراءات الأمنية المتخذة. ويمكننا، في هذا الصدد، أن نستشهد بما طرحه ديفيد أوماند David Omand في كتابه حماية الدولة الذي يطوّر فيه فكرةً نوعية تقول إنه "ينبغي تعريف الأمن القومي اليوم بأنه حالةُ ثقةٍ من جانب المواطن بأن المخاطر التي تهدّد الحياة اليومية، سواء أكانَ مبعثُها تهديدات من صنع الانسان أم أخطارًا غير شخصية، تجري إدارتها على نحوٍ ملائم ما دام هناك ثقة باستمرار الحياة الطبيعية". ينبّه أوماند إلى ضرورة انخراط الدولة في مساحات تشاركية مع مواطنيها بصيغ تشاركية وتفاعلية وتعاونية ضمن نمط جديد من الدور الحمائي يسميه "الدولة الحامية الجديدة" التي ينبغي فيها السعي لإيجاد مشاركة فعالة من جانب الأفراد والمجتمعات المحلية والشركات للحد من المستوى العام للمخاطر. وقد عدّد، انطلاقًا من تجربته حينما كان منسّق الاستخبارات والأمن في مكتب رئيس الوزراء البريطاني (2005–2002)، مجموعة من الأساليب التي تسمح بمجابهة المخاطر؛ ضمن أدوار يمكن أن تؤديها الدولة في علاقتها التفاعلية بمواطنيها، وضمن إطار تفعيل البنية التحتية الوطنية الحيوية، ويشمل ذلك:.1 تعزيز قدرة المجتمع على المقاومة وامتصاص الصدمات المشِّوِهة والتعافي. 2. القدرة على المقاومة القابلة للتكيّف، على نحو يُفَعَّل فيها الجانب النفسي للتكيّف والتعلّم من التجارب السابقة، ضمن مسار جيل ثالث من هذه القدرة.

((2(الاتحاد الدولي للاتصالات، "الرقم القياسي العالمي للأمن السيبراني لعام 2020: قياس الالتزام بالأمن السيبراني"، شوهد في

2024/10/4، في: https://2u.pw/RoJB9Y (24) Alex Mathew, "Cybercrime–as–a–Service & AI–Enabled Threats," International Journal of Computer Science and Mobile Computing , vol. 12, no. 1 (2023), pp. 28–31. (25) Jensen Zhao & Sherry Y. Zhao, "Opportunities and Threats: A Security Assessment of State E–Government Websites," Government Information Quarterly , vol. 27, no. 1 (2010), pp. 49–56.

(2((ديفيد أوماند، حماية الدولة، ترجمة عمرو المّلا ح، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص.140 ((2(المرجع نفسه، ص.145 ((2(المرجع نفسه، ص.158–140 ((2(يؤكّد أوماند ضرورة الانتقال من طابع البنية التحتية الحيوية الوقائي إلى مقاربة كلّية يكون محورها المواطن التي يرى أنها تقع

في صلب النهج الحديث للتعامل مع قضايا الأمن القومي.

3. دفع تكلفة أمن البنية التحتية الوطنية من خلال الإنفاق العام للدولة التي تستطيع من جهتها أن تنظّم هذا الإنفاق، وأن تجد صيغًا ملائمة لإشراك القطاع الخاص وإيقاظ قدرته على المقاومة فيما تعلّق بمسائل الأمن والحماية، إضافة إلى "مهمّة الحكومات في التنظيم، سواء من طريق

التشريع العام أو التنظيم الخاص بقطاعات محددة"، وكذلك إيجاد دعمٍ مالٍّيٍ ومِنحٍ مباشرة

للشركات؛ فضلًا عن تسخير التكنولوجيا المطَّوَرة من القاعدة الصناعية الدفاعية لأغراض مدنية. انطلاقًا من ذلك، يأتي موقف هذه الدراسة في اتجاه عكس الأطروحات التي تضع الفرد، أو حرية الفرد وأمنه، في مقابل الدولة (لا سيما في تلك الوضعيات التي تنتج عما يسمى "حالة الطوارئ" أو ضمن ما تطرحه نظريات "الدراسات الأمنية النقدية")؛ إذ إنها تحاول إثبات أنّ أمن الفرد لا يتحقّق إلا في ظل دولة قوية ونظام تشريعي يضمن حقوق الفرد بوصفه كينونة داخل الدولة (وليس ضمن نظام طبيعي عفوي فحسب كما يقول بذلك أصحاب القانون الطبيعي). وهو أمرٌ على عكس

موقف الاتجاه الليبرالي الذي غالبًا ما يفهم حرية الأفراد بوصفها ممارسةً غرضُها الحدّ من السلطة

أو الحكومة وتدخل الدولة، من دون أن يتساءل هذا الاتجاه عن المخاطر التي تُنتجها ديناميكية الرأسمالية وتُنتجها "دولة الحد الأدنى" والنزعة النيوليبرالية. فإذا كان فوكو يعتبر أن الليبرالية هي "العيش في خطر"، أليسَ معنى ذلك تلازُم الحرية والأمن؟ ألا نكون – وهذا من المفارقة

والتناقض – ضمن إطارٍ شبيهٍبذلك الذي وضعه هوبز من حيث إن الدولة هي نموذج مؤسساتٌّيٌ

لوضع نهايةٍ لحالة الخوف، إذ هي تُبنى على الخوف وعلى القانون؟ ومع ذلك، يمكننا أن نؤكد في هذا الصدد أن البناء الأنطولوجي للمفاهيم يحدّد بناءها الواقعي، وأن صياغة القانون المرتبط بأمن

الأفراد يمرّ أولًا بتحديدٍ لمفهوم الأمن والدولة، وبمدى فهم تفاعلية الفرد وصون الحرية والعدالة،

وأنه داخل هذا التحديد الليبرالي تكمن تعقيدات جمّة بسبب خبايا الانتقال من المستويات النظرية

إلى المستويات التطبيقية، ونتيجةً لصعوبة ترجمة هذه القيم الأخلاقية الفردانية المتباينة إلى قوانين كلية بوصفها تجسيدًا للممكن والمتاح. يبقى في كل ذلك أن الدول أقوى من عمالقة التكنولوجيا الرقمية؛ إذ إنها لا تزال تضمن أمنَ عددٍ كبير جدّا من الأفراد، مقارنة بكل التدفّقات الهائلة الخطرة التي يغرقون فيها، بما في ذلك تشريع القوانين الخاصة ب "الرقمي" وتحديد المسؤوليات الاجتماعية عن استخدام الوسائط أو ممارسة التضليل الإعلامي؛ ويشمل ذلك تنظيم منتجات الفضاء السيبراني، وتعريف حرية التعبير، ومنع الاستغلال الجنسي الرقمي واستهداف الصغار بالأفلام الإباحية، وكل ذلك من خلال غلق المواقع الإلكترونية الخطرة وتتبع جغرافيات الفواعل الرقمية وتحديد عنوان بروتوكول الإنترنت IP والبحث في مصادر هذه التدفّقات؛ على مستويات وطنية أو عالمية. ومن شأن البنى التحتية السيبرانية المتعلقة بالحماية والأمن التي تملكها الدول، والتي عادةً ما تكون وظائفها ومعلوماتها سرية وغير متداولة،

((3(المرجع نفسه، ص.156

(31) Emanuel Gavard & Gilles Wybo, "Les Etas sont plus forts que les géants du numérique," Stratégies , 8/6/2023, accessed on 7/10/2024, at: https://bit.ly/3zPtXhc

امتلاكُ فكرةٍ واضحة وكاملة عن مفهوم الأمن، وعن قانون الأمن، على نحو أكثر مما هو موجود لدى

مختلف التركيبات الاجتماعية، والتي تكون، في أغلب الأحيان، على درايةٍ ب "المعلن" و"الظاهر" ولا تفهم حيثيات "السرّي" و"الاستخباراتي" وفضاء الصراع وغيره من التعقيدات التي جعلت الأمن

السيبراني موضوعًا "للسياسة العليا"، بل قد يذهب بعضهم إلى حد القول إن الهجمات السيبرانية باتت تنفّذها الدول بصفة منظّمة ولم مقتصرة على المجرمين السيبرانيين، وإنه بات "في إمكان بعض الدول القومية أو الجهات الفاعلة التي ترعاها الدولة استخدام مهاجمين بالوكالة موجودين في مناطق

لا يوجد بها إنفاذُ قانونٍمناسب، وأماكن ذات هياكل حكومية ضعيفة وأنظمة مراقبة إلكترونية وطنية غير موجودة". دفع هذا الواقعُ المتخصّصين في القانون الدولي إلى مناقشة قضية "الإسناد السيبراني ومسؤولية

الدولة"، ويعني الإسناد في هذه الحالة "عملية ربط فعلٍ معيّن أو تقصيرٍ بالدولة. نحن، إذًا،

أمام صراع تماثلٍّيٍ محوره الدول، تصبح فيه الهجمات السيبرانية شكلًا جديدًا من أشكال الحرب

بين دولتين. وقد واجه المحامون الحكوميون تحديًا سواء تعلق الأمر بملاءمة الصراع السيبراني في

نموذج الحرب الحركية والصراع المسلح أو بتطوير مجموعة جديدة من القواعد السيبرانية. ومع أن هذا الميدان من القانون الدولي لا يزال يواجه عوائق وتحديات بشأن توفير الأدلة الحقيقية وتحديد

مسؤوليات الهجومات السيبرانية وِنسْبتها إلى جهةٍٍِ فاعلة وتعريف المعايير والتشريعات الدولية والتدابير المضادة التي تتكفل كُّلُها بإنفاذ القانون، فإنّ ما يبقى مؤكدًا هو أن البقاء (أو النصر) سيكون من نصيب الدولة التي جَّهَزت نفسها بإمكانات واستراتيجيات وطنية رقمية مناسبة لحفظ المواطنين والشركات والمنظمات الخاصة؛ للرد على الخصوم الرقميّين، وحماية الجميع من الاستهداف والاختراق ومن

البرمجيات الضارة والمخِّرِبة. فعادةً، لا يملك الأفراد، وحتى القطاعات الخاصة، ما يلزم من قدرات

وكفاءات لمواجهة استراتيجيات دولٍ بعينها كما تملكها المصالح المدنية والعسكرية للدولة الوطنية. أفَلمْ تتطور التكنولوجيات الحديثة داخل المخابر العسكرية والاستخباراتية؟ يتمثّل الأمر الآخر في أن استهداف الفواعل الخارجية للعديد من الشركات والأفراد عبر العالم

تٍارم يف ذخأي راص لب، اصًّاخو لازًااعنم لا جم دعي ملٍ كثيرة هدفَ الإضرار بدولٍ بعينها أو بتلك التي تفتقد البنية التحتية للأمن السيبراني، علاوة على صراعات الدول فيما بينها؛ إذ يوِّظِف بعضها

(32) Fahad Ullah Khan, "States Rather than Criminals Pose a Greater Threat to Global Cyber Security," Strategic Studies , vol. 31, no. 3 (Autumn 2011), pp. 91–108. (33) Heli Tiirmaa–Klaar, "Cyber Security Threats and Responses at Global, Nation–State, Industry and Individual Levels," Science Po & CERI (CNRS) (Mars 2011), p. 4, accessed on 7/10/2024, at: https://2u.pw/KO92Tbhu (34) William Banks, "Cyber Attribution and State Responsibility," International Law Studies , vol. 97 (2021), pp. 1037– 1072, accessed on 7/10/2024, at: https://2u.pw/ofZPk6KN; Delbert Tran, "The Law of Attribution: Rules for Attributing the Source of a Cyber–Attack," The Yale Journal of Law & Technology , vol. 20 (2018), pp. 376–441, accessed on 7/10/2024, at: https://2u.pw/BhuogacX (35) Banks, p. 1046. (36) Ibid., p. 1054.

فواعلَ غير دولاتية رقمية ضد خصومها. وتستخدم بعض الدول برامج تجسسية بالاتفاق

مع شركات دولية خاصة للتجسس على مواطني دولٍ أخرى ومسؤوليها، وذلك كما حصل مع برنامج بيغاسوس الذي أنتجته شركة إسرائيلية واستخدمته بعض الأنظمة السياسية. إن من شأن كل هذه المخاطر والتحديات أن تدفع الحكومات إلى إنشاء هيئات متخصّصة في قضايا الأمن

السيبراني وظيفتها تحديد المخاطر والتهديدات وتقييمها، ووضع الأساليب والاستراتيجيات لمواجهتها، وإعلام المواطنين بكيفيات التعامل مع الرقمنة والوقاية من التهديدات، وامتلاك الوسائل والأدوات لإجراء التحقيقات في الجرائم السيبرانية وإنفاذ قوانين الأمن السيبراني. وتقع على عاتق هذه الحكومات مسؤولية حماية قطاعات البنية التحتية الحيوية، كالصحة والتعليم والبنوك والنقل وغيرها، من الهجمات السيبرانية، بما في ذلك حماية الأصول المعلوماتية والتقنية وحماية خصوصية المواطنين من استخدامات الوسائط الرقمية المتنوعة، لا سيما وسائط التواصل الاجتماعي وفرض قيودٍ عليها. يمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى تجربة بعض الدول في تقييد استخدام وسائط من مثل فيسبوك ومسنجر وواتساب وفايبر في بعض دول الخليج وروسيا والصين وبعض دول آسيا الوسطى، وذلك بعد بروز نقاشات جادة حول مدى احتفاظ الشركات

((3(تتبادل العديد من القوى العظمى الاتهامات بشأن المسؤولية في التهديدات السيبرانية وعمليات الاختراق والتخريب الإلكتروني، مما يجعل قضية الأمن السيبراني قضيةَ صراع دولاتي وليست قضية صراع لاتماثلي بين فواعل دولاتية وأخرى غير

دولاتية، وتتكرر هذه الاتهامات بين دول مثل روسيا والولايات المتحدة الأميركية والصين وكوريا الشمالية. فعلى سبيل المثال اتّهم

الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كوريا الشمالية بمسؤوليتها عن فيروس "الفدية" Wannacry. لمزيد من التفاصيل، ينظر في الموقع الرسمي للحكومة البريطانية:

"Foreign Office Minister Condemns North Korean actor for Wannacry Attacks," Government.uk , 19/12/2017, accessed on 4/10/2024, at: https://2u.pw/u8KrdTBz;

وينظر أيضًا:

Dan Bilefsky, "Britain Says North Korea Was Behind Cyberattack on Health Service," The New York Times , 27/10/2017, accessed on 4/10/2024, at: https://2u.pw/8kj6VXSR

وقد تورّطت إسرائيل مع الولايات المتحدة في إطلاق برنامج Stuxnet لإبطاء برنامج طهران النووي. ينظر:

Brandon Valeriano & Ryan Maness, Cyber War Versus Cyber Realities: Cyber Conflict in the International System (Oxford: Oxford University Press, 2015), pp. 151–156.

كذلك، اَّتَهمت الولايات المتحدة وكندا في عام 2020 المخابرات الروسية والمخابرات الصينية باستهداف العلماء والجامعات

الغربية وسرقة بياناتها وبحوثهم الخاصة بتطوير لقاحات مضادة لفيروس كورونا المستجد (كوفيد 9–1) خلال بداية الجائحة. (3((بادرت دول كثيرة إلى ذلك سواء من حيث وكالاتٍ مدنية أو عسكرية أو مختلطة أو من خلال شراكات مع القطاع الخاص. ويمكن أن نذكر هنا من سبيل الحصر جهود بعض الدول العربية: إنشاء الدرك الوطني الجزائري ل "المصلحة المركزية لمكافحة الإجرام السيبراني"، وإنشاء دولة الكويت ل "المركز الوطني للأمن السيبراني"، وتأسيس المملكة العربية السعودية "الهيئة الوطنية للأمن السيبراني"، وقطر ل "الوكالة الوطنية للأمن السيبراني"، وفي مصر هنالك "المركز الوطني للأمن السيبراني"، وفي الإمارات العربية المتحدة أنشئ "مجلس الأمن السيبراني"... إلخ. ومن حيث المبادرات الإقليمية نذكر: الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات التي اعتمدتها جامعة الدول العربية. ((3(حين استهدفَ فيروس إلكتروني خبيث عرف ب "شمعون" مرتين شركة النفط السعودية "أرامكو" وبعض الشركات والمؤسسات

السعودية العمومية وكذلك شركة راس غاز القطرية، بادرت هاتان الدولتان من خلال وزارتي الداخلية وهيئات أمن المعلومات إلى تتبّع مصدر الفيروس والكشف عنه بما في ذلك إطلاق إرشادات وتوجيهات للمواطنين وللمؤسسات المختلفة بشأن تأمين ملفاتهم

وبياناتهم وأجهزة الحاسوب الخاصة بهم... إلخ. وفي سياقٍمتصل، بررت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تعاونها مع شركة غوغل (أي بين القطاعين العام والخاص) بغرض تأمين هذه الشركة من الاستهداف الصيني.

المسؤولة عن هذه الوسائط ببياناتٍ ضخمة عن المستخدمين، أو بنقل تلك البيانات إلى الوكالات الاستخبارية كما حصل مع تطبيقَي محرك البحث غوغل Google والشركة الحاسوبية الأميركية ياهو Yahoo مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية. ويكون على عاتق الحكومات، أيضًا تطوير استراتيجيات دفاعٍ وطنية للأمن السيبراني، والمساعدة على تطوير شركات رقمية محلية كما فعلت ذلك الصين، وقد مكّنها ذلك من أن تكون في مصاف الدول المتقدمة في أغلب القطاعات الرقمية، بل إنها، بالشراكة مع روسيا، دعمت الشركة الناشئة Megvii التي باتت تطرح منتجات مضادة لغوغل وفيسبوك وميكروسوفت، لا سيما أنها تستفيد من الولوج إلى بوابة بيانات حكومية، إضافة إلى أنّ الصين نفسها وضعت آليات تشابك مع المنصات الصينية العملاقة، ومنها: Baido و Alibaba، و Tencent، و iFlytek، و Sensetime، ودعمت تطويرها وأبرَمت تعاقدات حكومية معها متعلقة بحمايتها وتأمينها. ويأتي ذلك في سياق منافسة جيوسيبرانية مع الولايات المتحدة الأميركية التي بادرت كذلك إلى تنبيه المواطنين بمخاطر استخدام تطبيق "تيك توك" الصيني. صحيحٌ أن هذا التنافس قد يؤدي إلى ما يُصطلح عليه ب "معضلة الأمن السيبراني" The Cybersecurity Dilemma؛ إذ إن مضاعفة كل دولة لقدراتها الأمنية والدفاعية السيبرانية ترى فيها دولةٌ أخرى تهديدًا لها، فتضاعفُ هي أيضًا قدراتها الخاصة. ومع ذك، قد يخلق هذا التنافس نوعًا من "الرّدع والصدّ السيبراني"

يمكن أن يتّخذ له، كما شرح ذلك جوزيف ناي، أربع آليات: التهديد بالعقاب، والدفاع بوساطة التجاهل أو الإنكار، والتوُّرُط، ووجود محرمات (طابوهات) معيارية؛ من شأنها أن تمنع دولة ما، أو فواعل رقمية بداخلها، من المساس بدولة أخرى. وربما يكون هذا الردع ممكنًا، لا سيما مع وجود ما ذكرناه سابقًا "الإسناد السيبراني الدولي"، الذي بمقتضاه تُجمَع الأدلة عن المسؤول أولًا عن الهجوم السيبراني وتُحدّد مواقع الفواعل. وحتى في غياب الالتزام بهذه المعايير الدولية، فإنّ الدول الكبرى ما تزال غير متأكدة من عواقب الصراعات السيبرانية، وهي تخشى على نفسها من أن الهجمات السيبرانية قد تأتي

ينظر ((4:(

Barton Gellman & Ashkan Soltani, "NSA Infiltrates Links to Yahoo, Google Data Centers Worldwide, Snowden Documents Say," The Washington Post , 30/10/2013, accessed on 4/10/2024, at: https://encr.pw/FlDcD; Sam Frizell, "Google Is Making it Harder for the NSA to Grab Its Data," TIME , 7/6/2024, accessed on 4/10/2024, at: https://bit.ly/4eRXaHh (41) Cédric Durand, Techno–féodalisme: Critique de l’économie numérique (Paris: la Découverte, 2020), p. 158.

(4((مروة صبحي منتصر، "العمالقة الرقميون: أدوار المنَّصَات الإلكترونية في سياسات الصين التكنولوجية والتجارية"، دراسات

خاصة، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد  28 (شباط/ فبراير 2024)، ص 9–7، شوهد في 2024/10/7، في:

https://2u.pw/rixItGXQ (43) Ben Buchanan, The Cybersecurity Dilemma: Hacking, Trust, and Fear Between Nations (Oxford: Oxford University Press, 2016); Libicki Martin, "Is There a Cybersecurity Dilemma," The Cyber Defense Review , vol. 1, no. 1 (Spring 2016), pp. 119–140. (44) Joseph Nye, "Deterrence and Dissuasion in Cyberspace," International Security , vol. 41, no. 3 (2017), pp. 55–62.

بنتائج عكسية، وذلك بسبب خاصية أثر الانتشار Spillover Effect. وسواء وُجدت هذه المعضلة السيبرانية في السياسة الدولية، أم لم توجد كما حاولت البرْهنة على ذلك كارلي بيركمان Carly

Beckerman، فإن ما نشهده، بحسب ما تذكره، هو سباق بين بيروقراطيات الدولة حول الطرف الذي يمكن أن يُوجّه إليه أكبر قدر من الخبرات والموارد، فضلًا عن التعاون بين القطاعين العام والخاص؛

لتصحيح نقاط الضعف، وإزالة الأنظمة القديمة، وتطوير إسناد أفضل السيبرانية وتطوير آلياتٍ للنظافة السيبرانية، وتطويرِ مناهج وقواعدَ قانونية ومعايير أخلاقية لتنظيم الفضاء الإلكتروني، واعتماد ما بات يصطلح عليه ب "الأمن السيبراني على مستوى الدولة بأكملها" Whole–of–State Cybersecurity. وفي مقابلِ هذه التأكيدات المرتبطة بدور الدولة في تحقيق الأمن السيبراني لمواطنيها، تَبرز محاجاتٌ

أخرى تقول إنّ من شأن السّماح للدول والحكومات بتجميع بياناتٍ ضخمة عن الأفراد وتتُّبُع مصادر

الخطر أنْ يفضي إلى "نظامٍ من المراقبة الشاملة"، بل إنه قد يفضي إلى "المراقبة السائلة"؛ على نحو يسحق الحريات والخصوصيات ويكرّس شكلًا من "الدكتاتورية الَّرَقمية" باسم الأمن والحماية

ومكافحة الإرهاب كما شرْعَنت ذلك، على سبيل المثال، الولايات المتحدة بعد تلك الهجمات في

11 سبتمبر 2001، أو بعد ما شهدته بعض دول الاتحاد الأوروبي من هجمات وعمليات اغتيال على أراضيها، بل إنّ ذلك يهدد الديمقراطية وحرية التعبير، ويخلق نموذجًا ل "الدولة الأمنية" و"الدولة

الاستثنائية" بدلًا من "دولة القانون"، حيث يُضَحَّى بالحرية باسم حتمية الأمن. تُصبح الحريات الفردية

والعامة، إذًا، على المحكّ تحت طائلة الضرورة الأمنية، وتتسّع معها سلطات الأجهزة التنفيذية

بما يجعل الدولة قهرية، و"يحصل هناك تغيير مهم للغاية في القانون الجنائي إذ لا يكون هناك تركيزٌ على مصطلح "الذنب"، بل يُستبدل بمصطلح "الخطورة" من أجل منع السلوك "المحفوف بالمخاطر" الذي يُفهم في هذه الحالة داخل أسلوب "الاحتمالية" القائم على مجموعة من الأدلة، وعلى أفراد يفترض أنهم خطرون، وعلى اتخاذ التدابير المناسبة لمنعهم من ارتكاب الجرائم؛ واستنادًا إلى منطق "الترقّب"، يتسع ردّ الفعل الجزائي من "الجريمة المرتكبة" إلى "الجريمة التي يُخشى منها". وأكثر من ذلك، قد تطرأ تعديلات قانونية جوهرية تمسّ مبادئ دولة القانون، "إذ إن السبب الأمني يميل إلى

التأثير في العقلانية التي يقوم عليها بناء سيادة القانون. وتُترجم الضرورة الأمنية إلى تعزيز الآليات

(45) Zhou Hongren, "Strategic Stability in Cyberspace: A Chinese View," China Quarterly of International Strategic Studies , vol. 5, no. 1 (2019), p. 88. (46) Carly Beckerman, "Is There a Cyber Security Dilemma," Journal of Cybersecurity , vol. 8, no. 1 (2022), pp. 1–14. (47) Ibid., p. 11.

((4(بوصفها جزءًا من الحياة السائلة كما صاغتها فلسفة "السوائل" لزيجمونت باومان Zygmunt Bauman (2017–1925). لمزيد

من الاطلاع، ينظر: زيجمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رءوف عزت (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص.122–107 (4((مارك دوغان وكريستوف لابي، الإنسان العاري، الدكتاتورية الخفية للرقمية، ترجمة سعيد بنكراد (الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، 2020)، ص.28–23

(50) Jacques Chevallier, "L’État de droit au défi de l’État sécuritaire," in: Yves Cartuyvels et al. (eds.), Le droit malgré tout: Hommage à François Ost (Bruxelles: Presses Universitaires Saint–Louis–Bruxelles, 2018), p. 310.

القانونية التي لا تهدف إلى حماية الأشخاص والممتلكات فحسب، بل تهدف أيضًا إلى مراقبة السلوك الفردي والجماعي، خارج المفهوم التقليدي لسيادة القانون". يُضاف إلى ذلك أن الحكومات، وهي تتعرّض لتهديدات داخلية وخارجية، تعطي نفسها صلاحيات

كثيرة للاّطلّاع على خصوصيات الأفراد وتسجيل بياناتهم من دون تصريح قضائي؛ في خرقٍ لأعراف القانون الدولي وأعراف الديمقراطية، لا سيما أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد نص في مادته 71 على أنه "لا يجوز تعريض أيّ شخص، على نحوٍ تعسفي أو غير قانوني، لتدُّخُلٍ في

خصوصياته، أو شؤون أسرته، أو بيته أو مراسلاته، ولا لأيّ حملاتٍ غير قانونية تمسّ شرفه أو سمعته".

ويجعلنا هذا الواقع أمام توتّر بين الأمن القومي وما يسمى "الأمن الإنساني". وهذا التوازن، بين أمن الدولة والأمن البشري، يُغَلَّف بدقة ضمن التوتّر الرئيس في قلب الأمن السيبراني، على الرغم من أن

الحتمية الثالثة لما يمكن أن نسميه "الأمن الخاص" – أمن الشركات والشركات الخاصة – تضاف إلى هذا المزيج. ومن شأن التعسّف السلطوي في مراقبة البيانات والخصوصيات أن يخلق حالة من

"اللاأمن" بدلًا من تعزيز "الأمن". ويكون الرهان هنا في مسألة التوافق بين دولة الاستثناء وسيادة القانون، بين تلك العلائقية الموجودة في ثلاثة (أو أربعة) كيانات كما طرَحها عنوان هذه الدراسة: القانون والدولة وال (لا) أمن. وفي هذه المسألة،

نعتقد أن ما طرحه جاك شوفالييه Jacques Chevallier في إحدى مقالاته مهم وجديرٌ بالمناقشة؛ إذ

يقول: "إن سيادة القانون هي في الواقع جانبٌ خاص من مبدأ الأمن لأنها مسألة تتعلق بتأطير سلطة

الدولة والحدّ منها من خلال مدخل القانون؛ إذ إنّ الأمن لم يعد مبدأ من مبادئ العمل بالنسبة إلى الدولة، بل هو قيدٌ على ممارسة مهماتها؛ فالأمن الذي تضمنه الدولة يجب أن يتم نشره وفق مجموعة من القرارات القانونية. ومع ذلك، فإن الدولة هي التي تختصّ بوضع القوانين المختلفة التي تعبّر من

جهة عن سيادة مواطنيها، ومن جهةٍ أخرى تضمن حقوقهم وحرياتهم وأمنهم، وأن قوتها واحترام سيادتها (على المستويَين الداخلي والخارجي) مرتبطان أيضًا بحالة الأمان والانسجام والحماية والطمأنينة التي

تصنعها لمواطنيها داخل نظام دوليّ باتت مخاطره معولَمة. فالأحرى كذلك، على لسان شوفالييه نفسه،

"أن ظهور دولة أمنيّة، حيث يحظى الأمن بالأولوية القصوى، لا يعني بالضرورة نهاية حكم القانون؛

توجد ضمانات في البلدان التي تدَعي أنها ليبرالية لمنع الانحرافات الكبيرة بطريقة مفرطة؛ ومن ثمّ يمكن

نشر الدولة الأمنية في إطار احترام، على نحو أساسي، محددات سيادة القانون. من خلال هذه المناقشة وغيرها، يبدو جلًّيًا كيف أن احترام مسألة حقوق الإنسان وموضوع الحريات

الفردية يحدّد قبول الأفراد؛ ما يُعطي سياساتٍ أمنيةً معينةً شرعيةً، وهو ما يبرّر تنازلهم عن "جزءٍ"

(51) Ibid., p. 308. (52) Benjamin Buckland, Fred Schreier & Theodor Winkler, "Democratic Governance Challenges of Cyber Security," DCAF Horizon 2015 Working Paper , no. 1, p. 10, accessed on 8/10/2024, at: https://2u.pw/d7Iq9ZPl (53) Chevallier, p. 294. (54) Ibid., p. 312.

من خصوصياتهم لصالح "المراقبة العامة" تجسيدًا للأمن الوطني والاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذا القبول مرهونٌ أساسًا بمسألة الرضى النفسي والعقلاني لهؤلاء بالحُجج التي تقدمها الهيئات العامة.

وبناءً عليه، يكون لزامًا على الدولة (أجهزة وسلطة تنفيذية) أن تجتهد في وضع القوانين اللازمة للأمن

السيبراني والحماية السيبرانية، على الرغم من تعقيدات هذا المجال وتشعبه وحداثته؛ وأن تدرك أن مسألة الأمن الإنساني لم تعد تنفصل عن الأمن القومي، بل إنها أضحت أحد مصادره الأساسية. فيكون من الواجب إدماج الإنسان، أو البعد الإنساني، في مخطّطات الأمن السيبراني؛ مثل الجوانب الثقافية والتدريبية، وبناء نظرة شاملة لمنظمة كاملة لهذا الأمن تتجاوز النظرة التقنية. إن هذا المَُّتَحد من الفرد

والدولة كجسمٍ أمنيّ يكون قوامه قدرة السلطات العامة على وقاية المواطنين وتوعيتهم وتدريبهم،

وتسخير التقنيات المختلفة لمجابهة العالم السيبراني والإلكتروني، وفي الوقت ذاته، إشراك القطاع الخاص إلى جانب القطاع العام ضمن استراتيجيات "أمن تعاونيّ" تكون فيه المهمات تعاونية بين

السلطات العامة والفواعل الاقتصادية والمنظمات الأهلية والمبادرات المحلية التي تستهدف تحقيق الأمن السيبراني للساكنة (منشورات، تعليم، تكوين، ورشات...إلخ). ومن شأن هذه المجهودات خلق المواطن السيبراني Cybercitoyen أو المواطنة السيبرانية حيث يتمتّع المواطن/ المستخدم باليقظة والحيطة التي يحصّلها من سياسات واستراتيجيات التعليم (فمن دون تعليم، يصبح الأمن

السيبراني يوتوبيا) والتأهيل والاختبار. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف لا يكون في الحصيلة، إلا بما تبذله الدولة من سياساتٍ وما تشرّعه من قوانين للأمن والحماية وما تفرضه من التزامات على

الأفراد والشركات والمؤسسات في هذا الشأن.

(((5 يذكر أحد الباحثين في مسألة علاقة القانون بالشؤون السايبرية ملاحظة في ذلك، فيقول: "إن السبب الوحيد الذي يجعل الفضاء الإلكتروني محيرًا ومعقدًا جًّدًا في المجال القانوني هو أنه جديد. فهذا المجال يكره المشكلات الجديدة لأن وضع القوانين

يعتمد كثيرًا على الخبرة والتقاليد والتاريخ دليلًا لسِّنِ أو اتخاذ قرار أو تعديله بشأن مسألة قانونية، إذ تستغرق القوانين وقتًا وخبرة

وجد لًا قبل أن يُنجز الكثير من أي شيء". ينظر:

Christopher Sanders, "The Battlefield of Tomorrow, Today: Can a Cyberattack Ever Rise to an ‘Act of War," Utah Law Review , vol. 2024, no. 2 (2018), p. 518. (56) Daniel Guinier, "La part humaine déterminante face aux crises majeures et son rôle dans la cybersécurité," Revue de la Gendarmerie Nationale , no. 268 (2021), pp. 149–154, accessed on 8/10/2024, at: https://2u.pw/m1ZVyu1V

(5((يستدعي ذلك تحوّلًا في مهمات القوات الُّشُرطية والَّدَركية من حيث هي أجهزة قمع إلى أجهزة توعية وتحسيس وتدريب

ومواطنية. وعلى سبيل المثال، يؤكد برنابي فاتان، العقيد الذي يترأس قسم الجوار الرقمي بقيادة الدرك في الفضاء السيبراني وهو خريج المدرسة البحرية كما قاد اللجنة الوطنية للسيادة الرقمية والأمن السيبراني بمعهد الدراسات العليا للدفاع الوطني بفرنسا، أن

مسألة الوقاية قد أُدمجت حقيقةً في مهمات الدرك من خلال شبكة الدركيين السيبرانيين Cybegendarmes اقتناعًا بأن التهديدات

السيبرانية تمثّل مشكلة حقيقة وتستوجب توعية المواطنين ووقايتهم. ولإنجاح هذا المسعى، يشترط مجموعة من الأدوات أو

الخطوات: إقناع صناع القرار، وتحسيس المستخدمين، ومرافقة المنظمات، ينظر:

Barnabé Watin–Augouard, "La prévention, un impératif pour lutter efficacement contre les cybermenaces," Revue de la Gendarmerie Nationale , no. 272 (2022), pp. 17–22, accessed on 8/10/2024, at: https://2u.pw/XiVAwjIQ (58) Olivier Kempf, "Cybersécurité collaborative des territoires," Revue de la Gendarmerie Nationale , no. 268 (2021), pp. 41–46, accessed on 8/10/2024, at: https://2u.pw/AddUUcjN (59) Denise Gross, "Réflexions sur l’ingénierie sociale et le rôle de l’utilisateur en tant qu’acteur de la sécurité collective et collaborative," Revue de la Gendarmerie Nationale , no. 268 (2021), pp. 149–154, accessed on 8/10/2024, at: https://2u.pw/DcjLdGDC

إذا كان غرض القانون هو تنظيم المجتمع وتحقيق الاستقرار العام، فإن غرض السياسات الأمنية التي يضبطها القانون هو حماية الأشخاص وتوفير البيئة السليمة التي يمارسون فيها نشاطهم داخل الدولة، والتي بدورها تكون منتجةً لهذه السياسات والقوانين من خلال جهاز الحكم. وإذا كانت مختلف الأدبيات التي تُناقش مسألة حقوق الأفراد ضمن مجال الأمن السيبراني تضع الدولة وتشريعاتها في هذا المجال في زاوية "المتسلّط" وتطالب بالحدّ من سلطتها، فإنها في ذلك تغفل التهديدات التي تنشأ من خارج الدولة؛ مثل الشركات الرقمية المختلفة التي تصنع التطبيقات والبرامج، والتي تقوم – إلى جانب استخدامها السلمي – بالتجسّس وقراءة سلوك المستخدم وتوجيه الرأي العام... إلخ. وتُغفل هذه

الأدبيات الجهود التي تبذلها الدولة (بصفتها كيانًا منَّظَمًا ومنِّظِمًا يحافظ على السيادة الداخلية وأمن الأفراد

وعلى الخصوصية الهوياتية للمجتمع) والموارد الأداتية والقانونية التي توفّرها في سبيل أمن الأفراد من تهديدات البيئة السيبرانية الخارجية. ومن جهة أخرى، تؤدي الدولة بهذه الوظيفة اقتناعًا بأن تحقيق الأمن بقدر ما يفرض عليها مستوى نشطًا من التوقع بالمخاطر والتهديدات المحتملة وتوفير الضمانات، يكون أيضًا خضوع الأفراد لسياسات الأمن واجبًا قانونيًا وحمائيًا وموطنًّيًا، على أّلا تؤدي الدولة وظيفتها

هذه بوصفها دولة حمائية تمارس الأمن للابتزاز، أي الأمن مقابل الخضوع، ولا تنخرط في عمليات تضخيم أجهزتها الأمنية والعسكرية على حساب رفاهية المواطن وتقوية الاقتصاد الوطني كما شرح لنا ذلك نزيه الأيوبي في كتابه المرجعي تضخيم الدولة العربية. ومع ذلك، فإن ما يمكن تأكيده هو أن تعزيز أمن الفرد تعزيزٌ لأمن الدولة، وأن القانون الذي يحمي الأمن الخاص يدعم الأمن العام. ومن حيث تعزيز الأمن السيبراني؛ على الرغم من أن الفضاء السيبراني Cyberspace مفتوح وأجساده فضائية وعملياته لانهائيّة وفواعله مختلفة ومصادره تبدو غير معَّرَفة، فإنه فضاءٌ يُنتجه في واقع الأمر

فضاء فيزيائي Physical Space يتحرّك بدوره داخل جغرافية محددة تجعل للقوة السيبرانية، وهي

التأثير الاستراتيجي الناتج من الفضاء السيبراني، معنى جغرافًّيًا وجيوبوليتيكًّيًا ماديًا كلاسيكًّيًا مثلما أكد

ذلك جون ب. شيلدون في إحدى دراساته المتميزة. ومن ثمة، فإن هذه الفواعل السيبرانية تنشط داخل دولة ما فتكون خاضعة لقوانينها، وإذا ما كانت التشريعات الداخلية قوية ومدروسة، فإنه في الإمكان إسنادُ المسؤوليات لهذه الفواعل بالقدر الذي تستفيد منه من الحماية والأمن داخل بيئة عالمية رقمية تحتاج هي أيضًا إلى ضبطها في إطار تشريعات القانون الدولي. ومثلما يقول أحد الخبراء الصينيين، فإن: "المعايير والقواعد والقوانين الدولية ستكون بمنزلة موجه أساسي لسلوك أفراد مختلف الدول". ولن يتحقق ذلك إلا إذا اتّفقت إرادة الدول على نفاذ القانون الدولي وعزّزت

(6((سيد أحمد قوجيلي، "الأمن كابتزاز: جذور الدولة الحامية في العالم العربي"، شؤون الأوسط، العدد  015 (شتاء 2015)، ص.22–9 (6((ينظر: نزيه الأيوبي، تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسن (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2010

(62) John Sheldon, "Geopolitics and Cyber Power: Why Geography Still Matters," American Foreign Policy Interests , vol. 36, no. 5 (2014), pp. 286–293. (63) Hongren, p. 81.

قدراتها السيبرانية. ففي نهاية المطاف، "تعُّدُ الحكومات الوطنية هي الجهات الفاعلة الرئيسة التي تؤثر في استقرار الفضاء الإلكتروني؛ إذ إن سلوكها يتحدد وفقًا لقدراتها التكنولوجية الأساسية". وسيكون من شأن توزيعٍ عادل ومتوازن لهذه القدرات بين الدول ومنع الاحتكارية وسدّ الفجوات بين القوية منها والمتوسطة والضعيفة أن يسهم في تحقيق الاستقرار الاستراتيجي للفضاء السيبراني. ولأن الطريق لا يزال طويلًا لاستحداث قانون دولي سيبراني يؤطر الممارسات الرقمية والفضاءات السيبرانية، أو في الأقل الوصول إلى ما اقترحته شركة ميكروسوفت من إنشاء "اتفاقية جنيف الدولية للأمن السيبراني"، فإنه لا سبيل للدول الوطنية، وهي في معركتها لتحقيق المراقبة والأمن، سوى بناء ما يصطلح عليه ب "السيادة الرقمية" والاجتهاد – بل الإسراع – في وضع قوانين للسيبرانية بوصف ذلك استجاباتٍ عقلانية لمخاطر جديدة، وتأكيدًا لنظام وحضور السلطة العامة. فالحاصل أنه أمام

سيلٍ من التدفقات الاتصالية والثورة الرقمية التكنولوجية، وضمن سياقٍ مفاهيمي يقول ب "نهاية الدولة" و"نهاية الجغرافيا" أو بنهاية الحدود ما بين الدول، تبرز تساؤلات عن مدى تمتّع الدولة الوطنية

بمظاهر سيادتها على شؤونها الداخلية، لا سيما شؤونها الرقمية في عصر يشهد ثورةً صناعية رابعة نتج منها بروز النظم الإلكترونية – المادية، التي تدمج بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي، وانتشار استعمال الوسائط والتطبيقات الجديدة والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والخدمات والروبوتات والواقع المعزز ومنصات التعاملات الرقمية بلوك تشين التي تبقى غالبيتها في يد شركات أجنبية ومتعددة الجنسيات. لقد أصبحت الدولة الوطنية في مضمار سباق مصيري مع كل هذه التحولات الرقمية؛ إما أن تنجح فيه لتحقيق التنافسية الرقمية والسيادة الرقمية، وإما أن تكون مستهلكة لهذه الابتكارات ويكون فضاؤها السيادي مفتوحًا أمام الاختراقات وعرضة للتهديدات. إنه لمن شأن هذه المعطيات أن تدفع الحكومات إلى الاستثمار في تعزيز البنى التحتية الرقمية وتطوير الشبكات والأنظمة السيبرانية، من أجل تحقيق ما أمكن من مستلزمات "السيادة الرقمية" التي تقوم بدورها على الابتكار الذي تضطلع به الحكومات والشركات داخل الدولة؛ لتطوير البنى الرقمية، وتمكين المجتمع رقمًّيًا. وتقود هذه المسألة الأخيرة إلى تأكيد موقفٍ خاص يفيد أن أساليب بناء السيادة الرقمية

واستراتيجياتها لا تكتمل من دون تعزيز المسؤولية المجتمعية للمواطن في تأمين فضائه الإلكتروني وفي إنماء حسّ الولاء الوطني السيبراني؛ وهو أمر لا يتحقق إلا بجهود مضنية وحلقات متوالية من

التثقيف والتنشئة الرقمية وتعزيز القدرات والمهارات العلمية والمعرفية، اقتناعًا بأن مجابهة التهديدات

غير التقليدية التي مصدرها أساسًا هذا العصر الاتصالي المُعوِلم للمخاطر لا تكتمل إلا بنشر هذه التوعية

المجتمعية وتعزيز المقاومة السيبرانية. إن الدولة السيّدة لم تعد ذلك التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي

يتمتّع بقوّة الإكراه الشرعي والمراقبة والضبط فحسب، بل باتت تعني أكثر من ذلك الفاعل القادر على

الصمود والاستجابة للتحولات الرقمية والسيبرانية وما ينتج منها، بقدر ما تتحَّوَل سيادتها من السيطرة

على المدَيَات المكانية إلى السيطرة على المديَات الفضائية والرقمية، وقدرتها المستمرّة على وضع

القوانين التي تؤطّر ذلك، فاستمرار الدولة لطالما كان يُعبّر عنه باستمرار القانون وسريانه.

(64) Ibid., p. 10.

خاتمة

إن العلاقة بين الأمن والقانون والتشريع هي علاقة متشابكة ومعَّقَدة تتجاوز وضع القواعد وتطبيقها. فالقانون، في جوهره، هو تجسيد لفكرة الأمن والاستقرار وحماية الحق داخل إطار التجربة الإنسانية؛ القانون من دون أمن يصبح فاقدًا جدواه، والأمن من دون قانون ينحرف إلى قمع للحريات. وفقًا لهذا المعنى، يسعى القانون لخلق نظام يضمن استمرارية الحياة الاجتماعية والسياسية، ولكنه في الوقت ذاته يكشف عن التوتر الأساسي بين الحرية والأمن، بين المجال العمومي والمجال الخاص، وبين الاستقلالية والطاعة. لا يمكن، إذًا، فصل القانون ونظامه عن فكرة الوجود ذاتها، ذلك أنه يتجاوز كونه أداةً لتنظيم المجتمع فحسب، ليصبح تعبيرًا عن الكيفية التي نفهم بها وجودنا في العالم أيضًا.

فعندما نشرّع قانونًا، إنما نحاول تأمين شكل معَّيَن من الوجود، نسعى لترسيخه وحمايته واستمراريّته.

غير أن هذا السعي الدؤوب نحو الأمن من خلال القانون يحمل في طياته مفارقة أساسية: فكل محاولة لتأمين شكل معيّن من الوجود تخلق بالضرورة شكلًا من أشكال انعدام الأمن لأشكال وجودية أخرى.

وهذه العلاقة الجدلية بين الأمن وانعدام الأمن، والتي يتجسد فيها القانون، تدفعنا مرة أخرى إلى إعادة التفكير في الأسس الفلسفية للسياسة والقانون. وفي هذا السياق، لا يصبح التشريع مجرّد عملية

تقنية لوضع القوانين، بل هو في جوهره ممارسة فلسفية وسياسية تسعى للتوفيق بين متطلبات الأمن وضرورات الحرية. إنه يعكس التوتر الدائم بين رغبتنا في تأمين وجودنا وحتمية مواجهة عدم اليقين الذي يشكّل جزءًا لا يتجزأ من التجربة الإنسانية. وتتجلّى هذه الجدلية بوضوح في مجال الأمن السيبراني؛ فقد تؤدي القوانين التي تهدف إلى حماية البنية الرقمية وضمان أمن الأفراد والمؤسسات إلى تقييد حريات الوصول والخصوصية الرقمية، وهذا الأمر يولّد توترًا بين الأمن الرقمي والحرية الشخصية. والدولة هنا، باعتبارها الكيان العقلاني الأعلى،

تبرز في هذا السياق فاعلًا يوازن بين هذه الثنائيات المتجدّدة ويحاول على نحو مستمرّ ضبط التوازن

بين الأمنَين المادي والسيبراني؛ سواء من خلال التشريع الذي يعكس العقل الجماعي للمجتمع،

أو من خلال مراكمة القدرات التقنية. غير أن مسعاها هذا نحو الأمن يتّسم أيضًا بتناقض داخلي؛

فكلّما أحكمت السيطرة على الأمن من خلال القانون، ظهرت أشكال جديدة من عدم الاستقرار،

فالتشريع قد يتحول إلى قوة قيدٍ للحرية، مجسدًا بذلك المفارقة الوجودية بين الرغبة في الأمان والحاجة إلى الحرية. ربما نجد أن الحرية الحقيقية ليست مجرد غياب للقيود، بل هي الشرط الأساسي الذي يجعل الأمن ممكنًا

ومثمرًا، متجاوزين بذلك الثنائية التقليدية بين الحرية والأمن. فالأمن ليس حالة ثابتة يمكن الوصول إليها،

بل هو حركة مستمرة ضمن وجود إنساني منفتح على التجدّد والتغيير، على نحو مُجسّد لفكرة الصيرورة

الهيغلية في سياق الأمن المعاصر. وهنا يكمن دور الدولة الحقيقي في تحقيق هذا التوازن الدقيق بين الحرية والأمن، في إطار وجودي يتّسم بالديناميكية والتحوّل المستمر، بالقدر الذي يصبح فيه تشريع

القانون تعبيرًا عن استجابة الأفراد للتجربة الوجودية، سواء في تفاعلهم فيما بينهم داخل المجتمع، أو

في تفاعلهم مع السياسات والمؤسسات والأنظمة أو – إن شئنا القول – لكل ما ينتمي إلى مجال الدولة.

ويدعونا هذا التداخل المعقّد بين مفاهيم الحرية والأمن والقانون إلى التفكّر في أساليب جديدة لصياغة العقد الاجتماعي، بحيث تراعي خصوصيات العصر الحديث ومتطلباته، متجاوزة النظرة الأحادية إلى الأمن بصفته غاية في حدّ ذاته؛ ذلك أنه ينبغي الموازنة بين ضرورات الحفاظ على النظام العام وحماية البنية التحتية المعلوماتية من جهة، وصون حقوق الأفراد وتوسيع نطاق حريتهم والتعبير عن وجوديتهم الفريدة من جهة أخرى. وهي وجودية باتت تُدرَك – وتمتُّدُ – في فضاءات افتراضية

عديدة، حيث يتجلّى هنا دور الدولة في خلق بيئةٍ رقمية آمنة وحرة وتأمينها ضمن نظام قانوني عادل وسردية أمنية كلية، بوصفها تدبيرًا أخلاقًّيًا وسياسيّا وتصوّرًا للحياة الخيّرة، تراعي التقاطع بين الحرية

الفردية (أمن الذات، وغايتها) وهدف الدولة العام.

References

المراجع

العربية

الاتحاد الدولي للاتصالات. "الرقم القياسي العالمي للأمن السيبراني لعام 2020: قياس الالتزام بالأمن السيبراني". في: https://2u.pw/RoJB9Y أوماند، ديفيد. حماية الدولة. ترجمة عمرو المّلا ح. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 الأيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية: السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة أمجد حسن. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 باومان، زيجمونت وديفيد ليون. المراقبة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. تقديم هبة رءوف عزت. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 بدوي، عبد الرحمن. فلسفة القانون والسياسة عند هيجل. القاهرة: دار الشروق،.1996 بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 دوغان، مارك. وكريستوف لابي. الإنسان العاري، الدكتاتورية الخفية للرقمية. ترجمة سعيد بنكراد. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب،.2020 فارافاكيس، يانيس. المينوتور العالمي: أمريكا وأوروبا ومستقبل الاقتصاد العالمي. ترجمة عماد الأحمد. ميلانو: منشورات المتوسط،.2016 فوكو، ميشيل. السياسة الحيوية. ترجمة الزواوي بغورة. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،

قوجيلي، سيد أحمد. "الأمن كابتزاز: جذور الدولة الحامية في العالم العربي". شؤون الأوسط. العدد 015 (شتاء.)2015

________. الدراسات الأمنية النقدية: مقاربات جديدة لإعادة تعريف الأمن. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2014 محمد حسين، فايز. فلسفة القانون. القاهرة: دار المطبوعات الجامعية،.2007 منتصر، مروة صبحي. "العمالقة الرقميون: أدوار المنَّصَات الإلكترونية في سياسات الصين

التكنولوجية والتجارية". دراسات خاصة. مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. العدد 28 (شباط/ فبراير 2024:). في https://2u.pw/rixItGXQ هاي، كولن ومايكل ليستِر وديفيد مارش. الدولة: نظريات وقضايا. ترجمة أمين الأيوبي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الأجنبية

Banks, William. "Cyber Attribution and State Responsibility." International Law Studies. vol. 97 (2021). at: https://2u.pw/ofZPk6KN Beckerman, Carly. "Is There a Cyber Security Dilemma." Journal of Cybersecurity. vol. 8, no. 1 (2022). Booth, Ken. "Security and Emancipation." Review of International Studies. vol. 17, no. 4 (1991). Browning, Christopher & Matt McDonald. "The Future of Critical Security Studies: Ethics and the Politics of Security." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 2 (2013). Buchanan, Ben. The Cybersecurity Dilemma: Hacking, Trust, and Fear Between Nations. Oxford: Oxford University Press, 2016. Buckland, Benjamin. Fred Schreier & Theodor Winkler. "Democratic Governance Challenges of Cyber Security." DCAF Horizon 2015 Working Paper. no. 1. at: https://2u.pw/d7Iq9ZPl Buzan, Barry & Amitav Acharya. Re–Imagining International Relations: World Orders in the Thought and Practice of Indian, Chinese, and Islamic Civilizations. London: Cambridge University Press, 2021. Buzan, Barry & Jaap de Wilde & Ole Wæver. Security: A New Framework for Analysis. London: Lynne Rienner Pub, 1997. Buzan, Barry & Lene Hansen. The Evolution of International Security Studies. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Buzan, Barry & Ole Wæver. "Macrosecuritisation and Security Constellations: Reconsidering Scale in Securitization Theory." Review of International Studies , vol. 35, no. 2 (2009). ________. Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.

Buzan, Barry. Making Global Society: A Study of Humankind Across Three Eras. London: Cambridge University Press, 2023. Cartuyvels, Yves et al. (eds.). Le droit malgré tout: Hommage à François Ost. Bruxelles: Presses Universitaires Saint–Louis–Bruxelles, 2018. Durand, Cédric. Techno–féodalisme: Critique de l’économie numérique. Paris: la Découverte, 2020. Gavard, Emanuel & Gilles Wybo. "Les Etas sont plus fort que les géants du numérique." Stratégies. 8/6/2023. at: https://bit.ly/3zPtXhc Gross, Denise. "Réflexions sur l’ingénierie sociale et le rôle de l’utilisateur en tant qu’acteur de la sécurité collective et collaborative." Revue de la Gendarmerie Nationale. no. 268 (2021). at: https://2u.pw/DcjLdGDC Guinier, Daniel. "La part humaine déterminante face aux crises majeures et son rôle dans la cybersécurité." Revue de la Gendarmerie Nationale. no. 268 (2021). at: https://2u.pw/m1ZVyu1V Hart, Herbert. The Concept of Law. Oxford: Oxford University Press, 1961. Hongren, Zhou. "Strategic Stability in Cyberspace: A Chinese View." China Quarterly of International Strategic Studies. vol. 5, no. 1 (2019). Huysmans, Jef. "The Question of the Limit: Desecuritization and the Aesthetics of Horror in Political Realism." Millennium: Journal of International Studies , vol. 27, no. 3 (1998). Kempf, Olivier. "Cybersécurité collaborative des territoires." Revue de la Gendarmerie Nationale. no. 268 (2021). at: https://2u.pw/AddUUcjN Khan, Fahad Ullah. "States Rather than Criminals Pose a Greater Threat to Global Cyber Security." Strategic Studies. vol. 31, no. 3 (Autumn 2011). Martin, Libicki. "Is There a Cybersecurity Dilemma." The Cyber Defense Review. vol. 1, no. 1 (Spring 2016). Mathew, Alex. "Cybercrime–as–a–Service & AI–Enabled Threats." International Journal of Computer Science and Mobile Computing. vol. 12, no. 1 (2023). Nye, Joseph. "Deterrence and Dissuasion in Cyberspace." International Security. vol. 41, no. 3 (2017). Sanders, Christopher. "The Battlefield of Tomorrow, today: Can a Cyberattack Ever Rise to an ‘Act of War." Utah Law Review. vol. 2024, no. 2 (2018). Sheehan, Michael (ed.). National and International Security. London: Routledge, 2000. Sheldon, John. "Geopolitics and Cyber Power: Why Geography Still Matters." American Foreign Policy Interests. vol. 36, no. 5 (2014). Tiirmaa–Klaar, Heli. "Cyber Security Threats and Responses at Global, Nation– State, Industry and Individual Levels." Science Po & CERI (CNRS) (Mars 2011). at: https://2u.pw/KO92Tbhu

"The Transformation of Global International Society and the Security Agenda: Interview with Professor Barry Buzan." Security and Defence Quarterly. vol. 30, no. 3 (2020). Tran, Delbert. "The Law of Attribution: Rules for Attributing the Source of a Cyber–Attack." The Yale Journal of Law & Technology. vol. 20 (2018). at: https://2u.pw/BhuogacX Valeriano, Brandon & Ryan Maness. Cyber War Versus Cyber Realities: Cyber Conflict in the International System. Oxford: Oxford University Press, 2015. Wæver, Ole. "Artificial Intelligence and Security: A Critical Perspective." International Relations. vol. 32, no. 3 (2018). ________. "Securitization and Desecuritization in the Age of Artificial Intelligence." Security Dialogue. vol. 50, no. 5–6 (2019). Watin–Augouard, Barnabé. "La prévention, un impératif pour lutter efficacement contre les cybermenaces." Revue de la Gendarmerie Nationale. no. 272 (2022). at: https://2u.pw/XiVAwjIQ Zhao, Jensen & Sherry Y. Zhao. "Opportunities and Threats: A Security Assessment of State E–Government Websites." Government Information Quarterly. vol. 27, no. 1