العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب: معنى الحياة في العالم الحديث لعبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي

مراجعة كتاب: معنى الحياة في العالم الحديث لعبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي

Book review: The Meaning of Life in the Modern World by Abdullah bin Abdul Rahman Al Wahaibi

محمد عبد الرزاق حسين

Mohamed A. razak Hussein

الملخّص

عنوان الكتاب: معنى الحياة في العالم الحديث. المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي. الناشر وتاريخ النشر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية-ناشرون، 2024. عدد الصفحات: 454 صفحة.

Abstract

A researcher in social sciences and humanities, holding a master’s degree in public administration from the Doha Institute for Graduate Studies. mhu002@dohainstitute.edu.qa

عنوان الكتاب: معنى الحياة في العالم الحديث. المؤلف: الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

عبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي. ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية–ناشرون.

مقدمة

تُنتج معايشتنا للواقع الحديث المعاصر، بتعقيداته المتشابكة، أزمات مختلفة تطرح مجموعة من الأسئلة. وتُعتبر أزمة المعنى وأسئلتها التي تثيرها في مقدمة هذه الأزمات والأسئلة. ويلاحَظ أن أساس أزمة المعنى في الواقع المعاصر نتاجٌ للتغيرات الرئيسة في التاريخ الغربي الحديث، خاصة على المستويَين الإبستيمولوجي والأخلاقي، مع الأخذ في الاعتبار كذلك تَعلْمُن النظرة إلى الوجود على نحوٍ شبه كلي. وقد تزايدت أسئلة المعنى مع تزايد دواعي التمحور حول الحياة الشخصية، والاشتغال بالذات مع تأثير ما عُرف ب "الثورة الفردانية الثالثة". في هذا السياق، يتنزل كتاب معنى الحياة في العالم الحديث لعبد الله الوهيبي، فهو يناقش النقاط المشار إليها بشيء من التفصيل، ويتكون من تسعة فصول، إضافة إلى مقدمة ومدخل نظري وخاتمة. يهدف الكتاب إلى دراسة جذور أزمة المعنى، وتتبّع خلفياتها التاريخية، ومن ثم دراسة التمظهرات والأشكال التي يسعى الفرد المعاصر من خلالها إلى أن يس غب معنى معيّنًا على حياته. ويحاول تنظيم جوانب تفسيرية تساعد على فهم واقع الذات الحداثية، ومن ثم تتبّع علاقة هذه الذات الحديثة بأسئلة المعنى وأزماته. ويبين الارتباط بين سؤال المعنى والإطار التفسيري للوجود الإنساني؛ فكلما استطاع الفرد معرفة الهدف من الوجود الإنساني من ناحية ومآله من ناحية أخرى، ساهم في اتضاح أسئلة المعنى في حياته. وهو ما يعني أن معنى الحياة وسؤال المعنى هما تفسير وجود الإنسان، والغرض من حياته، ودلالة أفعاله، ومعاناته كذلك. ويناقش الكتاب الأسئلة المتكررة التي تبرز مع غياب المعنى في حياة الفرد، خاصة تلك المتعلقة بأفعالنا اليومية الجزئية، وطبيعة علاقتها بأهداف الفرد الكلية، خاصة في ظل سياقات معيّنة، كالشعور بالملل والضجر، أو الألم والمعاناة، أو لحظة إدراكٍلحقيقة الموت، أو فقد قريب أو حبيب. ويؤكد المؤلف أن الأفكار والمنتجات الثقافية الغربية، التي تستهلكها المجتمعات في دول العالم المختلفة، تُعتبر نتاجًا لصيرورة ثقافية معيّنة. ويستند في تأكيد ذلك إلى إثبات تاريخانية هذه الأفكار والمنتجات الثقافية التابعة لها، وكونها نتاجًا لظروف تاريخية محددة، ومن ثم الانطلاق إلى هدم سطوة هذه الثقافة المعاصرة، وصولًا إلى إبراز خطورة الارتهان لمثل هذه السرديات التي تتسبب في تشكيل أعطاب روحية وهوياتية من دون وعي بأصلها أو بطبيعة تشكّلها. ولا يعني ما سبق نفي التشابه السياقي في بعض ملامحه بين المجتمعات العربية في لحظتها الراهنة والمجتمعات الغربية في لحظات بروز الدعوات الفردانية والخلاص الفردي، خاصة في الجوانب الاجتماعية والسياسية.

أولا: سعيًا للإجابة عن سؤال المعنى

يراد بمعنى الحياة على المستوى الكلي مخطط الوجود برمّته، في حين أنه يقصد به عادةً معناه الجزئي، والمرتبط بمعنى حياة الفرد، والهدف النهائي من أفعاله الجزئية، وماهية الإطار الناظم لهذه الأفعال البشرية. ويشير الكتاب إلى أن معنى الحياة يتضمن مجموعة من الأسئلة الوجودية، والمتمثلة في:.1 لماذا وُجد الفرد؟ ولماذا وُجد

الآخرون؟ 2. وهل لهذا الوجود من هدف ما؟ وباعتبار وجود هدف ما، فما طبيعته؟ 3. هل أفعال الفرد في حاجة إلى أن تؤسس على شيء ما؟ وإذا كان ذلك ضروريًا، فما هو؟ 4. لماذا يكتظ العالم بالألم والمعاناة؟.5 كيف ينتهي العالم؟ أترتبط النهاية بالموت الأبدي أم أن هناك عالمًا آخر؟ (ص. 25)–24 يرى الوهيبي أن بروز أزمة المعنى في المنظومة الحداثية يرجع إلى نتائج الفهم العلمي Scientific Understanding للعالم، ومن ثم انفصال الأسئلة الأخلاقية والمعايير القبلية عن المعارف والعلوم من ناحية، والأدوار الحياتية من ناحية أخرى. وهو يرتبط أساسًا بمسار تطورات العلمنة والعقلنة في تاريخ الغرب الحديث؛ والذي هدف في الأساس إلى إبعاد أيّ روابط ميتافيزيقية عن الواقع المعيش. ونتج من ذلك أيضًا فردنة سؤال المعنى، وتقلّص دور المجتمع في تشكيل شخصية الفرد في تعزيز الأزمات المتعلقة بسؤال المعنى. فقد كان الفرد في المجتمعات القديمة يندمج في الفضاء الاجتماعي والثقافي السائد في محيطه، ويكتسب من خلاله الإطار العام للوجود، وتتشكل شخصيته وهويته المجتمعية بناءً على ذلك. ونتيجة لفقدان سياق مشابه، أصبح الإنسان المعاصر غير معنٍّيٍ بالأسئلة الوجودية الكبرى، أو يسعى لكبت هذه الأسئلة أو تجاهلها، أو التعايش مع مواقف لاأدرية تجاهها (ص. 33)–31 وعلى الرغم من كل ذلك، يواجه الإنسان الحداثي الأسئلة المتعلقة بالحياة على نحوٍ ما، خاصة في سياقات المنغصات الحياتية، والتي يشعر فيها المرء بحدوده البشرية وضعفه الإنساني، وهشاشته المفرطة، كالموت والخوف والألم، وغيرها من المواقف (ص 48–34). ففكرة الموت، كما يؤكد آلان دو بوتون Alain de Botton، تعيد ترتيب أولوياتنا بالابتعاد عن العالم الدنيوي والاقتراب من البعد الروحي، كما أن المرض يسقط أسباب المحبة الدنيوية بين البشر، وذلك على الرغم من محاولات الحداثة المتكررة في تفكيك الموت وتجريده من رهبته باعتباره مجرد نتيجة لعجزٍ ما عن مواجهة خطر أو مرض. ينطلق المؤلف في الكتاب من إمكانية تصنيف محاولات الإجابة عن سؤال المعنى في الأدبيات المتخصصة إلى ثلاثة أصناف. ويحاول الصنف الأول نفي مشروعية السؤال عن طريق النفي أو التشكيك، في حين أن الصنف الثاني يتعمد الهروب من مواجهة سؤال المعنى ولوازمه، عن طريق الإقرار الشكلي بأهمية السؤال، ومن ثم تقديم إجابات هلامية، وطرح آليات للإلهاء الذاتي. أما الصنف الثالث، فيثبت أهمية السؤال، ويطرح نتيجة لذلك مجموعة من الإجابات المتعددة، التي يرى فيها أصحابها إمكانية إجابتها عن سؤال المعنى. وسنستعرض إجابات الصنف الثالث في ثنايا هذه المراجعة.

ثانيًا: تشكلات أزمة المعنى وتأثيرات الحداثة

انعكست التغيرات التي صاحبت النماذج الثقافية للذات والهوية على أزمة المعنى وأسئلته. وتُعتبر التطورات التي طرأت على الأساليب العلاجية في الحقل النفسي، والأزمات العمرية، كأزمة المراهقة وأزمة منتصف العمر، أهم الظواهر

التي يمكن من خلالها رصد هذه الانعكاسات (ص 76–74). فمع ثلاثينيات القرن العشرين تنامى دور المحلل النفسي في المجتمع الغربي، وهو ما ارتبط بازدياد المحاولات النظرية والتطبيقية لمعالجة الأزمات النفسية المختلفة، وكذلك تقلبات الواقع الاجتماعي والثقافي، والتي نتج منها تنامي ظاهرة الشعور بالخواء بين أفراد المجتمع. ويلاحظ المؤلف أن الأساليب العلاجية في التحليل النفسي المعاصر تسعى أساسًا لفهم المشاعر المؤذية كالاكتئاب والقلق؛ وذلك للحدّ من ألمها، وتمكين الفرد من التعايش معها، دون استحضار دور الأبعاد الأخلاقية (ص 89–88). ويعود الفضل في نجاح العديد من أشكال العلاج النفسي إلى القدرة على احتواء التبعثر الهوياتي الذي يعيشه الفرد، والمساعدة في تنظيم الهوية الذاتية وتصحيحها، أو إعادة بنائها، وباستخدام ممارسات دينية في كثير من الأحيان. أما فيما يتعلق بظاهرة المراهقة، واستنادًا إلى العديد من الدراسات والاقتباسات، فيربط المؤلف بين تنامي الاهتمام بهذه الظاهرة وانهيار التقاليد الاجتماعية والثقافية في المجتمعات الغربية، والتي أدت إلى تشوش الهويات، وتفكك الأسر والجماعات الحاضنة؛ وذلك نتيجة لتلاشي آليات تناقل الأجيال للقيم، وضعف أدوات التنشئة الهوياتية، وتضييع حكمة الأجيال المجربة في معمل التاريخ كما يصفها ويل ديورانت William Durant (981–18851) (ص. 97)–92 برز في السياق الغربي، مع أواخر الثمانينيات، تصور "تحقيق الذات"، الذي لم يعد يكتفي بملامح النجاح السائدة وقتها، ويتمظهر المفهوم على أرض الواقع في السعي لتحديد الذات وملامحها عن طريق الذات، ومن ثم إنتاج الواقع من هذه الذات، إضافةً إلى البحث الدائم عن إشباع الحاجات الجديدة، والرغبة في الحياة المفعمة والثرية. وتجلى هذا التصور أشد وضوحًا، كما يشير المؤلف، في قطاعات الإدارة والأعمال التي استطاعت، عن طريق الاعتناء باستراتيجيات الموارد البشرية، توصيل فكرة سعي الشركات لتشكيل حيز يسمح للموظفين بتحقيق ذواتهم، وتكرار إبراز ذلك في إعلانات التوظيف. ولا يخفى هدف قطاعات الأعمال من تبنّي مثل هذا النهج الذي يسعى لتحويل الطاقة النفسية للموظفين إلى قوة عمل (ص. 105)–104 ويناقش المؤلف ما يمكن تسميته متتالية الفردانية المعاصرة، التي تشير إلى كون المنظومة الفردانية المعاصرة لا تتوقف عند ما يُعرف بالحرية السلبية، بل تتجاوز ذلك للمطالبة بالتحرر من كل المؤثرات الخارجية في تحديد الذات، وخاصة مطالب المجتمع، والضرورات الطبيعية كذلك، والتي وصلت إلى مرحلة إعادة تعريف الواقع في حالة فشله في الاتساق مع الذات ورغباتها. ويقدّم مث لًا على ذلك بمخرجات الجدالات الجندرية المعاصرة التي أضحت تعترف بحق الفرد في تحديد هويته الجنسية، وتُخضع ذلك للاختيار الذاتي (ص 0–107.)11 في هذا السياق، يشير تشارلز تايلور Charles Taylor إلى أن خلفية الهوية الحديثة تستند في تشكلها إلى مجموعة من أسس الأنطولوجيا الأخلاقية، مثل: قوننة احترام الذات والعلاقات الاجتماعية، ومسؤولية الذات عن نفسها وتحررها، والتركيز على الحياة العادية، والتحرر من السلطات، والمخاوف من النزعة الذرية والنفعية.

استنادًا إلى ما سبق، يفتح المؤلف نقاشًا حول أسباب تفشي الأمراض النفسية في العصر الحديث، ويستفيض في نقل النقاشات التي تشير إلى ارتباط ذلك بفشل الإنسان المعاصر في تحقيق مطالب الاستقلالية والحرية الشخصية التي يفرضها المجتمع المعاصر على الفرد، والهوس المتزايد بتحقيق الذات، حتى لو تطلّب الأمر التضحية بكل شيء (ص. 11). 9–110 يضاف إلى هذه الأسباب المحاولات الحثيثة في البحث عن المكانة أو السعي للحفاظ عليها، وما يرافق ذلك من قلق وأسف وحسرة، وشعور بالعجز والفشل. يرتكز التصور الحداثي في إجابته عن سؤال الأنا على اعتقاد تفرد الذات، واحتوائها على جوهر داخلي، من دون الاكتراث لماهية سابقة للوعي. ويستدل الكتاب على ذلك باستعراض نصوص وكتابات القديس أوغسطين Saint Augustine (430–354) ورينيه ديكارت René Descartes (650–15961)، ويربط بينهما ويبين نقاط الالتقاء من ناحية، ونتيجة التراكم الفكري والفلسفي بينهما من ناحية أخرى، مع الاختلاف في الوجهة بطبيعة الحال (ص. 1). 28–124 وتُعتبر الأفكار التي رافقت تطور الحركة الرومانتيكية أحد الروافد الأساسية في تشكل "الذات الحديثة"؛ فقد عمّق هذا التراث النزعة الفردانية بسبب الرؤية الرومانتيكية لعلاقة الفرد بالمجتمع باعتبارها علاقة صراع ونزاع مستمر. وقد أدى ذلك لاحقًا إلى الإيغال في البحث عن الأصالة الفردانية، ومن ثم تكريسها والاستناد إليها لتمنح حياة الفرد المعنى والقيمة، ومن ثم تطلُب الانسجام الباطني والاتساق الداخلي، مع التأكيد على وجود التناقض بين التيارات الحديثة ذاتها في هذه المسألة، والتي يرى بعضها نفي مركزة الذات والتركيز على اللغة بدلًا منها. إلا أنها تشترك إجم لًا في بناء اليقين على أساس مستقل عن المعارف والأفكار الخارجية، وتأطير المنظومة الأخلاقية بصيغة إنسانية بحتة. يشير بيري ساندرز Barry Sanders إلى أن طوفان التنظيم الزماني والمكاني، والتأسيس المادي للوجود، وتآكل المشاعر الإنسانية، عوامل أدت إلى اختفاء الكائن البشري. انطلاقًا من ذلك، وسعيًا للإجابة عن سؤال: ما دور الثقافة المدينية الحديثة في تصاعد النزوع الفرداني؟ يسرد المؤلف العديد من الأفكار والأطروحات المؤكدة للدور المحوري لهذه الثقافة في تدعيم ازدياد معدلات النزعات الفردانية في المجتمعات (ص 49–1461)، وذلك من دون إغفال تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في استثمار التقنية لإنتاج واقع يتقاطع مع رؤية الفرد لذاته؛ بمعنى إنشاء حياة منقحة بوساطة التقنية، واستخدام هذه الشبكات لتمثّل إحدى أدوات إضفاء الاتساق في حياة الفرد.

ثالثًا: إضفاء القداسة ومحاولات البحث عن المعنى

تمثل حاجة الإنسان إلى وجود مبدأ أو مبادئ عامة ينطلق منها إحدى حاجاته الأساسية؛ إذ إنه يصعب على المرء التعامل مع الحياة عند فقدان مقدس في تصوراته ورؤيته للوجود والحياة. ونتيجةً لذلك نجد المحاولات المتكررة في إيجاد البديل من حالة العزوف عن الأديان التقليدية،

والتي تس ببت في حالة من النقص الوجودي في معنى الحياة وقيمتها. ويتزامن ذلك مع فشل جل المحاولات الأخرى في الحفاظ على أسس أخلاقية واضحة تتفق عليها المجتمعات، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية، وسعي المجتمعات الحثيث لإيجاد أساس ما، كما يشير إلى ذلك بصفة تفصيلية تايلور. في إطار هذه الفكرة، يناقش المؤلف الاتجاهات العدمية، وذلك في نظرتها إلى الوجود، وطبيعة أطروحاتها الساعية لتعقيد الأجوبة عن أسئلة المعنى؛ إذ إن هذه الاتجاهات العدمية في مجملها تعمل على حصر المعنى في إطار اللامعنى، هروبًا من تبعات حالة اللاجواب عن أسئلة المعنى (ص 206–202). ونجد أن المحلل النفساني ماريو جاكوبي Mario Jacoby 1–925(2011) يؤكد هذه الفكرة، فيقول: "من يتحدثون باستمرار عن عبث الحياة الحديثة ولامعقوليتها يبدو أنهم لاشعوريًا يجدون معنى في معرفتهم بحقيقة أن الحياة بلا معنى"!. يمثل الجسد إحدى أدوات مقاومة الهشاشة الوجودية الناتجة من اضمحلال المعنى، في ظل تزايد موجات العدمية والنسبية، وتراجع السرديات الكبرى، ويوفر شيئًا من اليقين الحسي في عالم يزداد تجريدًا. وقد أدى هذا التمركز حول الجسد إلى التعامل معه بوصفه ظاهرة يجب تشكيلها، وتكثيف شعورها، وإثبات تفرّدها وأصالتها على نحوٍ دائم ومستمر، والإحساس

(6) Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: The Belknap Press of Harvard University Press, 2007), pp. 505–513.

بحدود ذاتها. وتقود مثل هذه الأهداف إلى تعريض الجسد للمشاقّ والآلام الطوعية. وتمثل العمليات التجميلية، وظاهرة الوشوم والثقوب الجسدية، ومشاريع الصحة والحمية، والخوف من الشيخوخة، وممارسة الرياضات العنيفة والخطرة، أبرز الأمثلة على ذلك. وهو ما يقود إلى السعي لتكثيف جرعات الألم على الجسد؛ في محاولة لاستدامة الكثافة الشعورية، وإبعاد الرتابة من الحياة والوجود (ص 218–208). وكما يشير عبد الوهاب المسيري (2008–1938)، فقد جرى منح الجسد أسبقية معرفية وأخلاقية على كل شيء، وتمّ إحلاله محلّ الإله. في السياق ذاته، يجري تحميل الحب والعلاقات الحميمة مسؤولية استنقاذ معنى لحياة الأفراد في الواقع المعاصر؛ إذ يجري إضفاء القدسية على مشاعر الحب، ومن ثم التعامل مع الشريك على هذا الأساس، ومطالبته بتوفير الاحتياجات الروحية والأخلاقية (ص. 300)–292 ومثّل الولاء للدولة القومية الحديثة أحد أهم البدائل من الأديان المؤسسية، وذلك سعيًا لخلق همّ مشترك، ومشاعر جماعية، وأساس وحدوي لأفراد المجتمع، بدلًا من الارتباط بما هو ميتافيزيقي. بعبارة أدقّ، جرى استبدال الثالوث الديني المقدس (الأب، والابن، والروح القدس) بثالوث دنيوي (الأرض، والأمة، والدولة) (ص 229–228). وعلى غرار بقية الأديان نجد حضورًا مكثفًا للطقوس؛ سعيًا لترسيخ المقدسات الجديدة، والتي يمكن أن نجدها بوضوح في الممارسات الطقوسية المصاحبة للاحتفالات الوطنية المختلفة. وفي الحصيلة، احتلت الدولة

القومية الحديثة المقام المخصص للإله في الحب والولاء والتضحية (ص 236–233)، فهي تتوخى في الوقت ذاته كل الوسائل الممكنة لتحافظ على قدسيتها، وذلك بممارسة أدوار البستاني والمهندس والطبيب، كما يشير إلى ذلك زيغمونت باومان

يرى المؤلف أن دعوات البحث عن دين خاص أو شعور روحاني، لا يرتبط بأي من المؤسسات الدينية التقليدية ولا يستلزم أي تمظهر في الحياة العامة، مثّلت بديلًا آخر من العقائد الجماعية. وتهدف مثل هذه الممارسات، كما يقول راينر فونك، إلى "القيام بتجارب والتمتع باللحظة والعيش في الآن والهنا، وتجاوز حدود الفضاء والزمن عن طريق تمارين وممارسات دينية وروحية". ويعني هذا الحفاظ على قدر من الاتزان النفسي المساعد على الإجابة عن أسئلة المعنى، مع التخفف من أي حمولات دينية مباشرة (ص. 260)–244 وبالمنطق نفسه، تُعتبر الرياضة الحديثة أيضًا بديلًا آخر، وهي تشِّكِل إطارًا للمعنى؛ فالاستناد إلى التحالفات الرياضية هدفه بناء الولاءات والعداوات والمعارك، وتحقيق درجات من الإشباع البدني والفكري. ويمكننا أن نسقط الفكرة نفسها، ولكن بدرجة أقل، على النشاطات والمنتجات الاستهلاكية، وآليات الشركات لاستدامة الشراء والاحتفاظ بالعملاء (ص. 270)–260 أما الفن فيوفر بديلًا من المتع الروحانية، التي لا تستلزم الارتباط بدين معيّن، خاصة مع استقلال الفنون لتصبح موازية للدين (ص –323 328). وتسمح الفنون بالإشباع الروحي المؤقت وتأجيل أسئلة المعنى بصفة مستمرة ومتكررة، ويمثل الواقع الحالي، بكثرة فنونه المتاحة ومضامينه المتنوعة، بعدًا آخر يعزز قدرة الفن الاستلابية وإخراج الأسئلة الوجودية وأسئلة المعنى من دائرة اهتمام الفرد المعاصر (ص. 353)–352 من المهم الإشارة إلى أن الأيديولوجيات السياسية، الشيوعية والنازية والفاشية على سبيل المثال، مثّلت أبرز البدائل التي جرى تصديرها في بدايات موجات الحداثة. وقد تس ببت هذه الأيديولوجيات لاحقًا في العديد من الصراعات وموجات الاحتراب في القرن العشرين، ما ولّد عداءً لكل العقائد الجماعية، متزامنًا (هذا العداء) مع بروز الدعوات الفردانية، التي أفضت في نهاية المطاف إلى الإيغال في الاهتمام بالخيارات الفردية، واعتبارها بديلًا من إقصاء أي مطلق في الإطار السياسي العام. إجم لًا، يمكننا القول إن هذه الإجابات المطروحة ترتبط بإشكاليات جوهرية تتمثل في السعي للبحث عن تحقيق المعنى من خلال الآخر، أو حقيقة كون هذه الإجابات إجابات أرضية دنيوية ناقصة، تتصف بعدم قدرتها على الاستمرار وإيجاد المعنى بطريقة متصلة ومتسقة. وقد عبّر الفيلسوف الأميركي وليم هوكنغ William Hocking (966–18731) عن ذلك بقوله "كل ما يرجى منه أن يضفي المعنى على الحياة ينتهي إلى هدم ذلك المعنى".

في مقام الخاتمة

يناقش المؤلف في الفصلين الأخيرين من الكتاب (ص 425–355) واقع استحالة تأسيس نظام متين وفعال للمعنى، بمعزل عن أي سردية تاريخية عامة؛ فبناء المعنى شخصيًا وتاريخيًا يتم عبر الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهو ما يعني عدم إمكانية استنباط معنى للحياة وتأسيسه من دون استحضار سردية تاريخية وزمانية ممتدة، تستوعب هذه السردية الماضي، وتمهد للمستقبل، وتساعد على فهم آلام الحاضر وتحمّل مسؤولياته. ووجود مثل هذه العلائق والامتداد الزمني الواضح في مجتمع ما، يمنحانه الأساس في بناء لحمته، ويشّكلّان كينونته وذاته المجتمعية المتسمة بالديمومة. وتقدّم الأديان السماوية، على نحوٍ متفاوت، مثل هذه السرديات المتماسكة والقادرة على الإجابة عن أسئلتها اللازمة. ويستدل المؤلف على ذلك بتقديم الإسلام تصورًا عاًّمًا للتاريخ؛ يرتسم هذا التصور في صورة خطّية تبدأ منذ أن بدأ الخلق، ذاته. وتمتد حتى انفتاح الزمان على الأبدية. وتتسم هذه السردية بقدرتها على الحفاظ على الاتساق؛ فهي تبين طبيعة الأزمنة الثلاثة وموقع الإنسان داخلها ومصيره في الوقت ذاته، والتي تفسر الحالة الإنسانية في أدق معضلاتها الوجودية،

المراجع

العربية

أبو جبر، حجاج. نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيجمونت باومان وعبد الوهاب المسيري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

وذلك على عكس سرديات أخرى تتجاهل الأبعاد الجوانية الخفيّة للإنسان، وتكابر في تقبّل موته المطلق من غير رجعة، وتتناسى أشواقه الباطنة إلى الخلود، وعطشه العميق للحياة الأبدية. ويفصل المؤلف في هذه النقاشات، مع تأكيده عدم حصر مبررات وجود الأديان في الإجابة عن أسئلة المعنى.

وفي ختام هذه المراجعة، نود أن نؤكد أن الحديث عن الأفكار المجردة ومناقشتها نظريًا، لا يعني كون هذه الأفكار نتيجة لتأملات نظرية مجردة، بل هي نتاج للسياق السياسي والاقتصادي والتدافع المجتمعي، إضافةً إلى حركة الوقائع التاريخية. وهو ما يؤكد أهمية السياق ومحورية استحضاره الدائم عند قراءة هذه الأفكار ومناقشتها، في هذا الكتاب وفي غيره. فالواقع الإنساني أشد تعقيدًا من أن يتم اختزال تشكله ومناقشة ظواهره على المستوى النظري، وإغفال حقيقة الواقع المركبة من الفعل الإنساني الفاعل والمنفعل في الوقت ختامًا، يُحسب للمؤلف قدرته على استحضار الشواهد للأفكار محل النقاش، والتي أضفت سمة مميزة على الكتاب، الذي من المفيد التعامل معه باعتباره فهرسًا للأجوبة المنثورة في الأدبيات عن أسئلة المعنى والنقاشات المؤطرة لهذه الأجوبة، خاصة أن مراجعه بلغت أكثر من 300 عنوان.

References

دار التنوير للطباعة والنشر،.2018

مج 2، العدد 8 (ربيع.)2014

عبد الكريم. القاهرة: دار العين للنشر،.2020

مج 11، العدد 41 (صيف.)2022

القومي للترجمة،.2015

الأجنبية

باومان، زيجمونت. الخوف السائل. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بوتون، آلان دو. قلق السعي إلى المكانة: الشعور بالرضا أو المهانة. ترجمة محمد عبد النبي. بيروت: بوعزة، الطيب. "مفهوم الرؤية إلى العالم بوصفه أداة إجرائية لقراءة تاريخ الفكر الفلسفي". تبين. جاكوبي، ماريو. التفرد والنرجسية: سيكولوجية الذات في أعمال يونج وكوهت. ترجمة عبد المقصود الحاج صالح، رشيد. "لماذا عادت الهويات لتتصدر عالم اليوم؟ نقد تايلر للحداثة وعلمانيتها". تبين. ساندرز، بيري. اختفاء الكائن البشري. ترجمة سهيل نجم. بيروت: دار الرافدين للطباعة والنشر، المسيري، عبد الوهاب. اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود. القاهرة: دار الشروق،.2002 هوكنج، وليام إرنست. معنى الخلود في الخبرات الإنسانية. ترجمة مترى أمين. القاهرة: المركز