في تأنيث الأخلاق: العناية مقابل العدالة
On the Feminization Ethics: Care versus Justice
الملخّص
تستكشف هذه الدراسة أهمية أخلاقيات العناية في الفكر الأخلاقي الغربي المعاصر، وكيفية تحدّي المقاربة الليبرالية لفهم الذات ومعالجة الاحتياجات الاجتماعية والسياسية؛ وترفض أخلاقيات العناية فكرة الذات باعتبارها كيانًا مجردًا ومعزولًا، وتسلط الضوء بدلًا من ذلك على الترابط والاعتماد المتبادل بين الأفراد في المجتمع. وتهدف إلى البرهنة على أن المقاربة الليبرالية، القائمة على مبدأ المساواة، تفشل في استيعاب تعقيد العلاقات الإنسانية، وتتجاهل أهمية قيم مثل الحب والرحمة والحساسية العاطفية. وتجادل الدراسة بأن دمج أخلاقيات العناية في الممارسات الديمقراطية يمكن أن يقدم منظورًا مختلفًا للأخلاق، ويضفي طابعًا رعائيًا على العمليات السياسية؛ وليس الهدف من ذلك تأنيث الأخلاق، كما يدعي بعض النقاد، بل تعزيز العدالة الليبرالية بفهم أعمق للتجارب الإنسانية والهويات السردية.
Abstract
Abstract: This study explores the significance of the ethics of care in contemporary Western moral thought and how it challenges the liberal approach to understanding the self and addressing social and political needs. The ethics of care rejects the notion of the self as an abstract and isolated entity, emphasizing instead the interconnectedness and interdependence of individuals within society. It aims to demonstrate that the liberal approach, based on the principle of equality, fails to capture the complexity of human relationships and neglects the importance of values such as love, compassion, and emotional sensitivity. The study argues that integrating the ethics of care into democratic practices can offer a different perspective on morality and infuse political processes with a nurturing character. The goal is not to feminize ethics, as some critics claim, but to enrich liberal justice with a deeper understanding of human experiences and narrative identities.
- أخلاقيات العناية
- العدالة الليبرالية
- الاعتمادية
- الحساسية
- تأنيث الأخلاق
- ديمقراطية العناية
- Ethics of Care
- Liberal Justice
- Interdependence
- Sensitivity
- Feminization of Ethics
- Care Democracy
وترفض أخلاقيات العناية فكرة الذات باعتبارها كيانًا مجردًا ومعزولًا، وتسلط الضوء بدلًا من
ذلك على الترابط والاعتماد المتبادل بين الأفراد في المجتمع. وتهدف إلى البرهنة على أن المقاربة الليبرالية، القائمة على مبدأ المساواة، تفشل في استيعاب تعقيد العلاقات الإنسانية، وتتجاهل أهمية قيم مثل الحب والرحمة والحساسية العاطفية. وتجادل الدراسة بأن دمج
أخلاقيات العناية في الممارسات الديمقراطية يمكن أن يقدم منظورًا مختلفًا للأخلاق، ويضفي
طابعًا رعائيًا على العمليات السياسية؛ وليس الهدف من ذلك تأنيث الأخلاق، كما يدعي بعض
النقاد، بل تعزيز العدالة الليبرالية بفهم أعمق للتجارب الإنسانية والهويات السردية.
مقدمة
إن الغلبة التي حقّقتها أخلاق العدالة الليبرالية وفكرة الحقوق الفردية، سواء ارتكزت على أخلاق الواجب الكانطية أو أخلاق المنفعة الرأسمالية، لم تمنع ظهور أخلاق العناية، التي لا ينظر إليها أصحابها بوصفها مجرد منهج تصحيحي يتبناه التيار النسوي، ويهدف إلى علاج كل المظالم التي تسببت فيها سياسات تأويل الحاجات البشرية على قاعدة تصور للذات يختزلها في بعدها العقلاني المجرد والقانوني الحقوقي، بل باعتبارها قيمة وممارسة وبديلًا معياريًا أكثر كفاءة وقدرة على الانتباه إلى الأبعاد السياقية والواقعية للفعل الأخلاقي، الذي يضفي قيمة أكبر على الطابع العلائقي والتبادلي والاعتنائي للتفاعل الإنساني. وإذا كانت النظريات أو الفلسفات المعروفة باسم "أخلاق العناية" قد نشأت بعد دراسة نشرتها كارول جيليغان في الولايات المتحدة الأميركية، وهي دراسة استقصائية لعلم النفس الأخلاقي، سلطت الضوء على حقيقة أن معايير اتخاذ القرارات الأخلاقية تختلف عند الرجال الذين يفضلون منطق الحساب العقلي والرجوع إلى الحقوق عنه عند النساء اللاتي يفضلن قيمة العلاقات، مع التركيز على ما يمكن أن يدعم العلاقات الشخصية ويطوّر التفاعل الاجتماعي، فإنّ ذلك أدّى إلى تأسيس نموذج أخلاقي جديد للعناية بوصفها القدرة على الاهتمام بالآخرين ورعايتهم. وبعيدًا عن اختزال هذا النموذج الجديد في "أخلاقيات أنثوية"، تجاوزت أخلاق العناية حدود الدراسات النسوية، لتلقي ضوءًا جديدًا على الأنثروبولوجيا الأخلاقية والأخلاق
المعاصرة، من خلال دراسة الصلة بين البعد الشخصي للعلاقات وبُعدها الاجتماعي، والتساؤل عن كيفية الاهتمام بالمجتمع والعالم الذي نعيش فيه. هنا، إذًا، سنحاول التعرّف إلى أهمية أخلاقيات العناية بصفتها نظريةً أخلاقية وسياسية لدراسة ما تعنيه
رعاية الآخرين، على المستويات الفردية والأسرية والاجتماعية والإنسانية، واستكشاف سُبل تعزيز الاهتمام بالعناية من خلال الأفراد والمجموعات المتنوعة. وسنربط هذه الأهمية المتصاعدة لأخلاق العناية في مجالات التفكير الأخلاقي والممارسة السياسية، بما تتعرض له أنماط التفكير العقلاني للأنوار والمراس الليبرالي للعدالة من مآزق سواء في علاقة بما تولّد منها من نوازع هيمنة أيديولوجية وسياسية واقتصادية أو في علاقة بما تمخض عنها من أشكال تفاوت وتمييز على أساس العرق والجندر والانتماء الطبقي. وسنعمل من خلال هذه الدراسة على بيان منزلة أخلاق العناية وقيمتها في التفكير الأخلاقي الغربي المعاصر، وما تطرحه من تحديات للمنوال الليبرالي وما يمكن أن تقدمه من آفاق نظرية في تمثّل مغاير للفعل الأخلاقي خارج الاختزالية الليبرالية ولطبيعة العلاقات الاجتماعية، وما تقترحه من حلول مؤسساتية من خلال إضفاء الطابع الاعتنائي على الممارسات الديمقراطية، وما تعدنا به من إمكانات لإعادة النظر في العلاقات الدولية والسياسة العالمية. ومن ثمّ، تتمثّل الإشكالية الأساسية لهذه الدراسة في المقابلة الفكرية بين نظرية العدالة الليبرالية وأخلاق العناية من خلال امتحان الأفكار والآراء التي تعتقد أنّ أخلاقيات العناية في استطاعتها أن
. Carol Gilligan, Une voix différente: Pour une éthique du care (Paris: Flammarion, 2008) ((ينظر:(
تمنحنا تصورات ورؤى أساسية لتحقيق هذه المهمة، ليس على المعنى الذي يُنظر به إليها ويتهمها
بكونها نمطًا من تأنيث الأخلاق الذي تسعى لفرضه الأخلاق النسوية إزاء هيمنة الأخلاق العقلانية وفي سياق حربها المفتوحة على كل أشكال الهيمنة الذكورية، وإنّما في معنى تغذية أخلاق العدالة الليبرالية بمنابع فكرية وعملية تُمكّن من إعادة الاعتبار لقيم الحب والتعاطف والرعاية والحساسية الشعورية ولتجارب الأشخاص الواقعية بوصفهم هويات سردية لا ذوات مستقلة ومتحققة ميتافيزيقًّيًا. فما أخلاق العدالة؟ وكيف يمكن اعتبارها محاولة لتجاوز مآزق الليبرالية في الإيفاء بوعودها في المساواة والتوزيع العادل للخيرات والموارد والحقوق؟ وإلى أي حدّ يمكن اعتبارها نزوعًا إلى الهيمنة الذكورية على الأخلاق والسياسة؟ وكيف نفهم أخلاقيات العناية؟ أهي مجرّد منظور نسوي يسعى
لتأنيث الأخلاق من دون قدرة على ضمان حلول واقعية لمشكلات التمثل الأخلاقي والتدبير السياسي للعيش الإنساني، أم هي مقاربة مغايرة وصوت مختلف يسعى لإعادة النظر في العيش الإنساني على قاعدة الطابع الاعتنائي والرعائي في تدبير الوجود للأفراد والمجتمعات والعالم؟ إن معالجة مسألة أخلاقيات العناية وعلاقتها بمشكل العدالة والأخلاق الليبرالية تستدعي تقسيم عملنا إلى أربع إشكاليات أساسية: 1. الإشكالية الأولى: سنحاول الاشتغال بطبيعة العلاقة بين نظرية العدالة وأخلاق العناية على جهة تقديم تعريفات واضحة لما نقصده بأخلاق العدالة عند جون رولز John Rawls (2002–1921)، مع الإحالة إلى الأصول والمصادر الفلسفية الكانطية لنظريته في العدالة وعرض أهم الانتقادات التي وُجّهت إلى طابعها الشكلاني والقانوني الذي يغذّي نزوعًا فردانًّيًا تملّكًيًّا لا ينتبه إلى أشكال
التفاوت ويخفي مفاعيل هيمنة استراتيجية داخل نمط العلاقات النفعية والمصلحية التي يكرّسها
النظام الرأسمالي؛ ثم بيان الأصول الفلسفية لأخلاقيات العناية ومنزلتها، من خلال التساؤل حول إذا ما كانت هذه الأخلاق مجرد منظور نسويّ للفعل الأخلاقي يسعى لتأنيث الأخلاق من خلال
توسيع معيار الأمومة الأسري داخل الفضاء العمومي والسياسة العامة بداعي التحرّر من الهيمنة
الذكورية على مجالات الأخلاق وسياسة العيش المدني، أم قيمة ومعيارًا وممارسة أخلاقية
وسياسية يتجاوز النظر إليها بوصفها شكلًا تصحيحًّيًا وعلاجًّيًا للمظاهر المرضية التي تفتك
بالمجتمعات الديمقراطية، لكي ينزّلها منزلة البديل الفكري والعملي لنظريات العدالة في تمثّل العيش الإنساني وتدبيره. 2. الإشكالية الثانية: سيكون مدار البحث فيها التساؤل عن وجاهة القول بوجود اختلاف في الأسس والمنطلقات الفلسفية بين أخلاق العدالة الليبرالية ذات المرجعية الكانطية العقلانية الصرفة وأخلاقيات العناية بمصادرها داخل فلسفة الأخلاق التجريبية لديفيد هيوم David Hume (1776–1711) أو تصورات الفلسفة النسوية للعناية من خلال مبدأ الأمومة، باعتباره النمط الأمثل الذي في مقدوره أن يستوفي البنية الاعتنائية للكائن الإنساني في أبعاده الأنطولوجية والمعرفية والعملية، يتجاوز المنظورات الليبرالية للفرد المستقل والقادر على الفعل العقلاني.
3. الإشكالية الثالثة: سيكون موضوعها مسألة المقابلة بين أخلاق العناية ونظرية العدالة الليبرالية في مستوى تمثل الفعل الأخلاقي ومبادئ الاجتماع الإنساني، حيث سنحاول اختبار الرأي الذي يقيم التمييز الجذري بين النزوع التقعيدي والقانوني لأخلاق العدالة والمقاربة السياقية لأخلاقيات العناية، التي تدعو إلى عدم التفكير في الحقوق السياسية والعدالة بمصطلحات تقليدية يهيمن عليها الحقل الدلالي للنموذج التعاقدي، وتقترح إعادة صياغة تفكيرنا حول الحقوق بصيغة بديلة تركّز على الاهتمام والرعاية والحساسية والتعاطف ضمن النموذج الاعتنائي. 4. الإشكالية الرابعة: تتعلق بمسألة تسييس العناية، حيث سنحاول استشكال مزاعم أخلاق العناية في تجاوز النزوع الليبرالي إلى التمييز بين المجال الخاص والمجال العام، من خلال إعادة النظر في الحدود المرسومة بين هذين المجالين، وفي أسس المواطنة من حيث التمُّتُع بالحقوق
الاجتماعية والسياسية الأساسية، حتى تشمل العاملات والعاملين في مجال العناية من النساء والمهاجرين من دون تمييز. ومن ذلك، سننتهي إلى البعد العالمي لأخلاقيات العناية من جهة
التساؤل حول وجاهة اعتبارها أفقًا أخلاقًّيًا بديلًا من فهم التدبير السياسي للعيش داخل العالم،
من خلال التأسيس لأخلاقيات العناية النقدية، في سياق العلاقات الدولية في عالم معولم.
أولا: الأخلاق الليبرالية وأخلاقيات العناية
من الضروري تأكيد أن النقاش الفلسفي حول مسألتَي نظرية العدالة وأخلاقيات العناية قد أخذ يفتكّ مساحات واسعة من الاهتمام في الأوساط الأكاديمية في الفترة نفسها تقريبًا؛ أي في ثمانينيات القرن
العشرين. وقد مثّل كتاب رولز نظرية في العدالة (1971) من جهة، وكتاب جيليغان صوت مختلف (1982) من جهة أخرى، الأساسَين الفكرَّيَين للنقاش المفتوح والمتعدد الاختصاصات حول مسائل
العدالة والأخلاق والعناية. واللافت للنظر، في هذا الإطار، هو السياق النظري والسياسي الذي ظهرت فيه هذه النقاشات، حيث تزامنت مع بدايات انهيار وعود دولة الرعاية لما بعد الحرب العالمية الثانية والنزوع السياسي إلى بدء مرحلة جديدة من التدبير الليبرالي للعالم، من خلال السعي لتحرير الأسواق من القيود القانونية والأخلاقية والوعد بالرفاه العالمي. وإذا كان رولز يريد "صياغة نظرية في العدالة الاجتماعية، تنهض على جملة من القيم الأخلاقية المشتركة بين مواطني مجتمع ديمقراطي تعدّدي، تقدم التسويغ السائد في المجال الأنكلو–أميركي للعدالة الاجتماعية ولسياسات دولة الرفاه، بديلًا من النظرية المنفعية"، فإنّ جيليغان أرادت تأكيد قصور التصور الليبرالي للاستقلالية الذاتية والاختيار العقلاني؛ إذ إنها لفتت الانتباه إلى ما تصفه بالتحيّز المنهجي والمفاهيمي الكبير في تشكيل المعرفة
الأخلاقية، والذي يميل إلى تثمين المنظور العقلاني الذكوري على حساب إهمالٍ وإغفالٍ لمنظور اعتنائي شعوري يتعلق بالنساء والأسرة والأمومة؛ ذلك أنّ أخلاقيات العناية، كما صاغتها جيليغان،
ينظر ((:(
Fiona Robinson, Globalizing Care, Ethics, Feminist Theory and International Relations (Boulder, CO: West View Press,
(((منير الكشو، "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها"، تبين، مج 9، العدد 36 (ربيع 2021)، ص.50
هي الصوت المختلف، والتي تستند في تسويغ شرعيتها إلى مفهوم مغاير للذات بوصفها ذاتًا متصلة بالآخرين وليست منفصلة، وإلى مفهوم بديل للقدرات الأخلاقية يركّز على الحساسية والاهتمام باحتياجات الآخرين والاستجابة لها. وهكذا رأت أنّ هذا الصوت المختلف الذي تصفه، لا "يتميّز
بطابعه الجندري، بل بموضوعه، وكونه مرتبطًا بالنساء هو نتيجة ملاحظة تجريبية؛ وإذا تمكنت من تحديده وتتبّع مراحله من خلال الاستماع إلى أصوات النساء، فإنّ هذا الارتباط ليس مطلقًا".
1. أخلاق العدالة الرولزية
قدّم رولز قراءة مبتكرة ومصمّمة بصدق على إمكانية التأسيس لمجتمع قائم على المساواة؛ فمن خلال إصراره على أهمية وجود مجال سياسي خارج السوق وبعيدًا عن الهدف النفعي المتمثل في مجرد توزيع الرفاه، نظّر للحاجة إلى مجتمع عادل وفضاء سياسي خاص به، حيث يمكن معاملة جميع الناس على أنهم أحرار ومتساوون. وهكذا اعتبر أن العدالة هي الفضيلة الأساسية للمؤسسات الاجتماعية، حيث يتم فهم المجال السياسي من خلال مقاربة معيارية تصل إلى حد التساؤل عن طبيعة المجتمع العادل. وهنا، تجد هذه الليبرالية قوّتها في النزعة الكونية المجردة المزعومة والعقلانية الموروثة Jean–Jacques Rousseau) وجان جاك روسّو 1704–1632(John Locke عن نظريات جون لوك (1778–1712)، وإيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724) حول العقد الاجتماعي في تأسيس مجتمع عادل وابتكار ثقافة عمومية. إن العقد الاجتماعي، بالنسبة إلى رولز، ليس "حالة طبيعة" مصممة لتبرير الحاجة إلى بناء مجتمع معيّن أو لتأسيس شكل محدّد من أشكال الحكم، بل هو وضع أصلي يتيح الاعتراف بمبادئ العدالة
في فضاء مشترك؛ وهذه المبادئ "سوف يقبلها أفرادٌ أحرار وعقلانيون، يهتمون بتحقيق مصالحهم الذاتية في وضع مبدئي من المساواة، على أنّها تحدّد الشروط الأساسية لرابطتهم". وهكذا تبدو نظرية العدالة عند رولز الصيغة التعاقدية الحديثة الأشد تأثيرًا في الفكر الليبرالي، والتي تستبدل فكرة
حالة الطبيعة الموجودة في النظريات التعاقدية الكلاسيكية بحالة تعاقدية مثالية وافتراضية؛ ففي الوقت الذي يتعيّن فيه على الأفراد أن يحدّدوا، عن طريق التداول، مبادئ العدالة التي ستنظّم علاقاتهم وتضع
الشروط العادلة لتعاونهم، يتم وضع شركاء العقد الاجتماعي تحت "حجاب الجهل"، الذي يجعلهم محرومين من بعض المعلومات المتعلقة بخصوصياتهم الفردية ووضعهم الاجتماعي ومصيرهم في التوزيع العشوائي للخيرات والقدرات، وكذلك مفهوم الخير الذي يفضّلونه. وهنا، سيختار الشركاء مبدأين للعدالة: "مبدأ الحريات المتساوية للجميع ومبدأ الاختلاف"، والذي بموجبه يفترض عدم المساواة من حيث المنافع الاجتماعية الأولية المتاحة للمواطنين، التي يجب أن تكون لصالح الأشخاص الأشد حرمانًا وتضرّرًا.
(4) Gilligan, p. 12.
(((جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 2011)، ص.39 (((المرجع نفسه، ص.43
وقد وجدت فلسفة رولز السياسية ذروتها في الفكر القانوني، حيث إنّ العدالة يجب أن تجعل من الممكن إقامة توافق ديمقراطي يطيع من خلاله المواطنون القوانين التي اختاروها بأنفسهم، من أجل احترام المساواة والحرية المتأصلة في جميع البشر. ومن ثمّ، فالأسس الدستورية للمجتمعات والنظم القانونية كافية لتأسيس ديمقراطية متجدّدة، تمنح الجميع فرصة تحقيق إمكاناتهم في دولة تحكمها سيادة القانون؛ ويفترض هذا التأويل للوضع الأصلي، الذي يطرح خيار المجتمع من منظور عقلاني، أن يتم تصور الأعضاء أفرادًا مستقلين يلتزمون طواعية بنظام تعاون اجتماعي. وهذا التصور المشتق من نظريات العقد الاجتماعي لتوماس هوبز Thomas Hobbes (1679–1588)، ولوك وروسو وكانط، يختزن فكرة ضمنية واحدة من دون تغيير: العقد الاجتماعي يتم إبرامه بين الذكور البالغين وأرباب الأسر البيض الذين يكونون عقلانيين إدراكًّيًا ولائقين بدنًّيًا، حيث يكون الأشخاص ذوو الإعاقة والنساء
اللواتي يعتنين بهم على هامش العقد الاجتماعي. لقد كانت نظرية رولز للعدالة موضوع العديد من الانتقادات منذ ثمانينيات القرن العشرين، وغالبًا
ما تركز النقاش المتعدّد الأصوات على مفهوم "الشخص" الذي يعمل باعتباره ذاتًا مستقلّة وموضوعًا لمبادئ العدالة. وهنا، تعرّض مفهوم الشخص بوصفه فاعلًا مستقلًا وقائمًا بذاته لانتقادات من مصادر
مختلفة؛ إذ أشار الجماعاتيون والمدافعون عن سياسات الهوية إلى الفردية المفرطة التي تميّز هذه
المقاربة التي يُنظر فيها إلى الشخص المستقل على أنه موجود قبل صياغة الغايات والانتماءات، التي تشكّل توجّهه القيمي وهويّته. وشجب أنصار ما بعد الحداثة افتراضات الذات المستقرّة والشفافة،
التي تحدّد خياراتها العقلانية من خلال الاسترشاد بمبادئ موضوعية للأخلاق. أما النسويّون، فأشاروا إلى التحيّز الجندري المتضمن في تثمين الفرد المستقل الذكر والخالي من الروابط الأسرية وعلاقات
العناية. وهكذا، من خلال جعل عقلانية الذات الفاعلة قوة أخلاقية ضرورية لمشاركته في العقد الاجتماعي، الذي تم تصوره في شكل الوضع الأصلي تحت ستار الجهل، فإنّ رولز، مثل كانط من قبله، يستبعد ضمنيّا الأشخاص ذوي الإعاقات المعرفية وحتى الجسدية، حيث إنّ هذه النظريات،
بحسب مارثا نوسباوم، "لا تترك مج لًا لأولئك الذين لا يتساوون فترات طويلة من حياتهم، أو حتى طوال حياتهم، في مستوى مساهمتهم في الإنتاجية أو الذين يعيشون حياة غير متكافئة بسبب حالة التبعيّة". كما أن الافتراض، الذي يعتبر أن طرفي العقد متساويَين على المعني الأخلاقي، يغفل
المنزلة الهامشية لقطاعات العمل الاعتنائي داخل المجال العائلي، والذي تقوم به عادة النساء من دون تثمينه اقتصاديًا، والعمل الرعائي الذي يرتبط بمجالات الأعمال الوضيعة والمهمّشة التي يقوم بها عادة النساء والمهاجرون. وإذا اكتفت بعض النسويات الليبراليات، مثل سوزان مولر أوكين (2004–1946)، بالدعوة إلى توسيع مبادئ العدالة لتشمل مؤسسة الأسرة أو الدفاع عن مقاربة الاختلاف في القدرات بين البشر
(7) Martha Nussbaum, Frontiers of Justice (London: Harvard University Press, 2006), p. 28–34.. Susan Moller Okin , Justice, Gender, and the Family (New York: Basic Books, 1989) ((ينظر:(
عند مارثا نوسباوم، أو نقد آنيت باير (2012–1929) وإيفا فيدر كيتاي لليبرالية رولز بسبب فشلها في التعبير عن علاقات التبعية، بوصفها مؤشرًا حقيقيًا على الضعف الإنساني وعلى حالات الظلم، حيث تُحال هذه العلاقات إلى عالم ما دون السياسة، لأنها لا تتكشّف وفقًا لروابط العدالة التي تحدّدها حصريًا المعاملة بالمثل بين الأشخاص الأحرار والمتساوين، فإن المدافعات والمدافعين عن أخلاقيات العناية يعتقدون أن المشكل في الأخلاق الليبرالية هو مسألة بنيوية، حيث يرى مايكل سلوت أن "الليبرالية في بعض الحالات المعاصرة المهمة تقدم في الحقيقة إجابات خاطئة عن أنواع الأسئلة التي نناقشها، وهذا في حد ذاته يعطينا سببًا للتشكيك في تركيزها العقلاني على الاستقلالية ومنهجها الشامل في رؤية القضايا السياسية والأخلاقية". ومن ثمّ، فهو يرى من الضروري التشريع لمقاربة
جديدة وأن نبدأ في التنظير للأمور على نحوٍ مختلف؛ حيث إنّ "أخلاقيات العناية تعطينا طريقة للقيام بذلك قد تؤدي إلى إجابات معيارية صحيحة من خلال مجموعة واسعة من القضايا السياسية".
2. أخلاقيات العناية
جرى تطوير أخلاقيات العناية على النقيض من أخلاقيات العدالة، ويمكن تحديد بداياتها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، مع استكشاف سارة روديك Sara Ruddick ونيل نودينغز لمبدأ الأمومة والتفكير الذي ينطوي عليه، واهتمامات جيليغان النفسية المتعلقة بالتمييز بين منظور ذكوري يهتم بالجانب العقلي للفعل الأخلاقي ويشرع لمعيار العدالة، ومنظور نسائي يهتم بالبعد العلائقي في تمثل السلوك الأخلاقي الجيّد من خلال أخلاقيات العناية، التي وقع استبعادها سابقًا ولم يتم الاعتراف بأهميتها الأخلاقية. وهكذا، كان للعمل المبكّر للباحثة في علم النفس جيليغان في أوائل الثمانينيات حول ما تسمّيه ب "الصوت المختلف"، الدور الأساسي في إشاعة هذا المفهوم؛ إذ أثناء إجراء بحث باستخدام مقياس التطور الأخلاقي الذي طوّره الباحث في علم النفس لورانس كولبرغ Lawrence Kohlberg (1987–1927)، اندهشت جيليغان من التحيّز المنهجي في مقاربة الأداء الضعيف للفتيات الصغيرات في حلّ المعضلات الأخلاقية، مقارنة بالأولاد الذين كانوا في مستويات أعلى من النضج
. Annette Baier, Moral Prejudices. Essays on Ethics (Cambridge: Harvard University Press, 1994) ((ينظر:(
ينظر ((1:(
Eva Feder Kittay, Love’s Labor, Essays on Women, Equality, and Dependency (New York: Routledge, 2020). (11) Michael Slote, "Care Ethics and Liberalism," in: Daniel Engster & Maurice Hamington (eds.), Care Ethics and Political Theory (New York: Oxford University Press. 2015), p. 43. (12) Ibid., p. 44.
(1((تنطلق نودينغز من ملاحظة أن النساء يفكرن على نحوٍ مختلف عن الرجال؛ إذ يمكن أن تعطي المرأة أسبابًا لأفعالها، لكنها
تعتقد أنّ "هذه الأسباب غالبًا ما تشير إلى العواطف والاحتياجات والانطباعات والشعور الشخصي بالمثل الأعلى بدلًا من المبادئ
العالمية وتطبيقاتها". وبالنسبة إليها فإن العلاقة الأمومية هي النموذج الأصلي؛ ذلك أنّ الأمهات هن مقدمات الرعاية الرئيسات؛ وهي
لا تعتبر العناية نوعًا من التفكير الأخلاقي الفردي، بل تراها شكلًا من العلاقة التي توجد بطريقة طبيعية خاصة بين الأم وطفلها. ينظر:
Nel Noddings, Caring: A Feminine Approach to Ethics and Moral Education (California: University of California Press, 1984), p. 3.
الأخلاقي وفقًا لمقياس التطور الأخلاقي لكولبرغ، مع الإشارة إلى التساوي في جميع الأشياء الأخرى، مثل العمر ومستوى التعليم. وقد أُجري الاستطلاع الذي أسّس عليه كولبرغ نظريته في التطور الأخلاقي بين الفتيان الصغار في مدرسة ثانوية خاصة في شيكاغو، وكان موضوع الاستطلاع "معضلة هاينز" الشهيرة، كما كانت تستخدم في ذلك الوقت في التحقيقات في علم النفس الأخلاقي. وهاينز هذا يعيش في بلد أجنبي مع زوجته المريضة ولم يكن معه المال الكافي ليشتري لها الدواء، بينما الصيدلي لديه دواء يمكن أن ينقذها، ورفض إعطاءه إيّاه. وهنا طُرح السؤال – المشكل: هل يجب على هاينز سرقة الدواء؟ جيك، وهو صبي يبلغ من العمر أحد عشر عامًا، ليس لديه شك في أن هاينز يجب أن يسرق الدواء، ويضيف أنه إذا تم القبض عليه، فإن القاضي سيتفهم ويجب عليه أن يفرض أخف عقوبة. أمّا إجابة إيمي، وهي فتاة صغيرة من العمر نفسه، فكانت مختلفة، حيث تعتقد أن هناك طرائق أخرى لتدبر الأمر من دون الحاجة إلى سرقة الدواء؛ إذ ترى أنّ في إمكان هاينز اقتراض المال، على سبيل المثال، لكن يجب عليه أّلا يسرق ولا ينبغي أن تموت زوجته في الآن نفسه. وهنا تشير إيمي إلى أنّ ذهاب هاينز إلى السجن، بسبب السرقة، سيجعل زوجته عرضة للفقر والحاجة خاصة إذا مرضت مرة أخرى؛ ومن ثمّ، تقترح أن يتحدث هاينز وزوجته عن ذلك، وأن يجدا سبلًا أخرى لجمع الأموال اللازمة أو إقناع الصيدلي. وإزاء ملاحظة وجود اختلاف كبير في نوع التفكير الأخلاقي، الذي يبدو أن البنات يظهرنه، وهو اختلاف كان كولبرغ قد استبعده من خلال افتراض أنّهن أقل نضجًا على المعنى العقلاني، اعتبرت جيليغان أنّ التوصيف التسلسلي للتطور الأخلاقي في نموذج كولبرغ، يعكس أنماط التطور الأخلاقي لدى الأولاد على وجه الخصوص، ويتجاهل أو حتى ينكر إمكانية وجود نمط تطوري مختلف عند النساء قد يتجلى في الاهتمام بالآخرين؛ وهو يساوي بصورة خاطئة بين هذا الاختلاف والدونية. وهنا توضح جيليغان أنّ إجابتَي جيك وإيمي على التوالي تحيلان إلى منظورين مختلفين: يتعلق الأول بأخلاقيات العدالة ويرتبط الثاني بأخلاقيات العناية. تتناسب إجابة جيك تمامًا مع نظام كولبرغ النظري الذي يضع التفكير المنطقي الاستدلالي في قمة سلّم النضج الفكري والأخلاقي من خلال إدراك جيك منذ البداية البنية المعرفية الداخلية للمعضلة، أي الأولوية المنطقية للحق في الحياة على الحق في الملكية، ويستخدم هذا المنطق لتبرير السرقة ثم اللجوء إلى ظروف التخفيف داخل القانون؛ بينما تحدّد إيمي أصل المشكلة في رفض الصيدلي تلبية احتياجات الآخرين، وليس في تأكيد حقوقه؛ وهي لا ترى في
((1(طوّر كولبرغ، عالم النفس الذي اتبع منهجًا تطوريًا مستوحى من جون بياجيه في علم النفس، نظرية التطور الأخلاقي للفرد،
من الطفولة إلى البلوغ منذ أواخر الخمسينيات وما بعدها. وقد استند نموذجه التطوري في البداية إلى دراسة نفسيّة لأربعة وثمانين
صبيًا أجراها جزءًا من أطروحته للدكتوراه؛ وفي ثمانينيات القرن الماضي كان يمثل النموذج السائد في علم النفس، الذي يتألف من
تسلسل هرمي مرتبًا ترتيبًا هرميًا للأحكام الأخلاقية، حيث تنقسم المراحل الست للتطور الأخلاقي إلى ثلاثة مستويات، يظهر الفرد
وفقًا لها نمط تفكير متزايد التمايز والتجريد والشمولية ويمكن التعرف إلى النضج الأخلاقي للفاعل الأخلاقي من خلال قدرته على
ممارسة حكم محايد يعبر عن مصالح قابلة للتعميم، في حين أن حساسيته واهتمامه بالآخرين وانشغاله بالحفاظ على العلاقات الإنسانية هي أكثر دلالة على عدم نضج الفاعل الأخلاقي.
(15) Gilligan, p. 50.
المعضلة مشكلةً تنطوي على القدرة على استخدام منطق الاستدلال العقلاني، بل قصة علاقات إنسانية تمتد آثارها على مدى الزمن وتتكون "رؤيتها للعالم من العلاقات الإنسانية التي تُنسج معًا لتشكّل لا متماسكًا، وليس من أفراد معزولين ومستقلين تحكم علاقاتهم أنساقٌ من القواعد". هكذا، يبدو أنّ كلا الطفلين يدرك الحاجة إلى الاتفاق، ويكمن الفرق في كون الولد جيك يعتقد أنه يستطيع تحقيقه على نحوٍ غير شخصي من خلال وساطة المنطق والقانون، بينما ترى البنت إيمي أن ذلك لا يتحقق إلا على نحوٍ شخصي، حيث "لا تتصور المعضلة مشكلةً رياضية بل سردًا للعلاقات الإنسانية التي تمتد آثارها بمرور الوقت". وإذا كان نظام كولبرغ يعتبر تفكير إيمي أقل أخلاقية من تفكير جيك، فإنّ جيليغان تشير إلى التحيّز الجندري إزاء الأطفال الذكور دون الإناث، وهي تجادل بأن
المنظور الفكري، وكذلك بناء الحقل التجريبي، لا يجعلان من الممكن تفسير هذه الطريقة الأخرى لتصور الأخلاق: صوت مختلف يصدر عن النساء والرجال معًا، مع إعطاء اهتمام خاص لأصوات النساء اللواتي تم استبعادهن من النظريات النفسية السائدة في أوائل الثمانينيات؛ ولذلك تم فهم العديد من قراء أخلاقيات العناية على أنها أخلاقيات أنثوية. وإذا كان تأنيث أخلاقيات العناية هو مصدر نجاح جيليغان من جهة أنّها تقدم أفكارًا ومفاهيم مختلفة وتعطي تماسكًا لتجربة العديد من النساء، ومن ثمّ تساعد على زيادة الثقة التي يمكن أن تكون لديهن بهذه التجربة، فإنّ المنزع الأخلاقي يخفي، بحسب جوان ترونتو Joan Tronto، خطورة أّلا ينجح في انتزاع الصوت الأخلاقي المختلف من المجال الخاص، حيث تظل المشاعر الأخلاقية والمرأة محصورة فيه، وتظل أخلاقيات العناية وأفكارها والأنشطة التي يتم من خلالها تعليمها وممارستها خارج المجال العام. وبناء على ذلك، ليس من المبالغة القول إن تحليلات العناية قد مثّلت نقطة تحوّل
أو على الأقل منعطفًا خطيرًا في المنظورات النسويّة حول تجاهل وجهات نظر النساء وتجاربهن في
النظريات الأخلاقية والسياسية، حيث ستُعتبر نموذجًا مضادًا أو بديلًا من بردايم العلاقات التعاقدية. هكذا، من الضروري تأكيد أنّ أخلاق العناية ليست مجرد منظور نسوي لمغالبة هيمنة التصورات الليبرالية العقلانية على التفكير الأخلاقي والسياسي، بل هي مقاربة أخلاقية مختلفة، بل هي "بديل مستقٌّلٌ بذاته"؛ ذلك أنّ "منظور العدالة ينظر إلى الأشخاص بوصفهم أفرادًا مستقلين ذاتيًا، بينما يرى
منظور العناية الأشخاص بوصفهم أفرادًا علائقيين. وبينما تفترض العدالة أنّ الأشخاص مستقلون،
(16) Ibid., p. 50. (17) Ibid., p. 53.
((1(ترى جيليغان أن أخلاق العدالة ليست أخلاقًا، بل توجهًا أخلاقيّا ذكورًّيًا، وهي تقترح وجود توجه أخلاقي آخر، أنثوي الهوى،
لا ينبغي اعتباره أقل شأنًا، بل هو مختلف. ولذلك بعد العمل التجريبي الذي شمل إيمي وجيك، أجرت دراسة على تسع وعشرين
امرأة تراوح أعمارهن بين خمسة عشر وثلاثة وثلاثين عامًا اضطررن إلى اتخاذ قرار الإجهاض. وكان هدفها معرفة "كيف تأخذ النساء
هذا القرار؟". وقد خلصت في هذه الدراسة إلى أن هؤلاء النساء لا ينظرن إلى المعضلة الأخلاقية على أنها "مسألة حقوق وقواعد" بل بوصفها: "مشكلة مسؤوليات ومخاوف بشأن رفاهية [رعاية] الآخر". ينظر: Gilligan, pp. 118–121. (1((فيرجينيا هيلد، أخلاق العناية، ترجمة ميشيل حنا متياس، سلسلة عالم المعرفة 356 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2008)، ص.77
فإن العناية تفهم على أنها بدلًا من أن نكون أفرادًا على المعنى الهوبزي أو اللوكي أو الكانطي، نولد جميعًا أطف لًا رضّعًا لا حول لنا ولا قوة؛ ولولا الرعاية التي تتضمن قيمًا مختلفة عن قيم النظريات
الأخلاقية السائدة، لما بقينا على قيد الحياة، وسنظل مترابطين إلى بقية حياتنا، مندمجين في العلاقات الاجتماعية". وهنا يكمن الأساس الأخلاقي لنموذج العناية في مبدأ الاستضعاف وفي العلاقة الاعتنائية بين طرفين، حيث يحتلّ الأول موقعًا يمكّنه من تلبية احتياجات الثاني ويكون الالتزام أخلاقيًا كلما كان الفرد في موقع يمكّنه من الاستجابة لحاجات الآخرين. ومن ثمّ، لا يستند نموذج
الاستضعاف، على عكس نموذج الإرادة، إلى حرية الشخص وقدرته على الاختيار العقلاني، بل إلى العلاقة التي تنشأ بين إنسان محتاج وإنسان آخر قادر على تلبية تلك الحاجة. وهذه العلاقة الاعتمادية تشرّع لإمكان الحديث عن مصادر ومنابع فلسفية مختلفة، تميز أخلاقيات العناية، وتحدّد هويتها على
المعنى الأنثروبولوجي والإبستيمولوجي والأخلاقي.
ثانيًا: في اختلاف الأسس الفلسفية: من الذاتية المستقلة إلى الاعتمادية المتبادلة
على الرغم من أنّ أخلاقيات العناية أخذت مسوغاتها النظرية والفكرية من الدراسات النفسية حول دوافع الفعل الأخلاقي وتمييز منظورات الإناث من منظورات الرجال، ومن علوم التربية والعناية حول فكرة الأمومة داخل المجال العائلي، كما نظّرت لذلك نودينغ، فإنّها سرعان ما تحولت إلى نظرية أخلاقية وسياسية شاملة تكشف من جهة أولى عن أساس أنثروبولوجي يؤسس لتصور مختلف للإنسان لا باعتباره ذاتًا عاقلة مستقلة ومكتفية بذاتها على المعنى الذي شرعت له الحداثة منذ ديكارت وأخذ صورته المكتملة من خلال مبدأ الاستقلالية الكانطي، وإنّما على معنى الاعتمادية المتبادلة والهشاشة الأنطولوجية والاستضعاف الطبيعي والهوية السرديّة؛ ومن جهة ثانية، تكشف عن
أساس إبستيمولوجي يتجاوز المعنى الإدراكي والعقلاني والاستدلالي في تمثل الأفعال الأخلاقية وتمييزها، بوصفها مجموع قواعد كلّية منطبقة على المعنى الإنساني، ويشرّع للفعل الأخلاقي على
قاعدة المشاعر والحساسية والثقة معيارًا لكل علاقة اعتنائية؛ ومن جهة ثالثة، تُبرز أساس نمط من
الأنطولوجيا الاجتماعية التي لا تكتفي بالبعد التعاقدي فرضيةً فلسفية في نظرتها إلى الرابط الاجتماعي وشكل تحقّق البناء الاجتماعي، بل تضرب بعروق المبدأ الرعائي والاعتنائي في تربة الطبيعة الإنسانية والجينوم البشري وأنماط العيش البدائية.
1. من الاستقلالية الذاتية إلى التبعية والاستضعاف: أخلاقيات بلا أنطولوجيا
تتناول المناقشات النظرية الأخيرة حول الأخلاق الليبرالية مجموعة واسعة من القضايا، في مقدّمتها طبيعة الذات الفاعلة المستقلة، والتي تعتبر وجهة نظرها ومصالحها أساسية لاشتقاق المبادئ الليبرالية.
(20) Virginia Held, "Care and Justice, Still," in: Engster & Hamington (eds.), p. 49.
ينظر ((2:(
Nel Noddings, Starting at Home, Caring and Social Policy (Berkeley: University of California Press, 2002).
وسواء أكان ذلك ضمنيًا أم صريحًا، فإن الأسئلة الحاسمة التي أثيرت عن مقبولية المشروع الليبرالي
تتوقف على الأسئلة عن معنى الذات الفاعلة المستقلة وعن حياديتها؛ فمنذ أوائل العصر الحديث، اكتسب مفهوم الحرية والاستقلالية انتشارًا في الفلسفة الغربية أو في الحياة اليومية، والذي شكل
بصورة حاسمة فهمنا الحالي للعدالة الاجتماعية. ومع سعي الأفراد على نحوٍ متزايد لاتّباع مساراتهم المستقلة في الحياة، كان هناك ميل متزايد إلى استخلاص المعنى المعياري القائل إنّ الحرية الشخصية والاستقلالية هي مسألة السماح للأفراد بتطوير مساعيهم المختارة شخصيًا من دون عائق، وبرز الحدس
الموجّه بأنّه كلما قلّت القيود التي يفرضها الآخرون على تصرفات الفرد، زادت قدرته على الفعل وفقًا لتفضيلاته الخاصة. وهكذا، "اخترع كانط مفهوم الأخلاق على أساس مبدأ الاستقلالية الذاتية"، وأصرّ على أنّ الحرية والاستقلالية يجب أن تكونا مقيّدتين بالشرط الأخلاقي؛ حيث يجب أن تكون
الأفعال التي يختارها المرء متوافقة مع استقلالية الآخرين. وعلى الرغم من التمييز الحاصل بين الاستقلالية الأخلاقية، التي تشير إلى القدرة على إخضاع الذات للمبادئ الأخلاقية الكليّة، بوصفها المبدأ الأساسي المنظّم لكل الأخلاق بالمعنى
الكانطي، والاستقلالية الشخصية، التي يُقصد بها سمة محايدة أخلاقيًا يمكن الأفراد إظهارها
بالنسبة إلى أي جانب من جوانب حياتهم، ولا تقتصر على مسائل الالتزام الأخلاقي، فإنّ هذا المفهوم المعياري للاستقلالية يتناسب جيدًا مع الروايات المعيارية لليبرالية حول الذات الفاعلة والقدرة على الاختيار الفردي. وهكذا، يتم التعبير عن هذه القدرة على الفعل في المجالات المتعددة للتدخل البشري، من خلال القدرة على القول والقدرة على التصرف في مجرى الأمور والتأثير في الآخرين، إضافةً إلى اعتبار الذات هي الصانع الحقيقي لأفعالها. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن بعد ذلك يتعلق بالصلة بين فكرة اعتبار شخص ما هو الفاعل الحقيقي لفعل ما وفكرة
((2(إن هذا المفهوم الفردي للاستقلالية ليس له أصل تاريخي فحسب، بل أصبح يبدو للكثيرين أيضًا مجرد مفهوم بديهي؛ فهو
يعكس المسار التاريخي المهم الذي من خلاله، وفي السياق الاجتماعي للحداثة، تخلّص الأفراد على نحو متزايد من الروابط
الاجتماعية التقليدية وتوصيفات الأدوار التقليدية المرتبطة بسعيهم الخاص لتحقيق السعادة. وهذا لا يعني أن هذا المفهوم يساوي بين الاستقلال الذاتي والعزلة؛ وكجزء من هذا التطور، تسلل المفهوم الفردي للاستقلالية الشخصية إلى نظريات العدالة الاجتماعية الحديثة، وأصبح يُنظر إلى الهدف من إنشاء مجتمع عادل على أنه السماح للناس بأن يكونوا أقل اعتمادًا على الآخرين على قدر
الإمكان. وقد كانت العواقب الفكرية لهذه النزعة الفردية هائلة، حيث لا تشمل فقط الفكرة القائلة بأن الاستقلالية تزداد مع امتلاك الثروة، بل تشمل أيضًا الفكرة القائلة بأن العضوية غير الاختيارية في مجتمع ما تمثل تهديدًا للاستقلالية الشخصية. ينظر:
Joel Anderson & Axel Honneth, "Autonomy, Vulnerability, Recognition, and Justice," in: John Christman & Joel Anderson (eds.), Autonomy and the Challenges to Liberalism: New Essays (Cambridge: Cambridge University Press,
(23) Jerome Schneewind, The Invention of Autonomy: A History of Modern Moral Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 3.
"كان تفسير كانط لهذا الاعتقاد أكمل وأشد جذرية من أي تفسير آخر؛ فهو يقترح وحده إعادة تفكير ثورية حقيقية في الأخلاق؛ وكان يرى أننا نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا مستقلون. وهو الأمر الذي يعني به أننا نحن أنفسنا نشرّع القانون الأخلاقي، وأنّنا نخضع للقانون
الأخلاقي فقط بسبب الفعل التشريعي لإرادتنا الذاتية؛ والفعل نفسه هو ما يمكّن الجميع دائمًا من أن يكونوا ملتزمين بالقانون [...]
إنّ نظريته، بطبيعة الحال، لها أكثر من أهمية تاريخية: فهي منخرطة انخراطًا كاملًا في الأخلاق الفلسفية الحالية أكثر من أعمال أي
مفكر آخر من المفكرين المعاصرين الأوائل، باستثناء هوبز على الأرجح". ينظر: Ibid., p. 6.
وضع هذا الفعل تحت مقتضى الإلزام. وهذا هو أساسًا معنى العملية التركيبية التي قام بها كانط في نحته مفهوم الاستقلالية التي تربط بين الذات Auto والقانون Nomos؛ أي بين الذات، بوصفها المشرّعة للقانون، والقانون الذي يُلزم. وبالفعل، تركزت النظرة الجديدة التي ظهرت، بحلول
نهاية القرن الثامن عشر، في اعتقاد أنّ جميع الأفراد العاديين قادرون على العيش معًا في ظل أخلاقيات الاستقلالية، والتي تفترض أنّ لدينا قدرة متساوية على الفعل، بغض النظر عن التهديد أو الجزاء الذي يمكن أن يصدر من الآخرين، وأنّ كل الناس مؤهلون بالقدر نفسه باعتبارهم فاعلين أخلاقيين. وهكذا، وفّر مفهوم الأخلاق كاستقلالية إطارًا مفهومًّيًا لمساحة اجتماعية أمكن
كل فرد أن يدّعي بواسطتها توجيه أفعاله من دون تدخّل من الدولة أو الكنيسة أو الجيران أو أولئك الذين يدّعون أنّهم أفضل أو أكثر حكمة منّا. من البديهي، إذًا، ملاحظة أن التفكير الأخلاقي الليبرالي تأسس على قاعدة الافتراض الأنثروبولوجي في وجود ذات إنسانية مستقلة وقادرة، وتملك الكفاءة على الاختيار الحُرّ والعقلاني؛ وهو الافتراض
الذي شرّع له كانط من خلال اختراعه مبدأ الاستقلالية وأسّس عليه رولز نظريته في العدالة. وهذا
التصور يُضمر اعتقادًا في الصلابة الأنطولوجية للإنسان من جهة أنّه كائن متحقق بذاته على المعنى الميتافيزيقي ويحمل القوة والقدرة على أن يشرع لذاته قواعد أفعاله، باعتباره الكائن الذي ينتمي إلى مملكة الحرية. وهكذا، في حين تحاول النظريات الأخلاقية العقلانية، لا سيما الكانطية منها، إضفاء الطابع المثالي والمتعالي على المجالات النفسية والبيولوجية والعملية للنشاط الإنساني، فإن أخلاقيات العناية تعطي الميول الطبيعية للرعاية الكامنة في البشر الموجودين صوتًا؛ إذ من خلال تقديم أدلة على وجود نزعة فطرية للعناية لدى البشر، تتحدى هذه المقاربة الأفكار الغربية التقليدية حول الطبيعة البشرية منذ القرن السابع عشر، حيث كانت إحدى القصص الرئيسة التي أخبرنا بها الغرب عن أنفسنا: وهي أنّنا بطبيعتنا مخلوقات أنانية وتنافسية. وقد أثّرت هذه القصص، ليس فقط في كيفية تصرفنا ونظرتنا إلى الآخرين، بل أيضًا في ما نعتبره ممكنًا من الناحية الأخلاقية والسياسية. وإذا بنينا على ذلك، يمكن، من خلال إعادة دمج مجالات كاملة من النشاط الإنساني المهم في مجال الأنشطة الاجتماعية المهمة التي أهملتها النظرية الاجتماعية والأخلاقية، أن نعتبر أنّ مقاربات العناية تطرح تساؤلات حول التعريفات المقبولة للحقائق الاجتماعية والأخلاقية، وتدعونا إلى إعادة النظر في التقسيم الحاصل بين سجلات النشاط الإنساني التي عادة ما تكون مفكّكة. وهكذا، فإن "الأسئلة البديهية المطروحة من منظور العناية – من يعتني بماذا؟ وكيف؟ – تستدعي نوعًا مختلفًا
((2(غالبًا ما توصف أخلاقيات العناية بأنها فلسفة طبيعية؛ إذ يؤكد العديد من المنظرين لها، على خطى هيوم، أنّ لدى البشر نزعة
فطرية لرعاية الآخرين، وهي نزعة متجذّرة في السمات الطبيعية النفسية أو البيولوجية للبشر؛ وهذه الخاصية الطبيعية لأخلاقيات
العناية تمثل، بحسب بعض الروايات، إحدى سماتها المميزة. ينظر:
Eva Feder Kittay, "The Ethics of Philosophizing: Ideal Theory and the Exclusion of People with Severe Cognitive Disabilities," in: Lisa Tessman (ed.), Feminist Ethics and Social and Political Philosophy: Theorizing the Non–Ideal (Dordrecht: Springer, 2009), pp. 165–183.
من الأنثروبولوجيا، يحتضن الاستضعاف والحساسية والتبعية في حركة واحدة". ومن هنا، تقترح أخلاقيات العناية تصورًا مغايرًا من الأنثروبولوجيا يتجاوز مجال الميتافيزيقا سواء من خلال مدخل
لغوي يصرّ على "الحاجة إلى إعادة الأخلاق – مثلها مثل اللغة – إلى الأرض "الوعرة" لليومي، إلى
حقلها الخاص، مجال ممارساتنا – بالطريقة التي أراد بها لودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1951–1889) إعادة الكلمات من استعمالها الميتافيزيقي إلى استعمالها العادي"، حيث لا توجد مفاهيم أخلاقية أحادية يمكن تطبيقها ببساطة على الواقع، لأنّ مفاهيمنا الأخلاقية تعتمد في تطبيقها ذاته على السرد أو الوصف الذي نقدمه لحياتنا وعلى ما هو مهم بالنسبة إلينا، وما أسماه بوتنام مؤخرًا،
في إشارة أيضًا إلى فيتغنشتاين، "أخلاقيات بلا أنطولوجيا"؛ أو من خلال مدخل تأويلي يتجاوز من خلاله بول ريكور Paul Ricœur (2005–1913) نموذجَي الكوجيتو المتعالي عند رينيه ديكارت
René Descartes (1650–1596) والكوجيتو المذلول عند فريديريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1900–1844)، ليؤسس لنموذج الكوجيتو المجروح، حيث يتجاوز فكرة الاقتدار والمنزلة الأنطولوجية المستقلة للذات نحو اعتبارها لحظة سردية تتضافر في تشكيلها كهوية سردية في الآن نفسه: الاستقلالية والضعف، والقدرة والعجز، والصلابة الأنطولوجية والهشاشة الأنثروبولوجية. وهكذا، يتم تأسيس شكل من الاستقلالية التي ترتبط بعلاقة زواج خّلا ق ومبدع مع الهشاشة الوجودية. إنّ أخلاقيات العناية تستند في تبرير مشروعيتها إلى تصور مغاير للذات الإنسانية، وهو تصور يعمل على تخليصه من شوائب الميتافيزيقا والمنزع العقلاني، الذي يؤسس مبدأ الاستقلالية الذاتية في تمثلنا لذواتنا. ولعل ريكور، في تصوره للذات هويةً سردية تتداخل في تشكيلها الاستقلالية والهشاشة في الآن نفسه، قد أسعف المنظور النسوي في فهم الحاجة إلى منظور أخلاقي جديد يقوم على العناية. وهكذا، فالإنسان بقدر ما يتميّز بالاستقلالية خاصيةً جوهريةً للذات الحاملة للحقوق، تكون هذه
الاستقلالية، بحسب ريكور، "استقلالية كائن هش وضعيف، حيث الهشاشة لن تكون أكثر من حالة مرضية إذا لم تكن هشاشة كائن مدعو إلى أن يصبح مستقًّلا، لأنه كان دائمًا كذلك، بطريقة معينة".
وهنا يمكن القول، إن هذه المقاربة الفلسفية تعيد التأسيس للذات على ثلاثة معانٍ مغايرة: • يتعلق المعنى الأول بمسألة الارتباط الوثيق بالإيتيقا نفسها؛ إذ سيتم تعريفها من خلال أولوية الآخر، وإعادة تأسيسها من خلال نزع تمركز الذات الحديثة على ذاتها بالنسبة إلى ريكور، حيث عارض تشكيل الآخر على أساس الأنا المتعالية عند إدموند هوسرل Edmund Husserl) 1938–1859(ومقارباته الفينومينولوجية، التي كانت تعاني العيب نفسه، أي طمس الفارق بين الذات والآخر، لا سيما من خلال اختزال "الآخر" إلى "أنا" بديلة، أي إلى ذات أخرى بالمعنى الحرفي للكلمة؛ في
(25) Patricia Paperman & Sandra Laugier (dir.), Le souci des autres: Éthique et politique du care (Paris: Éditions de l’École des hautes études en sciences sociales, 2005), p. 11. (26) Ibid., p. 16. (27) Ibid., p. 15. (28) Paul Ricœur, "Autonomie et vulnérabilité," in: Anne–Marie Dillens (ed.), La philosophie dans la cité (Bruxelles: Presses universitaires Saint–Louis, 1997), p. 121.
حين أنه كان من الضروري الحفاظ على غيرية الآخر، من خلال مبدأ التعاطف الذي يضمن في نهاية المطاف علاقة ملموسة مع الآخرين. وكنتيجة طبيعية، يميّز ريكور بصورة قاطعة بين الأخلاق والإيتيقا. • أما المعنى الثاني، فهو من طبيعة أنثروبولوجية، يتعلق الأمر بهويتنا بصفتنا بشرًا؛ وهنا تبرز حقيقة
أنّ هشاشتنا وضعفنا يحتّلا ن الآن الأسبقية على الاستقلالية الأخلاقية؛ ويرافق هذا التحول العودة إلى وجودنا الجسدي من خلال مفهوم الكوناتوس Conatus السبينوزوي، حيث إنّ هذا الكائن البشري القادر يبقى بالنسبة إليه ضعيفًا أساسًا، لأنّ كل فعل إنساني مرتبط مأساويًا
بالمعاناة. لذلك، فإنّ أخلاق العناية ليست مجرد أخلاق نسوية، بل هي نزوع متأصّل داخل
البنية الأنثروبولوجية للإنسان، بوصفه كائنًا يحتاج إلى العناية والرعاية والاهتمام من الآخر بفعل الهشاشة الأنطولوجية لشكل وجوده. • أما المعنى الثالث، فيرتبط بتقديم مفهوم هرمينوطيقي للذات؛ لا يقصد بها الذات بمعنى الهوية الخالصة المتماهية مع ذاتها، وهي هوية تنتمي إلى سجل التطابق، بل بمعنى العلاقة مع الذات، التي لا يمكن إدراكها إلا من خلال الأفعال التي تؤدي إليها قوة الفعل، أي الكلام، والفعل والسرد والمسؤولية. وهكذا، بإعادة النظر في مفهوم الذات من جهة تأكيد البعد العلائقي والاعتنائي يمكن التسويغ لأخلاقيات العناية. وعندما نعرّف العناية بهذه الطريقة، يتغير مفهومنا للعالم وفجأة
لم يعد في مقدورنا أن "نرى العالم ببساطة مجموعة من الأفراد المستقلّين الذين يسعون لتحقيق غايات عقلانية ومشاريع حياة، لكننا نرى العالم مجموعة من الأشخاص المحاصرين في شبكات العناية والملتزمين بتلبية احتياجات العناية من حولهم". ونتيجة لذلك، تتأكد عند كثير من
المشتغلات بالتفكير الأخلاقي حقيقة أنّ أخلاقيات العناية "ليست مبدأً أنطولوجيًا عامًا ولا قيمة
أخلاقية مجردة، وأنها ليست شيئًا مذهلًا؛ إنّها إحدى تلك الظواهر التي تُرى ولا تلاحَظ، والتي
تضمن الحفاظ على العيش داخل عالم إنساني". هكذا، يستدعي منظور أخلاقيات العناية الإقرار بأنه لا يوجد أفراد مستقلون من جهة وأفراد ضعفاء يعتمدون على الآخرين من جهة أخرى، بل تأكيد أنّ الضعف والاستقلالية متشابكان إلى الحدّ الذي يجعل من تجاربنا المعيشة متحقّقة من خلال الاعتماد المتبادل؛ فمن دون هذا النشاط الإبداعي والعلائقي، لن يكون في مقدور الإنسان خلق عالم صالح للعيش. وبدلًا من اعتبار العناية شكلًا من التفكير الأخلاقي الفردي ينبغي اعتبارها نوعًا من العلاقة، التي توجد بطريقة طبيعية، خاصة بين الأم وطفلها؛ وهذه العلاقة تتميز بالاهتمام بالآخر والالتزام الأخلاقي بالاستجابة لحاجاته، حيث تؤكد نيل نودينغز الحساسية والبعد الشخصي. وإذا كان تصور الأخلاق وفق نموذج العدالة والقانونية يقودنا إلى إهمال بعض أهم أبعاد الحياة
((2(يُعتبر مفهوم الكوناتوس إحدى الركائز الأساسية في فلسفة باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1677–1632)، حيث يمثل القوة
الداخلية أو الجهد الذي يبذله كل كائن من أجل البقاء والاستمرار في وجوده. ورد هذا المفهوم في كتابه الأخلاق Ethica ضمن سياق فلسفته الطبيعية والأنطولوجية، التي تربط بين الإنسان والطبيعة كجزء من وحدة كلية واحدة.
(30) Joan Tronto, "Care démocratique et démocraties du care," in: Pascale Molinier & Sandra Laugier & Patricia Paperma (eds.), Qu’est–ce que le care? Souci des autres, sensibilité, responsabilité (Paris: Éditions Payot & Rivages, 2009), p. 31. (31) Paperman & Laugier, p. 10.
الأخلاقية وأصعبها، أي ممارساتنا ودوافعنا ومشاعرنا وعلاقاتنا لصالح مفاهيم بعيدة عن أسئلتنا العادية، مثل الالتزام والعقلانية والواجب، فإنّ أخلاقيات العناية ستسمح لنا بأن ننصف صفات مثل الرعاية والعطف والتعاطف وأن نعيد الاعتبار إلى الإحساس والانفعال الشعوري في الأخلاق، بل إن الطابع الحساس للمفاهيم الأخلاقية والطابع الإدراكي للنشاط المفاهيمي هما اللذان يعملان في المقاربة الاعتنائية للواقع.
2. من المعنى الإدراكي إلى الحساسية التعاطفية: معيار الثقة بدلًا من الاستدلال العقلاني
لقد ارتبطت الأخلاق الليبرالية بتعريف الإنسان من جهة أنّه كائن عاقل، حيث ينظر إلى الفعل الأخلاقي على قاعدة القدرة الذاتية للإنسان على التشريع للقواعد الأخلاقية ذات الطابع الكوني والكلّي؛ وقد اعتبر كانط، ومن ورائه الكثير من الفلاسفة، أنّ المعايير الأخلاقية هي نتاج طبيعي لملكة الاستدلال الفكري التي تميّز الرجال وتفصلهم عن عالم المشاعر بوصفها ميزة للنساء وجب استبعادها وإهمالها. فكانط والكانطيون عمومًا يرسمون صورة للفعل الأخلاقي على قاعدة الصواب والخطأ ويعتبرون الفعل الأخلاقي الصحيح هو الذي يكون خاليًا من الميول الطبيعية ومن الأهداف الخارجية مثل تحقيق المنفعة والسعادة؛ ذلك أنّ الفعل الأخلاقي هو ما يتطابق في صورته مع ما تشرّعه الذات العاقلة لذاتها من قواعد ملزمة لأنها نابعة من الإرادة الخيّرة باعتبارها تجسّد الخير المطلق؛ ومن ثمّ، يجب على الإنسان أن يطيع الأوامر القطعية لأنّها أوامر صادرة عن القانون الأخلاقي. وهكذا، فإنّ الدافع الطبيعي بالمعنى الذي يقترحه هيوم، عندما يعتبر أنّ "سعادة الآخرين وبؤسهم ليسا نظارات غير مبالية تمامًا
بنا"، يبقى غير كافٍ لضمان صحّة الفعل الأخلاقي داخل فلسفة الأخلاق الكانطية؛ ذلك أنّ جاذبية هذا المنظور تعتمد على المعقولية البديهية أو المنطقية لهذا الافتراض، الذي دفع العديد من العقلانيين إلى الاعتقاد أننا في حاجة إلى اتّباع المبادئ أو الأحكام الأخلاقية الصحيحة، التي نستدلّ عليها بالعقل ونلتزم بها من أجل ضمان أننا نتصرف على نحوٍ صحيح. وإزاء هذا الإهمال المقصود للبنية الانفعالية وللمشاعر في تمثّل الحكم الأخلاقي من جانب التفكير الليبرالي، الذي تبدو فكرته قد ازدهرت، كما يؤكد سلوت، "في أعقاب أوجه القصور المعروفة في العاطفة التاريخية، لكنها اعتمدت أيضًا على غياب أي محاولة أحدث لإظهار كيف يمكن أن تعمل المشاعر الطبيعية فعلًا، بصفتها أساسًا مناسبًا للتفكير الأخلاقي والحياة الأخلاقية؟ ولماذا؟"، استند
(32) David Hume, Traité de la nature humaine , Essai pour introduire la méthode expérimentale de raisonnement dans les sujets moraux , Livre: II: Des passions , Philippe Folliot (trad.), Collection Les classiques des sciences sociales (Paris: 2006 [1739]), p. 57.
"ولذلك فمن المؤكد أن الإنسان إذا نظر إلى نفسه في الصورة نفسها التي يظهر بها أمام معجبيه، فإنه سيحصل أولًا على سرور
منفصل ثم على فخر، ورضا عن النفس، بحسب الفرضية التي شرحناها آنفًا. والآن ليس هناك ما هو طبيعي بالنسبة إلينا أكثر من أن
نأخذ بآراء الآخرين في هذه النقطة، سواء عن طريق التعاطف الذي يجعل كل مشاعرهم حاضرة في أذهاننا بصورة حميمة أو عن طريق المنطق الذي يجعلنا نعتبر حكمهم نوعًا من الحجة لصالح ما يؤكدونه. وهذان المبدآن، مبدأ السلطة ومبدأ التعاطف، يؤثران
في جميع آرائنا تقريبًا؛ ولكن يجب أن يكون لهما تأثير خاص عندما نحكم على قيمتنا وشخصيتنا". ينظر: Ibid.
(33) Michael Slote, Moral Sentimentalism (New York: Oxford University Press, 2010), p. 97.
منظرو أخلاقيات العناية إلى مصادر فلسفية بديلة مثل النظرية الأخلاقية في عصر التنوير الإسكتلندي في القرن الثامن عشر؛ وهي نظرية ما قبل كانطية، موروثة عن أرسطو، تولي المشاعر الأخلاقية مكانة مهمة. ولهذا السبب جرى تعريف العناية بوصفها "فعل الحب" الذي يتم من خلاله القيام بنشاط خاص أو حميمي في حالة عاطفية معينة؛ إذ تعتقد نودينغز أن النساء يفكرن بطريقة مختلفة عن الرجال، وهي ترى أنّ المرأة "يمكن أن تعطي أفعالها أسبابًا، لكنّ هذه الأسباب غالبًا ما تشير إلى العواطف
والاحتياجات والانطباعات والشعور الشخصي بالمثل الأعلى بدلًا من المبادئ الكونية وتطبيقها". وتبدو علاقة الأمومة، بالنسبة إليها، هي النموذج الأصلي والأمهات هن مقدمات العناية الرئيسات؛ ومن ثمّ، يمكن تعريف نزعة الاهتمام، بحسب دانيال أنغستر، بأنّها "أي شعور أو حدس أو أي حالة داخلية أخرى تدفعنا إلى مساعدة الآخرين، أو الرغبة في رؤية الآخرين يساعدوننا، من خلال مواساتهم أو حمايتهم أو إطعامهم أو تهدئتهم أو الاهتمام باحتياجاتهم بطريقة أخرى". إنّ المقصود بمقتضيات العناية هو الدوافع الداخلية والحدس والعواطف التي تحفّز الاهتمام برفاهية الآخرين؛ وقد تشمل هذه الحالات الداخلية مشاعر التعاطف أو العطف أو الشفقة أو الاهتمام أو القلق أو الحنان أو الحزن أو الضيق. وعلى الرغم من أن فلاسفة أخلاقيات العناية يختلفون في أيّ هذه المشاعر هي الأكثر أهمية في تحفيز سلوكيات العناية، سواء كانت عاطفة الأمومة عند نودينغز أو التعاطف عند سلوت، فإنهم يتفقون على أنّ أساس الأخلاق لا يكمن في المعايير والأحكام المطلقة، ولا في الحقوق المجرّدة أو المعتبرة عقلانيًا أو البديهية مثل الاستقلال الذاتي أو الاستدلال العقلاني،
بل في "علاقتها بحساسياتنا الإنسانية المتعاطفة مع قضايا الرفاهية الإنسانية وواقعها". ومن ثمّ، من الضروري الإشارة هنا إلى أنّ الاهتمام التعاطفي بالآخرين أو العناية هما محدّدان معياريان للفعل الأخلاقي الصحيح، حيث يساعدنا "التعاطف على التعرف إلى مشاعر الآخرين وآلامهم حتى لو لم يكن لنا دور في التسبّب فيها؛ ذلك أنّ الحساسية الأخلاقية ليست مجرد مسألة عدم التسبب في الألم،
بل هي التي يجب أن تقودنا إلى تخفيف الألم مهما كان سببه". إذًا، بدلًا من الاعتماد على الاستدلال العقلاني على صحة مبدأ كوني لتحفيز أفعال الذات، يفعل الإنسان ما هو مطلوب لأنه يهتم بالآخر؛ ذلك أنّ مشاعر المرء في التعاطف والاهتمام والإحسان والحب تحفّز فعل العناية المرهق للغاية في كثير من الأحيان. ومن منظور أخلاقيات العناية، يحضر المرء بحساسية تجاه الآخرين المعيّنين في السياقات الواقعية والشخصية ويسعى لبناء علاقة سليمة بالآخرين، من خلال
الاستجابة لحاجاتهم وتحقيق رفاهيتهم إلى جانب رفاهيته. وهنا، سيُستبَدل معيار المطابقة بين الفعل
الأخلاقي والصلاحية الكونية للقانون الأخلاقي بمعيار الثقة في مجالات الأسرة أو الصداقة أو المجتمع
(34) Noddings, Caring , p. 3. (35) Ibid. (36) Daniel Engster, "Care in the State of Nature," in: Engster & Hamington (eds.), p. 231. (37) Slote, "Care Ethics and Liberalism," p. 45. (38) Nel Noddings, "Complexity in Caring and Empathy," Abstracta , vol. 5, no. 5 (2010), p. 8.
أو حتى في السياق الإنساني؛ ومعيار الثقة الطبيعي يعتبر أنّ "الثقة، لكي تكون ثقة، يجب أن تكون عمياء جزئًّيًا"، حيث نستدل بها على أن الأخلاق لا تخصّ الفرد المستقل والمكتفي بذاته فحسب، كما شرّعت
لذلك الأخلاق الكانطية، بل هي علاقة بينذاتية تفترض رابطًا ضرورًّيًا بين "الثقة والاعتمادية". وهنا، تتحدث آنيت باير عن "الثقة البدائية والأساسية"، أو "الاطمئنان البدائي والأساسي". ويؤكد هذا الحديثُ السمةَ الطبيعية للثقة؛ إذ إنه "من الصعب تخيّل حياة بشرية لا تنطوي على مثل هذه الثقة". وفي مقابل الرؤية العقلانية لعصر التنوير المرتبطة بالتصور الهوبزي، التي ترفض قبول الدعاوى الفكرية على قاعدة معيار الثقة، وتعتبر الريبة والحذر بمنزلة الموقف الطبيعي في حالة العيش ما قبل التعاقدي، الذي "يُفترض من الفاعل الفردي أن يتغلّب عليه بواسطة التجربة والتفكير العقلاني"، تعمل أخلاقيات العناية على تحفيز سلوكيات الرعاية وتوفير بعض البديهيات ما قبل الإدراكية والموجهة للعمل، وهي توفر الأساس لما تسميه نودينغز "الرعاية الطبيعية التي تختلف عن الرعاية الأخلاقية". وإذا قلنا إنّ البشر يميلون طبيعيّا إلى الاهتمام بالآخرين، أيعني ذلك أنّنا مبرمجون مسبقًا لمشاعر وأفعال معينة،
أم أنّ مسار تربيتنا وتجاربنا ونظرتنا إلى العالم وطريقة تفكيرنا وظروفنا تؤدي جميعها أدوارًا مهمة في تحديد الطبيعة الدقيقة لمعتقداتنا وأفعالنا؟
3. من الطبيعة التنافسية إلى الميول الاعتنائية: الطبيعة الاعتنائية في مقابل التعاقدية الاجتماعية
غالبًا ما توصف أخلاقيات العناية بأنها فلسفة طبيعية؛ إذ يؤكد العديد من المنظّرين أن لدى البشر نزعة
فطرية لرعاية الآخرين؛ وهذه النزعة متجذّرة في السمات الطبيعية النفسية أو البيولوجية للبشر؛ وفي حين تحاول النظريات الأخلاقية العقلانية، لا سيما الكانطية منها، إضفاء الطابع المثالي والمتعالي على المجالات النفسية والبيولوجية والعملية، التي تهتمّ بالنشاط الإنساني، فإن أخلاقيات العناية تولي الميول
الطبيعية الرعايةَ الكامنة في البشر أهميةً، وتتحدى الأفكار الغربية التقليدية حول الطبيعة البشرية، حيث كانت إحدى القصص الرئيسة التي كرّستها الأفكار الأساسية في التفكير السياسي، منذ القرن السابع عشر،
أنّنا كائنات أنانية وتنافسية. وهكذا تقدّم نظرية العناية سردية مضادة، ترى أنّ البشر على الرغم من صفات الأنانية والتنافسية، فإنّهم يحملون نوازع فطرية إلى العناية والرحمة والتعاطف، وأنّ علم الأحياء التطوري وعلم الأعصاب والدراسات السلوكية كلها تدعم هذا الاستنتاج الذي يعتبر أخلاقيات العناية، بعيدًا عن كونها نظرية أخلاقية وسياسية طوباوية، "متجذّرة بقوة في الطبيعة البشرية".
(3((أولي لاغرسبيتز، الثقة والأخلاق والعقل البشري، ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم (بيروت: دار الروافد الثقافية، 2021)، ص.23
(40) Annette Baier, "Trust and Antitrust," Ethics , vol. 96, no. 2 (1986), p. 232.
((4(لاغرسبيتز، ص.15 ((4(المرجع نفسه، ص.29 ((4(المرجع نفسه، ص.31
(44) Noddings, Caring: A Feminine Approach , p. 33. (45) Engster, "Care in the State of Nature," p. 243.
إنّ الاجتماع السياسي تبرّره الطبيعة التنافسية للإنسان؛ حيث هذا "الإنسان الهوبزي، ليس طيّبًا، كما يظن
كل لاهوت متفائل، ولا هو شرير كما قد يعتقد أيّ لاهوت متشائم، ولكن له قوة تؤدي إلى الحرب إذا لم توجّه من خارجه توجيهًا صائبًا". وهكذا، تتأسس الأفكار الليبرالية في السياسة والاجتماع
على الأولوية المطلقة للفرد بصفته: "مبدأ الدولة وأصل المجتمع ومرجع الحق"؛ وهذه المنزلة الأنثروبولوجية للذات الحاملة للحقوق أضفى عليها كانط طابع الحرية من خلال مبدأ "استقلالية الإرادة"، حيث ينطلق من فردانية أنثروبولوجية تعارض الهلامية الوسيطة والقديمة، ويعتبر أنّ "الانعزال الفرداني الذي يتسم بالخوف من الآخرين لا من الميل الطبيعي إليهم"، هو الذي يبرّر القول بالطبيعة
الشريرة للإنسان، ويسوّغ التأسيس لمبدأ التعاقد الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تشرّع فكرة العقد
الاجتماعي للنظر إلى البشر وحاجتهم إلى العيش المدني المشترك على قاعدة البردايم الفرداني، الذي ينكر وجود وضعية اعتنائية سابقة زمنًّيًا ومنطقًّيًا للوجود السياسي للبشر. لا شك في أن البشر هم، في جزء منهم، كائنات ذات مصلحة ذاتية. وعلى الرغم من ذلك، من الواضح أيضًا أننا نختزن استعدادًا فطرًّيًا للعناية بالآخرين؛ وهذا الميل إلى الرعاية ليس هو الشعور الوحيد أو ربما السائد فينا، ولكنه شعور أساسي لا يمكن إنكاره. وأيّ نظرية في السياسة أو الأخلاق تتجاهل هذا الشعور ستكون مضلّلة من نواحٍ عديدة؛ لأنّ أفكار هوبز ولوك وروسو عن حالة الطبيعة هي، كما يلاحظ فرانس دي وال (2024–1948): "رواسب من أجواء فكرية ما قبل داروينية، تأسّست على صورة خاطئة تمامًا لجنسنا البشري". وهنا يقدم أنغستر، معتمدًا على الأبحاث الحديثة في نظرية التطور وعلم الأعصاب وعلم الأخلاق وعلم النفس التطوري، أدلة على أنّ البشر لديهم نزعة فطرية إلى رعاية الآخرين؛ ومن ثمّ يؤكد أنّ نظرية التطور تشير إلى "أنّ الميل العام إلى العناية بالآخرين في المجموعة ربما تم اختياره على الأرجح بين البشر الأوائل، بسبب ميلهم إلى تعزيز فرص البقاء على قيد الحياة لأقاربهم الوراثيين الذين كانوا سيحملون بعض هذه الميول نفسها". وفي حين أن التصورات التقليدية لحالة الطبيعة ونظريات العقد الاجتماعي أغفلت البعد الاعتنائي، سعى منظرو
(4((صالح مصباح، فلسفة الحداثة الليبرالية الكلاسيكية، من هوبز إلى كانط (بيروت: دار جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص.19 ((4(المرجع نفسه، ص.217 ((4(المرجع نفسه، ص.194
(49) Frans de Waal, The Age of Empathy , Nature’s Lessons for a Kinder Society (London: Three Rivers Press, 2009), p. 21. (50) Engster, "Care in the State of Nature, p. 233;
وهو يضيف قائلًا إنّ "الوصف أعلاه للحياة البشرية في حالة الطبيعة ما قبل المدنية يتحدى بعض الفرضيات الأساسية لنظرية العقد
الاجتماعي، على العكس من آراء المنظرين الليبراليين الكلاسيكيين؛ حيث عاش البشر بالفعل في مجموعات منظمة نسبيًا مع
ممارسات ضبط النفس الفعالة إلى حد ما في حالة الطبيعة في أواخر العصر ما قبل الزراعي. وعند الانتقال إلى حضارات زراعية أكبر وأكثر استقرارًا، لم تكن المشكلة الأخلاقية والسياسية الرئيسة هي صياغة الأخلاق والنظام من الفوضى لتشجيع الأفراد الذين
كانوا موجودين بالفعل في العائلات والمجموعات على العناية بالآخرين خارج أقاربهم وقبائلهم، بل كان الدافع الرئيس لهذه الخطوة هو تحسين فرص العناية من خلال تأمين مصادر غذائية أكثر انتظامًا [...] وفي جميع الحالات، يكمن التحدي الأخلاقي
والسياسي المركزي في دمج المجموعات معًا، وجعل الأفراد يهتمون بالآخرين خارج نطاق مجموعاتهم المحددة ذاتيًا (العائلات،
والقبائل، والجماعات العرقية، والجماعات الدينية). ولذلك فإن انهيار سيادة الدول والعودة إلى حالة الطبيعة لا يؤديان إلى الفوضى، بقدر ما يؤديان إلى صراع جماعي وأحيانًا إبادة جماعية". ينظر: Ibid., pp. 242–243.
أخلاقيات العناية لإظهار مركزيتها في المجتمع والسياسة، من خلال البرهنة على أنّ منشأ الاجتماع البشري من العلاقات الاعتنائية؛ إذ لا تزال مشاعر الثقة والرعاية تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على
الاستقرار والنظام السياسيَين. ولا تكمن المشكلة السياسية المركزية في ربط الأفراد المعزولين معًا
في المجتمع، بقدر ما تكمن في التغلب على الانتماءات الضيّقة وتعزيز التعاطف عبر المجموعات؛
ذلك أنّ العناية ليست تحت السياسة أو خارجها، كما يُفترض عادة، ولكنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة تأسيس النظام الاجتماعي والحفاظ عليه. هكذا، إذًا، تؤكد نظريات العناية أنّ البشر ليسوا كائنات منعزلة ذات مصلحة ذاتية ضيّقة، وأنّنا ولدنا جميعًا
مع استعداد طبيعي لرعاية الآخرين. وهذا السلوك الاعتنائي حسّاس جًّدًا تجاه العوامل البيئيّة. ومع
ذلك فهو مكتوب في جيناتنا والكيمياء الحيوية. وإذا كان من الغباء تجاهل الدوافع الأنانية والتنافسية داخل البشر، فسيكون من الحماقة كذلك أن نتجاهل ميولنا الفطرية إلى العناية؛ وبتجميع الأفكار من النظرية التطورية وعلم الأعصاب والدراسات السلوكية، يستنتج أنغستر أنّ "دوائر العناية فطرية في البشر وربما تكمن وراء جزء كبير من سلوكنا الأخلاقي"؛ أو كما كتب دي وال: "قد نفترض أن التعاطف تطور أولًا في سياق رعاية الوالدين، وهو أمر إلزامي في الثدييات، ثم توسع ليشمل الاهتمام بالأقارب وأعضاء المجموعة الآخرين". وهنا، تعارض أخلاقيات العناية مبادئ التفكير التعاقدي، من خلال تأكيد أنغستر النقاط التالية: "أولًا، لم تكن حالة الطبيعة بالتأكيد حربًا للكلّ ضد الكلّ؛ إذ كان من الممكن أن يواجه الأفراد صعوبة كبيرة في البقاء على قيد الحياة خارج مجموعاتهم، ولم يكن الأطفال على وجه الخصوص
ليعيشوا من دون شبكات الأقارب؛ [...] ثانيًا، لم يكن البشر يعيشون بصفة طبيعية في أُسَر أبوية تقليدية،
أو يتّبعون أيّ قانون أخلاقي عالمي من النوع الذي تخيّله وافترضه لوك؛ [...] ثالثًا، تحمل الحالة التاريخية
للطبيعة القليل جدّا من التشابه مع رؤية روسو للبشر بصفتهم مخلوقات منعزلة ومكتفية ذاتيًا؛ ومع أن
روسو اعترف بالشفقة خاصيةً إنسانيةً فطرية، فإنه قلّل إلى حد بعيد من الدرجة التي نميل فيها بصفة طبيعية إلى العناية بأطفالنا وأقربائنا وتشكيل مجتمعات من حولهم". على الرغم من أن نوازعنا الفطرية لرعاية بعضنا بعضًا توفر أساسًا طبيعيًا لوجود الاجتماع الإنساني،
فإن طابعها الضيّق يمكن أن يضع عقبات كبيرة أمام إنشاء مجتمعات سياسية واسعة النطاق والحفاظ
عليها؛ ذلك أنّ البشر يميلون بطبيعتهم إلى الاهتمام بالأفراد القريبين منهم أو الذين يتماثلون معهم،
(51) Ibid., p. 242;
وهو يؤكد كذلك أنّ "أصول هذا السلوك الطبيعي للعناية هي تخيلية، وهناك أسباب وجيهة للاعتقاد أنها تطورت في البداية من تكيف
أساسي للغاية للثدييات (أو شبه الثدييات) لرعاية النسل، وتوسعت في النهاية إلى الثدييات الاجتماعية لتشمل رعاية الأقارب وأعضاء المجموعة الداعمين الآخرين (كما لو كانوا أقرباء)؛ وبحلول الوقت الذي تطور فيه أسلافنا من البشر إلى بشر معروفين، كانوا يسكنون حالة طبيعية ولكنها كانت اجتماعية بالفعل، وتحتوي على قدر كبير من العناية داخل المجموعات (على سبيل المثال: الأبوة والأمومة)؛ وبقدر ما كانت الحياة بلا شك وحشية وقصيرة بالنسبة إلى هؤلاء البشر الأوائل، لم تكن منعزلة أو حتى سيئة بالضرورة". ينظر: Ibid., p. 242.
(52) Ibid., p. 243. (53) De Waal, p. 24. (54) Engster, "Care in the State of Nature," p. 242.
ويميلون بطبيعتهم إلى عدم الاكتراث بالغرباء الذين لا تربطهم بهم صلة قرابة أو حتى بالبشرية جمعاء. وهنا، إذًا، نشير إلى أهمية أخلاقيات العناية بصفتها نظرية أخلاقية وسياسية، حيث حدّد منظرو العناية مجموعة من الاستراتيجيات لتوسيع ميولنا الطبيعية إلى العناية لتشمل الآخرين الغرباء؛ وهنا دعت نودينغز إلى أهمية تعليم العناية والتدريب على التصرفات الاعتنائية وتوجيهها نحو غايات أخلاقية أوسع، كما اقترحت فرجينيا هيلد Virginia Held، وجوان ترونتو، وغيرهما من منظّرات أخلاقيات العناية، مجموعة متنوعة من الأفكار لتطوير المؤسسات السياسية والسياسات الاجتماعية التي تدعم العناية بالآخرين وتسهلها، حيث يبدو أن بناء مؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية عادلة ومنظمة ضرورٌّيٌ، بصفة خاصة، لتعزيز علاقات أكثر رعاية بين الغرباء؛ إذ "عندما تنشئ الدول مؤسسات حكم عادلة وسياسات رعاية اجتماعية سخيّة، يميل الأفراد إلى إظهار المزيد من الثقة لأفراد المجتمع الآخرين
ويكونون أكثر استعدادًا لتقديم الاهتمام والعناية لهم؛ وعلى النقيض من ذلك، تميل المؤسسات السياسية الفاسدة والغارقة في المحسوبية إلى تعزيز مشاعر العناية المحدودة".
ثالثًا: بين أخلاق العناية ونظرية العدالة الليبرالية
من الواضح أنّ التحدي الرئيس للأخلاق والسياسة لا يكمن في توليد الاهتمام الأخلاقي والنظام السياسي من الفوضى، بقدر ما يكمن في توسيع نطاق أفعالنا الطبيعية، والضيّقة، في العناية لتشمل الغرباء
والآخرين البعيدين. لذلك يعتقد أغلب المهتمين بأخلاقيات العناية أنّ في إمكان مشاعر العناية الطبيعية أن تأخذنا إلى حد بعيد في تحفيز الاهتمام بالآخرين؛ إذ إنّ الجدل الأخلاقي وبناء المجتمع والمؤسسات السياسية، وغير ذلك من النشاط الإنساني، ضرورية لسد الفجوة بين مشاعر العناية الطبيعية لدينا والاهتمام الاجتماعي الواسع بالآخرين. وهكذا، يجب تجاوز الافتراض الأنثروبولوجي بوجود أفراد معزولين في حالة طبيعية غير منظمة، لأنّه لا يبدو مناسبًا للتفكير في المشكلات السياسية الأساسية؛ وبدلًا من ذلك
يجب إقناع الأفراد بتقديم قدر من العناية التي يشعرون بها تجاه العائلة والأصدقاء إلى آخرين مجهولين. وفي هذا الإطار، فإن "الرؤية الاعتنائية للسياسة، وإنشاء المؤسسات التي تقيم الروابط وتولّد الثقة بين الغرباء، لا تقل أهمية لتحقيق النظام والاستقرار عن إنشاء المؤسسات السياسية العُنفيّة وإنفاذ القوانين". إنّ نكتة الإشكال في مسألة العلاقة بين نظريات العدالة الليبرالية وأخلاقيات العناية تكمن، كما أشرنا سابقًا، في اختلاف الأسس الفلسفية والمنظورات الأنثروبولوجية التي يمكن إيجازها في المعنيَين التاليَين: 1. إذا كانت أخلاق العدالة تؤكد الاستقلالية الشخصية والفرد الحامل للحقوق، فإنّ أخلاقيات العناية تركز على مبدأ العلائقية والاعتمادية المتبادلة، وهي تخاطب: "القضايا الأخلاقية التي تنشأ من علاقات بين أشخاص غير متساوين وغير مستقلين، وهي علاقات محمّلة غالبًا بالانفعالات وغير
طوعية، ومن ثم فهي تدرك كيف تنطبق هذه الصفات، ليس فقط على الأسرة، بل على المجتمع
(55) Ibid., p. 243. (56) Ibid., p. 244.
الأوسع أيضًا". ومن هنا، فهي تسلّم بأن الباعث أو الدافع الأصلي للفعل الاعتنائي هو فكرة الارتباط بالآخرين والاهتمام بهم باعتبارها أساسًا أخلاقيًا؛ وبينما تحمي "العدالة المساواة والحرية،
فإنّ العناية تعزّز العلاقات الاجتماعية والتعاون". وهذا الاختلاف هو نتيجته الإقرار بعجز منظور العناية في التعامل تعاملًا سليمًا ومرضيًا مع القضايا السياسية. وبما أن الأخلاق الكانطية والنفعية
ومختلف أشكال العقلانيات الأخرى يمكن أن تدّعي تغطية الأخلاق كلها، سواء الأخلاق الخاصة أو السياسية، فإن أخلاقيات العناية ستبدو أقل شمولًا، بل ستكون نوعًا من الأخلاق الهجينة. 2. بينما تؤكد أخلاق العدالة المجال العمومي، وتنظر إلى الأفراد بصفتهم ذواتٍ متملكة للحقوق وتتمتع بمنزلة قانونية مبدؤها المساواة واحترام الحقوق، تسلّط أخلاقيات العناية الضوء على المجال الخاص، باعتبار أنّ الأسرة والأمومة والصداقة هي المجالات الأصليّة التي ظهرت داخلها
فكرة العناية؛ ومن هنا، تتأكد مشكلة أخرى أيضًا مع الإقرار بضرورة اقتصار أخلاقيات العناية على المجال الخاص. وإذا كان لأخلاقيات العناية أن تمثّل بديلًا منهجيًا من المقاربات العقلانية
للأخلاق، فعليها أن تتحدث بأسلوب مقنع عن القضايا السياسية. ولكنها في هذا الإطار تعاني عيبًا ملحوظًا في مقابل وجهات النظر الليبرالية الكانطية أو الرولزية حول الحقوق بسبب الأسلوب
الذي تفكر به عادةً في الحقوق السياسية ومبادئ العدالة. السؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو:: أُّيُ طريقة مناسبة تتيح لأخلاقيات العناية أن تفكر في الحقوق السياسية والعدالة لا بمصطلحات تقليدية، بل من خلال صيغة فلسفية بديلة حول الحقوق، تتأسس على قيم الاهتمام والحساسية التعاطفية؟ هنا بالفعل، اقترح المهتمون بأخلاقيات العناية طرائق متعدّدة لتجاوز هذا المأزق المركّب في تمثّل مسائل الحقوق والقانون والمساواة خارج المقاربات الليبرالية أو بموازاتها. وإذا سعت جيليغان ومن بعدها هيلد إلى رسم فاصل نفسي وأخلاقي بين منظورَي العناية والعدالة، مع اقتراح الاحتفاظ ب "التمييز فكريًا بين هذين التصورَين ورسم المجالات التي يحتلّ فيها كل من هذين التصورَين الأولويّة"، فإنّ سارة رديك تنظر إلى "العدالة دائمًا على أنّها متناغمة مع
العناية"؛ كما أنّ سوزان مولر أوكين Susan Moller Okin (2004–1946)، وأنيت باير، وإيفا فيدر كيتاي، وإن كنّ ينتقدن ليبرالية رولز بسبب فشلها في التعبير عن علاقات التبعية ومظاهر الضعف الإنساني المتجذّرة في العلاقات غير المتكافئة بين الأشخاص التابعين ومن يرعاهم، ومن ثمّ بالنسبة إلى كل حالات الظلم، فإنهن بقين متشبثات بضرورة الربط بين مقتضيات العناية ومطالب العدالة. لقد أكّد رولز، من خلال إصراره على أهمية وجود مجال سياسي خارج السوق بعيدًا عن الهدف النفعي، المتمثل في مجرد توزيع الرخاء، الحاجة إلى وجود مجتمع عادل وفضاء سياسي خاص به،
((5(هيلد، ص.19 ((5(المرجع نفسه، ص.22 ((5(المرجع نفسه، ص.25
(60) Sara Ruddick, "Injustice in Families: Assault and Domination," in: Virginia Held (ed.), Justice and Care: Essential Readings in Feminist Ethics (New York: Routledge Press, 1995), p. 217.
حيث يمكن معاملة جميع الناس على أنّهم أحرار ومتساوون. ومن هذا المنظور، رأى من الضروري تطوير المؤسسات الأساسية، بوساطة مبادئ توجيهية لتحقيق قيم الحرية والمساواة؛ إذ تتمثل إحدى المشكلات السياسية الرئيسة في التصحيح المنهجي لأوجه عدم المساواة الهيكلية من خلال العلاقة المركزية بالعدالة، التي يتم إدراكها عن طريق القواعد والمؤسسات والأفراد العقلانيين المتملكين للحقوق. وهنا يأتي "الاختلاف مع أخلاقيات العناية، حيث لا يمكن فصل المجال السياسي بسهولة عن المجال الاجتماعي والأنثروبولوجي الذي بقدر ما يشير إلى الوجود الكلي لعلاقات القوة أو الاستغلال، يدعو إلى ضرورة مراعاة السياق والأشخاص الحسّاسين ذوي الاحتياجات". وتقترح
هيلد التوفيق بين العدالة والعناية من دون المزج الكلي بينهما، الذي قد يغطّي على المبادئ الأولية لكل منهما، حيث ترى أنّه من الواجب "في المجال القانوني على العدالة ضمان الحقوق التي تحتلّ الأولوية، على الرغم من أن الاعتبارات الإنسانية للعناية يجب أن تكون حاضرة؛ وفي مجال الأسرة والأصدقاء، يجب أن تُعطَى الأولوية للعناية الفسيحة، على الرغم من أنّه من الضروري أيضًا وبكل تأكيد تلبية متطلبات العدالة الإنسانية". وتقترح كيتاي تقديم أجر على العمل الاعتنائي الذي تقوم به المرأة داخل المنزل تحقيقًا لتوزيع أكثر إنصافًا لهذا العمل الذي كان متروكًا تاريخيًا للنساء؛
وهذا الاقتراح يشبه نموذج العناية في دولة الرفاهية الذي أشارت إليه نانسي فريزر باسم "نموذج التكافؤ لمقدم الرعاية". وهكذا، منذ ثمانينيات القرن الماضي، غيّرت التحليلات النسوية تدريجيًا مسار
التفكير في تكافؤ الفرص، حيث يتطلب تحقيق المساواة من الآن فصاعدًا مراعاة الاحتياجات الخاصة بالمرأة؛ وهذا هو الطريق الذي اتخذته المطالبة بالتعويض المالي عن عمل مقدّمي الرعاية الأسرية والمطالبة بالاعتراف الاقتصادي بالعمل المنزلي وتربية الأطفال. إذا كان بعض منظري أخلاقيات العناية يقبلون بالنظريات الأخلاقية القائمة، مثل الأخلاق الكانطية، ويستنتجون أنّ علينا واجب تغذيتها بمصادر شرعية جديدة من خلال الاهتمام بالمنظورات الأخلاقية للعناية، فإنّ هناك من يعتقد أن هذه المقاربة لا تذهب بعيدًا بما فيه الكفاية في الإحاطة بالأهمية الجذرية للعناية: إما على معنى الادعاء أن العناية غير قابلة للترجمة إلى نظرية أخلاقية وسياسية عامة، كما أشارت إلى ذلك نودينغز، بسبب اختلاف مبادئها الأنطولوجية، حيث تُفهم بمعزل عن وجهة نظر الشخص
(61) Fabienne Brugère, L’éthique de "care" (Paris: Presses Universitaires de France, 2017), p. 51.
((6(هيلد، ص.25
((6:(ينظر Love’s Labor Kittay,. (64) Nancy Fraser, Le féminisme en mouvements. Des années 1960 à l’ère néolibérale , Estelle Ferraraise (trad.) (Paris: La Découverte, 2012), p. 157.
وفقًا لهذا النموذج، فإن الأمر يتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين لا على معنى المطالبة بوصول المرأة على قدم المساواة إلى سوق
العمل التي كان يهيمن عليها الذكور تاريخيًا، بل بضمان الاعتراف الاقتصادي والاجتماعي على قدم المساواة بعمل المرأة الرعائي غير
الرسمي تقليديًا في الأسرة؛ ويسعى هذا النموذج، مدفوعًا بفكرة أنه من الممكن أن تكون متساويًا في الاختلاف، لتحييد التكاليف
المرتبطة باختلاف المرأة عن طريق التعويض المالي عن مهمات العناية التي تؤديها في سياق الأسرة؛ ولهذا النموذج العديد من المزايا، أهمها: معرفة كيفية مواجهة التمركز الذكوري؛ أي تكوين مؤسسات المجتمع وقيمه على قاعدة المنظور الذكوري النموذجي.
(65) Noddings, pp. 3–81.
كفرد ليبرالي: حُرّ ومستقلّ ومكتفٍ بذاته، أو على معنى اجتراح طريقة مغايرة لإعادة تصور مثُلنا السياسية
على أسس أخلاق العناية، من خلال تأكيد سلوت أنّ المقاربة "المألوفة والتقليدية غير ملائمة من الناحية المعيارية، ولا يمكن أن تنجح ببساطة". وهو يعتقد أنّ عدم نجاحها مرتبط بعدد من الأسس النظرية التي ترتكز عليها؛ إذ إنه يرى، أولًا، أنّها تسلّم بأن "الدافع الأصلي وراء أخلاقيات العناية، المتمثّل في فكرة الارتباط بالآخرين والاهتمام بهم باعتبارها أساسًا أخلاقًّيًا، لا يمكن أن يساعدنا على التعامل بطريقة مناسبة
وشاملة مع القضايا السياسية"، في مقابل ادعاء الأخلاق الكانطية ومختلف أشكال العقلانية الأخرى القدرة على تغطية مجال الأخلاق كلها، سواء الأخلاق الخاصة أو السياسية؛ وأنّها، ثانيًا، تدفع إلى حصر
أخلاقيات العناية داخل المجال الخاص بادعاء عدم ملاءمتها للمسائل ذات العلاقة بالحقوق والعدالة. وإزاء هذا الاختلاف بين أخلاقيات العناية ونظرية العدالة، الذي تترتّب عليه أحكام أخلاقية ومعيارية متعارضة في علاقة بمجموع القضايا السياسية والقانونية، يرى مايكل سلوت أنّه من الأفضل لنا أّلا نحاول تسخير أخلاقيات العناية لمنطق الليبرالية السياسية لأن ذلك يؤدي إلى أشكال من التناقضات التي يجب تجنبها. ومن ثم، يدعو أخلاقيات العناية إلى أن تتحدث عن القضايا السياسية بصوتها المختلف، مع النزوع نحو تغطية كلّ القضايا والوضعيات الشخصية والسياسية أو الخاصة والعامة؛ أي إنه "لا ينبغي لنا أن نفكر في الحقوق السياسية والعدالة بمصطلحات تقليدية، بل يجب إعادة بناء تفكيرنا حول الحقوق بصيغة أقل شيوعًا وهي الاهتمام والحساسية التعاطفية"؛ وهذه الطريقة الجديدة تستدعي أرضية فكرية مغايرة وإطارًا مفاهيمًّيًا مختلفًا، حيث يكون المفهوم الأهم الذي يجب أن نبدأ الحديث عنه هو
التعاطف. ومع أننا نتعاطف مع معاناة من نعرفهم ونهتم لأمرهم أكثر من تعاطفنا مع معاناة الغرباء أو الأشخاص الذين نعرفهم معرفة أقل، فإنّ هذه الحقائق المتعلقة بالتحيّز لا يمكن أن تمنعنا من "استنباط
وجهات نظر معقولة حول الحقوق والعدالة من الاعتبارات المتعلقة بالتعاطف والاهتمام العاطفي بالآخرين [...] وهذا يعطي أخلاقيات العناية نقطة دخول للحديث عن قضايا العدالة الاجتماعية (أو الدولية) من منظور التعاطف ومن دون الحاجة إلى جلب مفاهيم عقلانية وليبرالية (أو وجهات نظر نفعية أو ليبرالية) لاستكمال ما يجب أن تقوله عن الالتزامات والأفعال الأخلاقية الفردية". ويعرض سلوت مسألة التسامح مث لًا لتقديم مقاربة مختلفة لأخلاقيات العناية عن التصورات الليبرالية؛ إذ غالبًا ما يُعتقد أن الحريات الدينية تحتاج إلى أن تكون متحقّقة على أساس عقلاني في حقوق
الاستقلالية، لأن الشعور المحض سيقود الناس أحيانًا إلى عدم التسامح مع الممارسات الدينية التي يجدونها بغيضة أو مثيرة للاشمئزاز. وإذا كان الاستنتاج الليبرالي النموذجي يتمثل في واجب الاحترام الكامل للحق في حرية العبادة مع تحييد مشاعرنا تجاه من لا نحب دينهم بشدة، وأن "نُظهر هذا
(66) Slote, "Care Ethics and Liberalism," p. 39. (67) Ibid., p. 38. (68) Ibid., p. 39.. Michael Slote, Michael, The Ethics of Care and Empathy (London: Routledge. 2007) (6(ينظر:((70) Slote, "Care Ethics and Liberalism," p. 40.
الاحترام والتسامح مع الآراء والممارسات التي لا نحبّها انطلاقًا من قناعة أو حدس بأنّ للناس حقًا
أساسيًا في اعتناق تلك الآراء والمشاركة في تلك الممارسات"، فإن هذه المقاربة تبدو مشوهة
أخلاقيًا؛ ذلك أنّ الشخص الذي يسمح للآخرين بالعبادة بحرية على الرغم من أنّه لا يملك سوى
الازدراء لهؤلاء الآخرين أو لوجهات نظرهم، لا يمكن أن يُظهر الاحترام الكامل والحقيقي لهم.
وهكذا، سيكون أكثر "احترامًا إذا حاول المرء، بطريقة منفتحة، أن يرى الأشياء من وجهة نظرهم وإذا
كان في إمكانه حشد بعض التعاطف مع وجهة نظرهم، وأن لا يسمح لنفسه ببساطة أن يكره أو يحتقر ما يفكر فيه الآخرون أو يفعلونه". وإذا كان الليبراليون والعقلانيون الأخلاقيون يعتقدون أن العدالة والحقوق مرتبطة بالاحترام، فإن هذا الافتراض، بحسب سلوت، يعمل في الواقع ضد رؤيتهم السياسية ولصالح أخلاقيات العناية التي تركز على التعاطف والعاطفة، ذلك أنّ "الليبرالية لا تعترف بأهمية محاولة التعاطف مع من يختلف المرء معهم أساسًا للاحترام الكامل". يمكن القول إنّ اهتمام أخلاقيات العناية بجميع أشكال الضعف والهشاشة ينتمي إلى هذه الحركة في العلوم الإنسانية، التي تتجاوز فكرة الإنسان الاقتصادي ومنظور عقلانية الفعل التي تنظمها المصلحة، وأن الإشارة إلى العناية هي جزء من تساؤل أعمق، يهدف إلى الابتعاد عن أوجه قصور الليبرالية من أجل تعزيز منطق اجتماعي آخر غير منطق السوق. ومع ذلك، فإن الأسئلة المتعلقة بترجمة مبادئ العناية إلى الواقع الملموس للمؤسسات الاجتماعية والسياسية للدول الديمقراطية ما زالت تبحث عن إجابات ممكنة ومناسبة؛ ولذلك غالبًا ما وقع تجاهل هذا الانتقال من الأخلاقيات المعيارية إلى
تطوير مقترحات تهدف إلى إصلاح المؤسسات من العديد من منظّري أخلاقيات العناية. ولذلك، عمدت هيلد إلى اقتراح رؤية لأخلاقيات العناية تجعلها بمنزلة الأخلاق الشاملة، حيث يكون من المناسب النظر إليها على أنها قابلة للتطبيق على المجالات المحدودة للقانون والسياسة. أما ترونتو فدعت إلى تجاوز الجدل الذي يضع الرعاية تقليديًا في مواجهة العدالة، وطرحت فكرة مفادها أن
الاستبصار الأخلاقي في العناية ينبغي أن يثري التنظير السياسي حول العدالة؛ ومن ثمّة، فإن التفكير في
العناية ينطوي على مقاربة اجتماعية وسياسية، تنزع عنها الطابع الرومانسي جذريّا، وتظهر أيضًا عنف
التكليف بالرعاية وألعاب السلطة في مثل هذه العلاقات؛ أي تسييس أخلاقيات العناية.
رابعًا: سياسات العناية: في إضفاء الطابع الاعتنائي على الديمقراطية
1. العناية بالديمقراطية وديمقراطيات العناية
في الواقع، كانت الليبرالية نظرية سياسية تتبنى منظورًا للنظام السياسي يتأسس على فكرة الفصل بين المجال الخاص الذي يهم الأسرة والصداقة الذي تعتبره خارج الإلزام القانوني، والمجال العام الذي
(71) Ibid. (72) Ibid. (73) Ibid., p. 41.
يهم علاقات المواطنة وينتظم وفق مبدأ المساواة القانونية. وهذه الأيديولوجيا الليبرالية، التي تجعل من الفرد المستقل قيمة أخلاقية وصورة مثالية للمساواة المجردة، تخفي توزيعًا غير متساوٍ للسلطة والموارد والفروق الاجتماعية. ومن ثمّ، فإن التشكيك في حدود الأخلاق الليبرالية يعني التشكيك في القيمة الأخلاقية للفردانية واقتراح تطوير سياسات أخلاقية جديدة تكون شيئًا آخر غير الأساس العقلاني للسياسة، الذي يجعل المجتمعات الديمقراطية، خلال ترك مسألة العناية خلف الجدار الذي أقامه التمييز الليبرالي الحديث الصارم بين الحياة الخاصة والعامة، تستمر في ممارسة أشكال متعدّدة من الإقصاء والتمييز على الأسس العرقية أو الجندرية أو الطبقية. هكذا، بتعريف ترونتو للعناية، بوصفها كل "نشاط مميز للجنس البشري، يشمل كل ما نقوم به من أجل الحفاظ على عالمنا وإدامته وإصلاحه، حتى نتمكن من العيش فيه بأفضل ما يمكن. ويشمل هذا العالم أجسادنا وأشخاصنا وبيئتنا، وكل ما نسعى لربطه معًا في شبكة معقدة لدعم الحياة"، فإن العناية نفسها أصبحت معيارًا أخلاقيًا أو نموذجًا إرشاديًا في ميدان الأخلاق والمجتمع والقانون
والسياسة، حيث سيتغير مفهومنا للعالم ولم يعد في مقدورنا أن ننظر إلى أن المجتمع ببساطة مجموعة من الأفراد المستقلين الذين يسعون لتحقيق غايات عقلانية ومشاريع حياة، بل مجموعة من الأشخاص المحاصرين في شبكات من الاهتمام والعناية والتعاطف والملتزمين بتلبية احتياجات الرعاية من حولهم. ونتيجة لذلك، تتطلب منا هذه الحقائق أن نفكر بطريقة أكثر إبداعًا في جعل أخلاقيات العناية فرضية تأسيسية للمجتمع الديمقراطي، بدلًا من أن تكون مجرد أخلاق نسوية، حيث سنكون بذلك قادرين على الدفاع عن فكرة إنشاء مجتمع ديمقراطي ينمّي الروح الاعتنائية. تبعًا لذلك، إذا قبلنا الفرضية القائلة إنّه يجب أن نمارس العناية بطريقة تطور الديمقراطية، فإننا ندرك المشكلة التي تفرضها هذه الأخلاقيات على الديمقراطية؛ ذلك أن هذه المقاربة تفترض على نحو قبلي علاقات التبعية والاعتمادية بدلًا من فكرة المساواة المضلّلة، فالبشر ليسوا متساوين في القدرات، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الأصغر سنًا والأشد عجزًا وهشاشة في المجتمع. ولذلك، كانت الممارسات الديمقراطية عبر التاريخ تستبعد الأشخاص التابعين والعاجزين وغير العقلانيين جزئيًا
من المواطنة، مثلما كان الأمر بالنسبة إلى الديمقراطية اليونانية الناشئة التي استبعدت العبيد والنساء؛ وحتى في العصور الحديثة، لم يتم توسيع مبدأ المواطنة الكاملة إلا بعد نضالات قوية وحاسمة، حيث "حصل الرجال الفقراء وأولئك الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة والنساء على الحق في التصويت". وانطلاقًا من تأكيد ترونتو حقيقة أنّ ديمقراطيات السوق، الملتزمة بإعطاء الأولوية لقيم التبادل، وصلت إلى نقطة "تعجز فيها عن الاستجابة للأهداف الديمقراطية المتمثلة في تحقيق المزيد من الحرية والمساواة والعدالة، أو أهداف العناية المتمثلة في ضمان أن يكون لكل من مقدمي الرعاية ومتلقيها مكانهم المناسب في المجتمع، حيث إنّ طريقة 'نحن نهتم الآن' تسيء فهم الحرية على أنها 'اختيار'
(74) Joan Tronto, Un Monde vulnérable: Pour une politique du care (Paris: La Découverte, 2009), p. 13. (75) Tronto, Care démocratique , p. 33.
بغض النظر عن الهيمنة، وتديم عدم المساواة، وتجعل من المستحيل إثارة مسائل العناية بصفتها قضايا عدالة"، فإنها أضفت على التفكير في العناية بعدًا سياسًّيًا أنزلها منزلة النموذج الفكري والممارسة
الجيّدة، التي ستساهم في تقديم منابع شرعية جديدة للديمقراطية ومسائل المواطنة والحقوق ترتكز
على نموذج الاستضعاف والهشاشة الأنثروبولوجية، حيث تُفهم العناية بكونها ذلك "الاهتمام المسؤول بالآخرين الذي يتخذ شكل نشاط أخلاقي وسياسي لصالح الضعف البشري، إما بهدف الحفاظ على استقراره وإما محاولة التقليص منه". ومن ثمّ، سعت ترونتو لتجاوز المفهوم الاختزالي لأخلاقيات العناية باعتبارها أخلاقًا نسوية، من خلال النظر إليها على أنها "نشاط عام يشمل كل ما نقوم به للحفاظ على عالمنا وضمان ديمومته وإصلاحه، حتى نتمكن من العيش فيه بأفضل صورة ممكنة؛ ويشمل هذا العالم أجسادنا وأنفسنا وبيئتنا التي نسعى جميعًا لربطها في شبكة معقّدة لدعم الحياة". وحدّدت أربع مراحل ضرورية للنشاط الاعتنائي: 1. تعرّف المرحلة الأولى من العناية ب "الاهتمام" Caring about: وتتمثل في ملاحظة وجود حاجة
ما، وإدراك الحاجة إلى الاستجابة لها وتقييم إمكانية هذه الاستجابة. وهنا نكتشف تمييزًا دقيقًا بين الضرورة الأخلاقية والإمكانية العملية، حيث لا تُفهم الضرورة على معنى الالتزام بالواجب الأخلاقي الكانطي، بل على معنى الإدراك الواقعي لحاجة الآخر. وفي هذا الإطار تحتوي العناية على ثنائية الالتزام بالإدراك (الملاحظة) والذكاء العملي (التقييم). 2. تتضمن المرحلة الثانية مسألة "تحمل المسؤولية" Taking Care of: تُفهم المسؤولية هنا على أنها شكل من أشكال الكفاءة. وتقدّم ترونتو مثال الاهتمام بالأطفال الجياع في العالم الثالث، حيث تشير إلى أنّه إذا علمنا أنّ أيّ طعام يتم إرساله سوف يُسرق، ف "لا فائدة في إرسال المال لشراء الطعام".
وتُفهم الحكمة العملية هنا على أنها سلوك براغماتي معلّقٌ على احتمال تحقيق الهدف. 3. تتمثل المرحلة الثالثة في "تقديم العناية" Care Giving: وهي تشير إلى التواصل المباشر مع الآخرين من خلال احتياجاتهم، وتقصد النشاط في بُعده التواصلي مع الناس، حيث تأكيد
خصوصية العناية من جهة التركيز على البعد العلائقي للعناية، إلى درجة أنّنا نميل إلى اختزالها تلقائيًا في هذا الجانب من الاتصال المباشر: من جسد إلى جسد بلا وساطة. وتؤكد ترونتو أنّها
ليست نشاطًا مرتجلًا وعفوًّيًا بل وظيفة، حيث إنّ الكفاءة من حيث هي صفة أخلاقية تتوافق مع
تقديم الرعاية. 4. ترتبط المرحلة الرابعة بمسألة "تلقي العناية" Care Receiving: وهذا البعد من العناية يتعلق بمتلقي الرعاية وبالتعرف إلى الطريقة التي يتفاعل بها الشخص الذي يتلقاها. وهذه المرحلة
(76) Joan Tronto, Caring Democracy: Markets, Equality, and Justice (New York: University press, 2013), p. 139. (77) Fabienne Brugère, Le sexe de la sollicitude (Paris: Seuil, 2008), p. 19. (78) Tronto, Care démocratique , p. 43. (79) Tronto, Moral boundaries , p. 148.
تجعل من الممكن تقييم عملية الرعاية بأكملها، من خلال رد فعل الشخص الآخر معيارًا لتقييم
النجاح أو على الأقل معرفة مدى ملاءمة إجراءات العناية مع الحاجات التي يراد تحقيقها. في الواقع، إذا قبلنا الفرضية القائلة إننا يجب أن نمارس العناية بطريقة تُطوّر الديمقراطية، فإننا ندرك على الفور المشكلة التي تفرضها أخلاقيات العناية على الديمقراطية؛ ذلك أنّ العديد من علاقات العناية ليست علاقات مساواة بسبب أن البشر ليسوا متساوين في القدرات، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار الأصغر سنًا والأشد عجزًا وهشاشة في المجتمع؛ وهنا سيختلف هذا "المنظور الواسع للعناية في المجتمع بطرائق مهمة عن منظور السوق، أو منظور الأفراد، أو منظور معظم العلوم الاجتماعية؛ فالعناية الجيّدة تتطلب الاعتراف بأن هذه العناية أمر علائقي: لا يمكن الحكم على إذا ما كانت العناية جيّدة من
منظور فردي: لا من منظور مقدّمي العناية أو متلقّيها". ولتحقيق ذلك، يجب أن نلتزم بجعل العناية قيمة مركزية لمجتمعاتنا الديمقراطية وأن نلتزم بإضفاء الطابع الديمقراطي عليها، حيث تتأكد حقيقة أنّ "العناية إذًا ليست تحت السياسة أو خارجها، كما يفترض عادة، ولكنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسؤال السياسي الأساسي: كيف يمكن تأسيس النظام والحفاظ عليه؟". وقد سعت الموجة الثانية من أخلاقيات العناية للنظر إليها على أنها أخلاقيات منفصلة عن الجنس؛ أي أخلاقيات يمكن أن يتبناها كل من الرجال والنساء وتستحق إعادة تأهيلها على أنها فلسفة أخلاقية صالحة، على مستوى أخلاقيات العدالة أو أخلاقيات الفضيلة نفسه؛ وتهدف هذه المقاربات إلى تحديد المبادئ السياسية التي تنطبق على المجالين العام والخاص، والتي من شأنها أن تجعل من الممكن التحرك نحو مجتمع أكثر عناية. إنّ هذا المنظور يعني أن العناية لم يعد يُنظر إليها من الزاوية العاطفية؛ أي بصفتها استعدادًا أخلاقيًا
للاهتمام باحتياجات الآخرين، بل بصفتها نشاطًا إنسانيًا قائمًا على الحب والاهتمام والتعاطف. ويعني
تسييس العناية، عند ترونتو وكيتاي وأوكين، نزع الطابع الجندري عنها وجعلها نشاطًا منفصلًا عن النوع الاجتماعي. وهنا، تلاحظ ترونتو أن الوظائف المتعلقة بالرعاية، مثل المربية أو عاملة التنظيف، غالبًا
ما تشغلها النساء من أصل مهاجر باعتبارها من الأعمال غير المثمّنة اقتصاديًا والمحتقرة اجتماعيًا.
لذلك، فإن الأمر يتعلق بإعادة الاعتبار للأعمال الرعائية وجعلها مرئية، بحيث يتم الاعتراف بأهميتها الاجتماعية. ولكي نجعل من العناية قيمة ديمقراطية قابلة للحياة، تقترح ترونتو الالتزام بثلاث مجموعات من الأفكار: أولًا، يعني افتراض أننا ضعفاء التخلي عن مبدأ الاستقلالية الكاملة، والاعتراف الحقيقي بضعفنا وتبعيتنا يمكن أن يغيّر من طريقة تفكيرنا في المسؤوليات الاجتماعية. ثانيًا: تأكيد أنّ المحافظة
على الديمقراطية فترة طويلة غير ممكن إذا استمر اختلال التوازن بين تنمية الثروة وطرائق توزيعها وإعادة توزيعها، حيث إنّ تحقيق الهدف الديمقراطي المتمثل في تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة على المناصب الاجتماعية مشروط كذلك بالمساواة في الحصول على الرعاية الجيّدة لمن يحتاج إليها من
الفئات الهشّة؛ ذلك أنّ "حياة الخصاصة، التي يعيشها الآباء الفقراء لا تسمح لهم برعاية أطفالهم مثل
(80) Tronto, Caring Democracy , p. 140. (81) Engster, Care in the State of Nature , p. 244.
الآباء الميسورين؛ وإذا لم نعالج هذا الخلل في التوازن، سيستمر التفاوت في الصعود". ثالثًا: يتعلق الأمر بالاهتمام بالتنوع والاختلاف، الذي يوفّر لنا الأساس الجوهري الذي يجب أن تدور حوله هذه المسائل؛ وإذا كانت قضايا المساواة محورية عندما نهتم بالديمقراطية، فإنّه بالطريقة نفسها يجب أن تعكس معالجة الاختلافات الثقافية الالتزام بالتطور الديمقراطي للعناية. وتبعًا لذلك، سيتضمّن التجسيد السياسي الحقيقي لأخلاقيات العناية دمج الممارسات المتعلقة
بالرعاية في مختلف برامج التفكير الديمقراطي والتمكين للأشخاص المعنيين سواء مقدمي الرعاية أو المستفيدين منها. وهكذا، فإنّ تسييس العناية سيعني أكثر من مجرد إدخال القضايا الجوهرية لتبعيّتنا
المتعددة في المدينة؛ إنّه يسلّط الضوء، كما تعتقد ترونتو، على ما يشكّل مصدرًا للألم والعار في
مجتمعنا: "رفض أولئك الذين لا ينتمون إلى دائرة المواطنين ذوي الامتيازات الكاملة والذين يظهرون كمواطنين من الدرجة الثانية". وهنا، يمكن سماع أصوات المهمّشين في المدينة؛ إذ بقدر ما تنطوي
أخلاقيات العناية على إعادة رسم الحدود بين المجالين الخاص والعام والمجالات الأخلاقية والسياسية وإعادة تشكيل حدود النوع الاجتماعي، فإنها تتضمّن أيضًا إعادة النظر في أسس المواطنة
بحيث تشمل، على الأقل من حيث الوصول إلى الحقوق الاجتماعية والسياسية الأساسية، العاملات في مجال الرعاية، اللاتي يهاجرن إلى البلدان الغنية بأغلبية ساحقة من أماكن أخرى. وتطرح باسكال مولينيه السؤال الضروري: "كيف يمكننا أن نتجنب أخطار سياسة استعمارية وأبوية قد تهتم بالفعل بهؤلاء العمال من أماكن أخرى، ولكنها في الوقت نفسه تدعم غايات غريبة عن غايات الديمقراطية التي تتضمن قيم العناية وعن غايات العناية التي يتم تنظيمها وتنفيذها بطريقة ديمقراطية؟".
2. التأسيس لأخلاقيات العناية النقدية في سياق العلاقات الدولية
إنّ علاقات العناية والمسؤوليات التي تولّدها تمتدّ إلى ما هو أبعد من دائرة الأسرة والمدينة والدولة القومية؛ ومن ثمّ، يعتقد بعض منظري أخلاقيات العناية أن الأسس الواقعية لفكرة حقوق الإنسان يمكن
أن تساعدنا على اجتراح رؤية ومراس عالميَين على قاعدة بردايم العلاقات الاعتنائية؛ والسؤال المناسب
الذي يُطرح هنا: هل يمكن أخلاقيات العناية القائمة على التعاطف أن تتعامل تعاملًا معقولًا مع جميع
الجوانب المختلفة للعدالة الاجتماعية أو الدولية أو القانونية؟ يجادل الفكر الليبرالي ويجيب بالنفي، حيث تُطرح مسألة التسامح بصفتها حجةً تبرهن على الحاجة إلى شيء آخر غير الشعور المحض والدافع القائم على الشعور من أجل التعامل مع حقوق الناس في الحرية الدينية؛ إذ غالبًا ما يُعتقد
أن الحريات الدينية تحتاج إلى أن تكون قائمة على أساس عقلاني يكمن في الحق الأخلاقي في الاستقلالية؛ لأن الشعور المحض سيقود الناس أحيانًا إلى عدم التسامح مع الممارسات الدينية التي يجدونها بغيضة أو مثيرة للاشمئزاز. وهكذا يفترض الاستنتاج الليبرالي النموذجي: "أننا يجب أن نحترم الحقوق المنفصلة عن المشاعر في حريّة العبادة لمن لا نحب دينهم بشدة احترامًا كاملًا، وأن نظهر
(82) Tronto, "Care démocratique et démocraties du care," p. 43. (83) Ibid., p. 45. (84) Molinier, Laugier & Paperman, p. 23.
هذا الاحترام إذا تسامحنا مع الآراء والممارسات التي لا نحبّها انطلاقًا من قناعة أو حدس بأن للناس
حقًا أساسيًا في اعتناق تلك الآراء والمشاركة في تلك الممارسات". تبدو هذه الصورة بأكملها مشوّهة أخلاقيًا، بحسب سلوت، الذي يرى أنّ الشخص الذي يسمح للآخرين
بالعبادة بحرّية، على الرغم من أنه لا يملك سوى الازدراء لهؤلاء الآخرين أو لوجهات نظرهم، لا يُظهر
الاحترام الكامل والحقيقي تجاههم. ولذلك، يعتبر أنّ رؤية الأمر من منظور أخلاقيات العناية، ونموذج التعاطف، سيمكّن المرء من أن يكون "أكثر احترامًا إذا حاول بطريقة منفتحة أن يرى الأشياء من وجهة نظرهم، وإذا كان في إمكانه حشد بعض التعاطف مع وجهة نظرهم، ولا يسمح لنفسه ببساطة بأن يكره أو يحتقر ما يفكر فيه الآخرون أو يفعلونه". بل إنّ إقامة "علاقة أخلاقية مع المستضعفين تعني إدخال منظور الاحترام، من خلال النظر في موقف الآخر كما يعبّر عنه وليس من خلال افتراض أن
الآخر مطابق تمامًا للذات". وعلى عكس ما يعتقد المنظور الليبرالي والأخلاق العقلانية، فإنّ هذا الافتراض يعمل في الواقع ضد مثُلهم السياسية ولصالح أخلاقيات العناية التي تركز على التعاطف والعاطفة، حيث يبدو "أنّ جميع أصناف الاضطهاد، التي حدثت على مر التاريخ، قد حدثت في غياب أي محاولة لرؤية الأمور من وجهة نظر أولئك الذين يتعرّضون للاضطهاد". ومن ثمّ، يجزم سلوت أنّ "أخلاقيات العناية التي تؤكد على التعاطف (والانفتاح التعاطفي) يمكنها أن تستبعد التعصب الديني والاضطهاد استبعادًا كلّيًا كما تفعل الليبرالية". تبعًا لهذا الإقرار، تعتقد هيلد أنّ النظريات الأخلاقية، التي تنظر إلى مجال العيش الإنساني على قاعدة نموذج الفردانية الباحثة عن مصالحها، ضمن حدود القواعد الكليّة، غير مناسبة للتعامل مع النموذج
الاعتنائي في السياق العالمي. ولذلك، ترى أنّ ل "أخلاق العناية موارد لتفهم الروابط الجماعية والثقافية والعلاقات بين الفئات التي تشترك في تواريخ وسيطرة استعمارية أو مصالح في التطور الاقتصادي الّلا سوقي". وهنا تلاحظ فيونا روبنسون أن رد الفعل الليبرالي على الترابط المتزايد في العالم، باعتباره شكلًا من "العودة إلى عالمية كانط"، مثير للسخرية؛ لأنّ الفهم الحقيقي للعولمة يجب أّلا يقودنا إلى تقدير الاختلافات بين الأفراد فحسب، بل بين الجماعات والأمم والثقافات أيضًا، لأنّ الخطأ الشائع في التصور الكسموسياسي للعولمة هو افتراض أننا جميعًا نتشارك مفهومًا مشتركًا للعدالة ونعطي الحقوقَ الفردية القيمةَ نفسها؛ بينما غالبًا ما يؤدي هذا المفهوم الخاطئ للكونية إلى الأبوية أو
حتى الهيمنة في محاولة لتشكيل مجتمعاتهم على صورة النموذج الغربي.
(85) Slote, Care Ethics and Liberalism , p. 40. (86) Ibid., p. 41. (87) Brugère, L’éthique de "care" , p. 49. (88) Slote, "Care Ethics and Liberalism," p. 41. (89) Ibid., p. 42.
((9(هيلد، ص.225
(91) Robinson, p. 45.
في مقابل ترحيل الواقعيين والواقعيين الجدد النموذج الهوبزي لتدبير السياسة على المعنى النزاعي إلى ميدان العلاقات الدولية، وجعل الحرب والتنافس العسكري معيارًا محدّدًا لنجاح الدول، تعتبر هيلد أنّ أخلاق العناية تتفهم "أهمية تنمية علاقات الثقة والإصغاء إلى اهتمامات الآخرين وتعزيز التعاون الدولي وتقدير الاعتماد التبادلي". وعلى عكس التصورات الاختزالية، التي ترى أنّ أخلاقيات العناية شخصيّة
وخاصة وضيّقة الأفق، ومن ثمّ غير قادرة على معالجة المشكلات الاجتماعية أو العالمية الكبيرة، تقترح
روبنسون ما تسميه "أخلاقيات العناية النقدية"، التي "تتميز بأنطولوجيا علائقية، أي إنها تنطلق من إدراك أن الناس يعيشون في العالم ويتمثّلونه داخل علاقات اجتماعية"؛ وهي تؤكد ضرورة تأسيس نظرية معيارية جديدة تتجاوز المفاهيم الأخلاقية الليبرالية المستخدمة في العلاقات الدولية مثل: الحقوق، والالتزامات والعقود، والإنصاف، والمعاملة بالمثل، والاستقلالية والعدالة، لأنّها تبريرية؛ فبقدر ما تركز في الظاهر على نموذج ترويج المبادئ العقلانية والكونية ذات الأساس الكانطي، تختزن في باطنها نموذج واقعية شرسة تخضع العلاقات الدولية لسياسة القوة، باعتبارهما "مجرد نبعين توأمين من منابع الحداثة". وفي المحصّلة، إذا أدركنا أنّ المبادئ المحدّدة لنظريات الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية، مثل الاستقلالية والسيادة والمعاملة بالمثل، قد تشكلت تاريخًّيًا من خلال التقاليد
السائدة في الفلسفة الأخلاقية والسياسية الغربية، فسنفهم أنّ "الأخلاق يجب ألا يُنظر إليها على أنها شيء منفصل عن العلاقات الدولية، بل إنها شيء متأصّل فيها وفي فهمنا الديناميكي والاجتماعي لها"، بحيث لا يمكن فصل نظرية العلاقات الدولية عن تلك الأفكار في الفلسفة الأخلاقية والسياسية التي استمدت منها. ولذلك من الضروري، في نظر روبنسون، أن نغذّي العلاقات الدولية بمصادر معيارية قد توفّر فيها أخلاقيات العناية النقدية "نقطة انطلاق مفيدة لتحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي على نطاق عالمي"، في ارتباط بتقييم أشكال التدخل العسكري والإنساني ومعالجة الفقر؛ لأنّه إذا "اقتصرت الأخلاقيات الدولية على الأسئلة المتعلقة بالسيادة والتدخل والعدالة التوزيعية الدولية، فإنها لن تتقدم أبدًا إلى ما هو أبعد من الأنطولوجيا الثابتة والأطر التحليلية الثنائية والأنماط الضيّقة من
التفكير الأخلاقي التي تتسم بها حاليًا".
خاتمة
إنّ أخلاقيات العناية، على الرغم مما يشاع عن إحالتها إلى شعور وحساسية أنثوية نموذجية، تقدّم نفسها بوصفها نظرية أخلاقية وسياسية منافسة للنظريات التقليدية المهيمنة في التفكير والمراس الحديثين؛ ومن وجهة نظر مقبولة، فإن تأنيث العناية ما هو إلا انعكاس للهيمنة الذكورية التي تخفيها
((9(هيلد، ص.231
(93) Robinson, p. 2. (94) Ibid., p. 4. (95) Ibid., p. 6. (96) Ibid., p. 163. (97) Ibid.
هذه النظريات الليبرالية وتعيد إنتاجها خلف المثل الأعلى الحديث للفرد المستقل المتملك للحقوق وذي القدرة على الاختيار العقلاني. ووفق هذا المنظور، لم تعد العناية تشير ببساطة إلى مجرد نزعة أخلاقية في أذهان الفاعلين، بل أصبحت تمثل في الواقع الملموس الأساس النهائي لاختبار الهيمنة
الجندرية القائمة على تقسيم غير متساوٍ بين أعمال الرجال وأعمال النساء ذات الطابع الاعتنائي. ولذلك تخترع أخلاقيات العناية لنفسها مسوغات فكرية تنطلق من الإقرار بأنّنا جميعنا ضعفاء، بغض النظر عن الجنس، بمن في ذلك مقدّمو الرعاية، وبأنّ الاهتمام لا يقتصر على مجال نشاط واحد، بل يشكّل نمط وجودنا الاعتنائي في علاقتنا بالأشياء وبالآخرين، وبأنّ هذا التغيير في الأخلاق لن يؤدي إلى تحرّر المرأة فحسب، بل إلى تحرّر الإنسانية كلّها، لأنّ الاهتمام بالآخر يتعارض مع فكرة الهيمنة
التي تتمثل في ممارسة السلطة على الآخر. ومن هنا، فإن إعادة النظر في الضعف ومعالجته تعني اجتراح طرائق جديدة لإدارة اقتصاديات السوق تتجاوز مجرد الاهتمام بمطلب السعادة وتوزيع أكثر عدالة للثروة؛ وهذا ما يمكن أن تحقّقه أخلاقيات العناية، من خلال اقتراح مفهوم للعلاقات مغروس
في الاعتراف بمبدأَي التبعية والاعتمادية. وهكذا، تبدو أخلاقيات العناية أخلاقًا شاملة للمجتمع كلّه والمجال الأوسع للعيش الإنساني، حيث تصبح النظرية الأخلاقية والسياسية معنيّة بدراسة ما نقصده بأخلاق العناية بالآخرين، على المستويات
الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية، واستكشاف سُبل تثمين الاهتمام الرعائي بالأفراد وداخل
المجموعات المتنوعة. وهكذا، فإن إعادة أخلاق العناية إلى الواجهة تعني الكشف عن مدى انخراطنا في الاعتناء بحياة كائنات إنسانية يجب أن نعيش معها من دون أن نضعها في خطر أو تحت السيطرة، بل على العكس من ذلك نحاول أن نؤسس لها حياة قابلة للعيش، عبر التشريع لآفاق معيارية أخرى وطرائق عيش مغايرة. وإذا بنينا على ذلك، يمكن أن نعلن أنّنا في حاجة إلى التمكين لنقلة نوعية في العلوم الإنسانية لإعادة النظر في طبيعة الوجود الإنساني بالانطلاق من حقيقة أنّنا جميعًا مترابطون. وكما كتبت جيليغان، "نحن، بوصفنا بشرًا، كائنات ذات علاقات، مسؤولة وحسّاسة، [...] نحن نولد
مع صوت وفي علاقة: وهو شرط الحب وأيضًا شرط المواطنة في مجتمع ديمقراطي".
References
المراجع
العربية
رولز، جون. نظرية في العدالة. ترجمة ليلى الطويل. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية،.2011 الكشو، منير. "نظرية جون رولز في العدالة التوزيعية ونقادها". تبين. مج 9، العدد 36 (ربيع.)2021 لاغرسبيتز، أولي. الثقة والأخلاق والعقل البشري. ترجمة مصطفى سمير عبد الرحيم. بيروت: دار الروافد الثقافية،.2021
(98) Carol Gilligan, "Une voix différente: Un regard prospectif à partir du passé," Patricia Paperman (trad.), in: Patricia Paperman & Sandra Laugier (dir.), Le souci des autres: Éthique et politique du care (Paris: Éditions de l’École des hautes études en sciences sociales, 2011), p. 43.
مصباح، صالح. فلسفة الحداثة الليبرالية الكلاسيكية، من هوبز إلى كانط. بيروت: دار جداول للنشر والتوزيع،.2011 هيلد، فيرجينيا. أخلاق العناية. ترجمة ميشيل حنا متياس. سلسلة عالم المعرفة 356. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2008
الأجنبية
Baier, Annette. "Trust and Antitrust." Ethics. vol. 96, no. 2 (1986). _______. Le sexe de la sollicitude. Paris: Seuil, 2008. Brugère, Fabienne. L’éthique de "care". Paris: Presses Universitaires de France, 2017. Christman, John & Joel Anderson (eds.). Autonomy and the Challenges to Liberalism: New Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. De Waal, Frans. The Age of Empathy: Nature’s Lessons for a Kinder Society. London: Three Rivers Press, 2009. Dillens, Anne–Marie (ed.). La philosophie dans la Cité. Bruxelles: Presses Universitaires Saint–Louis, 1997. Engster, Daniel & Maurice Hamington (eds.). Care Ethics and Political Theory. New York: Oxford University Press, 2015. Fraser, Nancy. Le féminisme en mouvements. Des années 1960 à l’ère néolibérale. Estelle Ferraraise (trad.). Paris: La Découverte, 2012. Gilligan, Carol. Une voix différente: Pour une éthique du care. Paris: Flammarion, 2008. Held, Virginia (ed.). Justice and Care: Essential Readings in Feminist Ethics. New York: Routledge Press, 1995. Hume, David. Traité de la nature humaine, Essai pour introduire la méthode expérimentale de raisonnement dans les sujets moraux, Livre II: Des passions. Philippe Folliot (trad.). Collection Les classiques des sciences sociales. Paris: 2006 [1739]. Kittay, Eva Feder. Love’s Labor, Essays on Women, Equality, and Dependency. New York: Routledge, 2020. Molinier, Pascale, Sandra Laugier & Patricia Paperman (eds.). Qu’est–ce que le care? Souci des autres, sensibilité, responsabilité. Paris: Éditions Payot & Rivages, 2009. Noddings, Nel. Caring A Feminine Approach to Ethics and Moral Education. California: University of California Press, 1984. _______. Starting at Home: Caring and Social Policy (Berkeley: University of California Press, 2002). _______. "Complexity in Caring and Empathy." Abstracta. vol. 5, no. 5 (2010). Nussbaum, Martha. Frontiers of Justice. London: Harvard University Press, 2006. Okin , Susan Moller. Justice, Gender, and the Family. New York: Basic Books, 1989.
Paperman, Patricia & Sandra Laugier (dir.). Le souci des autres: Éthique et politique du care. Paris: Éditions de l’École des hautes études en sciences sociales, 2005. _______. Le souci des autres: Éthique et politique du care. Paris: Éditions de l’École des hautes études en sciences sociales, 2011. Robinson, Fiona. Globalizing Care: Ethics, Feminist Theory and International Relations. United States of America: Westview Press, 1999. Schneewind, Jerome. The Invention of Autonomy: A History of Modern Moral Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press, 1998. Slote, Michael. Moral Sentimentalism. New York: Oxford University Press, 2010. Tessman, Lisa (ed.). Feminist Ethics and Social and Political Philosophy: Theorizing the Non–Ideal. Dordrecht: Springer, 2009. Tronto, Joan. Un Monde vulnérable: Pour une politique du care. Paris: La Découverte,
_______. Caring Democracy: Markets, Equality, and Justice. New York: University Press, 2013.