أوراق كازانستان : جون رولز والإسلام (مراد إدريس نموذجًا)
Murad Idris’s The Kazanistan Papers: John Rawls and Islam
الملخّص
تسعى الدراسة إلى تعقّب موقف جون رولز من الإسلام ومن ثمة عرضه ونقده. ولهذا الدراسة خصوصية من جهة كونها تستند بالأساس إلى الأرشيف الذي تركه رولز بعد وفاته واشتغل عليه الباحث مراد إدريس. ولن تتسنى لنا الإحاطة بموقف رولز إلّا بالنظر في السياقات الفلسفية والسياسية التي أنتجته. ونعني بذلك تصوّره للعدالة الدولية انطلاقًا من فرضية "حجاب الجهل"، وتعامله مع قضايا المسلمين (حرب البوسنة والهرسك، وغزو أفغانستان، والقضية الفلسطينية). أما نقد هذا الموقف فيستند إلى الإطار العام لفلسفة رولز وإلى الأفق الثقافي الذي كان سائدًا آنذاك، والموسوم بمقولتَي "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ".
Abstract
Professor at the Higher Institute of Human Sciences, University of Tunis El Manar. rahmouni.mohamed94@yahoo.com
- الإسلام
- جون رولز
- الليبرالية
- العدالة الانتقالية
- كازانستان
- Islam
- John Rawls
- Liberalism
- International Justice
- Kazanistan
ولهذه الدراسة خصوصية منٌ جهة كونها تستند بالأساس إلى الأرشيف الذي تٍركه رولز بعد
وفاته واشتغل عليه الباحث مٍراد إدريس. ولنٌ تتسنى لنا الإحاطة بموقف رولز إلاّ بالنظرٍ
في السياقات الفلسفية والسياسية التي أنتجته. ونعني بذلك تصوّره للعدالة الدولية انطلاقًا
منٌ فٍرضية "حجاب الجهل"، وتعامله مع قضايا المسلمينٌ (حٍرب البوسنة والهٍرسك، وغزو
أفغانستان، والقضية الفلسطينية). أما نقد هذا الموقف فيستند إلى الإطار العام لفلسفة رولز
وإلى الأفق الثقافي الذي كان سائدًا آنذاك، والموسوم بمقولتَي "صدام الحضارات" و"نهاية
التاريخ".
مقدمة
هناك إطار نمطي في الأوساط الثقافية والأكاديمية العربية يتم من خلاله تناول إشكالية تلقّي الفكر الغربي للمعارف العربية الإسلامية. ويتمثل هذا الإطار في العلاقة بين الغرب والشرق بطرائق ثلاث: إما بتطبيق "بردايم" الاستشراق في نسخته "السعيدة"، وإما بالنظر إلى الموضوع في سياق تقييم تعامل الفكر العربي مع الحداثة، وإما في سياق نوستالجي يتم من خلاله استعراض "فضل العرب على الغرب" في العصور الماضية. لا تثير هذه المقاربات على نحو جدي مسألة التلقّي بقدر ما تثير إشكالية الهيمنة أو الجحود. ولكنّ هذه الصورة الشائعة لم تعدمها الاستثناءات التي جرى من خلالها التركيز على تلقّي الفكر الغربي للمعارف العربية الإسلامية في بعده الفلسفي. ونعني بالبعد الفلسفي تحديدًا البعد الكوني الذي ترتحل بمقتضاه النصوص من ثقافة إلى أخرى في إطار التثاقف والحوار والتفاعل. ضمن هذه المقاربة الفلسفية نتناول موقف الفيلسوف الأميركي جون رولز من الإسلام انطلاقًا ممّا كتبه في الموضوع في الفصلَين الثامن والتاسع من كتاب قانون الشعوبالذي
تحدّث فيه عن شعب مسلم متخَّيَل سمّاه كازانستان. نستعرض، أولًا، السياقات الفلسفية والسياسية التي أنتجت هذا الشعب المسلم، ثم ننظر، ثانيًا،
في المصادر "الإسلامية" التي اعتمدها رولز لرسم صورة هذا الشعب المسلم. ونتوّج عملنا بنقد
موقف رولز استنادًا إلى كتابات مراد إدريس. وسيكون ذلك عبر الإجابة عن تساؤلين أساسيين متواشجين:.1 لماذا كان الإسلام والمسلمون، من خلال كازانستان، اختراعًا وليس اكتشافًا؟.2 إلى أيّ حدّ نجح رولز، ومِن ورائه الفلسفة الأنكلوسكسونية، في التخلص من الرؤى الأيديولوجية
والاستشراقية للإسلام؟
أولا: كازانستان: التاريخ والسياق
لا نجد في كتابات رولز اهتمامًا خاصًا بالإسلام قبل صدور كتابه قانون الشعوبعام 9991 الذي
خصص فصلَيه الثامن والتاسع للحديث عن شعب مسلم متخَّيَل سمّاه كازانستان، وذلك في سياق
مقاربته المثالية للعلاقات الدولية التي تحتم وجود شعوب سمحة غير ليبرالية. والملاحظ أن
(((يشغل حاليًا منصب أستاذ النظريات السياسية في جامعة ميشيغان. وكان قد اشتغل سابقًا في جامعات فيرجينيا وكولومبيا
وهارفارد. صدرت له العديد من الكتابات حول النظرية السياسية والسياسات في الشرق الأوسط، والحرب والسلم. وحصل على العديد من الجوائز تقديرًا لجهوده الأكاديمية. نشر العديد من المقالات حول جون رولز. وحصلت دراسته "أوراق كازانستان"
The Kazanistan Papers التي ستكون معتمدنا في هذه الدراسة على جائزة أفضل دراسة لعام 020 2 من قِبل جمعية العلوم السياسية
. American Political Science Association, APSA الأميركية
(((بيّنت مسوّدات كتاب قانون الشعوبأنّ شعب كازانستان باعتباره نموذجًا للشعوب السمحة لم يظهر إلا في آخر مراجعة
لمخطوطاته عام 9981؛ أي قبل صدور الكتاب بعام واحد، علمًا أنّ رولز انطلق في تأليف الكتاب عام 992.1 ينظر:
Murad Idris, "Islam, Rawls, and the Disciplinary Limits of Late Twentieth–Century Liberal Philosophy," Modern Intellectual History , vol. 18, no. 4 (2021).
رولز لم يقدّم أيّ تفسير لاختيار هذا الشعب بالذات نموذجًا للشعوب السمحة ولا للتسمية في حد ذاتها.
1. قانون الشعوب
تُعدّ فرضية وجود شعب مسلم سمح سمّاه رولز كازانستان خلاصة انشغال الفيلسوف بقضية العدالة الدولية وبالإسلام وقضايا المسلمين في الآن نفسه. بدأ هذا الانشغال بتخصيص ثلاث صفحات من كتابه العمدة نظرية في العدالة لمسألة العدالة الدولية وسلوك الدول، ثم تبلور هذا الاهتمام أكثر من خلال مشاركته في ندوة نظمتها منظمة العفو الدولية عام 9931 تعلّقت بكونية حقوق الإنسان. وقد قدّم رولز في هذه الندوة محاضرة بعنوان "قانون الشعوب". ولا تكمن قيمة هذه المحاضرة في أنّه أمعن في الاهتمام بالقضايا الدولية بعد أن كان كلّ جهده مركّزًا على المحلي، بل في أنه قطع مع المقاربات الواقعية التي انبنى عليها التفكير الفلسفي في مجال العلاقات بين الدول. وتعني المقاربة الواقعية اعتبار الدولة الفاعل القانوني الوحيد على الصعيد الدولي، ومن ثمة تدرك السلم بصفتها حالة من التوازن بين القوى العسكرية التي تمثّلها دول ذات سيادة كاملة ومصالح متضاربة في جوهرها. وبديلًا من هذه المقاربة اقترح رولز مقاربة مثالية قوامها وفاق أخلاقي بين الشعوب المنتظمة في إطار دول. وهذا الأمر مشروط بأمر أساسي وهو أن تتفق الشعوب (التي يسميها سمحة) على جملة من المبادئ تحدد حقوقها وواجباتها في إطار نظام دولي قائم على التعاون؛ وهذا
(((توجد ترجمتان لعبارة Decent وهما "لائق" و"سمح". الأولى استعملها منير الكشو في دراسته التي ستُذكر لاحقًا، والثانية
استعملها محمد خليل مترجم كتاب قانون الشعوب. وقد فضّلنا الترجمة الثانية لتواشجها مع فكرة التسامح الليبرالية، وهي الفكرة
المقصودة في تصور رولز. (((تعني المقاربة الواقعية في مجال العلاقات الدولية أنّ الدولة هي الوحدة الأساسية في النظام الدولي على أساس أنها ذات سيادة
كاملة وتتصرف استنادًا إلى مصالحها الوطنية، وأنّ النظام الدولي خاضع لحالة من الأنارشية، حيث لا توجد سلطة مركزية تفرض
القواعد والتنظيم على الدول؛ ما يجعل الدول تعتمد على نفسها لضمان أمنها ومصالحها، وأنّ القوة الاقتصادية والعسكرية هي من
العوامل الرئيسة التي تحدد السلوك الدولي. ينظر:
Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics (Reading, MA: Addison–Wesley, 1979); Beate Jahn (ed.), Classical Theory in International Relations , Cambridge Studies in International Relations, no. 103 (Cambridge: Cambridge University Press, 2006); Jack Donnelly, Realism and International Relations (Cambridge: Cambridge University Press,
جوليان كوراب–كاربوفيتش، "الواقعية في العلاقات الدولية"، حكمة، ترجمة ريم العياري، شوهد في 025/6/3 في،:2
https://acr.ps/1L9zRC8
(((تعرّف الموسوعة السياسية المثاليةَ كما يلي: "تسمى المثالية أحيانًا ب 'الطوباوية': مقاربة للعلاقات الدولية تشدد على أهمية
القيم الأخلاقية والمعايير القانونية وانسجام المصالح لتكون الموجّهة لرسم السياسة الخارجية بدلًا من المصلحة القومية
والقوة، وهي تبحث فيما يجب أن تكون عليه الحياة الدولية وليس فيما هو كائن، إذ إنها تقوم على أساس معرفة 'كيف يجب' أن يتصرف السياسيون في العلاقات الدولية، لا على أساس 'كيف يتصرف هؤلاء فعلًا؟'". ينظر: https://acr.ps/1L9zRKx؛ ولمزيد من التفاصيل ينظر:
Ian Hall, "J. A. Hobson and Idealism in International Relations," International Relations , vol. 23, no. 2 (2009).
يعني ضرورةً استبعاد الأنظمة الاستبدادية. وفي مرحلة لاحقة تبلورت هذه الأفكار ليخرجها رولز في كتابه قانون الشعوب الذي افترض فيه وجود شعب مسلم سمح سمّاه كازانستان. وإذا وضعنا هذا التصور الجديد للعلاقات الدولية في سياق فلسفة رولز، تبيّن أنّ الأمر يتعلق بتوسيع
فكرة العقد الاجتماعي ليصبح عقدًا عالميًا، وبنقل فرضية حجاب الجهل من نطاق المجتمعات
الليبرالية إلى مستوى الشعوب كافّة.
2. الشعوب الهرمية السمحة
إذا كان من المؤكد أن يثير رولز ضمن الجزء الثاني من حديثه عن النظرية المثالية موضوع شعب كازانستان باعتباره نموذجًا يجسّد مقاربته المثالية، فمن الأوكد أنه يثير قبل ذلك موضوع التسامح لأنه جوهر الفكر والممارسة الليبراليَين. ومن هنا، كان عليه أن "يحدد إلى أي مدى يجب على الشعوب
الليبرالية أن تقبل الشعوب غير الليبرالية". وقد "اهتدى" في النهاية إلى أن للتسامح في سياق العلاقات الدولية معنيَين. أولهما، وهو المعنى المتداول، "الامتناع عن ممارسة العقوبات السياسية – عسكرية
أو اقتصادية أو دبلوماسية – لحمل شعب من الشعوب على أن يغيّر أسلوب حياته". وثانيهما، "قبول
هذه المجتمعات غير الليبرالية باعتبارهم أعضاء مشاركين على قدم المساواة ولهم مكانة جيّدة في
مجتمع الشعوب. لهم حقوق وعليهم التزامات معينة". أشار رولز إلى وجود خمسة أنواع من الشعوب متراتبة تفاضليًا كما يلي: أ. الشعوب الليبرالية. ب. الشعوب الهرمية التشاورية السمحة. ج. دول خارجة عن القانون. د. شعوب مغلوبة على أمرها. ه. مجتمعات المستبد العادل.
(((ينظر: منير الكشو، "العدالة الدولية في الفكر الأمريكي المعاصر: جون رولز نموذجًا"، مجلة ألف، العدد 31 (0112)، ص –152 (((يحدد رولز خمس سمات لممثلي الشعوب في وضعية حجاب الجهل: أن يكونوا في وضع منصف معقول باعتبارهم متساوين وأحرارًا، وأن الشعوب التي يمثلونها عقلانية، وأنهم يتداولون حول الموضوع الصحيح (قانون الشعوب)، وأنهم يتداولون حول
الأسباب الصحيحة، وأنهم يختارون مبادئ قانون الشعوب على أساس مصالح الشعوب. ينظر: جون رولز، قانون الشعوب، ترجمة محمد خليل (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 0072)، ص.52–51 (((المرجع نفسه، ص.91 (((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه.
ومن ثمّ، حدّد الفرق بينها، فجمع النوعين الأوّلين ضمن ما سمّاه "الشعوب جيّدة التنظيم" وهي إلى
جانب ذلك شعوب عادلة إلى حدّ ما. وبقية الشعوب تفتقد هاتين الخاصيتين، وإن انفرد النوع الخامس بأنه جيّد التنظيم. ولمّا كان مدار انشغالات نظريته المثالية حول النوع الثاني حدّد له معيارين أساسيين: أ. أّلا يكون للمجتمع أهداف عدوانية، ويسلّم بأنه لا يستطيع أن يحقق غايته المشروعة إّلا عن طريق الدبلوماسية والتجارة وأيّ وسائل سلمية أخرى. ب. أن يضمن نظامه القانوني لجميع أفراد الشعب الحقوق التي نطلق عليها تسمية حقوق الإنسان (الحق في الحياة، وفي الحرية، وفي المساواة... إلخ)؛ وأن يفرض واجبات والتزامات أخلاقية وبنية صادقة على جميع الأشخاص داخل أراضي الشعب، وأن يوجد اعتقاد مخلص وليس غير معقول لدى القضاة وسائر المسؤولين الذين يتولون إدارة النظام القانوني، مفاده أنّ القانون في الحقيقة يستند إلى فكرة العدالة بوصفها خيرًا عامًا. وبناء عليه، يكون تعريف الشعب السمح كما يلي: "إن الشعب السمح يجب أن يحترم قوانين السلام، وأن يكون نظامه القانوني يحترم حقوق الإنسان ويفرض واجبات والتزامات على جميع الأشخاص الذين يعيشون في أراضيه. يجب كذلك أن يتفق نظامه القانوني مع تصور مشترك للعدالة كخير عام، تصور يأخذ في اعتباره ما يراه مصالح جوهرية لكل شخص في المجتمع. وأخيرًا، يجب أن يوجد
اعتقاد حقيقي مخلص وعن قناعة لدى القضاة والمسؤولين الآخرين أنّ القانون في الحقيقة يسترشد بفكرة العدالة كخير عام". من خلال هذا التعريف تبرز أهم خصائص الشعب السمح؛ وهي: غياب النزعة العدوانية وضمان جملة من الحقوق الأساسية مثل الحق في الحرية، وقدر كاف من حرية الضمير مع الحق في الملكية الخاصة، ووجود قضاء لا ينتهك الحقوق بموجب أخلاق القضاة وليس بموجب القانون. ويثير رولز في هذا السياق مسألة مهمة، وعلى علاقة مباشرة بشعب كازانستان المسلم، تتعلق بموضوع التسامح الديني. وقد ألحّ في هذا السياق على أن يضمن هذا الشعب قدرًا كافيًا من حرية الضمير وحرية الدين
والفكر حتى لو لم تكن تلك الحريات واسعة أو بدرجة متساوية لجميع أعضاء المجتمع.
3. كازانستان شعب مسلم سمح غير ليبرالي
انطلاقًا من هذا التصور، افترض رولز وجود شعب مسلم سماه كازانستان لا ينص نظامه القانوني على الفصل بين الدين والدولة، والإسلام هو الدين الغالب عليه، ولا يسمح لغير المسلمين أن يشغلوا المراكز العليا في السلطة السياسية أو أن يؤثّروا في سياسة الحكومة وقراراتها الرئيسة بما في
(((1 المرجع نفسه، ص.98 (((1 المرجع نفسه، ص.99–98 (((1 المرجع نفسه، ص.100 (((1 المرجع نفسه، ص.107
ذلك السياسة الخارجية. في الوقت نفسه، يوجد تسامح إزاء الديانات الأخرى. ويمكن ممارسة تلك الديانات من دون خوف ومن دون فقْدِ معظم الحقوق المدنية، فيما عدا الحق في تولّي المراكز القضائية أو السياسية العليا. ويشكّل هذا الاستبعاد اختلافًا جوهريًا بين كازانستان والنظام الديمقراطي
الليبرالي، حيث تكون جميع المراكز والمناصب متاحة من حيث المبدأ أمام كلّ مواطن.
ثانيًا: مصادر جون رولز أو المتن والأرشيف
عندما نظرنا في قائمة مصادر رولز ومراجعه بخصوص شعب كازانستان المسلم لم نجده أحال على أي مصدر من مصادر الإسلام الأساسية (القرآن، الحديث، كتب الفقه، كتب التفسير، كتب التاريخ... إلخ) ولم يذكر سوى مرجع "إسلامي" يتيم مشفوع بمرجع استشراقي. ولكنّ الأرشيف الذي تركه رولز، والذي تكفل الباحث مراد إدريس بالنظر فيه ونشر محتوياته للعموم، كشف عن كمّ كبير من المراسلات والاستشارات والنقاشات أجراها رولز مع باحثين ومفكرين مهتمين بالشأن
الإسلامي وعن دراسات ومؤلفات اطلع عليها أو نُصح بالاطلاع عليها لصياغة فكرة كازانستان على الوجه الأمثل. ولعل أخطر ما في هذا الأرشيف اعتراف رولز بأنه صمّم على المضيّ قدمًا حتى
النهاية، رغم أنه غير مقتنع بهذه الطريقة في الحديث عن الإسلام.
1. المتن
الاسم اليتيم الذي ذكره رولز في الفصل المخصص لكازانستان هو روي مُتحدة، أستاذ التاريخ في
جامعة هارفارد ومدير برنامج الوليد بن طلال للدراسات الإسلامية. وقد أحال عليه لتوثيق حضور فكرة التسامح في الإسلام عقيدةً (جميع الاختلافات الدينية بين الشعوب هي إرادة الله) وتاريخًا (تسامح الإمبراطورية العثمانية مع اليهود والمسيحيين). أما المرجع الاستشراقي فهو كتاب برنارد لويس، الشرق الأوسط The Middle East الصادر عام 9951، وقد أحال عليه لتوثيق فكرة شيوع الجهاد الروحي في الإسلام في فترة ما. ولكنّ اللافت للنظر أنّ رولز قد أحال في القسم الثالث من الكتاب "النظرية اللامثالية" على أسماء عربية وإسلامية هي على التوالي: ليلى أحمد، وقد
(1((المرجع نفسه، ص.109–108 (1((وُلد في نيويورك عام 9401، مختص في الدراسات الإيرانية. من أهم مؤلفاته:
Patricia Crone, Loyalty and Leadership in an Early Islamic Society (London: I.B. Tauris, 2001); Nikki R. Keddie, The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran (Oxford: Oneworld Publications, 2003); Muhammad Baqir Sadr, Lessons in Islamic Jurisprudence. Roy Mottahedeh (trans.) (Oxford: Oneworld Publications, 2003).
(((1 رولز، ص 091، 124، الهامش.17 (1((المرجع نفسه، ص 124، الهامش.18 (1((كاتبة مصرية أميركية وُلدت عام 9401، أستاذة الدراسات النسوية في جامعة هارفارد، من أهم مؤلفاتها:
Leila Ahmed, Women and Gender in Islam: Historical Roots of a Modern Debate (New Haven: Yale University Press, 1992); Leila Ahmed, A Border Passage: From Cairo to America—A Woman’s Journey (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1999); Leila Ahmed, A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America (New Haven: Yale University Press, 2011).
أحال على كتابها المرأة والجندر في الإسلامفي سياق إثارة وضعية المرأة في الشعوب المغلوبة على أمرها؛ وعبد الله أحمد النعيم، أستاذ القانون والقانون الدولي والقانون المقارن والشريعة الإسلامية في جامعة إيموري، وقد أحال عليه، بناء على نصيحة المفكر الهندي عقيل بلغرامي، لتوثيق فكرة قابلية الإسلام، وفق قراءة جديدة للدعوة المحمدية، للديمقراطية الدستورية.
2. الأرشيف
بيّن أرشيف رولز أن فكرة شعب كازانستان كانت وليدة نقاشات وحوارات واستشارات ومراسلات
ومطالعات تمحورت حول السمات الثلاث التي يقوم عليها هذا الشعب السمح: الشورى، وحقوق الإنسان، والجهاد (الروحي). ظهرت أول إشارة إلى الإسلام في "أوراق كازانستان" من خلال ملاحظته التقديمية للمشاركين في ندوة جامعة نيويورك عام 993.1 وقد أشار فيها إلى الإسلام باعتباره إشكالية تخص النساء؛ إذ إنه كشف عن نيته تخصيص فقرتين حول كيفية أخذ حقوق النساء ومصالحهن في الاعتبار وخاصة في البلدان المسلمة. هذا الخطاب حول المرأة المسلمة نجده كذلك في ما كتبه الفيلسوف الأميركي المختص في القانون الدستوري والنظريات السياسية بروس أكرمان Bruce Ackermann؛ فقد أكد أن المرأة في بلاد المسلمين مدعومة بالليبراليين لم تنفك تناضل في سبيل نيل حقوقها.
(2((رولز، ص 150، 671، الهامش.39 (((2 مفكر سوداني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية، وُلد عام 9461، من أهم مؤلفاته:
Abdullahi Ahmed An–Na‘im, Islam and the Secular State: Negotiating the Future of Shari‘a (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2008); Abdullahi Ahmed An–Na‘im, Muslims and Global Justice (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2010); Abdullahi Ahmed An–Na‘im (ed.), Islam and Human Rights: Collected Essays in Law (Farnham, UK: Ashgate Publishing, 2010); Abdullahi Ahmed An–Na‘im, What Is an American Muslim? Embracing Faith and Citizenship (New York: Oxford University Press, 2014).
(((2 فيلسوف هندي، وُلد عام 9501، يعمل أستاذًا للفلسفة في جامعة كولومبيا، وهو فيلسوف علماني يجاهر بإلحاده. من أهم
مؤلفاته:
Akeel Bilgrami, Belief and Meaning (Oxford: Blackwell, 1992); Akeel Bilgrami, Secularism, Identity, and Enchantment (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2014); Akeel Bilgrami, Self–Knowledge and Resentment (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006); Akeel Bilgrami, Nature and Value (New York: Columbia University Press, 2019).
(((2 رولز، ص 523؛ وقد أشار إلى أن وجهة النظر التي يعرضها النعيم إنما هي الفكرة نفسها التي بنى عليها محمد محمود طه نظرته إلى الشريعة الإسلامية (يعتبر الفترة المكّية هي الفترة التأسيسية والمعيارية؛ إذ تضمنت فيها الشريعة ديمقراطية دستورية خدمة
لتعاليم الفترة المدنية التي تميزت بالواقعية والعملية). (((2 تشمل الأوراق محاضرات ومواد تعليمية، وكتابات، ومراسلات، ومقالات ومخطوطات من باحثين آخرين، وملفات موضوعية، وملاحظات بحثية، وكمية صغيرة من المواد السيرية؛ ما يوفر رؤية حول تطور أفكار رولز. وتشير المراجع الأرشيفية إلى:
The Papers of John Rawls, 1942–2003 and undated , HUM 48. (25) Idris, p. 5. (26) Ibid.
تثبت وثائق رولز السالفة الذكر أنّ وصفه مجتمع كازانستان بأنه "المجتمع الهرمي" Hierarchical Society باعتباره مجتمعًا مسلمًا، كان محلّ نقاش وجدل بينه وبين زملائه وأصدقائه من أهل الاختصاص، ففي مرحلة أولى كان يستعمل عبارة "المجتمعات التقليدية" Traditional Societies للحديث عن الإسلام، ولكنّ أحد أصدقائه اعترض على هذه التسمية واقترح عليه استعمال كلمة
"متحضر"، وحجته في ذلك أنّ جان ستيوارت مِل قد استعملها. ولكن رولز اعتبر أنّ كلمتَي "تقليدية" و"متحضر" غير محايدتَين على عكس عبارة "المجتمعات الهرمية". وقد خضعت كلمة "الشورى" أيضًا لنقاشات ومراسلات كان منطلقها ما كتبه هيغل عن مفهوم النصيحة أو المشاورة Beatung، وعن مسار اتخاذ القرار أو دقة اتخاذ القرار ßeschließung. في 9 أيلول/ سبتمبر 9941، أرسل ويلفريد هينش Wilfried Hinsch إلى رولز ملفًا حول الإسلام والديمقراطية، وتحديدًا حول فكرة الشورى، ونبّهه إلى أنّ هذه الفكرة في الإسلام قريبة جدًا من
فكرته عن "هرمية المشاورة" Consultation Hierarchy، وأشار في رسالته إلى أنّ المقال الذي كتبه بسام الطيبي يقارن فيه بين مفهوم الحاكمية لدى الجماعات الإسلامية والديمقراطية الغربية، والرسالة التي بعث بها طالب ألماني، هما اللذان لفتا انتباهه إلى فكرة المشاورة في الفكر الديني الإسلامي. احتوى الملف الذي أرسله هينش على ردّ من الطالب الألماني المذكور آنفًا، نشر بعد أسبوع من مقال الطيبي بين فيه أنّ بعض المثقفين المسلمين يعتبرون الشورى بمنزلة فرض ديني. وكان هذا الطالب يعدّ بحثًا عن الأخلاق الإسلامية والمجتمع الحديث من خلال فكر يوسف القرضاوي. وإضافة إلى هذا الملف سجّل رولز في مسوداته أربع إحالات هي: أ. مقال روي متحدة عن الشورى بعنوان "الشورى والعملية السياسية في الشرق الأوسط الإسلامي في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر".
(((2 فيلسوف ألماني مختص في الفلسفة السياسية والأخلاق، وُلد عام 9561، يدرّس بجامعة كولونيا. (2((خبير ألماني من أصل سوري، وُلد عام 9621، مختص في العلاقات الدولية والإسلام، يدرّس بجامعة غوتينغن. يكتب باللغتين
الألمانية والإنكليزية، وتُرجمت بعض مؤلفاته إلى العربية. من أهم مؤلفاته:
Bassam Tibi, Islam and the Cultural Accommodation of Social Change (Boulder, CO: Westview Press, 1990); Bassam Tibi, The Challenge of Fundamentalism: Political Islam and the New World Disorder (Berkeley: University of California Press, 1998); Bassam Tibi, Islam’s Predicament with Modernity: Religious Reform and Cultural Change (New York/ London: Routledge, 2009).
2(((عنوان المقال "لمن السيادة؟ شريعة الله: الشريعة حكمًا إسلاميًا شموليًا"، وقد كُتِبَ باللغة الألمانية ينظر:
Bassam Tibi, "Wer ist der Souverän? Die Gottesherrschaft als islamische Spielart des Totalitarismus," Frankfurter Allgemeine Zeitung , 20/4/1994. (30) Bassam Tibi, "Consultation and the Political Process in the Islamic Middle East of the 9th, 10th, and 11th Centuries," in: Islam and Public Law: Classical and Contemporary Perspectives , Chibli Mallat (ed.) (London: Graham & Trotman, 1993), pp. 19–27.
ب. كتاب جون أسبوزيتو بعنوان: الإسلام: الصراط المستقيم، وقد أشار عليه النور داناني
Alnoor Dhanani به.
ج. حسن الترابي، الدولة الإسلامية. د. فرانك فوجل Frank Vogel، كتاب حول الشريعة الإسلامية. ولم يشر رولز، حتى عام 9951، إّلا مرتين إلى الإسلام، وذلك من خلال إحالتين؛ إحداهما كتاب ليلى أحمد، النساء والجندر في الإسلام (الصادر عام 9921)، ذكر من خلاله أن الكثير من المسلمين يعتقدون أن اضطهاد النساء المسلمات مرتبط بعوامل تاريخية ولا علاقة للدين بذلك. وفي ندوة برنستون The Princeton Seminar (عام 9951)، أبدى الفيلسوف الأميركي لاري تامكين Larry Temkin تناغمه مع أفكار رولز حول المرأة عمومًا والمرأة في الإسلام تحديدًا، ولم يمنعه ذلك من إبداء قلقه إزاء المقاربة التي يعتمدها رولز، فقد نبّهه إلى أنّ الإسلاميين قد يتهمونه بأنه توخّى نهجًا غربيًا في التعامل مع مشاكلهم (استعمال مصطلح: شعب سمح أو مجتمع هرمي). وإثر الندوة كتب جون مايكل John Mikhail، أستاذ القانون في جامعة جورجتاون، إلى رولز يبيّن له، بشيء من التفصيل، أنّ الإسلام ليس الدين الوحيد المتهم باضطهاد النساء، فأغلب التقاليد الدينية تضطهد المرأة؛ فعلّق على ذلك قائلًا إن منزلة المرأة في المجتمع غالبًا ما تتأسس على رؤى دينية. في الفترة 995–19931، لم يظهر الإسلام في نقاشات رولز باعتباره مشكلة نسوية فحسب، بل باعتباره تحديًا على الفلسفة الأميركية مواجهته. أما رولز فكان له رأي مخالف. فهل كان كذلك فعلًا؟
ثالثًا: تسمية تهجينية ومقاربة غائمة
إذا كان صحيحًا أنّ رولز لم يقدّم تفسيرًا لهذه التسمية التي اختارها، فالأصح أنها ليست اعتباطية
أو موضوعية، فالسياق الذي كتب فيه قانون الشعوب اتسم بانتشار مشاعر العداء ضد المسلمين
(((3 وُلد عام 9401، أستاذ جامعي مختص في الأديان والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية، يدرّس بجامعة جورجتاون، يعتبر
المدير المسؤول لمركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي – المسيحي بكلية والش للعلاقات الخارجية. من أهم مؤلفاته:
John L. Esposito, What Everyone Needs to Know About Islam (New York: Oxford University Press, 2002); John L. Esposito, Unholy War: Terror in the Name of Islam (New York: Oxford University Press, 2002); John L. Esposito & Natana J. DeLong–Bas, Women in Muslim Family Law. 2 nd (ed.) (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2002). (32) John L. Esposito, Islam: The Straight Path (New York: Oxford University Press, 1988).
(((3 مختص في تاريخ الأفكار، وتحديدًا في علاقة العلوم واللاهوت والفلسفة بالحضارة الإسلامية المعاصرة، شغل منصب أستاذ
زائر في قسم لغات وثقافات الشرق الأدنى بجامعة هارفارد.
(34) Idris, p. 5. (35) Ibid. (36) Ibid, p. 6.
لأسباب شتى. فقد كان من المنتظر أن تفضي به المقاربة المثالية التي اعتمدها إلى تقديم تصوّر مثالي
وتجريدي عن الإسلام؛ ما يجعل التسمية جزءًا أساسيًا منها.
1. التسمية
من المعلوم أنّ التسمية فارسية ترتكز على اللاحقة "ستان" التي تعني الأرض (أفغانستان: أرض الأفغان، تركمانستان: أرض التركمان،... إلخ). ولكننا لا نجد في قانون الشعوبولا في مراسلات رولز وأرشيفه إشارات مهمة إلى سبب هذه التسمية رغم أنه طلب من روي متحدة أن يسعفه بصورة شعب مسلم معاصر أو في التاريخ يختزن مواصفات شعب كازانستان. وعلى الرغم من أنه أعلن تخوّفه من ردّ فعل القراء، فإنه مضى في ما عزم عليه من التسمية. ولم نجد في ما توافر لدينا من
دراسات حول رولز سوى محاولة يتيمة لتفسير هذه التسمية فقد رأى أنطوان هاتزنبرجر أنّ هذا "الشعب الإسلامي المثالي المسمى 'كازانستان' قد يكون اسمه مستوحى من عاصمة تتارستان، مدينة كازان (وفيها يوجد أكبر مسجد في الاتحاد الروسي"). تأثّرت هذه اللاحقة منذ أواخر القرن العشرين بظاهرتَي صعود الحركات الإسلامية وانتشار مظاهر العداء والإسلاموفوبيا في الغرب. وقد استعملها سلمان السيّد، الباحث في الدراسات الإسلامية،
لوصف البلدان العربية والإسلامية التي هيمن عليها ما يسميه الفكر الإسلاموي "إسلامستان". ونظرًا إلى انتشار الإسلاموفوبيا، فقد ارتبطت هذه اللاحقة بمواقف عنصرية خصوصًا في الفضاء
الأنكلوسكسوني. فعام 0062، عُرض فيلم ساشا بارون كوهين Sacha Baron Cohen "بورات: تعلميات ثقافية من أميركا لتحقيق مصلحة الأمة المجيدة لكازاخستان"؛ Borat: Cultural Learnings
. وقد قُدّمت كازانستان في هذا of America for Make Benefit Glorious Nation of Kazakhstan
الفيلم على أنها مكان يعاني فقرًا شديدًا، اقتصاديًا وثقافيًا، حيث تميل الأخلاق والعادات إلى التطرف
وينتشر فيها الزنا ومعاداة الساميّة. وفي 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 0112، صدر مقال في مجلة ذي
نيويورك تايمز كتبه الصحفي نيكولاس د. كريستوف بعنوان "أمتنا الخيالية" خصصه لنقد سياسات المحافظين في الولايات المتحدة الأميركية بأسلوب ساخر حيث كتب: "مع رفض المحافظين من حركة حزب الشاي Tea Party والعديد من الجمهوريين رفع سقف الدّين، دعوني أقدم لهم مث لًا عن دولة
(37) Murad Idris, "The Kazanistan Papers: Reading the Muslim Question in the John Rawls Archives," Perspectives on Politics , vol. 19, no. 1 (March 2021), p. 116. (38) Antoine Hatzenberger, "Kazanistan: John Rawls’s Oriental Utopia," Utopian Studies , vol. 24, no. 1 (2013), p. 107. (39) Idris, "The Kazanistan Papers;" S. Sayyid, Recalling the Caliphate: Decolonisation and World Order (London: Hurst, 2014).
(4((أثار الفيلم ضجة كبيرة في العالمَين العربي والإسلامي حيث حُظر عرضه في أغلب الدول العربية باستثناء لبنان والإمارات
العربية المتحدة. (((4 لمزيد من التفاصيل حول الفيلم وما وُجّه إليه من نقد، ينظر:
Ghada Chehade, "The Problem with Borat," Taboo: The journal of Culture and education , vol. 11, no. 1 (December
تتماشى مع مُثلهم العليا. هذه الدولة لديها أحد أدنى معدلات الضرائب بين أي دولة كبرى: أقل من 2 في
المئة من السكان فقط يدفعون ضرائب. الحكومة محدودة العدد، [...]. يتبنى هذا المجتمع القيم الدينية التقليدية والحسّ المحافظ. لا يمانع أحد في الصلاة في المدارس، والزواج المثلي غير قابل للتخيّل
[...]. الأولوية في الميزانية تُمنح لجيش قويّ، وهو المؤسسة الأكثر احترامًا في البلاد. وعندما يقرر
الجنرالات سياسة ما، مثل تلك المتعلقة بأفغانستان، ينصاع لهم السياسيون [...]. إذًا، ما هي هذه الجنّة
الجمهورية، هذه اليوتوبيا؟ إنها باكستان ". وإمعانًا في السخرية يضيف: "وإنصافًا لباكستان والكونغو، فإنّ طريقة عيش الأثرياء في هذه البلدان تثير الدهشة. فبدلًا من تمويل التعليم عبر الضرائب، يرسلون ةيوبخن ةصاخ سرادم ىلإ مهلافطأ.نييصخش اسًارح نوفظوي، ةقوثوم ةطرش ليومت نم لادًاابو.لادًاابو
من دعم نظام صحّي حديث لبلدانهم، يسافرون ليتلقّوا العلاج في مستشفيات لندن". ويختم مقاله بنبرة
فيها الكثير من السخرية والعنصرية: "لذا، في النقاشات السياسية لهذا الموسم، دعونا نتذكر أننا لا نتجادل فقط حول سقوف الديون والميزانيات، بل أيضًا حول أسئلة أكبر تتعلق برؤيتنا لبلدنا. هل نطمح حقًا إلى اتخاذ خطوة نحو جنّة السوق الحرة المنخفضة الضرائب [...] مثل باكستان؟". بعد أحداث 11 سبتمبر 0012، أصبحت هذه اللاحقة تعني في الفضاء الأنكلوسكسوني أسلمة المجتمع والدولة. وهي عبارات يرددها العنصريون البيض بخصوص فترة حكم باراك أوباما الذي نعتوه ب "خليفة أميركاستان". واستعمل رجل الاقتصاد الأميركي بول كروغمان اللاحقة نفسها في وصف فترة حكم دونالد ترمب في إشارة منه إلى النوازع الدكتاتورية لدى ترمب. وربما تحيل هذه التسمية التهجينية إلى "إسلامستان" (دار الإسلام)، وهي التسمية التي اختارتها مجموعة من الفصائل الأفغانية المسلّحة في أثناء الغزو السوفياتي لبلادهم. يبدو أن رولز لم يعر هذه المعاني اهتمامه. وهو أمر مثير بالنسبة إلى فيلسوف سياسي؛ فكيف يمكن جمع كل هذا العالم الإسلامي بتنوّعه العرقي
والمذهبي والسياسي والتاريخي تحت مسمّى واحد؟ إننا إزاء مظهر من مظاهر الفكر الكولونيالي
الذي يعتمد مفهوم العرق فيجمع المختلف والمتنوّع تحت تسمية واحدة. ولعل جمع سكان القارة
الأميركية ذوي التنوع الهائل تحت تسمية واحدة، "الهنود" Indiens، كان فاتحة هذا التوجّه نحو
عنصرة Racialisation الشعوب غير الغربية. إذا اكتفينا بالخصيصتين الخارجيتين اليتيمتين لكازانستان (اسمها ودين شعبها) يبدو أثر الاستشراق واضحًا، من خلال غياب التحديد المكاني لهذا الشعب؛ ذلك أنّ الشرق لا يُعتبر في نظام المعرفة
الخاصة بالشرق مكانًا بقدر ما يُعتبر موضوعًا أو عُرفًا أدبيًا، بمعنى أنه مجموعة من الإشارات
والإحالات (حزمة من الخصائص) تنشأ فيما يبدو من قول مقتطف يُستشهَد به، أو من شذرة من شذور
(42) Nicholas D. Kristof, "The Arab Spring’s Secular Backlash," The New York Times , 5/6/2011, accessed on 6/4/2025, at: https://acr.ps/1L9zRMj
(التشديد من عندنا)
(43) Nicholas D. Kristof, "Our Fantasy Nation," The New York Times , 4/11/2011, at: https://acr.ps/1L9zS0G (44) Idris, "The Kazanistan Papers," p. 124. (45) Paul Krugman, "America becomes a Stan," The New York Times , 2/1/2017, at: https://acr.ps/1L9zRCN
النصوص، أو من اقتباس من عمل كتبه شخص ما عن الشرق، أو بعض ما تخيّله بعض الأسلاف، أو من مزيج من هذه جميعًا. استبدّت برولز فكرة "طارئة"؛ لذلك لم يسعَ إلى اكتشاف الإسلام بل اخترعه. ولا نجد في كتاباته الأولى أيّ أثر للإسلام، بل وُجدت في مسوداته وأرشيفه وثائق تتعلق بسياقات جيوسياسية تتضمن خطابات حول الإسلام والمسلمين في البوسنة وفلسطين وأفغانستان. وبخصوص البوسنة، عثر مراد إدريس على مقالات صحفية تتعلق بجرائم الاغتصاب التي حصلت ضد المسلمات البوسنيّات. وبخصوص فلسطين، دعي رولز في أيار/ مايو 9931 ليقدّم محاضرة في تل أبيب حول إمكانية الاستفادة من نظرياته وفلسفته السياسية لمعالجة قضية السلام في الشرق الأوسط، وتحديدًا القضية الفلسطينية، انطلاقًا من نظريته في العدالة. والملاحظ أنّ منظّمي المحاضرة أبدوا رغبتهم في حضور أساتذة جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، ولكنهم اعتذروا عن عدم الحضور بحجة أنهم غير مطّلعين على كتاباته. والحقيقة أنّ رولز أبدى تخوّفه من أنه قد لا يفيدهم؛ لأنه غير مطّلع بما فيه الكفاية على قضايا الشرق الأوسط. وأما بخصوص أفغانستان فقد عُثر في أرشيف رولز على بعض المقالات حول الجهاد الأفغاني. ومع ذلك، فإنّ هذه الوثائق غير ذات صلة واضحة ب "كازانستان"، أي إننا لا نعثر على "مثيل" لكازانستان، بمعنى أن لا شيء مما حصل في هذه الشعوب الثلاثة يمكن أن يرتبط بهذا الشعب الكازانستاني السمح غير الليبرالي. فالبوسنة أبعد من أن توحي له باختراع كازانستان؛ إذ إن المسلمين فيها ضحايا العنف والنساء مغتصبات؛ وينطبق الأمر نفسه على فلسطين. وأمّا الجهاد الأفغاني فهو على النقيض تمامًا من الجهاد الروحي في كازانستان. هناك، إذًا، فرق واضح بين الإسلام الموجود في وثائق رولز والإسلام المتخَّيَل من خلال كازانستان؛ فكازانستان ليست مستعمرة مثل فلسطين وليست مشتبكة مع العالم مثل أفغانستان والبوسنة. هذا الأمر يعكس الطريقة التي تمَثَّل بها رولز الإسلام. ومن هنا، فإنّ دولة كازانستان لم يكتشفها رولز بل اخترعها، والأمر ليس غريبًا عن الفلسفة الليبرالية الأنكلوسكسونية التي عوّدتنا على اختراع الوضعيات وحتى الشعوب، ومن ثم تعمد إلى المفهمة. حصل ذلك مع توماس هوبز عندما اخترع حالة الطبيعة، ومن ثمة بنى عليها مفهوم العقد الاجتماعي، ومع رولز عندما اخترع حجاب الجهل وبنى عليه مفهومه للعدالة. ولكنّ المشكلة ذات بعد آخر لدى رولز: لماذا كانت مقاربته المثالية لدولة كازانستان غائمة وغير موفّقة من جهة أنها لم تصدر عن مجال مفهومي لا تاريخي بقدر ما صدرت عن قصة رولز الخاصة بالإسلام؟
4(((إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 0062)، ص.286
(47) Idris, "The Kazanistan Papers," p. 117.
2. مقاربة غائمة
تبيّن وثائق رولز الأرشيفية أنّ كازانستان باعتبارها "شعبًا إسلاميًا مثاليًا/ ممثلنا" ظهرت للوجود انطلاقًا
من عدد قليل من المصادر، وفي سياق نقاشات مع بعض الأصدقاء الذين سعوا إلى قراءة محددة للشورى والجهاد جاعلين من الشورى ممارسة ديمقراطية ومن الجهاد سلوكًا سلميًا. يرى تشارلز ميلز
أنّ فرضيات النظرية المثالية هي بكل تأكيد تجريد للتجربة الأوروبية والأورو–أميركية الحداثية. إنّ كازانستان هي محاولة النظرية المثالية تجريد التجربة الإسلامية. إنها تفترض أنّ الإسلام عنيف وذو نزعة توسعية وعامل اضطهاد اجتماعي، ومن ثم تفترض إمكانية وجود إسلام إصلاحي يقطع مع الاضطهاد والعنف. إنّ ما كتبه رولز عن كازانستان مظهر من اختزالية النظرية المثالية نظرًا إلى محدودية النصوص
والنقاشات والمراسلات التي اعتمدها. كان في متناوله مجموعة كبيرة من الدراسات حول الإسلام وفي اختصاصات متعددة ومتنوعة (الدراسات الإسلامية، والتاريخ الاجتماعي، والتاريخ الثقافي، والأنثروبولوجيا، والدراسات الدينية، والقانون الإسلامي، وغيرها). ونضيف إلى هذه الكتب كتابات إدوارد سعيد عن الاستشراق والثقافة والإمبريالية، وكذلك الدراسات المقارنية والدراسات ما بعد الكولونيالية، ولكنه أعرض عنها. غير أنّ الإشكال يكمن تحديدًا في النظرية المثالية في حدّ ذاتها، فقد بيّن شارلز ميل أن للكلمة Ideal
معنى معاكسًا لما هو سائد عندما تتخذ نموذجًا Model، حينئذ تفقد ارتباطها بالنظرية الأخلاقية
(مجال تطبيقها) فتستعمل في اختصاصات فلسفية أخرى، وفي العلوم الاجتماعية والطبيعية (وصف الصورة التي يمكن أن يكون عليها العالم الطبيعي مثل). وهكذا، فإن عبارة "ينبغي أن يكون" الملازمة للنظرية المثالية لن تكون بالضرورة ذات دلالة أخلاقية، بل قد تتضمن معايير من نوع وظيفي تقني (مكنسة كهربائية مثالية، معسكر اعتقال مثالي، جهاز هضمي مثالي، وما إلى ذلك)، أو مجرد افتراضات محدودة مناسبة لأغراض الرياضيات والحساب (غاز مثالي، فراغ مثالي، سطح عديم الاحتكاك، وما إلى ذلك). بناء عليه، فإنّ النموذج المثالي، له بُعد أخلاقي حاسم إلى جانب البعد
الواقعي، "فمن الناحية الأخلاقية، تتضمن المثالية نمذجة ما ينبغي للناس أن يكونوا عليه (الشخصية)، وكيف ينبغي لهم أن يعاملوا بعضهم البعض (الأفعال الصحيحة والجيدة)، وكيف يجب أن تكون هيكلية المجتمع في مؤسساته الأساسية (العدالة). بالطبع، سيختلف المنظّرون المختلفون حول هذه المثل، وفي المقابل، حول آرائهم بخصوص مكوّنات الشخصية المثالية، والعلاقة بين الحق
والخير، وطبيعة المجتمع العادل". وانتهى ميلز في تحليله إلى أنّ المقاربة الواقعية أكثر قدرةً من
(48) Charles W. Mills, Black Rights/ White Wrongs: The Critique of Racial Liberalism , Transgressing Boundaries: Studies in Black Politics and Black Communities (Oxford: Oxford University, 2017), pp. 9–38. (49) Ibid., p. 21. (50) Charles Mills, "Ideal Theory as Ideology," Hypatia , vol. 20, no. 3 (Summer 2005), pp. 165–184. (51) Ibid., p. 167. (52) Ibid., p. 168.
المقاربة المثالية على تحقيق المثل، وذلك بفضل الاعتراف الواقعي بالعوائق التي تحول دون قبولها وتطبيقها. أمّا أنجريد روباينس فيرى أن أعدادًا متزايدة من الفلاسفة السياسيين قد أبدوا في السنوات الأخيرة قلقًا
بشأن طبيعة النظرية المثالية وسيطرتها على الأدبيات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. وفي هذا السياق، عرض آراء جوناثان وولف Jonathan Wolff الذي دعا المفكرين المثاليين إلى أن يولوا قضايا المراحل الانتقالية المزيد من الاهتمام، وأمارتيا سن Amartya Sen الذي يعتقد أن النظرية المثالية، التي يسميها "النظرية المتعالية"، ليست ضرورية ولا كافية لتوجيه السياسات التي تعزز العدالة؛ نظرًا إلى تطرفها (كلّ
شيء أو لا شيء)، وميلز، كما بينّا ذلك سابقًا، الذي يرى أنّ هذه النظرية هي في الواقع أيديولوجيا.
رابعًا: خطاب ليبرالي أيديولوجي
يصف رولز كازانستان من جهة النظام السياسي والهوية الثقافية، فهو شعب سمح يحترم حقوق الإنسان وتحتوي بنيته الأساسية على تسلسل هرمي استشاري سمح، وهو إلى جانب ذلك مجتمع إسلامي لا يتميز فيه الدين من الدولة. تركّز وصف كازانستان على هاتين الخاصيتين: الجانب السياسي الذي يتوافق مع البعد التقليدي، والجانب الثقافي الذي يتوافق مع بعد ليبرالي محتمل يظهر في المبدأ الخارجي للسلمية والمبدأ الداخلي للتسامح. ومع ذلك، ورغم التحرّي النظري، فإنّ شعب كازانستان
متجذر في ثقافة الشرق المتسامحة، فقد ربط رولز تسامح هذا الشعب بتسامح الإمبراطورية العثمانية مع اليهود والمسيحيين. يبدو هذا المجتمع واقعيًا وليس مثاليًا. ومع ذلك، يظهر تناقضه؛ ففي حين
يقدّم لهذا النموذج من المجتمع الهرمي السمح بعض الإشارات إلى الشرق (سواء من ناحية الأسماء أو الدين)، فإنه يعزز على نحو متماثل الوصف الغربي الضمني لنموذج الشعب الليبرالي، الذي ينطلق منه كامل نظام اليوتوبيا الواقعية. إن كازانستان مجتمع سمح لكنّه ليس ليبراليًا، بل يقدّم ضمانات
حداثية وليبرالية. إنه تمرين ليبرالي.
1. كازانستان: تمرين ليبرالي
بنى رولز تصوّره لشعب كازانستان على القضايا الثلاث الأساسية، وهي قضايا ليبرالية بامتياز (الشورى،
حقوق المرأة، الجهاد)، فكلها تؤدي إلى التسامح بصفته جوهر الليبرالية ومآلها. ولعل اعتماده على كتابات صديقه وزميله روي متحدة ونصائحه قد جعله يستلهم مشروعه حول الإسلام الليبرالي. ولكنّ الفرق كبير وواضح بين المشروعَين، فمتحدة سعى إلى إثبات ليبرالية الإسلام انطلاقًا من تاريخ الإسلام في حين أنّ كازانستان هي تمرين على القيم الليبرالية، فهو يستعمل الإسلام التاريخي
(53) Ibid., p. 181. (54) Ingrid Robeyns, "Ideal Theory in Theory and Practice," Social Theory and Practice , vol. 34, no. 3, Special Issue: Social Justice: Ideal Theory, Nonideal Circumstances (July 2008), pp. 341–362. (55) Hatzenberger, pp. 112–113.
((5(عناصر هذا المشروع حاضرة تحديدًا في المراسلات بين رولز ومتحدة. ينظر: Idris, "Islam," pp. 13–14.
الليبرالي لإصلاح الإسلام، في حين يرى رولز أنّ هذا الإسلام الليبرالي هو استثناء ومفصول عن كل سياق اجتماعي أو تاريخي (كازانستان دولة بلا تاريخ وبلا جيران وبلا علاقات خارجية). من الواضح أنّ رولز يعترض على الآراء المناهضة للإسلام على نحو سافر، والتي تربطه بالعنف والاضطهاد وترى أن لا مكان له في النظام الحديث. ولذلك، تبدو كازانستان إجابة ليبرالية إصلاحية (إجابة تجريدية وتعميمية) ترى أنّ للإسلام إمكانيات (غير مفعّلة وغير مطبّقة إلى حد الآن)؛ لكي يكون
متسامحًا وسلميًا. ولا يعني هذا أنّ رولز يعارض جوهريًا صورة الإسلام الراهنة في الدوائر الغربية
السياسية والأكاديمية، ف "الإسلامان" يصدران عن البردايم نفسه (التعصب، الجهاد، الإصلاح،... إلخ). لذلك حُقّ التساؤل: هل كازانستان هي حقًا "أفضل ما يمكننا أن نأمله؟"، كما يقول رولز. ومن زاوية
أخرى، أليس مثل هذا الاستنتاج "صرخة يائسة"، كما يعبّر جون تاسيولاس John Tasioulas؟ بطريقة
أكثر تحديدًا، "هل الإسلام محكوم عليه بأن يصبح فقط هذا الكازانستان السمح؟". أيمكن أن تكون اليوتوبيا الشرقية محصورة فقط في الإطار الديني – السياسي؟ وهل النموذج العثماني هو المثال التاريخي الوحيد ل "سابقة" في العالم الواقعي؟ ألا يمكن أيضًا إحياء فترات أخرى من الماضي المجيد للتسامح في تاريخ الإسلام، مثلًا، أسطورة التعايش في الأندلس المتعددة الثقافات؟.
2. تعميم الليبرالية
ليست كازانستان في نهاية المطاف سوى مطلب غربي للمسلمين حتى يكونوا ليبراليين. وقد كان في إمكان رولز أن يكتشف ليبرالية الإسلام كما فعل غيره. اعتمد على الخبراء وعلى ترجمة ما يقدّمونه من معطيات إلى لغة فلسفية، ولكن فاته الانتباه إلى الأسس الأيديولوجية التي يشتغل عليها هؤلاء الخبراء المنخرطون في مشاريع إصلاح الإسلام خدمةً للسياسة الأميركية التي تعمل جاهدة على تشجيع "الديمقراطية" و"التسامح" في الدول العربية والإسلامية. إنّ تركيزه على مسألة الجهاد والأقليات، على سبيل المثال، يندرج ضمن اهتمامات السياسة الخارجية الأميركية. ومن ناحية أخرى، فإنّ غياب المراجع المشار إليها آنفًا، والتي كانت في متناوله، إنما هو جزء من التصور الاستشراقي كما يقول إدوارد سعيد؛ إذ إن الاستشراق هو نظام في كيفية الإحالة على المراجع والمصادر عبر الانتقاء والحجب والتجاهل. تكشف كازانستان عن إمكانية وجود مسلمين جيّدين يتبنّون قيمًا قريبة من الليبرالية، وفي إمكانهم بعد
الدّربة أن يكونوا ليبراليين "أقحاحًا". وبهذه الصورة، يتحرك رولز ضمن أفق نهاية التاريخ، وهو أفق
أيديولوجي بامتياز.
(57) Idris, "The Kazanistan Paper," p. 119. (58) Hatzenberger, p. 115.
(5((ينظر: محمد الرحموني، "أنطولوجيا الإسلام الليبرالي أو الإسلام الأخير"، تبيّن، مج 11، العدد 43 (شتاء 0232)، ص.88–65 ((6(وليس أدلّ على ذلك من أن الأميركيين حددوا لأنفسهم، بعد أحداث 11 سبتمبر 0012، مهمة إنقاذ النساء المسلمات في
أفغانستان. ينظر: ليلى أبو لغد، هل تحتاج النساء المسلمات إلى إنقاذ؟ ترجمة محمد الرحموني (الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع، 0022)، ص.49
ألا يتناغم موقف رولز مع السياق الغربي عمومًا، والأميركي تحديدًا، الذي يعتبر الإسلام مشكلة
عنفية؟ من ذلك الحضور الكبير للجهاد الأفغاني ولقضايا المجتمع الأفغاني (العنف المسلط على المرأة تحديدًا) في الصحافة الأميركية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وربما دفع هذا رولز إلى الحديث عن روحنة الجهاد الإسلامي في كازانستان. من ناحية أخرى، إنّ تكرار جهله بقضايا الشرق الأوسط مثير للانتباه: كيف يجهل قضايا الاستعمار والاحتلال؟ ألا يتناغم موقفه هذا مع الخطابات الأميركية حول الظاهرة الاستعمارية، وتحديدًا حول القضية الفلسطينية التي يجري التعامل معها على أنها معقدة، ولا يمكن أن يفهمها أيّ مراقب أجنبي؟.
خاتمة
كان همّنا الأساسي في هذه الدراسة عرض الكيفية التي تلقّى بها رولز الإسلام ولولا "أوراق كازانستان"
لمراد إدريس لما أسعفنا الفصلان الثامن والتاسع من قانون الشعوب بشيء مما يعوّل عليه. كشف لنا
أرشيف رولز بجلاء أنّ كازانستان/ الإسلام لم تكن اكتشافًا، بل كانت اختراعًا حتّمته سياقات جيوسياسية
وفلسفية تعلقت بالخصوص بقصور النظرية المثالية. كما أن رولز لو اطّلع على ذلك الكمّ الهائل من
الكتابات حول الإسلام في مختلف الاختصاصات لما كانت كازانستان. وعلى الرغم من أنّه عمل بجهد على تعديل دراسته منذ عام 9921، فإنّ "قصة" كازانستان قد صيغت انطلاقًا من اقتراحات غلبت عليها المصادفة، ومن شبكة علاقات شخصية، وظروف اتفاقية، حينئذ وجد نفسه أمام معرفة جديدة تتعلق بالعقيدة والتاريخ الإسلامَّيَين. وإذا أضفنا إلى ذلك ما شكّله الخطاب السياسي العام الخارجي
في الولايات المتحدة في التسعينيات من "ضغط" وجدنا آثاره في تصوّره للمسلم "الجيّد"، فإن دراسة
كازانستان تطرح إشكالية حدود الاختصاص في الفلسفة الليبرالية. وجوهر هذا الإشكال يكمن في أنّ مصادره ذات الطابع الأيديولوجي تحوّلت إلى افتراضات فلسفية تحليلية من دون أن تصطدم فعليًا
بالفلسفة الليبرالية باعتبارها خطابًا فلسفيًا مناقضًا من حيث المبدأ لكل عملية تبسيط وأدلجة.
References
المراجع
العربية
أبو لغد، ليلى. هل تحتاج النساء المسلمات إلى إنقاذ؟ ترجمة محمد الرحموني. الرياض: صفحة سبعة للنشر والتوزيع،.2002 الرحموني، محمد. "أنطولوجيا الإسلام الليبرالي أو الإسلام الأخير". تبيّن. مج 11، العدد 43 (شتاء
((6(بينت الباحثة النسوية ليلى أبو لغد الكيفية التي تناول بها الإعلام الأميركي قضية المرأة الأفغانية. والملاحظ أنّ هذه الصحافة
كانت تركّز اهتمامها على دور "الممارسات الثقافية" فيما تعانيه المرأة، وليس على ما خلّفته الحرب في نفوس النساء من ندوب أو
على تبعات عسكرة المجتمع ومن ثمة اختلاله بفعل الحرب"، ينظر: المرجع نفسه، ص.29
(62) Ilana Feldman, "Reframing Palestine: BDS against Fragmentation and Exceptionalism," Radical History Review , vol. 134 (2019), pp. 193–202.
والتوزيع،.2006
الأجنبية
رولز، جون. قانون الشعوب. ترجمة محمد خليل. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2007 سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر
الكشو، منير. "العدالة الدولية في الفكر الأمريكي المعاصر: جون رولز نموذجا". مجلة ألف. العدد 31
Ahmed, Leila. Women and Gender in Islam: Historical Roots of a Modern Debate. New Haven: Yale University Press, 1992. ________. A Border Passage: From Cairo to America—A Woman’s Journey. New York: Farrar, Straus and Giroux, 1999. ________. A Quiet Revolution: The Veil’s Resurgence, from the Middle East to America. New Haven: Yale University Press, 2011. An–Na‘im, Abdullahi Ahmed (ed.). Islam and Human Rights: Collected Essays in Law. Farnham, UK: Ashgate Publishing, 2010. ________. Muslims and Global Justice. Philadelphia: University of Pennsylvania Press,
________. What Is an American Muslim? Embracing Faith and Citizenship. New York: Oxford University Press, 2014. Bassam, Tibi. Islam and the Cultural Accommodation of Social Change. Boulder, CO: Westview Press, 1990. ________. The Challenge of Fundamentalism: Political Islam and the New World Disorder. Berkeley: University of California Press, 1998. ________. Islam’s Predicament with Modernity: Religious Reform and Cultural Change. New York/ London: Routledge, 2009. Bilgrami, Akeel. Belief and Meaning. Oxford: Blackwell, 1992. ________. Self–Knowledge and Resentment. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006. ________. Nature and Value. New York: Columbia University Press, 2019. Chehade, Ghada. "The Problem with Borat." Taboo: The Journal of Culture and education. vol. 11, no. 1 (December 2007). ________. Secularism, Identity, and Enchantment. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2014. Crone, Patricia. Loyalty and Leadership in an Early Islamic Society. London: I.B. Tauris, 2001. Donnelly, Jack. Realism and International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2009.
Esposito, John L. & Natana J. DeLong–Bas. Islam: The Straight Path. New York: Oxford University Press, 1988. ________. Unholy War: Terror in the Name of Islam. New York: Oxford University Press, 2002. ________. What Everyone Needs to Know About Islam. New York: Oxford University Press, 2002. ________. Women in Muslim Family Law. 2 nd ed. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2002. Feldman, Ilana. "Reframing Palestine: BDS against Fragmentation and Exceptionalism." Radical History Review. vol. 134 (2019). Hall, Ian. "J. A. Hobson and Idealism in International Relations." International Relations. vol. 23, no. 2 (2009). Hatzenberger, Antoine. "Kazanistan: John Rawls’s Oriental Utopia." Utopian Studies. vol. 24, no. 1 (2013). Idris, Murad. "Islam, Rawls, and the Disciplinary Limits of Late Twentieth–Century Liberal Philosophy." Modern Intellectual History. vol. 18, no. 4 (2021). ________. "The Kazanistan Papers: Reading the Muslim Question in the John Rawls Archives." Perspectives on Politics. vol. 19, no. 1 (March 2021). Jahn, Beate (ed.). Classical Theory in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2006. Keddie, Nikki R. The Mantle of the Prophet: Religion and Politics in Iran. Oxford: Oneworld Publications, 2003. Mallat, Chibli (ed.). Islam and Public Law: Classical and Contemporary Perspectives. London: Graham & Trotman, 1993. Mills, Charles. "Ideal Theory as Ideology." Hypatia. vol. 20, no. 3 (Summer 2005). ______. Black Rights/ White Wrongs: The Critique of Racial Liberalism , Transgressing Boundaries: Studies in Black Politics and Black Communities. Oxford: Oxford University, 2017. Robeyns, Ingrid. "Ideal Theory in Theory and Practice." Social Theory and Practice. vol. 34, no. 3 (July 2008). Sadr, Muhammad Baqir. Lessons in Islamic Jurisprudence. Roy Mottahedeh (trans.). Oxford: Oneworld Publications, 2003. Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison–Wesley,