هل التسامح فضيلة مستحيلة؟
Toleration: An Impossible Virtue?
الملخّص
يتساءل برنارد ويليامز، في هذه الدراسة، عما إذا كان مفهوم التسامح قيمة أخلاقية حقيقية أو مجرد ممارسة ذرائعية. ويبين أنّ التسامح لا ينبع غالبًا من شعور عميق بالاحترام تجاه قيم الآخر ومعتقداته، بل من الشك في إمكان امتلاك الحقيقة، أو من اللامبالاة تجاه الأفكار والممارسات ما دامت لا تسبب ضررًا ماديًا، أو من توازن القوى وإدراك كل طرف أن ليس في إمكانه تحقيق نصر نهائي. ومع ذلك، تقدّم التعددية الليبرالية أساسًا أقوى من ذاك، وترى أنّ التسامح جزء من نظام سياسي يثمّن قيمة الاستقلال الفردي. وفق هذا المنظور، تكون الدولة محايدة تجاه مختلف المعتقدات الأخلاقية والدينية؛ ما يسمح لكل فرد أو جماعة بممارسة معتقداته، ما دام لا يفرضها على غيره. لكنّ ويليامز يشير هنا إلى صعوبة كبيرة تتمثل في أنّ الذين يرفضون القيم الليبرالية، وخاصة الاستقلالية، لن يجدوا أيّ سبب معقول لقبول التسامح. ويتساءل عمّا إذا كانت الليبرالية قادرة على تبرير التسامح لأولئك الذين لا يشاركونها الأساس الذي تقيمه عليه. فحين يستند التسامح إلى مبدأ الاستقلالية، فإنه يظل مرتكزًا على رؤية محددة للخير؛ ما يجعلها عرضة للخلاف والنقاش. ويخلص ويليامز إلى أنّ التسامح، وإن لم يكن دائمًا فضيلة أخلاقية، يبقى ضروريًا في عالم متعدد. وربما تعتمد استمراريته بدرجة أقل على القيم المشتركة، وبدرجة أكبر على الواقع المعاصر، مثل الاعتماد المتبادل العالمي الذي يحدّ من التعصب ويعزز فرص التعايش السلمي.
Abstract
English philosopher, known for his critiques of utilitarianism and Kantianism and his focus on moral psychology, personal identity, and the limits of philosophy.
Tunisian researcher and academic, specializing in Anglo–American political and moral philosophy; Professor of Philosophy at the University of Tunis. kchaoum5@gmail.com
An abridged version of this study was published in the UNESCO Courier (June 1992). Bernard Williams, "Toleration: An Impossible Virtue?" in: David Heyd (ed.), Toleration: An Elusive Virtue (Princeton: Princeton University Press, 1996), pp. 18–27.
- التسامح
- الليبرالية
- الاستقلال الفردي
- التعددية
- الفضيلة الأخلاقية
- Tolerance
- Liberalism
- Moral Values
- Pluralism
- Individual Autonomy
برنارد ويليامز| Bernard Williams * ترجمة منير الكشو| Mounir Kchaou **
حقيقية أو مجٍرد ممارسة ذرائعية. ويبينٌ أنّ التسامح لا ينبع غالبًا منٌ شعور عميق بالاحتٍرام
تجاه قيم الآخرٍ ومعتقداته، بل منٌ الشك في إمكان امتلاك الحقيقة، أو منٌ اللامبالاة تجاه
الأفكار والممارسات ما دامت لا تسبب ضٍررًا ماديًا، أو منٌ توازن القوى وإدراك كل طٍرف أن
ليس في إمكانه تحقيق نصرٍ نهائي. ومع ذلك، تقدّم التعددية الليبٍرالية أساسًا أقوى منٌ ذًاك،
وتٍرى أنّ التسامح جزء منٌ نظام سياسي يثمّنٌ قيمة الاستقلال الفٍردي. وفق هذا المنظور،
تكون الدولة محايدة تجاه مختلف المعتقدات الأخلاقية والدينية؛ ما يسمح لكل فٍرد أو جماعة
بممارسة معتقداته، ما دام لا يفٍرضها على غيٍره. لكٌنّ ويليامز يشيرٍ هنا إلى صعوبة كبيٍرة تتمثل
في أنّ الذينٌ يٍرفضون القيم الليبٍرالية، وخاصة الاستقلالية، لنٌ يجدوا أيّ سبب معقول لقبول
التسامح. ويتساءل عمّا إذًا كانت الليبٍرالية قادرة على تبٍريرٍ التسامح لأولئك الذينٌ لا يشاركونها
الأساس الذي تقيمه عليه. فحينٌ يستند التسامح إلى مبدأ الاستقلالية، فإنه يظل مٍرتكزًا على
رؤية محددة للخيرٍ؛ ما يجعلها عٍرضة للخلاف والنقاش. ويخلص ويليامز إلى أنّ التسامح،
وإن لم يكنٌ دائمًا فضيلة أخلاقية، يبقى ضٍروريًا في عالم متعدد. وربما تعتمد استمٍراريته
بدرجة أقل على القيم المشتٍركة، وبدرجة أكبرٍ على الواقع المعاصرٍ، مثل الاعتماد المتبادل
العالمي الذي يحدّ منٌ التعصب ويعزز فٍرص التعايش السلمي.
الأنكلو–أميٍركية.
Abstract: In this article, Bernard Williams asks whether the concept of toleration can be considered a true moral value rather than just a pragmatic practice. He explains that toleration often arises not from deep respect but from skepticism, indifference, or a balance of power. However, liberal pluralism offers a more principled basis: it frames toleration as part of a political system that values individual autonomy. In this view, the state remains neutral among conflicting moral or religious views, allowing each person or group to live according to their beliefs – so long as they do not impose them on others. Still, Williams points out a major difficulty: those who oppose liberal values, especially autonomy, may not see any reason to support toleration. He questions whether liberalism can justify toleration to those who do not already share its core values. Even if toleration is grounded in autonomy, it still rests on a substantive view of the good, making it vulnerable to disagreement. Williams concludes that while toleration may not always stem from a moral virtue, it remains necessary in a diverse world. Its survival may depend less on shared values than on modern realities, like global interdependence, which can discourage fanaticism and encourage peaceful coexistence.
مقدمة المترجم
درّس الفيلسوف الإنكليزي برنارد أرثر أوين ويليامز Bernard Arthur Owen Williams
(003–19292) الفلسفة في جامعات أكسفورد وكمبردج ولندن ثم في كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية. وتركّز اهتمامه في مجال فلسفة الأخلاق على السؤال حول معنى "أن نعيش جيدًا"، لكنه يتميز من معظم من تطرّق إلى هذا السؤال، فهو لا يولي موضوع الالتزام الأخلاقي
Moral Obligation أهمية محورية في الإجابة عن السؤال؛ لأنّ الالتزام الأخلاقي لا يكون له معنى، في نظره، إّلا إذا كان منسجمًا مع غرض البحث عن المصلحة الخاصة والحياة الرائقة. من أهم
مؤلفاته في مجال فلسفة الأخلاق كتاب الأخلاق وحدود الفلسفة 985(1)، والأخلاق 976(1)، والعار والضرورة (9931)، وكتاب مشترك مع الفيلسوف الأسترالي جون سمارت J. Smart 2) 012–1920(بعنوان المنفعية بين مؤيد ومعارض (9971)، وشارك مع الفيلسوف والاقتصادي البريطاني ذي الأصول الهندية أمارتيا صن (933 –1) في تحرير كتاب المنفعية وما بعدها (982.)1 ولا نعثر إلى حدّ اليوم على
كتبٍ وأعمالٍ للفيلسوف ويليامز مترجمة إلى العربية. تمثّل دراسة "هل التسامح فضيلة مستحيلة؟" فصلًا نُشِر في كتاب مشترك بعنوان التسامح فضيلة
متملّصة أشرف على تحريره ديفيد هايد. سبق أن ترّأس ويليامز عامّ 9791 لجنة ضمّت فقهاء قانون
ومفكرين وفنانين كلّفتها الحكومة البريطانية بتقديم رأي ومشورة حول جواز إخضاع المواد الفاحشة في السينما إلى الرقابة. وقد أوصت هذه اللجنة الحكومة بأن تتسامح مع هذه المظاهر ولا تمنعها،
(1) Bernard Williams, "Toleration: An Impossible Virtue?" in: David Heyd (ed.), Toleration: An Elusive Virtue (Princeton University Press 1996), pp. 18–27.
وتقيّد الوصول إليها وتجعلها حكرًا على الراشدين، على أن تكون مشاهدتهم لها ناتجة من اختيارهم
الطوعي وغير مفروضة عليهم بسبب مرورهم في طريقٍ عامّ، مثلًا، أو مشاهدة التلفاز أو عرض
مسرحي لم يكن الغرض المعلن منه عرض مثل تلك المشاهد أو المواد الفاحشة. وقد نُشر هذا التقرير بعد ذلك باسم تقرير ويليامز حول الفحش والرقابة على الأفلام. ويبدو التسامح بالنسبة إلى ويليامز فضيلة متناقضة؛ لأنها تقتضي من المرء الامتناع عن إتيان أيّ فعل
ضد ما يعتبره هو وكثير من الناس مستهجنًا، والالتزام في الوقت نفسه بالموقف الأخلاقي الرافض له؛ إذ
إنه "يقتضي، على ما يبدو، أن يعتبر الشخص أنّ اعتقادًا أو ممارسة ما خاطئة أو سيئة تمامًا، وفي الوقت
نفسه، أنّ هناك خيرًا جوهريًا يمكن أن يحصل بالسماح لها بالتحقق". ويميز ويليامز بين التسامح من
حيث هو فضيلة أخلاقية والتسامح بما هو ضرورة سياسية. فالتسامح في مجتمعات تعددية يكون في أغلب الأحيان مطلوبًا لا من حيث هو قناعة أخلاقية راسخة بل لاعتبارات ذرائعية. فلتجنّب النزاعات
المدمرة يكون من الضروري أحيانًا التسامح مع ما نستهجنه في قرارة أنفسنا. فنحن هنا مضطرون إلى التسامح مع ما نرى يقينًا أنه لا يجوز التسامح فيه ومعه. ويكمن المشكل الأساسي بالنسبة إلى ويليامز في
أنّ التسامح لا يكون لازمًا إلا في الحالات والمواقف التي لا تُحتمل ولا يجوز التسامح فيها. والتسامح ضروري بين مجموعات اجتماعية لها قيم أخلاقية وسياسية ودينية متعارضة تشكّل مجتمعًا
واحدًا وتدرك أنّ استمرارها في العيش معًا وتجنّب الصدام والحروب يقتضيان قدرًا من التسامح
المتبادل. ففي المجال الديني، ظهرت فكرة التسامح، لوضع حٍّدٍ لحالة الحرب الناجمة عن أنّ كل جماعة دينية تعتقد أنّ الجماعة أو الجماعات الأخرى تعتنق معتقدات هرطقية ومُفسدة لعقيدتها
وتنشرها، وأنّ قادة الجماعة أو الجماعات المناوئة لها يمنعون شبابهم ونساءهم من المعرفة والحرية التي تضمنها عقيدتها هي؛ ولهذا ترى أنّ من مصلحتها ومن مصلحة قطاع واسع من الجماعة أو الجماعات الخصم أن تنتصر العقيدة الحقّ التي تمثّلها هي خير تمثيل. فكلّ جماعة دينية ترى أنّ
من حقّها الدعوة إلى أفكارها ومعتقداتها ونشرها حتى تعمّ المجتمع بأسره، في حين أنها لا تعترف
بالتبادلية وبحقّ الطرف الآخر في الدعوة إلى عقيدته وأفكاره التي تراها فاسدة وضالّة. وحين استعرت
الحروب الدينية، في القرنَين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، واستمرت مدة طويلة، اقتنع الناس بأنّه من الأفضل أن تتعايش الطوائف والملل والديانات رغم اختلافاتها الجوهرية بدلًا من أن تتحارب. أما من حيث التعليل الفكري للتسامح، فقد قبله بعضهم انطلاقًا من الشكّ في صحّة أيّ من العقائد
المتنازعة، في حين رأى آخرون أنّ الله لا يهتم بطرائق عبادته ما دامت تنبع من إيمان صادق، وتجسّد روحًا مسيحيّة منفتحة على الإنسانية جمعاء. وعلى الرغم من الاختلاف بين التصورَين، فإنّ
أنصارهما انتهوا إلى التسليم بأنّ المسائل العقديّة المرتبطة بالدين المسيحي لا تستحق الأهمية التي
أسبغت عليها؛ ما أسهم في ترسيخ ضرب من ضروب التسامح على الصعيدَين الأخلاقي والسياسي.ُ
(2) Bernard Williams, Obscenity and Film Censorship, An Abridgement of the Williams Report (Cambridge: Cambridge University Press, 1981).
غير أنّ ذلك لا يمثّل، في نظر ويليامز، تسامحًا بل يمثّل لامبالاة. ومعظم المواقف التي ننعتها اليوم
بالمتسامحة تجاه ممارساتٍ أو أوضاع أو مواقف تعترضنا في حياتنا اليوميّة تصدر، في رأيه، عن
شعور اللامبالاة لا عن أريحية التسامح. فتطور العادات الخُلقية والسلوكية في المجتمعات التي تضمن دساتيرها لمواطنيها الحق في الحياة الخاصة والحميمية جعل أشك لًا من الممارسات الجنسية التي كانت في الماضي موضوع استهجان وحتى عقاب قانوني، مثل المثليّة أو العلاقات الجنسية
خارج الزواج، لا تثير اليوم ردود فعل مندّدة أو مستنكرة في المجتمعات الليبرالية. وعلى الرغم من أنّ الأمر يتعلق في الظاهر وعلى أرض الواقع بتسامح، فإنه، في نظر ويليامز، موقف لامبالاة وعدم اكتراث، في حين أنّ شرط التسامح هو أن يكتسي السلوك أو الرأي المتسامح معه أهمية كبرى لدى الطرف المتسامح. ويظل التسامح، في نظر ويليامز، مقترنًا بضرب من المشاعر والاستعدادات النفسية التي تجعله ممكنًا.
فاستشراء مشاعر اللامبالاة هيّأ الظروف الملائمة، مثلما حدث في أوروبا في القرنَين السادس عشر
والسابع عشر، لوضع حدّ للعديد من النزاعات الدينية. غير أنّ ذلك لا ينبغي أن يحجب عنّا، في نظر
ويليامز، حقيقة أنّ استتباب السلم الأهلي واتساع نطاق حريات الأفراد ليسا مدينَين لشيوع فضيلة
التسامح بقدر ما يفسران بانتشار مشاعر اللامبالاة، ولهذا لا تستمد الليبرالية قوّتها اليوم من التسامح
بوصفه قيمة وفضيلة بقدر ما تستمدّها من ذلك التسليم الباهت والفاتر والقبول غير المتحمّس بتعددية
الأحكام القيميّة وبالتنوّع في أساليب العيش. ومقارنة بالليبرالية الكلاسيكية، مثل ليبرالية جون لوك وستيوارت مِل، التي تعتمد أكثر على مبدأ التسامح، نرى ليبرالية اليوم، في نظر ويليامز، تعتمد أكثر في دفاعها عن السلم الأهلي والتعايش وقبول الاختلاف على التعددية الأخلاقية وعلى ضرب من الريبية حيال الحقيقة من الدعوة إلى التسامح. وقد دفع هذا الانتقال من التصوّر الليبرالي الكلاسيكي إلى التصوّر الليبرالي المعاصر، الذي يقوم
على التسليم البسيط بتنوّع القيم وأساليب العيش، إلى أن يقترب التسامح أكثر من معنى اللامبالاة؛
لذلك يؤكد ويليامز أنّ التسامح فضيلة مستحيلة فهو لا يصبح حاجة ملحّة إلا متى نكون قد أدركنا
ذلك الحدّ الذي نشارف فيه على ما لا يمكن التسامح معه، وعندها لا يكمن الحلّ في التسامح بل في اللامبالاة أو التسوية على الشاكلة الهوبزية، وفي ترتيب سياسي يتخلى بمقتضاه الأفراد عن الكفاح لإعلاء حقيقة عقيدتهم للحصول في المقابل على السلام. فاللامبالاة أو الإنهاك الناتج من الحروب والنزاعات لا يُعدّ تسامحًا؛ إذ إنّ التسامح يفترض وجود توتر داخلي لدى كل فرد بين تمسّكه بقيمه
الخاصة وقبوله بوجود قيم مغايرة لدى الآخر. وبدلًا من أن يؤسس ويليامز التسامح السياسي على مبادئ أخلاقية عامة ومجردة، مثل الاستقلالية الذاتية كما هو الأمر لدى كانط والكانطيين عمومًا، يفضل اعتماد مقاربة ذرائعية تعتبر أنّ تفضيلنا
للتسامح يكون بسبب تسليمنا بمحدودية ملكة الفهم لدينا، وبرغبتنا في التعايش السلمي مع المختلفين عنّا في مجتمعات متنوعة وتعددية. ففكرة التسامح ترتبط لديه باعتناق النسبوية الأخلاقية وبالقول
بتعددية القيم وتوخّي المقاربة الواقعية لقضايا الأخلاق. وعلى خلاف المفكرين الذين أسسوا مفهوم
التسامح على حقائق كونية ثابتة، يؤصل ويليامز التسامح في الوعي بحدود رؤيتنا الأخلاقية والثقافية؛ إذ إنه يرى أنّ المجتمعات الإنسانية تتميز بتعددية قيمية لا تقبل الاختزال في قيمة من القيم، وهو ما يعني بالنسبة إليه أنه لا يوجد دومًا مقياسٌ موضوعي واحد للحكم على ممارسات أخلاقية وثقافية
متعارضة، كما أن نزاع القيم سواء داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات الإنسانية هو سمة ملازمة للوضع البشري وليس حالة شاذة وغير عادية. لذلك ينبغي أن يقترن التسامح بالتواضع المعرفي الذي يجعلنا نعترف بأن معتقداتنا ليست مطلقة وأن مجتمعات أخرى يمكن أن توجد لديها أشكال من الحياة المتماسكة والمعقولة. ولا يعني ذلك بالنسبة إليه أنّ التسامح هو قبول كل شيء؛ إذ يمكن رفض بعض الممارسات والعادات السلوكية من دون السعي إلى استئصالها بالقوة أو إكراه من يعتنقونها على التخلي عنها قسرًا، فالتسامح لا يعني القبول الساذج بكل الممارسات والعادات السلوكية والأعراف
الدارجة واستحالة تكوين أحكام أخلاقية تستحسن أخلاقيًا المواقف والممارسات أو تستهجنها،
مثلما هو الأمر في حالات تبنّي نسبوية موسّعة أو مطلقة، لكنّ الاستهجان أو الإدانة الأخلاقية لا ينبغي
أن يحولا دون التسامح؛ إذ إن التسامح في معناه الأصلي تسامح مع ما لا يجوز التسامح معه. ومن هذه الجهة تتميز النسبوية الأخلاقية التي يتبناها ويليامز من غيرها من أشكال النسبوية الأخلاقية التي تُفضي إلى إنكار إمكانية التمييز بين الأفعال أو إصدار أحكام أخلاقية.
هل التسامح فضيلة مستحيلة؟
برنارد وليامز
تكمن صعوبة التسامح في أنه يبدو ضروريًا ومستحيلًا في آن واحد. فهو ضروري حيث تعي
مجموعات ذات معتقدات متباينة (أخلاقية أو سياسية أو دينية) ومتنازعة أن لا خيار آخر لها لتعيش معًا، إذا استثنينا النزاع المسلّح الذي لا يحلّ خلافاتها ويحمّلها مزيدًا من المعاناة، ففي هذه الأوضاع
يكون التسامح ضروريًا، لكنه، في الوقت نفسه، قد يبدو مستحيلًا. فإذا كان العنف وانهيار التعاون الاجتماعي يمثلان تهديدًا في ظل هذه الظروف، فذلك يعود إلى أن بعض الناس يرون أن معتقدات الآخرين أو أساليب عيشهم غير مقبولة تمامًا. ففي المسائل الدينية
على سبيل المثال (التي كانت تاريخيًا أول مجال ظهرت فيه فكرة التسامح)، تنبع الحاجة إلى التسامح
من أن إحدى المجموعات، على الأقل، تعتبر المجموعات الأخرى ضالّة ومجدّفة على نحو فاجر وكارثي. ويمكن، على سبيل المثال، أن يعتقد أفراد مجموعة ما أن أعضاء مجموعة أخرى في حاجة إلى المساعدة لإدراك الحقيقة وأن بعض الأطراف داخلها في حاجة إلى الحماية من الآراء الفاسدة. وأهم من ذلك – وهذا أمر ذو صلة وثيقة بمعضلات مجتمعاتنا الليبرالية – ربما يعتقدون أن قادة المجموعة الأخرى وشيوخها يمنعون الشباب وربما النساء أيضًا من إدراك التنوير والتحرر. وسيعتبرون عندها أن سيادة الدين الحق (مثلما يرونه) ليست لمصلحتهم فحسب بل لمصلحة جزء من المجموعة الأخرى أيضًا. ولأنّ الخلاف بينهما يصبح جوهريًا إلى هذا الحدّ يقدّر كل خصم أنه
يستحيل عليه قبول وجود الآخر. نحن نحتاج إلى أن نتسامح مع الآخر ومع عاداته في الحياة فقط
في تلك الظروف التي يغدو فيها القيام به صعبًا جدًا. وربما يجوز لنا القول إن التسامح مطلوب فقط
فيما لا يمكن التسامح فيه. وهذا هو صميم المشكل. يمكن اعتبار التسامح الموقف الذي يتبناه (أو يفشل في تبنّيه) الفريق الأقوى، أو الأغلبي، تجاه فريق يكون أقل قوة أو أقل عددًا. ففي بلد يمثّل فيه المسيحيون أغلبية مقارنة بالمسلمين قد يُطرح التساؤل
حول إذا ما كان المسيحيون متسامحين مع المسلمين في حين أن المسلمين لا يتاح لهم الخيار نفسه، إذا جاز التعبير، فيما إذا كانوا متسامحين مع المسيحيين أم لا. وعندما تتبدل النسب العددية بين المسيحيين والمسلمين يتبدّل معها أيضًا اتجاه التسامح. نفكر عادةً في التسامح على هذا النحو، ومن الطبيعي أن نفعل ذلك؛ لأنّ النقاشات حول التسامح، والتي هي مناقشات حول القوانين التي ينبغي أن توجد، على وجه الخصوص تلك التي تسمح بأنواع من الممارسات الدينية أو تحظرها، غالبًا ما كانت محدّدة بمواقف المجموعة الأكثر نفوذًا. لكنّ
التسامح هو في الأساس مسألة تتعلق بمواقف أيّ مجموعة تجاه أخرى، ولا يُختزل في علاقات
القوة. ومن المؤكد أنه ليس مجرّد مسألة تتعلق بالقوانين التي ينبغي أن توضع، فمجموعة أو عقيدة
ما يمكن أن تُنعت، على نحو صحيح، ب "غير المتسامحة" إذا كانت تريد قمع الآخرين أو طردهم حتى لو لم تتوافر لديها القدرة الفعلية للقيام بذلك. ينبغي أن يبدأ البحث في مشكلات التسامح من مستوى العلاقات الإنسانية، ومن المواقف المتبادلة بين الجماعات التي تتباين في أنماط عيشها وقيمها. فهي لا تتعلق فحسب بمعرفة كيفية توظيف نفوذ الدولة، رغم أنها تدعم فعلًا مشكلة تتعلق بهذا الأمر وتغذّيها، وهذه هي مشكلة الفلسفة السياسية. ومع ذلك، ينبغي أن نكون حذرين من الرأي الذي يعتبر أن ما يبرر ممارسة التسامح أو تبنّي موقف متسامح ينبغي أن يكون انطلاقًا من اعتبار التسامح فضيلة شخصية. فالتسامح، على الرغم ممّا يكتنفه من صعوبات جمّة، يظلّ فضيلة تتضمن، على وجه
التحديد، خطر الاحتواء على استحالة مفهومية. تعني ممارسة التسامح أنّ مجموعة ما تقبل بوجود مجموعة أخرى مختلفة عنها بوصفه أمرًا واقعًا.
والموقف المتسامح (تجاه تلك المجموعة) هو أيّ استعداد أو تصرّف يشجّع أفراد المجموعة على
القيام بذلك، ومن المرجّح أن يوصف بالموقف المتسامح إذا طُبّق على نحو أوسع، سواء في علاقات
تلك المجموعة بمجموعات أخرى، أو في نظرتها إلى طبيعة العلاقات القائمة بين تلك المجموعات بعضها مع بعض. إن أحد الأسس الممكنة لمثل هذا الموقف – لكنه الوحيد فقط – هو فضيلة التسامح، التي تشدّد على الخير الأخلاقي الذي ينطوي عليه التسامح مع المعتقدات التي يجدها المرء مسيئة. أرى أنه ينبغي لهذه الفضيلة، على الرغم من أنها ليست مستحيلة (كما قد تبدو)، أن تتخذ شكلًا محددًا للغاية؛ ما يحدّ من عدد الأشخاص الذين يستطيعون امتلاكها. لذلك من الخطأ الجسيم أن نعتقد أنّ هذه الفضيلة هي الموقف الوحيد، أو ربما الأكثر أهمية، الذي نؤسس عليه ممارسات التسامح. لكي تكون هناك مسألة تسامح فعلية، لا بد من أن يتوافر أمر ينبغي التسامح فيه؛ إذ إنه يجب أن يتوافر معتقد أو ممارسة ما أو أسلوب في العيش تعتقد إحدى المجموعات أنه فاسد أو خاطئ أو غير
مرغوب فيه (مهما كان ذلك الاعتقاد متعصبًا أو غير معقول). وإذا كانت إحدى الجماعات تضمر
الكراهية لأخرى، كما في حالات الثأر بين العشائر أو العنصرية الصريحة، لن يكون التسامح هو المطلوب حقًا، بل إن الناس المعنيين في حاجة إلى تجاوز مشاعر الكراهية والأحكام المتحيزة، أو الذكريات المثقلة بالحقد. وإذا كنّا نطلب من الناس أن يكونوا متسامحين، فإننا نطلب شيئًا أكثر تعقيدًا
من هذا؛ إذ إن عليهم التخلي عن أمر ما، وهو رغبتهم في قمع الاعتقاد المنافس أو طرده. وفي المقابل سيحتفظون بشيء ما، وهو تمسّكهم بمعتقداتهم الخاصة التي أثارت فيهم رغبة إزالة ما هو مختلف
عنهم أو إبعاده. فالتوتر مستمر بين التزامات المرء تجاه منظومة قيمه والقبول بقيم الآخرين التي قد لا يستسيغها تمامًا. إن التوتر الكامن في جوهر التسامح هو الذي يجعله بالغ الصعوبة (صحيح أن
الحدود بين الانتماء القبلي أو الولاء العشائري، وبين الاختلاف في الآراء أو القناعات، تكون في الممارسة العملية غالبًا دقيقة أو شديدة الغموض). ولأنّ التسامح يفترض وجود توتر داخلي لدى كل شخص بين التمسّك بقيمه الخاصة والقبول
بقيم الآخرين، فلا يمكن أن نرجعه إلى مجرد تراخٍ أو لامبالاة. فبعد أن اشتعلت الحرب في أوروبا خلال القرنَين السادس عشر والسابع عشر سنوات طويلة، خلص الناس إلى قناعة مفادها أنّ الأفضل للطوائف المسيحية المختلفة هو أن تتعايش. وقد أدى هذا التطور إلى مواقف مختلفة، فقد أصبح بعض الأشخاص يشكّون في المزاعم المميزة لأيّ كنيسة، ويعتقدون أنه لا توجد حقيقة في مسائل الإيمان
الديني في متناول إدراك البشر، بينما ذهب آخرون إلى أنّ الصراعات مكّنتهم من فهم مقاصد الله على نحو أعمق. فاللّه لا يكترث بكيفية عبادته، ما دام الناس يؤدون ذلك بنيّة صادقة وبروح مسيحية منفتحة
(في الآونة الأخيرة، امتد هذا التوجه المسكوني إلى ما هو أبعد من حدود المسيحية). سارت هاتان الطريقتان في التفكير، بمعنى ما، في اتجاهين متعاكسَين. فقد زعم الريبيون أنّ
مقاصد الله هي أكثر استعصاء على الإدراك مما تصورته كل الأطراف المتحاربة وقد أعماها تعصّبها،
أما الآخرون، المدافعون عن وجهة نظر واسعة للمسيحية فقد ادّعوا أنهم يدركون مقاصد الله أفضل من الأطراف المتحاربة. غير أنّ التصوّرَين خلصا، فيما يخصّ الصراعات العقائدية، إلى موقف مشترك
مفاده أنّ المسائل المتعلقة بالإيمان المسيحي لا تنطوي على الأهمية التي كان الناس يعتقدونها، وأنّ الرهانات كانت أكثر تواضعًا مما جرى تصوّره. وقد أدّى ذلك إلى التسامح بوصفه ممارسة سياسية،
وهذه نتيجة بالغة الأهمية، غير أنها ليست فعلًا التسامح بمعناه الحقيقي؛ لأنه إذا لم تكن آراء الآخر ذات أهمية تتجاوز مستوى أذواقه الغذائية، فلن يكون ثمّة حاجة إلى إظهار تسامح تجاهها، تمامًا،
كما لا نحتاج إلى موقف متسامح إزاء تفضيلات الآخرين في الطعام. تعترضنا مواقف أكثر تسامحًا في العديد من المسائل في الممارسة اليومية؛ لأنّ الناس يتوقفون عن
الاعتقاد أنّ ضربًا من السلوك يستحق الاستهجان أو حتى الشجب. وهذا ما يحدث أحيانًا في أنحاء
كثيرة من العالم فيما يتعلق بأشكال من السلوك الجنسي كانت في الماضي محلّ تحريم اجتماعي أو تجريم قانوني. فالعلاقة الجنسية خارج إطار الزواج أو العلاقات المثلية قد لا تثير أيّ تعليق أو ردّ فعل
عدائي مثلما كان سائدًا سابقًا. وعلى الرغم من أنّ ذلك تسامح من حيث الممارسة، فإن هذا السلوك
يرد ضمن موقف اللامبالاة وليس التسامح بالمعنى الدقيق للكلمة. فإذا قلتُ أنا وغيري من الجيران إننا نتسامح مع العلاقات المثلية الجنسية للزوجين المجاورَين لنا، فإنّ موقفنا لن يُعتبر حقيقة تسامحًا،
وسيكون أقل من موقف ليبرالي. ما من شك في أنه علينا أن نجد حلًا من هذا القبيل؛ أي أن نبرهن على لامبالاة أكبر في العديد من الصراعات وبؤر التعصب. فكل ما يتعلق بالسلوك الجنسي والاجتماعي، الذي يثير في المجتمعات الصغيرة والمحافظة قلقًا عاًّمًا، سيُدرج ضمن مجال الحياة الخاصة ولن يُحكم عليه
بأنه خيرٌ أو شٌّرٌ. وقد يتيح الانزلاق نحو اللامبالاة، مثلما حصل في أوروبا، الطريقة الوحيدة لحلّ
بعض النزاعات الدينية. وليست كل الأديان ترغب في أن تهدي الآخرين إلى عقيدتها، فضلًا عن إكراههم على اعتناقها. لا شك في أنّ لديها رأيًا أو آخر (ربما من قبيل "الكنيسة الواسعة") حول مقام الحقيقة أو الخطأ الذي يكون فيه من لا يشاركهم إيمانهم، لكنّهم يمتنعون، على أيّ حال، عن
التدخّل في شؤون غيرهم. في المقابل تكون عقائد أخرى أقل استعدادًا للسماح للخطأ، كما تراه، بالانتشار. ولعلّ الحلّ الوحيد الممكن في مواجهة هذه العقائد هو ذلك الذي توصلت إليه أوروبا سابقًا (في المجال الديني، على الأقل، إن لم يكن في المجال السياسي)، ويتمثل في فتور الحماس العقدي. لكن، لا ينبغي أن ينجم هذا الفتور عن نفاد الطاقة المحركة. فمثلما اكتشفت بعض الطوائف المسيحية، يمتلك الدين موارد خاصة تمكّنه من إعادة النظر في علاقاته بالآخرين، ومن بين الأفكار المهمّة التي كان لها أثر بالغ في أوروبا تبرز فكرة مفادها أنّ الدين الذي يسعى إلى
التوسّع ويرغب في أن يعتنقه الآخرون ينبغي له أن يُقرّ بأنه لا يستطيع أن يحقق ذلك بالقوّة. فأقصى
ما يمكن أن تحققه القوة هو الإذعان والتوافق الظاهري. وكما عبّر هيغل في جدلية السيد والعبد،
فإنّ المتعصب يُصاب دومًا بخيبة أمل؛ إذ إن ما يبتغيه هو الاعتراف في حين أنّ ما أمكنه نيله هو
الامتثال أو الطاعة الشكلية. ليست الريبية واللامبالاة ووجهات النظر الكنسية الواسعة النطاق المصدر الوحيد لما أسمّيه التسامح
بوصفه ممارسة؛ إذ يمكن ضمانه أيضًا من خلال توازن هوبزي (نسبة إلى توماس هوبز، 6171) يكون فيه قبول جماعة من قبل أخرى هو أفضل نتيجة يمكن أن تحققها كلّ منهما. وهذا ليس طبعًا في حد ذاته حلًا مبدئيًا، خلافًا للنظرة الريبية التي هي مبدئية بأسلوبها الخاص. فالحلّ الهوبزي، كما هو
معروف، لا يضمن الاستقرار؛ إذ إن الطائفة التي تستطيع فرض قدر من الامتثال لها، ربما تردعها فكرة ما الذي ستؤول إليه الأوضاع إذا ما تولّى الطرف الآخر زمام الأمور. ولكي تكون هذه الفكرة هوبزية، في مقابل الحجة التي تستند إلى فرضية قلب الأدوار التي تشير، على سبيل المثال، إلى الحقوق، لا بد من أن يتوافر قدرٌ من عدم الاستقرار المرتقب. ومن المرجّح أن تلجأ الأطراف التي تعي مثل
هذه الحالة إلى الضربات الاستباقية، لا سيما إذا أدركت أن ما يمكن تحصيله من امتثال خارجي في جيل واحد قد يتعزز أو يُضاعَف في الأجيال اللاحقة. في واقع الأمر، لم يكن فرض المعتقدات
والأيديولوجيات السياسية بالقوة في العالم الحديث ناجحًا للغاية على مرّ الزمن. وأحد الدروس التي
غدت واضحة فعلًا عام 9841 هو زيف (كذب) رواية جورج أورويل 1984 في هذا الصدد. ومع ذلك،
فإن فرض الأيديولوجيا كان على مرّ الزمن ناجحًا بالتأكيد في الماضي، والشرط الوارد في العبارة
السابقة، "في العالم الحديث"، مهمّ للغاية (وهذا أمر سأعود إليه في نهاية هذه الدراسة). لم يبرز التسامح حتى الآن قيمةً من خلال الحجج المطروحة، فقد نجد ممارسات تسامح تستند إلى الشك أو اللامبالاة، أو ربما إلى توازن مفهومٍ للقوى. أما التسامح بما هو قيمة فيبدو أنه يتطلب أكثر من هذا. وقد تصوّر كثيرون أنّ ذلك يمكن التعبير عنه من خلال فلسفة سياسية أو مفهوم ما للدولة. من الممكن أن يسود التسامح الديني، إلى حدّ ما، بين جماعات تربط بين أفرادها معتقدات (دينية مثلًا) ما دام يقوم على التمييز بين تلك الجماعات والدولة. ولا تتبنى الدولة أيّ منظومة من هذه المعتقدات
ولا تفرض أًّيًا منها، وهي لا تسمح لأيّ جماعة بفرض معتقداتها على الجماعات الأخرى، ويظل
في إمكان كل منها أن يعرض، بطبيعة الحال، معتقداته ويدافع عنها بنفسه. ففي الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، وفاقٌ واسع يدعم الدستور في أّلا يسمح بسنّ أيّ قانون يفرض دينًا بعينه
أو حتى يدعمه. وهناك العديد من المجموعات الدينية لا شك في أنّ بعضها لديه معتقدات جوهرية، لكنّ أغلبها لا يريد للدولة أن تقمع الآخرين أو أن تسمح لأيّ منها بقمع غيره. أمل كثيرون أن يتبنّى كل مجتمع حديث هذا النموذج لحلّ توترات التسامح. فهو، من ناحية، يأخذ
في الاعتبار تنوّع القناعات الأخلاقية والدينية الراسخة التي تعلن مجموعات مختلفة داخل المجتمع
اعتناقها. ومن ناحية أخرى، هناك ما يُفترض أنها دولة محايدة تضمن حقوق جميع المواطنين في
المساواة، بما في ذلك المساواة في الحق في تكوين المعتقدات والتعبير عنها. وهذا هو نموذج التعددية الليبرالية الذي يمكن النظر إليه باعتباره التسامح في طور الفعل، والذي يعبّر عن تلك التركيبة
الغريبة للتسامح التي تجمع بين القناعة والقبول، من خلال توطين قناعات الناس المختلفة في مجموعات أو جماعات تكون أقل من الدولة وإدراج قبول التنوّع ضمن بنية الدولة نفسها. إن ذلك يعني وجود التسامح باعتباره أكثر من مجرّد ممارسة. ولكن، كيف يمكن على وجه الدقة
تحديد التسامح باعتباره قيمة؟ وهل يمكن تحديده بوصفه فضيلة؟ يحيلنا ذلك على مسألة الصفات التي يقتضيها مثل ذلك النظام لدى مواطنيه. فينبغي أن يتوافر لدى المواطنين على الأقل إيمانٌ مشترك بالنظام نفسه. إنه يقتضي مجتمعًا يستند تماسكه إلى منظومة من الحقوق، وإلى تطلّع الجميع إلى
الاحترام المتساوي بدلًا من مجتمع تؤلّفه جماعة تجمع بينها معتقدات خاصة وجوهرية، أو تستند إلى نموذج معيّن للمواطنة يكفي لتحمّل هذا العبء. ولعلّ النسخة الأكثر إثارة للإعجاب من هذا
المثال هي تلك التي يقدّمها تقليد الفلسفة الليبرالية المنحدر عن إيمانويل كانط الذي يعرّف كرامة
الإنسان بالاستقلالية الذاتية؛ فالأشخاص الأحرار يصنعون حياتهم ويحددون قناعاتهم الخاصة بأنفسهم، ولا بد من أن يُستخدم نفوذ الدولة ليصبح ذلك ممكنًا وليس ليمنعه بفرض مجموعة معيّنة
من القناعات المُلزمة. ليس هذا بمثال سلبي صرف أو تشوبه الريبية. ولو كان كذلك لما كان في وسعه أن يجمع في صلب مجتمع واحد أناسًا ذوي قناعات شديدة التباين ولا أن يوفر قوة الدفع التي تحتاج إليها كل المجتمعات
المتسامحة لمحاربة المتعصبين حين لا تكون الأدوات الأخرى كافية. وذلك هو المثال الذي اقترن بأسماء مفكّرين ليبراليين معاصرين، أمثال جون رولز Rawls John وتوماس ناجل Nagel Thomas ورونالد دووركين Ronald Dworkin. في ظل فلسفة التعددية الليبرالية، يبرز التسامح مذهبًا قائمًا على مبادئ يقتضي من مواطنيه الإيمان
بقيمة معيّنة ربما لا تكون قيمة التسامح ذاتها بل قيمة أكثر جوهرية منها، وهي الاستقلالية الذاتية.
ولأن هذه القيمة تُعتبر مفهومة ومشتركة، يتضمن هذا الفهم لدور التسامح في التعددية الليبرالية صيغة من التسويغ. وينبغي أن يوفر حجة يمكن أن يقبل بها أولئك الذين يرون أنه لا يمكن التسامح مع وجهات نظر شائعة في المجتمع ترفض الليبرالية استخدام نفوذ الدولة لقمعها. وقد عبّر ناجل عن ذلك جيّدًا: "تزعم الليبرالية أنها وجهة نظر تسوّغ التسامح الديني لا للمتشككين
الدينيين فحسب، بل للمتدينين أيضًا، والتسامح الجنسي لا للإباحيين فحسب، بل أيضًا لأولئك الذين يعتقدون أن الجنس خارج الزواج خطيئة. وهي تميّز بين القيم التي يمكن أن يستند إليها الشخص
في تدبير حياته الخاصة وتلك التي يمكن أن يعتمدها في تسويغ ممارسة السلطة السياسية". ولا أحد، بمن في ذلك ناجل نفسه، يعتقد أنّ هذا سيكون ممكنًا في كل الأحوال. ولا بد من أن تتوافر حدود، على أي حال، لمدى قدرة الدولة الليبرالية على النأي بنفسها عن المسائل المثيرة للخلاف الأخلاقي. وهناك بعض المسائل، مثل الإجهاض، التي لم تفلح فيها هذه الدولة في أن تلتزم الحياد مهما بذلت من جهد. فيمكنها أن تُدخل تمييزًا في قوانينها بين الظروف المختلفة للإجهاض، لكنّ ذلك لن يمنع من أن يظل بعض الأفراد مقتنعين اقتناعًا جازمًا أنّ ضربًا من الأفعال ينبغي أن يكون
مسموحًا به قانونًا، في حين يظل بعض آخر على نفس الدرجة من الاقتناع بأنّ تلك الأفعال ينبغي أن
تُحظر. لا يستطيع أيّ مجتمع الامتناع، في مثل هذه المواضيع، عن القيام باختيارات حاسمة تكون
ذات صبغة جماعية. وسوف تطرح أسئلة لا تقلّ صعوبة فيما يتصل بالتعليم، حيث يرى الليبراليون أنّ الاستقلالية الذاتية لبعض الجماعات الدينية الأصولية، على سبيل المثال، في تربية أطفالها على معتقداتها الخاصة تتعارض مع حرية هؤلاء الأطفال في اختيار معتقداتهم (ويمكن التعبير عن مثل هذه المشاكل من خلال مفردات حقوق الجماعات). ولا يستطيع أيّ مجتمع أن يتجنب الاختيارات
الجماعية الجوهرية في مسائل من هذا القبيل، وبهذا المعنى يكون للتسامح في مثل هذه القضايا حدود، حتى لو استمر الناس في احترام آراء بعضهم. إن وجود بعض الحالات التي قد تكون مستحيلة على هذا النحو لا ينفي بالضرورة التسامح الليبرالي. ولا توجد حجة مبدئية لإثبات أنه إذا كان (أ) يعتقد أنّ ممارسة معيّنة خاطئة وكان (ب) يعتقد أنّ
هذه الممارسة صحيحة، ينبغي ل (أ) أن يعتقد أنّ على الدولة واجب قمع هذه الممارسة، أو أنّ على (ب) أن يعتقد أنه ينبغي للدولة أن تعزز هذه الممارسة. ومع أن هذه الاعتبارات تقع على مستويات مختلفة، فإننا نجد حجة شهيرة مفادها أن المثال الليبرالي مستحيل من حيث المبدأ؛ إذ إنّ بعض
(3) Thomas Nagel, Equality and Partiality (Oxford: Oxford University Press, 1991), p. 156.
منتقدي الليبرالية يزعمون أنّ الدولة التعددية الليبرالية، باعتبار أنه يُفترض أن تكون تشريعًا للتسامح،
لا وجود لها حقًا. فهم يقولون إنّ ما يحدث يتمثل في أنّ الدولة تفرض على نحو خفيّ مجموعة
من المبادئ (تقريبًا لمصلحة الاختيار الفردي، على الأقل اختيار المستهلك، والتعاون الاجتماعي،
والفاعلية الاقتصادية)، بينما تتضاءل القناعات التي كان الناس يعتنقونها بعمق سابقًا، سواء فيما يتعلق بمسائل الدين أو السلوك الجنسي أو أهمية التجربة الثقافية، لتُردّ إلى أذواق خاصة. وفق هذه الصورة،
سوف تقترب الليبرالية من أن تكون "مجرد عقيدة منغلقة أخرى"، وهي العبارة التي استخدمها رولز بالتحديد حين بيّن ما ينبغي لليبرالية أن تتجنّب التحوّل إليه. ما الحجة التي يدعم بها الناقد قوله إنّ الدولة الليبرالية "تفرض بدهاء" مجموعة من المواقف بدلًا من أخرى؟ يميز ناجل على نحو جليّ بين فرض أمر مثل الفردانية، من ناحية، وممارسات التسامح
الليبرالي، من ناحية أخرى، رغم أنه يقرّ بصدقٍ وعن حق بأنّ الممارسات التعليمية، على سبيل المثال،
للدولة الليبرالية ليست "متساوية من حيث آثارها". وهذا التمييز مهمّ، ويمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا
على صعيد الممارسة العملية. فأن تُهدَى أو تُكرَه من جانب فردانية مناضلة ليس كأن ترى محيطك
الديني التقليدي يجرفه المجتمع الليبرالي الحديث. فلا بدّ من أن يعترف معارضو الليبرالية بأنّ هناك ما يستحق النظر في هذا التمييز، لكن لا يعني ذلك أنهم سيقتنعون باستخدام الليبراليين لهذا التمييز، وذلك لأنه ليس تمييزًا محايدًا في روحه بل هو متحيّز على نحو غير متناظر للاتجاه الليبرالي؛ إذ
إنه يعير الاختلاف في الإجراءات الكثير من الاهتمام، في حين أنّ ما يهمّ المؤمن غير الليبرالي هو
الاختلاف في النتيجة. أشك فيما إذا كان في وسعنا أن نعثر على حجّة مبدئية تلبّي الأهداف الأكثر
نقاءً وقوةً لقيمة التسامح الليبرالي، أي تكون حجّة لا تعتمد على الشك أو على موازين القوة، ويمكنها
أيضًا من حيث المبدأ أن تشرح لأناس عقلانيين لم تكن أعمق قناعاتهم لمصلحة الاستقلال الفردي والقيم المرتبطة به أنه ينبغي لهم أن يدركوا أنّ من الأفضل للدولة أن تترك قيمهم تتفسّخ بدلًا من أن
تتكفّل بفرضها أو حمايتها. إذا كان ينبغي الدفاع عن التسامح من حيث هو ممارسة على أساس أنه قيمة، يجب حينها الاستعانة بآراء جوهرية حول الخير، وتحديدًا، الاستقلالية الذاتية بوصفها خيرًا. وستتسع هذه الآراء لتشمل
تقييم الصفات والفضائل المقترنة بالتسامح ودلالتها، وستشمل أيضًا الممارسات السياسية المتمثلة في فرض وجهات نظر جوهرية متباينة أو رفض فرضها. ولا يعني ذلك أنّ القيم الجوهرية للاستقلال الفردي مضللة أو فاقدة للأساس، بل إنّ هذه القيم، مثل غيرها، يمكن أن تُرفض، وبقدر ما يستند التسامح إليها يُرفض هو أيضًا. فلا يمكن أن تستند ممارسة التسامح إلى قيمة مثل الاستقلالية الذاتية،
وأن تأمل في الوقت نفسه أن تنأى بنفسها عن الخلافات الجوهرية حول الخير. وهذا تناقض حقيقي؛ لأنّ النظرة الجوهرية لخير مثل الاستقلالية الذاتية هي وحدها التي تستطيع أن تمدّنا بالقيمة التي يعبّر
عنها من خلال ممارسات التسامح. وفي ضوء ذلك، من اليسير أن نفهم على نحو أفضل سبب الاستعصاء أو الصعوبة الشديدة التي كانت تلازم تصوّر التسامح بوصفه فضيلة أو موقفًا شخصيًا. فقد بدا الأمر مستعصيًا؛ لأنه يقتضي، على
ما يبدو، أن يعتبر الشخص أن اعتقادًا أو ممارسة ما خاطئة أو سيئة تمامًا، وفي الوقت نفسه، أنّ خيرًا
جوهريًا يمكن أن يحصل بالسماح لها بالتحقق. ولا ينطوي ذلك على تناقض إذا كان الخير لا يكمن
في استمرار هذا الاعتقاد بل يتجسد في الاستقلالية الذاتية للمؤمن الآخر. يمكن أن يعتقد الناس، على نحو منسجم، أنّ وجهة نظر أو موقفًا ما يتضمن خطأ جسيمًا وأنّ انتشاره ينبغي له أن يكون مسموحًا به
إذا كانوا يتبنّون أيضًا قيمة جوهرية أخرى مرحّبة بالاستقلالية الذاتية Autonomy للمؤمنين الآخرين
أو باستقلالهم Independence. إنّ ممارسة التسامح بوصفه فضيلة، وبهذا المعنى الإيمان به من حيث هو قيمة في حد ذاته، لا تتضمن بالضرورة تناقضًا، رغم أنه قد ينطوي في حالة ما على ذلك الشيء المألوف وهو تنازع الخيرات. ومع ذلك، لا يمكننا الجمع بين هذا الفهم للتسامح الليبرالي والفكرة القائلة إنه يسمو فوق نزاع القيم. وينتج هذا الفهمُ المشكلةَ المألوفة المتمثلة في أنّ الآخرين قد لا يشاركون وجهة النظر الليبرالية بشأن
هذه الخيرات المختلفة، وعلى وجه الخصوص أنّ الأشخاص الذين يتعيّن على الليبرالي أن يتسامح
معهم، هم، على وجه التحديد، أولئك الذين لا يرجّح أن يشاركوه وجهة نظر الليبرالية حول خير
الاستقلالية الذاتية الذي يشكّل أساس التسامح بقدر ما يعبّر عن قيمة ما. ولن يمنحهم الليبرالي، وفق
هذا التصور للتسامح سببًا لتثمين التسامح إذا كانوا لا يشاركونه بقية القيم الأخرى. بناءً على ما تقدّم يصحّ القول، كما رأينا، إنّ ممارسة التسامح لا تستند بالضرورة إلى أيّ قيمة أخلاقية
من هذا القبيل. ويمكن أن تدعمها اعتبارات هوبزية حول ما هو ممكن أو مرغوب فيه لإنفاذ القوانين أو ربما اللامبالاة القائمة على الريبة حيال القضايا التي تنطوي على خلاف. ومع تصاعد اللامبالاة وتفشّي الارتياب سنصل، بطبيعة الحال، إلى مرحلة لا يهتم فيها أحد بالخلافات بالقدر الكافي، بحيث لا يبقى ما يستوجب التسامح، ويغدو التسامح غير ضروري. ومن المهمّ أيضًا أنّ مطالب التسامح
لا تظهر في سياقات لا توجد فيها قيم أو فضائل أخرى. فربما يكون للبؤس والقسوة والغباء الواضح الملازم لغياب التسامح تأثير في بعض الأشخاص، في ظل ظروف مواتية، حتى إذا لم يكونوا ملتزمين بالتسامح باعتباره قيمة جوهرية، أو باحترام الاستقلالية الذاتية التي يقوم عليها التسامح بوصفه فضيلة. فبصفته فضيلة، يوفر التسامح ضربًا خاصًا من التأسيس لممارسته يكون ذا طابع كانطي مميّز، ليس
من حيث أصوله فحسب بل من حيث ما يتطلبه. إنّ قيمته تكمن جزئيًا في صعوبته، وفيما يقتضيه؛ إذ
ينبغي للمرء الذي يسعى إلى تحقيقه أن يسمو، لا على رغباته الخاصة فحسب، بل أيضًا على تطلّعه إلى ضمان التعبير الكامل عن قيمه الخاصة. لعلّ أفضل الآمال في التسامح من حيث هو ممارسة لا تكمن في هذه الفضيلة وما تقتضيه من مزج بين روح التسامح الخالصة وكراهية المرء لما يجب التسامح فيه، بل في الحداثة ذاتها وفي صنيعتها الرئيسة، المجتمع التجاري الدولي. فلا يزال من الممكن الاعتقاد أنّ بنى هذا النظام الدولي تحثّ على الريبة حيال المطالب سواء أكانت دينية أم غير دينية بالامتياز الحصري، وحيال دوافع أولئك الذين يرفعونها. ومن شأن ذلك أن يساعد فعلًا على التشجيع على ضبط النفس داخل الأديان ذاتها؛ إذ إنه عندما توضع هذه الريبية في تقابل مع الأضرار الواضحة الناجمة عن التعصب، يتوافر أساس
لممارسة التسامح يرتبط بالليبرالية، لكنه يكون أقل طموحًا من القيمة الخالصة للتسامح الليبرالي
التي تقوم على الإيمان بالاستقلالية الذاتية. ويقترب هذا الأساس كثيرًا من تقليد يمكن إرجاع أصوله
إلى مونتسكيو Montesquieu وكونستانت Constant أطلقت عليه الراحلة جوديث شكلار Judith Shklar اسم "ليبرالية الخوف". من المهم التساؤل إذا ما كان التسامح مشكلة مؤقتة. فربما يتبين أن التسامح كان قيمة مؤقتة تخدم فترة
تقع بين ماضٍ لم يسمع فيه أحد به ومستقبل لن يحتاج فيه أحد إليه. وفي الوقت الحاضر، تبدو فكرة اضمحلال وجهات النظر المتعصبة في العالم غير قابلة للتصديق؛ إذ إن وجهات النظر هذه لا تزال تفرض نفسها على نحو ملحوظ. وإذا كانت هذه التصورات ناجحة إلى الحد الكافي، فلن يكون عندها مكان كبير للتسامح وسيكون المتسامحون هم الذين يطالبون، بلا أمل، بالتسامح معهم. ومن المرجّح، على المدى المتوسط، أن نواجه وضعًا يحتدم فيه الصراع بين تسامح ليبرالي ووجهات نظر
متعصبة من مختلف الأنواع. وكما أشرت في وقت سابق، فإنّ من الأمور التي يجعلها النظام الدولي الحديث شبه مستحيلة هو أن يُفرض رأيٌ واحد على مجتمع ما، ويستمر ذلك مدة طويلة من الزمن.
وسيكون من المتعذّر، مقارنة بالماضي، أن تتزامن لفترة طويلة بيئة ثقافية قائمة على معتقدات متعصبة مع مركز نفوذ دولة ما، من دون أن تخترقها التأثيرات الخارجية. ومن الأرجح أن يتعايش الليبراليون ومعارضوهم على أسس أوثق داخل حدود وطنية خاضعة لسيطرة مشدّدة. وفي ظل هذه الظروف، من المرجح أن يظل التسامح وممارساته المتناقضة في الوقت نفسه ضروريًا
وممكنًا إلى حٍّدٍ ما. وإذا كان الأمر كذلك فسيبدو جليًا، على نحو أوضح عند التركيز على الحالة
الخاصة للولايات المتحدة، أنه لا ينبغي لممارسة التسامح أن تتأسس على مبدأ خالص يقوم على فكرة الاستقلالية الذاتية وحدها، بل على مجموعة من الموارد أكثر تنوّعًا واتساعًا. وتشمل هذه
الموارد ريبية نشطة ضد التعصب وادّعاءات مناصريه، واقتناعًا بأنّ المخاطر المترتبة على غيابه بيّنة،
والقدرة على تذكير الجماعات الأشد تطرفًا، على نحو يوازي طريقة هوبز، بأنها ستضطر في النهاية إلى أن تقبل بالتعايش.
References
المراجع
Heyd, David (ed.). Toleration: An Illusive Virtue. Princeton: Princeton University Press, 1996. Nagel, Thomas. Equality and Partiality. Oxford: Oxford University Press, 1991. Rosenblum, Nancy L. (ed.). Liberalism and the Moral Life. Cambridge: Harvard University Press, 1989.
(((ينظر:
Judith N. Shklar, "The Liberalism of Fear," in: Nancy L. Rosenblum (ed.), Liberalism and the Moral Life (Cambridge: Harvard University Press, 1989).