مراجعة كتاب: نماذج الديمقراطية
Book Review: Models of Democracy by David Held
الملخّص
عنوان الكتاب: نماذج الديمقراطية. تأليف: ديفيد هيلد. ترجمة: فاضل جتكر الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2024. الصفحات: 560.
Abstract
Title: Models of Democracy Author: David Held Translator: Fadel Jatkar Publisher: ACRPS Date: 2024 Pages: 560
- الديمقراطية
- الفلسفة السياسية
- الديمقراطيات الحديثة
- الديمقراطية الليبرالية
عنوان الكتاب: نماذج الديمقراطية. تأليف: ديفيد هيلد. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2.024 الصفحات:.560
مقدمة
نماذج الديمقراطية يجمع كتاب ديفيد هيلد David Held بين دفّتيه مراحل نشوء فكرة الديمقراطية وتطوّرها بوصفها نموذجًا من نماذج الحكم السياسي والممارسة السياسية في المجتمع. ويتبنى المؤلف المنهج السردي والتحليلي المكثف لفكرة الديمقراطية، فقد انطلق من الفلسفة الكلاسيكية ليصل إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، محاولًا التركيز على آراء أبرز المنظّرين والمفكّرين السياسيين لكل مرحلة وأفكارهم. ويقدّم نماذج متعددة من الفكر السياسي للديمقراطية بوصفها إحدى أدوات الحكم والممارسة السياسية في المجتمع الغربي. ينطوي الكتاب على "هدفين رئيسين: الأول تقديم مدخل للأفكار المركزية عن الديمقراطية، خصوصًا تلك النابعة من التراث الغربي، من قدامى الإغريق إلى يومنا الحاضر، والثاني تقديم سرد للأفكار الديمقراطية المتعاقبة ابتغاء معالجة المسألة المثارة مباشرة في نهاية الكتاب: ما الذي تعنية الديمقراطية اليوم؟" (ص. 18) تمثّل الديمقراطية تجسيدًا عمليًا واقعيًا لنظام الحكم السياسي في المجتمع؛ فهيلد يرى أنّ الديمقراطية السياسية ليست واحدة على الإطلاق، بل إنّ هناك نماذج وأشك لًا لديمقراطيات متعددة ومتمايزة، بتعدد المذاهب والمدارس الفلسفية والأفكار السياسية، "فسائر أنواع النظم السياسية في طول العالم وعرضه تصف نفسها بالديمقراطية. غير أنّ ما تقوله هذه النظم وتفعله يتباين غالبًا، على نحو جوهري بين نظام وآخر" (ص. 21)؛ ما يجعل الديمقراطية حمّالة أوجه فكرية متغايرة ومتعارضة وفقًا لخصوصية كل مجتمع وظروفه الراهنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وموقعه بين دول العالم، من هنا يمكن القول إن الديمقراطية هي إحدى الفلسفات السياسية العملية التي تحاول وضع نموذج متوازن أو إطار شامل لشكل الحكم السياسي والممارسة السياسية في المجتمع. وبناء على ذلك، سنعرض بعض النماذج الديمقراطية في الكتاب التي تناولت أهم النماذج وأهم النظريات، وآراء المفكرين السياسيين في هذا المجال.
أولا: الديمقراطية الكلاسيكية في أثينا
يتناول الفصل الأول الديمقراطية الأثينية، فمن البديهي أن يعود بنا العقل السياسي إلى تاريخ الديمقراطية ومنبعها الأول المتمثل بالفكر السياسي الإغريقي المحمّل بالمثُل والأهداف السياسية، وأثينا كانت نموذجًا رائعًا لذلك، ففي إحدى الخطب التي ألقاها "بريكليس الذي كان مواطنًا وجنر لًا وسياسيًا أثينيًا مرموقًا [...] [والذي كان يشيد] بنقاط قوة أثينا السياسية وأهميتها" (ص. 93)، يعبّر عن فخره واعتزازه بأنه مواطن أثيني، فيقول: "اسمحو لي أن أقول إن نظام حكمنا ليس نسخة عن مؤسسات جيراننا. لعلّنا أميَل إلى أن نشكّل نموذجًا للآخرين، بدلًا من أن نقلّد أحدًا آخر. يحمل دستورنا اسم الديمقراطية، لأن السلطة هي بأيدي الشعب كله، لا بين أيدي أقلّية ما" (ص. 39) ووفقًا لهذا الخطاب الممزوج بالفخر والاعتزاز يطرح هيلد السؤال التالي: كيف أنتج الإغريق فلسفتهم الديمقراطية؟ وكيف تجلّت الديمقراطية في أثينا في أبهى صورها المثالية والأخلاقية
السياسية في تلك الحقبة الغابرة من الزمن؟ وهذا سؤال مهمّ، فلا بد من معرفة بعض العوامل والأسباب الكامنة وراء ظهور الديمقراطية الأثينية بهذا الشكل من النظام السياسي والممارسة السياسية في المجتمع. نعلم من خلال معرفتنا بالحاضر أنّ الاقتصاد يمثّل عصب الحياة السياسية لأيّ نظام سياسي. وبناء عليه، فإن نهوض الاقتصاد اليوناني، بما اتسم به من شمول وتنوّع في مجالات المناجم والصيد والزراعة، إلى جانب عدد من الصناعات المهنية والحرف اليدوية التي كانت تعتمد في معظمها آنذاك على العمل القسري للعبيد، فضلًا عن انتشار التعليم في أثينا، أسهم كل ذلك في تمكين الناس من تيسير الموارد الاقتصادية وإدارتها. وقد أدى هذا التقدم إلى تجسيد فكرة الديمقراطية من جهة، وتعزيز شعور الجماعات بالانتماء إلى وطن يحتضنهم ويجمعهم من جهة أخرى. وهكذا نشأت لديهم هوية وطنية أو قومية، مقرونة بشعور بالألفة والتضامن المشترك تجاه أنفسهم وتجاه مدينتهم؛ أي دولتهم (ص. 38) وهكذا، فإنّ شعور الجماعات بالانتماء إلى المدينة أو الوطن الواحد قد أسهم في ترسيخ ما يُعرف بمبدأ الخير العام أو بتعبير أدقّ "مبدأ الفضيلة المدنية"، الذي يقوم على الولاء المطلق للمدينة؛ أي الدولة أو الجمهورية الأثينية، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية. ويُعدّ هذا المبدأ أحد الأهداف الأخلاقية والمثل السياسية التي شكّلت جوهر الديمقراطية الأثينية؛ إذ إنها حوّلت الفرد، بوصفه فردًا، إلى مواطن صالح قبل كل شيء. كما تجلّت هذه القيم في رؤية الحكّام لأنفسهم بوصفهم جزءًا من المحكومين، لا سادة عليهم؛ فلا أحد فوق مفهوم المدينة (الدولة)، بل يخضع الجميع للمحاسبة القانونية ويتمتع بنفس القدر من الحرية والمساواة. وكانت هذه المبادئ من بين العوامل التي ساعدت على نجاح التجربة الديمقراطية في أثينا (ص. 40) إنّ شعور الأفراد أو الجماعات بالانتماء إلى المدينة يعني أنّ الأخلاق والسياسة في أثينا متداخلتان لا انفكاك بينهما على الإطلاق. وقد تحدّث عنهما أفلاطون في كتبه: الجمهورية والقوانين The Laws، وأرسطو كذلك في كتابه السياسة Politics، والحديث عن الديمقراطية من وجهتَي نظر أفلاطون وأرسطو والنقد الموجّه إليهما يطول كثيرًا، فأفلاطون كان يركز أكثر على صيغة الحكم السياسي، فالحكم يجب أن يكون بيد الفئة القليلة، وهم الفلاسفة الحكماء؛ لأنهم هم القادرون على توجيه دفّة السفينة التي يشبّهها بالدولة، وفي هذه الحالة لا تجدي الديمقراطية كثيرًا في رأيه، فربما تكون ضياعًا لبوصلة المدينة (ص. 60). أما أرسطو فكان يركز أكثر على الحرّية والمساواة لدى الأفراد والجماعات داخل المجتمع السياسي. وبهذا المعنى وبعيدًا عن النقد، "فالديمقراطية تعني صيغة للحكم تكون فيها السلطة للشعب، بدلًا من الملوك والطبقات الأرستقراطية. والديمقراطية تستتبع وجود جماعة سياسية يتمتع أفرادها بنوع من المساواة السياسية" (ص. 22) إن هذا الطرح عن الديمقراطية السياسية الأثينية كان لا بد أن يتَّوَج بالمثُل والأهداف السياسية "الخير العام أو مبدأ الفضيلة المدنية" التي قوامها الممارسة الأخلاقية والسياسية لنظام الحكم، فأثينا كانت مركزًا متطورًا ومميزًا من باقي المدن الإغريقية الأخرى، "فمثُل أثينا السياسية والمساواة
بين المواطنين والحرية واحترام القانون والعدالة، أثّرت في التفكير السياسي في الغرب" (ص. 38)
ثانيًا: الدولة الحديثة ونماذج الحكم الديمقراطي
يركز الفصل الثاني على ظهور الدولة الديمقراطية الحديثة وعلى حالة الصراع الطويل بين الخطاب الكنيسي والخطاب النهضوي. ففي ضوء الحديث عن الديمقراطية الغربية، كان لا بد من التطرق أولًا إلى دور الكنيسة التي أدّت دورًا مهًّمًا في تغيير الفكر الديمقراطي وتغييبه، فخطاب الفعل للكنيسة كان خطابًا دينيًا أكثر منه سياسيًا؛ إذ إنه كان موجّهًا إلى السماء "عالم الرب" وليس إلى الأرض "الدولة" بوصفها المجتمع الإنساني، وتحوّل الإنسان في الفكر الكنيسي اللاهوتي من مواطن خاضع لسلطة قانون المدينة "الدولة" إلى كائن ممتثل لمشيئة الرب وسلطانه. وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح في كتاب مدينة الله The City of God للقدّيس أوغسطين. يرى أوغسطين أنّ تاريخ الكنيسة مسار الله ومشيئته في العالم، واستعاض عن مفهوم الخير أو "مبدأ الفضيلة المدنية" الناتج من الفعل السياسي في المدينة "الدولة" بالخير الكامن في الخضوع للمشيئة الإلهية (ص. 66). ومع مرور الوقت، أدى هذا الطرح الديني إلى أفول نجم الإنسان السياسي في أوروبا في العصور الوسطى، كما يصوّره بعض المفكرين السياسيين في الغرب. بيد أن هذا الأفول لم يكن نهاية مطاف الإنسان الغربي؛ إذ إنه سرعان ما نهض من جديد ليبعث مفهومًا مغايرًا لنظام الحكم والممارسة السياسية في المجتمع والدولة. وبناءً على حالة الصراع بين رجال الكنيسة وكهنتها ومفكري النهضة، مرّت الدولة الحديثة بأطوار عديدة ومخاضات عسيرة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، فمن سيادة الحكم المطلق المستبد ذي البعد الواحد إلى سيادة القوانين الدستورية، ومن الصراع بين القوى التي ترى أن الدين هو الحكم الأمثل، إلى القوى الدنيوية ذات النزعة العلمانية التي ترى أن الديمقراطية هي الحكم الأمثل للمجتمع والدولة. وكان الصراع والتنافس حول السلطة السياسية وطبيعة نموذج الحكم في المجتمع والدولة. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أهم فكرتين مختصرتين يمثّلهما فكران أو مدرستان سياسيتان للحكم والسلطة، هما فكر النزعة "الديمقراطية الجمهورية"، وفكر النزعة "الديمقراطية الليبرالية".
1. نموذج الديمقراطية الجمهورية
يتابع الفصل الثاني الحديث عن الديمقراطية الجمهورية، فقد ترافق ظهور الدولة الحديثة في الغرب مع صعود الدول القومية من جهة، وتنامي حركة الإصلاح الديني من جهة أخرى (ص. 69). وبناء على ذلك شهد عصر النهضة بروز ما يُعرف بالنزعة الجمهورية، التي تؤيد النزعة المطلقة في سلطة الحكم، والتي تقرّ "بارتكاز حرية أيّ جماعة سياسية إلى عدم خضوعها للمحاسبة من أي سلطة سوى سلطة الجماعة نفسها. فحكم الذات هو أساس الحرية، تمامًا مع حق المواطنين في المشاركة، داخل إطار مؤسسي يوزع الأدوار على نحو متمايز بين القوى الاجتماعية الرئيسة، بما يضمن إدارة شؤونهم المشتركة" (ص. 74) ومن أبرز المفكرين السياسيين من ذوي النزعة الجمهورية في عصر النهضة الأوروبية، الذين مثّلت أطروحاتهم السياسية أساسًا مهًّمًا لإعادة صياغة مفاهيم الحكم في تلك المرحلة، هما
نيكولو مكيافيلي 527–1469(1)، وجان جاك روسو (8–1712177). فقد عُرف مكيافيلي في كتابه الشهير الأمير بأنه من أنصار الحكم الذاتي والسعي نحو المجد السياسي والسيادة، وعلى الرغم من تفضيله الحرية على الاستبداد، فإنه يرى أنّ "الاستبداد قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان من أجل الحفاظ على الحرية ذاتها" (ص. 88). إن هذا التبرير للحفاظ على الحرية هو نقد مُبطن للديمقراطية من جهة، وفي الوقت نفسه تسويغ للاستبداد و"الحكم المطلق" من قبل الحاكم من جهة أخرى. أما روسو في كتابه العقد الاجتماعي فيرى أنّ فكرة الإجماع أو التوافق بين الناس على صيغة التعاون والعيش المشترك هي تأسيس أصيل للحرية والحفاظ عليها، فالعقد الاجتماعي هو الضامن الحقيقي لسير الحياة الطبيعية بين الناس في مجتمع يتقاسمون فيه قوت يومهم وينعمون فيه بالأمن والسلام. بيد أنّ فكرة العقد هذه بوصفها نموذجًا للتوافق والتعاون بين الجماعات في حد ذاتها لا تكفي، فلا بد في النهاية من تأسيس هيئة شرعية تحفظ القانون وتعامل جميع الأفراد بالتساوي من دون تمييز، كما أنها تمنحهم فرصة تطوير قدراتهم وإبداعاتهم. ومن ثم، فإنّ فكرة العقد الاجتماعي، بوصفها اتفاقًا على العيش المشترك، يجب أن ترسّخ مبدَأي الحرية والمساواة بين المواطنين أنفسهم؛ لضمان استقرار هذا العقد والامتثال لقوانينه ومبادئه (ص. 92). ومن ثم، فإنّ فكرة العقد الاجتماعي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع الحديث، الذي يضمن حريات الأفراد ويحميهم من غطرسة بعضهم على بعض.
2. نموذج الديمقراطية الليبرالية
أمّا الفصل الثالث فيركّز على معنى الديمقراطية الليبرالية بوصفها أحد أشكال التنظيم والحكم السياسي الذي يقوم على "الدفاع عن قيم حرية الاختيار والعقل والتسامح، في مواجهة الطغيان، أي الحكم المطلق والتعصب الديني" (ص. 6)11 فالليبرالية أخذت تعاين المجتمع وتراقبه عن كثب؛ انطلاقًا من إيمانها بأنه كان خاضعًا لسلطات دينية تحتكرها الكنيسة من جهة، ولنظام حكم ملكي استبدادي من جهة أخرى. ومن هنا، جاء مشروعها التقدمي ليسلك اتجاهَين: أولهما، السعي إلى إرساء توازن وربط بين "الدولة ذات السيادة" و"الشعب صاحب السيادة"، وثانيهما، تحرير الكيان السياسي من قبضة الدين وتحرير المجتمع المدني بما يشمله من "الحياة الشخصية والعائلية والعملية"، من تدخلات السياسة (ص. 116) ومن أبرز المفكرين السياسيين الذين سعت أفكارهم إلى التماهي مع النزعة الليبرالية، توماس هوبز الذي يرى في كتابه اللفياثان Leviathan أنّ السلوك البشري تحكمه نزعة أنانية يغلب عليها حب التملك والسعي إلى السلطة والنفوذ؛ ما يؤدي إلى صراعات دامية ومتواصلة، تسود فيها شريعة القويّ على الضعيف، والأكثرية على الأقلّية. ويشبّه هوبز هذه الحالة ب "حرب الجميع ضد الجميع"، ولتفادي هذا الوضع الفوضوي، يرى أنه لا بد من سنّ قوانين تحفظ الأفراد من اعتداء بعضهم على بعض، ولا يتحقق ذلك، في نظره، إلا إذا تنازل الأفراد طوعًا عن حقوقهم لمصلحة سلطة عليا موحّدة، مخوّلة بفرض النظام وتحتكم إلى القانون، بما يكفل الأمن والسلام للجميع. وهكذا، فإنّ هذا التصوّر يُعدّ
قريبًا من الرؤية الليبرالية الحديثة التي تسعى إلى التوفيق بين الحرية الفردية من جهة وسلطة الدولة الضامنة للنظام العام من جهة أخرى (ص –119
غير أنّ بعض المفكرين من أمثال جون لوك يرى في موقف هوبز نزعة مطلقة لتأسيس سلطة الحاكم المستبد، وهي نزعة مشابهة لنزعة مكيافيلي. يرى لوكأنّ الأفراد عاشوا، في الأصل، في حالة طبيعية يسودها الانسجام والألفة؛ إذ إنهم ينظّمون أفعالهم ويتصرفون في ممتلكاتهم استنادًا إلى قانون الطبيعة. وكانت حرّيتهم في هذا السياق نابعة من القانون الطبيعي الذي وُلدوا عليه وتوافقوا حوله، لا من سلطة مطلقة مفروضة عليهم، ف "السلطة المطلقة التي تُمنح لحاكم بشري تؤدي بالضرورة إلى الاستبداد"، فحريتهم لا تعفيهم من الالتزام بقانون الطبيعة الذي يقوم على مبدأ السلم لا الحرب، فهذا القانون يعبّر عن انسجام الأفراد وتعاونهم، ويلزمهم، أمام الله وأمام القانون الطبيعي، باحترام حقوق بعضهم، وعليهم أن يدركوا هذا القانون الطبيعي عن طريق العقل الذي وهبه الله لهم، فالله وهب الإنسان حق الحياة والحرية والعقل والتملّك (ص 12223–.)1 بناء عليه، يختلف لوك عن هوبز الذي أيّد وجود سلطة عليا تُفرض على الجميع؛ بحجة أنّ الأفراد يتملّكهم حب الأنانية والنزوع نحو السلطة والتمرد. في المقابل، كان لوك، الذي أيّد الثورة الإنكليزية عام 6881، يرفض مبدأ السلطة المطلقة التي تهيمن على مختلف مجالات الحياة والمؤسسات، فمؤسسة الحكم، في رأيه، "يجب أن يُنظر إليها بوصفها 'أداة' للدفاع عن 'حياة المواطنين وحرياتهم وملكياتهم'؛ بمعنى أنّ علّة وجود الحكومة هي حماية حقوق الأفراد التي رسمتها إرادة الله وكرّسها القانون" (ص. 122). ويعني ذلك أنه يؤيد فرض قيود دستورية على سلطة الملك أو الحاكم، فهو يسعى في نهاية المطاف إلى بناء مؤسسة الحكم السياسي في المجتمع على مبدأ المواطنة، وبناء الدولة على مبدأ القانون والدستور، وتُعدّ رؤيته السياسية هذه تمهيدًا لفكرة الحكم الديمقراطي التمثيلي، الذي تطوّر لاحقًا خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ثالثًا: الديمقراطية التمثيلية
يتابع الفصل الثالث الحديث عن الديمقراطية التمثيلية في القرن العشرين بوصفها ردة فعل سياسية أكثر وعيًا في مواجهة السلطة المطلقة؛ إذ إن جون ستيوارتمِل، أحد أنصار الديمقراطية التمثيلية، يرى أن السلطة المطلقة تقوّض النزعة أو الحرية الفردية عند الفرد، وتهدّد كرامة الإنسان وجوهر حريته؛ لأنه "من الصعب على المرء أن يكتشف حاجاته ومطالبه، وأن يتوصل إلى أحكام مدروسة ومجرّبة، وأن يطوّر أساليبه وأدواته، على مختلف الصّعد الفكرية والعملية والأخلاقية والمعنوية، في ظل غياب فرص المشاركة الفعلية في عملية تنظيم الشؤون التي تعنيه" (ص. 153) بناءً على ذلك، يدعو مِل الأفراد إلى المشاركة السياسية في الديمقراطية التمثيلية أو التمثيل الفعّال في مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدفاع عن حقوقهم ومصالحهم للحدّ من توغّل أيّ سلطة مطلقة للدولة، فنحن
اليوم لا نواجه سلطة الدولة فقط، بل هناك سلطة الرأسمالية العالمية التي تفتعل الأزمات السياسية والاقتصادية في العالم؛ ولهذا ترى نانسي فريزر أنّ "فهم أزمة الديمقراطية، مثلًا، لا يكون إّلا بفهمٍ أشمل للأزمة الاجتماعية الكلّية، وبالارتباط الوثيق بالسيرورة الاقتصادية والاجتماعية للنظام الرأسمالي النيوليبرالي القائم على الأمولة العابرة للحدود الوطنية". فالنظام التمثيلي هو نظام تشاركي تعددي منفتح على كل المجالات ويتخذ من حرية الكلام والصحافة والاجتماع أداة لكيان الدولة الديمقراطية الحديثة، كما أنه يحاول إيجاد آليات المراقبة والمحاسبة لعمل السلطات المركزية ومتابعتها وتصويب أخطائها، والعمل على تمثيل الأفراد في برلمانات من أجل حراسة الحرية والحفاظ على كرامة العقل والحوار (ص 58 1)، فالهدف الأساسي عند مِل هو الحفاظ على أمن الأفراد وملكياتهم والعدالة فيما بينهم من جهة، وتفعيل جهاز المراقبة والمحاسبة للحكم من جهة أخرى.
رابعًا: الديمقراطية والنظام الكوني
يتحدث الفصل الحادي عشر عن الخطر والمعوقات التي تقوّض مسار تحقق الديمقراطية في العالم، فنحن نشهد اليوم عالمًا إنسانيًا يبدو كأنه يسير بخطى متسارعة نحو الهاوية. فهل تستطيع الديمقراطية إيقاف هذا الانحدار؟ لا شك في أنّ جميع النظريات السياسية من وجهة نظرنا معنيّة بهذا الأمر، لكن يبدو أنّ دهاء الفكر السياسي هذه المرة قليل الحيلة ومكبّل اليدين، لأنه محاط بنظام كوني تنافسي بين الشرق الشيوعي الذي يدعم الاستبداد والعنف، والغرب الديمقراطي الرأسمالي الذي يدّعي الديمقراطية ويدعم الحرية والقيم الإنسانية من جهة، وظهور الدول القومية وتنامي التحديات الدولية وخصوصًا الإرهاب العابر للحدود وظهور الأصوليات الجهادية بمختلف أصنافها وأديانها، وانفتاح الأسواق الحرة والاقتصاد الرأسمالي العالمي المتنافس للسيطرة على ثروات العالم، وثقافة العولمة، من جهة أخرى (ص. 382) إنّ هذا الواقع يجعل الديمقراطية حبيسة الأنفاس على مفترق طرق شائكة، تواجه فيه جملة من التحديات الكبرى؛ فالأنانية والشجع اللذان يميزان النظام الرأسمالي العالمي أو الدولي اليوم، بما يتضمّنه من تحالفات وتكتلات رأسمالية وعسكرية وسياسية واقتصادية، يعدّان من أخطر التهديدات التي تواجه الدولة الديمقراطية الحديثة. فعندما يتحالف النظام الرأسمالي الذي تمثّله بعض الدول العظمى، أو بعض الشركات العملاقة مع الإرهاب لتوسيع نفوذها الرأسمالي، تُذبح الديمقراطية على مرأى من العالم ويُداس على تاريخ النضال الإنساني من أجل الحرية والعدالة، وتصبح شعارات حقوق الإنسان التي ترفعها الدول التي تدّعي الديمقراطية مجرد ألفاظ فضفاضة جوفاء لا قيمة لها (ص. 490)–486
خاتمة
بما أننا جزء من هذا النظام الكوني العالمي الذي يؤثّر في ثقافتنا وأسلوب حياتنا، لا سيّما في بعدها السياسي، فلا يمكننا الاستمرار في العيش داخل كهف أفلاطون، ولا بعقلية الحاكم الطاغية الذي
يدّعي أنه يتقنٌ فنٌ الحكم وأنه خليفة الله على الأرض. وإذًا تأمّلنا اليوم في عالمنا العٍربي، الذي تمزّقه الحٍروب الطائفية والمذهبية والخلافات والصٍراعات الداخلية على السلطة، وجدناه أبعد ما يكون عنٌ أسس الدولة الديمقٍراطية الحديثة. ما زلنا نٍرزح تحت عقلية العصور الغابٍرة حيث السلطة المطلقة للحاكم، وحيث الإنسان لا يٍرى في السياسة إلاّ امتدادًا لذاته المتضخّمة، في استعادةٍ للشعرٍ الجاهلي في مَدح خلود السلطان بدلا منٌ فهم معاني الشٍراكة والمواطنة والمجتمع المدني. وقد دفع عالمنا العٍربي سيلا منٌ الدماء، كما حدث في سورية، التي مثّلت ثورتها محاولة لاقتلاع جذور الاستبداد الذي تمثّله دولة البعث الأسدية، إحدى أعتى الدكتاتوريات الشوفينية في العالم المعاصرٍ. وكما دفع الغٍرب ثمنٌ تحوّله نحو الديمقٍراطية سيدفع العالم العٍربي
المراجع
بوسلهام، سميرٍ. "مٍراجعة كتاب الٍرأسمالية الكانيبالية: كيف يبتلع نظامنا الديمقٍراطية والٍرعاية والكوكب؟ وما الذي يمكننا فعله في هذا الشأن؟ لنانسي فٍريزر". تبيّن. مج ((، العدد 50 (خٍريف مانسفيلد، هارفي سي. توكفيل: مقدمة قصيرة جدًا. تٍرجمة مصطفى محمد فؤاد. مٍراجعة هاني فتحي سليمان. المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي، (.(0(
هيلد، ديفيد. نماذج الديمقراطية. تٍرجمة فاضل جتكرٍ. الدوحة: المٍركز العٍربي للأبحاث ودراسة السياسات، (.(0(
أيضًا المزيد منٌ التضحيات، إن لم يبٌنِ دولته الديمقٍراطية الحديثة على أسس المواطنة والعيش المشتٍرك والحٍرية والعدالة والمساواة والقانون والمشاركة السياسية.
منٌ هنا، تبٍرز أهمية كتاب نماذج الديمقراطية منٌ أجل بناء نموذج للدولة الحديثة التي تكٍرِس الإنسان بوصفه مواطنًا، لا تابعًا. وعلى العالم العٍربي أن يدرك جيدًا أنّ الديمقٍراطية الحديثة ليست فيٍروسًا عابٍرًا للحدود، يدمّرٍ الجهاز المناعي للدولة المحافظة على الدينٌ والثقافة والأعٍراق والتقاليد، بل هي نموذج منٌ نماذج الفكرٍ السياسي يسعى إلى تأمينٌ سبل العيش المشتٍرك بينٌ المواطنينٌ على أسس المساواة والحٍرية والعدالة وسيادة القانون، وإعادة السلطة إلى الشعب بوصفه المصدر الشٍرعي الأول والأخيرٍ لكلّ حكم.