الأخلاق والسياسة ووسائط التواصل الاجتماعي: دراسة في نطاق المسؤولية الأخلاقية للتفاعل السياسي وحدودها
Ethics, Politics, and Social Media: The Scope of Ethical Responsibility in Political Interaction
الملخّص
تناقش الدراسة الإشكالية الأخلاقية للتفاعل السياسي عبر وسائط التواصل الاجتماعي، مركّّزةًً على حدود المسؤولية الأخلاقية الموزعة بين الحكومات، والشركات المالكة، والمواطنين. تنطلق من فرضية أن الفهم المستنير والاختيار الحر شرطان لفاعلية الديمقراطية، وتبيّّن كيف تُُهدََّد هذه القيم من خلال التلاعب بالمعلومات، والاستهداف الخوارزمي، وفقاعات الترشيح، وتسليع البيانات. تحلل الدراسة علاقة الأخلاق بالسياسة والتكنولوجيا، مقاربةًً بين المذاهب المثالية والواقعية والتفاوضية في صياغة المعايير الأخلاقية. وتخلص إلى أن حماية المجال العام الرقمي تتطلب التوازن بين سيادة الدولة وواجب الشفافية لدى الشركات ومسؤولية المواطن عن وعيه الرقمي وممارساته الاتصالية الرشيدة.
Abstract
Abstract: The paper examines the ethical dilemma of political interaction through social media, focusing on the boundaries of moral responsibility that lie with governments, private corporations, and citizens. It hypothesizes that informed understanding and free choice are prerequisites for the effectiveness of democracy and demonstrates how these values are threatened by disinformation, algorithmic targeting, filter bubbles, and the commodification of data. The paper analyses the relationship between ethics, politics, and technology, comparing idealist, realist, and deliberative approaches to the formulation of ethical standards. It concludes that protecting the digital public sphere requires achieving a balance between state sovereignty, corporate transparency, and the citizen’s responsibility for digital awareness and prudent communicative practices.
- الأخلاق
- السياسة
- الدولة
- وسائط التواصل الاجتماعي
- المواطنة
- Ethics
- Social Media
- State
- Politics
- Citizenship
الاجتماعي، مركّ زةً على حدود المسؤولية الأخلاقية الموزعة بين الحكومات، والشركات
المالكة، والمواطنين. تنطلق من فرضية أن الفهم المستنير والاختيار الحر شرطان لفاعلية
الديمقراطية، وتبيّن كيف تُهَدَّد هذه القيم من خلال التلاعب بالمعلومات، والاستهداف
الخوارزمي، وفقاعات الترشيح، وتسليع البيانات. تحلل الدراسة علاقة الأخلاق بالسياسة
والتكنولوجيا، مقاربةً بين المذاهب المثالية والواقعية والتفاوضية في صياغة المعايير الأخلاقية.
وتخلص إلى أن حماية المجال العام الرقمي تتطلب التوازن بين سيادة الدولة وواجب الشفافية
لدى الشركات ومسؤولية المواطن عن وعيه الرقمي وممارساته الاتصالية الرشيدة.
مقدمة
لطالما كان موضوع الأخلاق في السياسة محل نقاش متواصل يتغذى من التطورات التي تعيشها المجتمعات؛ فقد ظلّ الفكر السياسي يجتهد في التعامل مع موضوع المعضلة الأخلاقية في السياسة، محاولًا في كل مرحلة التعامل مع السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعَّرَضة باستمرار للتغير، والمؤثرة في حدّ ذاتها – على نحو مستمر – في نطاق استحضار الأخلاق
والقيم والغايات في الفعل السياسي. ومن بين التطورات التي تعرفها البشرية انتشار تطويع التكنولوجيا في الاتصال عمومًا، والاتصال
السياسي إحدى صوره متجسدة في وسائط التواصل الاجتماعي؛ فإلى حين أيار/ مايو 2024، يستخدم 4.95 مليارات شخص (نحو 61.4 في المئة) ما متوسطه 6.7 من وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة، بزيادة أكثر من الضعف مقارنةً بسنة 2015 (2.07 مليار). وهذا ما يخلق قلقًا معرفيًا مرتبطًا بتأثيرها في
الديمقراطية وفي جهود الفهم المستنير لتفاصيل التفاعل السياسي. وعلى الرغم من أن القلق المعرفي المرتبط بوسائط التواصل الاجتماعي ليس استثنائيًا ولا هو "نقطة
البداية"؛ ليس استثنائيًا بالنظر إلى ما أحدثته الطباعة، مثلًا، من تغييرات هيكلية في المؤسسات النافذة
في أوروبا خلال عصر النهضة، وليس نقطة البداية بالنظر إلى النقاشات بشأن الآثار السلبية للتكنولوجيا في المجتمع، فإن هذه الوسائط أضافت طبقة أو طبقات من التعقيد، وأثّرت في استدامة النقاشات بشأن أثر الإنترنت في الديمقراطية، والتي يمكن أن تمس المؤسسات السياسية التقليدية والمستحدثة، والقيم والمعارف والسرديات المهيمنة في المجتمعات، إضافةً إلى أثرها في التجسد الفعلي لجوهر الحرية السياسية والقدرة على الاختيار. انطلاقًا من قناعة الحضور القوي لهذه الوسائط بوصفها فضاءً تواصليًا يجمع بين مختلف الفاعلين
السياسيين أولًا، وبوصفها شركات تجارية في ظاهرها ثانيًا، نُقرّ بأن القلق الأخلاقي بشأن مسار التفاعل
السياسي على هذه الوسائط يلقى في كل مرة اعترافات تتعلق بمصدر واستخدامات القدر الهائل من البيانات التي تخلفها البصمة الإلكترونية (ملفات الارتباط، وضوابط الخصوصية الطوعية والتلقائية، ومشاركة معلومات الغير... إلخ)، مُعَّزَزة بمحطات من الاختراق الهائل للبيانات، ووجود طرف ثالث
بات قويًا على نحو يكفي لإدراجه ضمن فواعل السياسة الدولية (الشركات المالكة). ومن هذا المنظور،
تسعى هذه الدراسة لمعالجة الإشكالية التالية: ما نطاق المسؤولية الأخلاقية وحدودها من ناحية جعل التفاعل السياسي عبر وسائط التواصل الاجتماعي قائمًا على الفهم المستنير والقدرة على الاختيار؟ لمناقشة هذا السؤال، نسعى للبحث في توزيع المعايير الأخلاقية للتفاعل السياسي على ثلاثة فواعل أساسية هي الحكومات، والشركات التي تملك الوسائط التواصل الاجتماعي، والمواطن، مفترضين
(2) Brian Dean, "Social Media Usage & Growth Statistics," Backlinko , 21/2/2024, accessed on 21/5/2024, at: https://bit.ly/4c6CLx0
(((نستخدم مصطلح "مواطن"، بدلًا من "فرد"، من أجل إبقاء النقاش في سياق أصحاب المسؤوليات الثلاثة متماسكًا (الدولة،
مالكو الوسائط والمواطن. أي إن استخدام مصطلح "مواطن" يحيلنا إلى مسؤولية الدولة، أما مصطلح "فرد" فلا يفيد ذلك بالضرورة.
أن الفهم المستنير وحرية الاختيار هما اللذان يجعلان "الديمقراطية تعمل"، ويجعلان حرية الرأي والتعبير وغيرها من مُعزِزات تفعيل المبدأ الديمقراطي امتدادًا لواقعها المجتمعي. قد يطرح توظيف المذاهب الأخلاقية لمناقشة الأخلاق السياسية على وسائط التواصل الاجتماعي تحديات منهجية بشأن عمق النقاش في حد ذاته، إلا أنها تقدم خريطة طريق بشأن الأدوار المفترضة لهذه الفواعل في حماية/ انتهاك الحرية باعتبارها الدافع الأخلاقي الأساس. وبناءً عليه، ينبغي
طرح العديد من الأسئلة، منها مثلًا: ما مصدر وسم "أخلاقي"؟ أهو ما توافقت الفواعل على أنه أخلاقي، أم هو ما توافق مع الدين مثلًا، أم أنه ما ترى فيه الحكومات والمالكون تحقيقًا للمصلحة العامة، أم أن الأخلاقي هو كل ما يحفظ للمواطن كرامته (سمو العقل الإنساني)؟ ألمعايير الأخلاق السياسية أن تُصِّنّف الفواعل ذات الصلة بوسائط التواصل الاجتماعي إلى أصحاب حق وحمَلَة
واجب؟ بعبارة أخرى، هل يقع على الحكومات واجب حماية مواطنيها من كل ما قد يجعلهم تابعين أو متطرفين؟ ألا تكون بياناتهم هدفًا لديناميات الاقتصاد السياسي للبيانات؟ هل يكون لها ذلك إن أرادت؟ أيمتد امتياز الاختيار إلى المواطن، أم أنه مستكين لفقاعات الترشيح مجسدًا وصفَ بورغمان إيّاه بأنه "خامل أخلاقيًا"؟ هل نحن بصدد مستوى أعقد من "الحتمية التكنولوجية"
تجعل من الضروري إعادة ترتيب الأطر التفاعلية بين مختلف الفاعلين، فاسحين المجال لتطور طبيعي في التجربة الإنسانية؟ تبدو هذه التساؤلات كثيرة ومترامية المجالات المعرفية، لكنها ضرورية لإبراز التحديات الأخلاقية للتفاعل السياسي في وسائط التواصل الاجتماعي ونطاقها. وكما نفترض، فهي تتوزع على كل الفاعلين. وإن لم تتوافر كاملة في وقتنا الحالي، فالضرورة تفرض وضع إطارها العام، وإلا فإننا سنكون في وضع لاأخلاقي لا يتسم إلا بالسيطرة، والرقابة والمراقبة، وشيوع خطاب الكراهية، واختراق الخصوصية، وانتشار الأخبار الكاذبة والمزيفة، والتلاعب، والتطرف، والاتجار بالبيانات وغيرها من مسببات تقويض الثقة واتساع نطاق الإيمان بنظرية المؤامرة. ومن هنا تأتي أهمية الدراسة؛ فما تبثه الوثائقيات من حقائق على ألْسُن مؤسسين لوسائط التواصل
الاجتماعي يوحي بمستوى متدٍّنّ من الاعتبارات الأخلاقية يصل إلى حد التلاعب والهيمنة، متجاوزًا
مرحلتَي الرقابة والمراقبة على المواطنين، وفي بعض الأحيان على الحكومات (إحداث التغييرات السياسية المرغوب فيها). ثمّ إن الدراسات والأبحاث ذات الطابع العلمي أو الأمني تؤكد ضرورة اعتبار
"المعلومة" مج لًا من مجالات سيادة الدول، وهو ما يلقي بالمسؤولية على الدولة باعتبارها الحيز التقليدي والمنطقي للحماية والحقوق. قُِّسِمت الدراسة إلى أربعة محاور؛ يتضمن المحور الأول تعاملًا مع سؤال: ما السياسي في وسائط
التواصل الاجتماعي؟ موضحًا الصبغة السياسية لوسائط التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالتفاعل
السياسي، وبما له من أثرٍ في التفاعل السياسي من حيث هو مؤسسات وقيم. ويناقش في المحور الثاني ما أنتجه التدفق الهائل للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي من هواجس، وذلك استنادًا إلى
تأثير المعلومة باعتبارها أكثر الصناعات تأثيرًا في التفاعل السياسي منذ بداية اعتبار نشرها صناعة.
أما المحور الثالث، فهو ي بّع تطور النقاشات بشأن ثنائيات التكنولوجيا والسياسة، والسياسة والأخلاق،
والأخلاق والتكنولوجيا. في حين يناقش المحور الأخير حضور الثلاثية (الأخلاق، والسياسة، ووسائط التواصل الاجتماعي)، إضافة إلى مناقشة نطاق الحرية وحدود المسؤولية الأخلاقية، لجعل التفاعل السياسي قائمًا على الفهم المستنير والقدرة على الاختيار.
أولا: ما السياسي في وسائط التواصل الاجتماعي؟
ناقش كارل شميت في كتابه مفهوم السياسيما يجب أن يصبغ عليه مصطلح "السياسي"، معتبرًا
أن صبغة السياسي لا تكون إلا عند القدرة على الاستقطاب، والقدرة على التأثير في المجريات الحاسمة وفق معيار العدو أو الصديق. وانتقد افتقار كتابات جادة كثيرة إلى مفهوم واضح لما هو سياسي. قد يكون للوضع السياسي الذي عاشته ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وخَبِره شميت، أثرٌ في المُخرَج النهائي لتعريف "السياسي" لديه، وقد لا يجد أرضية اللانسبية في التفاعل السياسي
من خلال وسائط التواصل الاجتماعي. لكنه فعليًا يأخذنا إلى ما وراء نقاشات الديمقراطية والاتصال
السياسي في عمومه، إلى الأطر المعرفية التي تربط تعريف السياسة بتعريف الدولة باعتبارها مجتمعًا، حدودًا وسيادة، إضافةً إلى السلطة الوطنية (التعريف القانوني للدولة)، كما يحيلنا إلى أن السياسي ليس ما هو سياسي في طبيعته فحسب، بل كل ما له أثر سياسي كذلك. تجاوزًا للخلل المعرفي الذي قد ينتج من عبارة "كل ما له أثر سياسي"، نستفيد من مفهوم حنة أرندت لما أسمته "الوقائع الحقيقية للغاية" بخصوص كلمة "السياسي"، واختلاف معانيها بين التوتاليتارية والحداثية؛ من حيث النطاق، واختلاف معناها على امتداد المسار الزمني، بدايةً بارتباطها بمفهوم الحرية لدى اليونانيين إلى ما صنعته المجتمعات من تعريفات للسياسي مبنية أساسًا على واقعها وتعريفها لنطاق التفاعل السياسي. وتكون الاستفادة في اعتبار "كل ما له أثر سياسي" في سياق هذه الدراسة؛ ومرتبطًا بأثر سلوكيات فردية كالعضوية في صوامع المعلومات، والتخلي الطوعي عن المعلومات الخصوصية أو المشاركة غير الواعية أو الواعية في مشاركة مقطع فيديو أو وسم أو غير ذلك من الأفعال التي ليست ذات طابع سياسي، ومرتبطًا كذلك بأثر برمجيات تقنية كالتخصيص والإشراف والاستهداف على مستقبل الفاعلين والتفاعل السياسي في مجتمع ما.
(((كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة سومر محمود المير (مصر: دار الكتب المصرية، 2017)، ص.87 (((المرجع نفسه، ص.88 (((حنة أرندت، ما السياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2014)، ص.28 (((المرجع نفسه، ص.66–41
لقد أحيت وسائط التواصل الاجتماعي النقاشات بشأن المفهوم التقليدي للمجتمع ومؤسساته المتعارف عليها (الأصلية والمستحدثة)، وسلطة المجموعة على الفرد. ويكون هذا الأمر حاسمًا، إذا
نظرنا إلى المجتمع باعتباره فضاء ل "القيم والافتراضات والسياسة"، ونظرنا إلى السياسات باعتبارها "طرائق لتنظيم الحقوق المتنافسة أو القيم المتنافسة أو موازنتها". وهذا يعني أن السياسة ومفهومنا للانتماء والتنظيم سيكونان ذوَي حساسية تجاه التغيرات التي تطرأ على هذه القيم والافتراضات، وأن
الفهم الهابرماسي للمجال العام سيغدو في حاجة إلى تنقيح. أما بشأن السيادة وتجليها الفيزيقي (الحدود الجغرافية)، فإن الإنترنت وخوادمها لا تزال كلّها مج لًا للصراع الدولي، على الرغم من المكانة المتميزة للولايات المتحدة الأميركية في هذا المجال (لا تخلو البيئة الداخلية في الولايات المتحدة من الصراع القانوني والسياسي والأمني حول ملكية الخوادم وإدارة وسائط التواصل الاجتماعي). وعلى الرغم من المحاولات الخاصة؛ مثل مشروع الدرع الذهبي الصيني ووسائط التواصل الاجتماعي المحلية، فإن النقاشات الرسمية المتعلقة بأمن المعلومات بين الصين من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، تدل على أنها فضاء جديد من فضاءات السيادة على الدول القلق بشأنها. في هذا المجال من العلاقات بين الدول، ظهرت مصطلحات أعطت المعلومة زخمًا قويًا مثل "بيئة
المعلومات" و"تسليح وسائط التواصل الاجتماعي" و"الأمن السيبراني"، وقد زادها زخمًا صدورها
بشكل مصطلحات عسكرية وأمنية في وثائق رسمية، وجعلها "من الناحية التحليلية مجموعة فرعية من منطقة الصراع وظاهرة أكبر كثيرًا [...] تدور حول إمكانية أن تكون لكيفية تدفق المعلومات تأثيرات
على مستوى العالم، بسبب الترابط الذي أحدثته العولمة والتطورات داخل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، باعتبارها مجموعة فرعية من شبكات التواصل الاجتماعي المتطورة". والجدير بالذكر أن دراسات أكاديمية اختلفت فيما سبق في الحدود الجغرافية للمعلومة؛ فقد كتب جاك غولد سميث وتيم وو، على سبيل المثال، في سنة 2006، كتابًا بعنوان من يتحكم في الإنترنت؟ واستشرفَا مستقبلًا
تحفّه الحدود، معارضَين فكرة العالم المسطح لتوماس فريدمان. امتدادًا لنقاش جغرافية المعلومة وتوظيفها السياسي، يظهر المالكون لوسائط التواصل الاجتماعي فاعلين عالميين، لهم تأثيرهم الحاسم في مجرى الأمور، أو على الأقل هذا ما يُظن بشأنهم، وهو أمرٌ
بديهي بالنظر إلى نفوذهم وثروتهم كذلك؛ "لأن تلك الطبقة تلعب دورًا بارزًا في السياسة" كما قال
جورج فيلهلم فريدريش هيغل قبل مئات السنين وهو يحدثنا عن طبقة كبار ملاك العقار، وسيكون لها
(8) Lucas Introna, "Phenomenological Approaches to Ethics and Information Technology," Stanford Encyclopedia of Philosophy , accessed on 10/2/2024, at: bit.ly/3zhKdXu (9) Thomas Elkjer Nissen, The Weaponization of Social Media (Copenhagen: Royal Danish Defence College, 2015), p. 23.
(1((بيتر بي سيل، الكون الرقمي الثورة العالمية في الاتصالات، ترجمة ضياء ورّاد (لندن: مؤسسة هنداوي، 2017)، ص.219 (1((عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 10 (المغرب: المركز الثقافي العربي، 2014)، ص.62
المعنى ذاته إن قُرنت بمقولة أخرى للفيلسوف ستيوارت براند: "ينبغي للمعلومات أن تكون بمقابل مكلف"؛ فالوسائط تملك قدرًا هائلًا من المعلومات تفوق قيمتها ما كان يملكه كبار ملاك العقار. تبقى السلطة الوطنية عنصرًا مكملًا لمفهوم الدولة، ونأخذها بمفهومها الذي يشمل المؤسسات وآليات
نشوئها وعملها وعلاقاتها، وفق المقاربة المؤسسية والمؤسسية الجديدة المرتبطة بما يسميه جايمس وارش وجوهان أولسن "إعادة اكتشاف المؤسسات". وفي هذا الإسباغ السياسي لوسائط التواصل الاجتماعي، تظهر الديمقراطية مصطلحًا مفتاحيًا يفترض "الفهم المستنير" وما يستلزمه من العدالة في
الوصول إلى المعلومات عمومًا، والمعلومات ذات الاهتمام المشترك خصوصًا، والحق في الاستفادة من الإنترنت، والقدرة على الوصول إلى أكبر قدر من الآراء، والتحرر من الخوف المرتبط بالمراقبة والرقابة والاستهداف الدقيق. ويجب أّلا تشغلنا الانحرافات الكثيرة في استخدامها عن الفرص التي تتيحها، خاصة فيما تعلق بالمعلومات المتدفقة لامركزيًا، المدفوعة اجتماعيًا والمتنوعة. تنتج ثنائية الديمقراطية/ وسائط التواصل الاجتماعي مواقف تتمحور حول المعلومة المتجلية في ميول سياسية، وبيانات، وإحصائيات، وسبر آراء، ودعم. وتتوزع على طرفَي نقيض، وتتمحور حول "المعلومة". يرى الطرف الأول أن البيئة الإعلامية الجديدة سمحت ب "تدمير خّلا ق للديمقراطية" من خلال تحدي المؤسسات القائمة وخلق مؤسسات جديدة. وفي المقابل، يرى الطرف الثاني أن وسائط التواصل الاجتماعي – نظرًا إلى ارتباطها بالذكاء الاصطناعي – تشكل تهديدًا للديمقراطية من خلال
وسائل التحكم والإشراف والتلاعب. ومهما كانت المواقف، فإنها تحتمل بعدًا سياسيًا للتواصل
الاجتماعي سواء استغله المجتمع في التعامل مع المؤسسات السياسية القائمة أو استغلته المؤسسات السياسية في التعامل مع المجتمع. استنادًا إلى ما سبق، يتضح أن وسائط التواصل الاجتماعي ساهمت في إحياء نقاشات مزمنة حول الفرد والجماعة، والمجتمع والدولة، والسيادة والعولمة، والفواعل الداخلية والخارجية، والشفافية والغموض، وغيرها من الثنائيات الكثيرة جدًا. لكنها نقاشات تتمحور حول "المعلومة" التي مُنحت لتكون مجانية، وإن عولجت فستكون ذات تكلفة.
((1(سيل، ص.197 ((1(العبارة مقتبسة من عنوان كتاب للباحثين وارش وأولسن، ينظر:
James G. March & Johan P. Olsen, Rediscovering Institutions: The Organizational Basis of Politics (New York: The Free Press, 1989). (14) Costica Dumbrava, Key Social Media to Democracy (Brussels: European Union, 2021), p. 1. (15) Rasmus Kleis Nielsen & Richard Fletcher, "Democratic Creative Destruction? The Effect of a Changing Media Landscape on Democracy," in: Nathaniel Persily & Joshua A. Tucker (eds.), Social Media and Democracy: The State of the Field, Prospects for Reform (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2020), p. 139.
((1(المقصود بالإشراف هنا هو مطالبة المستخدمين بتعديل المحتوى على صفحاتهم أو إزالته (مثل ما يحدث مع التغريدات أو المنشورات التي تتضمن إشارات إلى الإرهاب). وسُمي الإشراف لأن وسائط التواصل الاجتماعي تمتلك سلطة الإقرار بملاءمة
منشور أو تغريدة ما، أو عدم ملاءمته للنشر.
ثانيًا: المعلومة باعتبارها مصدرًا للهواجس الأخلاقية
المصدر، نصها:
تحقَق المشروع؛ ورحبَت به الطبيعة ولم يَعْد هناك ما يُفرق بين الأمم الشقيقة والناس حول العالم معًا يحتفلون تغمرهم الإثارة وبإنجازهم يحتفون انطلق انطلق يا خط التلغراف وانشر المحبة بين سكان هذه الأرض حتى تصبح كل الأمم تحت الشمس إخوة كمن وُلدوا في بيت واحد
وفي المغزى ذاته، كتب جون بيير باولو سنة:1991
الرأي، بلا خوف من أن يُكره على الصمت أو على الامتثال".
((1(سيل، ص.151 ((1(المرجع نفسه، ص.204 ((1(المرجع نفسه، ص.205 ((2(من العبارات التي كانت تزين الصفحات التشغيلية لوسائط التواصل الاجتماعي: تويتر: "نحن نؤمن بحرية التعبير ونعتقد أن كل صوت لديه القدرة على التأثير في العالم." فيسبوك: "تقريب العالم بعضه من بعض".
والسلوكيات عبر هذه الوسائط).
سنة 1858، حينما اكتملت أشغال ربط كابل التلغراف العابر للمحيط، شاعت أبيات شعرية مجهولة
"يا حكومات العالم الصناعي، يا عمالقة بَالَين من لحم وفولاذ، آتي إليكم من الفضاء الإلكتروني، الموطن الجديد للعقل [...] نحن نخلق عالمًا يمكن للجميع أن يدخلوه بلا ميزة، وبلا حكم مسبق على عرقهم، أو على قدرتهم الاقتصادية أو العسكرية، أو على محل ميلادهم. نحن نخلق عالمًا يمكن فيه لأي كان في أي مكان التعبير عن رأيه أو رأيها، بغض النظر عن قدر تَفُرُّد هذا
"تخُِّيّل العالمُ "قارة شاسعة مترامية الأطراف ممتدة إلى ما لا نهاية، وعززت هذا الخيال شعارات
وسائط التواصل الاجتماعي عن التواصل المجاني، والعلاقات العابرة للحدود، وحرية التعبير، والحريات المدنية. وبعد عقد من شيوع استخدامها، برزت مصطلحات من قبيل الخصوصية، والتضليل، والرقابة والمراقبة، والتخصيص، وفقاعات المعلومات، والصوامع الإلكترونية وغيرها،
((2(تخصيص المحتوى (المعروف أيضًا باسم المحتوى الدينامي) هو عملية من بين عمليات وسائط التواصل الاجتماعي، بحيث
يُصَمَّم المحتوى ليكون ملائمًا لخصائص المستخدمين أو تفضيلاتهم أو سلوكياتهم السابقة، إضافة إلى البيانات الديموغرافية
والبيانات السياقية والبيانات السلوكية. ويعتمد التخصيص على تحليل البيانات الواردة من البصمة الإلكترونية (التفضيلات
باعتبارها انحرافات في طرائق الحصول على المعلومة واستغلالها. وتعزز حضور هذه المصطلحات في الكتابات المتخصصة باختراقات وتسريبات ضخمة. إن المعلومة ظلّت أكثر الصناعات تأثيرًا في التفاعل السياسي؛ فهي جوهر ما اعتُبِر تغييرًا مؤثرًا في القرن الخامس عشر حينما ظهرت الطباعة، وهي جوهر ما اعتُبِر تغييرًا مؤثرًا في القرن السابع عشر، حينما بدأت أولى الصحف المطبوعة تنشر أعدادها، وهي نفسها، كذلك، جوهر ما اعتُبر انفجارًا معلوماتيًا مؤثرًا في بدايات ظهور الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي. فالتمعن في التعريفات المرصودة للخصوصية، والتضليل، والرقابة، والمراقبة وغرف الصدى... إلخ، يسمح لنا كله بالتعرف إلى طرائق مختلفة في معاجلة المعلومات. لذلك، تؤثر هذه الهواجس بالضرورة في "الفهم المستنير" الذي تتطلبه الديمقراطية وفق تعبير روبرت دال، وفي اتخاذ "قرارات مستنيرة" وفق تعبير المفوضية الأوروبية. ومن ثمّ، فإنّ تأثيرها في الديمقراطية باعتبارها مبدأً لإدارة الشأن العام سيكون في اتجاه استغلال المعلومة نفسه (ينظر الجدول.)1 الجدول (1) عدم الأخذ بالمحاذير الأخلاقية: نتائجه ومخاطره على التفاعل السياسي عبر وسائط التواصل الاجتماعي
المحاذير
المخاطر على التفاعل السياسي
الأخلاقية • توفر وسائط التواصل الاجتماعي طرائقَ جديدة وأكثر فاعلية لمراقبة الأشخاص، يمكن أن تستخدمها الحكومات لاستهداف المواطنين النشطين سياسيًا وإسكات المعارضة.
• حتى في غياب الإكراه الصريح، فإن المواطنين الذين يشتبهون في أنهم هدف للمراقبة قد يمتنعون عن التعبير خوفًا من الانتقام. • يؤدي جمع البيانات على نطاق واسع من خلال وسائط التواصل الاجتماعي إلى خلق المراقبة
مخاطر تتعلق بخصوصية المستخدمين، وقد يؤثر في قدراتهم على تكوين الآراء السياسية والتعبير عنها. • نموذج جذب الانتباه في وسائط التواصل الاجتماعي، واستراتيجيات استغلال الاحتياجات البشرية والتحيزات لزيادة المشاركة، يقوضان الاستقلالية الفردية. • قد تساهم وسائط التواصل الاجتماعي في تنامي الانعزال السياسي، حتى لو لم يكن الفاعلون وحدهم المسؤولين عن هذه الظاهرة.
(22) Ulrike Reisach, "The Responsibility of Social Media in Times of Societal and Political Manipulation," European Journal of Operational Research , vol. 291, no. 3 (2021), p. 907.
| ااألتخصيص | • في حين أن تخصيص المحتوى يمكن أن يساعد المواطنين على التعامل مع مشكلة الحمل الزائد للمعلومات، فإنه يمكنه أيضًا تضييق وجهات نظرهم بالحد من نطاق المعلومات المتاحة لهم. • يمكن أن تساهم أنماط تبادل المعلومات والتفاعلات على وسائط التواصل الاجتماعي في تعزيز حدود المجموعة التي من شأنها أن تحول دون إجراء حوار سياسي أوسع نطاقًا. • في حين أن الآثار السياسية السلبية للتخصيص تبدو أقل حدة وانتشارًا، فإن خطر الانقسام والاستقطاب المجتمعي لا يزال قائمًا. • يعتمد تقييم تأثيرات وسائط التواصل الاجتماعي، أيضًا، على الافتراضات السياسية (الأيديولوجية) حول طبيعة السياسة والديمقراطية وظروفهما. |
|---|---|
| المعلومات اإالمضللة | • في حين أن المعلومات المضللة تكون في بعض الأحيان مدفوعة بأهداف سياسية، فإن كثيرًا منها مدفوع من رواد الأعمال الذين يروجون لمحتوى جذاب جًّدًا لتحقيق الأرباح من بيع الإعلانات. • انتشار المعلومات الكاذبة على وسائط التواصل الاجتماعي يمكن أن يقوض قدرة المواطنين على تكوين الآراء السياسية والتعبير عنها. • يمكن استخدام المعلومات المضللة لإقناع الناخبين أو إرباكهم، وتعبئة المواطنين للإدلاء بأصواتهم، وهو ما قد يكون عاملًا محددًا لنتائج الانتخابات. • لا تنتج المعلومات المضللة من جهات فاعلة أجنبية (مثل الحكومات) تسعى للتدخل في بلدان أخرى فحسب، بل من جهات فاعلة محلية أيضًا. • قد تؤدي المعلومات المضللة المنتشرة على نطاق واسع والتصور العام الحادّ لها (الذي يتضخم بسبب الافتقار إلى البحث وعدم كفاية التقارير) إلى تقويض الثقة بجميع المعلومات عبر الإنترنت والمؤسسات الديمقراطية. • تستغل الخوارزميات المستخدمة لنشر المعلومات الكاذبة التحيزات والميول البشرية، مثل التحيز التأكيدي، والميل إلى تصديق القصص المتكررة، والانجذاب إلى المحتوى الجديد. |
| اإلتعديل | • في حين أن تدابير التعديل يمكن أن تساعد في معالجة المعلومات المضللة على وسائط التواصل الاجتماعي، فإنها يمكن أن تقوّض حرية التعبير وتُمِّك ّ ن للرقابة السياسية أيضًا. • يمكن أن يؤدي حذف المحتوى وتصنيفه إلى نتائج عكسية، لأنه قد يعزز التصورات حول الرقابة غير العادلة وغير المبررة لآراء ومجموعات معيّنة. • في حين أن التشغيل الآلي يمكن أن يخفف بعض أعباء التعديل البشري، فإنه يمكن أن يؤدي كذلك إلى تضخيم الأخطاء وأتمتة التحيز الموجود مسبقًا. • قد يدفع الضغط المتزايد على وسائط التواصل الاجتماعي، لمعالجة المحتوى الإشكالي، المنصات إلى الاعتماد بقوة أكبر على الأدوات الآلية؛ ما يؤدي إلى الإفراط في الرقابة. • على الرغم من الجهود المبذولة لجعل التعديل أكثر شفافية ومنهجية، فإن تدابير التعديل على وسائط التواصل الاجتماعي لا تزال تعسّفية، غير واضحة إلى حد بعيد، ويجري تطبيقها على نحٍو ٍ غير متسق. • يثير الإشراف على وسائط التواصل الاجتماعي مشكلة خطيرة تتعلق بالمساءلة: لماذا يجب على وسائط التواصل الاجتماعي أن تقرر ما هو المحتوى الإشكالي (ومن ثمّ القابل للإزالة)؟ |
• مقارنةً بالإعلانات السياسية التقليدية، يعمل الاستهداف السياسي الدقيق على تعزيز أنواع
أوسع من البيانات وتحديد مجموعات صغيرة من الأشخاص واختبار الرسائل المخصصة
لهم وتقديمها لهم.
• في حين أن الاستهداف الدقيق يمكن أن يعمل على إعادة إشراك المواطنين في السياسة،
فإنه يمكن استخدامه للتلاعب بآراء المواطنين وتوقعاتهم أيضًا.
• يعدّ الاستهداف الدقيق تدخليّا، لأنه يعتمد على قدر كبير من البيانات والأفكار (بما في
ذلك الملفات النفسية) حول الأشخاص؛ ما قد يؤدي إلى تقويض الخصوصية والاستقلالية.
الاستهداف
• الطبيعة الخفية للاستهداف الدقيق تزيد من خطر التلاعب. ومن ثمّ، فهي تقوض قدرة
الدقيق
المواطنين على تشكيل الخيارات السياسية واختيارها.
• يتحدى الاستهداف السياسي الدقيق القواعد الانتخابية الحالية المتعلقة بالشفافية وتنظيم
الحملات الانتخابية والتمويل السياسي، ويمكن أن يشوّه العمليات الانتخابية والسياسية.
• نظرًا إلى طبيعة المنافسة السياسية، من الممكن أن تحدد حملات الاستهداف السياسي
الدقيقة نتائج الانتخابات.
• حتى لو لم يكن من الممكن إلقاء اللوم على الاستهداف الجزئي في ترجيح كفة
الانتخابات، فإن المخاطر التي يخلقها من المرجح أن تتزايد، نظرًا إلى المصالح السياسية
والاقتصادية الكبرى المعرضة للخطر والتقدم التكنولوجي في المستقبل.
المصدر:
Costica Dumbrava, Key Social Media to Democracy (Brussels: European Union, 2021), pp. 4–25.
قد يقدم الجدول (1) إجابات عن سؤال إيلي باريزر: "فقاعة الترشيح: ما تخفيه الإنترنت عنك؟"، معتبرًا أن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها وسائط التواصل الاجتماعي هي "عدم العلم بما لا يجري
عرضه". لكن ما يجعل الأحكام أعقد من تقديمها بهذه البساطة، هو أن الأخلاق في وسائط التواصل الاجتماعي حقل واسع تتداخل فيها الأخلاقيات التطبيقية، والفلسفة، وعلم النفس والاجتماع، والإحصاء، وعلوم الكمبيوتر، والعلوم السياسية، إضافةً إلى استحالة إخضاعها لمنظومة ثقافية بعينها، وتدخّل الحكومات والمؤسسات العابرة للحدود، والأفراد، في الخضوع أو صناعة ما يمكن اعتباره "معايير" أخلاقية.
ثالثًا: نقاشات الأخلاق وصناعة المعايير الأخلاقية في التفاعل السياسي على وسائط التواصل الاجتماعي
استجابت الدراسات الأكاديمية، في مختلف صنوف المعرفة، لعمق المعلومة وتعقيدها وآليات استغلالها على وسائط التواصل الاجتماعي؛ فظهرت دراسات مدفوعة من الباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس ومختلف العلوم الاجتماعية الأخرى، مستندة في أساسها إلى أطر تقنية، وسياسية، واجتماعية ونفسية، عززتها (أو أثارت إلى جانبها) فيما بعد دراسات تحذر من
((2(الكتاب للمؤلف إيلي باريزر. ينظر:
Eli Pariser, The Filter Bubble: What the Internet is Hiding from you (New York: Penguin Press, 2011).
"زحف الهندسة التكنولوجية الاجتماعية" المفضي إلى درجات مراقبة واسعة، وجعلت الاستخدامات ذات الطابع التوجيهي للمعلومات من بين أهم المحاذير الأخلاقية التي تستخدم في نقاشات أضرار وسائط التواصل الاجتماعي. استندت دراسات أخرى إلى المعلومة، لتطالب بإطار أخلاقي خاص بكيانات المعلومات، مستند في حدّ ذاته إلى رفاهية المعلومات من خلال التوسيع (كمية المعلومات)، والتحسين (جودة المعلومات)، والإثراء (تنوع المعلومات). وقد فصّلت القول في معضلات أخلاقية كثيرة، قائمة على تصميم
كيانات المعلومات ذاتها؛ فقدمت اختلاف السياقات الثقافية واللغوية، وتعقيد سياسات الموافقة وشروط القبول بوصفها معضلات أخلاقية ناتجة من تصميم التفاعل، وتسويق البيانات الشخصية، وزيادة التفاعل المستقبلي، والتلاعب بسلوك المستخدم بوصفها معضلات أخلاقية ناتجة من اقتصاد البيانات، في حين تحيلنا المعضلات الناتجة عن تصميم الانتباه إلى مشكلة الإخفاء الممنهج للمحتوى، الذي لا ينطبق على المحتوى السياسي فحسب، بل إنّ تأثيره في الديمقراطية خاص، ومن تجلياته فقاعات الترشيح وغرف الصدى المعبرة عن عمليات دينامية جماعية لتكوين الرأي في بيئات المعلومات الشخصية وفق تعبير الخبير القانوني سانستاين. وهدفهما الرئيس هو "توجيه انتباه الجمهور والتأثير في الوصول إلى الخيارات". إن التوجيه – أو "هندسة الجمهور" – المرتبط باستخدام التكنولوجيا، وإن ظهر بمصطلحات مختلفة وبآليات كثيرة، ليس وليد وسائط التواصل الاجتماعي؛ فقد كانت جهود نوربرت وينر بعد الحرب العالمية الثانية المجسدة في كتابيه السيبرنتيكا (1948)، والاستخدام البشري للكائنات البشرية) 1950(في سياق دراسات الخير والشر الناتجة من توسع استخدام التقانة، إضافةً إلى دراسات والتر مانر وديبورا جونسون وجيمس مور في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، حول أخلاقيات الكمبيوتر. وكان لحضور القيم الإنسانية في تسعينيات القرن العشرين أثرها البالغ في دراسات أخلاقيات الكمبيوتر والمعلومات في عمومها؛ إذ برز الاختلاف بين المجتمعات، من حيث قيمها معيارًا أخلاقيًا
ثابتًا في بحوث تأثير التقانة في السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية. فمهدت جورنياك كريستينا،
(24) Shannon Vallor, "Social Networking and Ethics," Stanford Encyclopedia of Philosophy , accessed on 5/9/2023, at: bit.ly/3RvAFyu (25) Sharon Geeling & Irwin Brown, " Towards Ethical Social Media Practice: A Grounded Theory for Analyzing Social Media Platform Ethics," SSRN Papers , 18/10/2021, p. 4, accessed on 17/1/2024, at: https://acr.ps/1L9GPeP (26) Ibid., p. 13. (27) Birgit Stark & Daniel Stegmann, "Are Algorithms a Threat to Democracy? The Rise of Intermediaries: A Challenge for Public Discourse ," Governing Platforms , 26/5/2020 , p. 14, accessed on 10/2/2014, at: https://acr.ps/1L9GPq3 (28) Ibid., p. 15.
(2((فاطمة الزهراء السيد، "الخوارزميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي"، لباب، العدد 5 (شباط/ فبراير 2020)، ص.96
(30) Terrell Bynum, "Computer and Information Ethics," Stanford Encyclopedia of Philosophy , accessed on 10/2/2024, at: bit.ly/45wWnIs
ومانر، وغيرهما، لنقاشات أخلاقيات المعلومات العالمية. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، كان لكتابات فلويدي لوتشيانو أهمية بالغة في البحث في وسائط التواصل الاجتماعي وأخلاقياتها. وامتدادًا لجهود "ابتكار مفهوم عن الأخلاق يتلاءم مع بزوغ سمات الحياة الحديثة"، استُغل حضور القيم الإنسانية والأخلاق العالمية في النقاشات حول الأخلاق السياسية على وسائط التواصل الاجتماعي لطرح النقاش حول وَسْم "أخلاقي" ومرجعيته والمعنيين به، وهو متضمن في هذه الحالة
شقين: الأول هو مرجعية الأخلاق السياسية التي هي محل نقاش مزمن، والثاني متمثل في نقل النقاش إلى بيئة رقمية تهيمن عليها شركات ذات طابع تجاري في ظاهرها، وتخضع لظروف مجتمعات ودول مختلفة. للجمع بين الشقين نتساءل: هل تخضع كل الممارسات المرتبطة بالرقابة، والمراقبة والخصوصية والاستهداف والتعديل، للمنظومة الثقافية نفسها في السياقات المختلفة؟ ألديها الهدف نفسه؟ إذا لم تكن كذلك، هل نفترض وضع أسس فهٍمٍُ شامل تتفاوض بشأنه الدول؟ إذا ما طرحنا هذه الأسئلة على مطوّري وسائط التواصل الاجتماعي ذوي التكوين التقني العالي، فقد
تكون إجابته أنه يسهل التواصل بين البشر ويُيَسر سبل العيش من خلال "حل المشكلات التقنية اليومية
العادية". ولو حدّثْنا كثيرًا منهم عن المثالية والواقعية والتفاوضية بوصفها مدارس أخلاقية ظهرت
منذ مئات السنين، لاعتبروا أن من الغريب استحضارها في نقاش حول التواصل الاجتماعي، وهذا ما يُسبغ المثالية على التقنيين. لكن المثالية المقصودة هنا ليست مرتبطة بالدين المتعارف عليه من حيث هو مفهوم، بل هي مرتبطة بالمفهوم الذي قدّمه شميت: "الدين التقاني الذي يذهب إلى أن جميع المشكلات يمكن حلها عبر التطور التقاني". ومن ثمّ، فإنّ حضور المدارس الأخرى في النقاشات الأخلاقية يتجلى عبر كيانات معلوماتية، تتمثّل في المؤسسات (الدولة ووسائط التواصل الاجتماعي)، والفرد (المواطن) في محاولة ل "تبرير توازن معين بين القيم والحقوق". إن التوظيف البسيط للمثالية مرجعيةً أخلاقيةً يجعل من وسائط التواصل الاجتماعي أداة كغيرها من أدوات تيسير الخطاب الديمقراطي، وعليها بوصفها مؤسسات أن تحمي الأفراد من "المعاناة غير الضرورية" وفق التعبير الكانطي؛ ما يجعلها فاقدة للقوة التفسيرية المرجوة. في حين تتطلب
(31) Ibid.; Krystyna Gorniak‑Kocikowska, "The Computer Revolution and the Problem of Global Ethics," Science and Engineering Ethics , vol. 2, no. 2 (1996), pp. 177–190. (32) Ibid.; Luciano Floridi & J. W. Sanders, "Internet Ethics: The Constructionist Values of Homo Poieticus," in: Robert J. Cavalier (ed.), The Impact of the Internet on Our Moral Lives (Albany, NY: SUNY Press, 2005), pp. 195–214.
(3((الزواوي بغورة، "خطاب الحداثة الأخلاقية عند تشارلز لارمور"، تبين، مج 12، العدد 46 (خريف 2023)، ص 60؛ تشارلز
لارمور، أخلاق الحداثة، ترجمة مايكل مدحت يوسف (القاهرة: المركز القومي، 2022)، ص.13
(34) Introna.
((3(شميت، ص.143
(36) Introna. (37) Jennifer Forestal & Abraham Singer, "Social Media Ethics and The Politics of Information," Business Ethics Journal Review , vol. 6, no. 8 (2020), p. 34.
الواقعية – وتدعمها البنائية – إعادة نظر مستمرة في المعايير الأخلاقية، بما فيها الخلفيات المعلوماتية والنفسية والاقتصادية والسياسية التي تتيحها وسائط التواصل الاجتماعي. ويتقاطع النهج التفاوضي (ولا يتطابق) معها في ضرورة وجود/ إيجاد "معايير سلوك متفق عليها بصفة متبادلة" تكون نواة لاختلاف معقول. من الباحثين، برنارد ستيغلر مثلًا، من يستبعدون "الأفراد الخطائين" من نقاشات أخلاقيات وسائط التواصل الاجتماعي باعتبارهم – مع التقنية – "أصلَين مشتركين" غير متمايزَين، في حين يستبعد
آخرون إمكانية الزج بالأخلاق الفردية في معايير أخلاق وسائط التواصل الاجتماعي ذات البعد أو التأثير السياسي، باعتبار هذه الأخلاق الفردية تائهة من زمن اللاتمايز البنيوي. ولذلك، فإنّ البديل هو البحث عن "نقطة استقرار" تعبّر عن انبثاق معايير أخلاقية مرتبطة بسياق عالمي وثقافات مختلفة، على
نحو يجعلها "تقع على مسافات متساوية من كل المنظومات الجزئية". هي التفاوضية إذًا، الوضع الذي من خلاله يمكن النقاش بشأن الإجابات الصحيحة عن الفهم المشترك
(أو المختلف) لمصطلحاتٍ من قبيل الخصوصية، والاستهداف، والتعديل، والتوجيه، ومن خلالها يجري توضيح "ما يدين به بعضنا لبعض " لتكون الأخلاق "نظامًا من التداول المشترك " و"مسألة
تنظيم الحياة تنظيمًا عمليًا" منفتحة على السلامة السياقية للمجتمعات. لكن "الواقعية" تشير إلى "غسل للأخلاق" من الأخلاق السياسية السياقية بتجليَين اثنين: • التنميط السياسي: من خلال مكانة متفق عليها للفواعل المختلفة في الحياة السياسية، على الرغم من أن بعض المجتمعات تمنح الأسرة والمجتمع قيمة أعلى من قيمة الفرد، وتفعل مجتمعات أخرى غير ذلك. وتمنح مجتمعات أخرى حرية الرأي والتعبير قيمة عالية، ولا تفعل مجتمعات أخرى ذلك. ومن ثمّ فإنّ التنميط السياسي يعطي الرقابة والخصوصية والمراقبة مفاهيم مختلفة. • فرْض التنميط السياسي من خلال "صناعة الحق" المُعَّزَز بالقوة: تتجلى القوة في تضييق قائمة
الخيارات ومساحة الحرية بخوارزميات محملة بإعلانات سياسية متكررة، وفقاعات التشريح، وصوامع المعلومات، وغرف الصدى.
(38) Bynum. (39) Introna.
(4((أحمد نظير الأتاسي، "الأخلاق والسياسي: جدلية الفردي والمؤسساتي"، تبين، مج 12، العدد 46 (خريف 2023)، ص 70، ((4(العبارة مستوحاة من عنوان كتاب توماس مايكل سكانلون (أستاذ ألفورد للدين الطبيعي والفلسفة الأخلاقية والنظام المدني في قسم الفلسفة بجامعة هارفارد) بعنوان: What We Owe to Each Other، الصادر سنة.1999 (4((مايكل مدحت، "الرهانات الأخلاقية للتسامح في فلسفة توماس سكانلون"، تبين، مج 12، العدد 46 (خريف 2023)، ص.124 (4((رشيد الحاج صالح، "تأملات في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: بحث في العلاقة بين الأخلاق والسياسة"، تبين، مج 12، العدد 46 (خريف 2023)، ص.15
(44) Vallor.
إذا ما افترضنا الطابع التقني للأخلاقيات التطبيقية والحيادي لوسائط التواصل الاجتماعي، فإن الوضع يطرح أيضًا استمرار الممارسات القائمة؛ لأن الدولة ومؤسساتها ستكون في موقف القوة، مقارنةً بوسائط التواصل الاجتماعي من خلال منظومة قواعد قانونية تحميها، وأن المطلوب هو التعامل مع الفراغ السياساتي (أي الفراغ في السياسات) الناتج من الوضع المستجد. لتكون الوسائط مجرد تطور اتصالي وناقل مميز للتأثير "يحجب الغموض العميق بين المشاركة باعتبارها عملية تشاركية واعدة ونشطة وأعمال متداخلة ومفككة لمشاركة الغوغاء". ومن ثمة، تعزز الكراتوس (السلطة) ممارسات المراقبة والرقابة على الديموس (الشعب)، ومنها الرقابة الذاتية الناتجة من التوجس واحتمالات التحالف بين وسائط التواصل الاجتماعي والأنظمة السياسية أو حتى مع طرف ثالث. وقد غطت الجهود التنظيرية ما بعد البنيوية وإسهامات ميشيل فوكو التنبّئِية وجيل دولوز القيّمة هذه المكانة المتميزة للمؤسسات
على المواطنين، من خلال المراقبة البانوبتيكية، ومجتمعات التحكم والانضباط. ليس الأمر انتق لًا بين المواقف، بقدر ما هو استظهار للهواجس التي يتضمنها كل موقف، للعودة في نهاية المطاف إلى الفرد/ المواطن ومنظومته الأخلاقية باعتبارها مصدرًا ل "القيم الأساسية"، كما عبر
عنها جايمس مور، وأداةً لفحص قضايا الخصوصية والأمن، ومنهجًا في "الغائية العادلة"، بما يضعه
ضمن أطراف المسؤولية الأخلاقية بموقف غير سلبي، مقارنةً بموقف وسائط التواصل الاجتماعي ذات الطابع التجاري، غير المعنية بهواجس العار، وذات التأثير الأخلاقي الواسع (فرديًا، ومجتمعيًا،
وهيكليًا).
رابعًا: أطراف المسؤولية الأخلاقية للتفاعل السياسي على وسائط التواصل الاجتماعي
في هذا الزخم المعرفي بشأن الأخلاق السياسية ومعاييرها، انتقل التفاعل السياسي إلى وسائط التواصل الاجتماعي، ليخلق طبقة أخرى من التعقيد، ويفتح المجال لفاعلين يُفترض أنهم تقنيون.
1. المواطن
يجب أن نفهم في سياق هذه الدراسة أن المواطن يعبّر عن حالة تنطبق على آلاف، أو مئات الآلاف، من
المواطنين الذين يمثلون في مجموعهم شعب دولة ما، لنتساءل: هل المواطن حر في جعل البيانات الخاصة به متاحة مجانًا، بحيث يمكن أن تصبح "ذات تكلفة" عندما تُعالج؟ وهل أنّ له الحرية في نشر
(4((كشفت صحيفة ذي نيويورك تايمز، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أن فيسبوك طورت برمجية تعمل على حجب محتوى مخصوص من الظهور ضمن حيّز جغرافي معلوم، إرضاءً لمعايير الرقابة التي تفرضها الصين، وهدف هذا التطوير إلى مساعدة شبكة
فيسبوك على العودة إلى السوق الصينية. ينظر: محمد الأمين موسى، "شبكات التواصل الاجتماعي والرقابة على المحتوى"، لباب، العدد 5 (شباط/ فبراير 2020)، ص.199
(46) Vallor. (47) Bynum. (48) Ibid.
ما يريد من دون أي قيد؟ حقيقة الأمر أن مناقشة المسؤولية الأخلاقية لا تكون ذات مغزى، إذا لم تكن مرتبطة بالحرية، فلا مسؤولية على من ليس حًّرًا. طرَح الفهمُ المؤشكَل للطبيعة البشرية مواقفَ مختلفة من وضع الحرية المفترض للإنسان في عمومها،
وما ينجم عنها من موقفٍ للدولة ووسائط التواصل الاجتماعي. لكن يمكن أن نعرض معنيَين على صلة
بوسائط التواصل الاجتماعي، هما: • الحرية ممارسة غير مقيدة لما يسبب اللذة. • الحرية أّلا أكون موضوعًا لإرادة أخرى ولذتها (من المؤسسة، أو الدولة، أو الفرد). يفترض اعتبار الحرية ممارسة غير مقيدة مكانة مهملة للدولة ولوسائط التواصل الاجتماعي؛ إذ إن "التفكير ب [هذا] المنطق في مسألة الدولة [ووسائط التواصل الاجتماعي] هو الاعتماد على الفرد الحر والنظر إلى الدولة [ووسائط التواصل الاجتماعي] على أنها كيان اصطناعي أبدعه الفرد ليبقى دائمًا في خدمته". تتجسد اللذة في حوافز بيئات وسائط التواصل الاجتماعي المرتبطة أساسًا بالكشف (أو بالتخلي) عن
الخصوصية، فالانخراط في غرفة صدى في جوهره يعبر عن كشفٍ لمعلومات عن التوجه السياسي أو الأيديولوجي، تكون مكافأته الزج بالفرد في فقاعات ترشيح تساعد على ما يسمى التعزيز المواقفي. ثمّ
إن التخصيص الصريح هو نطاق ضيق للمعلومات والآراء والأخبار، يوفر لذّة التطابق من دون "معاناة" الاطلاع على آراء مخالفة. وهو، أيضًا، ليس سلوكًا غريبًا في السياسة، وليس مرتبطًا بوسائط التواصل
الاجتماعي؛ فالعالم عرف الصحافة الحزبية ومريديها، والصحافة الدينية، والأيديولوجية كذلك. وقد يجد بعضهم لذة في "الشعور بالتمكين" من خلال جعل رأيه محل نقاش عام، أو التسبب في
ألمٍ لفئات أو جماعات فرعية في المجتمع من خلال نشر خطاب الكراهية أو التعبير عن المواقف باستحضار خيبات مشتركة من الماضي، لنكون بذلك في موضع يجعلنا مجبرين على أن نفترض أننا نعتمد على الفرد العقلاني المعتمد بدوره على ما اعتبره كل من كانط وروسو "التوجيه الذاتي العقلاني"؛ لأن مخاطر نشر البيانات والتخلي عن الخصوصية أو التخصيص في عمومها لا تكون أخلاقية، إذا ما جرى ربطها بالفرد فقط. تثبت الدراسات الميدانية أن ممارسات الحرية السلبية، كما يسميها إزايا برلين، على وسائط التواصل الاجتماعي شائعة، بغض النظر عن كونها مؤثرة. ففي مسح لدراسات حول وسائط التواصل الاجتماعي وتكوين الآراء السياسية، توصل راينيلد وآخرون إلى أن:
((4(العروي، ص 20؛ نقلًا عن:
Ernest Cassirer, The Myth of The State (New Haven: Yale University Press, 1946), p. 217.
(5((إيزايا برلين، الحرية: خمس مقالات عن الحرية، ترجمة يزن الحاج (القاهرة: المركز القومي للترجمة؛ دار التنوير للطباعة والنشر، 2015)، ص.235
(51) Ragnhild Eg, Ozlem Demirkol Tønnesen & Merete Kolberg Tennfjord, "A Scoping Review of Personalized User Experiences on Social Media: The Interplay between Algorithms and Human Factors," Computers in Human Behavior Reports , vol. 9 (2023), pp. 5–8.
• فقاعات الترشيح الوحيدة، التي يبدو أنها تؤثر في الآراء ووجهات النظر، هي تلك التي يفرضها الناس على أنفسهم. • يكون الارتباط السياسي أقوى، عندما يتعرض المشاركون لمحتوى يعتمد على مصطلحات البحث التي جرى إنشاؤها ذاتيًا. • غرف الصدى أكثر انتشارًا بين الأشخاص الذين لديهم آراء متطرفة فعلًا. وهي النتيجة نفسها التي توصلت إليها دراسة كمية، قامت بها آمي روس وآخرون (استعانةً بدراسات أخرى)؛ حيث وجدوا ما يلي: • في المملكة المتحدة، تقدر نسبة الأشخاص الموجودين في غرفة صدى ذات توجه يساري بنحو 2 في المئة، وتبلغ النسبة في غرفة صدى ذات توجه يميني نحو 5 في المئة. • في معظم الحالات الأخرى، تستخدم أقلية تبلغ نحو 5 في المئة من الأشخاص مصادر الأخبار ذات التوجهات الأيديولوجية في اتجاه واحد فقط. • الولايات المتحدة هي الحالة الشاذة الرئيسة بين الدول السبع والوحيدة التي تشير التقديرات إلى أن أكثر من 10 في المئة من المشاركين فيها يعتمدون على مصادر الأخبار الحزبية فحسب. • في السويد، وُجد أنه على الرغم من أن بعض الأشخاص انخرطوا في التعرض الانتقائي لمصادر
الأخبار الحزبية فإن المعدلات كانت منخفضة بصفة عامة. • في إسبانيا، لا يوجد دليل قوي على انتشار غرف صدى الأخبار، ولوحظ أن معظم الأشخاص يصلون إلى "وسائل الإعلام غير المتشابهة في التفكير" على الأقل في بعض الأحيان. يتيح لنا فهم التوجس الذي طرحه باريزر حول "العالم الفريد من نوعه"، الناتج من فقاعات التصفية أو الترشيح، أن نستنتج أنها من حيث هي عامل حاسم في وسائط التواصل الاجتماعي قد لا تلقى الإجماع. وفي الوقت نفسه يمكن اعتبار مسؤولية الأفراد في التأثر بها ضئيلًا؛ نظرًا إلى نسبة المتمتعين
بالحرية السلبية. أما ما تعلق باعتبار الحرية "أّلا يكون الفرد موضوعًا لإرادة الآخرين"، فالدراسات والتحقيقات الوثائقية وبعض التسريبات والاعترافات (لعل أشهرها ما تقدمه الأفلام الوثائقية بشأن دور كامبريدج أناليتيكا في الانتخابات الرئاسية الأميركية سنة 2016، واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) تشير إلى أن الأفراد لا ينعمون بمستوى الحرية المرغوب فيه؛ فممارسات التحكم والرقابة والمراقبة والتخصيص الدقيق والتعديل المعبرة في مجموعها عن الهيمنة (والتلاعب في أقسى الحالات) "ليست في الأنساق المجردة أو المعايير، بل في يد روابط معيّنة تمارسها على روابط أخرى"، وأن معيار غياب الحرية
(52) Amy Ross Arguedas et al., "Echo Chambers Filter Bubbles and Polarisation A Literature Review," The Royal Society (2022), accessed on 5/5/2024, at: https://acr.ps/1L9GPXD
((5(شميت، ص.128
الإيجابية يتوافق وما يسميه جون جاك روسو الاضطهاد؛ أي "الجزء الذي أؤمن بأنّ بشرًا آخرين [أو
مؤسسات أخرى] يلعبون به بصفة مباشرة أو غير مباشرة، مع نية فعل هذا أو من دونها". قد يكون سياق وسائط التواصل الاجتماعي مناسبًا جدًا للتفريق بين عبارتين هما: "من يحكمني؟"،
و"ما مدى تدخّل الحكومة في شؤوني؟"، والإجابة عن التساؤل الأول (وهو ما يهمنا أكثر في هذا
السياق) تفترض مستويين اثنين؛ نطاق الحرية بحيث يجري تعريفها في إطار ما يرغب فيه المتلاعِب مثل الخوارزميات التي تتخذ قرارات حول وجود خطاب الكراهية، أو عدمه، ومعاداة السامية؛ وهي بهذا تضع نطاقات لحدود الحرية. أما المستوى الثاني، فيتمثل في الجزء المتلاعَب به؛ أي حجم التدخل من خلال الخوارزميات، وهو يؤدي في نهاية الأمر إلى التوجيه القائم على الرقابة والتعديل والتخصيص. وإذا ما جرى التركيز على مسؤولية الأفراد الأخلاقية في هذه الحالة، فلنا أن نكرر أن المسؤولية لا تكون إلا في سياق الحرية؛ وهي بهذا التصور غير متوافرة بالمستوى الذي يمكّننا من جعل الأفراد مسؤولين أخلاقيًا. من الدراسات ما يوقد "شمعة" الحرية والمسؤولية الأخلاقية للأفراد في تعريض أنفسهم وقدرة التعامل مع ما يتعرضون له بدلًا من لَعْن "ظُلمة" التلاعب والهيمنة؛ إذ طرح إيربانو ريفيغليو وكلاوديو أغوستي مفهوم السيادة الخوارزمية مفترضَين عزمهما "تنظيم استخدام تصفية المعلومات واختيارات تصميم التخصيص وفقًا للمبادئ الديمقراطية، وتحديد نطاقها للأغراض الخاصة وتسخير قوتها لتحقيق الصالح العام. بمعنى آخر، فتح خوارزميات التخصيص السوداء لوسائط التواصل الاجتماعي (السائدة) للمستخدمين والمؤسسات العامة". ولم يعُد المسعى مفاهيميًا، بل ظهر في مشروع مختبر الوسائط
Media Lab Project) (التابع لمعهد ماساتشوستش للتكنولوجيا في الولايات المتحدة وفي المعهد
The European Observatory On Algorithmic Sovereignty الأوروبي للسيادة الخوارزمية ومشروع Tracking Exposed.
وبالعودة إلى المواطن – لذاته وليس في مواجهة الخوارزميات – نعتمد على ما قاله ستيغلر عن الأصل المشترك للإنسان والتقنية، ونفترض أن الأخلاق التواصلية في الواقع، وفي وسائط التواصل الاجتماعي أيضًا، لا تنقسم؛ فالتحقق من المعلومات (الأخبار الكاذبة)، واحترام الآخرين (خطاب الكراهية)، والمشاركة النقدية (المحادثات الهادفة، وتجنب النقاشات غير الضرورية)، والولاء التنظيمي والحيطة والحذر (الانتباه للخصوصية)، والاطلاع على القوانين التي تسير المجتمع (الاطلاع باستمرار على سياسات الأنظمة الأساسية لوسائط التواصل الاجتماعي)، كلها سلوكيات يتولى مسؤوليتها المواطن من أجله ومن أجل غيره، ويعزز فرص "وجود مجال عام هابرماسي، أو الفضائل المدنية وممارسات
((5(برلين، ص.202 (5((إيزايا برلين، الحرية، ترجمة معين الإمام (مسقط: منشورات دار الكتاب، 2015)، ص.364
(56) Urbano Reviglio & Claudio Agosti, "Thinking Outside the Black–Box: The Case for 'Algorithmic Sovereignty', Social Media ," Social Media + Society , 28/4/2020, p. 7, accessed on 6/5/2024, at: https://acr.ps/1L9GPQb (57) Ibid., pp. 1, 6.
الخطاب المنطقي، وهو ما يجب أن يفترضها أي مجال عام فعال [...] وقد تعتمد مثل هذه التعبئة على مقاومة 'الشعور الزائف بالنشاط والإنجاز' الذي قد يأتي من مجرد النقر على 'أعجبني' ردّا على أفعال خطاب سياسي ذي معنى، أو إعادة توجيه الدعوات للتوقيع على العرائض، أو ببساطة 'متابعة' أحد الناقدين".
2. وسائط التواصل الاجتماعي
بحسب إحصائيات أيار/ مايو 2024، يستخدم 4.95 مليارات شخص (نحو 61.4 في المئة من مجموع سكان العالم) وسائط التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم، بزيادة أكثر من الضعف من 2.07 مليار في سنة 2015، ويتفاعل مستخدم وسائط التواصل الاجتماعي العادي مع ما متوسطه 6.7 منها. وتشعرنا الإحصائيات بحجم المسؤولية الأخلاقية لهذه الوسائط في عمومها، خاصة أن لأكثر من 80 في المئة من النسب السابقة من البالغين (أكثر من 18 سنة) والمؤهلين في كل الدول للخوض في الشأن السياسي تأثيرًا ومشاركة. يحضر في نقاشات مسؤولية وسائط التواصل الاجتماعي مصطلحان بمنزلة مظلة، هما الهيمنة والتلاعب. وهما ليسَا بالمعنى السلبي الذي يفترضه اللفظان بالضرورة، لكن هذا ما هو شائع في
الأدبيات بحكم التجارب، وبحكم ما يجب أن يكون كذلك. وتحت "المظلة" تتفق الأدبيات على ثلاثة محاور أساسية متداخلة، وهي واجب الحماية، وواجب الشفافية، وواجب الشمول، بحيث يسمح الفهم المختلف لكل واجب بوجود نيات (أو ممارسات) الهيمنة والتلاعب أو انعدامها.
أ. الحماية
يقدم بريت غريغوري جونسون، في إطار تصوره الشامل لمسؤوليات وسائط التواصل الاجتماعي في اعتماد الخطاب الديمقراطي، مَنحيَين للحماية هما: حماية حق الأفراد في النشر، وهو مستمد، أساسًا،
من الدور الميسّر للخطاب الديمقراطي، وحماية مستخدمي الوسائط من آثار المحتوى الضارة.
وهما منحيان يتضادان في بعض المواضع ويتقاطعان في بعضها الآخر؛ إذ قد تفهم وسائط التواصل الاجتماعي حماية المستخدمين على أنها إشراف على المحتوى، في حين قد يفهم المستخدمون الحماية على أنها هيمنة وتلاعب. عمومًا، يستمد المنحى الأول قوته الحُِّجِية من الأساس الفلسفي للكرامة الإنسانية في أفكار جون
ستيوارت ميل؛ أي ضرورة احترام العقل البشري وجعل وسائط التواصل الاجتماعي تتحمل مسؤولية تيسير المشاركة في الخطاب السياسي وتشكيل الفضاء العام، وينبغي أن تكون ملزمة ب "بناء النوع
(58) Vallor. (59) Dean. (60) Brett Gregory Johnson, "Speech, Harm, and the Duties of Digital Intermediaries: Conceptualizing Platform Ethics," Journal of Media Ethics , vol. 32, no. 1 (2017), p. 22.
المناسب من البنية التحتية الرقمية التي يجري من خلالها مشاركة المحتوى ومناقشته فحسب"؛ ما يشجع الممارسة الحرة للعقل التداولي وفق أفكار يورغن هابرماس. وتعمل وسائط التواصل الاجتماعي، وفق هذا الفهم، بوصفها وسائل إعلام بمضمون مختلف يُحِّمّل المسؤولية للمستخدمين
الذين قد لا يكونون ديمقراطيين بالضرورة، وتكون هي قناة نقلٍ. في الجانب الآخر من مسؤولية الحماية، ننتقل من احترام العقل البشري إلى حماية الكرامة الإنسانية المستمدة من أفكار إيمانويل كانط، بغض النظر عن مضمونها الحتمي، ومن الطابع غير الناقل لوسائط التواصل الاجتماعي؛ إذ بالنظر إلى مكانة "القوة الرمادية" كما يسميها فلوريدي لوتشيانو، وتعداد المستخدمين وحجم المعلومات المتداولة من خلالها، فهي مسؤولة عن "جودة التبادلات المعلوماتية"، وكذلك عن تعزيز رفاهيتها بتوسيع (كمية المعلومات)، وتحسين (جودة المعلومات)، وإثراء مجال المعلومات (تنوعها). منطقيًا، يتطلب الإيفاء بوعود جودة التبادلات المعلوماتية مستوى من التدخل فيها (التبادلات)، يراه
بعضهم إشرافًا ويراه آخرون هيمنة؛ فمن جانب احترام الكرامة الإنسانية، يظهر الإشراف المحمود في تولي وسائط التواصل الاجتماعي التعامل مع العنف والسلوك الإجرامي، والسلامة، والمحتوى محل الاعتراض بما فيه المحتوى الضار بوحدة المجموعة السياسية وخطاب الكراهية، والملكية الفكرية، وغيرها، وتوليها ما يلي من المسؤوليات: • ضمان فرص عادلة للمواطنين للمشاركة في المناقشات العامة. • الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمسائل ذات الاهتمام العام التي تأتي من مصادر موثوقة. • تكافؤ الفرص في الحصول على المعلومات. • الاستماع إلى مجموعة واسعة من وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام العام. لكن هناك من يطرح الهيمنة شبه العامة (تمييزًا لها من الهيمنة الخاصة المتعلقة بالأفراد، والهيمنة العامة المتعلقة بمؤسسات الدولة) و"التلاعب من طرف الغير" على أنه فشل أخلاقي، يتضمن إشرافًا "غير محمود" لهذه الوسائط؛ بحيث يسمح المجال التقديري لفرق الإشراف باحتمالية التحيز والتأثر بالسياق السياسي والذاتي. وهنا، تظهر الخوارزميات وسائط رقمية حاسمة، ويظهر للمستخدمين المعنى السلبي للحرية؛ فدور حراس البوابة الذي تؤديه الخوارزميات والذي يتجلّى في فقاعات الترشيح
(61) Ibid., p. 25.
((6(لمعلومات أكثر، ينظر:
Floridi Luciano, "The New Grey Power," Philosophy and Technology , vol. 28, no. 3 (2015), pp. 329–332. (63) Geeling & Brown, p. 4. (64) Dumbrava, p. 1.
(الاستباقي في هذه الحالة) وغرف الصدى الفردية والمجتمعية، تُظهر المستخدمين كأنهم قاصرون يحتاجون إلى حمايةٍ وإشراف من "وحوش فرانكنشتاين" في أحسن الحالات، مثيرةً قضايا تجزئة الفضاء العام وإدامة ظاهرة "دوامات الصمت"، وتعزيز المواقف، ومهِّدِدَة لاحتمالات ومُعزِزات وجود قاعدة توافق مبدئية يجري التداول بشأنها. عندما نفترض حسن نية مالكي وسائط التواصل الاجتماعي، فإن تلاعب الغير (تمييزًا من التلاعب الذي تمارسه الوسائط في حد ذاتها، والذي سيجري التطرق إليه لاحقًا) يظهر، عندما تفشل هذه الوسائط في توليها مسؤوليات حماية المستخدمين، وهو ما يشير إليه تقرير لحلف شمال الأطلسي "الناتو" صادر سنة 2020 (أقرته التقارير الصادرة لاحقًا)، بشأن خدمات التلاعب على وسائط التواصل الاجتماعي، من أن "حجم الصناعة هائل. إن البنية التحتية لتطوير وصيانة برامج التلاعب بوسائط التواصل الاجتماعي، وإنشاء حسابات وهمية، وتوفير بروكسيات متنقلة هائلة [...] [وإنها] أصبحت صناعة عالمية ومترابطة على نحوٍ متزايد [...] [ثم إن] انفتاح هذه الصناعة لافت للنظر؛ إذ بدلًا من أن يكون كامنًا في عالم سفلي غامض، فإنه سوق يسهل الوصول إليها ويمكن أن يصل إليها معظم مستخدمي الويب بجهد قليل من خلال أي محرك بحث". وتضمّن تقرير سنة 2023 إشارة إلى سياسيين من مختلف دول العالم، استفادوا من خدمات التلاعب خلال مناسبات انتخابية مختلفة. ونضيف إلى ذلك التلاعب المؤدي إلى انقسامات مجتمعية حادة كما وقع في ميانمار سنة 2018 مثلًا (المأساة التي تعرض لها الروهينغا)، والتي تضر بوعود تشجيع العقل العام التداولي؛ إذ اعترفت منصة فيسبوك آنذاك بأنها "لم تفعل ما يكفي" لمنع التحريض باستخدام صفحاتها.
ب. الشفافية
تستمد مطالبات تحمل الوسائط لمسؤولياتها الأخلاقية من حصرية ملكيتها للبنية التحتية التقنية، ونخص بالذكر الخوارزميات وكيفية عملها وحدود اّطلّاع المستخدمين عليها وعلى المعلومات التي تجمعها. لقد كانت ثقة المستخدمين بوسائط التواصل الاجتماعي غير محدودة في كل التفاعلات السياسية التي عرفها العالم منذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين. لكنّ إجراء باحثين في فيسبوك تجارب نفسية (أو دراسة العدوى العاطفية) من دون علم المستخدمين، فيما يُعرف إعلاميًا بفضيحة كامبريدج أناليتيكا،
(6((استخدم هذا المصطلح للدلالة على الرعب الناتج من نفوذ الخوارزميات. وهي استعارة مصدرها رواية عنوانها فرانكنشتاين، صدرت سنة 1818 للمؤلفة البريطانية ماري شيلي. فيكتور فرانكنشتاين طالب ذكي وهو الشخصية الرئيسة في الرواية.
(66) Vallor. (67) Nato Strategic Communications Centre of Excellence, How Social Media Companies Are Failing to Combat Inauthentic Behavior Online (Latvia: 2020), p. 6.
بعث موجةً من "إعادة التفكير" في "العالم الذي عرفناه"، وفي "السلطة الاجتماعية للخوارزميات "، خاصة أن المستخدمين لا يملكون السيادة على الخوارزمية التي "تقع في المقام الأول على عاتق النظام الأساسي". بعبارة أخرى، ومن خلال العودة إلى ما ورد من قبلُ، فإن المستخدمين لا يملكون السيادة الخوارزمية التي تمكّنهم من تلقي الإجابات الدقيقة عن أسئلة من قبيل: "هل أنني لا أزال أريدهم أن يروا المحتوى الخاص بي؟"، أو تقديم إجابات عن أسئلة من قبيل: "ما المعلومات التي يمكنكم مشاركتها مع طرف آخر؟"، و "من رأى المنشورات التي نشرتها؟"، و"لماذا تظهر لدي منشورات لكيانات من غير أصدقائي؟". بهذا المنطق، تتولى هذه الوسائط مسؤولية أخلاقية على الاختراقات المتواصلة لمفهوم الخصوصية (الفردية للمستخدمين والمجتمعية للمجتمعات)، وقد فعلت ذلك بإشاعة المفهوم السلبي للحرية بدلًا
من المفهوم الإيجابي. لقد سمحت "خفة اليد (بحسب ما كان وليم جايمس يسخر على نحوٍ منصف من الهيغليين) [...] [بأن] لا تبقى الذات التي لا ينبغي التدخل فيها هي الفرد برغباته وحاجاته الفعلية كما يتم إدراكها بصفة طبيعية، بل الإنسان 'الفعلي"'، بذاتهالمصطنعة. أعمق من ذلك، يتهم ناثانيال بيرسلي وجوشوا تاكر يتّهمان وسائط التواصل الاجتماعي – مستثنيين
منصة "إكس" (تويتر سابقًا) إلى حد ما – بممارسة تعتيم على البيانات، على نحو يجعلها الوحيدة التي تمتلك صورة مكتملة عن المجتمعات وذلك كما يلي:
"حظر مشاركة بيانات وسائط التواصل الاجتماعي لتحليلها من جانب المجتمع العلمي – أو أي باحثين ملتزمين بمشاركة النتائج في المجال العام – لا يعني أنه لا يجري استخراج هذه البيانات للحصول على رؤى، بل يعني أن موظفي المنصات سيكونون الوحيدين الذين يقومون بتحليل البيانات ومعرفة الإجابات عن الأسئلة الأكثر إلحاحًا بشأن تأثير وسائط التواصل الاجتماعي
في الديمقراطية والظواهر الاجتماعية الأخرى. ومن ثمّ، فإن الرؤى والخبرات لن تتدفق إّلا إلى عدد صغير من الشركات الكبيرة جًّدًا (والتي تتمتع بنفوذ سياسي)، والتي يصبح في وسعها بعد ذلك أن تنتقي وتختار بنفسها الأسئلة التي يتعيّن عليها طرحها، والاستنتاجات التي يتعيّن عليها
مشاركتها عامةَ الناس".
((6(العبارة مستوحاة من كتاب يناقش تأثير منصات التواصل الاجتماعي في المسلمات السياسية ومستقبل التفاعل السياسي ومحدداته في العالم. ينظر:
Francisco González Rodríguez (ed.), The Age of Perplexity: Rethinking the World We Knew (Barcelona: Penguin Random House, 2017).
((6(العبارة مستوحاة من كتاب دايفيد بيير، أستاذ علم الاجتماع في جامعة يورك بالمملكة المتحدة، وهو متخصص في البحث في تأثير تحولات التكنولوجيا والإعلام في إعادة تشكيل الثقافة والمجتمع. ينظر:
David Beer (ed.), The Social Power of Algorithms (London/ New York: Routledge, 2018). (70) Koene Ansgar et al., "Editorial Responsibilities Arising from Personalization Algorithms," The ORBIT Journal , vol. 1, no. 1(2017), p. 5.
(7((برلين، الحرية: خمس مقالات عن الحرية، ص.214
(72) Kleis Nielsen & Fletcher, p. 320.
يُسنِد التعتيم على البيانات تعَقّد عمل الخوارزميات حتى لدى المتخصصين؛ فهي "على درجة كبيرة
من التعقيد وغير مفهومة كليًا داخليًا"، كما يقول إيلون ماسك واصفًا خوارزمية التوصية في منصة إكس
التي تتكون من 20 مليون سطر من التعليمات البرمجية. وإضافةً إلى الغموض واستحالة الإحاطة، يضيف ماريوس فانغلي مسؤولية الوسائط في ممارسات التخصيص الاستباقي وفقاعات الترشيح وغرف الصدى في إحداث الاستقطاب السياسي الشديد في قضايا السياسات العامة الحاسمة وفي أثناء الانتخابات والاستفتاءات، مدعومة بتحدي القدرات العقلية القائمة في العادة على إطار تفكير متعارف عليه، محذرًا من خطر "مقاومة المعرفة القائمة على الملاءمة".
ج. الشمول
لقد أضحت وسائط التواصل الاجتماعي في حد ذاتها ساحة معركة تجعلها تحت طائلة المسؤولية الأخلاقية في جهود الانحياز أو الشمول. ولكونها شبكات عالمية، فإن الانحياز ليس متعلقًا بمحددات الجنس أو الدين أو الحزب والعرق فحسب، بل يتعداها إلى الانحياز إلى ثقافات الشعوب وأولوياتها وقضاياها وحاجاتها ومعاييرها في تعريف الخير والشر. وعلى الرغم من المعنى "البرّاق" للشمول، باعتباره تعبيرًا عن اللاتمييز في التمتع بحق الوصول إلى
الإنترنت وتطبيقاتها (ومنها الوسائط) في كل الظروف، فإن تداخلها مع محددات الطابع التجاري للوسائط، واختلاف القيم الثقافية للمجتمعات، يضفيان غموضًا على طبيعة السلطة غير التقليدية وقناة التنشئة السياسية غير التقليدية كذلك. نستحضر في هذا المقام مفهوم "أخلاق المسؤولية" الذي طرحه ماكس فيبر، والذي يُعنَى بتأثير قرارات المؤسسات في المجتمعات التي تعمل فيها، لنستفسر
عن المفهوم الذي تعتمده وسائط التواصل الاجتماعي للديمقراطية وحقوق الإنسان والمجموعات ومكانة الفاعلين، والذي تعتمده لتصنيف التغريدات أو المنشورات أو أي نشاط على هذه الوسائط بأنه ضار أو مفيد، ومثال ذلك حقوق المثليّين. إن التنميط السياسي، من خلال أضخم قنوات التنشئة
السياسية التي عرفها تاريخ البشرية، يؤكد ما قاله باريزر بخصوص تداخل الخوارزميات: "مع قدراتنا على فهم العالم فهمًا صحيحًا، فإنها تغير إحساسنا بالخريطة". بطريقة التفكير نفسها، يُطرح موضوع التحيز إلى سرديات الدول النافذة في القضايا الدولية،
كمفهوم الإرهاب وحقوق الشعوب في الدفاع عن نفسها وتقرير مصيرها، ولنا أمثلة في القضية الفلسطينية والتعامل مزدوج المعايير الذي تعانيه السردية الفلسطينية للإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد الاحتلال الإسرائيلي منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 (وقبله). وقد وثقت
(73) Marius Vangeli, "The Philosophy of Algorithmic Manipulation: Unveiling the Influence of Social Media Algorithms," Thesis Project, Uppsala University, Uppsala, 2023, p. 11. (74) Ibid., pp. 15–16.
((7(طُرح المفهوم سنة 1919 في واحدة من أشهر محاضرات ماكس فيبر والمعروفة ب "السياسة كحرفة". ينظر: ماكس فيبر، العلم
والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2011
(76) Vangeli, p. 4.
قنوات عربية، خاصة الجزيرة والتلفزيون العربي، هذا السلوك المتحيز لمنصة فيسبوك خاصة. وفي المقابل، "امتثلت هذه الشركات لنحو 95 في المئة من طلبات إسرائيل لحذف المحتوى المتعلق بالأحداث الفلسطينية". وجه آخر من اختراق واجب الشمول هو الخضوع لطلبات الأنظمة السياسية بحسب معيار نفوذها، ومن أمثلة ذلك الاهتمام بقضايا الخصوصية بدرجات حرص مختلفة من دولة إلى أخرى. وهذا في حقيقة الأمر لا يقع على عاتق الوسائط بقدر وقوعه على عاتق الدول. لكنه يوحي بحالة مما يسميه ماريوس فانغلي "الظلم" (أو اللاعدالة) عن طريق الإهمال المتأتي من عدم التفعيل المتعمد لآليات حماية الخصوصية أو وجود احتمال التنازل عنها لأغراض سياسية أو تجارية.
3. الدولة
إضافةً إلى الدولة والمواطن – باعتبارهما الطرفَين التقليدَّيَين في الحياة السياسية للمجتمعات – تظهر
وسائط التواصل الاجتماعي فاعلًا مثيرًا للجدل، أسس موجة من إعادة النظر في مفاهيم مثل الحرية
السياسية والسيادة. جمع هيغل بين الحرية والدولة معتبرًا أن "الحرية متيسرة فقط حينما يتمتع الشعب بوحدة قانونية داخل
الدولة"؛ وتنبأ بما آلت إليه الدولة اليوم، بحيث تستجيب باستمرار لمقتضيات تطور سياقها الداخلي والخارجي، في الوقت ذاته الذي لا يمكن لشعب أن ينعم فيه بالحرية – ضاقت أو اتسعت – بمعزل عن الحيز الجغرافي الذي تفترضه الدولة. وقد عبّر عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة عن الفكرة
نفسها بقوله: "إن نظرية الدولة هي نقد دولة الأخلاق والمثل العليا، نقد الطوبى التي تستلزم انقراض الإنسان الإنساني"، فيجمع بين المواطن والدولة (من حيث هي مؤسسات)، ويستحضر الحريات الفردية في مقابل المصلحة العامة المجتمعية في كتابه الثاني مفهوم الحرية بقوله: "إن الدولة تلعب دورًا أساسيًا في تهذيب الإرادة الطبيعية". من هذا المنطق، وبالانتقال إلى التفاعل السياسي عبر وسائط التواصل الاجتماعي، تسمح المكانة المرموقة للدولة ومؤسساتها – مقارنة بالفرد – باستحضار مفهوم عقل الدولة أو
(7((مثل برامج "للقصة بقية"، و"ما خفي أعظم" على قناة الجزيرة، وبرنامج "جدل" على قناة التلفزيون العربي. فقد عرضت هذه البرامج تقارير وتجارب عن حجب المستوى الفلسطيني باعتباره سلوكًا ممنهجًا يدل على نفوذ تمارسه – أو تتمتع به – إسرائيل على فيسبوك. (7((عمرو حسن فتوح، "استراتيجيات التحيز السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي حرب غزة نموذجًا"، السياسة الدولية،
2023/11/29، شوهد في 2024/5/25، في: https://acr.ps/1L9GPOW
(79) Vangeli, p. 11.
((8(العروي، ص 32؛
Georg Wilhelm Friedrich Hegel, La constitution de l’Allemagne (1800–1802) , Michel Jacob (trans.) (Paris: Champ Libre, 1974), p. 13.
((8(العروي، ص.42 (8((عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط 5 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص.64
منطقها، وهو ما تتحمل الدولة بموجبه مسؤولية أخلاقية في تحديد "ما يشكل النظام العام والأمن العام [...] وتحديد متى يتعرضان للتهديد". وهي بهذه المسؤولية، مخولة بفعل ما تراه مناسبًا من جمع
المعلومات عن مختلف الفواعل السياسية على وسائط التواصل الاجتماعي ومحاولة التأثير في هذه الفواعل من خلال الرقابة والمراقبة والضغط على مالكي وسائط التواصل الاجتماعي من أجل التعديل أو التخصيص والتعامل مع المنشورات المضللة. ووفق هذا المنظور تكون الحرية السياسية – كما عبر عنها مونتيسكيو؛ فهي "لا تعني السماح بفعل ما نرغب فيه [...] [بل] بما ينبغي أن نرغب فيه". فضلًا عن ذلك، يعرّف بعضهم الدولة بوظائفها – لا بمؤسساتها – ويعتبرونها مُلزَمة أخلاقيًا بمواجهة
"ظلم" الفرد إذا ما أنكر كل شيء إلا ذاته، "ولم يشعر بالحرية إلا عندما يبتعد عن قيم الجمهور [...] [متوهمًا خلق] قيمة خاصة به"، متجاوزًا أولويات المجتمع ومكانة الفاعلين السياسيين فيه، مستسلمًا
لنمطية عالمية. ويعتبر هذا الاتجاه أن مسوغات الدولة المعبر عنها بقوانين تمثل – كما قال جون لوك – "مصالح ملائمة". وقد يتقاطع مفهوم الأيادي القذرة مع منطق الدولة في بعض التفاصيل، إذا ما توافرت شروط بعينها في راسم السياسات العامة، خاصة في حال الترويج لمبرر "حماية المجتمع من تصرفات بعض أعضائه". إذا ما اعتمدنا هذا التفسير لمنطق الدولة وطبيعتها الأخلاقية، يمكننا تبرير وسائط التواصل الاجتماعي التي تنشئها الدول لمواطنيها، والتي تشكل بديلًا لوسائط التواصل الاجتماعي المعروفة عالميًا.
ويمكننا أيضًا أن نبرر حالات حجب الإنترنت، أو تقييد الوصول بوصفه من بين الإجراءات التي تلجأ إليها أنظمة سياسية في أشد اللحظات السياسية توترًا. أما في مواجهة وسائط التواصل الاجتماعي بوصفها شركات، فتراوح سيادة الدولة بين الرخاوة، والإصرار والغياب. وفي هذا السياق، يعتبر شميت مثلًا أن الدولة تُخلع "من عرشها، من حيث هي نموذج للكيان السياسي وحامل لأكثر الاحتكارات إدهاشًا؛ أي احتكار القرار السياسي". وهو وصف يمكن أن ينطبق على العلاقة بين وسائط التواصل الاجتماعي والدولة، خاصة من ناحية تأثيرها في تيار الأفكار السياسية وآليات التجييش والتعبئة التي تستطيع الوسائط ممارستهما في أحسن الأحوال،
(8((يقدم المفكر عزمي بشارة في كتابه مسألة الدولة مصطلح "اعتبارات الحكم ومنطقه" للدلالة على الانفصال بين مبررات القرارات السياسية والاعتبارات الدينية والأخلاقية، معتبرًا أن الترجمة الرائجة للفكرة في الأدبيات العربية "المصلحة العليا للدولة"
غير دقيقة. ينظر: عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2023 (8((كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.26 (8((برلين، الحرية: خمس مقالات في الحرية، ص 229. نقلًا عن:
Montesquieu, "De l’Esprit des lois," Book XI, in: André Masson (ed.), Œuvres complètes de Montesquieu (Paris: Les Editions Nagel, 1950–1955), p. 205.
(8((العروي، مفهوم الحرية، ص.63 (8((برلين، الحرية: خمس مقالات في الحرية، ص.229
وعلى قدرة الدول على المواجهة في أسوأ الأحوال. وفي هذا الصدد يقسو كارل شميت على الدولة بقوله: "لا يجوز تبذير كلمة واحدة إضافية بعد الآن" مشيرًا إلى نهاية عصر الدولة والدولتية. في جانب آخر، تقع على الدولة مسؤولية حماية مواطنيها في إطار حمايتها للمجتمع والدولة، مستنهضة السيادة شرطًا من شروط قيامها في الوقت نفسه الذي تقع فيه على عاتقها مسؤولية الموازنة بين الحقوق المتنافسة؛ فليس معقولًا في أشد صور الحرية تطرفًا أّلا يوجد أي تدخّل لمؤسسات الدولة في العلاقة بين وسائط التواصل الاجتماعي والمواطنين، وأن تكون المجتمعات رهنًا لشركات متعددة الجنسيات؛ لا هي تجارية محضة ولا هي سياسية محضة ولا هي إعلامية محضة أيضًا، يخضع معظمها لقانون دولة المنشأ، أي الولايات المتحدة وولايتها كاليفورنيا. تصرفت دول وكيانات رسمية لحماية مواطنيها مجتهدة في "استبطان المعايير الأخلاقية والخوف من العقاب المجتمعي" والرسمي لدى الشركات التي تملك الوسائط باعتماد معايير الضرر والفائدة، والتقييم والمعالجة الأخلاقية، بما يخلف ألمًا داخليًا تحتفظ به المؤسسات في ذاكرة الضمير
المؤسساتي؛ نظرًا إلى غياب مفهوم العار عنها، مثل ما حدث بعد فضيحة كامبريدج أناليتيكا:
استعرضت الهيئات التنظيمية في جميع أنحاء العالم، كما هو متوقع، عضلاتها لتقييد قدرة الوسائط على جعل البيانات الخاصة في متناول أي شخص خارج الشركة، وفي بعض الحالات لمنع جمع بيانات معينة من الشركة نفسها. منذ سنة 2011، كان فيسبوك خاضعًا لمرسوم موافقة مع لجنة التجارة الفدرالية الأميركية FTC. وهذا المرسوم، الذي نشأ بسبب فشل فيسبوك في الالتزام بسياسات الخصوصية المفصلة، يقيد جميع أنواع الوصول المحتمل للبيانات بالنسبة إلى الأكاديميين وغيرهم. ثمّ إنه يضع فيسبوك تحت رقابة مكثفة ومستمرة من جانب وكالة اتحادية. وبناءً على انتهاكها الملحوظ لمرسوم الموافقة في فضيحة كامبريدج أناليتيكا، دخلت لجنة التجارة
الفدرالية في تسوية ومرسوم جديد مع فيسبوك، وقد تضمن غرامة قدرها 5 مليارات دولار وإشرافًا مستقبليًا إضافيًا على إجراءات فيسبوك.
وظهرت في فضاء العلاقة الثلاثية (دولة، مواطن، وسائط) مجموعة من الأطر التنظيمية، لعل أشهرها اللائحة العامة لحماية البيانات GDPR الصادرة عن البرلمان الأوروبي والمجلس الأوروبي بشأن حماية الأشخاص الطبيعيين فيما يتعلق بمعالجة البيانات الشخصية وحرية حركة هذه البيانات، وإلغاء التوجيه، إضافةً إلى المبادرات ذات الصلة؛ مثل "المبادئ التوجيهية الأخلاقية للذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة" الصادرة عن فريق العمل الرفيع المستوى (2019) التابع للمفوضية الأوروبية، وقد تناولت أربعة مبادئ أخلاقية: احترام استقلالية الإنسان، ومنع الضرر، والإنصاف، وقابلية التوضيح، فضلًا عن "الاستخدام الضار المحتمل للذكاء الاصطناعي"، و"مبادئ بيجين للذكاء الاصطناعي"
(8((شميت، مفهوم السياسي، ص.52 ((8(الأتاسي، ص.94
(90) Kleis Nielsen & Fletcher, p. 317.
الصادرة عن الأكاديمية الصينية للهندسة (أكاديمية بيجين للذكاء الاصطناعي، 2019). ونظرًا إلى كون
وسائط التواصل الاجتماعي مؤسسات ذات طابع تجاري، فإنه يمكننا اعتبار "مبادئ الاتفاق العالمي للأمم المتحدة" معنيةً كذلك بتجليات تدخّل الدول. في سياق ما سبق، ظهرت قراءات مستحدثة لحقوق الإنسان، منها: الحق في تلقي المعلومات، والحق في استكشاف المعلومات، والحق في الخصوصية وحماية البيانات، والحق في التفسير، والحق في بيئة مواتية للنقاش العام والتعددي، والحق في تقرير المصير المعلوماتي، والحق في انتخابات حرة، والشفافية والمساءلة، والحق في الحصول على المعرفة بالأسباب الكامنة وراء معالجة البيانات، والحق في الاعتراض في أي وقت، وغير ذلك من الحقوق الأخرى. ويمثل الجدول (2) الحقوق التي يفترض أن تتحمل الدولة مسؤولية ضمانها للمواطنين، وتأثيرها في التفاعل السياسي ونطاقات تدخّل الدولة. الجدول (2) مسؤولية الدولة عن الحقوق الضامنة لتفاعل سياسي عادل
النطاق الأخلاقي لتدخّل
| موضوع الحقوق | أهدافها | النطاق الأخلاقي لتدخّل الدولة | |
|---|---|---|---|
| الحقوق الرقمية بوصفها حمية لأألحريات السلبية | اأملأفراد والشركات | حرية التعبير والاختيار اممملفردي | الحقوق الأساسية للأفراد والملكية؛ حدود سلطة الدولة |
| الحقوق الإيجابية وأأالتزامات الدولة | الأفراد بصفتهم مواطنين، مواطنين بميمأصفة جمعية | المواطنة النشطة، والمساواة في الوصول، والقدرة الفاعلة على التواصل | التنظيم والسياسة العامة |
| الحقوق بوصفها وسيلة لتحقيق "العدالة اأااملمعلوماتية" | الأفراد والمجموعات الاجتمعية والمجتمعات | العدالة التوزيعية وحمية اامملفئات المستضعفة | التنظيم والسياسة العامة والممرسات الاجتمعية وميالمعايير |
| الإمكانات التي توفرها الوسائط | مستخدمو خدمات محددة | ااارلفرص التكنولوجية | التنظيم الذاتي والمسؤولية الاجتمعية للشركات وشروط الاستخدام |
المصدر:
Howard Tumber & Silvio Waisbord, The Routledge Companion to Media and Human Rights (London/ New York: Routledge, 2017), p. 320.
خاتمة
في أثناء كتابة هذه الدراسة، صادفت أكثر من 470 اسمًا من أسماء الأعلام، بين مؤلف ومفكر، قديم
وحديث ومعاصر، وفي مختلف صنوف المعرفة؛ علم الاجتماع وعلم النفس والعلوم السياسية والفلسفة والأخلاقيات التطبيقية وعلوم الإعلام والاتصال وعلوم الكمبيوتر والرياضيات وميدان الذكاء الاصطناعي، عبّروا عن مواقف تجاه مكانة وسائط التواصل الاجتماعي و/ أو عن الأخلاق و/ أو عن
السياسة. ويسمح هذا التداخل المعرفي باستشعار مدى التعقيد الذي يميز دراسة الأخلاق السياسية في زمن التفاعل الرقمي، والحاجة – في الوقت نفسه – إلى مجالات معرفية يميل بعضها إلى الدقة والآخر إلى التقدير لبحث ما يجب أن تكون عليه معايير محاكمة الممارسة السياسية. لقد اختلف المفكرون بشأن المعايير الأخلاقية للتفاعل السياسي عبر التاريخ، وليس غريبًا أن يختلفوا
الآن وهي محملة بطبقات مستحدثة من التعقيد، أثّرت في مرجعيات صناعة المعايير التي قد تتقبل كيانات ليست وطنية، وفي حالات ليست ذات أصل بشري وشبه ذاتية الإدارة، وهي الخوارزميات. لقد أدت التحولات في بيئة التفاعل السياسي وأدواته الناتجة من وسائط التواصل الاجتماعي إلى إعادة النظر في درجة حضور سلوكيات تقليدية؛ مثل الرقابة والمراقبة والإشراف والهيمنة والتلاعب والشفافية والحماية. وهي وإن اعتُبرت تطورًا طبيعيًا، تفترضه المرحلة أو فرصة للرقي بالممارسة السياسية في
عمومها، فإن الأدبيات تتفق على نطاق المسؤولية الأخلاقية التقليدية للدولة في حماية مواطنيها وفق ما يفترضه منطق الدولة ومنطق المشاركة في إدارة الشأن العام، ولا تُخلى المسؤولية في الوقت نفسه عن هذه الوسائط استنادًا إلى التطور التكنولوجي الذي يفوق الدول في بعض الحالات، واستنادًا إلى حصرية امتلاكها البنية التحتية الرقمية والخوارزمية. وبين الوسائط والدولة، يتولى المواطن في نطاق حريته السلبية أو الإيجابية تحديد مستوى التزامه بأخلاق التفاعل السياسي. تعترف هذه النقاشات ضمنيًا لوسائط التواصل الاجتماعي بالتأثير في صناعة المعايير الأخلاقية،
وفي خلق بيئة الالتزام بها؛ لأن الفهم المستنير والقدرة على الاختيار يتضمنان سعيًا نحو مصلحة
الجماعة السياسية، بمنطق أحد مفكّري العقد الاجتماعي مثلًا. ويتضمن منطق الدولة كذلك سعيًا لمصلحة الجماعة السياسية، بمنطق مفكر آخر من مفكّري العقد الاجتماعي كذلك. وفي
الحالتين، نلاحظ تهميشًا لهذه الوسائط، ليس بمعيار المكانة بل بمعيار الهدف؛ فاستمرارية النقاش حول الدولة والمواطن في زمن وسائط التواصل الاجتماعي يحيلنا إلى كونها وسيلة تتولى الدولة، في السياقات التشاورية، وضع معايير استغلالها بمسمى الحقوق (الحق في تقرير المصير الإلكتروني، والحق في الخصوصية، والحق في الشفافية، والحق في بيئة مواتية للنقاش العام والتعددي،... وغيرها). ويتولى المواطن التمتع بها (الحقوق) في حدود المسؤولية الأخلاقية ومحددات الارتداع التي تتضمنها القوانين.
References
المراجع
العربية
الأتاسي، أحمد نظير. "الأخلاق والسياسي: جدلية الفردي والمؤسساتي". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف.)2023 أرندت، حنة. ما السياسة؟ ترجمة زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك. الجزائر: منشورات الاختلاف،.2014
برلين، إيزايا. الحرية. ترجمة معين الإمام. مسقط: منشورات دار الكتاب،.2015 _______. الحرية: خمس مقالات عن الحرية. ترجمة يزن الحاج. القاهرة: المركز القومي للترجمة؛ دار التنوير للطباعة والنشر،.2015 بشارة، عزمي. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 بغورة، الزواوي. "خطاب الحداثة الأخلاقية عند تشارلز لارمور". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف
الحاج صالح، رشيد. "تأملات في الفكر الأخلاقي العربي المعاصر: بحث في العلاقة بين الأخلاق والسياسة". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف.)2023 السيد، فاطمة الزهراء. "الخوارزميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي". لباب. العدد 5 (شباط/ فبراير.)2020 سيل، بيتر بي. الكون الرقمي: الثورة العالمية في الاتصالات. ترجمة ضياء ورّاد. لندن: مؤسسة هنداوي،
شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 _________. مفهوم السياسي. ترجمة سومر محمود المير. مصر: دار الكتب المصرية،.2017 العروي، عبد الله. مفهوم الحرية. ط 5. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1993 ________. مفهوم الدولة. ط 10. المغرب: المركز الثقافي العربي،.2014 فيبر، ماكس. العلم والسياسة بوصفهما حرفة. ترجمة جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
لارمور، تشارلز. أخلاق الحداثة. ترجمة مايكل مدحت يوسف. القاهرة: المركز القومي،.2022 مدحت، مايكل. "الرهانات الأخلاقية للتسامح في فلسفة توماس سكانلون". تبين. مج 12، العدد 46 (خريف.)2023 موسى، محمد الأمين. "شبكات التواصل الاجتماعي والرقابة على المحتوى". لباب. العدد 5 (شباط/ فبراير.)2020
الأجنبية
Ansgar, Koene et al. "Editorial Responsibilities Arising from Personalization Algorithms." The ORBIT Journal. vol. 1, no. 1 (2017). Arguedas, Amy Ross et al. "Echo Chambers Filter Bubbles and Polarisation: A Literature Review." The Royal Society (2022). at: https://acr.ps/1L9GPXD Beer, David (ed.). The Social Power of Algorithms. London/New York: Routledge,
Cassirer, Ernest. The Myth of the State. New Haven: Yale University Press, 1946. Cavalier, Robert J. (ed.). The Impact of the Internet on Our Moral Lives. Albany, NY: SUNY Press, 2005. Dumbrava, Costica. Key Social Media to Democracy. Brussels: European Union, 2021. Eg, Ragnhild, Ozlem Demirkol Tønnesen & Merete Kolberg Tennfjord. "A Scoping Review of Personalized User Experiences on Social Media: The Interplay between Algorithms and Human Factors." Computers in Human Behavior Reports. vol. 9 (2023). Floridi, Luciano. "The New Grey Power." Philosophy and Technology. vol. 28, no. 3
Forestal, Jennifer & Abraham Singer. "Social Media Ethics and the Politics of Information." Business Ethics Journal Review. vol. 6, no. 8 (2020). Geeling, Sharon & Irwin Brown. "Towards Ethical Social Media Practice: A Grounded Theory for Analyzing Social Media Platform Ethics." SSRN Papers. 18/10/2021. at: https://acr.ps/1L9GPeP González Rodríguez, Francisco (ed.). The Age of Perplexity: Rethinking the World We Knew. Barcelona: Penguin Random House, 2017. Gorniak Kocikowska, Krystyna. "The Computer Revolution and the Problem of Global Ethics." Science and Engineering Ethics. vol. 2, no. 2 (1996). Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. La constitution de l’Allemagne (1800–1802). Michel Jacob (trans.) Paris: Champ Libre, 1974. Johnson, Brett Gregory. "Speech, Harm, and the Duties of Digital Intermediaries: Conceptualizing Platform Ethics." Journal of Media Ethics. vol. 32, no. 1 (2017). March, James G. & Johan P. Olsen. Rediscovering Institutions: The Organizational Basis of Politics. New York: The Free Press, 1989. Masson, André (ed.). Œuvres complètes de Montesquieu. Paris: Les Editions Nagel,
Nato Strategic Communications Centre of Excellence. How Social Media Companies Are Failing to Combat Inauthentic Behavior Online. Latvia: 2020. Nissen, Thomas Elkjer. The Weaponization of Social Media. Copenhagen: Royal Danish Defence College, 2015.
Pariser, Eli. The Filter Bubble: What the Internet is Hiding from You. New York: Penguin Press, 2011. Persily, Nathaniel & Joshua A. Tucker (eds.). Social Media and Democracy: The State of the Field, Prospects for Reform. Cambridge/ New York: Cambridge University Press,
Reisach, Ulrike. "The Responsibility of Social Media in Times of Societal and Political Manipulation." European Journal of Operational Research. vol. 291, no. 3 (2021). Stark, Birgit & Daniel Stegmann. "Are Algorithms a Threat to Democracy? The Rise of Intermediaries: A Challenge for Public Discourse." Governing Platforms. 26/5/2020. at: https://acr.ps/1L9GPq3 Vangeli, Marius. "The Philosophy of Algorithmic Manipulation: Unveiling the Influence of Social Media Algorithms." Thesis Project. Uppsala University. Uppsala. 2023.