العودة إلى تفاصيل المؤلَّف شبكات التواصل الاجتماعي والرهان السياسي - الأخلاقي في ضوء تحديات الذكاء الاصطناعي

شبكات التواصل الاجتماعي والرهان السياسي - الأخلاقي في ضوء تحديات الذكاء الاصطناعي

Social Networks and Political–Ethical Challenges in the Wake of Artificial Intelligence

صلاح عثمان *

Salah Osman *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى معالجة أبعاد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي من النواحي السياسية والأخلاقية والقانونية، في ضوء التطورات المتسارعة والمؤثرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، انطلاقًًا من افتراض رئيس مؤداه أن هذه الشبكات تبرز بوصفها "كائنات مفرطة" تتسم بكونها ذات أبعاد مكانية – زمانية شاسعة، تتجاوز محليتنا الزمكانية، وتهزم أفكارنا التقليدية حول ماهية الشيء، وتُُواجهنا بمشكلات يبدو أنها لا تتحدى سيطرتنا فحسب، بل تتحدى عاداتنا العلمية والفلسفية في التفكير أيضًًا، وتضع أنساقنا السياسية والأخلاقية موضع الاختبار.

Abstract

Abstract: This paper addresses the political, ethical, and legal dimensions of the use of social media networks in light of rapid and impactful developments in artificial intelligence technologies. It is based on the main hypothesis that social media networks present themselves to us as hyperobjects – entities characterized by vast spatial and temporal dimensions that transcend our local spatiotemporal frameworks. Hyperobjects defy our conventional ideas about the essence of things and confront us with problems that not only challenge our control, but also question our scientific and philosophical habits of thought, putting our political and ethical systems to the test.

الكلمات المفتاحية:
  • وسائط التواصل الاجتماعي
  • الذكاء الاصطناعي
  • الهيمنة
  • الأخلاق
Keywords:
  • Artificial Intelligence
  • Social Media
  • Ethics
  • Hyperobjects
  • Control

النواحي السياسية والأخلاقية والقانونية، في ضوء التطورات المتسارعة والمؤثرة لتقنيات الذكاء

الاصطناعي، انطلاقًا من افتراض رئيس مؤداه أن هذه الشبكات تبرز بوصفها "كائنات مفرطة"

تتسم بكونها ذات أبعاد مكانية – زمانية شاسعة، تتجاوز محليتنا الزمكانية، وتهزم أفكارنا

التقليدية حول ماهية الشيء، وتُواجهنا بمشكلات يبدو أنها لا تتحدى سيطرتنا فحسب، بل

تتحدى عاداتنا العلمية والفلسفية في التفكير أيضًا، وتضع أنساقنا السياسية والأخلاقية موضع

الاختبار.

الهيمنة، النُظم الأخلاقية.

مقدمة

إذا كانت ثمة سمة تُميز عالمنا المعاصر مما عداه من مراحل في مسيرة تطور الإنسان حضارًّيًا، فإن هذه السمة – بلا شك – هي ثورة المعلومات المزدهرة والمنطلقة بلا هوادة في

معية التطورات الهائلة والمتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي. إن تطوير الحوسبة (عتادًا وبرمجياتٍ)، وإعادة التوجيه التكنولوجي لشرائح واسعة من البشر على المستوى الدولي، وانتشار "وسائط التواصل الاجتماعي" Social Media، وتنامي شبكة الإنترنت التي تضاءلت معها وبها أبعاد عالمنا الجغرافي... إلخ، كل ذلك أدى إلى تغيير جذري في طرائق عيشنا وعملنا وتواصلنا، بل في الطبيعة النوعية لأفكارنا ومشاعرنا وقيمنا وثقافاتنا وهوياتنا، وفي كيفية فهم بعضنا لبعضنا الآخر. ولا غرو؛

فنحن مقيمون على الإنترنت، نرسم معالم دنيانا التي نبتغيها من خلالها، ونمارس تمثيل شخصياتٍ أبعد ما تكون عنا، نحقق زيفًا أحلامًا قد تكون بعيدة المنال، ويُصدق بعضُنا بعضَنا الآخر فيما نسوقه من

أكاذيب ومثاليات، ننعم بأقوالٍبلا أفعال، وقلوبٍ بلا عواطف، وجنّاتٍ بلا نعيم، وألسنة في ظلمات

الأفواه المغلقة تنطق بحركات الأصابع، وحريةٍ محاطة بأسيجة الوهم، ومن غير إنترنت سيبدو أكثر الناس قطعًا على حقيقتهم التي لا نعرفها أو بالأحرى نعرفها ونتجاهلها! بهذه الثورة المعلوماتية أصبحنا أمام ما ندعوه "المجتمع الرقمي" Digital Society، و"الفرد الرقمي" Digital Individual، و"المواطنة الرقمية"؛ "مواطنة افتراضية" Virtual Citizenship في فضاء إلكتروني تكنولوجي واسع المدى، تتعدد فيه الهويات، وتتداخل القيم، وتتهاوى الخصوصية، وتُزيّف المشاعر،

وتنبثق حقوق وواجبات جديدة تضع الهوية، وحقوق الإنسان، وطرائق الهيمنة – بمفهومها التقليدي – في مأزق تنظيري وتطبيقي. والإحصاءات في هذا الصدد بالغة الدلالة، ومنها على سبيل المثال أنّ عدد سكان العالم بلغ في آب/ أغسطس 2024 8.2 مليارات نسمة تقريبًا. ووفقًا لإحصاءات شركة ستاتيستا Statista

الألمانية، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في نيسان/ أبريل 2024 حوالى 5.44 مليارات شخص في جميع أنحاء العالم؛ أي ما يُعادل 67.1 في المئة تقريبًا من إجمالي سكان الكرة الأرضية. وبلغ عدد مستخدمي

وسائط التواصل الاجتماعي أكثر من 5.7 مليارات شخص (62.6 في المئة من سكان العالم)، أي إن نحو 95 في المئة من مستخدمي الإنترنت هم من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي. تشير أحدث البيانات إلى أن نحو 424 مليون شخص قد بدؤوا رحلتهم على وسائط التواصل الاجتماعي أوّل

مرة خلال سنة 2022؛ ما يعادل في المتوسط أكثر من مليون مستخدم جديد يوميًا، أو قرابة 13.5 مستخدمًا

جديدًا في كل ثانية. وتكشف الأبحاث التي أجرتها مؤسسة الأبحاث الدولية غلوبال ويب إندكس Global Web Index, GWI أن مستخدم الإنترنت العالمي "النموذجي" يقضي حالًّيًا نحو سبع ساعات يوميًا في

استخدام الإنترنت. فإذا افترضنا أن الشخص العادي يقضي في النوم ما يراوح بين 7 و 8 ساعات يوميًا، فإن

مستخدم الإنترنت النموذجي يقضي حالًّيًا أكثر من أربعين في المئة من حياته الاستيقاظية عبر الإنترنت.

(1) "Current World Population," Worldometer , 8/8/2024, accessed on 20/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GP6n (2) Ani Petrosyan, Internet and Social Media Users in the World 2024. Worldwide Digital Population 2024 , Statista , 22/5/2024, accessed on 20/8/2025, at: https://acr.ps/1L9zQgY

وتشير أحدث الأرقام إلى أن العالم قد قضى أكثر من 12.5 تريليون ساعة على الإنترنت سنة 2022، بمعدل ساعتين و 27 دقيقة يوميًا. وقد ازداد الوقت الذي نقضيه في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بمعدل

دقيقتين يوميًا؛ ما يعني قضاء أكثر من 4 تريليونات ساعة في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي. يبلغ معدل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي على مستوى العالم 59.4 في المئة، ويُعدّ فيسبوك

Facebook أكبر منصة للتواصل الاجتماعي من حيث قاعدة المستخدمين؛ حيث يبلغ عدد مستخدميه 2.99 مليار. ويتفاعل مستخدم الوسائط الاجتماعية النموذجي مع 6.6 من منصات التواصل الاجتماعي. ويوجد في شرق آسيا أكبر عدد من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي (26 في المئة) سنة 2023، ويستخدم هذه الوسائط 85 في المئة من مستخدمي الهواتف المحمولة في العالم البالغ عددهم 5.27 مليارات شخص. وفي حين ازدهر الربيع العربي منذ أكثر من عقدٍ استنادًا إلى وسائط التواصل الاجتماعي، وتحديدًا تويتر Twitter وفيسبوك في ذلك الوقت، فإن الأهمية التي تتسم بها هذه الوسائط اليوم متعددة الأبعاد. لقد غيرت المنصات التي تضم مئات الملايين من الحسابات في المنطقة العربية أنماط التواصل والاهتمامات، وحتى اللغة التي تستخدمها الأجيال الشابة، بل إنها كشفت أيضًا عن تضخم الفساد وسوء السلوك السياسي والظلم الاجتماعي والقانوني، وأدت إلى تغييرات فعلية في الأنظمة القانونية والرؤى الأخلاقية في كثير من البلدان. أضف إلى ذلك ما تتسم به خوارزميات بناء وسائط التواصل وآليات عملها من توجهات أيديولوجية، تعمل على ترسيخ علاقات القوة والهيمنة والرقابة غير المسبوقة. والأهم من ذلك قدرتها على استنزاف الإرادة الفردية والجمعية. بعبارة أخرى، نستطيع القول إن تكلفة التنظيم الذاتي

لوضع حدودك الخاصة خلال استخدامك وسائط التواصل الاجتماعي مرتفعة على نحو كافٍ؛ فهي تستنزف قوة الإرادة التي كان من الممكن إنفاقها في شيء آخر. وقد تشكّل هذه الزيادة في عبء التنظيم الذاتي تحديًا فريدًا لأولئك الذين يعيشون في فقر، وإن التصقوا حياتيًا بهذه الوسائط. ويتجلى عمق التحدي حين نعلم أن نحو 90 في المئة من الشباب العربي يستخدمون شكلًا من أشكال وسائط التواصل الاجتماعي، مقارنةً باستخدام بقية سكان العالم (أقل من 60 في المئة)، وذلك وفقًا لدراسة حديثة نشرتها جامعة أوريغون الأميركية. وفي حين تفضّل الغالبية العظمى من المستخدمين المصريين (حوالى 90 في المئة) منصة فيسبوك، فإن منصتَي سناب شات Snapchat وتويتر تتصدران منطقة الخليج. وقد أثارت هذه الشعبية سلسلة من الإجراءات المضادة من الحكومات في جميع أنحاء المنطقة؛ ما أدى إلى مزيد من التغييرات القانونية التي وضعت حرية التعبير من خلال وسائط التواصل الاجتماعي على المحك.

(3) Simon Kemp, Digital 2022: Global Overview Report , accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GP5F (4) Carole Foy, "How Much Time Do People Spend on Social Media in 2024?" Twicsy (2024), accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPuF (5) "Social Media: A Decade of Leading Change in the Arab World," DW , 14/6/2021, accessed on 14/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GQ1p

على المستوى التقني، تُبشر تكنولوجيات التواصل المدعومة ببرمجيات الذكاء الاصطناعي بطموحات

ضخمة تتجاوز نطاق الخيال في أدبيات العلم والفلسفة منذ عقودٍ خلت، بل يمكن أن نتوقع قريبًا نسخًا

مرعبة من هذه التكنولوجيات تتغير بمقتضاها طبيعة التواصل الإنساني إلى الأبد. ولعل هذا ما تشتمل عليه كلمة "ميتافيرس" Metaverse من دلالات؛ وهي كلمة استخدمها، أول مرة، كاتب الخيال العلمي الأميركي نيل ستيفنسون Neal Stephenson في روايته تحطم الثلج Snow Crash (1992)، للدلالة على تفاعل البشر مع بعضهم ومع البرمجيات في فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد مشابه للعالم الفعلي، وفيه يمكن أن يتفاعل الأفراد عبر صورهم الرمزية اجتماعيًا ومهنيًا، والاستثمار في العملات وغيرها،

والتعليم والتعلم، والعمل، والسفر، في واقع افتراضي معزّز تكنولوجيًا، تُطمس فيه الخطوط الفاصلة

بين ما هو واقعي وما هو سريالي أو ميتافيزيقي؛ وهو ما قد يكون له تأثير عميق في النفس البشرية التي ما إن تشعر بالواقعية حتى تتماهى أمامها معاني الذاتية والموضوعية. قد يتحرر المرء في عالم الميتافيرس عبر المكان والزمان على نحوٍ تجريدي، لكن التجربة التي سيختبرها العقل الواعي قد تكون جحيمية؛ إذ من الأرجح أن يقضي الناس أغلب أوقاتهم في إعادة بناء واقعنا الحالي على صورتهم الخاصة جزئيًا، بينما يعيشون في قيود دينية واجتماعية وسياسية هي ذاتها القيود التي كانوا

يكابدونها عادةً؛ على الأقل في البداية. أما الأجيال التالية، فمن المتوقع أن تكون بنيتهم الحياتية مختلفة كلًّيًا وشديدة الخصوصية؛ تعتمل في إطار قوانين اجتماعية غريبة جًّدًا، وقوانين فيزيائية تستعصي على

المألوف، وأخلاقيات تتجاوز ميولنا وقناعاتنا الحالية. وما من تأكيدٍ أنّ ثمة نسيجًا للمجتمعات المتداخلة

يمكن أن يتفاعل عضويًا ليحقق الاستقرار، مثلما حدث لمجتمعاتنا عبر التاريخ، وربما كان ذلك بسبب

السرعة الفائقة التي من المتوقع أن يبني بها الناس بيئاتهم الخاصة ويغيرونها. لذا، قد تكون الحاجة إلى

أطرٍ فلسفية جديدة ملحّة، بحيث تُحقق الاستقرار المطلوب لكي يشعر الناس بالسعادة والرضا في عالمٍ

من صنعهم، يمتزج فيه الواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، والموضوعية بالذاتية. انطلاقًا مما سبق، تهدف هذه الدراسة إلى معالجة الأبعاد السياسية والأخلاقية والقانونية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في ضوء تطورات متسارعة ومؤثّرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك استنادًا إلى عدد من الإشكاليات التي يمكن صياغتها في تساؤلات على النحو التالي: • ما "الكائنات المُفرطة" Hyperobjects؟ وما خصائصها؟ وكيف يمكن أن تتبدى وسائط التواصل

الاجتماعي بوصفها كائنات مُفرطة ظلّت مسؤولة عن اللحظة التالية من تاريخ البشرية وتفكيرها؟

وهل نملك حاليًا سُرعة الهروب المعرفية، بالعلم أو الفلسفة التقليدية، من كثافة وسائط التواصل

الاجتماعي الوجودية؟ • كيف يُمكننا التعامل فلسفيًا وسياسيًا وأخلاقيًا مع أبعاد المواطنة الرقمية وتأثيراتها المتعددة في

الهوية، لا سيما في عالمنا العربي المعاصر، من حيث كونه مستهلكًا للمعرفة وليس مُنتجًا لها؟ • إلى أي حدّ يُمكن أن تتفاعل الآلات الذكية مع الدماغ البشري، أو تُبشر بإمكانات جديدة للتلاحم

والتواصل البشري؟ وما التأثيرات الأخلاقية والاجتماعية الناجمة بالضرورة عن ذلك؟

• إذا كان نسيج الميتافيرس، و"المُحول التوليدي المدرب مسبقًا" Generative Pre–trained

Transformer، المعروف اختصارًا باسم "جي بي تي" GPT، يهدف إلى تعظيم الإبداع والإنتاجية

الفردية والمجتمعية، الأمر الذي يتعارض مع المؤسسات والقوانين والتنظيمات الحالية، فما عسى أن تكون تلك الفلسفة التي يُمكنها التنظير له؟ وهل ولجنا في عالم ما بعد الإنسانية فعلًا؟ تُعالج الدراسة ما سبق من إشكاليات، في ضوء افتراض رئيس، مؤداه أن شبكات التواصل الاجتماعي تبرز بوصفها كائنات مُفرطة، على حد تعبير الفيلسوف الأميركي تيموثي بلوكسام مورتون. وهي تتسم

بكونها ذات أبعاد مكانية – زمانية شاسعة تتجاوز محليتنا الزمكانية، وتهزم أفكارنا التقليدية حول ماهية الشيء، وتُواجهنا بمشكلات يبدو أنها لا تتحدى فقط سيطرتنا، بل إنها تتحدى أيضًا عاداتنا العلمية والفلسفية في التفكير، وتضع أنساقنا السياسية والأخلاقية والفنية موضع الاختبار. للتحقق من الافتراض الرئيس، والإجابة عما يرتبط به من تساؤلات، استخدمنا منهجًا مركّبًا؛ تاريخيًا في

جانب، تحليليًا في جانبٍ ثانٍ، نقديًا مقارنًا في جانبٍ ثالث. ويتجلى المنهج التاريخي في تتبع تصورات

"شبكات التواصل الاجتماعي"، و"الكائنات المُفرطة"، و"الذكاء الاصطناعي"، و"التعلم العميق"،

و"الشبكات العصبية الاصطناعية" وما يرتبط بها من مصطلحات نوعية، وتطوراتها عبر تاريخ العلم والفلسفة. أما المنهج التحليلي، فتنبع ضرورته من حاجة البحث إلى تحليل نماذج نوعية مختارة من وسائط التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من أجل الكشف عن بنيتها وما يمكن أن تثيره من مشكلات أخلاقية وأنطولوجية (وجودية) وقيمية. وأما المنهج النقدي المقارن، فتعكسه أوجه النقد التي نكشف عنها، أو نوجهها إلى هذه المسألة أو تلك، إضافةً إلى مقارنة الأنماط المختلفة من الأبعاد الفلسفية والسياسية والأخلاقية بعضها ببعض، سواء في الإطار المقولي الواحد أو في الأطر المتنوعة.

أولا: شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها كائنات مفرطة

يهدف هذا المبحث إلى تبيان ماهية الكائنات المُفرطة وخصائها، وطبيعة وسائط التواصل الاجتماعي

بوصفها كائنات مُفرطة مسؤولة عن اللحظة الحالية والتالية من تاريخ البشرية وتفكيرها، وانعكاساتها

الوجودية والمعرفية والقيمية.

1. ما الكائنات المُفرطة؟

ثمّة شيءٌ ما يحدث فعلًا، لكننا لا نعرف ما هو، إنّنا عاجزون عن استكناه حقيقته ودلالات مظاهره

وتأثيراته؛ بل قد يحتدم الجدل حوله ويتطرق الشك إلى وجوده أصلًا، على الرغم من إعلانه المتكرر

والمرعب عن هذا الوجود. هل ثمة احتباسٍ حراري Global Warming يُهدد الأرض حقًا؟ نعم...

بالتأكيد، تلك هي الإجابة التي يجمع عليها أغلب علماء البيئة. لكنْ ثمة صوت مُتشكك قد يُردده

أحدهم في ثقة تُثير الدهشة: أين هو تحديدًا؟ أرني هذا الشيء الذي تدعوه احتباسًا حراريًا. هذا هو اللغز الذي طرحه مورتون في كتابه كائنات مُفرطة: الفلسفة وعلم البيئة بعد نهاية العالم، مُحاولًا رسم الخرائط المعرفية (العلمية، والدينية، والثقافية، والفلسفية، والجمالية) لما أطلق عليه

اسم "الكائنات المُفرطة"، تلك التي تتسم بكونها ذات أبعاد مكانية – زمانية شاسعة، تتجاوز محليتنا

الزمكانية، وتهزم أفكارنا التقليدية. ولئن كان الاحتباس الحراري بمنزلة المثال الأكثر دراماتيكية لهذه الكائنات، فإن دائرتها تتسع لتشمل الثقوب السوداء، والنظام الشمسي، والستايروفوم Styrofoam، والبلوتونيوم Plutonium، والنفط، والرأسمالية، والعرقية، والإنترنت، ووسائط التواصل الاجتماعي، والفساد، وحتى اللغة. قد نعتقد، في هذه المرحلة الفارقة من الصدمات المناخية والفكرية والاجتماعية العميقة، أن العالم يقترب من نهايته، لكنّ لمورتون رأيًا آخر: لقد انتهى العالم فعلًا؛ ليس لأن يوم القيامة قد حَّلَ، بل لأن ما نُسميه

"العالم" (المكان الذي يعمره البشر، ويجري تحديده بما يمكننا رؤيته وما نشعر به) أصبح ببساطة أصغر وأضعف من أن يتكيف مع الواقع بعد الوقت الراهن؛ ففي مواجهة القوى الهائلة التي تتحدى تأثيراتها تصوراتنا الحسية، من الاحترار العالمي ووقائع الانقراض إلى جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، تسقط فكرتنا عن العالم، تمامًا من حيث هو بناء ينهار من الخارج بعد أن تآكل من الداخل

بفعل ممارسات البشر، أو فلْنقل إن مفاهيم مثل "العالم" و"الطبيعة" وحتى "البيئة" لم تعد موجودة. وبدلًا من أن نسكن عالمًا نعرفه، أو حتى نسعى لمعرفته، نجد أنفسنا داخل عدد من الكائنات المفرطة، مثل

المناخ أو الأسلحة النووية أو التطور أو النسبية. ولكي نبدأ في فهم الواقع الذي نعيشه، علينا اختراع طرائق جديدة للتفكير، وعلينا أن نُحدد نهجًا بيئيًا ما بعد حداثي فعلًا للفكر والعمل، مدعومًا بكل القوى

الأخلاقية والجمالية المتعلقة بالبيئة. وما وصفُنا للكائنات المفرطة سوى الخطوة الأولى في هذا الصدد. عندما سَّكَ مورتون مصطلح "الكائنات المُفرطة"، في كتابه التفكير البيئي، فإنه كان يهدف إلى نشر

رسالةٍ مؤداها أن البشرية قد دخلت مرحلةً بيئية جديدة. وما تغير في هذه المرحلة هو علاقتنا بغير البشر: لقد أدركنا، أول مرة، أن "الكائنات غير البشرية" ظلّت مسؤولة عن اللحظة التالية من تاريخ البشرية وتفكيرها. وليست هذه الكائنات أجهزة حاسوب فحسب، أو حتى كائنات فضائية، بل هي

في الحقيقة مجموعة نوعية من الكائنات الموزعة على نطاقٍواسعٍ في الزمان والمكان: كل المواد النووية الموجودة على الأرض، وكل المواد البلاستيكية الموجودة في البحر، وكل الكربون الموجود في الغلاف الجوي. وباختصار، كل ما خَّلَفه النشاط البشري الذي أفضى بنا إلى عصر الأنثروبوسين Anthropocene (حقبة التأثير البشري، أو العصر الجيولوجي البشري، أو العصر الحالي للتغير الكوكبي بفعل الإنسان). تأمّل كأس القهوة الذي قد تحتسيه أثناء قرا ةء هذه الدراسة؛ يمكنك في لحظةٍ معرفة إن كانت الكأس

باردةً أو حارّةً، كبيرةً أو صغيرةً، مكسورةً أو سليمةً؛ وفي إمكانك فَهْم جميع حالات الكأس ومعايير

(6) Timothy Morton, Hyperobjects: Philosophy and Ecology after the End of the World (Minneapolis: University of Minnesota Press, 2013), p. 1. (7) Ibid., pp. 6–7. (8) Ibid., p. 22. (9) Timothy Morton, The Ecological Thought (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2010), pp. 19–130.

وجودها وإصدار الأحكام التي تتعلق بها. وعلى الرغم من أن الكأس يمكن أن تظل موجودة فترة طويلة،

فإنها بسيطة على نحو كافٍ لاستيعاب المفهوم بأكمله، وإجراء نوع من التنبؤات حوله. أما الكائنات المفرطة، فشأنها مختلف؛ إذ إنها مترامية التوزيع المكاني – الزماني، ومن ثمّ لا يمكنك فهمها أو

الإلمام بكينونتها من خلال ملاحظة مظاهرها الجزئية. ولا يعني ذلك أنها في جملتها كائنات مجردة مفارقة، بل هي موجودة فعلًا في عالمنا، لكنها تتجاوزنا. قد لا نستطيع رؤيتها أو لمسها، لكننا نعلم أنها موجودة، ونعلم أننا جزءٌ منها، ويجب أن نهتم بها؛ وقد لا نستطيع تجربة الواحد منها بوصفه كائنًا

كُليّا في حد ذاته، لكنها تصطدم بنا ونصطدم بها، تُزعجنا بآثارها وتضرب عقولنا بواقعيتها. ومع ذلك،

فهي ضخمة ومُعقدة بحيث لا يُمكننا أبدًا فهم ما يزعجنا، ولا يمكننا أبدًا حل مفارقة هذا التذبذب بين

التجربة وعدم التجربة، أو بين الطبيعة وغير الطبيعة. يمكن أن نعتمد النفط مث لًا في هذا السياق. وفي هذه الحالة، فإننا نعرف جميعًا أنه ترسبات سوداء في

أعماق الأرض فحسب، ومع ذلك فهو يؤثر في أدق تفاصيل حياتنا: هو باعث ثورتنا الصناعية، ووقود سياراتنا وآلاتنا ومولداتنا الكهربائية؛ تنشب من أجله الحروب، وتُثار النزاعات، وتُرسم حدود الأوطان، وبه ومعه تستقر أو تتزعزع نُظمنا السياسية والاقتصادية، ويزداد تلوث البيئة، ويتغير المناخ؛ وبارتفاع

أسعار منتجاته محليًا ترتفع أسعار كل شيء، بما في ذلك السلع الغذائية. ومن ثم، فهو كائن مفرط،

يصعب الاقتصار في تعريفه على أنه تلك المادة السوداء التي نستخرجها من أعماق الأرض. وعلى المنوال ذاته نستطيع أن نُدرج الإنترنت أو اللغة أو الفساد أو الجهل: هل قابلت أحدهم يومًا؟ الإجابة

هي النفي بطبيعة الحال. ومع ذلك، فأنت أمام كائنات مفرطة، تُشكّل دقائق حياتنا، وأنماط تواصلنا، ومستوياتنا الحضارية، ونظُمنا العلمية والفلسفية والدينية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها. ولا يمكن أن تقتصر تعريفاتها على تلك الجمل والعبارات التي تحتويها قواميسنا. بعبارة أخرى، نستطيع القول إننا لا نملك حاليًا سُرعة الهروب المعرفية، بالعلم أو الفلسفة التقليدية، من

الكثافة الوجودية للكائنات المفرطة؛ فلا تسمح لنا معرفتنا بتقسيمها بطريقة عقلانية، ولا يستطيع العلم أن يُقدم دليلًا مطلقًا على فهم روابطها السببية. في إمكاننا أن نتفلسف بأكثر بساطة حول وجود أشياء

مثل ثمرة البرتقال أو كأس القهوة، لكن الكائنات المفرطة تتجلى عوامل مخيفة لتغيير قواعد اللعبة؛ وهي تظهر في عالمنا بوصفها ناتجة من التفكير البشري من خلال الأزمة البيئية التي وَّلَدتها ممارسات البشر (بالمعنى الواسع لكلمة بيئة). والأزمة البيئية بهذا المعنى هي ذلك البُعد الزمكاني الذي يُجري

فيه عددٌ هائل من الكائنات غير البشرية اتص لًا حاسمًا بالبشر، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إنهاء

مفاهيم بشرية مختلفة مثل العالم أو الأفق أو الطبيعة أو حتى البيئة. السؤال الآن هو: كيف يمكن أن تكون وسائط التواصل الاجتماعي شكلًا من أشكال الكائنات المفرطة؟ وما أنماطها؟ وكيف تمتد وتتضخم زمكانيًا لتشمل كل مناحي حياتنا؟ هذا ما ننظر فيه تمهيدًا لفحص

تأثيراتها وتحدياتها.

(10) Morton, Hyperobjects , p. 12. (11) Ibid., pp. 38–39. (12) Ibid., p. 100.

2. أنماط شبكات التواصل الاجتماعي

الكائن الفائق، وفقًا للتعريف المذكور من قبل، هو شيء يحيط بنا، ويغلفنا، ويربكنا، لكنه حرفيًا

أكبر من أن نراه في مجمله، أو فلنقل إنه كيانٌ هائل القوة، عظيم الكبرياء، كأخطبوط ضخم، تلتف أذرعه حول مناحي حياتنا كلها، ويصعب التعامل معه باستخفاف أو تجاهل تأثيراته. وبالنظر إلى وضعنا التكنولوجي الحالي، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تُمثل كائنًا فائقًا، ربما كنا قادرين على الانخراط فيه وتغذيته فحسب، لكننا غير قادرين على رؤية العديد من قواه (إيجابياته وسلبياته) التي تؤثر فينا. وبما أنه من المستحيل رؤية النظام ككل، فعلينا أن ننظر إلى بعض المكونات بوضوح. على نحو أكثر تفصيلًا، يشير مصطلح وسائط "التواصل الاجتماعي" إلى مجموعة واسعة ومتنوعة ومتطورة من التقنيات التي تسهل تبادل الأفكار والمعلومات بين مستخدميها، إضافة إلى التفاعل ومشاركة المحتوى (مثل المقاطع المصورة المرئية والمسموعة)، والبقاء على اتصال دائم بالأصدقاء وأفراد العائلة والمجتمعات الأخرى. وثمة أشكال مختلفة من وسائط التواصل الاجتماعي، منها المدونات Blogs، والمنتديات Forums، والويكي Wiki، ومواقع مشاركة الصور، والمراسلة الفورية، ومواقع مشاركة الفيديو، والبودكاست Podcasts، ومواقع الشبكات الاجتماعية، وغيرها. ومع تداخل مفهومَي "الشبكات الاجتماعية" Social Networks ووسائط التواصل الاجتماعي،

فإن الشبكات الاجتماعية عادةً ما تُفهم على أنها قيام المستخدمين ببناء مجتمعات فيما بينهم، بينما تركز وسائط التواصل الاجتماعي على استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية والمنصات ذات الصلة لبناء جمهور. من جهة أخرى، ارتبطت الأشكال المختلفة من وسائط التواصل الاجتماعي الإلكتروني بالتطوير والدعم التكنولوجي المتلاحق؛ حيث ظهرت برامج البريد الإلكتروني والدردشة، أول مرة، في أوائل السبعينيات، لكن المجتمعات المتصلة لم تظهر حتى إنشاء شبكة مجموعات المناقشة يوزنت USENET سنة 1979. وقد سمحت هذه الشبكة للمستخدمين بنشر الرسائل واستقبالها في إطار مجالات موضوعية، تسمى مجموعات الأخبار Newsgroups. ومكنت كذلك يوزنت ومنتديات المناقشة الأخرى الأفراد من التفاعل، لكنها كانت في الأصل نُظمًا مغلقة. ومع إصدار متصفح الويب

موزايك Mosaic سنة 1993، جرى ربط هذه الأنظمة بواجهة رسومية سهلة الاستخدام، وأتاحت بنية شبكة الويب العالمية إمكانية التنقل من موقع إلى آخر بنقرة واحدة، وسمحت اتصالات الإنترنت الأسرع بالحصول على محتوى متعدد الوسائط أكثر مما يمكن العثور عليه في مجموعات الأخبار ذات النصوص الكثيفة.

(13) Jaffre Aether, "077–Social Media and Hypervigilance: A Survey," State University of New York Geneseo (2021), accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GQ3X (14) Katie Terrell Hanna, "What is Social Media?" WhatIs , 23/1/2025, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPQZ (15) "Social Media," Encyclopædia Britannica (2024), accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPEO (16) Ibid.

من بين الشركات الأولى التي أنشأت شبكات اجتماعية تعتمد على تكنولوجيا الويب شركة كلاسميت دوت كوم Classmate.com (1995)، وشركة "سكس ديجريز دوت كوم" SixDegrees.com (1997)؛ إذ شنّت الأولى حملة إعلانية قوية لجذب متصفحي الويب إلى موقعها، واستفادت شبكتها الاجتماعية

من التواصل القائم بين أعضاء خريجي المدارس الثانوية والكليات وفروع الخدمة المسلحة وأماكن العمل. أما الشركة الثانية، فهي صاحبة أول موقع حقيقي للتواصل الاجتماعي. وقد كان موقعها مزودًا بمعظم الميزات التي تُلبي حاجات المستخدمين، مثل إنشاء الملفات الشخصية لأنفسهم، والاحتفاظ بقوائم الأصدقاء، والاتصال ببعضهم من خلال نظام المراسلة الخاص بالموقع. وقد أعلن الموقع أنه اجتذب أكثر من 3 ملايين مستخدم بحلول سنة 2000، لكنه فشل في ترجمة هذه الأرقام إلى إيرادات وانهار مع عدد من الشركات فيما عُرف اقتصاديًا ب "فقاعة الإنترنت" Dot–Com Bubble. مع ذلك، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي شائعة في أوائل القرن الحادي والعشرين؛ إذ ظهرت شبكات التواصل الاجتماعي مثل فريندستر Friendster (آذار/ مارس 2003)، وماي سبيس MySpace (آب/ أغسطس 2003)، وقد سمحت لأفراد العائلة والأصدقاء والمعارف بالاتصال عبر الإنترنت. وفي نهاية المطاف، حل موقع فيسبوك (2004) محل هذين الموقعين، وأصبح أحد مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر شعبية في العالم (مليار حساب مسجل، وأكثر من 3 مليارات مستخدم نشط شهريًا). وظهرت

كذلك أشكال أخرى من وسائط التواصل الاجتماعي لمشاركة أنواع محددة من المحتوى؛ فعلى سبيل المثال، يسمح يوتيوب YouTube للمستخدمين بمشاركة مقاطع الفيديو، وتم تصميم تيك توك TikTok لمشاركة مقاطع الفيديو القصيرة خصوصًا، بينما يركز موقع لينكد إن LinkedIn على الروابط واهتمامات

المستخدم المهنية، ويتيح إنستغرام Instagram لمستخدميه مشاركة الصور، وهكذا.

3. اليقظة المُفرطة وتحديات وسائط التواصل الاجتماعي

لمصطلح "اليقظة"، في هذا السياق، معنيان مترابطان؛ يتمثل أولهما في يقظة مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي تجاه تأثيراتها العابرة لحدود الثقافات والهويات واللغات المختلفة، فالكائنات المُفرطة

تستلزم يقظة مُفرطة. أما ثانيهما، فهو يتجلى في نزوع هذه الوسائط إلى إبقاء مستخدميها في حالة يقظة

دائمة، خضوعًا لتأثيراتها وتحقيقًا لأهدافها وتضخيمًا لأرباحها. في هذا الصدد، يُقدم مورتون خمس

خصائص مترابطة للكائنات المُفرطة، تنطبق بالضرورة على وسائط التواصل الاجتماعي، وتوضح

مغزى المعنيين، وهي:

أ. اللزوجة Viscosity

تلتصق الكائنات المفرطة بالمرء من الداخل والخارج؛ إشعاعٌ في الجسد، أو زئبقٌ في الدم، أو ارتباطٌ

بصفحة على وسائط التواصل الاجتماعي. وعلى هذا النحو لا يغدو الالتصاق ماديًا فحسب؛ بالمعنى

(17) Ibid. (18) Stacy Jo Dixon, "Number of Monthly Active Facebook Users Worldwide as of 4 th Quarter 2023," Statista , 21/5/2024, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPx3

الذي قال به جان بول سارتر Jean–Paul Sartre في رواية الغثيان La nausée (1938)، حين تحدث عن الإحساس الذي تختبره يدٌ مغمورة في العسل، حيث يُمسك السائل اللزج بالذات فيقيّدها ويحدّ

حركتها، وإنما بالمعنى الذي تُمثله الرؤية في مرآة السيارة، حيث تبدو الأشياء أبعد مما هي عليه في الواقع. وهكذا، فإنّ وسائط التواصل الاجتماعي في الترابط الأنطولوجي الذي نشارك فيه غير معروفة كلًّيًا، على الرغم من كونها منغمسة في عالمنا، لأنها ببساطة تغلفنا، وتقدم لنا نفسها بوصفها أجزاءً من

عالمنا المعروف.

ب. اللامحلية Non–locality

تتوزع الكائنات المفرطة على نحوٍ هائل وكثيف في المكان والزمان إلى حدّ انتفاء القدرة على تصور الكائن المفرط في مجمله، أو حدّ يغدو فيه الكائن المفرط أكثر جوهرية من مجرد مظاهره المحلية. وهكذا، فإنّ وسائط التواصل الاجتماعي ليست هنا والآن (غير محلية أو متموضعة)، لكنها معنا، نختلقها بممارساتنا، لتصير تأثيراتها المحلية كأنها "بضاعتنا رُدّت إلينا".

ج. الطورية Phasing

تتميز الكائنات المفرطة بجودة الدخول والخروج التدريجي من العالم الأرضي، وإشراك مساحات طور عالية الأبعاد تجعل من المستحيل رؤيتها ككل بالمقياس البشري. وهكذا، يبدو أن وسائط التواصل الاجتماعي تأتي وتذهب في فضاء ثلاثي الأبعاد، لكنها ستظهر بصفة مختلفة إذا كان في إمكان المراقب الحصول على رؤية أعلى وأعمق متعددة الأبعاد. بعبارة أخرى، ينبض الكائن المفرط المتعدد الأبعاد داخل حدود الإدراك البشري وخارجه، وثمة إيقاع لوسائط التواصل الاجتماعي لا يُتيح

لنا سوى إدراك أجزاءٍ منها في وقتٍ واحد كأجزاءٍ منفصلة.

د. الموضوعية البينية Interobjectivity

تُتيح لنا الأبعاد العابرة للكائنات المفرطة فهم عمقها السحيق والغموض الذي يغشاها. ووفقًا لمورتون، ليست الذاتية البينية Intersubjectivity (توافق الذوات حول الموضوعات النوعية) سوى منطقة صغيرة مما يُسميه "الموضوعية البينية" (ارتباط كلّ الكائنات ببعضها بطريقة متمايزة داخل نظام مفتوح من دون

مركز أو حافة). الذاتية البينية إنسانية، والموضوعية البينية ليست إنسانية، وبينما تستبعد الذاتية البينية اللاإنسانية، فإن الموضوعية البينية تشملها. وعلى هذا النحو، تغدو جميع الكائنات من أي مقياس مترابطة في نظام موضوعي بيني يطلق عليه مورتون اسم الشبكة Mesh؛ فعندما يولد أي كائن ينخرط مباشرةً في الشبكة التي تتكون من روابط وفراغات، وهذه الشبكة تطفو فوق الأشياء وأمامها، وتسمح الروابط بحدوث السببية. أما الفراغات بين الأشياء وداخلها، فتستحوذ عليها كائنات أخرى. وفي

(19) Morton, Hyperobjects , pp. 27–37. (20) Ibid., pp. 38–54. (21) Ibid., pp. 69–80.

هذه الشبكة لا يجري اختبار أي شيء بطريقة مباشرة على الإطلاق، ولكن ثمة توسط دائمًا لكائنات

أخرى.

ه. الانصهار Molten

الكائنات المفرطة منصهرة؛ بمعنى أنها ممتدة وضخمة إلى حدّ بعيد، حتى إنها تدحض فكرة أن الزمكان ثابت، وملموس، ومتسق؛ وتدحض كذلك فكرة أن الجسم الجامد ممتد في المكان ذاته. نستطيع أن نفهم هذه الخصائص في إطار وسائط التواصل الاجتماعي، إذا تأملنا بدقة كيفية نشأتها وتطورها؛ حيث بدأت وسيلةً لتفاعل الناس مع الأصدقاء والعائلة، لكنها سرعان ما توسعت لتخدم كثيرًا من الأغراض المختلفة؛ ففي سنة 2004، كانت ماي سبيس أول شبكة تصل إلى مليون مستخدم

نشط شهريًا، لكن المشاركة في وسائط التواصل شهدت انفجارًا ملحوظًا في السنوات التي تلت

ظهور فيسبوك وتويتر (إكس X حالًّيًا)، وانجذبت الشركات إلى هذه المنصات من أجل الوصول

إلى الجمهور بصفة فورية على نطاق عالمي. ووفقًا لمؤشر "غلوبال ويب إندكس" Global Web Index، فإن 46 في المئة من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء العالم يحصلون على أخبارهم عبر وسائط التواصل الاجتماعي، في مقابل 40 في المئة من المستخدمين يشاهدون الأخبار على المواقع الإخبارية. ليس ذلك فحسب، بل تؤدي هذه الوسائط مجموعة واسعة من الأغراض واهتمامات المستخدمين، بعضها يجذب الهواة، وبعضها الآخر يجذب الأشخاص في حياتهم العملية؛ يستخدمها الأشخاص للعثور على آخرين حول العالم يشاركونهم وجهات نظرهم السياسية أو غيرها، والفنانون للتواصل مع المعجبين، والسياسيون لإقناع الناخبين، وتستخدمها الجمعيات الخيرية للحصول على الدعم من الجهات المانحة، بل غالبًا ما تلجأ الحكومات إليها لنَقْل المعلومات الحيوية أثناء حالات الطوارئ. وتؤدي وسائط التواصل

الاجتماعي أيضًا دورًا رئيسًا في استراتيجيات التسويق لعديدٍ من الشركات، وهذا ليس مفاجئًا نظرًا إلى

عدد الساعات الهائل التي يقضيها الأشخاص يوميًا على مواقع الويب والتطبيقات الاجتماعية. وفي

الوقت ذاته، تعدّ مج لًا دائم التغير؛ فقد انضمت تطبيقات حديثة نسبيًا مثل تيك توك، و"سيغنال" Signal،

و"كلوب هاوس" Clubhouse، إلى صفوف الشبكات الاجتماعية الراسخة مثل فيسبوك ويوتيوب وإكس وإنستغرام. في معية هذا الإفراط الأنطولوجي المفرط، بخصائصه الموضحة من قبلُ، تسمح وسائط التواصل الاجتماعي للأشخاص بالوصول إلى المعلومات في الوقت الفعلي، والتواصل مع الآخرين، والعثور

(22) Ibid., pp. 81–95. (23) Ibid., p. 177. (24) Katherine Paljug, "Social Media: Definition, Importance, Top Websites and Apps, Investopedia," Investopedia , 19/2/2025, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPE0 (25) Ibid.

على مجتمعات متخصصة، وربما جعل العالم أكثر ترابطًا. ووفقًا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث Pew Research Center سنة 2019، يرتبط استخدام الأشخاص لوسائط التواصل الاجتماعي بوجود

مزيدٍ من الأصدقاء وشبكات شخصية أكثر تنوعًا، خاصة داخل الاقتصادات الناشئة. وفي الوقت

ذاته، وجدت الشركات أن هذه الوسائط غالبًا ما تكون وسيلة فعالة وغير مكلفة نسبيًا للوصول إلى

المستهلكين وبناء صورة لعلاماتهم التجارية. ووفقًا لفيسبوك، فإن أكثر من 200 مليون شركة صغيرة

تستخدم خدماتها لأغراض مختلفة. وعلى نحوٍ منفصل، يقول نحو 90 في المئة من المسوّقين إنهم

يستخدمون فيسبوك للترويج. وفي سنة 2022، شَّكَل الإنفاق على هذه الوسائط والإعلانات على شبكة البحث نحو 55 في المئة من إجمالي الإنفاق الإعلاني على مستوى العالم. لكن وسائط التواصل الاجتماعي تُشكّل أيضًا تحديات للأفراد، لا ينبغي غض النظر عنها، ومنها: 1. قضايا الصحة العقلية، إذ يؤدي الإفراط في استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى الإصابة بالإرهاق والقلق والإدمان والاكتئاب وضعف الانتباه واضطرابات النوم وتناول الطعام، وصولًا إلى النزوع نحو الانتحار؛ 2. الاستقطاب Polarization، إذ يمكن أن ينتهي المطاف بالمستخدم إلى الولوج في فقاعة سياسية أو دينية أو أيديولوجية، في معية وهم الخطاب المفتوح عندما يكون المرء أُ يضارتفا عمتجم يف لاعًااف لاوًاازعمنشئ خوارزميًا؛ُ 3. التضليل Disinformation، بمعنى تعزيز البيئات

المستقطبة وانتشار المعلومات المضللة. وتواجه الشركات تحديات أخرى وفريدة من نوعها؛ منها مثل: 1. المشاركات المسيئة Offensive Posts؛ إذ يمكن أن تتحول المحادثات حول الشبكات الداخلية وأدوات التعاون المؤسسي إلى موضوعات غير متعلقة بالعمل، وعندما يحدث ذلك، هناك احتمال أن يختلف زملاء العمل أو يشعرون بالإهانة، وقد يكون من الصعب التحكم في مثل هذه المشاركات وتصفية المحتوى المسيء؛ 2. أمن البيانات والاحتفاظ بها، بمعنى عدم كفاية سياسات الأمان التقليدية؛ 3. المخاوف الإنتاجية Productivity Concerns، حيث يؤدي التفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى تشتيت الانتباه والتأثير في إنتاجية العاملين. تعكس هذه الخصائص والتحديات تسارع نسق التحولات العالمية خلال السنوات الأخيرة بصفة مُفرطة لم تعهدها الإنسانية من قبل، ويمكن أن نرصد أمرين، على درجة كبيرة من الأهمية، يحكمان

عصرنا الحالي، وربما كانا متناقضين أو غير مفهومين: أولهما التطورات الهائلة في وسائط التواصل؛ فقد أصبحت هذه التطوّرات في صورتها الرقمية ظاهرةً كونية واسعة الانتشار (كائنًا مُفرطًا)، متجاوزة

في تطبيقاتها المتعددة الحدود التقليدية الفاصلة بين البشر؛ وثانيهما الحروب والصدام والعنف وهو أمرٌ يبدو أن لا نهاية له، مع غياب القدرة على التفاهم والتصالح والتشارك لمصلحة الخير العام. ولعل

من أبرز العوامل التي تدفعنا إلى دراسة وسائط التواصل الاجتماعي حاليًا أن العالم، وعالمنا العربي

(26) Ibid. (27) Lutkevich & Wigmore. (28) Ibid.

تحديدًا، يشهد موجات متعاقبة من العنف والحروب والصراعات الدموية المؤلمة. وبما أننا جزء من العالم، فنحن متهمون بالعنف والإرهاب بعضنا ضد بعض وضد الشعوب الأخرى؛ وهو ما يجعلنا نبحث عن نظرية خُلقية في التواصل، تكون آلية للحد من هذه الصراعات. خلاصة ما سبق، أن وسائط التواصل الاجتماعي أعادت، على نحو أفضل أو أسوأ، تشكيل حياتنا؛ ذلك أنها استحوذت – بوصفها كائنات مفرطة – على أكثر من 5 مليارات مستخدم حول العالم، وهذا العدد في ازدياد مطّرد. ومن منظور الأعمال، أحدثت ثورة في التجارة، ويبدو من المرجح أن تستمر في القيام بذلك، ومن المنظور السياسي – الأخلاقي فرضت قيمًا وأهدافًا وتحديات جديدة وخطيرة

ومفرطة، وهو ما نتناوله لاحقًا.

ثانيًا: التسونامي الرقمي ووسائط التواصل الاجتماعي

نناقش في هذا الجزء تطورات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي (وفي مقدمتها النمذجة التوليدية)، وما تُثيره من تساؤلات عميقة تتحدى فهمنا الفلسفي الدارج للوجود والمعرفة والقيم؛ ما يؤدي إلى خلخلة المشكلات الميتافيزيقية التقليدية، وإثارة مشكلات جديدة تتمحور حول الرغبة في تكرار الذكاء البشري من خلال الخوارزميات، وتدشين عوالم افتراضية (يحتويها الميتافيرس) ذات بنية إبستيمولوجية وهويات وجودية وقيم أخلاقية مختلفة. وهذا الأمر يبرز حاجة إلى إعادة بناء فهمنا للتكنولوجيا من جهة، ورؤيتنا الجماعية للواقع من جهة أخرى، من أجل فهمٍ أفضل لماهية وسائط التواصل الاجتماعي، وكيفية عملها، وما تتطلبه في اللحظة الراهنة.

1. الذكاء الاصطناعي: آفاقه وتأثيراته في وسائط التواصل

بعد فترة وجيزة من زلزال توهوكو Tohoku في اليابان، في 11 آذار/ مارس 2011، وقد بلغت قوته تسع درجات على مقياس ريختر، وأدى إلى تسونامي غمر معظم شمال شرق اليابان، لم يكن جون ليروي هينيسي John Leroy Hennessy (الرئيس العاشر لجامعة ستانفورد، وعالم الحاسوب المعروف بلقب الأب الروحي لوادي السيلكون) يفكر في كارثة طبيعية أخرى لا يمكن إيقافها، وإنما فيما أسماه "تسونامي رقمي" Digital Tsunami لا يمكن إيقافه بالقدر ذاته. وسرعان ما تبنى الخبراء هذا التصريح، زاعمين أن الدورات التعليمية المفتوحة الضخمة على الإنترنت توشك أن تستولي على التعليم العالي، لكن مغزى التصريح يتجاوز مسألة التعليم إلى طوفان يمتد تأثيره إلى أدق تفاصيل حياتنا؛ طوفان رقمي يبتلع كل شيء، وتغذيه تقنيات الذكاء الاصطناعي المتسارعة التطور، وتتحول معه المواطنة بمفهومها التقليدي (المحتفظ بالهوية الثابتة والمستمرة) إلى مواطنة رقمية Digital Citizenship تُشبع حاجات الواقع الافتراضي الجديد.

(2((أسماء حسن ملكاوي، أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث

ودراسة السياسات، 2017)، ص.24–23

(30) Ken Auletta, "Get Rich U," The New Yorker , 30/4/2012, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPN6

تغدو المواطنة الرقمية على هذا النحو بمنزلة ضيافة كونية متعالية (بالمعنى الكانطي)، تستمد مشروعيتها

من حق العقل الإنساني في أفقٍجديد لتحقيق ذاته، على نحوٍ يتواكب مع اللحظة التكنولوجية الراهنة، ويمكن تعريفها ببساطة بأنها "تفاعل الفرد مع غيره باستخدام الأدوات والمصادر الرقمية، مع ما يستلزمه ذلك من قواعد وضوابط ومعايير وأهداف وأفكار ومبادئ تُشبع الاستخدام الأمثل والقويم لتقنيات الذكاء الاصطناعي". أما مصطلح الذكاء الاصطناعي، فقد اكتسب زخمًا بعد "مشروع بحث دارتموث الصيفي الذكاء

الاصطناعي" سنة 1956، وقد حُدّدت أهدافه على النحو التالي:

يهدف المشروع إلى المضي قدمًا على أساس التخمين القائل إن كل جانب من جوانب التعلم أو أي سمة أخرى من سمات الذكاء يمكن من حيث المبدأ وصفها بدقة شديدة، بحيث يمكن صنع آلة لمحاكاتها. وسنحاول الكشف عن كيفية جَعْل الآلات تستخدم اللغة، وتشكّل التجريدات

والتصورات، وتحلّ أنواعًا من المشكلات المخصصة للبشر حاليًا، وتُطوّر نفسها.

بهذا المشروع وأهدافه، يمكن فهم الذكاء البشري أو الإدراك أو نمذجته بوصفه حوسبة قائمة على القواعد بدلًا من التمثيل الرمزي، بحيث يمكن اختبار النماذج من خلال تشغيلها على عتاد حوسبي (اصطناعي) مختلف. وإذا نجحت هذه النماذج، فإن أجهزة الحاسوب التي تشغّلها ستُظهر ذكاءً

اصطناعيًا، ومن ثم يغدو الذكاء الاصطناعي وعلم الإدراك Cognitive Science وجهين لعملة

واحدة. ويُعرف هذا البرنامج عادةً باسم "الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي" Classical AI. ويمكن

تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه "برنامجٌ بحثي لإنشاء وكلاء آليين يعتمدون على الحاسوب ويتمتعون

بالذكاء". من جهة أخرى، غالبًا ما يُستخدم مصطلح الذكاء الاصطناعي في علم الحاسوب بمعنى يمكن أن

يندرج تحت اسم "الذكاء الاصطناعي التقني" Technical AI، أو "الذكاء الاصطناعي التطبيقي" Applied AI، بحيث نقول: "الذكاء الاصطناعي مجموعة من مناهج علم الحاسوب تهدف إلى بناء أنظمة ذكية قابلة للتطبيق". وتدعو أقلّية من الباحثين إلى التركيز على طموحات التعريف الأول، مع

(31) Sherri Hope Culver & Paulette A. Kerr (eds.), Global Citizenship in a Digital World: MILID Yearbook 2014 (Göteborg: Nordicom, 2014), p. 19. (32) Mustafa Jwaifell, "The Proper Use of Technologies as a Digital Citizenship Indicator: Undergraduate English Language Students at Al‑Hussein Bin Talal University," World Journal of Education , vol. 8, no. 3 (2018), p. 86. (33) John McCarthy et al., "A Proposal for the Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence," Stanford University Press, 31/8/1955, p. 2, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPFX (34) Christy Maver, Donna Dubinsky & Subutai Ahmad, "The Path to Machine Intelligence: Classic AI vs. Deep Learning vs. Biological Approach," Numenta Blog , 25/1/2022, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPVb (35) Vincent C. Müller, "Philosophy of AI: A Structured Overview," in: Nathalie A. Smuha (ed.), Cambridge Handbook on the Law, Ethics and Policy of Artificial Intelligence (Cambridge: Cambridge University Press, 2023), pp. 40–58. (36) B. J. Copeland, "Methods and Goals in AI," Encyclopædia Britannica (2024), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPER

الحفاظ على المنهجية الحالية الموضحة في التعريف الثاني، ويحدث هذا عادةً تحت اسم "الذكاء الاصطناعي العام" Artificial General Intelligence, AGI، حيث يغدو الهدف مركزًا على بناء

آلات تفكر ولا يمكن تمييز قدرتها الفكرية الشاملة من قدرة الإنسان، وإن كان بعضهم الآخر يرى أنه لا يستحق المتابعة، بل لا ينبغي لنا أن نستخدم أصلًا مصطلح "الذكاء الاصطناعي"؛ لأن في طياته ادعاءات قوية ما زالت تستعصي على العمل البحثي الفعلي الحالي. ربما ينبغي لنا أن نتحدث عن التعلم الآلي Machine Learning أو آلات دعم القرار Decision–Support Machines، أو مجرد

الأتمتة Automation، وهو ما نجده مثلًا في تقريرٍ لعالم الرياضيات البريطاني جيمس لايت هيل، عنوانه "الذكاء الاصطناعي: مسح عام". وعلى الرغم من أننا لم نقترب بعد من بناء آلة ذات قدرات بشرية أو قادرة على التصرف بعقلانية في جميع السيناريوهات، فإن الخوارزميات التي تعود أصولها إلى أبحاث الذكاء الاصطناعي أصبحت منتشرة على نطاق واسع لأداء عدد كثير من المهمات في مجموعة متنوعة من المجالات؛ كالأجهزة التعويضية، ووسائل النقل الجماعي الآلية، والطيران، وألعاب الحاسوب، والتعرف إلى الوجه في مراقبة جوازات السفر، ومضاهاة الصوت، والسيارات الذاتية القيادة، والروبوتات المرافقة، ووسائط التواصل الاجتماعي بطبيعة الحال. فعلى سبيل المثال، يستخدم فيسبوك الذكاء الاصطناعي، وبصفة خاصة التعلم الآلي المتقدم، في مهمات متعددة، منها اقتراح المحتوى الخاص بكل مستخدم، والتعرف إلى صورة الوجه، واقتراح الأصدقاء، وتوجيه الإعلانات إلى فئات نوعية محددة. ويُحدد إنستغرام

مرئيات وصورًا باستخدام الذكاء الاصطناعي ويقترحها أيضًا. ويستفيد سناب شات من تقنيات الذكاء

الاصطناعي في تشكيل رؤية حاسوبية لمراقبة ملامح الوجه، ثم افتراض مرشحات له في الوقت الفعلي. ومن خلال هذه التقنيات أيضًا، يوصي لينكد إن بجهات الاتصال الممكنة، ويقترح الوظائف الشاغرة، ويقدم توصيات محددة بجهات العمل، ويوجه المنشورات للمستخدمين وفقًا لاهتماماتهم. ولعل السبب الرئيس لتفضيل المستخدمين شبكة "بينترست" Pinterest هو المحتوى المخصص الذي تعرضه؛ إذ تتيح "عدسة بينترست" Pinterest Lens للمستخدمين التقاط الصور واستخدامها للبحث عن العناصر ذات الصلة، بدلًا من إدخال كلمات البحث الرئيسة. ويجري أكثر من 80 في المئة من مستخدمي بينترست النشطين عمليات شراء عبر الشبكة؛ بسبب المحتوى المخصص للغاية باستخدام الذكاء الاصطناعي. بهذه التقنيات وغيرها، نستطيع القول إن وسائط التواصل الاجتماعي قد ابتعدت عن دورها التقليدي بوصفها منصات يتواصل من خلالها البشر ويتفاعلون، لتغدو بمنزلة شبكات قوية للتجارة الإلكترونية وخدمة العملاء والتسويق والعلاقات العامة وتحليل النصوص والصور والمشاعر والإعلان

(37) Ibid. (38) James Lighthill, "Artificial Intelligence: A General Survey," Chilton (July 1972), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPOf (39) Sonali Datta, "Social Artificial Intelligence: Intuitive or Intrusive?" TechTalks , 20/11/2019, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPFf

واكتشاف البريد العشوائي وتشكيل الرؤى الاجتماعية والسياسية وجمع البيانات والمراقبة. ليس ذلك فحسب، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والأجهزة المتصلة بالإنترنت، التي تتيح الوصول إلى هذه المنصات، هي أشكال الوسائط التي تتمحور الآن لتُشكّل حياة مليارات

من الناس في جميع أنحاء الكوكب، وتدفع بهم إلى عالم ما بعد الإنسانية، حيث يمتزج العقل بالآلة، وتتبدد الحدود التقليدية للذات. ولا شك في أن عيش الوساطة – والوجود في منتصفها، وأن تكون جزءًا منها – غالبًا ما يعني عدم إدراك المرء أنه يشارك في اضطرابات اجتماعية جذرية وتحوّل

تكنولوجي، بل يعني أيضًا "ابتلاع" نمط الإعلان كَّلَ أنماط التعبير الافتراضية؛ فكل الأشكال الثقافية الأصيلة، وكل الكلمات المحددة، مبتلعة في هذا النمط لأنه بلا عُمق وفوري وسريع التغير: شبكات معلوماتية مفرطة لقيادة الناس آليًا، وتشفيرًا رقميًا للكون يلتهم التواصل الاجتماعي بمفهومه

التقليدي.

2. الميتافيرس وتشفير الكون على أنه واقع افتراضي

لا شك في أن ظهور الإنترنت واتساع نطاق استخداماتها يُمثل حدثًا فريدًا متناميًا في مسيرة الإنسان

الحضارية وتغيير الطريقة التي يعيش بها البشر حياتهم. وأعني بكلمة "إنترنت"، إضافة إلى شبكة الاتصالات الدولية الضخمة التي نتبادل من خلالها المعلومات، جملة التقنيات التي دشنت ما نُطلق عليه اسم "الواقع الافتراضي" Virtual Reality، كأجهزة الحاسوب والهواتف الذكية وغيرها. ومع ذلك، لا ينطوي أي تعريف للإنترنت حتى الآن على إشارة إلى الواقع الافتراضي، على الرغم من تعايشنا معه وفيه فعلًا؛ فنحن نتفاعل ونتبادل المعلومات، ونشتري ونبيع، ونلعب ونضحك ونبكي، ونمارس أدق تفاصيل حياتنا عبر الإنترنت، وكل ما كنا نقوم به من قبلُ بالحركات الجسدية المكانية أوكلنا مهمة القيام به إلى عقولنا، ولعل هذا ما تُشير إليه كلمة "ميتافيرس". بُني الميتافيرس – وما زال يُبنى – من خلال الابتكارات الرئيسة في العتاد الحاسوبي، وواجهة التفاعل

بين الإنسان والحاسوب، والبنية التحتية للشبكة، والاقتصاديات الرقمية، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الواقع الافتراضي والمعزز، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، وشاشات العرض المُجسم

الثلاثية الأبعاد Holographic Displays، وإنترنت الأشياء Internet of Things, IOT، ونشر شبكات الألياف Fibre Deployment، وشبكة الجيل الخامس المستقلة 5G Stand–Alone، وحوسبة الحافة Edge Computing، و"البلوكتشين" Blockchain، والعقود الذكية Smart Contracts، واقتصاديات الرموز المميزة Tokenomics، والأمن السيبراني Cybersecurity، وبرمجة الشبكات، إلى غير ذلك.

(40) Matthew N. O. Sadiku et al., "Artificial Intelligence in Social Media," International Journal of Scientific Advances , vol. 2, no. 1 (January–February 2021), pp. 15–20. (41) Robert Hassan & Thomas Sutherland, Philosophy of Media: A Short History of Ideas and Innovations from Socrates to Social Media (London/ New York: Routledge, 2016), pp. 1–2.

(4((جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 157 وما بعدها.

(43) Richard Benjamins, Yaiza Rubio Viñuela & Chema Alonso, "Social and Ethical Challenges of the Metaverse," AI and Ethics , vol. 3, no. 3 (2023), pp. 689–697.

ومع ظهور النماذج اللغوية الكبيرة، أو المحولات التوليدية المدربة مسبقًا، مثل "تشات جي بي تي" ChatGPT، أصبح هناك اهتمام واسع النطاق بصناعة الميتافيرس بهدف تطوير جوانب الإبداع والمرونة فيه. قد يجري تحسين كفا ةء إنتاج المحتوى ونشره كثيرًا (بمساعدة تشات جي بي تي)، استنادًا إلى نماذج

التعلم العميق التي يمكن أن تولد محتوى في مجموعة واسعة من السياقات، وتلبي مجموعة واسعة من الاحتياجات. ما يعنينا في هذا المقام هو مدى التأثير المتبادل بين الميتافيرس ووسائط التواصل الاجتماعي وقوّته،

وهو ما ننظر فيه بإيجازٍ وافٍ.

أ. الميتافيرس بوصفه كائنًا تواصليًا مُفرطًا أشد قوة وبأسًا

من المؤشرات المُهمة التي ينبغي لنا أن نتوقف عندها أن قيمة الميتافيرس السوقية قد تصل إلى

5 تريليونات دولار بحلول سنة 2030، وهو ما يعادل حجم ثالث أكبر اقتصاد في العالم اليوم: اليابان. ومن الطبيعي أن يختلف تأثير الميتافيرس المحتمل باختلاف الصناعة؛ فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يكون له تأثير سُوقي في التجارة الإلكترونية مقداره 2.6–2 تريليون دولار

بحلول سنة 2030، وتأثير مقداره 270–180 مليار دولار في سوق التعلم الافتراضي الأكاديمي، وتأثير يراوح بين 144 مليار دولار و 206 مليارات دولار في سوق الإعلان، وتأثير يتفاوت ما بين 125–108  مليار دولار في سوق الألعاب (الشكل)1. ومن المتوقع كذلك أن يصل عدد المستخدمين في سوق الميتافيرس إلى 2.63 مليار مستخدم بحلول سنة 2030. وتُظهر هذه الأرقام، بوضوح، مدى ضخامة الميتافيرس من حيث هو كائن مُفرط، لا سيما من حيث علاقته بوسائط التواصل الاجتماعي. ومثلما تُشكل هذه الوسائط أحد أسس بناء عالم الميتافيرس، فإن عالم الميتافيرس، في المقابل، سيؤثّر في طريقة تفكيرنا في هذه الوسائط واستخدامها. فكيف يمكننا أن نتوقع ملامح تطور وسائط التواصل في السنوات المقبلة التي تمتد من 5 إلى 10 سنوات مع بدء الاندماج في عالم الميتافيرس وسيطرته على حياتنا؟ أيصبح مصطلح "وسائط التواصل الاجتماعي" زائدًا على الحاجة – ليس لأننا سنتوقف عن استخدام الويب للتواصل الاجتماعي، بل لأن كل شيء على الويب سيصبح اجتماعيًا ومتصلًا وبلا حدود – أم أن ردّة الفعل العنيفة ضد

الإعجاب والمشاركة والتفاخر المتزايد الانتشار ستؤدي إلى تجارب إنترنت أكثر عزلة، حيث نمارس مزيدًا من الحذر والتقدير فيما يتعلق بما نشاركه ومن نشاركه معه؟

(44) Zhihan Lv, "Generative Artificial Intelligence in the Metaverse Era," Cognitive Robotics , vol. 3 (2023), pp. 208–217. (45) T. Elmasry et al. , "Value Creation in the Metaverse," McKinsey & Company (2022), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPqc (46) "Metaverse – Worldwide," Statista , accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPAx (47) Bernard Marr, "The Future of Social Media in the Metaverse," Forbes , 24/8/2022, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPMn

الشكل (1) حجم سوق الميتافيرس

415.3
312.5
219.6
103.6
150.1
46.1
56.7
74.4

اﻹﻋﻼﻧﺎت

أﺟﻬﺰة اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻤﻌﹸﺰز واﻟﻮاﻗﻊ اﻻﻓﺘﺮاﺿﻲ

اﻟﺘﺠﺎرة اﻹﻟﻜﺘﺮوﻧﻴﺔ

اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ

اﻟﺼﺤﺔ واﻟﻠﻴﺎﻗﺔ اﻟﺒﺪﻧﻴﺔ

اﻟﺒﻴﺌﺔ اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ

ﻣﻜﺎن اﻟﻌﻤﻞ

المصدر:

Sushma Malik & Anamika Rana, "Exploring Current Technologies, Applications, and Challenges in the Metaverse:

ب. ميتافيرس التواصل الاجتماعي

يمكننا تعريف "ميتافيرس التواصل الاجتماعي" ببساطة بأنه التطور التالي لوسائط التواصل، مثلما هو التطور التالي للألعاب عبر الإنترنت، والعمل عن بُعد، والتجارة الإلكترونية. وتعمل منصات مثل فيسبوك وإنستغرام فعلًا على جمع هذه الجوانب المختلفة من حياتنا الرقمية تحت سقف واحد.

وسيسمح لنا الميتافيرس بالدخول وتجربة كل شيء معًا على نحوٍ غامر، بدلًا من الاقتصار على التمرير عبر شاشة مسطحة. كل ما نحبه في وسائط التواصل الاجتماعي – وكذلك كل ما نكرهه – سيجري تضخيمه وتكثيفه. لكن ذلك سيتيح لنا، في الوقت ذاته، عالمًا جديدًا من التجارب لمشاركتها، وهي تجارب تجمع بين التجول والتسوق والترفيه والتعرف إلى الناس والتحدث معهم في الوقت الفعلي، تمامًا كما نفعل في حياتنا الواقعية. وفي عالم الميتافيرس، ستندمج وسائط التواصل الاجتماعي

المختلفة، وسيندمج العالَمان الفعلي والافتراضي؛ قد يكون المرء مُقيدًا بمكانٍما، لكنه يتجول في أماكن متعددة. يمكنه تناول القهوة في باريس الافتراضية، ثم التقاء صديق في موسكو، ثم زيارة طبيب في لندن لإجراء الكشف الطبي، ثم متابعة وقائع الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة الأميركية مباشرةً وفي خضم الحدث. إنه تواصل بلا حدود، وإنها تجارب أكثر متعة وواقعية من إرسال الرسائل النصية أو رؤية الصور.

ﺗﻐﻴﺮ ﺣﺠﻢ اﻟﺴﻮق

ﺣﺠﻢ ﺳﻮق اﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺮس

200 400 300 ﻣﻠﻴﺎر دوﻻر أﻣﻴﺮﻛﻲ

اﻟﻤﺠﻤﻮع اﻟﻮﺳﺎﺋﻂ اﻟﺮﻗﻤﻴﺔ اﻷﻟﻌﺎب اﻷﺻﻮل اﻻﻓﺘﺮاﺿﻴﺔ

A Comprehensive Survey," Journal of Graphic Era University , vol. 12, no. 1 (2024), pp. 105–123.

هل سيكون التواصل الاجتماعي أكثر أمانًا في عالم الميتافيرس؟ يجمع هذا العالم الرقمي الجديد بين التفاعلات الثلاثية الأبعاد والشبكات الاجتماعية، ومن ثم فهو يجلب معه مجموعة من تحديات السلامة الخاصة به. لكنه مع ذلك يتيح مجالات لحماية أفضل للمستخدم، وطرائق جديدة للتحقق من الهوية؛ ما قد يقلل من مثيري الشغب على الإنترنت. وبالنظر إلى المستقبل، لا يزال الحفاظ على سلامة وسائط التواصل الاجتماعي في صدارة الاهتمامات، لكن الميتافيرس قد يُقدم قواعد أكثر صرامة وأدوات أمان أكثر ابتكارًا، ولذا قد تغير الشبكات الاجتماعية المستقبلية في عالم الميتافيرس من قواعد اللعبة، وهو أمرٌ لا يتعلق بالترفيه فحسب، بل إنه يتعلق ببناء مجتمع رقمي تعايشي آمن أيضًا.

ج. تساؤلات المستقبل

بعيدًا عن نشر تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز في قطاع الترفيه والصناعة والتجارة والتعليم، فإن التأثير الاجتماعي الذي قد يُحدثه التحول المستقبلي ربما يكون أكثر صعوبة في التخطيط. هل ستحظى هذه التقنيات برواج واسع في السوق على غرار أجهزة استخدام الإنترنت عبر الهاتف

المحمول؟ أننغمس في الميتافيرس ساعاتٍ أم نستخدمه على نحوٍ متقطع؟ هل ستستخدم الأجيال المقبلة سماعات الواقع الافتراضي في المدارس مثلما نستخدم الآن الأجهزة اللوحية؟ ما يعد به الميتافيرس المستقبلي – وخاصة الصورة التي تحركها شركة "ميتا" Meta  – يعني التطور إلى ما هو أبعد من تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المعزز المحددة، والانتقال إلى عالم مترابط وشامل لا يتوقف أبدًا. قد يكون التحول افتراضيًا، لكن التأثير سيكون حقيقيًا؛ سيكون الجرّاح قادرًا على التدرب عدة

مرات في الميتافيرس قبل أن يضع يديه على مريض حقيقي، وسيكون الطلاب قادرين على رؤية الماموث المنقرض Mammoths أو حضور خطاب سياسي في روما القديمة، وسنكون في عالم الميتافيرس قادرين على اللعب والتسوق والتعلم والعمل وما إلى ذلك. إنْ حدث هذا فعلًا وجرى تبنّيه جماعيًا، فما التحديات الأخلاقية والاجتماعية التي قد تنشأ؟ وما الأثر

البيئي الذي قد يحدثه نشر الميتافيرس؟ وهل ستعاني النساء التحرشَ بقدر ما يعانينه فعلًا على وسائط التواصل الاجتماعي؟ وما عواقب ذلك على الشباب والأجيال المقبلة؟ هل يفضل بعض المراهقين أن يكونوا في عالم الميتافيرس بدلًا من واقعهم المادي؟ وما العواقب التي يمكن أن تترتب على ذلك؟ لقد نُشرت كمية هائلة من المواد على الميتافيرس في السنتين أو الثلاث سنوات الماضية. ومثلما هو الحال في وسائل الإعلام، أعقب المقالات الصحافية التي توضح تفاصيل خطط شركة ميتا وخطط مستثمريها أخبارٌ عن تخفيض عدد الموظفين في شركات التكنولوجيا الكبرى وفقدان ثقة المستثمرين.

(48) "Metaverse Social Media: The Next Step in Social Media Evolution," Webisoft , 21/2/2025, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPMe (49) Mobile World Capital Foundation, Ethical and Social Challenges Posed by the Future Metaverse (2023), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPCs

على المستوى الاجتماعي، من الصعب التنبؤ بدقة بالتأثير المستقبلي لشيء أولي مثل الميتافيرس، يمكننا أن ننظر إلى الوراء ونتعلم من تجربة العشرين عامًا الماضية مع توسع الإنترنت ووسائط

التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي واقتصاد البيانات. إن التعلم من التأثيرات الإيجابية والسلبية للرقمنة المتسارعة والمستمرة للمجتمع، يمكن أن يفيدنا بخصوص بعض التحديات الاجتماعية والأخلاقية والقانونية التي تواجه المستقبل، وعلى أقل تقدير، يمكن أن يساعدنا النظر فيما مضى في طرح أسئلة ذات صلة بهذا الشأن يجب الإجابة عنها الآن، بخصوص مرحلة تصميم الميتافيرس المستقبلية. قد لا يكون الأمر جلًّيًا؛ ومن ثمّ يحول دون وصف ما سيكون عليه الميتافيرس على نحو دقيق

في غضون سنوات قليلة، لكن التصور التقريبي لنطاق القوة التي سيمتلكها الإنسان يجعل الأمر خياليًا إلى حٍّدٍ بعيد؛ واقعًا جديدًا مُبهجًا، مليئًا بالاحتمالات والإمكانات، تسوده الحرية بأوسع

معانيها. لكن ألا يجب أن نهتم بما يعنيه هذا الأمر عندما يتعلق الأمر بقدراتنا على التعامل مع هذا

النوع من الواقع؟ وكم عدد الأشخاص الذين سيكونون على استعدادٍ فعلي لتحمل مسؤولية بناء عوالمهم الذاتية؟ قد نكون قادرين على العمل وفقًا لقوانين جديدة يفرضها الواقع الافتراضي، وعلى استكشاف عوالم لم نكن نتخيلها من قبل، لكن كم من الوقت سيستغرق الأمر حتى نشعر بالملل؟ وكم سينقضي من الوقت قبل أن يُواجه البشر الأزمة الوجودية الناجمة عن الافتقار إلى الهدف

النهائي لحياتهم؟ وهل سيتمسك الناس بأديانهم وفلسفاتهم وقوانينهم التقليدية في مثل هذا الواقع المختلف جذريًا، والذي لم تعد فيه هياكل المعاني والأخلاق قابلة للتطبيق؟

ثالثًا: الرهان السياسي  - الأخلاقي

لا شك في أن تأثير وسائط التواصل الاجتماعي في حياتنا المعاصرة أصبح يتسم بالشمولية والإلحاح؛ إذ يمكنك الإبداع والتعاون وشن الحملات السياسية والترفيه والاستمتاع وفحص المنتجات وتقييمها والدردشة مع أصدقاء جدد والعثور عليهم وتحميل الصور والموسيقى؛ الخيارات لا حصر لها. ومع ذلك، توجد قضايا سياسية وأخلاقية واجتماعية تحيط بالتحول في وسائط التواصل الاجتماعي؛ ففي السنوات الأخيرة، أصبحت أدوات قوية في أيدي الساسة لتشكيل الرأي العام، والتأثير في الانتخابات، والتلاعب بالمعلومات والاستقطاب الأيديولوجي أو الديني، ودعم المصالح الاقتصادية. وتوجد، أيضًا، مخاطر أخلاقية ومجتمعية تشمل القضايا الشخصية، والسُمعة، والتحيز، والعنصرية، وانتهاك

الخصوصية، ومسخ الهوية، والأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب، والاستراتيجية والحوكمة الناجمة عن الطرائق الجديدة التي يتفاعل بها الناس عبر الإنترنت. وباختصار، في حين أن وسائط التواصل الاجتماعي ليست ضرورية فعلًا للبقاء على قيد الحياة مثل المرافق العامة التقليدية، يعتقد كثيرٌ

من الناس أنها أصبحت حيوية وضرورية للعيش في عالمنا المعاصر بأبعاده السياسية والاقتصادية والأخلاقية والمجتمعية كلها، ومن دونها، سيكون الاندماج في المجتمع المعاصر أو عيش حياة

(50) Ibid.

ناجحة أمرًا صعبًا. لذا، نهدف في هذا المبحث إلى رسم معالم وسائط التواصل الاجتماعي؛ ليس

بوصفها كائنات مفرطة (بالمعنى الذي بينّاه) فحسب، بل بوصفها أيضًا "وسائط حتمية" تشكّل عوالم

المليارات من البشر الذين يوجدون في منتصفها، ويتحولون – بوعي أو بغير وعي – إلى جزءٍ منها؛ ومن ثم نستكشف كيف أنّ هذه المنصات غيّرت المشهد السياسي، وأنها تفحص الفرص التي تقدمها،

والتحديات الأخلاقية التي تُثيرها. من المؤكد أن مجال التنظير السياسي – الأخلاقي لوسائط التواصل الاجتماعي واسع جًّدًا، بحيث لا يمكن تغطية سوى مجموعة مختارة من القضايا المتعلقة به. ومن ثم، نُركز أساسًا على إظهار

المساهمة الخاصة التي يمكن أن يقدمها مجال الأخلاقيات في الدراسة المتعددة الأبعاد للتحديات التي تثيرها وسائط التواصل، وإظهار الروابط الوثيقة بين مسائل الأخلاقيات التطبيقية، والسياسة الآلية، وفلسفة التكنولوجيا.

1. تكنولوجيا التواصل: حتميتها الحاسوبية وشبكيتها

ثمة اعتقاد شائع لدى فلاسفة القيم اليوم مؤداه أن العلم والتكنولوجيا، بالنسبة إلى غالبية البشر، ومن ضمنهما وسائط التواصل الاجتماعي المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، يجسّدان المعجزة والغموض

والسلطة؛ فالعلم يَعِد بتحقيق أقدم المطامح الإنسانية: القضاء على المرض والشيخوخة، والتخلص من الفقر وإرساء قواعد الرفاهية، وخلود الجنس البشري. هكذا تتضخم عبادة العلم والتكنولوجيا على أمل تحقيق المعجزات، لكن الاعتقاد أن العلم بمخرجاته كلها قادر على تحويل مصير البشر هو بمنزلة إيمان بالسحر؛ إذ لا يلبث الزمن أن يردّ على تلك الأوهام بالحقيقة المرّة: البشرية الهشة المضطربة. وحتى مع تمكنه من الحدّ من الفقر وتخفيف المرض، فإنّ العلم سيُستخدم، والتكنولوجيا ستطوّع في صقل الطغيان وإتقان فن الهيمنة. مع ذلك، يبدو أننا مُقَرَّنون في أصفاد الحتمية التكنولوجية، أو في أشد صورها قوةً وأكثرها حداثة:

حتمية الحاسوب والشبكة. وفي كنف هذه الحتمية، تتحرك التكنولوجيا بسرعةٍ هائلة، من غزوٍ ثوري

قاسٍ إلى آخر، فتدمر ما ألفناه من قبل، وتطلق تقنيات وبنى اجتماعية وقيمًا ثقافية جديدة بسرعة مرعبة. تتقدم التكنولوجيا، على هذا النحو، وفقًا لمنطقها الداخلي، بحيث تتخلص الآلة من

عادات التفكير المجسمة أو التناظرية، لتموج بنا في عالمٍ رقمي يُجسد ما يُمكن أن نُسميه السحب

التكنولوجي Technological Drag، الذي يتّسم خاصّةً بالقدرة على التوليد الذاتي المتسارع؛ ما يضعنا في خضم حتمية رقمية مُفرطة. الفكرة العامة هنا أن القوى الرقمية التي تعمل بها اليوم

(51) Adam Thierer, "Humans and Technological Change: Fragility or Resilience?" Medium , 7/4/2023, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GP8T (52) Charles A. Beard, "Time, Technology, and the Creative Spirit in Political Science," American Political Science Review , vol. 21, no. 1 (1927), p. 5. (53) Jonathan Mulberg, Social Limits to Economic Theory (London/ New York: Routledge, 1995), p. 122.

وسائط التواصل الاجتماعي لم تعد مثل تلك القوى التي كنا نستطيع توقعها ومواجهتها من قبل. إنها بمنزلة قوى حاكمة ورئيسة لأنشطة البشر كلها؛ بما في ذلك طرائق التسوق، وتعيين الموظفين، ودفع الضرائب، واستخدام المكتبة، والحصول على الدرجات الأكاديمية، والتعليم، وبسط نفوذ الدولة، والكشف العلمي... إلخ. وهذا يشير إلى أننا عاجزون تجاهها إلى حٍّدّ بعيد، وأن المجتمع

يسمح لوسائط التواصل بدفع التغييرات الاجتماعية لأنه يفشل في إدراك بدائل القيم المضمنة في هذه الوسائط. يشير الفيلسوف الكندي، مارشال ماكلوهان، إلى أننا يجب أن نُركز على شكل وسيلة التواصل ذاتها وحجمها، وليس على المحتوى الذي تحمله؛ ذلك أن الابتكار التكنولوجي في مجال الاتصالات التي تنقل الرسائل يُغير الإنسان والمجتمع، بالطريقة التي يُوحّد بها الناس، ويشجع المشاركة، ويوسع نطاق

التأثير. إن ما كان يتعامل معه الفلاسفة القدامى لم يكن عددًا كبيرًا من أشكال الوسائط كما لدينا اليوم، بل كان

التواصل حكرًا على الكلمة المنطوقة أو المكتوبة. ومن ثمّ، كان تعميم معرفة القرا ةء والكتابة عميقًا

ومثيرًا في آثاره، ولا يزال من الممكن رؤية إرث هذا التحول في التقليد الفلسفي اليوم. ربما كانت

المرة الوحيدة التي ظهرت فيها فكرة الوسيط Medium في الفكر اليوناني القديم هي تلك التي ناقش فيها أفلاطون مفهوم الأرواح، وكيف أنها تحمل الرسائل من البشر إلى الآلهة ومن الآلهة إلى البشر وتفسّرها. ومع ذلك، فإن استجواب أفلاطون لمسألة الوساطة هو في الواقع أوسع كثيرًا، وأكثر

انسجامًا مع اهتمامات الوقت الحاضر. في محاورة فايدروس Phaedrus، أعاد أفلاطون تخيّل أسطورة مصرية قديمة؛ إذ ينتقد الملك الإله تاموز Thamus اختراع الإله تحوت Theuth الكتابة. عرض تحوت فنونه على الملك، وقال له: "لا بد من أن ننقلها إلى المصريين"، لكن الملك سأله عن منفعة كل منها، وكان يلومه أحيانًا ويمدحه أحيانًا أخرى بحسب ما يتراءى له. وحينما وصل إلى حروف الأبجدية قال للملك: "هاك معرفة ستجعل

المصريين أحكم وأكثر قدرة على التذكر، لقد اكتشفت سر الحكمة والذاكرة". حينئذٍ أجاب الملك: "يا تحوت، يا سيد الفنون الذي لا مثيل له، هناك رجل قد أوتي القدرة على اختراع الفن، ورجل غيره هو الذي يحكم على ما جلبه هذا الفن من ضرر أو نفع لمن يستخدمونه. والآن بوصفك مخترع الكتابة، أراك قد نسبت إليها عكس نتائجها الصحيحة بدافع تحيّزك إليها. سينتهي هذا الاختراع بمن

(54) Thomas Hauer, "Technological Determinism and New Media," Neliti (April 2017), accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPOh (55) V. Thitivesa, "Technological Determinism & Social Media," Medium , 30/8/2017, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPYt (56) Marshall McLuhan, Understanding Media: The Extensions of Man (New York: McGraw‑Hill, 1964). (57) Plato, Complete Works , John M. Cooper & D. S. Hutchinson (eds.) (Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 1997), p. 555.

يستخدمونه إلى ضعف الذاكرة؛ لأنهم سيتوقفون عن تمرين ذاكرتهم حين يعتمدون على المكتوب، وبفضل ما يأتيهم من انطباعات خارجية غريبة عن أنفسهم، وليس بما بباطن أنفسهم، فأنت لم تجد علاجًا للذاكرة ولكن للتداعي. أما بخصوص الحكمة، فإن ما قدمته لتلاميذك ليس هو الحقيقة بل مظهرها، فهم حين يتجرعون بفضلك المعلومات بغير استيعاب، يبدون قادرين على الحكم في كل شيء، بينما هم في معظم الأحيان جهلة لا يمكن تحملهم، ومن ثم يكونون حكماء، بل أشباه حكماء". هذا النص يمكن قراءته بوصفه نقدًا لا لبس فيه لعصر تكنولوجيا المعلومات والإعلام الرقمي: محركات البحث، إمكانية الوصول الفوري إلى الأخبار والبيانات وتبادلها، وقبل ذلك تزييفها وتقديمها جاهزة على "طبق من فضة" للعقول الخاملة المُغيبة. وهو أيضًا نقدٌ للتأكيد الذاتي

الصارخ لخطاب وسائط التواصل الاجتماعي؛ فما هذه التقنيات سوى شبكات مُعقدة من المعرفة

الكاذبة في أغلب الأحيان، وطبقات متراكمة وسميكة من الارتباك والفوضى تؤكد عدم قابلية الحقيقة للوصف. إنّ تكنولوجيا الحاسوب المتصلة بالشبكة، والمدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تُدشن شكلًا حقيقيًا ومحددًا للحتمية؛ بمعنى أن شبكات التواصل الاجتماعي المكثفة التي تتخلل حياتنا

تُشكّل، وتُحدد، معالم حياتنا بطرائق لم يكن من الممكن أن تحدث على الإطلاق، في غياب هذه الشبكات. وإذا كانت معظم المناقشات تركز على القيم المجتمعية والاقتصادية والثقافية عمومًا،

فإن جوانبها السياسية والأخلاقية قد تكون أشد خطورة وأقوى تأثيرًا، لا سيما حين تشمل عددًا كبيرًا

من المستخدمين في بقاع كثيرة من أنحاء العالم، ومنها عالمنا العربي، بطبيعة الحال، وهو ما نتابع النظر فيه.

2. السياسة الآلية ومنصات التواصل الاجتماعي

يشير استخدام وسائط التواصل الاجتماعي في السياسة إلى استخدام هذه المنصات عبر الإنترنت في العمليات والأنشطة السياسية؛ أعني جميع تفاعلات السياسة العالمية، والتنظيمات، والأحزاب، والقيم السياسية. لا جدال في أن الإنترنت قد أتاحت بقوة قنوات اتصال باتت تؤدي دورًا رئيسًا في تداول

الأخبار، وأن وسائط التواصل الاجتماعي لا تمتلك قدرة على التغيير في الرسالة فحسب، بل أيضًا في ديناميات الفساد السياسي، والقيم، وبواعث الصراعات المحلية والدولية واتجاهاتها. ومن خلال توظيف منصات التواصل في إدارة العمليات الانتخابية، والصراعات، والسياسات المتطرفة، أصبحت الدبلوماسية في جميع أنحاء العالم أقل تأثيرًا وخصوصية، بحيث تحل محلها الهمجية الناعمة

للسياسة الآلية.

(58) Plato, Phaedrus , Benjamin Jowett (trans.). Project Gutenberg eBook No. 1636, 30/10/2008, accessed on 20/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPhz (59) "The Impact of the Media," Oertx , accessed on 20/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPMz

ما الذي يحدث للعملية السياسية عندما تتطلب "المشاركة" قليلًا  – أو لا تتطلب على الإطلاق – أي جهد أو التزام معرفي أو جسدي؟ ماذا يحدث عندما تغير الأبعاد المتغيرة للمكان والزمان العمليات الأساسية للسياسة؟ وماذا يحدث عندما تقرب التكنولوجيا الرقمية التواصل السياسي من النقطة التي يصبح فيها تلقائيًا؟ يرسم عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستيلس أوليفان، في كتابه شبكات الغضب والأمل، من خلال معايشته الأحداث السياسية سنة 2011، التي وصفها بأنها بمنزلة جدلية رقمية جرى تفعيلها في الميادين والشوارع العربية، لوحةً عالمية من إمكانات العلاقة بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والسياسة، تلك التي تمثل جوهر طريقة جديدة للتنافس على السلطة. ومن ثم يسعى للإجابة عن السؤال الذي طرحه على نفسه في الكتاب: أين تكمن القوة في مجتمع الشبكة العالمية؟ ثم تُحدد إجابته شكلًا جديدًا من أشكال القوة المحتملة التي يسميها "التواصل الذاتي الجماهيري" Mass Self–Communication، و"الاستقلالية المحتملة" Potential Autonomy، حيث يكون الصراع بين قوة الشركات والموضوعات التواصلية هو المجال الذي ستصبح فيه السياسة حاسمة في مجتمع الشبكة. على المنوال ذاته ينسج الصحافي البريطاني، بول ماسون، في كتابه لماذا تشتعل الأمور في كل مكان: الثورات الكونية الجديدة؛ إذ يذهب إلى أن شبكات التواصل قد أتاحت سياقًا للإحباطات وخيبة الأمل المكبوتة لدى جيل من الشباب العرب المتعلمين في مختلف أنحاء شمال أفريقيا، وفي البلدان التي مزقتها إجراءات التقشف مثل اليونان، وأماكن أخرى. ويصف ماسون هذا الوضع بأنه نهرٌ عظيم من الأمل الإنساني، حيث تعود مثُل الستينيات، والعواطف التي غذت حركات الطلاب

والعمال في جميع أنحاء العالم في ذلك الوقت. وعلى وجه الخصوص، كانت سرعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وكفاءتها هي التي أثبتت أنها حاسمة فيما يُسميه تحول "فرملة" اليد للبشرية

إلى طريق جديد. لقد أدى متصفح الويب، والهاتف الجوّال، وجهاز تحديد المواقع العالمي

"جي بي إس" GPS، وأجهزة "الآي بود" iPod، وقبل كل شيء الهواتف الذكية... إلخ، إلى تسريع ما بدأته حبوب منع الحمل وقوانين الطلاق: توسيع قوة الفرد ومجاله في المجتمع. من جهة أخرى، أدى ظهور منصات التواصل الأكثر شهرة، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام ويوتيوب، إلى تغيير الطريقة التي تُنشر من خلالها المعلومات السياسية وتُستهلك. لقد وفرت هذه المنصات للسياسيين إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى الناخبين؛ ما مَّكَنهم من تعبئة المؤيدين، وتضخيم رسائلهم. وعملت وسائط التواصل على إضفاء الطابع الديمقراطي على الخطاب السياسي؛ ما يسمح للمواطنين العاديين بالمشاركة في المناقشات، وتبادل وجهات نظرهم، ومحاسبة المسؤولين المنتخبين، وهذا من المنظور الإيجابي. لكن هذه المنصات أصبحت في السنوات الأخيرة أدوات

(60) M. Castells, Networks of Outrage and Hope (Cambridge: Polity Press 2012), p. 237; Hassan & Sutherland, pp. 182–183. (61) Paul Mason, Why It’s Kicking Off Everywhere (London: Verso, 2012) p. 134; Hassan & Sutherland.

قوية لتشكيل الرأي العام والتأثير في الانتخابات وتعميق الهيمنة؛ فمن خلال الإعلانات المستهدفة، والتنظيم الخوارزمي، والمحتوى الفيروسي، تحظى هذه المنصات بقدرة على التأثير في تصورات الجمهور ومواقفه تجاه القضايا السياسية بأشكالها المختلفة. فعلى سبيل المثال، يؤدي نشر الأخبار المزيفة والمعلومات المضللة على وسائط التواصل إلى تشويه الخطاب العام والتلاعب بالرأي العام، بل أصبحت وسائط التواصل "أرضًا خصبة" لغُرف الصدى Echo Chambers وفقاعات الترشيح Filter bubbles؛ إذ يتعرض المستخدمون لمحتوى يُعزز معتقداتهم وتحيزاتهم، وهو أمرٌ

يؤدي إلى الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع، حيث يقل احتمال تعرض الأفراد لوجهات نظر متنوعة ووجهات نظر بديلة. ولا يمكن كذلك الاستهانة بتأثير وسائط التواصل الاجتماعي في الانتخابات؛ إذ تُخصص الحملات السياسية حاليًا موارد ضخمة للإعلان على الشبكات، من أجل استهداف فئات سكانية محددة وتعبئة

الناخبين. وأصبحت منصات التواصل ساحات معارك للخطاب السياسي، بحيث تتنافس الأحزاب السياسية ومجموعات المصالح على الاهتمام والتأثير. وإضافة إلى ذلك، أثار صعود الاستهداف الدقيق والرسائل الشخصية على وسائط التواصل الاجتماعي مخاوف بشأن التلاعب بالناخبين وانتشار المعلومات المضللة. وفي حين عملت وسائط التواصل الاجتماعي على إضفاء الطابع الديمقراطي على المشاركة السياسية، وتوفير منصة لسماع الأصوات المهمشة، فإنها تفرض أيضًا تحديات كبيرة على نزاهة العمليات الديمقراطية. إن انتشار المعلومات المضللة والاستقطاب والتلاعب بالرأي العام كلها تهديدات لعمل الديمقراطيات الصحيحة والصحية. ويؤكد ذلك تقرير المخاطر العالمية لسنة 2024 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (الشكل 2)؛ إذ ترِدُ المعلومات الكاذبة والمُضِلِّلة (الشكل 3) التي

تُنشَأ بوساطة الذكاء الاصطناعي في المرتبة الثانية مباشرةً للمخاطر القصيرة المدى (53 في المئة) بعد الطقس المتطرف (66 في المئة)، وقبل الاستقطاب المجتمعي و/ أو السياسي في المرتبة الثالثة (46 في المئة)، وأزمة غلاء المعيشة في المرتبة الرابعة (42 في المئة)، والهجمات الإلكترونية في المرتبة الخامسة (39 في المئة). وكذلك قبل تصعيد الصراع المسلح أو اندلاعه في المرتبة الثامنة (25 في المئة). ويأتي هذا الترتيب مدعومًا بالأسباب التالية: • قد تؤدي المعلومات المضللة والمغلوطة إلى تعطيل العمليات الانتخابية جذريًا في عدة أنظمة

سياسية على مدى العامين المقبلين.

(62) Zoha Naaz, "Social Media and Politics: Analyzing the Role of Platforms in Shaping Public Opinion and Elections," LinkedIn , 5/3/2024, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPA9 (63) Ibid. (64) Ellissa Cavaciuti‑Wishart et al., The Global Risks Report 2024 , 19 th ed. World Economic Forum (Geneva: January 2024), pp. 12 ff. (65) Ibid., p. 18.

• انعدام الثقة المتزايد بالمعلومات، ووسائل الإعلام والحكومات بوصفها من المصادر التي قد تُعمّق وجهات النظر المستقطبة؛ وهي حلقة مفرغة يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات مدنية وربما مواجهة. • هناك خطر القمع وتآكل الحقوق مع سعي السلطات للقضاء على انتشار المعلومات الكاذبة، فضلًا عن المخاطر الناشئة عن التقاعس عن العمل. على المستوى العربي، أدت التحولات المجتمعية والسياسية التي اجتاحت المنطقة العربية منذ سنة 2011 إلى تمكين شرائح كبيرة من السكان. لقد حُطّمت كثير من الصور النمطية؛ إذ أصبح الشباب العرب من مستخدمي الإنترنت ووسائط التواصل بمنزلة المحرك الرئيس للتغيير الإقليمي. وأصبحت الفئات المهمشة أكثر انخراطًا في الأعمال السياسية والمدنية، وأدت هذه الفئات دورًا قياديًا في التغييرات السريعة والتاريخية التي اجتاحت المنطقة. وبينما ازدهر الربيع العربي استنادًا إلى وسائط التواصل الاجتماعي، وتحديدًا تويتر وفيسبوك في ذلك الوقت، فإن الأهمية التي تتسم بها اليوم متعددة الطبقات؛ فقد أدت الحملات على وسائط التواصل الاجتماعي إلى تغييرات في الأنظمة القانونية بشأن قضايا عديدة؛ مثل ختان الإناث، وزواج الأطفال، والفساد وسوء السلوك السياسي، والظلم الاجتماعي والقانوني. في هذه الأثناء، وصل الجدل حول دور وسائط التواصل الاجتماعي في هذه التحولات إلى دوائر صنع السياسات على المستويَين الإقليمي والعالمي. ومع ذلك، يبدو أن الآمال في نوع جديد من السياسة قد تبددت على كل الجبهات بعد سنة 2011. فالشرق الأوسط يعاني الفوضى إلى حد بعيد؛ إذ يقبع عددٌ من المنشقين في السجون أو يختبئون أو يموتون، ثمّ إنّ الحرب السيبرانية التي تشنها الحكومة الصينية ضد شعبها هي حربٌ غير متكافئة. فالحزب الشيوعي يستطيع ترويض وسائط التواصل الاجتماعي، واختيار معاركها، ثم اختيار من يُعدهم تهديدًا محتملًا. أما حركات التحرر الغربية، فقد جرى احتواؤها وتهميشها، وهي معَّرَضة لخطر الإسقاط والإسكات من الحكومات التي ترى مثل هذه الحركات المعارضة أولوية سياسية تتّسق مع الحرب ضد الإرهاب، وتتعلم كيفية التعامل معها. لا يعني هذا بطبيعة الحال أن الحكومات من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، ومن أستراليا إلى الصين، تعرف كيف ستنتهي الأمور في ظل التقنيات الجديدة الداعمة لشبكات التواصل؛ فالبيروقراطيات الحكومية وصناع السياسات "يطيرون" بلا هدف؛ أو بأكثر دقة، بلا فلسفة ورؤية مستقبلية واضحة.

(66) Fadi Salem & Racha Mourtada, "Social Media in the Arab World: The Impact on Youth, Women and Social Change," IEMed (2012), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPyw

%66
%53
%46
%42
%39
%33
%25
%25
%19
%18
%16
%14
%13
%12
%11
%9
%7
%4
ﻣﻨﺨﻔﺾ %4
ﺑﻴﺌﻴﺔ
ﺗﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺔ
اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ
ﺟﻴﻮﺳﻴﺎﺳﻴﺔ
اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ
ﻓﺌﺎت اﻟﻤﺨﺎﻃﺮ
اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ اﻟﻤﺤﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺪى اﻟﻘﺼﻴﺮ
ﻣﺮﺗﻔﻊ
%14

المصدر:

الشكل (2) أهم المخاطر العالمية في عام 2024

ﺗﻄﺮف اﻟﻄﻘﺲ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ واﻟﻤُﻀﻠﻠﺔ اﻟﻤُﻮﻟﺪة

ﺑﺎﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ اﻻﺳﺘﻘﻄﺎب اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ و/أو اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ أزﻣﺔ ﻏﻼء اﻟﻤﻌﻴﺸﺔ اﻟﻬﺠﻤﺎت اﻹﻟﻜﺘﺮوﻧﻴﺔ اﻟﺮﻛﻮد اﻻﻗﺘﺼﺎدي اﻧﻘﻄﺎع ﺳﻼﺳﻞ اﻟﺘﻮرﻳﺪ ﻟﻠﺴﻠﻊ واﻟﻤﻮارد اﻟﺤﻴﻮﻳﺔ اﻧﺪﻻع ﻧﺰاع ﻣﺴﻠﺢ ﺑﻴﻦ اﻟﺪول أو ﺗﺼﻌﻴﺪه اﻟﻬﺠﻤﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻨﻰ اﻟﺘﺤﺘﻴﺔ اﻟﺤﻴﻮﻳﺔ اﻧﻘﻄﺎع ﺳﻼﺳﻞ ﺗﻮرﻳﺪ اﻟﻐﺬاء اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ وﺗﺂﻛﻞ ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ اﻧﻘﻄﺎع ﺳﻼﺳﻞ ﺗﻮرﻳﺪ اﻟﻄﺎﻗﺔ أزﻣﺔ اﻟﺪﻳﻦ اﻟﻌﺎم ﻧﻘﺺ اﻟﻤﻬﺎرات أو اﻟﻌﻤﺎﻟﺔ ﺣﺎدث ﻧﻮوي ﻋﺮﺿﻲ أو ﻣﺘﻌﻤﺪ إﺿﺮاﺑﺎت ﻣﺪﻧﻴﺔ ﻋﻨﻴﻔﺔ وأﻋﻤﺎل ﺷﻐﺐ اﻹﻃﻼق اﻟﻌﺮﺿﻲ أو اﻟﻤﺘﻌﻤﺪ ﻟﻠﻌﻮاﻣﻞ اﻟﺒﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ اﻻﻧﻬﻴﺎر اﻟﻤﺆﺳﺴﻲ ﻓﻲ اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻤﺎﻟﻲ اﻧﻔﺠﺎر ﻓﻘﺎﻋﺔ اﻹﺳﻜﺎن اﻧﻔﺠﺎر ﻓﻘﺎﻋﺔ اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ

Ellissa Cavaciuti–Wishart et al., The Global Risks Report 2024 , 19 th ed. World Economic Forum (Geneva: January

الشكل (3) ترابط المخاطر العالمية البيني وموضع المعلومات الخاطئة والمضللة

اﻟﺘﺮاﺑﻂ اﻟﺒﻴﻨﻲ ﻟﻠﻤﺨﺎﻃﺮ

اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ واﻟﻤُﻀﻠﻠﺔ

اﻟﻌُﻨﻒ داﺧﻞ اﻟﺪوﻟﺔ

اﻟﺮﻗﺎﺑﺔ واﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ واﻟﻤﻀﻠﻠﺔ

ﺗﻘﻮﻳﺾ ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ اﻟﺴﻠﺒﻴﺔ

ﻟﻠﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎت اﻟﺮاﺋﺪة

اﻟﻬﺠﻤﺎت اﻹرﻫﺎﺑﻴﺔ

ﺗﺮﻛﻴﺰ اﻟﻘﻮة اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺔ اﻧﻌﺪام اﻷﻣﻦ اﻟﺴﻴﺒﺮاﻧﻲ اﻟﻨﺘﺎﺋﺞ اﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻟﺘﻘﻨﻴﺎت

اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻲ اﻻﺳﺘﻘﻄﺎب اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻲ

ﻓﺌﺎت اﻟﻤﺨﺎﻃﺮ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ

اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ

المصدر: Ibid..

3. التحدي الأخلاقي: الهيكل النهائي للعالم

تشكّل الأخلاق أساسًا ضروريًا لأي نشاط يمارسه البشر، ولأي تقنية تستلزم سلوكًا أخلاقيًا تجاه

استخدام الآلة أو من الآلة ذاتها أيضًا. وحاليّا، يجد خبراء التكنولوجيا أنفسهم في "غابة" من المعضلات الأخلاقية الناجمة عن التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي ووسائط التواصل الاجتماعي. ربما كان التحدي الأول الذي يواجهنا أن تكون القيم الأخلاقية جزءًا من طرائق تفكيرنا

ومناهجنا في اتخاذ القرارات. وهنا يمكننا استخدام المعايير والأطر والفلسفات المختلفة، والتعامل مع تصميماتنا الذكية بفهمٍ كاملٍلعواقبها الأخلاقية. لكن التحدي الأخطر يتجلى في عدم قدرتنا على التنبؤ بعواقب أفعالنا. لذا، علينا أن نحدد كيفية استجابتنا للنتائج. إن ربط الناس بعضهم ببعض، وتوفير تبادل مفتوح للمعلومات، من بين الأهداف الجديرة باهتمام وسائط التواصل الاجتماعي، وسيتضاءل عالمنا إن لم يعمل الناس على تحقيقها. لكن هذا العالم قد ينهار بقسوة، إذا لم ننظر في تحدياتها الأخلاقية. في القرن الحادي والعشرين، بدأت تقنيات الوسائط الجديدة للشبكات الاجتماعية، مثل فيسبوك وتويتر وواتساب ويوتيوب، في تغيير الممارسات الاجتماعية والسياسية والمعلوماتية بالنسبة إلى الأفراد

اﻟﻨﺰاع اﻟﻤﺴﻠّﺢ ﺑﻴﻦ اﻟﺪول

اﻷﻣﺮاض اﻟﻤُﻌﺪﻳﺔ

اﻟﺤﻮاف

اﻟﻌﻘﺪ

اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ اﻟﻨﺴﺒﻲ

ﺗﺄﺛﻴﺮ اﻟﻤﺨﺎﻃﺮ

والمؤسسات في جميع أنحاء العالم؛ فأدى ذلك إلى استجابات فلسفية من مجتمع علماء الأخلاق التطبيقية وفلاسفة التكنولوجيا. وفي حين لا تزال الاستجابات العلمية لوسائط التواصل تواجه تحديًا

بسبب تسارع وتيرة التطور لهذه التقنيات، فإن الحاجة الملحة إلى الاهتمام بظاهرة الشبكات الاجتماعية يجري تأكيدها من خلال حقيقة أنها أعادت (على نحو عميق) تشكيل عدد البشر الذين يشرعون في (و/ أو يحافظون على) كل نمط تقريبًا من الروابط أو الأدوار الاجتماعية ذات الأهمية الأخلاقية. ثمّ

إن الانعكاسات والتداعيات الأخلاقية لهذه التكنولوجيات ليست شخصية أو بينية بصفة صارمة؛ إذ أصبح من الواضح أن لخدمات الشبكات الاجتماعية وغيرها من الوسائط الرقمية الجديدة آثارًا عميقة

في الديمقراطية والمؤسسات العامة وسيادة القانون. إن الشبكة المعقدة من التفاعلات بين مطوّري

خدمات الشبكات الاجتماعية ومستخدميها، ومجتمعاتهم وشركاتهم وحكوماتهم عبر الإنترنت وغير المتصلة بالإنترنت – إلى جانب الدوافع والمصالح المتنوعة والمتضاربة أحيانًا لأصحاب المصلحة المختلفين – ستظل تتطلب تحليلًا أخلاقيًا صارمًا خلال عقود مقبلة. في البداية، كان ينظر إلى دراسة الآثار الأخلاقية لخدمات الشبكات الاجتماعية على أنها جزءٌ فرعي

من أخلاقيات الحاسوب والمعلومات. وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة تستوعب بالتأكيد مقاربةً متعددة التخصصات، فإن اتجاهها ومشكلاتها حددهما في البداية، إلى مدى بعيد، علماء مدربون فلسفيًا مثل جيمس مور James Moor، وديبورا جي جونسون Deborah G. Johnson. ومع ذلك، لم

يكن هذا هو النمط المبكر لأخلاقيات الشبكات الاجتماعية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى التزامن بين ظاهرة

الشبكات الاجتماعية ومجال العلوم الاجتماعية الناشئ المتعدد التخصصات المتمثل في "دراسات الإنترنت". وانصبّ الاهتمام، في البداية، على دراسة مجموعة متنوعة من المتخصصين الآثارَ

الأخلاقية لتقنيات الشبكات الاجتماعية، وقد شملت علماء الاجتماع، وعلماء النفس الاجتماعي، وعلماء الأنثروبولوجيا، والإثنوغرافيين Ethnographers، وعلماء القانون والإعلام، وعلماء السياسة. ونتيجة لذلك، كان على الفلاسفة الذين حَّوَلوا اهتمامهم إلى الشبكات الاجتماعية والأخلاق أن يقرروا

إن كانوا سيتابعون فحوصاتهم على نحو مستقل، مستفيدين في المقام الأول من الموارد الفلسفية التقليدية في أخلاقيات الحاسوب التطبيقية وفلسفة التكنولوجيا، أو تطوير وجهات نظرهم بالتشاور مع الاتجاهات المتنامية، والاستفادة من مجموعة من البيانات والاستنتاجات التجريبية التي أنشأتها

التخصصات الأخرى فعل. وفي حين أن الدراسات الأخلاقية المبكرة لخدمات الشبكات الاجتماعية في العلوم الاجتماعية والطبيعية ومواقعها كانت تميل إلى التركيز على تأثير هذه الخدمات والمواقع في العلامات النفسية Psychosocial Markers والاجتماعية للمستخدمين (المتعلقة بالسعادة أو الرفاهية أو القلق أو

(67) Shannon Vallor, "Social Networking and Ethics," Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2012), Edward N. Zalta (ed.) (2015), accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPXj (68) M. Consalvo & C. Ess., The Handbook of Internet Studies (Oxford: Wiley–Blackwell, 2011). (69) Vallor.

التكيف النفسي الاجتماعي أو رأس المال الاجتماعي أو مشاعر الرضا عن الحياة)، فقد تركزت

الاهتمامات الفلسفية اللاحقة حول الشبكات الاجتماعية والأخلاق بعامةٍ على موضوعات أقل قابلية للقياس التجريبي (مثل الخصوصية والهوية والصداقة والحياة الجيدة والحرية الديمقراطية). وترتبط هذه الموضوعات ارتباطًا وثيقًا بالاهتمامات التقليدية للنظرية الأخلاقية (مثل الفضائل والحقوق والواجبات والدوافع والعواقب)، أكثر من ارتباطها بالاهتمام برأس المال الاجتماعي أو مشاعر الرضا عن الحياة. وترتبط هذه الموضوعات أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالميزات الجديدة والوظائف المميزة لخدمات الشبكات الاجتماعية أكثر من ارتباطها ببعض القضايا الأخرى ذات الاهتمام بأخلاقيات الكمبيوتر والمعلومات التي تتعلق بوظائف الإنترنت الأكثر عمومية (على سبيل المثال، قضايا حقوق النشر والملكية الفكرية). وثمة ثلاث ظواهر في هذا الصدد ينبغي لفيلسوف الأخلاق فحصها بدقة،

هي:

• التأثيرات الأخلاقية المباشرة لنشاط شبكات التواصل الاجتماعي ذاتها (عادلة أو غير عادلة، ضارة أو مفيدة) في المشاركين، وكذلك في الأطراف الثالثة والمؤسسات. • التأثيرات الأخلاقية غير المباشرة في المجتمع بسبب نشاط الشبكات الاجتماعية، الناجمة عن السلوك الإجمالي للمستخدمين و/ أو مقدمي المنصات و/ أو وكلائهم في التفاعلات المعقدة بين هؤلاء والجهات الفاعلة والقوى الاجتماعية الأخرى. • التأثيرات الهيكلية لخدمات الشبكات الاجتماعية ومواقعها في الشكل الأخلاقي للمجتمع، لا سيما التأثيرات التي تحركها توجهات القيمة الرقابية والاستغلالية المهيمنة التي تدعم ثقافة الشبكات الاجتماعية منصاتها. فعلى سبيل المثال، تشمل الممارسات الأساسية المثيرة للقلق بشأن التأثيرات الأخلاقية المباشرة في الخصوصية: 1. نقل بيانات المستخدمين إلى أطراف ثالثة لأغراض تطفلية، وخاصة التسويق واستخراج البيانات والمراقبة Surveillance؛ 2. استخدام بيانات مواقع التواصل الاجتماعي لتدريب أنظمة التعرف إلى الوجه أو الأدوات الخوارزمية الأخرى التي تحدد هوية الأشخاص وتعمل على تتبعهم وتوصيفهم من دون موافقتهم الحرة؛ 3. قدرة تطبيقات الطرف الثالث على جمع بيانات المستخدمين ونشرها من دون إذنهم أو علمهم؛ 4. الاعتماد السائد من مواقع التواصل الاجتماعي على إعدادات الخصوصية المبهمة أو غير الكافية؛ 5. استخدام "ملفات تعريف الارتباط" "الكوكيز" Cookies ل تتبع أنشطة المستخدم عبر الإنترنت بعد مغادرته مواقع التواصل الاجتماعي؛ 6. إسا ةء استخدام أدوات شبكات التواصل الاجتماعي أو بياناتها من أجل المطاردة أو التحرش؛ 7. التنقيب على نطاق واسع عن بيانات وسائط التواصل الاجتماعي من جانب الباحثين الأكاديميين لمجموعة متنوعة من الأغراض غير المتفق عليها؛ 8. المشاركة غير المعلنة لمعلومات المستخدم أو أنماط النشاط مع الجهات الحكومية؛

(70) Ibid. (71) Ibid.

9. ميل خدمات الشبكات الاجتماعية إلى تعزيز ممارسات مشاركة المعلومات غير الحكيمة، أو غير المستنيرة، أو غير الأخلاقية، من جانب المستخدمين، سواء فيما يتعلق ببياناتهم الشخصية أو البيانات المتعلقة بأشخاص وكيانات أخرى. لقد كان فيسبوك مثلًا مصدرًا لانتقادات خاصة لممارسات الخصوصية، لكنه في الحقيقة ليس سوى

العضو الأكثر وضوحًا في شبكة أوسع كثيرًا وأكثر تعقيدًا من الجهات الفاعلة في وسائط التواصل

الاجتماعي التي تحظى بإمكانية الوصول إلى كميات غير مسبوقة من البيانات الشخصية الحساسة. ففي تموز/ يوليو 2022، اختُرق موقع تويتر، ونُشرت عناوين البريد الإلكتروني لأكثر من مئتَي مليون مستخدم على الويب المظلم. وفي أواخر السنة ذاتها، حَّثَت الحكومة الأميركية على منع الموظفين من استخدام تطبيق تيك توك (المملوك لشركة صينية) على الأجهزة الحكومية بسبب مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات. وفي أيار/ مايو 2023، فرضت الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي غرامة على شركة "ميتا" قدرها 1.3 مليار دولار أميركي، بسبب انتهاكها قوانين الخصوصية في الاتحاد الأوروبي، بإرسال بيانات مستخدمي فيسبوك الأوروبيين إلى خوادم الولايات المتحدة. وكل ذلك يستلزم بلا شك تنفيذ استراتيجيات أمنية مناسبة، وأنساق أخلاقية متجددة ومُلزمة يجري ترجمتها في صيغ

قوانين نافذة. لقد اجتذبت القضايا الأخلاقية والميتافيزيقية الناجمة عن تشكيل الهويات والمجتمعات الافتراضية قدرًا كبيرًا من الاهتمام الفلسفي؛ ذلك أن مشكلة الهوية تثير عددًا من التساؤلات الأخلاقية، لعل

أهمها: من أين يستمد مستخدمو خدمات الشبكات الاجتماعية المعايير والقيم التي تُشِكِّل تصوراتهم الطموحة لهويتهم؟ وهل تمثّل الهوية القائمة على الأداء على منصات التواصل الاجتماعي بصفة عامة التطلعات ذاتها وتعكس ملفات تعريف القيمة ذاتها مثل أداء الهوية للمستخدمين من دون اتصال بالإنترنت؟ وهل تظهر أي اختلافات ملحوظة عن الهويات الطموحة لأولئك الذين لا يستخدمون وسائط التواصل؟ وهل تعدّ القيم والتطلعات التي جرى توضيحها في سياقات خدمات الشبكات الاجتماعية ومواقعها أكثر تباينًا، أو أقلّ، في الأصل من تلك التي جرى التعبير عنها في سياقات غير خدمات الشبكات الاجتماعية ومواقعها؟ أتشجع عروض الهوية الطموحة الأكثر وضوحًا على مواقع

التواصل الاجتماعي المستخدمين على اتخاذ خطوات لتجسيد تلك التطلعات فعليًا خارج عالم

الإنترنت، أم أنها تميل إلى إضعاف الدافع للقيام بذلك؟ من جهة أخرى، تقدم منصات التواصل الاجتماعي للمستخدمين خيارات مختلفة للتحكم في هويتهم وخصوصيتهم عبر الإنترنت. وأحد هذه الخيارات هو عدم الكشف عن الهوية، وهو خيار يسمح

(72) Richard A. Spinello, "Privacy and Social Networking Technology," International Review of Information Ethics, vol. 16 (December 2011), pp. 41–46. (73) A. Yadav, "Common Social Media Privacy Issues in 2024?" Social Media Marketing and Management Tool , 8/10/2024, accessed on 21/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GP3K (74) Vallor.

لهم بإخفاء أسمائهم الحقيقية، وصور ملفاتهم الشخصية، والمعلومات الشخصية عن المستخدمين الآخرين. ويمكن أن يكون لعدم الكشف عن الهوية آثار إيجابية وسلبية في تفاعلات وسائط التواصل الاجتماعي؛ إذ قد يؤدي من جهة إلى حمايتهم من المضايقات والرقابة، وقد يُمكّنهم من التعبير عن

أنفسهم بحرية أكبر وأصالة. لكنه من جهة أخرى، يمكن أن يقلل من مساءلة المستخدمين، ويشجعهم على الانخراط في سلوك أكثر عدوانية واستقطابًا. في هذا الصدد، تُعدّ ديناميات القوة Power Dynamics جانبًا مهمًا من تفاعلات وسائط التواصل

الاجتماعي، وبصفة خاصة في البيئات المجهولة. وتشير ديناميات القوة إلى العلاقات بين الأشخاص في أي شبكة اجتماعية، وكيفية توزيع القوة وممارستها بينهم. ويمكن أن تكون القوة رسمية أو غير رسمية، مرئية أو مخفية، شرعية أو غير شرعية، اعتمادًا على السياق ومنظور الجهات الفاعلة المعنية. أحد الأطر الممكنة لتحليل ديناميات القوة بين المستخدمين المجهولين في وسائط التواصل الاجتماعي هو نظرية التنافس المعقد Complex Contention، التي تهدف إلى فهم كيفية تطور الحركات والشبكات بطرائق غير متوقعة وغير خطية. ووفقًا لهذه النظرية، تتأثر ديناميات القوة بعوامل مختلفة، مثل: 1. إمكانات المنصة Platform Affordances، إذ يمكن أن تُمكّن الميزات والوظائف الخاصة بمنصة الوسائط الاجتماعية، أو تُقَيَّد، تصرفات المستخدمين المجهولين وتفاعلاتهم. وعلى سبيل

المثال، تسمح بعض المنصات للمستخدمين بإنشاء حسابات متعددة، أو استخدام أسماء مستعارة، أو حذف منشوراتهم، بينما لا تسمح منصات أخرى بذلك. ومن الممكن أن تؤثر هذه الإمكانات في كيفية تواصل المستخدمين المجهولين وتنسيقهم وتعاونهم فيما بينهم؛ 2. ثقافة الشبكة Networked Culture: يمكن أن تشكل معايير الشبكة المجهولة وقيمها سلوك المستخدمين المجهولين وتوقعاتهم. فعلى سبيل المثال، تتمتع بعض الشبكات بثقافة الانفتاح والإبداع والتضامن، بينما تتمتع شبكات أخرى بثقافة السرية والمنافسة والعداء، ومن الممكن أن تؤثر هذه الثقافات في كيفية ثقة المستخدمين المجهولين واحترامهم ودعمهم لبعض؛ 3. وكالة الفاعلين Actors Agency: يمكن أن تؤثر دوافع المستخدمين المجهولين واستراتيجياتهم في نتائج أفعالهم وعواقبها. وعلى سبيل المثال، قد يتصرف امنيب، ةطشن وأ ةيراثيإ بابسلأ لاوًااهجم افًرّصت نيمدختسملا ضعب لاوًااهجم افًرّصت نورخآ فرصتي دق

لأسباب أنانية أو خبيثة. ومن الممكن أن تؤثر هذه الدوافع في كيفية تعاون المستخدمين المجهولين أو تصارعهم. وفقًا لهذا الإطار، يمكننا تحديد بعض السيناريوهات المحتملة لديناميات القوة بين المستخدمين المجهولين في وسائط التواصل الاجتماعي على النحو التالي: 1. تركيز القوة Power Concentration: في بعض الحالات، قد تتركز القوة بين عدد قليل من المستخدمين المجهولين الذين لديهم موارد أو مهارات أو نفوذ أكثر من غيرهم. وقد يعمل هؤلاء المستخدمون قادةً أو منظّمين أو مؤثّرين داخل الشبكة. وقد يستخدمون "قوتهم" لتعزيز مصالحهم أو أجنداتهم الخاصة، أو لصالح الشبكة كلّها؛

(75) Burak Babacan, "Understanding the Role of Power Dynamics among Anonymous Users on Social Media," LinkedIn , 15/4/2023, accessed on 18/8/2025, at: https://acr.ps/1L9GPDk

2. انتشار القوة Power Diffusion: في حالات أخرى، قد تنتشر القوة بين كثير من المستخدمين المجهولين الذين لديهم مستويات مماثلة من الموارد أو المهارات أو النفوذ، وقد يعمل هؤلاء بصفتهم أقرانًا أو متعاونين أو متابعين داخل الشبكة، وقد يستخدمون قوتهم لمشاركة المعلومات أو الآراء، أو للمشاركة في أعمال جماعية. وعلى سبيل المثال، قد يستخدم بعض المحتجين المجهولين سلطتهم للانضمام إلى الحملات أو المظاهرات عبر الإنترنت؛ 3. تحوّل السلطة Power Transformation: في

بعض الحالات، قد تتحول السلطة بين المستخدمين المجهولين المختلفين بمرور الوقت، وقد يكتسب هؤلاء المستخدمون السلطة أو يفقدونها بسبب التغييرات في إمكانات المنصة، أو ثقافة الشبكة، أو وكالتهم الخاصة. وقد يستخدمون أيضًا سلطتهم للتكيف مع المواقف أو التحديات الجديدة، أو لخلق فرص أو ابتكارات جديدة. غني عن القول إن ديناميات السلطة بين المستخدمين المجهولين في وسائط التواصل الاجتماعي معقدة وديناميكية، وأنه يمكن أن يكون لها تأثيرات إيجابية أو سلبية في تفاعلات وسائط التواصل الاجتماعي، اعتمادًا على كيفية إدارة الجهات الفاعلة المعنية إيّاها. لذلك، فإن فهم ديناميات السلطة

وإدارتها أمر ضروري، من المنظور الأخلاقي، بالنسبة إلى أي شخص يريد استخدام خاصية عدم الكشف عن هويته بفاعلية ومسؤولية في وسائط التواصل الاجتماعي. ثمة ظاهرة أخرى في مواقع التواصل الاجتماعي ذات أهمية في هذا السياق، تتمثّل في استمرار ذكرى الملفات الشخصية على فيسبوك وإحيائها بعد وفاة المستخدم. ولا يؤدي هذا الأمر إلى إعادة تنشيط عدد من الأسئلة الأخلاقية الكلاسيكية بخصوص واجباتنا الأخلاقية لتكريم الموتى وتذكّرهم فحسب، بل إنه يجدد أيضًا أسئلة من بينها: هل كان يمكن أن تستمر هوياتنا الرقمية بعد انتهاء هوياتنا المتجسدة؟ وهل كان للموتى اهتمامات مستمرة بحضورهم الاجتماعي أو سمعتهم الاجتماعية قبل أن يموتوا؟. إنّ القضايا الأخلاقية المرتبطة باستخدام وسائط التواصل الاجتماعي أكبر وأكثر من أن نناقشها في هذا الحيز المحدود، ويكفي أن نقول إن بعض التقنيات والوسائط التي نتعامل معها وبها تعمل بقوة على تشكيل العالم الذي يحتوينا، وكيفية حُكمنا عليه، وكيفية تفاعلنا فيه فيما بيننا، وإن تقدمنا

التكنولوجي يجب أن يدفعنا إلى النظر إلى أخلاقيات التواصل الاجتماعي في السياق الأوسع للأخلاقيات الحاسوبية، لا سيما ما يرتبط منها بتقنيات الذكاء الاصطناعي. ولا شك في أن الاهتمام المتنامي ببعض القضايا الأخلاقية في بعض دول العالم في الآونة الأخيرة قد يؤدي إلى اعتقاد مفاده أننا نكاد نضع الأمور في نصابها الصحيح، لكن علينا أّلا نستهين في الوقت نفسه بالقوى الاقتصادية والتجارية والسياسية التي تدافع عن مصالحها بشراسة، وإن شَّوَهت القيمة: قيمة الإنسان وقيمة الحياة

بأكملها. وعلينا، أيضًا، أّلا نغفل عن أن ادعاء أن الأخلاق في حد ذاتها يجب أن تكون عالمية ليس في الواقع أمرًا مقبولًا عالميًا. ويمكن، بطبيعة الحال أن تكون بعض القيم الأخلاقية عالمية النطاق فعلًا،

(76) Ibid. (77) Patrick Stokes, "Ghosts in the Machine: Do the Dead Live on in Facebook?" Philosophy & Technology , vol. 25, no. 3 (September 2012), pp. 363–379.

لكن بعضها الآخر أكثر محلية وتحديدًا لمجتمعات معينة. ويمكن القول كذلك إن بعض القواعد والواجبات الأخلاقية تنطبق على بعض الفئات دون غيرها. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهنا؛ الرهان الأخطر والأكثر إلحاحًا لرسم معالم الهيكل النهائي للعالم.

خاتمة

من بنيتها بوصفها كيانات مفرطة، مرورًا بخوارزمياتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى تحدياتها

السياسية والأخلاقية، حاولت هذه الدراسة أن ترسم مسارًا نحو فهم أعمق لوسائط التواصل الاجتماعي:

ما فلسفتها، وما طبيعتها؟ ولماذا تجذبنا وتُعيد تشكيل معالم حياتنا؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلينا أفرادًا وبالنسبة إلى المجتمع كلّه؟ وماذا عن ديناميات القوة فيها؟ وإلى أيّ حٍّدٍ تُهددنا مخاطرها؟ ربما علينا في النهاية أن نعترف أننا بصفتنا مجتمعًا (حكومات، وجامعات، ومؤسسات، ومراكز بحثية) لم نهتم على نحو كاف بالعواقب المحتملة لتعاظُم قدرات الكائنات المُفرطة وتحدياتها؛ فوسائط

التواصل، على الرغم مما تُبشر به من تلاحم غير مسبوق للبشر، لم تدمج الآلات والعمليات التناظرية الإنسانية وتُحوّلها، ولم تجعل أي مقاومة لها عتيقة فحسب، بل تخلق أيضًا مجالات جديدة من

التشابك والتواصل الرقمي الجاف والمتكاثف والعابر للكوكب. وبوصفها تقنية تمكينية، فهي تحت قيادة رأس المال تقنية استعمارية أساسًا، لا يُمكننا الفكاك بسهولة من منطقها الحتمي. ولسنا نبالغ إن

قلنا إن شبكات التواصل باتت تهيمن كما لم تُهيمن أي تقنية أو قوة أخرى على الإطلاق، وهي قابلة للتكيف والتمكين والتوجيه باستمرار، ومن الصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون إنسانية أو أخلاقية انطلاقًا من بنيتها الرقمية. نخلص، مما سبق، إلى أننا لم نعد في رحلة نحو الحداثة أو عبرها؛ نحن نفقد الماضي وتراث الحداثة (ما كان من ذلك جيّدًا أو سيّئًا)، وباتت رحلتنا إلى المستقبل مجهولة وغائمة؛ ففي عالم رقمي لا يمكننا

التعرف إليه بدقة؛ في عالم تُستعمر فيه المساحات والأزمنة، وحيث تزيح السرعة الرقمية المتسارعة وزمن الشبكة وقت الساعة وتولد حياة اجتماعية فردانية على أساس الحاضر المستمر للشبكة، نفقد تدفّق الوقت القائم على البعد الذاتي والمرصود بالساعة. باختصار، نفقد الإحساس بالتاريخ الذي هو في حد ذاته تناظري غير قابل للاختزال، حيث تكون كل لحظة، وكل حقبة، متورطة في سابقتها ولاحقتها. لقد قطعت ما بعد الحداثة الحاضر عن كل المستقبل بقطع الماضي؛ ما يعني أن الرأي النقدي غالبًا ما يكون يتيمًا في الحاضر. هكذا تحولت الوسيلة إلى غاية؛ كما تحوّل الهاتف المحمول من وسيلة للتواصل إلى غاية للتباهي،

وكما تحولت أشياء كثيرة في حياتنا من كونها وسائل لقضاء حوائجنا إلى غايات نروم امتلاكها تحت الضغط الإعلاني والمنافسة الحادة من الشركات بُغية تطوير منتجاتها وجذب الزبائن بكماليات

ورفاهيات ليسوا غالبًا في حاجة إليها، وتفريغ جيوب عامّة الناس الذين صاروا عبيدًا للتكنولوجيا،

على الرغم من اتساع الهوة المعرفية بينهم وبينها بإخفاء سطر الأوامر.

صحيح أن العالم أصبح في الوقت الراهن مُعقدًا جًّدًا، وأننا – بصفتنا جمهورًا – لا يمكننا التعامل

مع التفاصيل كلّها، ولا مناص لنا من الثقة بعددٍ من المبرمجين المجهولين لغربلة الخيارات؛ لإغلاق بعضها وإتاحة بعضها الآخر لنا. لكن علينا ألا ننسى أن هؤلاء المبرمجين هم شعلة التعقيد منذ البداية، ووقود الاحتكارات التجارية، وأدوات الهيمنة الشاملة في الحاضر والمستقبل. والأخطر من ذلك، من المنظور الفلسفي، هو فشل النخبة في الوفاء بوعد الرفاهية التكنولوجية. لقد سمحنا لهم ب "الركض بالكرة"، واكتفينا بالاستمتاع بمهاراتهم، فأفسدوا وهيمنوا وحالوا بيننا وبين الكلمة، واحتكروا سطر الأوامر لأنفسهم. قد يكون القلق بشأن أشياء مثل كارثة المناخ، أو فيروس كورونا، أو مساوئ الرأسمالية المتوحشة، أو وسائط التواصل الاجتماعي، أمرًا لا مفر منه. ولكن بدلًا من الانغماس في الخوف أو الذنب أو اليأس

أو الإحصاءات المحطمة للنفوس يمكننا أن نفكر في طرائق جديدة للتعايش، مع الآخرين، ومع جميع الكائنات الأخرى على هذا الكوكب: إذا استطعنا أن نجد في أنفسنا الرغبة والقدرة على أن نتخلى عن نوازع السيطرة واستغلال كل شيء من حولنا، فقد نجد طريقة لاعتناء بعضنا ببعض، واستمتاع بعضنا ببعض أيضًا، وبالعالم من حولنا، وبالحياة ذاتها؛ فالأرض في حاجة إلى بعض الحنان. أعتقد أن ثمة نوعًا من الاندماج بين الحنان والحزن، والفرح، والشوق، والرعب، والضحك، والكآبة، والغرابة. هذا الاندماج هو الشعور بالوعي، بالمعنى الواسع للكلمة. ربما علينا الآن، أو في المستقبل القريب، أن نُعيد النظر في تلك المقولة المأثورة التي نسبها إراسموس Erasmus إلى سقراط Socrates: "يا هذا تكلم حتى أراك"؛ إذ لم تعد معرفة الشخص (وهي الهدف الأول للتواصل الاجتماعي) موقوفة على ما ينطق به أو يكتبه من كلمات، بل بات من الممكن معرفته والتواصل معه بقرا ةء أفكاره مباشرةً في عالم افتراضي مُفرط، وهو ما قد يُغير كثيرًا من رؤانا

ونظرياتنا الفلسفية، لا سيما ما تعلق منها بدور اللغة في مسيرة التطور الحضاري للإنسان، وكذلك إزاء التساؤلات الأساسية التي طرحها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Immanuel Kant في نهاية كتابه نقد العقل الخالص Critique of Pure Reason (1781): ماذا يُمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب أن أفعل؟

ماذا يجب أن آمل؟ ثم سؤاله الذي أضافه في مقدمة كتابه محاضرات في المنطق Lectures on Logic (1800)، والذي يعكس مضامينها جميعًا: ما الإنسان؟ أخيرًا، لعلنا في عالمنا العربي في حاجةٍ إلى مراكز متخصصة في إمكانها رصد استخدامات الشارع

العربي بطوائفه المختلفة لشبكات التواصل الاجتماعي، وعمل الإحصاءات الدقيقة التي نفتقر إليها بشدة، ومن ثم تحليلها لرسم معالم الحاضر واستشراف المستقبل. لعلنا أيضًا في حاجة أشد إلى تجاوز القطيعة المعرفية بين العلوم العملية والتطبيقية من جهة، والعلوم الإنسانية (وفي مقدمتها الفلسفة) من جهة أخرى؛ فالعلم بلا فلسفة أعمى، والفلسفة بلا علم جوفاء، و"بومة مينيرفا الفلسفية لا تنشر جناحيها إلا مع حلول الغسق" على حدّ تعبير الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل

. G. W. F. Hegel

References

المراجع

العربية

بودريار، جان. المصطنع والاصطناع. ترجمة جوزيف عبد الله. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

ملكاوي، أسماء حسن. أخلاقيات التواصل في العصر الرقمي: هبرماس أنموذجًا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

الأجنبية

Aether, Jaffre. "077–Social Media and Hypervigilance: A Survey." State University of New York Geneseo, 2021. at: https://acr.ps/1L9GQ3X. Beard, Charles A. "Time, Technology, and the Creative Spirit in Political Science." American Political Science Review. vol. 21, no. 1 (1927). Benjamins, Richard, Yaiza Rubio Viñuela & Chema Alonso. "Social and Ethical Challenges of the Metaverse." AI and Ethics. vol. 3, no. 3 (2023). Castells, M. Networks of Outrage and Hope. Cambridge: Polity Press, 2012. Consalvo, M. & C. Ess. The Handbook of Internet Studies. Oxford: Wiley–Blackwell,

Culver, Sherri Hope & Paulette A. Kerr (eds.). Global Citizenship in a Digital World: MILID Yearbook 2014. Göteborg: Nordicom, 2014. Hassan, Robert & Thomas Sutherland. Philosophy of Media: A Short History of Ideas and Innovations from Socrates to Social Media. London/ New York: Routledge, 2016. Jwaifell, Mustafa. "The Proper Use of Technologies as a Digital Citizenship Indicator: Undergraduate English Language Students at Al Hussein Bin Talal University." World Journal of Education. vol. 8, no. 3 (2018). Kemp, Simon. Digital 2022: Global Overview Report. at: https://acr.ps/1L9GP5F Lighthill, James. "Artificial Intelligence: A General Survey." Chilton. July 1972. at: https://acr.ps/1L9GPOf Lv, Zhihan. "Generative Artificial Intelligence in the Metaverse Era." Cognitive Robotics. vol. 3 (2023). Malik, Sushma & Anamika Rana. "Exploring Current Technologies, Applications, and Challenges in the Metaverse: A Comprehensive Survey." Journal of Graphic Era University. vol. 12, no. 1 (2024). Mason, Paul.  Why It’s Kicking Off Everywhere. London: Verso, 2012. McCarthy, John et al. "A Proposal for the Dartmouth Summer Research Project on Artificial Intelligence. " Stanford University Press. 31/8/1955. at: https://acr.ps/1L9GPFX

McLuhan, Marshall. Understanding Media: The Extensions of Man. New York: McGraw Hill, 1964. Mobile World Capital Foundation. Ethical and Social Challenges Posed by the Future Metaverse. 2023. at: https://acr.ps/1L9GPCs Morton, Timothy. Hyperobjects: Philosophy and Ecology after the End of the World. Minneapolis: University of Minnesota Press, 2013. _________. The Ecological Thought. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2010. Mulberg, Jonathan. Social Limits to Economic Theory. London/ New York: Routledge,

Plato. Complete Works. John M. Cooper & D. S. Hutchinson (eds.). Indianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 1997. _________. Phaedrus. Benjamin Jowett (trans.). Project Gutenberg eBook No. 1636, 30/10/2008. at: https://acr.ps/1L9GPhz Sadiku, Matthew N. O. et al. "Artificial Intelligence in Social Media." International Journal of Scientific Advances. vol. 2, no. 1 (January–February 2021). Smuha, Nathalie A. (ed.). Cambridge Handbook on the Law, Ethics and Policy of Artificial Intelligence. Cambridge: Cambridge University Press, 2025. Spinello, Richard A. "Privacy and Social Networking Technology." International Review of Information Ethics. vol. 16 (December 2011). Stokes, Patrick. "Ghosts in the Machine: Do the Dead Live on in Facebook?" Philosophy & Technology. vol. 25, no. 3 (September 2012). Vallor, Shannon. "Social Networking and Ethics." Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2012). Edward N. Zalta (ed.). 2015. at: https://acr.ps/1L9GPXj Wishart, Ellissa Cavaciuti et al. The Global Risks Report 2024. 19 th ed. World Economic Forum. Geneva: January 2024.