الأخلاق في مواجهة الحداثة: دراسة تحليلية ونقدية لكتاب
Book review: Ethics Confronting Modernity: An Analytical and Critical Study of Ethics in the Conflicts of Modernity by Alasdair MacIntyre
الملخّص
عنوان الكتاب: الأخلاقيات في نزاعات الحداثة: مقالة في الرغبة والتفكير العلمي والسردية. عنوان الكتاب في لغته: Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, Practical Reasoning, and Narrative. المؤلف: ألسدير ماكنتاير. ترجمة: عبيدة عامر غضبان. تقديم: حجاج أبو جبر. الناشر: ابن النديم للنشر والتوزيع (وهران) ودار الروافد الثقافية – ناشرون (الشارقة). سنة النشر: 2025. عدد صفحات الكتاب: 422.
Abstract
Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, عنوان الكتاب في لغته: Practical Reasoning, and Narrative.
. Obaida Amer Ghadhban عبيدة عامر غضبان حجاج أبو جبر Hajjaj Abu Jabr.
- الحداثة
- أخلاق الفضيلة
- العقلانية العملية
- ألسدير ماكنتاير
- Modernity
- Virtue Ethics
- Narrative
- Practical Reasonableness
عنوان الكتاب: والسردية.
المؤلف:
ألسدير ماكنتاير. ترجمة: تقديم: الناشر: ناشرون. سنة النشر: عدد الصفحات: كلمات مفتاحية:
العملية.
الأخلاقيات في نزاعات الحداثة: مقالة في الرغبة والتفكير العلمي
Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, عنوان الكتاب في لغته:
Practical Reasoning, and Narrative.
وهران: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ الشارقة: دار الروافد الثقافية –
الحداثة، أخلاق الفضيلة، الأرسطية الجديدة، السردية، العقلانية
Professor of Philosophy of Religion and Ethics at the College of Arts, University of Baghdad. ehsanali@coart.uobaghdad.edu.iq
مقدمة
يمثّل كتاب ألسدير ماكنتاير –1929()2025الأخلاقيات في نزاعات الحداثة: مقالة في الرغبة والتفكير العملي والسردية)2016(عورشمل لا مكتساو، ةيملع ةريسمل اجًِوّمِت لامًااع
فكري ضخم امتد على أكثر من أربعة عقود. وهو مشروع كرّسه ماكنتاير لتشخيص أزمة الحداثة
الأخلاقية، وتقديم بديل متجذّر في التقليد الأرسطي التوماوي. لا يمكن فهم هذا الكتاب على أنه عمل مستقل، بل يجب قراءته بوصفه البيان الأكثر نضجًا وتكاملًا لأفكار ماكنتاير؛
حيث يعيد صياغة الأطروحات التي قدمها في أعماله التأسيسية السابقة ويدمجها، وعلى رأسها بعد الفضيلة (1981)، وأي عدالة؟ أي عقلانية؟ (1988)، والحيوانات العاقلة المعتمدة (1999). وإذا كان كتاب بعد الفضيلة قد شخّص المرض – وهو تفكك لغة الأخلاق في الحداثة إلى شذرات غير متماسكة – فإن هذا الكتاب
(((يُعدّ ماكنتاير من أبرز فلاسفة الأخلاق والسياسة في العالم
الأنكلوفوني خلال نصف القرن الماضي. تمتد مسيرته الفكرية على أكثر من ستة عقود، شهدت تحولات فكرية عميقة من انخراطه المبكر في الماركسية إلى تبنيه النهائي للتقليد الأرسطي بصيغته التي طوّرها القديس توما الأكويني. ويُنسب إلى ماكنتاير
الفضل الأكبر في إحياء "أخلاق الفضيلة" بصفتها حقلًا بحثيًا
رئيسًا في الفلسفة الأكاديمية المعاصرة، بعد أن كانت مهمشة
عقودًا طويلة لمصلحة النظريات النفعية والكانطية. وجاءت
شهرته الأوسع مع نشر كتابه بعد الفضيلة عام 1981، الذي قدّم
فيه تشخيصًا صادمًا للحالة الأخلاقية في الحداثة. جادل ماكنتاير
بأن الخطاب الأخلاقي المعاصر قد فقد تماسكه وأصبح مجرد ساحة للصراخ العاطفي غير العقلاني؛ لأن المفاهيم الأخلاقية التي نستخدمها (مثل العدالة، والواجب، والخير) قد انتُزعت من
سياقاتها الاجتماعية واللاهوتية الأصلية التي كانت تمنحها معناها. ومنذ ذلك الحين، كرّس أعماله اللاحقة لتطوير بديل
إيجابي من هذا الوضع، مستلهمًا التقليد الأرسطي التوماوي
موردًا فكريًا قادرًا على إعادة بناء فهم متماسك للحياة الخيّرة.
وكما يذكر الكتاب في التعريف به، فقد تقاعد ماكنتاير من التدريس في جامعة نوتردام عام 2010، وهو مؤلف للعديد من الكتب والمقالات المهمة في هذا المجال.
يقدم تشخيصًا أعمق للمرض، ويرسم خريطة
طريق أكثر تفصيلًا للعلاج. تتمثّل الأطروحة المركزية للكتاب في أن الفهم الصحيح للخير الإنساني ومصالحه يتطلب رفضًا جذريًا للادعاءات الفلسفية والسياسية والأخلاقية
التي تشكّل جوهر الحداثة. ولا يكتفي ماكنتاير بالنقد والتفكيك، بل يسعى، كما يشير في تمهيده، لتزويدنا بالموارد الفكرية اللازمة لتأسيس سياسة وأخلاقيات معاصرة، "تتيح لنا وتطالبنا أن نتحرك ضد الحداثة من داخلها". وهذا الهدف المزدوج، الذي يجمع بين التفكيك وإعادة البناء، هو السمة المميزة لمشروعه. وعلى الرغم من أن الكتاب يخوض في حوار نقدي معمّق مع الفلسفة الأكاديمية المعاصرة،
التي يتهمها بالانعزال عن الحياة اليومية والسطحية التاريخية، فإنه موجّه في الأساس إلى جمهور
أوسع من "العوام المتعلمين". يسعى ماكنتاير لتحرير النقاش الأخلاقي من أسره الأكاديمي، وإعادته إلى ساحة الممارسة اليومية، حيث تتشكل الرغبات وتُتخذ القرارات وتُعاش الحياة.
أولا: مسار الكتاب وبنيته
يقدم حجّاج أبو جبر مدخلًا شاملًا وعميقًا
للكتاب، يلخّص مشروعه الفكري وأطروحته المركزية بأنها "مشروع مزدوج" يجمع بين "التفكيك وإعادة التركيب"؛ فهو لا يكتفي بنقد مقولات الحداثة، بل يسعى ل "إصلاح الحداثة من داخلها". ويحدد المصدرَين الأساسيَين لهذا
المشروع: الصياغات الجديدة لفلسفة الأخلاق
(2) Michael Farley, "Moral Apologetics in a Secular Age: Lessons from Alasdair MacIntyre," Modern Revolution , 24/6/2022, accessed 2/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPQy
الأرسطية (بما في ذلك إسهامات ابن رشد وموسى بن ميمون والأكويني)، والانفتاح على حقول معرفية أخرى كعلم الاجتماع والتاريخ والأدب (ص. 9) يلخص أبو جبر نقد ماكنتاير ل "أخلاق الحداثة"، في ست سمات رئيسة: علمانيتها، وادعاؤها العالمية، وتركيزها على الرغبات الفردية، واستخدامها لمفردات مجردة (كالمنفعة، والواجب)، وادعاؤها التفوق التاريخي، وفرضها
لنواهٍميتافيزيقية يمكن انتهاكها بتبريرات عقلانية (ص. 10). في مقابل ذلك، يوضح أن بديل ماكنتاير يركز على "الفاعل الأخلاقي" بدلًا من "الأفعال"، وعلى "الفضيلة" المتجذّرة في الممارسات الاجتماعية بدلًا من النظريات النفعية أو الكانطية. ويشرح المفاهيم الأساسية التي يبني عليها ماكنتاير بديله: مفهوم "الازدهار البشري" بديلًا من فكرة "التقدم" الخطي، ومفهوم "الغاية" telos التي توجّه حياة الإنسان، ونقده لمفهوم
"السعادة" الاستهلاكي السائد، وأخيرًا، أهمية
"المنعطف السردي" في فلسفة الأخلاق؛ حيث
(((يقدم المترجم عبيدة عامر غضبان توضيحًا للفروق الدقيقة
بين المصطلحات الأساسية التي تشكّل حجر الزاوية في حجة
ماكنتاير. أبرز هذه الفروق هو الممايزة بين الأخلاقيات Ethics والأخلاق Morality، حيث تشير الأولى إلى التحري الفلسفي في طبيعة الخير والشر، وهي ذات بعد قياسي جماعي. أما الأخلاق، فتشير إلى النظم الأخلاقية المحددة، وهي ذات بعد شخصي ومعياري. والأهم من ذلك هو توضيحه لتمييز ماكنتاير بين "الأخلاق " Morality بصفة عامة، و"أخلاق الحداثة" Morality، وهو النظام الأخلاقي المحدد الذي نشأ مع الحداثة الرأسمالية والذي يوجّه إليه ماكنتاير نقده الحاد. هذا التمييز،
الذي يعبر عنه ماكنتاير في الإنكليزية باستخدام الحرف الكبير، أساسي لفهم أن نقد ماكنتاير ليس موجّهًا إلى الأخلاق في
المطلق، بل إلى نظام تاريخي محدد. كما أن ترجمته لمصطلح good ب "حسن" و goods ب "مصالح" يربط النقاش بالتراث الفلسفي والكلامي الإسلامي؛ وهو ما يمنح النص عمقًا إضافيًا
في سياقه العربي (ص. 22)–21
لا يمكن فهم الحياة الأخلاقية إلا بصفتها سردية متماسكة (ص. 15) إن بنية الكتاب ليست مجرد تجميع لفصول متجاورة، بل هي مسار حجاجي ديالكتيكي متصاعد ومحكم البناء. يبدأ ماكنتاير بعرض الأزمة الفلسفية (أطروحة مقابل نقيضها) تصل إلى طريق مسدود في الفصل الأول. ثم يقترح في الفصل الثاني منهجية جديدة (تاريخية – سوسيولوجية) لتجاوز هذا الطريق المسدود. ويطبق هذه المنهجية في الفصل الثالث، لتشخيص السياق (الحداثة) الذي أنتج هذه الأزمة. وفي الفصل الرابع، يعود إلى الفلسفة ليبني أطروحته الأصلية (النيو–أرسطية) على أسس جديدة وأكثر صلابة. وأخيرًا، يقدم في
الفصل الخامس برهانًا عمليًا على صحة أطروحته
من خلال تحليل سرديات حقيقية. يكشف هذا البناء الديالكتيكي عن عمق المنهجية الفلسفية لماكنتاير، وتفصيل ذلك فيما يلي. يف تتح ماكنتاير كتابه بتشخيص أزمة الفلسفة المعاصرة، التي تحوّلت في رأيه إلى "تخصص
أكاديمي محصور، يخاطب ممارسوها غالبًا
بعضهم فقط". أدى هذا الانعزال، مقترنًا بضغوط النشر الأكاديمي، إلى تضخّم هائل في الأدبيات الفلسفية؛ ما يجعل من شبه المستحيل الإحاطة بها أو تحقيق تقدم حقيقي. يعلن ماكنتاير عن تمرده على هذا الوضع، مؤكدًا أن كتابه موجّه إلى
القراء العوام المتعلمين، وأن إحالاته الأكاديمية ستكون "منتقاة وقليلة". فهدفه ليس إقناع الخصوم الفلسفيين، بل "دعوتهم لإعادة النظر في مواقفهم في ضوء حجتي المطروحة". ينطلق الفصل الأول (ص 113–29) من تجربة إنسانية جوهرية وملموسة: كيف يمكن حياة
الإنسان أن "تضطرب بسبب الرغبة المُضَّلَلة أو
الخائبة". يقود هذا السؤال العملي مباشرة إلى سؤال فلسفي أعمق: ما الذي يعنيه أن نمتلك "سببًا حسنًا" للرغبة في شيء ما بدلًا من آخر؟
يجادل ماكنتاير بأن امتلاك سبب حسن لفعلٍ
ما، هو "التصرف من أجل تحقيق خيرٍ ما أو منع
أو تجنب شرٍ ما" (ص. 37)؛ وبهذا، يربط ربطًا أساسيًا بين عقلانية الرغبة ومفهوم "الخير". لكن هذا الربط يفتح الباب على الفور أمام مشكلة الخلافات العميقة والمستعصية في ماهية الخير. وهنا، يقدم الفصل مواجهة حاسمة بين تفسيرَين فلسفيَين متناقضَين لهذه الخلافات،
وهما: التعبيرية Expressivism، والنيو–أرسطية
. Neo–Aristotelianism
أما الموقف التعبيري، فيذهب إلى أن الأحكام الأخلاقية (مثل "هذا حسن") لا تصف حقيقةً موضوعية في العالم، بل هي تعبير عن مواقف ذاتية من الاستحسان أو الرفض، أو عن مشاعر وتفضيلات شخصية، وهو تطوير ل "الانفعالية" Emotivism. وفقًا لهذا الرأي، فإن الخلافات الأخلاقية ليست خلافات حول حقائق، بل هي "صدام بين التوجهات" لا يمكن حسمه بالرجوع إلى أي معيار خارجي مستقل عن مشاعر المتنازعين وأهوائهم (ص. 58)–49 في حين يقِّدِم الموقف النيو–أرسطي تفسيرًا
معاكسًا تمامًا؛ فهو يرى أن مفهوم "الخير" متجذّر
موضوعيًا في مفهوم "الازدهار البشري" Human
Flourishing. فالأحكام الأخلاقية هي أحكام واقعية حول ما يساهم في ازدهار الكائن البشري أو يعوقه، تمامًا كما يمكننا أن نحكم موضوعيًا
على ما يساهم في ازدهار الذئاب أو الدلافين أو النباتات. ومن ثمّ، فإن الخلافات الأخلاقية يمكن،
من حيث المبدأ، حسمها بالتحري العقلاني في طبيعة الازدهار البشري. يخلص الفصل إلى أن المواجهة بين هذين الموقفين تمثّل "نزاعًا فلسفيًا لا يبدو أيّ من
أطرافه قادرًا على هزيمة الآخر" (ص). 102
يمتلك كل طرف بنية حجاجية متماسكة من الداخل، لكن غياب أي أرضية مشتركة ومحايدة للحكم بينهما يؤدي إلى طريق مسدود. وهذا الإخفاق الفلسفي هو ما يدفع ماكنتاير إلى تغيير استراتيجيته، والانتقال من التحليل الفلسفي المجرد إلى التحليل التاريخي والسوسيولوجي في الفصل التالي. لمواجهة الطريق المسدود الذي وصل إليه ماكنتاير في الفصل الأول، يقترح استراتيجية جديدة جذرية في الفصل الثاني (ص 167–115)؛ بدلًا من محاولة حل الخلاف الفلسفي بشروطه الخاصة، يجب أن نفحص "السياقات الاجتماعية والثقافية التي عمل بها التنظير الفلسفي". فالفكرة الأساسية هي أن النظريات الفلسفية، حتى تلك التي تدّعي العالمية، هي في الحقيقة نتاجُ سياقات
تاريخية واجتماعية محددة، وفهمُ هذه السياقات
يمكن أن يكشف عن حدودها وتحيّزاتها. لإثبات هذه النقطة، يقدّم المؤلف سلسلة من دراسات الحالة التاريخية. يبدأ بديفيد هيوم David Hume (1776–1711)، ليجادل بأن تصوّره
"العالمي" للطبيعة البشرية كان في الواقع انعكاسًا
"محلّيًا ومحددًا" لمجتمع إسكتلندا في القرن الثامن
عشر. ثم ينتقل إلى أرسطو (322–384 ق.م.)،
(4) Richard Kraut, "Review of Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, Practical Reasoning and Narrative," Notre Dame Philosophical Reviews , 17/1/2018, accessed 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BOTQ
موضّحًا كيف أن فلسفته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا
بسياق المدينة–الدولة اليونانية polis، وكيف أن توما الأكويني Thomas Aquinas) 1274–1225(لم يكرر أرسطو، بل "استرده" وأعاد تكييفه على
نحوٍ خّلا ق ليتناسب مع سياق المسيحية في العصور الوسطى. وهنا يأتي الدور المحوري لكارل ماركس في حجّة
الكتاب. يستخدم ماكنتاير التحليل الماركسي ليس أداة نقدية فحسب، بل أداة تفسيرية منهجية أيضًا. فهو يوظّف مفاهيم ماركس حول الأيديولوجيا والبنية التحتية الاقتصادية، لتفسير كيف يمكن أن تبدو نظرية فلسفية (مثل نظرية الأكويني) كأنها منفصلة عن سياقها الاجتماعي المباشر. ثم يعمم هذا المنهج النقدي ليطبقه على علم الاقتصاد الأكاديمي المعاصر، الذي يصفه بأنه "نمط فهم وسوء فهم" في آن واحد؛ لأنه يقدم نفسه بصفته علمًا موضوعيًا، بينما هو في الحقيقة يخفي
ويدعم علاقات القوة في المجتمع الرأسمالي. إن دمج ماركس في الحجّة ليس عرضيًا، بل هو
الجسر المنهجي الذي يسمح لماكنتاير بالانتقال من المشكلة الفلسفية المجردة في الفصل الأول إلى النقد الاجتماعي والسياسي الملموس في الفصل الثالث. يخلص المؤلف من هذا الفصل إلى أن السبيل الوحيد لتجاوز الخلافات الفلسفية المستعصية، هو فهمها باعتبارها أعراضًا لسياقات اجتماعية وتاريخية أوسع. تمهد هذه الخلاصة المنهجية الطريق لتشخيص "أخلاق الحداثة"، ليس بصفتها نظرية فلسفية مجردة، بل بصفتها منتجًا أيديولوجيًا
لمجتمع الحداثة المتقدمة. في الفصل الثالث "تشريح أخلاق الحداثة" (ص 231–169)، يطبق ماكنتاير المنهجية
التاريخية – السوسيولوجية التي طوّرها في
الفصل الثاني على موضوعه الرئيس. يبدأ بالتمييز الحاسم بين الأخلاق بصفة عامة Morality والنظام الأخلاقي المحدد الذي يميز الحداثة، والذي يطلق عليه اسم "أخلاق الحداثة" Morality. يجادل بأن هذا النظام ليس نظامًا عالميًا أو ضروريًا، بل
هو بنية تاريخية محددة نشأت وتطورت لخدمة المؤسستين المهيمنتين في الحداثة: "الدولة، والسوق" (ص. 181) يرى ماكنتاير أن أخلاقيات السوق، التي تقوم على تعظيم التفضيلات الفردية والسعي اللامتناهي وراء الربح، وأخلاقيات الدولة البيروقراطية، التي تقوم على القواعد الإجرائية المحايدة ظاهريًا، تعملان
معًا على تشكيل رغباتنا وتفكيرنا العملي؛ ذلك أن "أخلاق الحداثة" هي الغطاء الأيديولوجي الذي يبرر هذا النظام، ويجعله يبدو طبيعيًا وعقلانيًا.
إنها تعمل على "تضاعف الرغبات" وتوجيهها نحو الاستهلاك والمنافسة؛ وهو ما يخدم مصالح النظام الرأسمالي. بعد تقديم هذا التشريح السوسيولوجي، ينتقل ماكنتاير إلى اختبار "أخلاق الحداثة"، من خلال مساءلات نقدية طرحها مفكرون وفنانون من داخل الحداثة نفسها. يبدأ بنقد التعبيرية، ثم ينتقل إلى النقد الجمالي عند أوسكار وايلد Oscar Wilde (1900–1854)، والنقد الحيوي عند ديفيد
David Herbert Lawrence هربرت لورانس
(1930–1885)، لكنه يخصص المساحة الأكبر
(5) Tom P. S. Angier, "Review of Alasdair MacIntyre's Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, Practical Reasoning, and Narrative (Cambridge: Cambridge University Press, 2016)," Religious Studies , vol. 53, no. 3 (2017), pp. 419–427, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BOTe
والأهم لمحاورته مع الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز Bernard Williams). 2003–1929(يرى ماكنتاير في ويليامز المحاور النقدي المثالي؛ لأنه، خلافًا لمعظم الفلاسفة التحليليين، كان واعيًا
بالسياقات التاريخية والاجتماعية للفلسفة، ولأنه طرح التحديات الأكثر جدية وقوة ضد إمكانية إحياء أٍّيّ من أشكال الأخلاق الأرسطية في
العصر الحديث. تشكّل أسئلة ويليامز وشكوكه نقطة الانطلاق التي سيبني عليها ماكنتاير بديله الإيجابي في الفصل التالي. بعد أن شخص ماكنتاير أزمة الحداثة وتفكيك "أخلاقها"، يعود في الفصل الرابع "بناء البديل" (ص 329–233) إلى المهمة البنائية. يهدف الفصل إلى تقديم نسخة معاصرة ومطورة من النيو–أرسطية، وقادرة على مواجهة تحديات الحداثة والرد على نقادها مثل ويليامز. يقدم ماكنتاير بديلًا عمليًا من العقلانية الفردية
السائدة في الدولة والسوق. فبدلًا من التركيز على الفرد المنعزل الذي يسعى لتعظيم تفضيلاته، يركز على "العقلانية العملية من وجهة نظر نيو–أرسطية" التي تتجلى في سياقات اجتماعية ملموسة، حيث يشارك الناس في ممارسات مشتركة: "العائلات، وأماكن العمل، والمدارس". في هذه السياقات، لا يكون الهدف هو تحقيق مصالح فردية متنافسة، بل السعي المشترك لتحقيق "المصالح العمومية" Common Goods من خلال المداولة العقلانية والتعاون. يقدم الفصل أيضًا نقدًا عميقًا للمفهوم الحديث للسعادة، بوصفه مجرد حالة نفسية ذاتية من الرضا. في مقابل ذلك، يعيد طرح المفهوم الأرسطي ل "اليودايمونيا " Eudaimonia أو الازدهار، ليس بصفته شعورًا ذاتيًا، بل بصفته
تحقيقًا موضوعيًا للقدرات والإمكانيات الكامنة
في الطبيعة البشرية. يتناول الجزء الأخير من الفصل كيفية تبرير الادعاءات الأرسطية – التوماوية في النقاش المعاصر، ويقدم ردًا مفصلًا على انتقادات ويليامز. ويصل إلى استنتاج حاسم مفاده أن فهم الحياة العملية والأخلاقية، بكل تعقيداتها وصراعاتها، لا يمكن أن يكون كاملًا إلا من خلال إطار "السرديات". إن الحياة الخيّرة ليست تطبيقًا
لمبادئ مجردة، بل هي عيش قصة متماسكة، رحلة لها بداية ونهاية. يمهد هذا الاستنتاج الطريق مباشرةً للفصل الأخير من الكتاب. يمثل الفصل الختامي (ص 419–331) التجسيد العملي والبرهان الملموس للأطروحة النظرية التي بناها ماكنتاير على مدار الكتاب. وإذا كانت الفصول السابقة قد جادلت بأن الحياة الأخلاقية لها بنية سردية، فإن هذا الفصل يهدف إلى إظهار ذلك من خلال دراسة "علاقة النظرية بالممارسة والرغبة بالتفكير العملي في سيرة حياة أربع شخصيات مختلفة من القرن العشرين". ليست هذه السرديات مجرد أمثلة توضيحية، بل هي جوهر الحجة، حيث يتم اختبار الإطار النظري في مواجهة تعقيدات الحياة الواقعية التي عاشها أفراد حقيقيون في خضم صراعات الحداثة. يقدم ماكنتاير أربع سير ذاتية لشخصيات متنوعة، وهو ما يوضح شمولية نموذجه وقدرته على تفسير مسارات حياة مختلفة: فاسيلي غروسمان Vasily Grossman (1964–1905)، الروائي السوفياتي الذي شهد وعانى وحشية الدولة الشمولية، وكيف شكّل هذا الصراع بحثه عن الحقيقة والخير؛
Sandra Day O’Connor ساندرا داي أوكونور
(2023–1930)، قاضية المحكمة العليا الأميركية،
مثال لشخص عمل داخل مؤسسات الدولة الليبرالية الحديثة وحاول تحقيق العدالة من خلال موازنة المصالح المتضاربة؛ س. ل. ر. جيمس C. L. R. James (1989–1901)، المؤرخ والناشط السياسي الماركسي، الذي يمثل النضال ضد الاستعمار والرأسمالية من منظور عالمي؛ دينيس فاول Denis Faul (2006–1932)، القس الكاثوليكي والناشط السياسي الإيرلندي، الذي يجسّد الانخراط في صراع سياسي وأخلاقي على
مستوى المجتمع المحلي. ومن خلال تحليل هذه الحيوات، يوضّح ماكنتاير كيف أن كل فرد، بوعي أو بغير وعي، يعيش حياته بصفتها سردية، وكيف أن فهم هذه السردية، نجاحاتها وإخفاقاتها، نقاط تحولها، وغايتها النهائية، هو مفتاح المعرفة الذاتية الأخلاقية.
ثانيًا: تقييم نقدي لأطروحة ماكنتاير
تبرز أهمية الكتاب في قدرته على الربط بين التفكك الظاهر في الخطاب الأخلاقي المعاصر (والذي تجسّده التعبيرية) والتفكك الفعلي في
البنى الاجتماعية والسياسية للحداثة الرأسمالية. لا يقدم ماكنتاير نقدًا فلسفيًا مجردًا فحسب، بل
يعضده أيضًا بمُقترب سيكولوجي وسوسيولوجي،
موضّحًا كيف أن نظريات مثل التعبيرية ليست
أخطاء منطقية فحسب، بل هي أيضًا انعكاس صادق لحالة اجتماعية معيّنة فُقدت فيها المعايير
الموضوعية للخير. يتميز الكتاب كذلك بنطاقه الفكري الواسع وقدرته على دمج رؤى من حقول معرفية متنوعة. فهو يجمع ببراعة بين دقة التحليل الفلسفي، وعمق البصيرة التاريخية، والنقد السوسيولوجي، والتأويل
الأدبي؛ ما يمنح حجته ثراءً وقوة تفسيرية نادرة
في الفلسفة المعاصرة. وكذلك فإن دمجه لرؤى ماركس النقدية ضمن إطار أرسطي – توماوي يُعدّ
إنجازًا فكريًا لافتًا. يسمح له هذا الدمج بتقديم
نقد مادي وبنيوي للحداثة، من دون الوقوع في الحتمية التاريخية للماركسية التقليدية أو النسبية الأخلاقية لفلسفات ما بعد الحداثة. إنه يأخذ من ماركس أدواته التشخيصية ويرفض وصفته العلاجية. ومن ناحية أخرى يقدم الكتاب دفاعًا عن مفهوم أغنى للعقلانية العملية المتجذرة في الممارسات المشتركة والسعي لتحقيق المصالح العمومية. وهو ما يوفر أساسًا نظريًا قويًا لنقد
أخلاقيات السوق والدولة البيروقراطية. وعلى الرغم من أن الطريق المسدود بين التعبيرية والنيو–أرسطية هو نقطة انطلاق الكتاب، فإن ماكنتاير قد لا ينجح في حسم هذا الخلاف فلسفيًا على أرض محايدة. فحجته الأساسية أن
التعبيرية عرض مرضي لحالة اجتماعية متفككة. ويمكن أن يرد التعبيري بأن هذا "مغالطة منشأ"، فأصول النظرية الاجتماعية لا تحدد صحتها أو خطأها الفلسفي. وبهذا، يبدو أن ماكنتاير يبني بديلًا قويًا، لكنه قد يفشل في إقناع من لا يشاركه
بالفعل منطلقاته الأرسطية؛ وهو ما يترك المواجهة الفلسفية قائمة. وإذا كان البديل الإيجابي الذي يقترحه ماكنتاير – وهو "سياسة المجتمع المحلي" القائمة على المداولة والسعي نحو المصالح
(6) David Kretz & Guillaume Lenne, "Review of Alasdair MacIntyre’s, Ethics in the Conflicts of Modernity An Essay on Desire, Practical Reasoning, and Narrative, Cambridge: Cambridge University Press, 2016," Raisons politiques , vol. 69, no. 1 (2018), pp. 129–133, accessed on 1/10/2025, at: https://acr.ps/1L9BPOR
العمومية – فإن هذا البديل يواجه اتهامات بالرومانسية وعدم الواقعية في عالم معقد ومعوْلم.
وتظل هناك أسئلة قائمة بلا إجابات وافية: كيف تتفاعل هذه المجتمعات المحلية فيما بينها ومع الدولة الأكبر؟ وكيف تتجنب الانغلاق على الذات أو قمع الأقليات بداخلها؟ يبدو أن مشروع ماكنتاير أقوى في نقده منه في تقديم حلول سياسية عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع. وتبقى الانتقائية إحدى الملاحظات التي تلفت انتباه القارئ بسهولة. فهو يميل إلى التركيز على محاورين محددين (مثل ويليامز) ويتجاهل تقاليد فلسفية أخرى قد تقدم حلولًا مختلفة للمشكلات نفسها التي يشخصها، مثل نظرية الخطاب عند
المراجع
Angier, Tom P. S. "Review of Alasdair MacIntyre’s Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, Practical Reasoning, and Narrative (Cambridge: Cambridge University Press, 2016)." Religious Studies. vol. 53, no. 3 (2017). at:
Farley, Michael. "Moral Apologetics in a Secular Age: Lessons from Alasdair
Kraut, Richard. "Review of Ethics in the Conflicts of Modernity: An Essay on Desire, Practical Reasoning and Narrative." Notre Dame Philosophical Reviews. 17/1/2018. at:
Kretz, David & Guillaume Lenne. "Review of Alasdair MacIntyre’s, Ethics in the Conflicts of Modernity An Essay on Desire, Practical Reasoning, and Narrative, Cambridge: Cambridge University Press, 2016." Raisons politiques. vol. 69, no. 1
يورغن هابرماس Jürgen Habermas (1929–)، أو التيارات الليبرالية التي حاولت تطوير مفاهيم أكثر ثراءً للمجتمع والخير العام. في الحصيلة، يمكن القول إن نجاح ماكنتاير في نقد الحداثة من داخلها هو، في المقام الأول، نجاح نقدي وتشخيصي. إنه يزودنا بمجموعة مهمة من الأدوات المفاهيمية والتاريخية اللازمة، ليس لفهم أزمتنا الراهنة فحسب، بل أيضًا لمقاومتها فكريًا وعمليًا. لقد أظهر بوضوح أن
العديد من "المسلمات" الأخلاقية والسياسية في عصرنا ليست حقائق أبدية، بل هي بنى تاريخية تخدم مصالح محددة.
References
https://acr.ps/1L9BOTe
MacIntyre." Modern Revolution. 24/6/2022. at: https://acr.ps/1L9BPQy
https://acr.ps/1L9BOTQ
(2018). at: https://acr.ps/1L9BPOR