العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مدخلان لمناقشة موضوع:

مدخلان لمناقشة موضوع:

Two Perspectives On "US" and Postmodern Thought

عزمي بشارة *

Azmi Bishara *

الملخّص

تقدّم هذه الدراسة قراءة نقدية لأثر استيراد فكر ما بعد الحداثية إلى السياق العربي، وتبين أن مقولاته حول نسبية الحقيقة، وتفكيك السرديات الكبرى، وتجاوز سلطة العقل الكوني، والتشكيك في فاعلية الذات الإنسانية، تتأسس على شروط حداثية غربية لا تتوافر في مجتمعات لم تستكمل مشروع التحديث. وتُظهر أن اعتماد النقد ما بعد الحداثي في بيئة تتسم بضعف المؤسسات العلمية، وتغوّل الهويات ما قبل الحديثة، قد يؤديان إلى إضعاف الموضوعية العلمية، وتبرير النسبوية الأخلاقية، وتثبيت أنماط السلطة التقليدية. وتركّز الدراسة على محورَي العلم والأخلاق من خلال تفكيك أطروحات ما بعد الحداثية حول الخطاب العلمي والمعايير الأخلاقية. وتبين الدراسة الفرق بين الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية، كما تبين الفرق بين القيم الأخلاقية الكونية والقواعد الأخلاقية، وبين الأخلاق ونظريات الأخلاق والنظريات العلمية.

Abstract

Abstract: This study offers a critical reading of the consequences of importing postmodern thought into the Arab context. It demonstrates that postmodern commentary on the relativity of Truth, deconstruction of grand narratives, overcoming the authority of the universal intellect, and scepticism toward human agency are based on modern Western criteria which are not met in partially modernized societies. The study shows that the adoption of postmodern critique in an environment of weak scientific institutions where premodern identities prevail can enfeeble scientific objectivity, justify moral relativism, and reify modes of traditional authority. This study concentrates on the subjects of science and ethics by deconstructing postmodernist arguments regarding scientific discourse and ethical standards. In doing so, the study clarifies the difference between scientific truth and philosophical and religious truth; it also explains the distinction between universal moral values and moral rules, and between morality, theories of morality, and scientific theories.

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الحداثية
  • الموضوعية
  • النسبوية
  • الأخلاق الكونية
  • نقد التنوير
Keywords:
  • Postmodernism
  • Relativism
  • Objectivity
  • Universal Ethics
  • Critique of Enlightenment

وتبُّيُن أن مقولاته حول نسبية الحقيقة، وتفكيك السرديات الكبرى، وتجاوز سلطة العقل

الكوني، والتشكيك في فاعلية الذات الإنسانية، تتأسس على شروط حداثية غربية لا تتوافر

في مجتمعات لم تستكمل مشروع التحديث. وتُظهر أن اعتماد النقد ما بعد الحداثي في بيئة

تتسم بضعف المؤسسات العلمية، وتغوّل الهويات ما قبل الحديثة، قد يؤديان إلى إضعاف

الموضوعية العلمية، وتبرير النسبوية الأخلاقية، وتثبيت أنماط السلطة التقليدية. وتركّز الدراسة

على محورَي العلم والأخلاق من خلال تفكيك أطروحات ما بعد الحداثية حول الخطاب

العلمي والمعايير الأخلاقية. وتبين الدراسة الفرق بين الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية

والحقيقة الدينية، كما تبين الفرق بين القيم الأخلاقية الكونية والقواعد الأخلاقية، وبين الأخلاق

ونظريات الأخلاق والنظريات العلمية.

تقديم

تتضمن هذه الدراسة مناقشة لفكر ما بعد الحداثية Postmodernism من منظور مفترَض،

هو "نحن"، جامعةً بين المؤلف وقرائه من دون تعريف. وقد يحدد القارئ بنفسه درجة انضوائه إلى نحن هذه، وليس المقصود التأكيد على هوية قومية، بل على انتمائه إلى مجتمع يعيش واقعًا ثقافيًا سياسيًا حضاريًا مختلفًا عن واقع المرحلة التي يسميها مفكرو ما بعد الحداثية الغربيون

Postmodernity التي تميزها من الحداثة بادئة "ما بعد". وتعني تجاوز مجتمعات غربية مرحلة الحداثة، التي تتميز أيضًا في نظرهم بالنظام الرأسمالي الصناعي والتطور التكنولوجي والدولة الحديثة وهيمنة ما يسمونه سردية التنوير وسلطة "العقل الكوني" وغيرها من المقولات. ف "نحن" المقصودة في العنوان لم تتجاوز واقع الحداثة الموصوف، ولم تهيمن في بلدانها هذه السردية. صحيح أن معايير العلم والتكنولوجيا متبعة في الكثير من مجالات الحياة فيها، ولكنها ما زالت رهينة صراع بين مظاهر اجتماعية وثقافية ما قبل حديثة وحداثة مجتزَأة ناجمة عن علاقة غير متكافئة

مع البلدان الحديثة والمتطورة، وذلك بعد أن همّشت هذه العلاقة صيرورات التحديث العضوية

التي كانت جارية فيها. تناقش الدراسة الأثر الممكن لما بعد الحداثية في محورَي العلم والأخلاق. فالمؤلف ينطلق، في

معالجة هذا الموضوع، من قناعته أنهما يشكلان معًا التحدي الفكري والثقافي الرئيس الذي يواجه

المجتمعات التي عرفت حداثة الغرب مجتزَأة في سياقات مثل الاستفادة الأداتية من منجزاتها،

والاستهلاك، وصراع القيم بين الأصيل والدخيل وإنتاج صراع الهويات، فضلًا عن أنها لم تتجاوز الحداثة. وترتبط بهذين المحورين قضايا التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية، كما يرتكز عليهما تجاوز التفاعل القائم على مثنوية التبعية من جهة، والأصالة والهوية من جهة أخرى. والدراسة مدفوعة بخشية أن بعض الأفكار ما بعد الحداثية في نقد الحداثة، التي تُصَدَّر جاهزة إلى بلداننا، لا تسهم في تجاوز الحداثة إلى ما بعدها – إذا افترضنا جدلًا وجود واقع "الما بعد" السالب هذا في بلدان المنشَأ الأوروبي – بل في تبرير ما قبل الحداثية في مجتمعاتنا؛ ما يذكّرنا بارتياح النظم السلطوية لاستيراد بعض الحجج التي تبدو راديكالية في نقد الديمقراطية الليبرالية من بلدان ديمقراطية إلى بلدان لم تعرف الديمقراطية. ويكتسب الدفاع عن موضوعية العلم والاعتراف باستقلالية الفرد الأخلاقية والأخلاق العمومية أهمية كبرى في بلدان لا يشكل الإنتاج العلمي دورًا مهمًا في اقتصادها، ولا تخصص الدولة ميزانيات تُذْكَر

للبحث، ويتعايش فيها الفكر الغيبي مع استيراد التكنولوجيا من دون أن يتأثر بالعلوم التي ابتكرتها، وتهمل العلوم النظرية، ويقَّيَد البحث العلمي ويخضع للرقابة، وتسود فيها ثقافة يُحكَم بموجبها على

صحة تحليلٍما من عدمه بناءً على موقف صاحبه السياسي، أو بناءً على الإجابة عن سؤال هو: من

يخدم هذا التحليل؟ ويُحكَم فيها على عدالة الموقف السياسي وحسنه أو قبحه بموجب حسابات

متعلقة بمصلحة من يحكم عليه وتناسبه مع أيديولوجيا دينية أو عصبية عشائرية أو حزبية، وغيرها من الاعتبارات المنبَّتَة علاقتها بالأخلاق، ويُشَدَّد على سريان القيم الأخلاقية داخل جماعات الهوية

كأنها مجرد أعراف، مع استخفاف شديد بالسلوك الأخلاقي في الفضاء العمومي. وهذا كله مع وجود استثناءات عديدة بالطبع. وهي إشكاليات وتحديات كبرى واقعة خارج أفق منظّري ما بعد الحداثة في الجامعات الغربية. يَجمَع ما يُصَنَّف ضمن فكر ما بعد الحداثية القول بوجود تحوّل نوعي من الحداثة إلى ما بعدها؛ لأن

العالم لم يَعُد يُفهَم وفقًا له بالطرق السابقة، بل انطلاقًا من التشكيك فيما يُسمّى السرديات الكبرى مثل

التقدّم وحقائق العقل المطلقة، والتشكيك أيضًا في وجود ذات إنسانية عارفة مُوَحّدَة تتفاعل بصفتها

هذه مع عالم موضوعي، أو موضوعات خارجية بالنسبة إليها. وتجتمع غالبية مفكري ما بعد الحداثية المنشغلين بالتأمل النظري على أن الواقع هو نتاج زاوية النظر والمصالح وعلاقات القوّة التي تُنتج تمّثلّاته والتصورات منه، وانفصال عالم التمثلات عن الواقع

الذي تمثله، ما يبرر الاشتباه بنسبوية هذا التيار الذي ينفي وجود أي مرتكز ثابت يمكن التمييز بموجبه بين الحقيقة والوهم. وقد عرّفه سوكال وبريكمون بأنه "تيار فكري يتسم بالرفض الصريح بدرجة أو

أخرى للتقليد العقلاني الذي كرّسه 'التنوير'، وبخطابات نظرية منفصلة عن أي اختبارات إمبريقية،

وبنسبية إدراك–معرفية وثقافية تعتبر العلم مجرد 'سردية' أو 'خرافة' أو بناء اجتماعي آخر". ويركز بعض الباحثين على مسألة واحدة دون غيرها بوصفها سمة هذا الفكر. فوفقًا لليندا هتشيون، شدد الأديب والباحث الإيطالي أمبرتو إيكو Umberto Eco (2016–1932) على مقولة ميشيل فوكو إن القوة/ السلطة Power ليست أحادية مركزية، بل هي قائمة في جميع المجالات الاجتماعية؛ وعَّدَ تبنّيها مقياسَ الفكر ما بعد الحداثي. وأشارت هذه الباحثة إلى وجود العديد من "ما بعد الحداثيات"، انطلاقًا من النصية والاختلاف عند جاك دريدا، والباعث التفكيكي لنظرية ما بعد البنيوية، وشروط المعرفة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة عند فرانسوا ليوتار François Lyotard (1998–1924)، والصورة المزيفة وحلول تمثيل الواقع محل الواقع عند جان بودريار Jean Baudrillard)2007–1929(. يصاحب مصطلحات فكر ما بعد الحداثية التباس وغموض، ما يتيح تفسيرها على عدة أوجه. ويسمح لأفكار أو ممارسات غير عقلانية باكتساب مقبولية أكاديمية تحت عنوان ما بعد الحداثية بعد أن اعترف بها في تخصصات مختلفة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولا سيما في مجالات النقد الأدبي والفلسفة والأنثروبولوجيا والدراسات النسوية. يصح هذا، على نحو خاص، بالنسبة إلى الجيل الثاني من "ما بعد الحداثيين"، فنصوص الجيل الأول، وخصوصًا غير الفلسفية، مفهومة وتتضمن أفكارًا

مفيدة وقابلة للمناقشة العقلانية، بما في ذلك تلك الأفكار التي تنتقد العقلانية الغربية. وتبدو بعض نصوص الجيل الثاني عميقة بسبب صعوبة فهمها، ما يطمس الفرق بين عسر الفهم نتيجةً للتعقيد

(((آلان سوكال وجان بريكمون، هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم، ترجمة نجيب الحصادي، مراجعة وتقديم رجا بهلول (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025)، ص.61 (((ليندا هتشيون، سياسة ما بعد الحداثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 70–69،

وعدم الفهم بسبب عقم النصوص المقصودة، هذا إضافة إلى النسبوية، أو النسبانية Relativism العلمية والأخلاقية على حٍّدّ سواء. قبل ربط تسمية ما بعد الحداثية بتيارات فكرية في العلوم الاجتماعية، أطلقت على نهج في الهندسة المعمارية "متمرد" على الأنماط المعمارية السائدة في الحداثة منذ خمسينيات القرن العشرين، وتبنى هذا النهج تعددية الأساليب، ولم يتقيد بالبساطة الوظيفية، ورحب بالتناقض والتعقيد، وتمرّد أيضًا

على تيارات أدبية وفنية. وقد استفاد فكر ما بعد الحداثية من أفكار ومصطلحات فلسفية لفريدريش نيتشه ومارتن هايدغر، لكنه لم يدخل المعجم الفلسفي إلا بعد كتاب جان فرانسوا ليوتار شرط ما بعد الحداثة The Postmodern Condition (1979، بالفرنسية). ويُعِرِّف ليوتار ما بعد الحداثة، في

كتابه هذا، كما يلي: "أُعِرِّف ما بعد الحداثي باعتباره التوجس من السرديات الكبرى أو التشكيك فيها.

هذا التوجس هو نتاج تقدم العلوم، ولكن تقدم العلوم يفترضه أيضًا". ووظّف فيه نموذج ألعاب اللغة عند لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1951–1889) في التأكيد على الصلة بين نوع اللغة المسمّى "علمًا" وذلك النوع المُسمّى "أخلاقًا" و"سياسة". فجميعها أنواع من اللغة (تصبح أنواعًا

من الخطاب عند المتأثرين بفوكو). ومع فقدان السردية العلمية بتراجع السرديات الكبرى بلغة ليوتار، وصعود التخصصات بمرجعياتها الخاصة بها، وازدياد حاجة البحث العلمي إلى الميزانيات بسبب التكنولوجيا المستخدمة، أصبح العلم خاضعًا للنظم والإدارات المتحكمة في الميزانيات، ولم تعُد

السردية مصدر شرعية العلم، بل صار مصدرها إجماع العلماء في كل تخصص، وأصبح تحرير العلم من السيطرة والاحتكار من أهم قضايا مرحلة ما بعد الحداثة. سبق أن ميّزتُ في كتابي الدين والعلمانية في سياق تاريخيبين النقد العقلاني للتنوير الذي مارسه

الفكر الحداثي النقدي، ولا سيما أدورنو وهوركهايمر في كتابهما  جدلية التنوير (1944) بالنظر إليه بوصفه مشروعًا غير مكتمل وقادرًا على نقد ذاته من جهة، والنقد ما بعد الحداثي للتنوير

الذي أطلقه فوكو قبل أن يوسم فكره بهذه الصفة من جهة أخرى، وتحديدًا حين كان يتبنى البنيوية

(((للباحث الأميركي – المصري المولد إيهاب حسن (2015–1925) كتابان يُعدّان معًا المصدر الأهم عن التحول في الثقافة

والإنتاج الأدبي خلال ستينيات القرن العشرين نحو ثقافة ما بعد حداثية، وأهم سماتها: زاوية النظر الذاتية وعدم استقرار المعنى، والميل إلى الهجنة أو التهجين، وعدم الالتزام بالنوع الأدبي، واحتمالات التأويل المتعددة ومطالبة المتلقي بالمشاركة في توليده، والتشكيك في الحقائق المستقرة. ينظر:

Ihab Hassan, The Dismemberment of Orpheus: Toward a Postmodern Literature , 2 nd ed. (Madison, Wis: University of Wisconsin, 1982 [1971]); Ihab Hassan, The Postmodern Turn: Essays in Postmodern Theory and Culture (Columbus: Ohio State University Press, 1987);

وثمة كتاب تحوّل إلى مرجع رئيس حول عمارة ما بعد الحداثة هو:

Charles Jencks, The Language of Postmodern Architecture (London: Academy Editions 1977);

ينظر أيضًا مقابلة في مجلة ستايل:

Frank L. Cioffi, "Postmodernism, Etc.: An Interview with Ihab Hassan," Style , vol. 33, no. 3, Postmodernism and Other Distractions: Situations and Directions for Critical Theory (1999), pp. 357–371. (5) Jean–François Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge , Geoff Bennington & Brian Massumi (trans.), Foreword by Fredric Jameson (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984 [1979]), p. xxiv.

قبل تجاوزها إلى ما بعد البنيوية. وقد ركّز أدورنو وهوركهايمر في نقدهما على الجدلية التي تولدها زاوية النظر إلى المعرفة بوصفها أداة للسيطرة، ومن ثم على أداتية العقل، والتخلّي عن المعرفة النظرية لمصلحة الاستخدام التقني للعلم، والتركيز على النجاعة والنجاح، بما في ذلك إخضاع القيم لهذين الهدفين. وتبدأ هذه الصيرورة، بحسب رأيهما، في عملية استخدام العلم لغرض السيطرة باستخدام المنهج الرياضي وتحييد الكيفيات والنوعيات لصالح الأرقام التي أصبحت هي أقنوم التنوير، وبات الحساب والنجاعة والسيطرة ثالوثه الجديد. وقد اعتبرتُ أن الفكر ما بعد حداثي هو عمليًا نقدٌ للنقد العقلاني للتنوير. وما ميز نقدُ النقد العقلاني للتنوير هو

تجاوز نقد أداتية العلم إلى التشكيك في موضوعيته، وتجاوز نقد إخضاع القيم للنجاعة والنجاح

إلى التشكيك في إمكانية وجود قيم كونية أصل. لفتت أعمال فوكو، التي بدأ بنشرها منذ ستينيات القرن العشرين، الانتباه في الجامعات الأميركية، ولا سيّما أعماله المتعلقة بتاريخ الجنون وتاريخ السجن وتاريخ العلاقات الجنسية، التي أدخلت

النقاش حول علاقات الحقيقة والقوة/ السلطة ضمن اهتمامات فكر ما بعد الحداثة. فخلافًا لانشغال هوركهايمر وأدورنو بعقلنة تقليد التنوير للمجتمع أو العالم، رَّكَز فوكو على مجالات تعد هامشية في علم التاريخ مثل الجنون والمرض والجنس والجريمة والموت. وتسهم دراستها في تعقّب نشوء الذات الحديثة من خلال فهم مؤسسات السيطرة: الرقابة والعقاب (السجون)، والعلاج (المستشفيات)، والكشف عن لعبة القوة السياسية خلف ما يبدو مصطلحات موضوعية. في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، تغلغلت ما بعد الحداثية في الفكر الاجتماعي واشتبكت مع قضايا اجتماعية مطروحة، مثل قضايا النسوية والجندر، وما بعد الاستعمار وسياسات الهوية. وفي هذه المرحلة أيضًا، انتشرت فكرة عن "ما بعد الحداثة" باعتبارها مزاجًا فنيًا وأدبيًا يجمع بين النخبوية

والانحلال Decadence (كما في أعمال النيويوركي آندري وورهول الفنية) وضربًا من النسبانية، أو

المقاربة الفلسفية النسبوية. في كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة، وصف يورغن هابرماس فلاسفة ما بعد الحداثة بالمحافظين الجدد، وعَّدَ جهودهم الفكرية تقويضًا لخطاب التنوير والعقلانية المرادف لخطاب الحداثة عنده. وانتقد أيضًا ميلهم إلى النسبوية أو النسبانية وإلى جمالية المعرفة Asthetization of Knowledge. ولكن الحداثة، من منظور هذه الدراسة، ليست مشروعًا واحدًا يمكن التعصب له والدفاع عنه في

مواجهة ما يسمّى "ما بعد الحداثة" التي تنطلق من هذا الافتراض الذي يسهل عليها مهمة النقد.

فالحداثة عقلانية ولاعقلانية، وتقُّدُم ورجعية، ودولة وطنية واستعمار، وديمقراطية وطغيان، وفردية وجماهير، وديمقراطية ليبرالية وشعبوية وفاشية، وتسامح ورهاب الأجانب، ورفاه اجتماعي واقتصادي وفجوات طبقية، وثقافة استهلاكية، وتوالد حاجات الناس وتنوع في سُبل سدّها. وهي

(((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني /  المجلد الأول: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.725–712 (((المرجع نفسه، ص.749

تتضمن التنوير ونقد التنوير. ومع ذلك، لا يمكننا إلا رؤية الفارق النوعي بينها وبين ما سبقها لناحية صعود العلم والتكنولوجيا، والمقاربة العلمية للطبيعة وجسد الإنسان والمجتمع، والعقلانية في سبل الإدارة، وصعود الدولة الحديثة، ونشوء البنى المؤسسية عمومًا، والاعتراف بالذات الإنسانية وكرامتها

وصعود مفهوم "حقوق الإنسان". لم يؤِّدِ نقد التنوير إلى هيمنة فكر بعد حداثي، بل عزز القوى الناقدة للتنوير في الحداثة ذاتها؛ وبالمثل، فإن نقد الديمقراطية الليبرالية قد يخدم القوى المعادية للديمقراطية في الحداثة أيضًا (أو لصالح الديمقراطية جدليًا إذا تطورت لغرض التغلب عليه، أو إذا كان منطلق النقد ديمقراطيًا)؛ وفي جميع

الحالات، لا ينتِج نظامًا سياسيًا ما بعد حداثي. ولم يطلعنا أحد على سمات مثل هذا النظام السياسي

بعد. فما بعد الحداثية هي تيارات راديكالية غير سياسية أو فاقدة الصلة بالسياسة، أو مهتمة بسياسة ما بعد الدولة، وهي تعبير آخر عن عدم التسييس. كتب سوكال وبريكمون أن الجديد والمثير في ما بعد الحداثية أنها على الرغم من كونها تيارًا

ضد–عقلاني، فإنها أغرت جزءًا من اليسار الذي تميّز عمومًا وتاريخيًا بالعقلانية ومحاولة تأسيس

منهجه على العلم. ومن عوامل هذا التأثر اتضاح خطأ بعض تنبؤات الفكر الماركسي الذي تبنّى

المنهج العلمي، ولا سيما تنبؤاته بخصوص نهاية الرأسمالية، وصراع الطبقات، وثورية البروليتاريا وتحولها إلى أغلبية. ومع نشوء الحركات الاجتماعية الجديدة، مثل حركات السود والنسوية والمثلية، وغيرها، وتشديدها على قضايا الهوية والاعتراف، تخلّت أوساط في اليسار عن التوجهات التي كانت

تُعَدّ عقلانية كونية لصالح نسبانية ثقافية أو لصالح توجهات تُوِلي تمثيلات الواقع أهمية أكبر مما توليه

للواقع ذاته. وظهرت تعميمات تخلط بين نقد نظريات التقدم الخطي للتاريخ، وهو نقد محق، ونقد التقدم عمومًا.

وغالبًا ما يمعن في إنكار قيمة تطورات حاصلة فعلًا، مثل زيادة معدل الأعمار، وارتفاع مستوى

المعيشة، وتنوع حاجات الفرد، ووعيه لكرامته، والتغير الجذري في وضع المرأة، وغير ذلك، بحجة جوانب التقدم السلبية، ما أسهم في نشر نقد غربي ضد بعض مظاهر التقدم في الدول الأوروبية والغربية في بلدان ما زالت فيها بعض عناصر هذا التقدم هدفًا بعيد المنال، على مستوى العناية الصحية، والرفاه الاجتماعي، والحريات الفردية، وحقوق المرأة، وغيرها. وبدا العِلم هدفًا سهلًا مقارنةً بالمؤسسات والنظم التي يتطور فيها وتستخدم نتائجه، والتي تعمل فيها غالبية منظّري ما بعد الحداثة، حيث إن الغالبية الساحقة من منظّري ما بعد الحداثية مؤلفة من أساتذة في جامعات غربية أمضوا حياتهم في الجامعة، طلابًا ثم أساتذة، وذلك خلافًا لمنظّري اليسار في

القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وقد لاقى هذا التيار تشجيعًا من المؤسسات

الأكاديمية، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، ولم يعد ظاهرة هامشية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهو لا يؤثر في الإنتاج العلمي في العلوم الدقيقة، ويمكن احتواء تأثيره في العلوم

(((سوكال وبريكمون، ص 252،.257

الاجتماعية، وخصوصًا أنه راديكالي بلا سياسة أو فاعلية سياسية. وهو يُؤِثِّر في جزء من الطلاب وفي

أوساط محبَطة في اليسار باحثة عن تبريرٍ نظري لعدم الفاعلية السياسية. تبحث الراديكالية المنزوعة السياسة المتأثرة بالفكر ما بعد الحداثي عن سياسة ما بعد الدولة؛

فالأخيرة مُستَبِدّة بحكم تعريفها، ولا تَصلُح أدوات للتغيير إّلا الجماعات العفوية المستقلّة التي تعمل

خارج الدولة وضدها. ويعني التحرر غياب السيطرة، وحرية اكتشاف أنماط حياة نرجسية، وتوسيع حدود الذاتوية، والتعبيرات الجمالية عن التشكل الأخلاقي للفرد، وتصبح الديمقراطية المباشرة

والمشاركة معًا هما النموذج السياسي الذي يُطمَح إليه، وتُقَدَّر على نحوٍ خاص قوة المحلّوية ومقاومة

الأفراد المنعزلين للدولة. الإيثوس السائد في هذه الحالة يبدو راديكاليًا، ولكنه في الواقع ليبرتاري

Libertarian، أي إنه يُختَزل، في النهاية، في نقد الليبرالية من يمينها. ويلفت النظر، على نحو

خاص، موقف ما بعد الحداثية السلبي من الدولة والهوية عمومًا، لكن هذا الموقف لا يُفعّل إلا ضد

الهوية الوطنية والقومية، مع مقاربة إيجابية للهويات الجماعية الأهلية، ما قد يكون مفهومًا (وليس

بالضرورة مقبولًا) في الدول الديمقراطية الليبرالية المتطورة، ولكنه ليس مفهومًا ولا مقبولًا في بلدان

تعاني هشاشة الدولة وتغوّل الهويات الجماعية وسياسات الهوية الطائفية والمحلّوية على أنواعها.

وسبق أن تطرقت إلى هذا الموضوع بتوسع في كتابين. ويفترض أن يكون هذا المحور مدخلًا ثالثًا في نقد ما بعد الحداثة من "منظورنا"، وربما يكون ذلك في دراسة أخرى. يبدو أحيانًا أن فلسفة ما بعد الحداثة تركز على الفرق والاختلاف ضد الهوية (بمعنى التماثل)، بحيث يثير التماثل في كتابات مفكريها تداعيات سلبية، في حين يثير الاختلاف تداعيات إيجابية، وكأن هذه التمييزات المجردة، التي يفترض أن تكون محايدة، هي أحكام معيارية. وتتورط هذه الفلسفة نفسها في التماثل حين لا ترى الفرق الجوهري بين العلم وغيره من ضروب الخطاب والسرديات، وتشدد على التماثل بين السلطات، بمعنى ممارسة القوة المادية أو المعنوية للسيطرة، ولا ترى خصوصية سلطة الدولة، وخصوصية عنفها. ومن عوامل نجاح ما بعد الحداثية في الأكاديميا الغربية غياب شكل محدّد لهذا الفكر أو صيغة له؛ ففي ظروف الأكاديميا الغربية في المجتمع الصناعي المتأخر، تحوّلت الازدواجية والغموض

وغياب منهج محدد إلى أدوات مفيدة في التقدم الجامعي والنشر. فهي بصيغتها هذه لا تشكّل تهديدًا للنظام القائم، وتشكّل بديلًا مرنًا قابلًا للاحتواء من خلال المراكز البحثية والمجلات المتخصصة

والمؤتمرات، وغيرها. ثمّ إن النسبيّة الثقافية، التي يتمخض هذا الفكر عنها، تُسهِم في انتشاره لدى

عناصر محافظة وراديكالية في العالم الثالث لأسباب متناقضة. إن الباحثين من هذا التيار سريعو

(9) Gregory Smulewicz–Zucker & Michael J. Thompson, "Introduction," in: Gregory Smulewicz–Zucker & Michael J. Thompson (eds.), Radical Intellectuals and the Subversion of Progressive Politics: The Betrayal of Politics (New York: Palgrave Macmillan, 2015), p. 6.

(1((أقصد كتاب: مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (2023)، وكتاب: الدولة العربية: بحث في المنشأ

والمسار.)2024(

التكيف ويرتبون علاقاتهم مع الدوريات والجامعات والمؤسسات، وحتى مع الشركات الكبرى المموّلة للمراكز والمشاريع البحثية. فثمة تبرير ما بعد حداثي لكل شيء. إن من أهم عوارض فكر ما بعد الحداثة هو تجنب نقد ظواهر سلبية، وحتى ممارسات قمعية، في مجتمعات مختلفة بحجة احترام الاختلاف. ويظهر عقم الانحياز المجرد وغير المفهوم للفرق والاختلاف في مقابل التماثل والتساوي والوحدة، بتحويلها من مصطلحات تحليلية إلى معيارية. ويظهر العبث في أن الاختلاف المحض يساوي بين الظواهر بوصفها جميعًا مختلفة، ومن ثم فلا فرق

بينها في ذلك، أي في الاختلاف. ويصبح نقد الآخر المختلف انحيازًا ومحاولة فرضٍ لثقافة واحدة أو خطاب واحد، مثل خطاب التنوير أو العلم، أو الديمقراطية. ومن العوارض المهمة الرائجة أيضًا

توُّهُم أنّ نقد العلم والعقلانية عمومًا هو بديل من نقد الواقع، والأهم أنه بديل من نقد القوى التي

تستخدمهما في السيطرة، وبذلك لا يقتصر الانطباع الناجم عن هذا الفكر على العزوف عن اتخاذ مواقف قاطعة ضد الظلم، بل يعمد إلى إيهام فئات من الطلاب والأكاديميين أن ما يقومون به حين يتسابقون في كشف سلطوية العلم، وفضح وهم كونية القواعد الأخلاقية، إنما هو عمل نقدي فعلًا يعفيهم من الممارسة النقدية في الحياة العمومية. والنتيجة هي مغادرة مجالَي النقد، أي تجنب النقد الأخلاقي ضد ممارسات السلطة/ القوة من جانب الدولة والحكومات بحجة أن السلطة موزعة ومنتشرة في كل مكان والقيم الأخلاقية الكونية زائفة، والاستغناء عن النقد التحليلي الموضوعي بموجب المنهج العلمي في الوقت ذاته، والعزوف عن أداء ما هو مفيد في أي من المجالين. من ناحية أخرى، وجدت حركات اجتماعية عديدة متأثرة بمزاج اليسار الجامعي الجديد هذا، مثل حركات حقوق المرأة والأقليات والجماعات الضاغطة لسياسات رفاه اجتماعي للفقراء والاعتراف بالتوجهات الجنسية المختلفة، مكانًا لها في الدولة الديمقراطية الليبرالية. وأصبحت تحمي مصالح

الجماعات المختلفة (الأقليات، والمثليين، وغيرهم)، من خلال تمثيلها في إطار النظام القائم. لكن الاهتمام بتمثيل هذه الفئات وبالتعبيرات عن الواقع أكثر من الاهتمام بالواقع ذاته دفع أيضًا نحو الغفلة عن قضايا غالبية السكان من العمال والطبقة الوسطى التي وقعت فريسة للشعبوية المعادية لليبرالية والأجانب وحقوق الأقليات. تفاعلت مع هذه الأجواء الأفكار التي تنفي وجود أسس للمعرفة وتتبنى مقاربة معرفية لا–أسسية Antifoundational. وبموجبها، يُبنى العالم الاجتماعي وحتى العالم الطبيعي من خلال ذوات هي

ذاتها نتاج علاقات القوة القائمة. فالقوة/ السلطة ليست مفهومًا سالبًا فحسب، بل هي واقع منِت ج

أيضًا. وتترَّكَب هذه الذوات الخطابية، أي التي تنتجها علاقات القوة والخطاب المتولّد منها، من

(11) John Sanbonmatsu, "Postmodernism and the Corruption of the Critical Intelligentsia," in: Smulewicz–Zucker & Thompson (eds.), p. 34; Alan D. Schrift, Poststructuralism and Critical Theory’s Second Generation (New York: Routledge, 2014), p. 38. (12) Smulewicz–Zucker & Thompson, pp. 1–4. (13) Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison , Alan Sheridan (trans.), 2 nd ed. (New York: Vintage Books, 1995), pp. 194, 202–203; Michel Foucault, The History of Sexuality, Volume 1: The Will to Knowledge , Robert Hurley (trans.) (New York: Penguin Books, 1998), pp. 100–101.

الصراعات الاجتماعية المختلفة، وهي جزئية ومنحازة. تنشغل السياسة، في هذه الحالة، بنقد اللغة والتعبيرات (وباختصار بالتمثيل Representation) وتفكيكها أكثر من انشغالها بنقد الواقع ذاته، وبالسياسات الثقافية أكثر مما تنشغل بالسياسة. إن سلاح ما بعد الحداثة الرئيس في نقد الكونية هو النسبوية الثقافية. ولكنها في هذا السياق لا تدافع عن ضحايا النسبوية الثقافية ذاتها داخل كل ثقافة على حدة. وقد يكون أبرز الأمثلة على

ذلك هو ريتشارد رورتي Richard Rorty (1931–2007) الذي عُرِف بتأييده الامتثال للأعراف

الديمقراطية الليبرالية القائمة في المجتمعات التي استقرت فيها، لأنها نمط حياة سائد أثبت نفسه في الغرب. وليس لديه أسباب منطقية للدفاع عنها ضد من يُعاديها، ما يجعله في غنى عن النقد

العميق للأفكار، فكلّ خطاب اجتماعي هو نتاج المكان، وعلاقات القوة، والمحددات الثقافية، وغيرها. وليس في جعبة رورتي حُجّة حقيقية ضد الفاشية سوى أنها ليست الطريقة التي تُدار فيها

الأمور في الولايات المتحدة. وعلى هذا المنوال يفترض أن يحاجّ في الولايات المتحدة ضد

ممارسات الرئيس دونالد ترمب ونزواته الشعبوية والتسلطية، ولا سيما في دورة رئاسته الثانية، بأن ما يقوم به ليس أميركيًا. وهكذا، يحصل تواطؤٌ خفٌّيٌ ما بين ما بعد الحداثي الأميركي والعالم الثالثي. الأول يدّعي أن

الديمقراطية الليبرالية هي نمط حياة غربي، ولا يجوز فرضه على بلدان أخرى؛ والثاني يدّعي أن لنمط الحياة الغربي هذا وجهًا آخر وهو الاستعمار الذي يفرض نمط الحياة الغربي على بلدان العالم

الثالث. وكلاهما يؤكد على زيف كونية مقولات مثل حقوق الإنسان، بوصفها قيمًا غربية وليست

كونية. وقد تسربت هذه النسبية الثقافية إلى دراسات ما بعد الكولونيالية، فأصبح ما يُحسَب عِلمًا في ثقافة

ما، يُعَدّ أيديولوجيا استعمارية في ثقافة أخرى. وهو ما يُرى من زاوية نظر الطرف المستعمِر أيضًا،

ولكنه يُرى مقلوبًا. لقد ذهبت هذه الدراسات بعيدًا في تحميل الاستعمار مسؤولية كل ما يجري

في الدول المستعمَرة سابقًا، وصولًا إلى نفي الذات الفاعلة لدى هذه الشعوب وقواها الاجتماعية

والسياسية، إضافة إلى رفض رؤية العناصر العلمية في أبحاث علماء من الدولة الاستعمارية (بمن فيهم مستشرقون)، والتأكيد على الخطاب وعلاقات القوة فقط، والعزوف عن بذل الجهد لفضح البعد

(14) Smulewicz–Zucker & Thompson, p. 5.

(1((تيري إيغلتون، أوهام ما بعد الحداثة، ترجمة ثائر ديب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات، 2019)، ص.50–49 ((1(بيّنت الباحثة المصرية – الكندية شادية دروري عبثية حوار كهذا مصطنعةً نقاشًا بين ريتشارد رورتي وإدوارد سعيد هو أشبه

ب "حوار طرشان"؛ ففي هذا الحوار المتخيل يَعدّ رورتي الديمقراطية الليبرالية نمطَ حياة أميركيًا، في حين يراها سعيد إملاءً من الرجل

الأبيض على العالم بدلًا من أن يُحاسِب سياسة الغرب بموجب ادعاءاته الديمقراطية الليبرالية. ينظر:

Shadia Drury, "The Postmodern Face of American Exceptionalism," in: Smulewicz–Zucker & Thompson (eds.), p. 29.

((1(حول هذا الموضوع، ينظر:

Olúfẹ́́mi Táíwò, Against Decolonization: Taking African Agency Seriously (London: Hurst, 2022).

الأيديولوجي بالفصل بينه وبين العلمي. ولماذا يُتعب الباحث نفسه في فضح هذا البعد ما دام العلم

هو في حد ذاته سيطرة، مثل أي علاقة بين ذات وموضوعها، بمجرد أنها جعلته موضوعها؟ وإذا كان كل شيء يُرى من زاوية نظر ناجمة عن علاقات قوة ومصالح وثقافة محددة، فهذا يعني أن كل

فكرة هي نوع من الأيديولوجيا. إذا كان الأمر كذلك، فحتى نقد الأيديولوجيا هو أيديولوجيا، ولا معنى له إلا في تفضيل أيديولوجيا على أخرى، ما يحرمنا من إمكانية مهاجمة العناصر الأيديولوجية في

دراسة المستعمِرين للمستعمَرين، وفهم العناصر العلمية وتقديرها وكذلك الاستفادة منها؛ وما يوهن

كذلك ثقة المستعمَرين بأن ينتجوا هم أيضًا معارف علمية عن أنفسهم وعن الآخرين بوصفهم جزءًا

من الإنسانية، بحيث يحوّلون الاستقلال السياسي الشكلي إلى استقلال فعلي، ولا يقتصر عملهم

على مساجلة إرث الاستعمار. لقد تبنّت دراسات ما بعد الاستعمار عناصر من فكر ما بعد الحداثية مثل منهج تفكيك السرديات، وتحليل الخطاب بوصفه تعبيرًا عن علاقات القوة/ السلطة. ولكن هذا المنهج المفيد إذا استُخدم

في مرحلة من مراحل البحث ولهدف محدد فقط، لا يساعد على أكثر من ذلك، فالسرديات في هذا الفكر متعددة، وعلاقات القوة/ السلطة متشظية ومنتشرة، ولا أفضلية لخطاب على آخر، ولا لسردية التحرير على سردية الاستعمار. فالمفكر ما بعد الحداثي يشدد، في حالة فلسطين مثلًا، على ضرورة الاعتراف بالسردية الفلسطينية، مؤكدًا على وجود سرديتين بشأن الصراع، كما يشدد على الإنتاج الثقافي الفلسطيني، ويبالغ في تضخيمه وتضخيم دوره ليضاهي الإسرائيلي؛ مع أن الصراع هو بين

مستعمِر ومستعمَر، والنضال هو تحرري، وليس تنافسًا بين سرديتين. وليس مطلوبًا من الفلسطيني أن

يتفوق على الإسرائيلي ثقافيًا لكي يُعترَف بحقوقه.

أولا: عن مقاربة ما بعد الحداثية للعلم

يدخل رفض السرديات الكبرى التي يفترض أنها كانت سائدة في الحداثة في تعريف ما بعد الحداثية. وهذه تُبسّط الأمور التي ترفضها، فهي تفترض هيمنة سردية كبرى معينة مثل سردية التقدّم التكنولوجي،

أو تقدم العقل في التاريخ، وتعدّها حكايات لا تختلف كثيرًا عن روايات أخرى دينية وأيديولوجية

تتحكم في فهم الناس للعالم. لكن حتى لو سلمنا جدلًا بكونها جميعها سرديات، فإن الخيارات المتاحة لا تقتصر على هذين الخيارين الضيّقين، أي هيمنة سردية ورفضها؛ إذ توجد خيارات كثيرة

أخرى مثل اعتبار السردية التاريخية زاوية نظر محددة تضيء جانبًا من مسار التاريخ، من دون الادعاء

أنها كلمة السر لفكّ طلاسم التاريخ أو العالم كلّه. وتشكيك ما بعد الحداثيين في السرديات الكبرى ونقد ادعاءات التوصل إلى حقائق كونية، والتركيز على الاختلاف في مقابل الهوية، ينطبق كلّه على العلم كما ينطبق على الفلسفة والدين والأخلاق، فجميعها من منظور هذا التيار محددة بحدود اللغة والثقافة والتاريخ وعلاقات القوة/ السلطة القائمة، جميعها خطابية Discursive. وقد تعرضت مواقف مفكري هذا التيار من العلم ونسبانيتهم في هذا الشأن

للنقد بدءًا من سوء فهم المنهج العلمي، ومعنى الحقيقة التي يتوصل إليها بخلطها مع الحقيقة الدينية

والميتافيزيقية، مع أن لفظ "الحقيقة" يُستخدَم بمعانٍمختلفة تمامًا في هذه المجالات المختلفة، مرورًا

بعدم مثابرتهم ومناقضتهم لموقفهم في كل ما يتعلق بإنتاجهم الفكري وتعميماتهم، وانتهاءً بممارسة

حياتهم، مثل غيرهم، بعيدًا عن النسبانية من خلال الاعتماد على الثقة بإدراكهم، أو إدراك غيرهم لحقائق الطبيعة والمجتمع. وينطبق ذلك على موقفهم من الأخلاق، وإن كان نَسب الطابع الخطابي والتعددية والاختلاف إلى الأخلاق أقرب إلى أن يكون عقلانيًا وقابلًا للمناقشة من اعتبارهم أن العلم هو خطاب

من الخطابات السائدة. في دراسة نيتشه "عن الحقيقة والكذب بمعنى غير أخلاقي"، عام 1873، اعتبر أن المفاهيم العلمية سلسلة من الاستعارات التي تصلّبت في حقائق مقبولة. تبدأ الاستعارة بتحفيز العصب لصنع الصورة، ويجري تقليد هذه الصورة بالصوت، وعندما يتكرر تنشأ الكلمة التي تتحول إلى مفهوم حين تُستخدَم للإشارة إلى حالات متكررة من الحدث نفسه. الاستعارات المفاهيمية هي، إذًا، أكاذيب لأنها تساوي بين أشياء غير متساوية. هذا الكلام، الذي يعُّدُه مفكرو ما بعد الحداثة من مآثر نيتشه المهمة التي تركت أثرها فيهم، هو في الحقيقة مجرد تفسير من تفسيرات عدة لنشوء الكلمات، مع أنها، في أي مجتمع معطى، في أي لحظة زمنية، لا تنشأ، بل تُتوارث. أما تحويل الكلمات إلى مصطلحات Terms ومفاهيم Concepts، فهو

جهد واعٍيعرف المنخرطون فيه أنه مصطنع، وهو لا يُبذَل بغرض الكذب على الذات، بل لأنه لا تتوفر

أدوات غير اللغة للتعبير عن علاقات بين الأشياء، أو أنماط متكررة من العلاقات بين الظواهر. وهذا يتطلب فعلًا استعارة الكلمات من اللغة، لتحمل في هذا السياق الاستعمالي الجديد دلالة جديدةً غير معناها الأصلي. لكن المصطلحات والمفاهيم معرّفة بوضوح بحملها معنى جديد غير معنى

اللفظ الذي أصبحت تسكن فيه. وأن يجلس فيلسوف ويذكرنا أن هذه استعارة وليست معنى الكلمة الأصلي، ومن ثم فهي كذب، هو جهد فيلولوجي (تخصص نيتشه الأصلي) عقيم على أقل تقدير. قد يسحر المجاز النيتشوي غير المتخصصين، ولكن أي عالم متخصص يمكن أن يعَّدَه كلامًا فائضًا

عن الحاجة، أو حشوًا، أو بلاغة في أفضل الحالات. وربما تكون قراءة نيتشه مفيدة في تقضية وقت

ممتع (بحسب ذوق القارئ) كما يكون ذلك في قراءة نص أدبي تتخلله ومضات ذكية ومحفّزة على التفكير. ولكنها لا تفسر الظاهرة، بل تضيء على أحد جوانبها فتضخمه وتعتّم على أبعادها ومكوناتها

الأخرى، وتعمم المقولة الناتجة من هذا الإجراء الأدبي كأنها تفسير للظاهرة. وهذه السمات/ العيوب تميّز نصوص نيتشه المؤثرة في تيارات ما بعد الحداثية. رأى ليوتار أنه مع تطور العلم والتخصصات ونسبيتها توزعت المشروعية بالقطعة لكل فرع علميّ على

حدة. وأصبح تكاثر الخطابات العلمية يُنَظَّم على أساس المدخلات والمخرجات؛ أي التكلفة والعائد.

(18) Friedrich Nietzsche, "On Truth and Lies in a Nonmoral Sense," Reprinted in: Philosophy and Truth: Selections from Nietzsche’s Notebooks of the Early 1870s , Daniel Breazeale (ed. & trans.) (New Jersey/ London: Humanities Press, 1979), pp. 82–83.

وبهذا المعنى، أصبح مطلوبًا من العلم أن يكون قابلًا للقياس البراغماتي. وتبَيَّن أن صحة العلوم محدودة

وليست مطلقة، وأصبحت النظريات السائدة في كل فرع علمي تتحدد بناءً على إجماع الخبراء؛ إذ لم

تعد هناك ميتا–لغة يُقبَل على أساسها البرهان العلمي. لم يَعُد ثمّة منهج واحد واضح بذاته خلف العلوم

جميعها، بل مناهج عديدة. هذا يعني أن العلم فقد قاعدته السردية. وسقط، وفقًا لليوتار، ارتباط التقييم العلمي بالتقييم الأخلاقي لصالح ارتباط العلم بالتكنولوجيا؛ أي بالثنائية "ناجع وغير ناجع" أو "فعّال وغير فعّال". إنّ ارتباط العلم بالتكنولوجيا وأدوات البحث بالتمويل أدى إلى أن يسَّخَر العلم في دعم السلطة، وأصبح الطالب يبحث في دراسته عمّا هو فعّال وليس ما هو صادق. وفي مرحلة ما بعد الحداثة، وفقًا

لليوتار أيضًا، تُؤَدَّى التقاليد الإبستيمولوجية القديمة والفلسفة دورها منفردة، وكأنها تخصص تأملي قائم بذاته، فلا تُشرّع لمنظومات المعرفة الأخرى، ولا تفرض عليها وصفات إبستيمولوجية أو أخلاقية. لكن ألم تتبَّنَ الحداثة النقدية هذا التوجه عند إيمانويل كانط، مثلًا، الذي فصل العلم عن الوصفات الأخلاقية فصلًا تامّا؟ وإلى حٍّدّ بعيد كان هذا أيضًا حال أي علم يُطِوِّر قواعده وقوانينه خارج الفلسفة.

وبحسب ديفيد هيوم أيضًا، فإن العلم ليس لديه – خلافًا للفلسفة والدين – إجابات عن أسئلة وجودية. لا يُشرعَن العلم في الحداثة من خلال سرديات فلسفية كبرى، تنويرية أو غيرها، بل من خلال تبيين

المنهج العلمي المستخدم، والصرامة في استخدامه، ومن التجربة والممارسة، أي استنادًا إلى تطبيق هذه النتائج في الصناعة والزراعة والطب والحياة العملية، وتفعيل القوانين التي تثِّبِت علاقة بين

متغيرات في التنبؤ العلمي، وتصميم التكنولوجيا بناءً عليها. من هنا تأتي شرعية العلم (وتحديدًا

صدقيته)، لا من السرديات الكبرى كما يحسب ليوتار. قد تكون السرديات الفلسفية والأيديولوجية دافعًا للاكتشاف العلمي أو عائقًا يحول دون تطوره، ولكنها ليست مصدر صدقيته. والإصرار على أن الأحكام العلمية منفصلة عن الأحكام الأخلاقية إذا تبنينا لغة كانط، والقول إن العلم لا يجيب عن أسئلة وجودية بشأن معنى الحياة في هذا الكون غير المتناهي، خلافًا للتعبد الديني بالنسبة إلى المؤمن، وإن كانت ممارسة البحث العلمي تمنح بعض الباحثين رضًا ذاتيًا وترضي الفضول

وحب الاكتشاف عند بعضهم، لا يعنيان الإشادةَ بالعلم خلافًا لأوجه النشاط الإنساني الأخرى، بل

يكشفان عن احتمالات خطِرة مثل تسخير العلم لأهداف غير أخلاقية من خارجه. إن القرارات الأخلاقية بشأن كيفية استخدام العلم والمسؤولية عنها تقع على عاتق من يستخدمونه، ولا سيما أصحاب الشركات الكبرى ومديريها، وصناع القرار في الدول، وأخيرًا العلماء أنفسهم.

((1(نذكّر هنا بأن أهم فكرة ما بعد حديثة قدّمها نيتشه كما يبدو تتلخص في أن ما نُسمّيه حقائق هو مواضعات أو اتفاقات بشرية،

"أوهام نسينا أنها أوهام، استعارات بليت وفقدت قوتها الحسية، عملات فقدت نقوشها فأصبحت مجرد معدن". ينظر: Ibid., p. 84. وهذا هو مزاج مفكري ما بعد الحداثة الذي دفعهم إلى الاستفادة من مقولة توماس كون حول أن البردايم في العلم هو مسألة إجماع بين العلماء. (2((شريف يونس، سؤال الهوية: الهوية وسلطة المثقف في عصر ما بعد الحداثة (القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات، 1999)، ص.114–113 ((2(المرجع نفسه، ص.114

ومهما أعدنا النظر في هذا الأمر فلن نصل إلى نتيجة مخالفة لذلك، إذا كان الجدل عقلانيًا. ومع

ذلك، فمنذ ما قبل اكتشاف الطاقة النووية لا يتوقف النقاش الحامي الوطيس بشأن مسؤولية العلماء (لا العلم)، خصوصًا أنهم قادرون على إدراك احتمالات حُسن استخدام اكتشافاتهم وسوء استخدامها

ونتائجه الكارثية، ومن ثم التحذير منها. وبما أن العلم لا يقدم إجابات عن أسئلة وجودية، ولا يميز بين الخير والشر، بل يفسر الظواهر ويحدد طبيعة العلاقة بين متغيرات، ويميز – بناءً على قوانين يستنبطها – بين الصحيح وغير الصحيح،

والممكن واليقيني، فهو يفرض نفسه بالبرهان، وليس بإملاء وجهة نظر. فليس العلم وجهة نظر، فإما أن يكون قابلًا للبرهنة وإما أّلا يكون كذلك. وتُفرَض طريقة التفكير العلمية بالإكراه إذا تبنّت

سلطات بشرية العلموية بوصفها أيديولوجيا، وهذا يعني تبنّي العلم ليس بوصفه تفسيرًا لظاهرة أو

مجموعة ظواهر في الطبيعة والمجتمع، بل بوصفه الحل لمعضلات البشرية كافةً بتقديمه تفسيرًا

لمجمل الظواهر. ومن يتبنى رؤية كهذه فهو يفترض وجود علمٍ عام غير موجود، أو ينقل قوانين علم معيّن، مثل البيولوجيا أو الفيزياء (ومؤخرًا علم النفس)، إلى الظواهر الاجتماعية والسياسية كلها.

ولا علاقة لهذا الإجراء السياسي/ الأيديولوجي بالعلم وإجراءاته. وإذا تبنّت سلطة ما هذه المقاربة، فإنها تقوم بذلك بفرض الأيديولوجيا العلموية، لا العلم، على المجتمع. ولذلك، فإن رأي فوكو القائل إن القرن الثامن عشر تميّز بتراجع الفلسفة وتقدّم الرياضات، ونشوء

عملية توزيع العلوم في مؤسسات مثل الجامعة، والمجانسة بينها في الموسوعة، وحلول إكراه العلم محل إكراه الحقيقة الدينية الوثوقية، قائم على تفويت هذا التمييز المهم. والحقيقة أن مقولة تراجع الفلسفة تحتاج إلى تدقيق. كان مجال الفلسفة (لنقل حتى القرن الثامن عشر) واسعًا جًّدًا، بحيث يشمل بعض المجالات التي باتت من اختصاص علوم مختلفة، ولكنها كانت في الوقت ذاته شأنًا يخص فئة ضيقة جًّدًا من الناس المثقفين. أما بعد القرن الثامن عشر، فقد ضاق مجالها بنشوء التخصصات العلمية، ولكنها أصبحت محور اهتمام فئات أوسع من الناس بسبب زيادة أعداد المتعلمين، واتجاه الفلاسفة إلى التأليف باللغات المحلية وترجمة الأعمال الفلسفية الكلاسيكية إليها، وكل ذلك في مراحل أتيح فيها للناس الاهتمام بالشأن العمومي حين كانت الفلسفة تعالج ما أصبحت العلوم الاجتماعية تعالجه منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يرى مفِّكِرو ما بعد الحداثة أن من عواقب خسارة السردية العقلانية الفلسفية الكبرى وتقسيم المعرفة إلى تخصصات وانحلال التماسك الإبستيمولوجي ظواهرَ مثل فقدان المعنى، وبعثرة عناصر السردية

إلى ما يسميه ليوتار "غيومًا لسانية" من جهة، و"صدامات بين ألعاب لغوية عديدة" من جهة أخرى؛

بحيث يتحرك الفرد في كل لعبة من حالة إلى أخرى، بوصفه مرسِلًا أو مستقبِلًا في لحظات غير

متجانسة من الذاتية لا تتماسك في هوية ذاتٍ واحدة. وحتى لو سلّمنا بمقدماته فإنها لا تقتضي هذا

(2((الزواوي بغورة، ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية: دراسة نقدية (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،

2009)، ص 142؛ ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغورة (الكويت: صوفيا، 2020)، ص.247–246

الاستنتاج بالضرورة. ويصح أيضًا استنتاج أن بعثرة عناصر السردية تقود إلى تماسك الذات تعويضًا عن ذلك لكي يكون إضفاء الوحدة على الواقع المشتت ممكنًا بالفكر. لكن فكر ما بعد الحداثية يصُّرُ على أن الأداء الذي يمنح الشرعية هو تدفّق المعلومات وتقليل الحركات غير الوظيفية التأملية في النظام، مثل المقاربات الفلسفية. فيُستغنى عن كل ما لا يمكن تحديده بوصفه معلومة أو أداة. هكذا

يقصي معيار الأداء كل ما لا يوافق متطلباته، فتنزع شرعية السرديات التأملية ويجري إقصاؤها. والحقيقة أن هذه السرديات لم تُقصَ من الحياة البشرية، بل تفوّقت عليها المقاربة العلمية في تعامل المجتمعات مع جسد الإنسان في الطب ومع الطبيعة من خلال العلوم، وتغلغل العلم حتى في مجالات المجتمع والدولة حيث ظَّلَ صراعه مع السرديات الأيديولوجية قائمًا، سواء أدركه الباحثون في علوم السياسة والمجتمع أم لم يدركوه. طبّق فوكو الجينيولوجيا (البحث في أصول الظواهر، وعملية توليدها. وأصل المصطلح في علم

الأنساب) على لحظات تكوينية في تاريخ الحداثة. وكتب في مقالته "نيتشه والجينيولوجيا والتاريخ"،

عام 1971، أن الجينيولوجيا تعارض البحث عن أصل متساوٍ مع ذاته في هوية ثابتة وتدرس الُّصُدَف والتطورات العارضة Accidents and Contingencies التي قد تندمج وتولّد مراحل جديدة أو حقبًا

جديدة ومفاهيم ومؤسسات. ولا تجري هذه الصيرورة بموجب قوانين، فلا حتمية في الأمر. وأظهر أن التاريخ الذي يُدرَك كأنه أصل أو تطوّر لذات متساوية مع ذاتها بمنزلة خيال يخترعه الخطاب الحديث بأثر تراجعي. ورأى أن التشديد على الضرورة والعلّية وإقصاء الصدفة والاحتمال يثوي في أساس فكر الحداثة، وكذلك مقاربة التاريخ كأنه يتقدم خطًّيًا بما يحجب الانقطاعات في مسار التاريخ، فهو يصل بينها كأنها نقاط في الزمن التاريخي. ويرى فوكو أن البحث الجينيولوجي سيؤدي إلى تشتيت الذات العارفة، لأن استمرارية الذات تقطعها الفجوات والحوادث التي يكشف عنها البحث التاريخي، وقد كرر ليوتار هذا المعنى كما جاء أعلاه. وكان أول نماذج بحث فوكو التاريخي كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيالذي نشره عام 1961، حين كان يتبنى البنيوية منهجًا. وفي هذا الكتاب قدّم تقريرًا عن بدايات العقل الحديث الذي عرّف نفسه، وفقًا لفوكو، من خلال التضاد مع الجنون في القرن السابع عشر. وفرضيته هي أن ممارسة عزل المجانين هي استحضار لممارسة قروسطية في عزل المصابين بالبرص Lepers. في طفولته المُبكّرة، وفقًا لفوكو، يُعِرِّف العقل نفسه ضد آخر، ويحدد هوية هذا الآخر وحقيقته في الوقت ذاته. فالجنون لا يتكلم على نفسه، والعقل يُسيطر على اللا–عقل، وينتزع منه حقيقته بوصفه

(23) Gary Aylesworth, "Postmodernism," The Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive (Spring 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), accessed on 21/12/2025, at: https://acr.ps/1L9BPdZ (24) Michel Foucault, Language, Counter–Memory, Practice: Selected Essays and Interviews , Donald F. Bouchard (ed.), Donald F. Bouchard & Sherry Simon (trans.) (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1977), p. 142. (25) Aylesworth, "Postmodernism."

جنونًا، أو جريمة، أو مرضًا، أو غير ذلك. ألا يعَّرَف كل شيء بدايةً من خلال النفي، أي بما ليس

هو؟ فما الجديد؟ على كل حال، لم يكن تعريف الجنون على أنه غياب العقل، أو عكس العقل، هو التعريف الوحيد للعقل. فلم يعَّرَف العقل يومًا في الحداثة ولا قبلها بالنفي فقط. لا يكمن الإشكال في

أن العقل عرّف نفسه بعزل الجنون، بل في أن الجنون عُِّرِف فقط بأنه فقدان العقل بما يتجاوز تعريفاته

السابقة بأنه نتاج أرواح شريرة، أو شياطين تستوطن الجسد والنفس البشريين. ولم تعُد المهمة تكمن

في طرد هذه الأرواح الشريرة أو الشياطين، بل في حبس المجانين، وسيطرة العقل على الجنون، أي إخضاعه. ولكن مع تقدم المعرفة تطور الطب النفسي وعلم النفس، وصِّنِفَت أنواع من الاضطرابات

النفسية، والعلل دماغيةً أو غيرها. ومن المفيد أن يتابع تطور المعارف والعلوم (نفضل استخدام هذا التعبير على تعبير تطور العقل) ومعه تعريفات الجنون. وفي عصرنا لا يعَّرَف العقل البشري من خلال

عزل المرضى النفسيين في مصحّات. ولم يكن هذا هو المهم في فرضية فوكو التي يريد إثباتها في

تاريخ الجنون، بل السلطوية القمعية المتمثلة في العزل القسري التي يمارس من خلالها العقل تعريف ذاته. وهذا الجمع بين العقل والسلطة يحجب التمييز بين معنى السلطة ومعنى العقل، وكذلك حقيقة أن احتمال تصادمهما لا يقُّلُ عن احتمال تواطئهما. والمساران قائمان، وكانا دائمًا قائمين. ولا أساس

لمساواة العقل والعلم بالسلطة والقمع. فهذه علاقة سياسية اجتماعية تاريخية، وليست قائمة في جوهر العقل، أو العلم، أي في تعريفه. وأي ربط بين فهم العلم لموضوع بحثه، سواء أكان الموضوع طبيعيًا أم

اجتماعًّيًا، وسيطرته على موضوعه (كأنه سلطة)، هو محض مجاز. فالسيطرة بمعنى السلطة يقوم بها بشر،

ولا يقوم بها العلم أو المعرفة، فلا تتوفر الإرادة من دون إنسان فاعل، أو مجموعة بشر. أما في مجال نسبية العلم، فقد اعتُبر كتاب توماس كون Thomas Kuhn بنية الثورات العلمية

The Structure of Scientific Revolutions (1962)، عن نشوء البردايم القائم على إجماع العلماء وتغيّره، أساسًا إبستيمولوجيا لأجندة ما بعد الحداثة باعتبارها إبستيمولوجيا ما بعد حداثية في فلسفة

العلوم. وراج، أيضًا، استخدام كتاب بول فييرابند العلم في مجتمع حرّ الذي يذهب فيه إلى أن العلم

لا يختلف كثيرًا عن الأسطورة، فهو مؤسسة فوضوية. وقد دعا في هذا الكتاب إلى الفصل بين العلم

والدولة على نمط الفصل بين الدين والدولة، لأن العقلية العلموية أيديولوجيا تحتوي ما يتناسب معها وتقصي غيره، تقبل ما تعدّه شرعيًا وتستثني غيره. المهم أن النسبانيين، باستنتاجاتهم حول نشاط العلماء وطبيعة العلم، راقبوا عمل العلماء وتوصلوا إلى تعميمات كما يفعل العقلانيون الذين ينتقدونهم، مع الفرق أن تعميماتهم لا يمكن دحضها لأنها تعميمات غير علميّة، ولا يمكن إثباتها أيضًا. لا تدّعي العلوم أنها يقينية، بل تدّعي فقط أنها

صحيحة بدرجة عالية من الاحتمال، ونظرياتها مفتوحة للإثبات والدحض ليس بالخلاف في الرأي،

(26) Michel Foucault, Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason , Richard Howard (trans.), David Cooper (Intro.) (London/ New York: Routledge, 1989), pp. xi–xii.

((2(من أهم تناقضات ما بعد الحداثة نقدها للسرديات والذات العابرة للحقب التاريخية وإصرارها على استخدام مصطلح العقل وكأنه ذات فاعلة عبر التاريخ. ((2(بغورة، ص 19؛ بول فييرابند، العلم في مجتمع حرّ، ترجمة السيد نفادي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.21

ولا بالتأويل، بل بالمنهج العلمي. وهذا لا يجعلها نسبية، بل صحيحة بقدر ما تظل قابلة للإثبات. أما النسبانية، فتعني احتمال الصحة والخطأ في الوقت ذاته، وأن الأمر متوقف على زاوية النظر وعلاقات القوة/ السلطة المتحكمة بالخطاب، وهذا يعني عدم خضوعها لإثبات صحتها أو خطئها. حين يعرض النسبانيون أفكارهم، فإنهم يحاولون التكلم بلغة عقلانية منطقية لكي تكون مقنعة. فهم يعلمون أن من يحاول إثبات وجهة نظره من خلال الفصاحة والمؤثرات الصوتية لا يكون مقنعًا، في البيئة العلمية على الأقل، ويدركون أيضًا أن الإقناع غير الإدهاش والإبهار والاستعطاف. وقبل أن يطرح توماس كون نظريته حول الثورة العلمية والبردايم، درس المعطيات والوثائق وأجرى استقراءات واستدلالات مُدّعيًا أنها متماسكة، وأنها استنتاجات من معطيات موضوعية. لقد قدّم استنتاجاته بشأن

تغير بردايمات العلم بوصفها استنتاجات علمية وموضوعية. وإضافة إلى ذلك من المهم أن نذكر أن

الثورات العلمية لا تعني نشوء علمٍ يلغي ما سبقه، بل يضع له حدودًا، أي يحوّله من بردايم إلى نظرية

تصح في مجالها فقط، فالنظرية النسبية والكوانتوم لم يلغيا قوانين ميكانيكا نيوتن، بل حدّدا مجالها. وبهذا المعنى فإن العلم ليس نسبيًا، نسبة إلى الحقيقة، بل نسبة إلى مجال فاعلية قوانينه. وهذا ما يفوت

المستندين إلى فكرة الثورة العلمية وتغيّر البردايم في تبرير النسبانية. ويجري الانتقال من بردايم إلى آخر بالمنطق العلمي نفسه، أو حتى المنهج العلمي المنطلق من إرادة فهم الظواهر علميًا، أي من خلال طرح فرضيات بالحدس – وهو ليس قدحًا في فراغ، ففي الخلفية

الذهنية معارف سابقة – وجمع المعطيات وتحليلها واستقرائها للتوصل إلى تعميمات باتباع قواعد ملزمة، ثم الانتقال من هذه التعميمات إلى تعميمات أخرى بالاستدلال الصارم. يظل هذا المنطق في البحث العلمي مستخدَمًا بعد تغير البردايم، مثلما يتواصل استخدام المنطق الرياضي في استدلالات

العلوم. وعلى كل حال، لو كانت النسبانية صحيحة فقط لمن يؤمن بها، أي بالنسبة إلى النسبانيين فقط، لما اكترث بها أحد. ولكنّ النسبانيين يطرحون أفكارهم لجميع الناس، أي إنهم يدّعون أن استنتاجاتهم

صحيحة بالنسبة إلى جميع البشر وليست خاصة بمجتمعاتهم المحليّة فقط. وإجم لًا، يتشابه صدق

المقولة في العلم وفي الحياة اليومية، فحين يقول أي إنسان عادي إنه عاد إلى منزله من عمله في ذاك المصنع، مثلًا، فإنه لا يقصد أنه يعتقد أنه يعمل في هذا المصنع، بل يقصد أنه يعمل فيه فعلًا. هذه الجملة صحيحة، ولا نسبية في الأمر، ويفترض السامع أنها متطابقة مع الوقائع. وتستخدم العلوم معيار الصدق نفسه. أما النسبانية، فلا تقبل الحكم ب "صدق" المقولات أو "كذبها" من دون أن يُضاف

إليها أن الصدق هو كذلك من زوية نظر محددة تقوم على مصالح وإرادات وممارسة سلطة في سياق ثقافي معين. لسنا ارتيابيين بشأن إدراكاتنا في حياتنا اليومية، إذ نفترض أنها لا تخدعنا دائمًا، وأنها ناتجة فعلًا من

مؤثرات خارجية تشبه هذه الإدراكات على نحو ما. نحن نعيش مع افتراض أقرب إلى اليقين مفاده

((2(سوكال وبريكمون، ص.47

وجود عالم خارجي يؤثر في إدراكاتنا وأحاسيسنا، ونتصرف على هذا الأساس. فلماذا تركز الارتيابية النسبانية على العلم تحديدًا، مع أنه إذا تميّز من الوعي اليومي بشيء فإنه يتميّز منه بكونه أدق في

تشخيص المؤثرات الخارجية وأحرص على تنقية الإدراك من الخيال والتهيؤات؟ نحن لا ندّعي أن العلم انعكاس للواقع، ولا "هو" يدعي ذلك. ومن يعمل على دحض فكرة أن العلم انعكاس للواقع، ويحتفي بنجاح بعض المفكرين في دحض هذه المقولة، فإنه يتصرف كمن يفاخر باقتحامه بالقوة بابًا

مفتوحًا أصلًا. النظرية العلمية هي الأداة الأفضل لفهم الظواهر وتفسيرها وبناء التوقعات بموجب ذلك التفسير. وأحيانًا يكتفي العلم بالتجربة والتعميم منها، من دون التوصل إلى نظريات تشرح العلاقة بين الأسباب والنتائج وإثباتها. وقد تأتي هذه النظريات بعد سنين فتسهم في شرح العلاقة بين المتغيرات وتثبت صحتها. وربما يتبين قصورها بعد تجارب أخرى. فيمكن أن يُستخدَم دواءٌ في معالجة المرضى بناءً

على ثبوت فاعليته بالتجربة المضبوطةِ المتغيراتِ من دون التوصل إلى نظرية تشرح سبب فاعليته، وتبقى محاولات التفسير مجرد افتراضات خلال مدة ليست قصيرة. وتعمل الفيزياء الحديثة مع كيانات نظرية لا تلُاحَظ بالعين المجردة، مثل الذرة والإلكترونات

والنيوترونات والخلايا وغيرها. ربما لا توجد هذه الكيانات بالصورة والشكل اللذين تتخيلهما النظرية. ولكن كل ما يمكن أن يفعله العلم هو افتراض صفاتها الكمية والنوعية، وبناء التجارب على أساس هذه الافتراضات غير العشوائية، فإذا جاءت بالنتائج المفترضة تكون صحة الافتراضات قد ثبتت إلى حين. النظرية العلمية هي أداة لفهم الظواهر، وليست بالضرورة انعكاسًا للواقع.

أما الواقع، فيثبت في النظرية والتجارب العلمية التي تُجرى على أساس هذه النظرية. وكما أن النظرية العلمية ليست انعكاسًا للواقع، فهي أيضًا ليست أداةً لفهم العالم كله. فلا هي سردية،

ولا هي مبدأ فلسفي شامل. فكل نظرية علمية تختص بتفسير ظاهرة أو مجموعة ظواهر، وتُستنبط منها قوانين تتيح التنبؤ بحركة هذه الظواهر. ولكنها لا تحُّلُ محَّلَ الدين والأيديولوجيا في فهم "حقيقة" العالم كله، أو "الحقيقة" من خلال زاوية نظر واحدة. هنا يمكن، من دون تردد، استخدام كلمة "النسبية" في وصف زوايا النظر الكلية (والمطلقة في حالة الإيمان الديني) هذه من خارجها، سواء أكانت فلسفية أم دينية أم أيديولوجية أم غير ذلك (مع الانتباه إلى تداخل الأيديولوجيا مع الفلسفة والدين، والتمييز الضروري بينها). ويمكن أن يعُدّ المرء نفسه نسبانيًا في الموقف من هذه

الحقيقة، ولكن هذا ليس اكتشاف فلسفة ما بعد الحداثة. فالريبية بهذا المعنى قديمة قِدَم الفلسفة والدين. تُستخدم كلمة "الحقيقة"، إذًا، على نحوٍ مُضلل أحيانًا في وصف ما يصحّ أن يقال عنه واقعًا وليس

حقيقة. الحقيقة الميتافيزيقية والحقيقة الدينية (مع الفارق بينهما) هما حقيقتان تأمليتان وإيمانيتان. أما حقائق العلم فنوعان. فالنوع الأول حقائق الرياضيات والمنطق، وهي إما بديهية وإما استدلالية،

((3(المرجع نفسه، ص.115–114

وكلتاهما ليست نسبية، ولا يصح نعتها بالنسبية. والنوع الثاني هو الحقائق (على درجة عالية من الاحتمال) المتوصل إليها بالاستقراء، وهي الأقرب إلى أن تعبر عن علاقة بين وقائع Facts، وتسميتها حقائق ليست خاطئة، ولكنها تجازف بوقوع الخلط بينها وبين الحقيقة الفلسفية والدينية. حقائق العلم هي أقرب ما تكون إلى وقائع الحياة اليومية التي على أساسها يحسب المرء خطواته منذ استيقاظه إلى أن يأوي إلى فراشه. يمكن أن يصرح الإنسان بالكلام على ما فعله خلال يومه. وثبوت كذب التصريح يعني أن الوقائع التي رواها لم تحصل، ولا يعني أن الحقيقة نسبية. وهذا أيضًا يتعلق بالعلوم، وحتى بمقولة أن الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، فالأرض لم تبدأ بالدوران حول محورها وحول الشمس منذ أن اكتشف ذلك نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus (1543–1473)، بل إن كوبرنيكوس توصّل من خلال المراقبة والتأمل إلى تفسير لظواهر لا يمكن تفسيرها بغير هذه الفرضية التي أُثبتت لاحقًا. وما كان قبل ذلك من اعتقاد أن الأرض ثابتة، وأن الشمس تدور حولها، لم يكن حقائق نسبية، بل كان مقولات خاطئة. والسبب أن الأدوات الإدراكية لم تكن كافية. يحاول العلماء الحصول على رؤية موضوعية، أي ملتزمة بأصول المنهج العلمي، للظواهر التي يدرسونها. إنهم يحاولون فعل ذلك مع أخذ المؤسسة التي يعملون فيها ومصالحها ومصالحهم، وغيرها، وتأثيرات عوامل أخرى في عملهم، في الاعتبار. وهم يعرفون، فضلًا عن نُقّادهم، وقُرّائهم،

ومن يمتحنون استنتاجاتهم أيضًا، أن أي تأثير للعوامل المذكورة في أحكامهم العلميّة، سواء في

اختيار المعطيات أو في استقراء نتائج تجاربهم أو الاستنتاجات أو الاستدلالات منها، يُعدّ انحرافًا عن الموضوعية العلمية، ما يمسّ بصدقية بحثهم. ولا تعتمد المراجعة النقدية للانحرافات والانحياز

والتحيزات والانتقائية في المعطيات والخلل في الاستنتاجات على النقد الفلسفي للعلم، وإنما يُفترض أنها تجري باستمرار خلال الجهد العلمي وعند مراجعته وامتحان صدقه، وإّلا فإنه لا يستحق تسمية "علم"، بحيث يتميز من العقائد والذوق الأدبي والحس الفني والشائعات التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي. يصحّ هذا في الحاضر كما يصحّ في مراجعات المشاريع العلمية السابقة.

ثانيًا: عن محور الأخلاق

1. ماذا تعني نسبانية الموقف الأخلاقي؟

في مجال الأخلاق، أصبح نيتشه أهم أسلاف ما بعد الحداثة. ففي تحليله الأرستقراطي الناقد لما سماه أخلاق الضعف التي تقلب ضغينة العبيد الضعفاء ضد الأسياد، أو الأقوياء، إلى أخلاق التسامح والمساواة وغيرها، لأن الضعفاء غير قادرين على مواجهة الأقوياء بسلاحهم، توصّل إلى أن الحقائق الأخلاقية ليست حقائق مطلقة، بل تأويلات و"وجهات نظر"، ف "لا توجد ظواهر أخلاقية،

(31) Nietzsche, On the Genealogy of Morals (New York: Vintage Edition, 1967), § 10, pp. 36–39.

بل تفسيرات أخلاقية للظواهر". وقد ضخّم التحول ما بعد الحداثي هذه الرؤية بصيغة مفادها أن البشر يعيشون في مرحلتهم حالة تعدد غير قابل للاختزال فيما يخص القيم ووجهات النظر. وتعدّ ما بعد الحداثية افتراض وجود قيم كونية في الحداثة انتهاكًا للاختلاف. ويرى ليوتار في كتابه لعب عادل أن علينا أن نتعلم إصدار الأحكام في غياب المعايير الكونية. وفي المسائل الأخلاقية والسياسية، كما يقول، "يُنجز الحكم 'حالةً بحالة'". وحتى حين نضع قواعد

عامة، فإنها تكتسب معناها من تطبيقها في سياقات محددة. ويستعير ليوتار مفهوم الحكمة العملية Phronesis الأرسطي ليشير إلى أن كل موقف أخلاقي له فرادته، ما يتطلب تمييزًا دقيقًا لظروفه

الخاصة، لا مجرد تصنيفه تحت قاعدة عامة أو قانون موِّجِه Prescriptive شامل. وهذا صحيح في رأيي، ولكن "الظروف الخاصة" تُعَدّ خاصة بسبب افتراض وجود قاعدة، بحيث يفترض أن تؤخذ هذه الظروف في الاعتبار عند تطبيقها من جانب المؤسسات والدول. أما الأفراد فيقررون بموجب اعتبارات عديدة، منها ردود فعل أخلاقية ناجمة عن قيم يؤمنون بها، وردود فعل تلقائية، وقواعد أخلاقية (في حالة تذوتها) والتزام بدرجات مختلفة بالأعراف، وغيرها. ولكن القاعدة العامة لا تقتصر على العرف الأخلاقي المجتمعي، ولا تقتصر أيضًا على القاعدة العامة التي تذوتها الفرد بفعل التربية أو الضغوط الاجتماعية أو غيرها. إنها قائمة في المشترك بين الناس في قدرتهم على التفكير الأخلاقي بموجب استعدادات أخلاقية قائمة للتمييز بين الحسن والقبيح، والشر والخير، انطلاقًا من نفور من العنف والألم الجسدي، والتعاطف، والرغبة في الانتماء إلى جماعة، وطلب الاعتراف، وما يُشتَقّ

من هذه الاستعدادات من قيمٍ من خلال التفاعل بين الفرد والمجتمع، ومتطلبات العيش، والتجربة التاريخية للمجتمعات وما يرسب منها في الثقافة القائمة. ولكنّ منظّري ما بعد الحداثة لا يركزون إّلا على عنصر واحد؛ هو وحدة الفرد في مقابل المعضلة الأخلاقية من دون قواعد. إنهم يميلون إلى اعتبار أن القيم الأخلاقية بنى اجتماعية، أي نتاج صيرورة بناء اجتماعي، وأنها منغرسة في سياق اجتماعي تاريخي، ومن ثم فهي متغيرة تاريخيًا، وحتى طارئة،

فلا حتمية في وجودها وزوالها. وهي لازمة تتكرر من دون انقطاع لدى مفكري هذا التيار، ولكنها ليست اكتشافًا خاًّصًا بهم. ما يتوصلون إليه هو فقدان المرجع والمرساة الأخلاقية، وهذا لا يعني العدمية الأخلاقية، بل زيادة المسؤولية الملقاة على الفرد، وسنتطرق إلى هذا الموضوع بتوسع أكبر. ترى ما بعد الحداثية أن علينا أن نحتفي سياسيًا بالاختلاف والتعددية، وأساس ذلك الأنطولوجي

هو أن الدنيا أصبحت بلا مركز ولا قاعدة ترسو عليها، وكأن ذلك كان قائمًا يومًا ما. ولكن إذا

لم يوجد مركز للعالم، فهذه مجرد فرضية، لا يبقى معنى للا–مركزية في سياقات عامة كهذه

(32) Friedrich Nietzsche, Beyond Good and Evil , Marion Faber (ed. & trans.), Robert C. Holub (Intro.) (Oxford: Oxford University Press, 1998), § 108, p. 64. (33) Jean–Francois Lyotard & Jean–Loup Thebaud, Just Gaming , Wlad Godzich (trans.) (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1979), p. 26. (34) Ibid., p. 44.

(العالم، والعلم، والأخلاق). ولا تكمن المشكلة في إصرار ما بعد الحداثية على ذلك فحسب، بل ثمّة خلط أيضًا بين الأخلاقي والواقعي، وبين ما هو قائم وبين ما يجب أن يكون؛ بمعنى أنه

يجب أن نعيش مثل الدنيا المتعدّدة التي لا مركز لها، والتي يكون فيها الاختلاف هو الأساس. ولكن الحقيقة أنه لا علاقة بين الأمرين؛ فلا دلالة على تأثير خلوّ الواقع من أي وحدة أو تماثل في

سلوكنا. والمقولة التي تزعم أنه لا توجد وقائع فوق الشبهات ليست قيمة أخلاقية، وإنما هي في

أفضل الحالات وصف للواقع، ولا يُستنتج من ذلك أننا يجب أن نعيش بلا مركز ولا هوية، وِلمَ

لا يستنتج أخلاقيًا من ذلك أن نسلك بعكس حال الدنيا المفترض هذا مثلًا؟ ليست هذه الحالة الوحيدة التي يؤدّي فيها الخلط بين تحليل ما هو قائم وفقًا للمنظور ما بعد الحداثي، وما يجب أن يكون بزرع القيم المعيارية في التحليل ذاته. فمثلًا، إذا كان منهج التفكيك يقود إلى استنتاج أن الهوية الجماعية ظاهرة مركّبة، أي مصنوعة بتأثير المصالح وعلاقات القوة والسلطة والثقافة المهيمنة (والمواقف معها أو ضدها)، فهذا يعني النظر عند ما بعد الحداثيين إلى الهوية بوصفها مصطنعة، وهو ما يعُّدُه البعض تلميحًا إلى أنها يجب أَّلا تكون، أو لا تُؤخذ في

الاعتبار، خصوصًا إذا كانت هوية قومية وليست هوية مثلية أو جندرية، فالأخيرة "تحررية" عندهم

في مقابل الهوية القومية "القمعية". يُفترَض أن مفهوم الأخلاق خضع لإعادة تشكيل وصياغة جذريين في الفكر ما بعد الحداثي، وأنه

ينطبق عليه التشكيك في السرديات الكبرى. والحديث هنا ليس عن الأخلاق، بل عن مفاهيم الأخلاق ونظرياتها. فمفكرو ما بعد الحداثة عالجوا فعليًا، من دون التصريح بذلك، الميتا–أخلاق Meta–ethics،

ولا سيما علاقة تشكّل مفاهيم الأخلاق باللغة والثقافة وعلاقات القوة القائمة. ولكنهم لم ينشغلوا بموضوع الأخلاق ذاتها. ومثلما أن نقد العلم يفترض أنه سردية كبرى، فكذلك يفترض أن نقد أخلاق الحداثة بمنزلة قواعد أخلاقية ثابتة، أو أوامر موضوعية تستند إلى العقل أو الطبيعة. ولكن إذا افترضنا أن هذا النقد لأخلاق الحداثة الذي يعبّر عن واقع جديد تفككت فيه السرديات الكبرى، وأصبحت الأخلاق، وفقًا له، شأنًا

وجهدًا فرديين، فما النظريات الأخلاقية التي تَعدّ الأخلاق قواعد عامة وأوامر موضوعية خارجة عن إرادة البشر؟ تنطلق النظريات الأخلاقية الحديثة من وجود حٍِّسٍ أخلاقي قائم على التعاطف الإنساني لدى البشر،

أو قواعد أخلاقية تجمع بين الحس الأخلاقي والعقل العملي، ويفترض أن تصاغ انطلاقًا من تصورٍ

ما للإنسانية، أو من منطلق تحقيق السعادة لأكبر عدد ممكن من البشر، أو من منطلقٍعواقبي يسعى بموجبه الفعل لتعزيز القيم التي يؤمن بها الفاعل، أو من ميول طبيعية يعبّر عنها من خلال التعاطف

والنفور، وتُبنى عليها قيمٌ أخلاقية وتُشتق منها قيم أخرى من خلال التجارب الإنسانية المتراكمة

والتفاعل الاجتماعي، بدءًا من الأسرة وصولًا إلى المجتمع (كما يرى كاتب هذه الدراسة). وهذه كلها

تفسيرات فلسفية للأخلاق؛ وهي لا تدعي أنها نظريات علمية. ومن الواضح أنها نسبية بالطبع؛ بمعنى

نسبتها إلى القواعد المختلفة التي تفترضها وتستند إليها، ومنها مثلًا: سعي الإنسان نحو السعادة بوصفها الخير الأعظم؛ ووجود قابلية أخلاقية مطبوعة في الإنسان مثل التعاطف، وطلب الاعتراف، والنفور من إيذاء الجسد البشري؛ واعتبار القرار الأخلاقي قرارًا حًّرًا يشترط القدرة على التمييز بين

الخير والشر؛ وتمييز الحكم الأخلاقي من غيره بكونيته، وهذا يعني خيار الإنسان في أن يتصرف وفقًا لما يصلح أن يكون قانونًا للبشرية جمعاء (الأمر الأخلاقي عند كانط). إن الفلسفة التي تعنى بالدفاع عن الاختلاف أو الخصوصية الثقافية مع إهمال المساواة، ومعها فكرة احترام الإنسان بما هو إنسان، تتضمن في الحقيقة عناصر ما قبل حداثية، على الرغم من تسميتها ما بعد حداثية. وقد شهدنا مؤخرًا محاولات لأساتذة ذوي وظائف ثابتة في جامعات أميركية ينشرون في

دورياتها ودور نشرها، ويتمتعون بالديمقراطية الليبرالية الغربية، ويخشون عليها من أمثال ترمب، ولا يستبدلون بها العيش في أي بلد مسلم أو عربي معاصر، ينصحون العرب بأن النظام الأنسب لهم يتمثل في مراحل الحكم الإسلامي قبل القرن الثالث الهجري. ينطبق هذا على موقف ما بعد الحداثية من القيم الكونيّة، مثل اعتبار استحقاق الإنسان الاحترام

بما هو إنسان، بغضّ النظر عن ثقافته الخصوصية ومكان ولادته ووظيفته الاجتماعية وغيرها، هو قيمة كونية زائفة تغلّف إرادة السيطرة الغربية، ويمكن فضح نفاق مروّجيها بسهولة. ولا يرى المحتفون

بفضح النفاق حقيقة أن التوتر بين القيمة والممارسة هو دافع مهم للنقد والتغيير داخل المجتمعات الديمقراطية الليبرالية وفي علاقتها بالآخرين. فثمة فرق بين التصريح في المواثيق والخطابات الرسمية بأن البشر سواسية، وبأن لهم حقوقًا تسمى حقوق الإنسان، من جهة، والخطاب العنصري، مثلًا، والتصريح بأن الناس طبقات وأجناس وأن ثمة من يمتلكون حقوقًا ومن لا يستحقونها، من جهة أخرى. والفرق ليس كلاميًا، بل يعكس موازين قوى وثقافة مختلفة، وكذلك فرصًا وإمكانيات وآفاقًا

جديدة للتأثير والممارسة. بيّن فوكو في دراساته الجينيالوجية لمنابع الأخلاق، ولا سيما في دراساته لتطور العقاب، والمسموح

والمتاح في الجنس أنّ ما يُعدّ "أخلاقيًا"، في سياق تاريخي معيّن، لا ينفصل عن التشكيلات الخطابية

وعلاقات القوة/ السلطة، وهو الأمر الذي جعل ما بعد الحداثيين الذين جاؤوا بعده يفترضون أنه قوّض

التصور التنويري لفكرة "عقل أخلاقي دائم"، أي غير تاريخي. والحقيقة أن فكر التنوير لم يفترض وجود عقل أخلاقي دائم، وإلا لما انتقد مفكرو القرن الثامن عشر الذين يُعَدّون تنويريين أخلاقيات

عصرهم والعصور السالفة، ولما تميز جان جاك روسو منهم في نقده زيف أخلاقيات المدنية داعيًا إلى

الاستناد إلى الأخلاق الطبيعية الكامنة في الإنسان قبل نشوء علاقات الملكية. ثم إنه يصعب التنافس مع كارل ماركس في حدة نقده لصياغة التعبير عن مصالح البرجوازية في قيم كونية، كما في جعلها الملكية الخاصة قيمة كونية، وفي تتبعه أصل الحرية الفردية وتشكلها (جينيولوجيا بلغة ما بعد الحداثة)

((3(إيغلتون، ص.153

(36) Michel Foucault, "On the Genealogy of Ethics: An Overview of Work in Progress," in: Paul Rabinow (ed.), The Foucault Reader (London: Penguin Books, 1991), p. 352.

في ظروف حرية التجارة وتحرير الفلاح من الارتباط بالأرض ومالكها لكي يكون حًّرًا في بيع قوة عمله.

ويُحسَب ماركس على مفكري الحداثة إذا كان المقياس هو تبنّيه سردية تاريخية كبرى، ومحاولته طرح

نظرياته الاجتماعية كأنها علم. وما زال قصوره الفكري في مجال فلسفة الأخلاق يُعَدّ من نقاط ضعفه.

ولكن هذا لا يعني أنه لم يميز بين الخير والشر. ويمكن تلخيص مشروعه كله بالسعي لتحرر الإنسان

وسعادته في مجتمع خالٍمن الاستغلال الطبقي والملكية الخاصة. لقد شكّل التساؤل: "كيف يمكن أن تظل الأخلاق ممكنة بعد 'موت الإله' وانهيار اليقينيات الكونية؟" دافعًا مركزيًا يحرك جلّ التنظير الأخلاقي في الفكر ما بعد الحداثي. ورأى مفكرون من أمثال فوكو

ودريدا وليوتار أن الأخلاق لا تُفهم باعتبارها وصايا كونية ثابتة، بل باعتبارها ممارسة إبداعية حسّاسة

للسياق. حتى هنا يبقى الطرح قابلًا للفهم والنقاش العقلاني؛ مثلًا بالادعاء أن المسؤولية الفردية والحساسية للسياق لا يتعارضان مع وجود قواعد أخلاقية، سواء أكان ذلك بالسير بموجبها أم بتحديها من منطلق الحساسية للسياق. ولكن المشكلة، بل المعضلة، تواجهنا عند طرح السؤال: كيف يمكن أن يحصل هذا مع افتراض موت الإنسان، واختفاء الذات الذي أعلنه تيار ما بعد الحداثة مجازًا فلسفيًا، اقتفاءً لأثر إعلان نيتشه

عن موت الإله الذي يشبه الومضات الأدبية السهلة الترديد، من دون أن يقول جديدًا في الفلسفة؟ يقتبس الزواوي بغورة من كتاب فوكو الكلمات والأشياء عن نهاية الإنسان أن الأنثروبولوجيا البنيوية في مقابلتها بين الثقافة والطبيعة تَعمدُ إلى دراسة العوامل الموجودة خارج الإنسان، لتلتقي بذلك مع التحليل النفسي في دراسة ما يقع خارج وعي الإنسان لفهمه، ومن ثمّ فإنهما "تذيبان الإنسان" بحسب

فوكو. ويضيف أنه ليس الإنسان "أقدم وأثبت إشكالية طرحت ذاتها على المعرفة الإنسانية. فإن اعتمدنا تعاقبًا ضيقًا وتقطيعًا جغرافيًا ضيقًا – أي الثقافة الأوربية منذ القرن السادس عشر – يمكننا

التأكيد أن الإنسان هو اختراع حديث فيها [...] الإنسان اختراع تظهر أركيولوجيا فكرنا سهولة حداثة عهده، وربما نهايته القريبة". لا أخلاق ذاتية ولا بين–ذاتية، لا نسبية ولا مطلقة، لا محلية ولا كونية من دون ذات بشرية... إلخ، إلا إذا كان موت الإنسان لعبة استعارات لغوية على طريقة نيتشه تليق بالأدب وليس بالفكر الفلسفي، يتبعها مجاز آخر؛ تمرّد الإنسان الفرد ودخول عصر الفردية الملتزمة بذاتها فقط، والمسؤولية الفردية

المطلقة. يصحّ أن نقارب النظريات الأخلاقية بوصفها نسبية. فهي ليست نظريات علمية، بل محاولات

فلسفية، ولكن هذا لا يعني أن الأخلاق نسبية. والحقيقة أن الإنسان يتصرف بموجب دوافع مختلفة في سياقات مختلفة، وقد يكون تصرفه مدفوعًا بقيم ديونطولوجية تنهاه عن ارتكاب أفعال معينة،

((3(بغورة، ص 186–185؛ ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.])، ص.301 ((3(بغورة، ص 186؛ فوكو، الكلمات والأشياء، ص.313

أو منفعيًا في حالات أخرى؛ بمعنى فعل ما يرى أنه يسهم في تعزيز قيمة ما، أو بموجب الأمر

الأخلاقي. وهذا لا يعني أن الصدق يمكن أن يُعَدّ غير أخلاقي وأن الكذب قيمة أخلاقية. وحتى

لو أتيح الكذب في بعض الحالات لغرض أخلاقي، فإن الناس عمومًا يعُّدُونه أمرًا سيئًا، وكذلك

السرقة، والمُّسُ بالكرامة، والتعذيب، والقتل. هذه كلها تُعَدّ قبائح وسيئات، ولا نسبية في الأمر.

ولهذا، ثمة حاجة إلى تبرير ارتكاب إحدى هذه القبائح بإخضاعها لقيمة أخرى مثل، إنقاذ حياة إنسان مثلًا، أو بضرورات معينة تبيح المحظورات. ولكن المحظورات تبقى محظورات. ليست الأخلاق نسبية! ميّز فوكو في أعماله المتأخرة بين "القانون الأخلاقي" و"الأخلاق". وكانت هذه طريقته في التمييز بين

Morality و Ethics. ويشرح ذلك قائلًا "نعني ب 'الأخلاق' مجموعة من القيم وقواعد السلوك التي توصي بها مختلف الهيئات الوصائية أو الإرشادية أو التوجيهية Prescriptive للأفراد [...] ويمكننا أن نسمّي هذا التشكيل التوجيهي 'قانونًا أخلاقيًا"'. والحقيقة أنه لا يختلف باحثان في أن هذه القواعد الأخلاقية، التي يسميها فوكو "قوانين أخلاقية"، هي قواعد متغيرة عبر التاريخ، وثمة ادعاءات ماركسية أبعد من ادعاءات ما بعد الحداثة لا تربط القواعد الأخلاقية والأعراف بالمصالح والسلطة فحسب، بل بمصالح الطبقات المسيطرة أيضًا. وجميع هذه التفسيرات أحادية البعد، ولا تستوعب غنى العلاقة بين طبائع البشر وتركيبها، وبنية المجتمعات، والهيمنة الثقافية، والأعراف السائدة فيها (سواء صيغت بطريقة قوانين أم لا)، والإرادة الإنسانية. تبحث فلسفة الأخلاق عمومًا في سؤال قواعد السلوك الإنساني تجاه الآخرين (ماذا علَّيَ أن

أفعل؟) وتطُّلُع الإنسان ليعيش حياة فضلى. وكانط الذي يعُّدُه ما بعد الحداثيين صائغ فكر التنوير

في نسق فلسفي، انطلق في الإجابة عن سؤال "ماذا علَّيَ أن أفعل؟" من افتراض وجود فردٍ مستقل

يقرر كيف يصوغ قانونه الأخلاقي الذي يصح أن يكون قانونًا للبشرية، بمعنى أن يقبل للآخرين ما يقبله لنفسه، وهي صياغة فلسفية ل "القاعدة الذهبية" في التعامل بين البشر، والقائمة في التعامل بينهم. وهي قائمة في التقاليد المسيحية منذ "الموعظة على الجبل"، ولم تخترعها الفلسفة. ولذلك لا إنجازَ كانطيًا هنا على الإطلاق، لا سيما إذا تعمق الإنسان في فهمه للبشرية الذي أقصى

غير الأوروبيين. وإذا كان ثمة إنجاز، فهو في تقديمه الواجب الأخلاقي على المنفعة وحتى على السعادة، بعد أن كان الرواقيون قد عَُّدُوا الفضيلة أسمى أنواع السعادة، وفصله القاطع بين أحكام

العقل المحض (بما في ذلك وضع حدود المعرفة العلمية من خلال طرح سؤال "ماذا يمكنني أن

((3(لا فرق في الأصل بين المصطلحين سوى أن الأول لاتيني الأصل والثاني يوناني، وقد استُخدما بالمعنى نفسه، ولكن العديد

من الفلاسفة استخدموا Morality بمعنى قواعد التعامل بين الأفراد، و Ethics بمعنى تغطية مساحة أوسع، ويشمل ذلك البحث عن الحياة الفردية الفضلى Virtuous Life؛ كيف يعيش الإنسان حياة خيّرة؟ وكيف يكون إنسانًا أفضل؟ وغيرهما من الأسئلة المشتقة من

مسألة الحياة الحسنة The Good Life. ينظر:

James Griffin, What Can Philosophy Contribute to Ethics (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 93. (40) Michel Foucault, The History of Sexuality, Volume 2: The Use of Pleasure , Robert Hurley (trans.) (New York: Penguin Books, 1985), p. 25.

أعرف؟)، وأحكام العقل العملي (الأخلاق من خلال طرح سؤال "ماذا علَّيَ أن أفعل؟")، وأحكام

الإيمان الديني. وعمومًا، ليست القواعد الأخلاقية من صناعة المفكرين والفلاسفة، لا الحداثيين ولا غيرهم، بل هي نتاج التفاعل بين طبائع البشر والبنى الاجتماعية والتطور الاجتماعي التاريخي. وحين تتغير هذه القواعد، كما في حالات تغير قواعد العيب والحرام والعفة والجنس وغيرها، لا يقود فلاسفة الأخلاق عملية التغيير، وقلّما يشاركون في النضالات المتراكمة التي تؤدي إلى التغيير. وحين يطرح مطلب التعامل مع المرأة بمساواة تامة، ومبدأ رفض التعامل معها بوصفها جسدًا وموضوعًا للشهوة الجنسية، لا يستفيد المناضل/ة من أجل المساواة من ادعاء فلاسفة ما بعد الحداثة أن المطالبة بهذه القيمة على أساس قاعدة أخلاقية كونية سلوكٌ مدفوعٌ بالرغبة في السيطرة، وأن من يطالب بها يفترض أن يدرك أنها قاعدة نسبية لثقافة معينة. ولا أعتقد أن أحدًا من مفكري ما بعد الحداثة جلب مث لًا على مفكر من مفكري التنوير صاغ القيم الأخلاقية بصيغة قواعد أخلاقية كونية خالدة كما فعل الرواقيون وكما هو واردٌ في وصايا الديانات إلى المؤمنين. لا تنتمي محاولات صياغة أخلاق كونية إلى الحداثة حصرًا. ومن هذه الناحية قد

تكون التسمية الأصح لما بعد الحداثية في هذا المجال هي "ما بعد الرواقية" و"ما بعد المسيحية". وليست صياغة قواعد أخلاقية كونية من مهمات نظريات الأخلاق أصلًا، ولكن من واجب هذه النظريات أن تتساءل مثلًا: لماذا يُعَدّ تحريم القتل قاعدة تجمع عليها المجتمعات وتتفق عليها الثقافات، ولا تختلف إلا في تحديد الاستثناءات التي تتيحها لكسر هذه القاعدة؟ ولماذا ينفر الناس جميعًا من تعذيب الجسد؟ ولماذا يُعَدّ الكذب فعلًا سيئًا، ولا يصلح قاعدة في التواصل بين الناس؟ ليست القيم الأخلاقية كلها نسبية ومتغيرة، فثمة قيم أساسية مشتركة بين البشر، ولا يُشَدَّد على نحو

كافٍ على سريانها خارج جماعات الانتماء التي تسري فيها القواعد الأخلاقية. والمعركة الكبرى في الحداثة، في رأيي، هي التي فاتت مفكري ما بعد الحداثة الذين انشغلوا بعكسها، أي بالتركيز على محلّوية القيم. ولكنها ظلّت مستمرة من بعدهم، وهي: كيف تسري هذا القيم على نحو عابر لجماعات الانتماء سواء أكانت ثقافية أم قومية أم طائفية أم سياسية؟ وهذا عكس الانشغال بالنسبية الثقافية. كان الفكر الأخلاقي الحديث بمنزلة نسبانية ثقافية مقلوبة، بمعنى الإقرار بوجود ثقافات مختلفة ذات معايير أخلاقية مختلفة، مع اعتبار أن أخلاق المجتمعات الحديثة هي الصحيحة، وهي التي يفترض أن تكون سائدة. أما نسبانية ما بعد الحداثة، فلا تجد مدخلًا إلى ما هو أخلاقي إنساني شامل بحيث يتيح الحوار ضمن التنوع. فلا يمكن ممارسة أي حوار بين ثقافات ذات خصوصية من دون وجود ما يجمع بينها. حوّل فوكو تركيزه من الأنظمة الأخلاقية المعيارية إلى "الإتيقا" بوصفها عناية بالذات وتشكيلًا إبداعيًا لها على طريق نيتشه، حيث يرى الأخلاق بوصفها ممارسة جمالية وشخصية لا قانونًا

كونيًا. ويمكن أن يكون هذا المنظور للأخلاق استمرارًا لتقليد سقراط في تجذير الأخلاق في

سؤال "كيف أعيش حياة فاضلة؟"، أو "كيف أكون إنسانًا أفضل؟"، كما يمكن أن يقرأ بوصفه توجيهًا

للفرد نحو التمحور حول الذات ونرجسية القوي المهتم أساسًا برقي سلوكه وأسلوبه ورونقه

جماليًا كما في حالة نيتشه الذي يؤمثل ثقافة هيلينية ورومانية متخيلة من خلال شخصيات القادة

والأبطال. إضافة إلى ذلك، ليس واضحًا إن كان فوكو يقصد الأخلاق كما هي قائمة، أم كما يجب

أن تكون. فيمكن دحض قوله إذا كان المقصود هو أن هذه هي الأخلاق، وهكذا تمارس، بإظهار أن الأمر ليس كذلك في واقع الحال، فثمة حدوس أخلاقية مطبوعة في البشر، وثمة دوافع مختلفة للسلوك الأخلاقي وفهم مختلف للواجب وممارسات مختلفة أيضًا. أما إذا كان المقصود أن هذا ما يجب أن يكون، فإننا نتحدث عن موقف وقناعة أخلاقيين يريد الكاتب أن يعممهما ويمكن تحليل معنييهما. ويكون نقد مثل هذا الموقف نابعًا من قناعات أخلاقية بخطورة الخلط بين الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي، و/ أو بأن صياغة القيم الأخلاقية يفترض أن تصبو على الأقل إلى أن تكون كونية، لا انطلاقًا من قواعد كونية مفروضة، بل من تعميم صورة الإنسان الذاتية على بقية البشر، والشعور بكرامة الإنسان تبعًا لذلك. ونضيف هنا ملاحظة عواقبية Consequantialist مفادها أنه في خضم الصراع من أجل العدالة والتحرر، لا ينجم سوى الضرر عن نفي وجود ما يجمع البشر في الإنسانية. 2. مسألة القواعد الأخلاقية والمسؤولية الفردية تشغل مسألة تشظي السرديات، كما أسلفنا، مفكري ما بعد الحداثية، وتتحول في حالة الأخلاق إلى الإصرار على حصر البعد الأخلاقي في القرارات الأخلاقية الفردية، واعتبار أن مجرد الالتزام بالقواعد الأخلاقية لا يجعل الفعل أخلاقًّيًا. ويقدّم زيغمونت باومان تصورًا لما قد تعنيه الأخلاق

في سياق ما بعد الحداثة في كتابه Postmodern Ethics (1993)، مشددًا على اللايقين الأخلاقي في عالم تراجعت فيه سلطة العقل الكوني، كما صاغتها الحداثة. وهو من التعميمات الجارفة المعروفة وغير المفحوصة في رأيي. لكن باومان الذي أعدّه مفكرًا نقديًا عقلانيًا، على الرغم من أنه يُحسَب

على ما بعد الحداثية، يشدد على أن هذا التراجع لما يسميه "سلطة العقل الكوني" لا يترك وراءه فراغًا عدميًا، بل يفتح المجال أمام نوع جديد من المسؤولية الأخلاقية المتجذّرة في علاقة الفرد

بالآخر. ويردّ على النقد القائل إن ما بعد الحداثة تؤدي إلى نسبوية تبيح كل شيء منتقدًا بعض منظّري ما بعد الحداثة الذين يخلقون هذا الانطباع، وكذلك المجتمعات الغربية المتطورة التي تدّعي الإيمان بالقيم الكونية، ولكنها تمارسها بوصفها قيمًا محلّوية ضيقة. وهو نقد في محلّه. ويُعرّف باومان الأخلاق ما بعد الحداثية بأنها "أخلاق من دون شيفرة أخلاقية". إنها تقع على عاتق

الذات تجاه الآخر، فجذر الأخلاق يكمن في اللقاء الوجاهي بين الذات والآخر، ذلك اللقاء الذي يستدعي من الفرد مسؤولية تتجاوز إملاءات القواعد. الواجبات المفروضة غير المسؤولية الأخلاقية.

(41) Ibid., p. 26.

وما يميز الفرد من الآخر هو تحمّل المسؤولية الأخلاقية (ما يسميه "الأخلاقي" The Moral)، فهم

يتشابهون في أداء الواجبات (الأخلاق Ethics)، وهذا تقسيم شبيه بتقسيم فوكو المبين أعلاه. وفي بيانه الكثيف هذا، بعض "التلاعب بالألفاظ"، فلا يقوم مجتمع إذا لم تكن ثمة غالبية تفهم الأخلاق بوصفها واجبات أو تحديدًا نواهيَ، ولا سيما في مجتمعات تعاني تصدّع الفضاء العمومي

وتراجع الأخلاق العمومية، ومسؤولية الأفراد تجاه العموم. ولكن الالتزام بالنواهي لا يكفي لتمييز فرد من آخر في فهمه لفعل الخير وما يفعله لكي يبلور شخصيته ويجد المعنى لحياته. والنقاش حول طبيعة أخلاق المسؤولية هذه قائم بين فلاسفة الأخلاق في الحداثة تحت عناوين مثل العواقبية والمناقبية، وغيرهما. كلام باومان شبيه بكلام تشارلز تايلور عن إيجاد المعنى والهوية الفردية في القيم التي تعرف هوية الفرد، أو ما يسميه باومان المسؤولية "الذاتية الأخلاقية". وهذا في رأيي نقيض تام للكلام ما بعد الحداثي على نهاية الذات Subject، أو موت الإنسان، إلا إذا كان المقصود موت الإنسان في الحداثة، وقيامه من بين الأموات فيما بعد الحداثة. يرى باومان أن غياب الشيفرة الأخلاقية الموحدة لا يوهن الشعور بالمسؤولية، بل يكثّفه. ففي سياق غياب يقين خارجي مريح، تعود القرارات الأخلاقية إلى ضمير الفرد، وتُلقى المسؤولية كاملة على عاتقه. ولكن متى كان هناك يقين خارجي مريح مع تفرّد الفرد في الحداثة؟ وهل يمكن أن يقوم

مجتمع (سِّمهِحداثيًا أو ما بعد حداثي!) من دون قواعد أخلاقية؟ يواجه الفرد المسؤولية الأخلاقية في

علاقته بالآخر؛ في وجود قواعد أخلاقية وفي غيابها. لا تقلل القواعد الأخلاقية والقيم الديونطولوجية (ولا سيما النواهي الأخلاقية) الكونية (لا تقتل! لا تسرق! لا تكذب! لا تمس بكرامة الآخر! وغيرها) من مواجهة تحدي المسؤولية تجاه الآخر. ولم تكن هذه المسؤولية كلية الحضور ولا الغياب في أي مرحلة من التاريخ البشري المعروف. تذِّكِر التعميمات السريعة والجارفة لما بعد الحداثيين بمقولات العديد من فلاسفة الحداثة وأدبائها عن زوال اليقين الديني الذي كان سائدًا قبل الحداثة، وتفكك العلاقات الحميمية التي سادت في الجماعة الريفية وغيرها، وصعود مسؤولية الفرد في العصر الحديث. وتذِّكِر أيضًا بعض تعميماتها في الوقت ذاته بصعود الفلسفة الرومنطيقية وموقفها من فلسفة التنوير، ثم نقد فلسفة فرانكفورت للعقل الأداتي في ظل الرأسمالية المتقدمة ومجتمع الجماهير. يبدو أن مثل هذا النمط من الأفكار يتكرر في مراحل التحولات الكبرى والأزمات. كتب باومان ما يفيد أنه في ظل أخلاق الحداثة البيروقراطية، كان المرء يستطيع أن يقول: "أنا فقط أُطبّق القواعد"، أو "أنا أنفذ القانون"، وكان بذلك يتملص من مسؤوليته ويسندها إلى النظام. أما في

الأخلاق ما بعد الحداثية، فتنهار هذه الضمانات الخارجية، وتُستعاد المسؤولية الفردية. وهو يسمي

(42) Zygmunt Bauman, Postmodern Ethics (Oxford: Blackwell, 1993), pp. 5, 11, 14.

هذا الوضع "أخلاقًا بلا أعذار". فكل فرد، في هذا الإطار، يواجه وحيدًا مأزقًا أخلاقيًا مفتوحًا: الاختيار

بين الخير والشر من دون أي ضمان مطلق؛ "إنها ورطة قاسية... دراما اختيار". والحقيقة أن التحذير من الانصياع الأعمى للقوانين والتعليمات والأوامر بحكم الوظيفة حاضر هنا في كل كلمة بعد الصدمة من تصُّرُف الأفراد في أثناء النازية. هكذا برّر بعض الموظفين النازيين سلوكهم

خلال المحرقة. وفي هذا التبرير تجُّنُبٌ لمواجهة الخيار بين الخير والشر، وتحمّل المسؤولية عن

الأمر. هنا يتضح الدافع لكتابة هذه السطور، فباومان هو نفسه صاحب كتاب الحداثة والهولوكوست. وهنا سياق للتنبيه إلى أنه لا علاقة بين ارتكاب جريمة بالانصياع للقانون أو للأوامر من أعلى، ووجود قواعد أخلاقية عامة. في الحالتين يشكّل الانصياع أو عدمه موقفًا أخلاقيًا، ولا يعفي من المسؤولية

الأخلاقية. ولا يوجد ضمان لعدم انصياع الموظفين للأوامر والقوانين مستقبلًا، لأن شيئًا ما خفيّا يميز

مرحلة ما بعد الحداثة ويجعل الأفراد يتمتعون بالمسؤولية الأخلاقية... إلخ، إلا إذا لم يكن كلام باومان تحليلًا لطبيعة مرحلة تختلف عن الحداثة، بل دعوة إلى هذه المسؤولية الأخلاقية. ليس باومان محًّقًا في "عدم قابلية الفعل الأخلاقي للتقنين " Uncodifiability، فمن دون ذلك لا يقوم مجتمع. لكنه محٌّقٌ في أن الأفعال الأخلاقية الأصيلة تنشأ غالبًا عن الاستجابة لحاجات فريدة لإنسان

بعينه، لا يمكن قانونٌ عام أن يقرّرها. وقد تتطلب ممارسة التعاطف مع الآخرين تجاوز القاعدة أو

الخروج عن الواجب الرسمي. وكما عند دريدا، يسلط باومان الضوء على عنصرَي الفرادة والعفوية في

الفعل الأخلاقي، ف "قبل أن تأتي المجتمعات، والمشرّعون، والفلاسفة، لصياغة المبادئ الأخلاقية،

كان ثمة بشر يمارسون الأخلاق من دون قيود (أهي رفاهية؟) الخير المشفّر أو المقنن". ومع ميلي إلى قبول تشديد باومان على أن التفكير الأخلاقي Moral Reasoning ليس حسابًا عقلانيًا، وأنه

قائم على الطبيعة الإنسانية، وأن الطبيعة الأخلاقية للأفراد تقود إلى الاجتماع وليس العكس، فإنه من الضروري التشديد على أن الأفراد لم يوجدوا وحدهم، لا في التاريخ البشري، ولا في سيرة حياتهم الفردية، بل يعيشون في جماعات أو مجتمعات. وهذا يعني أعرافًا ونواهيَ وواجبات. وصحيح أن

هذه لا تستنفد الأخلاق. فالأخلاق الفردية تبدأ بالممارسة الواعية لها، بمعنى وجود علاقة واعية متوترة مع هذه الأعراف، ولا تنتهي بالمواقف الفردية الأخلاقية حتى في أكثر المجتمعات تقليدية. ولكن أهمية هذه الأخيرة تزداد مع تفرّد الفرد في المجتمع الحديث وتوسّع نطاق الحريات. يشدد باومان على غياب ما يسميه "اليقينيات الكونية"، دون أن يتنازل عن نداء الالتزام الأخلاقي. فما بعد الحداثة، في تصوّره، تُعيد الأخلاق إلى المستوى الإنساني. وبدلًا من محو التمييز بين الخير

والشر، تُجبرنا الحالة ما بعد الحداثية على مواجهة هذا التمييز في سياق قراراتنا الحياتية الخاصة. وبناءً عليه، فإن عمل باومان يُعد رًّدًا فلسفيًا على مرادفة ما بعد الحداثة والانحلال الأخلاقي. إنه يرسم

صورة لفاعلين أخلاقيين، من دون ضمانات كونية، يُصبح كٌّلٌ منهم ذاتًا أخلاقية تتحمل مسؤوليتها في

(43) Ibid., p. 13. (44) Ibid., p. 61.

وحدتها. إنها أخلاق لا تقوم على قواعد، بل على علاقات حوارية مع الآخرين وتنسجم مع التشديد ما بعد الحداثي على الغيرية، والمحلّية، والاختلاف. نكتشف المشكلة في الاتفاق مع فكر ما بعد الحداثة في بعض أهم نصوصها التي تتناول الأخلاق. فالإصرار على رفض القواعد الكونية يؤدي إلى الإفراط في وصف جسامة المسؤولية الفردية الأخلاقية على نحو أشد تطرفًا عند دريدا في كتابه عطية الموت (1992)، حيث يتناول مسألة الأخلاق من خلال مفهوم المسؤولية، والتشكيك في الافتراض القائل بإمكانية اتخاذ قرارات أخلاقية استنادًا إلى قواعد كونية واضحة. في هذا الكتاب ناقش دريدا قصة إبراهيم وإسحاق التوراتية التي يقدمها نموذجًا ل "الأپوريا" aporia، أي

المعضلة التي لا حلّ لها بناء على المقدمات المتوفرة، وفي هذه الحالة المقدمات الأخلاقية المتوفرة. ويجادل دريدا بأن كل قرار يستحق أن يُسمى أخلاقيًا يتضمّن أپوريا كهذه؛ فلا يمكن أُّيُ قاعدة عامة

أن تملي القرار الصحيح بشأنها، أو تبرره على الأقل. ومع ذلك يجب أن يتخذ الفرد قرارًا وأن يتحمّل

مسؤولية قراره. ولو كان في الإمكان أن يُحَدَّد القرار مسبقًا من خلال الالتزام بقاعدة أو إجراء حسابي،

ذيفنتو عايصنا درجم ودغيس لب؛ لايًااصأ ايقلخاأ لاعًااف، اديردل اقفو، نوكي نل لعفلا نإف.ريغ اذهو

صحيح. فالالتزام بقاعدة أخلاقية إذا كان اختياريًا هو قرار أخلاقي. ولكن المسؤولية الحقيقية عند

دريدا، تكمن في حالة القلق وعدم اليقين حيال ما هو صائب بموجب قاعدة ما، وحيث لكل قرار ثمنٌ، إذ تعني الاستجابة التضامنية لنداء واجب ما، مثلًا، التضحية بواجب آخر. وفي كتاب عطية

الموت، يطرح هذا المعطى بحدة قائلًا: "لا يمكنني أن أستجيب لنداء الآخر، أو لطلبه، أو لواجبه، أو

حتى لمحبته، من دون أن أُضحّي بالآخرين". والمشكلة هي أن هذا الإشكال لا يقتصر على الحالة

المتطرفة المذكورة حين طلب الله من إبراهيم أن يضحي بابنه، بل هو عنده في صلب الأخلاق. فالمسؤولية تجاه شخص ما تعني اللامسؤولية تجاه الآخرين، فانتباه الإنسان وموارده في أي لحظة معطاة هي معطيات محدودة. هل صحيح أن قرار مساعدة إنسان محتاج أو مظلوم في أي لحظة معطاة يعني إهمال الآخرين؟ وهل ثمة واجب أخلاقي بمساعدة جميع البشر؟ الجواب في رأيي هو لا، أي مسؤولية هي بالتأكيد عكس اللامسؤولية في اللغة. ولكن هذا لا يعني أن ممارسة المسؤولية تجاه شخص ما تعني ممارسة اللامسؤولية في الوقت ذاته تجاه جميع الآخرين. والإنسان لا يساعد جميع الآخرين حين لا يساعد شخصًا ما أيضًا.

فعدم المساعدة ليس فعلًا يقع عند المساعدة. وبالعكس؛ إذ يسهم المتضامن مع المظلومين، في مجال ما، في مساعدة غيرهم من خلال تقديم نموذج مثلًا. ولا شك في أن الإنسان يواجه معضلات حين يكون أمام خيارات في كيفية توزيع موارده. ولكن هذه المعضلة لا تخص الأخلاق حصرًا. يمكن مناقشة موقف دريدا من المسؤولية الأخلاقية، ولكن لا أرى أن ثمة إشكالية أصيلة فيما يناقشه، لأن الدافع الأخلاقي للفعل قلّما يكون انطلاقًا من قواعد عامة، بل هو غالبًا تعامل مع

(45) Jacques Derrida, The Gift of Death , David Wills (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 1995), p. 68.

حالات فردية. يمكن أن يتذوت الفرد بعض القواعد العامة فتصبح جزءًا من دوافعه، ويمكن أن

يتصرف بحسه الأخلاقي أو أن يكون مَقُودًا بفكرة أن يكون إنسانًا خِّيِرًا أو شهمًا. نعم، يمكن أن

يكتفي بالالتزام بعرف اجتماعي في سلوكه أو موقفه من مسألة محددة عادّا تصرّفه هذا هو السلوك

الأخلاقي المطلوب منه. وقد يواجه المرء إشكالية من نوع أنّ الاضطلاع بمسؤولية ما يعني إهمال غيرها، أو أنّ مساعدة شخص ما، إنقاذه من جحيم الحرب في غزة مثلًا، تعني التخلي عن غيره إذا قام بجردة حساب لموارده قبل فعل التضامن. ولكن هل أنّ مساعدة شخص واحد إشكالية إلى هذه الدرجة؟ أم أنّ دريدا يعقّد العملية؟ الإنسان الأخلاقي "العادي" (غير الفيلسوف) من النوع الشهم أو الإيثاري يساعد من يمكنه أن يساعده، ويدرك أنه لا يمكن أن يساعد الجميع. وهذا لا يعني على الإطلاق أن هذه المساعدة كانت على حساب الآخرين! فهذه مغالطة معتمدة على كلمة وعكسها في اللغة؛ إلا إذا كان قصد الفيلسوف هو أن أي مساعدة سوف تكون على حساب وقت راحته مثلًا. ولكن الإنسان الأخلاقي لا يفكر على هذا النحو، ويعرف أن فعلًا من هذا النوع يتطلب تضحية بالوقت، وربما بالمال، وهو يقيس ذلك: أيمكنه أن يفعل ذلك أم لا؟ لكن هذه ليست إشكالية أخلاقية. المشكلة تنشأ في حالة صراع قيم، أو واجبات أخلاقية مختلفة سيكون تنفيذ أحدها على حساب آخر، كما في التردد بين

فعلِتقديم يد العون للمتضررين من الظلم من ناحية، والالتزام تجاه العائلة من ناحية أخرى. وهذه مسألة مطروقة بكثرة في الأبحاث حول الأخلاق ولا يجدد فيها دريدا كثيرًا. ولا ننسى أن العديد من

الناس يَعُدُّون أن الفعل الأخلاقي الأجدى من إنقاذ شخص من براثن الفقر أو الحرب أو غيرهما هو

النضال السياسي ضدها، وأنهم يجمعون عند الاستطاعة بين الأمرين، أي التعاطف الفردي والنضال السياسي. ثمة احتمالات عديدة لتجنب مواجهة معضلة دريدا هذه. وثمة مسألة متكررة في الأبحاث حول الأخلاق بشأن معضلات تنشأ في حالات متطرفة مثل قرار التضحية بشخص لإنقاذ عدة أشخاص، أو تعذيب سجين لاستخلاص اعتراف منه يمكن أن ينقذ أرواحًا، وغير ذلك من معضلات التناقض بين القيم، والتناقض بين المذاهب الأخلاقية مثل التناقض

بين التفكير العواقبي الذي قد يتيح التضحية بشخص أو التعذيب في حالات معينة، والديونطولوجي الذي يحظر التعذيب مطلقًا. ولكن دريدا لا يقصد ذلك، فمقصده عام جًّدًا إلى حٍّدٍ يجعل كل مسؤولية أخلاقية على حساب أخرى، وتحوّل الفعل الأخلاقي إلى معاناة بدلًا من أن يكون مصدر رضًا. والأمر اللافت للانتباه، في هذا السياق، هو الزج بإشكالية إبراهيم الخليل في مسألة لا تنتمي إليها. فهي لا تصلح على الإطلاق لتصوير مأزق أخلاقي من النوع الذي يريد دريدا توضيحه. إنّ المسألة برمتها تُصِوِّر اختبارًا إيمانيًا وليس اختبارًا أخلاقيًا. فمن الناحية الأخلاقية لا يفترض أن توجد معضلة،

لأن التضحية بالابن هي عملٌ غير أخلاقي، وحسم المسألة الأخلاقية المطروحة سهلٌ بالنسبة إلى أي إنسان، لا معضلة أخلاقية هنا. إن قبول التضحية بالابن هو تفضيل طاعة الله على الأخلاق، وعلى محبة الابن. ليس هذا الصنيع التزامًا بقيمة أخلاقية مقابل التضحية بأخرى، بل هو عمل غير أخلاقي

بجميع المقاييس. وتطرح الإشكالية سؤ لًا مهًّمًا عن التناقض الذي قد يحصل في حالات معينة بين

الإيمان الديني والأخلاق. ومن الواضح أن ثمة أنماطَ تدُّيُن معينة (متعصبة) تغلّب الإيمان كما تفسّره

على الأخلاق، وتتصرف كما لو أن الإيمان بديلٌ من الأخلاق. وقد اختبرت مجتمعات عديدة عواقِب عملية إحلال الإيمان والطاعة المطلقَين محل القيم الأخلاقية، وما زال بعضها في العراق وسورية، في المناطق التي أدارها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، يعاني آثارها. أما الشخص الأخلاقي فيغلّب القيم الأخلاقية على الإيمان، أو يفسر إيمانه تفسيرًا أخلاقيًا، بما يمكنه من

الاحتفاظ بهذا الإيمان عند رفض أي ممارسة غير أخلاقية باسمه. النموذج الذي يقدّمه إبراهيم الخليل هو الجمع بين الإيمان والطاعة المطلقَين من دون السؤال عن السبب والهدف. لقد اختبره الله، ونجح في اختبار تفضيل الطاعة المطلقة على المحبة والعاطفة الأبويتَين (بعد تحييد الأخلاق تمامًا)، فجعل

له الله الكبش ليضحي به بدلًا من ابنه. ولكن في جميع حالات تفضيل المتعصبين فهمهم الحرفي للنصوص التي يؤمنون بها على القيم الأخلاقية (التي يدركون وجودها) فإن الله لا يخاطبهم مباشرة، ولا يرسل شاةً في نهاية الاختبار. ومع ذلك يفضلون الهدف السامي، الذي تدركه نخبة المؤمنين، على القيم التي تلزم عامة الناس، ف "يرتقون" فوق هذه القيم، وهم في الحقيقة ينحطّون تحتها. ألا يذِّكِر ذلك بإعادة تقييم القيم عند نيتشه الذي لا يؤمن بأي دين، والذي يحتقر ما يسميه "أخلاق العبيد"؟

خاتمة ونقاش حول طبيعة الأخلاق

أدّى الشك في السرديات الكبرى ورفض حصر تفسير العالم أو "الحقيقة" في العلم إلى التشكيك في النظريات الأخلاقية، وفي الأخلاق الكونية، أيضًا، بوصفها خطابًا غربيًا استثمر في علاقات

القوة والسيطرة مع بقية العالم. لا يلتفت هذا الموقف إلى أن بعض التيارات في الإسلام والمسيحية طرحت قيمًا أخلاقية كونية للبشرية جمعاء قبل الحداثة بمدة طويلة، وإن انطلقت من وحدانية الله

وخلقه الكون والبشر جميعًا واستخلافه الإنسان في الدنيا، لا من الحداثة وادعاء مركزية الإنسان فيها. انطلق فكر ما بعد الحداثية في هذا السياق من التشكيك في الأسس التي قامت عليها النظرية الأخلاقية. وطاولت ريبيتها أي نظرية أخلاقية شاملة، سواء أُِّسِسَت على الشريعة الإلهية، أم العقلانية الكونية، أم

افتراض جوهر للإنسان، أم على معطيات في الطبيعة البشرية. وبدلًا من ذلك، تُفهَم الأخلاق بوصفها سرديات محلّية، لكٍّلّ منها مشروعيتها ضمن حدودها التاريخية والمكانية، من دون ادعاء نظرة شمولية

مطلقة إلى ما تسميه "الحقيقة الأخلاقية". لاحظ الافتراض الكامن في مقاربة تيار ما بعد الحداثة وتعاملها مع نظريات الأخلاق كما تتعامل مع العلم، على الرغم من الفرق الجوهري بين النظريات العلمية وما يسمى "نظريات أخلاقية"! فالأخيرة ليست نظريات علمية، وإنما مقولات فلسفية. وهي مقولات عقلانية متماسكة منطقيًا، ولكنها تنطلق من افتراضات غير مثبتة، تطرح نموذجًا للتفسير من

جهة، وقيمًا أخلاقية يُصبَى إليها من جهة أخرى، إنها نظريات معيارية Normative Theories. وتفترض الفلسفات الأخلاقية الحديثة وجود حٍّسٍ إنساني يمكن أن يشكّل أساسًا للقواعد الأخلاقية.

وثمة فرق بين نقد النظريات الأخلاقية التي تعتمد مبدأً محددًا تشتق منه القواعد الأخلاقية من جهة،

ونقد الأخلاق الكونية من جهة أخرى. فهذه غير مرتبطة بوجود نظريات أخلاقية كونية. والتصرف الأخلاقي الذي يتضمن إيمانًا بوجود الإنسان، كائنًا مشتركًا بين جميع البشر، ليس بالضرورة أن يكون منطلقًا من معرفة نظرية ما في فلسفة الأخلاق. ثمة فرق بين مواقف البشر وسلوكياتهم في حياتهم اليومية وصياغة ذلك في قواعد عامة كما تفعل المذاهب الفلسفية الأخلاقية مثل العواقبية والمنفعية والواقعية والديونطولوجية وغيرها. فذلك جهد فلسفي شبيه بجهد فلاسفة ما بعد الحداثة. ولا يَسُنّ هذا الجهد قوانين أخلاقية، بل ينمّط مواقف

وتصرفات وترددات قائمة في الحياة. وقلّما تُذكَر نظريات الأخلاق في الحياة اليومية، أو يشار إليها في الصحف، فضلًا عن وسائل التواصل، بل تناقشها المؤتمرات الأكاديمية والدوريات. وربما تُقتبَس

عند التعليق على سياسات حكومية أو عملية تشريع في البرلمان من زاوية نظر هذا المذهب أو ذاك في الفلسفة الأخلاقية. إذا نظرنا إلى الأخلاق بوصفها سارية المفعول ضمن فئة من الأشخاص تشمل المجتمع البشري بأكمله، فإنها تختص باحترام الحياة البشرية، والكرامة، وسعي الآخرين لتحقيق سعادتهم أيضًا. وهي تؤدّي إلى المحظورات المتعلقة بتحريم القتل وإيذاء الجسد والسرقة وغيرها من الأفعال التي تتناقض مع هذه القيم. يمكن القول إن الأخلاق في هذه الحالة عميقة وشاملة وربما حتى متجذّرة في طبيعة البشر، أو استعداداتهم الأخلاقية الطبيعية، وينجم عن خرقها وخز ضمير طبيعي وباطني. وإن كان الطبيعي في رأينا أن تسري الأخلاق الديونطولوجية تجاه البشر بما هم بشر، أي أن تكون قيمًا كونية،

فإنّ المعضلة تكمن في أن الانتماء إلى جماعات يجعلها سارية داخل الجماعة أولًا، ومشروطة خارج الجماعة بشروط وظروف متنوعة، مع وجود اختلافات في فهم الأفراد لحدود الجماعات. فقد يتسع أفق الفرد إلى درجة الانتماء إلى الجماعة البشرية عمومًا، كما جاء في مبدأ المدينة الكونية عند زينون

الرواقي وشعارها "كل البشر إخوة". يصعب تصور ممارسة علمية من دون نظريات وقوانين، أما الممارسة الأخلاقية فجارية مجرى الحياة ذاتها، في الحداثة وفي غير الحداثة. يتخذ الإنسان مواقف أخلاقية من خلال التعامل اليومي مع البشر بدءًا من عائلته ونهاية بمن يصادفه في طريقه، ثم في معاملاته المعيشية من دون نظريات

أخلاقية. وهو يفعل ذلك لأن لديه قيمًا معينة ودوافع أخلاقية وغير أخلاقية. وإذا لم تكن ثمة قيم

عمومية سائدة في مجتمع ما، فضلًا عن القوانين، يتبين أن الاعتماد على المسؤولية الأخلاقية للأفراد وحساباتهم الفردية وحدها لا يكفي البتّة. ولا ينشأ من ذلك مجتمع ما بعد حديث، بل حالة من الفوضى. ولكن الأعراف والقوانين والقيم السائدة وحدها لا تصنع مجتمعًا أخلاقيًا، فلهذا،

لا بد من وجود عدد من الأفراد الأخلاقيين القادرين على مساءلة هذه الأعراف والقوانين والقيم السائدة.

(4((تشارلز تايلر، منابع الذات: تكوّن الهُويّة الحديثة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي (بيروت: المنظمة

العربية للترجمة، 2014)، ص.43

نحن لا نَسِمُ قيمًا ما بسمة الكونية لأن جميع الناس يتصرفون بموجب قيم كونية، ولا الحكومات

تنطلق منها. إن القيم الكونية هي قيم مصوغة بحيث تنطبق على جميع البشر، وربما تصاغ بوصفها "حقوقًا طبيعية" للإنسان بما هو إنسان. وقد عُممت وأصبحت تحظى بشرعية، ويمكن الدفاع عنها. وبات من الصعب إصدار أحكام أخلاقية نقدية (خارج نطاق العلاقات الشخصية) على سلوك الأشخاص وسياسات المؤسسات ومواقف الدول، بحيث تكون هذه الأحكام مفهومة للآخرين، من دون الاستناد إلى قيم كونية. ويمكن افتراض أن المنطلق إلى ريبية ما بعد الحداثة لم يكن انهيار نظريات علمية أمام ناظري مفكري النصف الثاني من القرن العشرين هؤلاء، وإن لجؤوا لاحقًا إلى توماس كون وفييرابند وغيرهما لإسناد نسبانيتهم العلمية، بل كان أخلاقيًا ناجمًا عن الخيبات الكبرى في إطار الحضارة الغربية: فظائع الحرب

العالمية الثانية والمحرقة النازية، واستلاب الإنسان الفرد في المجتمع الجماهيري والاستهلاكي الذي تسود فيه المشهدية الإعلامية، والخيبة من تمخض تطبيق الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية عن دكتاتوريات، وتوليد المجتمع الرأسمالي المتطور لعملية تسليع كل شيء بما في ذلك الثقافة. لم يكن مفكرو ما بعد الحداثة أكثر حساسية من غيرهم عند التعرض لهذه الصدمات. فالعديد من الماركسيين غادروا الماركسية بعد تدخل السوفيات في هنغاريا (1956)، وبعد الكشف عن جرائم الستالينية خلال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، ولجأ بعض الماركسيين إلى كانط لتصحيح الخلط بين النظرية والقيم الأخلاقية في المادية التاريخية، وتعرضت مدرسة فرانكفورت بالنقد للثقافة الجماهيرية وتسليعها منجدلية التنوير لأدورنو وهوركهايمر وحتى كتاب الإنسان ذو البعد الواحد وكتاب العقل والثورة عند هربرت ماركوزه. وتضمنت كتاباتهم نقدًا معمقًا ذا بعد تحرري لواقع الحداثة الغربية، ولكنه مناهض للاستغلال الرأسمالي وسلطوية الأنظمة الاشتراكية البيروقراطية. ولذلك، ففي رأيي أن هذه الصدمات لا تكفي في تفسير الريبية والنسبانية الأخلاقية، بل إنّ ما قاد إلى ما يسميه ليوتار "فقدان السلطة"، التي كانت تتمتع بها منظومات القيم التقليدية، هو هشاشة البيئة الفلسفية الفرنسية في ظل الحكم الفرنسي المتواطئ مع النازية، والذي لم تتمكن من نقده عينيًا، ولا محاسبة الذات على عدم نقده حين واصل فلاسفة فرنسيون وألمان إنتاجهم في ظله.

واكتشف هذا التيار القلِق في الفلسفة الفرنسية جوانب ثورية نقدية في فكر كل من نيتشه وهايدغر المفكرَين الأقل تأهيلًا وصلاحية لتشكيل نقاط ارتكاز لنقد النازية والفاشية. فقد تأثر بهما النازيون

(أساؤوا تفسيرهما كما يرى غيري) أكثر مما تأثروا بأي مفكر حداثي آخر. وانتقل ما بعد الحداثيين

((4(حوّلها بعض المفكرين ما بعد الحداثيين إلى مجال الحرية والفردية، ورأوا في "التقليعة" ظاهرة تمرّد وتصميم للشخصية

الفردية غير الملتزمة بأي قواعد على مستوى المظهر أو "الستايل". النموذج الأقوى تعبيرًا عن ذلك والذي يعد نفسه متجاوزًا

ما بعد الحداثية إلى الحداثة المفرطة هو جيل ليبيتوفسكي. ينظر:

Gilles Lipovetsky & Sebastien Charles, Hypermodern Times (Cambridge: Polity Press, 2005).

وهذا الكتاب هو من أوضح ما يعبّر عن أن فكر ما بعد الحداثة هو ظاهرة مرتبطة بالرأسمالية المتأخرة.

إلى محاسبة الثقافة الغربية بمجملها بعد الحرب العالمية الثانية. وحين بدأت هذه العملية انطلاقًا من النقد النخبوي الطابع (وما قبل الحداثي بسبب طابعه الأرستقراطي) الذي وجهه نيتشه إلى منظومة القيم السائدة، طورت ديناميكيتها الذاتية، وتحوّل نقد نيتشه ما قبل الحداثي إلى ما بعد

حداثي (ومن سخرية تاريخ الأفكار أنه حين يُصَدَّر نقد نيتشه للقيم "إلينا" بلبوس ما بعد حداثي،

فإنه يعود ما قبل حداثي كما بدأ). وفي هذا السياق، بات لا بد من إعادة التفكير في منشَأ الأخلاق

أصلًا. فإذا زال الإيمان بوجود أُسس أو استعدادات أخلاقية في طبيعة الإنسان بما هو إنسان،

أو بإمكانية وجود قيم كونية، فإن منشَأ الأخلاق يصبح عارضًا ومعتمِدًا على السياق التاريخي والثقافي. وهي عبارة تفسر كل شيء، ولذلك فهي لا تفسّر خصوصية أي ظاهرة، وعدم فهم ما يميز

الظاهرة من غيرها يعني عدم فهمها. يضاف إلى ذلك أن فلسفة ما بعد الحداثة نشأت بعد فشل ثورة الطلاب أو الثورة الثقافية في ستينات القرن العشرين في تحقيق ثورة سياسية، مع أنها أسهمت في تغيير ثقافة المجتمعات الغربية في اتجاه توثيق الصلة بين الديمقراطية والليبرالية وتوسيع نطاق الحرية الفردية. وأبقت على الراديكالية على مستوى الخطاب فقط في التشديد على الاختلاف والتعدّد، كما لو كانت

قوى الخير، في مقابل الوحدة والهوية والكونية والكلّية والنظام، كما لو كانت قوى الشر. يَعرِف

روّاد هذا التيار بوجود التناقض ويعترفون به، ولكنهم غير مستعدين لرؤيته بكلّيته، فينحازون إلى

هذا الجانب من التناقض، مثلًا بين الاختلاف والهوية وبين التعدّد والوحدة وغيرها. وفي سياق الانحياز المسبق إلى هذا ضد ذلك، يمكن أن تكون ما بعد الحداثة إقصائية ورقابية وأرثوذكسية. فهي ترحب باستخدام مصطلح الجندر وتنبذ الطبقة، وترحب بخصوصية الثقافة وتقصي الطبيعة البشرية، وتكثر الحديث عن الجسد واللذة والقوة، وتتجنب تناول العدل والمساواة، وتسرف في استخدام ما بعد الاستعمار متجنبةً حركات التحرر وبناء الدولة، كما تتجاهل في نقدها لليبرالية أن الحياة في ظلّها أفضل من الحياة في ظلّ الطغيان، لأنها تمتنع عن رؤية الظاهرة بكلّيتها، ومن ضمن ذلك ظاهرة الديمقراطية الليبرالية في تناقضاتها وتطورها. ليس الفكر ما بعد الحداثي عدميًا متخليًا عن الأخلاق، بل إنه يعيد تصوّرها بوصفها أخلاقًا سياقية،

تعددية، متمركزة حول "الغيرية" وتكوين الذات من دون أُسس تقوم عليها. فهل يصح – بناءً على

ذلك – توجيه تهمة النسبوية الأخلاقية إليها؟ وهل يمكن بناء منظور أخلاقي متماسك في غياب أُسس؟ تركّز أخلاق ما بعد الحداثية اهتمامها على "الآخر" (سواء أكان الآخر شخصًا عينيًا أم مجرد منتمٍ إلى

ثقافة مختلفة ومصنف على هذا الأساس)، وعلى علاقة الذات بذاتها، بدلًا من الانشغال بالواجبات أو المبادئ المجردة. ففي حين قد يتساءل الأخلاقي الحداثيّ: "ما هو الفعل الصحيح كونيًا في هذا

الموقف؟"، أو "كيف يتصرف شخص أخلاقي في هذه الحالة؟"، أو "كيف أمارس تعريفي لنفسي من

((4(تايلر، ص.48–47

خلال الفعل الأخلاقي؟"، فإن الأخلاقي ال "ما بعد حداثي" يرجّح أن يسأل: "ما طبيعة العلاقة التي

تربطني بهذا الآخر المتفرّد في هذا الموضع الزماني – المكاني تحديدًا، وما الالتزامات الأخلاقية

التي تتولّد من تلك العلاقة؟". وسرعان ما يتضح أن هذا غير ممكن من دون افتراض استعدادات أخلاقية في الإنسان بما هو إنسان أو قواعد أخلاقية يمكن التصرف بموجبها أو تجاوزها، ما يعيدنا في الحقيقة إلى تساؤلات عما قد يسمى على نحو غير دقيق وتعسفي "الأخلاقي الحداثي". فالتمييزات الصحيحة التي قد تصنع فرقًا في السلوك الأخلاقي لم تشغل مفكري ما بعد الحداثة، وهي: أوالًا، التمييز بين إنسان تشغله الاعتبارات القيمية المتعلقة بما يجب عليه، وآخر يسارع إلى تهميش الاعتبارات الأخلاقية لصالح أخرى عند أول امتحان؛ وثانيًا التمييز بين شخصيتين بموجب

السؤال حول نوع الاعتبارات الأخلاقية في سلوكهما وحياتهما عمومًا، ووزنها عند كل منهما في

مقابل المصالح والمخاوف وحسابات أخرى؟ وثالثًا التمييز بين الفرد المتمتع باستقلالية فردية، سواء أَسُمّي حداثيًا أم لا، من جهة، والفرد المقَّيَد بأعراف جماعة ينتمي إليها ويتصرف من خلال أعرافها

وتحديدها لما هو حسن وما هو قبيح في كل حال من جهة أخرى؛ ورابعًا، التمييز بين شخصية إنسان فرد مستقل لديه اعتبارات أخلاقية قوية من جهة، وشخصية إنسان تعني الأخلاق بالنسبة إليه الالتزام

بالقوانين والامتناع عن فعل ما تنهى عنه، ولكنه غير مبالٍبفعل أي خير لصالح من لا ينتمي إلى عائلته الصغيرة أو لجماعة انتماء يتعصب لها. هذه في رأيي أسئلة مهمة لا يشغل معظمها فلسفة الأخلاق الحديثة، ولا نقد ما بعد الحداثيين الموَّجَه إليها. وتخطر بالبال تمييزات أخرى عديدة بين أخلاقي وغير أخلاقي، كانت جميعها، وما زالت أشد وجاهة من التمييز بين أخلاقي حداثي وآخر ما بعد حداثي. وإذا قيّم إنسان عادي سلوك كتّاب مقالات صعبة

الفهم في الفكر ما بعد الحداثي وسيرتهم خارج الكتب والنقاشات، ولو في الأروقة الجامعية، فقد تفيد التمييزات أعلاه أكثر مما يفيد التمييز بين شخص حداثي وآخر ما بعد حداثي. وحينئذ يتبين أن كًّلا من نقد الكونية، وتمجيد الغيرية والاختلاف، والانحراف عن النماذج المعيارية نحو مشروع تكوين الذات النيتشوي الجمالي الطابع، لا يفيد كثيرًا في تحديد إذا ما كان الشخص يعامل الناس

باحترام، ويمتنع عن الإساءة إلى الآخرين والاستخفاف بمشاعرهم، ولا يزيف مشاعره، ويساعد من يحتاج إلى مساعدة، ولا يصنف البشر إلى مراتب من حيث قيمتهم، وإذا كان عنصريًا أم لا، وإذا كان

يقف موقف المتفرج تجاه إبادة شعب آخر أم لا.

References

المراجع

العربية

إيغلتون، تيري. أوهام ما بعد الحداثة. ترجمة ثائر ديب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني/ المجلد الأول: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

_________. مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 _________. الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2024 بغورة، الزواوي. ما بعد الحداثة والتنوير: موقف الأنطولوجيا التاريخية: دراسة نقدية. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2009 تايلر، تشارلز. منابع الذات: تكوّن الهُويّة الحديثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة هيثم غالب الناهي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2014 سوكال، آلان وجان بريكمون. هراء عصري: سوء استخدام مفكري ما بعد الحداثة للعلم. ترجمة نجيب الحصادي. مراجعة وتقديم رجا بهلول. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2025 فوكو، ميشيل. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغورة. الكويت: صوفيا،.2020 _________. الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع صفدي [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.]. فييرابند، بول. العلم في مجتمع حرّ. ترجمة السيد نفادي. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000 هتشيون، ليندا. سياسة ما بعد الحداثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

يونس، شريف. سؤال الهوية: الهوية وسلطة المثقف في عصر ما بعد الحداثة. القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات،.1999

الأجنبية

Aylesworth, Gary. "Postmodernism." The Stanford Encyclopedia of Philosophy Archive (Spring 2015 Edition). Edward N. Zalta (ed.). at: https://acr.ps/1L9BPdZ Bauman, Zygmunt. Postmodern Ethics. Oxford: Blackwell, 1993. Breazeale, Daniel (ed. & trans.). New Jersey/ London: Humanities Press, 1979. Nietzsche, Friedrich. On the Genealogy of Morals. New York: Vintage Edition, 1967. _______. Beyond Good and Evil. Marion Faber (ed. & trans.). Robert C. Holub (intro.). Oxford: Oxford University Press, 1998. D. Schrift, Alan. Poststructuralism and Critical Theory’s Second Generation. New York: Routledge, 2014.

Derrida, Jacques. The Gift of Death. David Wills (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 1995. Foucault, Michel. Language, Counter–Memory, Practice: Selected Essays and Interviews. Donald F. Bouchard (ed.). Donald F. Bouchard & Sherry Simon (trans.). Ithaca, NY: Cornell University Press, 1977. _______. The History of Sexuality, Volume 2: The Use of Pleasure. Robert Hurley (trans.). New York: Penguin Books, 1985. _______. Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason. Richard Howard (trans.). David Cooper (intro.) London/ New York: Routledge, 1989. _______. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Alan Sheridan (trans.). 2 nd ed. New York: Vintage Books, 1995. _______. The History of Sexuality, Volume 1: The Will to Knowledge. Robert Hurley (trans.). New York: Penguin Books, 1998. Griffin, James. What Can Philosophy Contribute to Ethics. Oxford: Oxford University Press, 2015. Jencks, Charles. The Language of Postmodern Architecture. London: Academy Editions

L. Cioffi, Frank. "Postmodernism, Etc.: An Interview with Ihab Hassan." Style. vol. 33, no. 3. Postmodernism and Other Distractions: Situations and Directions for Critical Theory (1999). Lipovetsky, Gilles & Sebastien Charles. Hypermodern Times. Cambridge: Polity Press,

Lyotard, Jean–François. The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Geoff Bennington & Brian Massumi (trans.). Foreword by Fredric Jameson. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984 [1979]. Lyotard, Jean–Francois & Jean–Loup Thebaud. Just Gaming. Wlad Godzich (trans.). Minneapolis: University of Minnesota Press, 1979. Philosophy and Truth: Selections from Nietzsche’s Notebooks of the Early 1870s. Rabinow, Paul (ed.). The Foucault Reader. London: Penguin Books, 1991. Smulewicz–Zucker, Gregory & Michael J. Thompson (eds.). Radical Intellectuals and the Subversion of Progressive Politics: The Betrayal of Politics. New York: Palgrave Macmillan, 2015. Táíwò, Olúfẹ́́mi. Against Decolonization: Taking African Agency Seriously. London: Hurst, 2022.