في تلقّي الفكر الفلسفي العربي المعاصر لما بعد الحداثة: بحث في القراءة والتوظيف والتجديد
On Postmodernism in Contemporary Arab Philosophical Thought: An Inquiry into Interpretation, Appropriation, and Renewal
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى البحث في كيفية تلقي الفكر الفلسفي العربي المعاصر لفلسفة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال النظر في ثلاثة عناصر متكاملة متمثلة في الترجمة المباشرة وغير المباشرة، والتلقي النقدي والتأسيسي، مع تحليل أولي لمسألة الهوية والاختلاف، بحيث تشكّل في مجملها إجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية هي: كيف تلقّى الفكر الفلسفي العربي المعاصر فلسفة ما بعد الحداثة؟ وكيف وظّفها في بحث قضاياه؟ وهل مكّنته من تجديد مقارباته؟ وللإجابة عنها، اعتمدت على التحليل التاريخي والفلسفي الذي كشف عن حضور فاعل لبعض مفاهيم الحداثة البعدية العربية.
Abstract
Abstract: This study asks how contemporary Arab philosophical thought has received postmodern philosophy by examining three interconnected elements: direct and indirect translation, critical and foundational reception, and a preliminary analysis of identity and difference. It attempts to answer three main questions: How has contemporary Arab philosophical thought received postmodern philosophy? How has it employed postmodernism in addressing its own issues? And has postmodernism enabled Arab thought to renew its approaches? The study employs historical and philosophical analysis, revealing the active presence of some concepts of Arab postmodernity.
- الترجمة
- النقد
- الهوية
- الاختلاف
- ما بعد الحداثة
- Translation
- Criticism
- Identity
- Difference
- Postmodernism
والاختلاف، بحيث تشكّل في مجملها إجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية هي: كيف تلقّى الفكر
الفلسفي العربي المعاصر فلسفة ما بعد الحداثة؟ وكيف وظّفها في بحث قضاياه؟ وهل مكّنته من تجديد مقارباته؟ وللإجابة عنها، اعتمدت على التحليل التاريخي والفلسفي الذي كشف عن حضور فاعل لبعض مفاهيم الحداثة البعدية العربية.
أولا: في التلقي
كيف تلقّى الفكر الفلسفي العربي المعاصر فلسفة ما بعد الحداثة؟ وما المشكلات التي أثارها هذا التلقّي لدى الباحثين والمفكرين العرب المعاصرين؟ وهل اختلف تلقّيه لما بعد الحداثة، بوصفها تيارًا فلسفيًا معاصرًا، عن تلقّيه لسائر التيارات الفلسفية الغربية التي وسَمت تاريخ الفكر العربي
المعاصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم؟ في الواقع، لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة الأساسية، وسواها من الأسئلة الفرعية، من دون الإشارة إلى بعض القواعد المنهجية التي أحرص على اتّباعها في هذه الدراسة، منها: أولًا، إنّ الفصل بين الفكر الفلسفي وبقية أشكال الفكر الأخرى، كالأدب والفن، في موضوع ما بعد الحداثة الذي تتداخل فيه هذه الأشكال تداخلًا يكاد يكون عضويًا، هو فصل
منهجيّ يقتضي التركيز على مدونة فلسفية أولية سيتعرف إليها القارئ في أثناء الدراسة. ثانيًا، سيكون من
غير الممكن مناقشة موضوع تلقّي ما بعد الحداثة بمعزلٍعن الموقف من الحداثة ذاتها؛ إذ إنّهما يشّكلّان، كما يُقال، وجهين لعملة واحدة. ثالثًا، سأعالج المدونة الخطابية لما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي
العربي من الزاويتين التاريخية والتحليلية، فقد مرّ على هذا الخطاب ما لا يقل عن ثلاثة عقود؛ ما يجعل
من الضروري مساءلة سياقه، ورصد تطوره، وتحليل أشكال توظيفه. وبهذا المعنى، أحسب أنّ منتصف ثمانينيات القرن العشرين تمثّل بدايةً لتلقّي ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وهو ما تشهد عليه المدونة النصية التي سأعتمد عليها، والتي سأحاول أن أقاربها من منظور القراءة والتلقّي، وليس من منظور التأثير والتأثّر، فما المقصود بهذا التمييز الأخير؟ تعتمد المناهج التاريخية التقليدية في دراستها الأفكار على قاعدة "التأثير والتأثّر"؛ إذ تهدف إلى الكشف عن دور الأفكار في تشكيل السياقات والبنى الفكرية، فلفظ التأثير يفيد من الناحية اللغوية ترك الأثر في الآخر، وأما لفظ التأثّر فيشير إلى حصول أثر من شيء من الأشياء أو فكرة من الأفكار، ومن ثمّ يفيد التأثير
الفعلَ الإيجابي، في حين يدل التأثّر على الموقف السلبي، وهذا يعني أن المؤِّثِر يكون فاعلًا، والمتأثر يكون منفعلًا، إذا استعملنا الاصطلاح الأرسطي القديم، وبذلك يتحول التأثير إلى طرف مؤثر وأصيل، ويشغل مكانة المصدر والأصل والمنبع، يليه الطرف المتأثر الذي يكون فرعًا، وتقليدًا، وتابعًا. يُعدّ هذا المنهج شائعًا في الدراسات التاريخية والأدبية، لا سيّما الأدب المقارن، حيث ارتبط بالمدرسة
التاريخية الفرنسية التي سعت لإثبات الروابط التاريخية بين ما يُعدّ "مصدرًا" و"أصلًا " من جهة، وما يُنظر
إليه على أنه "فرع" أو "تقليد" من جهة أخرى، وذلك بهدف التأكيد على بطلان فكرة "الاكتفاء الذاتي"، وإثبات التأثير في ما بين بعض الثقافات أو الحضارات. وفي ذلك، اشتهر كثير من المستشرقين بهذا المنهج الذي يعتمد على اللغة واشتقاقاتها لبيان مواطن التأثير والتأثر، مع التركيز على المصادر والوثائق والنصوص التاريخية، وإجراء المقارنات اللازمة بينها، مع تغليب ما يعتبرونه أصلًا أو مصدرًا، مثلما هو
الحال بالنسبة إلى الفلسفة اليونانية في علاقتها بالفلسفة الإسلامية كما يرى ذلك عبد الرحمن بدوي (2002–1917) على سبيل المثال.
(((الزواوي بغورة، "في تلقّي الفلسفة اليونانية في الحضارة الإسلامية: موقف عبد الرحمن بدوي (2002–1917)"، في: الترجمة
وإشك لاات المثاقفة، عبد الحكيم شباط (تقديم وتحرير) (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2019)، ص.703–675
وفي تقديري، يتيح لنا ما قدّمه بيير بورديو (2002–1930)، وإدوارد سعيد)2003–1935(، وغيرهما،
تشكيل العناصر المنهجية التي تمكّننا من تجاوز منهج التأثير والتأثر، ويبيّن بعض سمات "منهج التلقّي"،
بالقدر الذي يمكننا فيه القول إنّ منهج التأثير والتحليل اللغوي الفيلولوجي القائم على دراسة النصوص
والبحث عن أصولها التاريخية قد تجاوزته المناهج النقدية المعاصرة، وبخاصة تلك التي تركّز على انتقال
الأفكار والنظريات، وعلى المتلقّي والقارئ، سواء من جهة التركيز على السياق الاجتماعي لعملية انتقال
الأفكار، أو من حيث الاهتمام بأشكال الوعي النقدي، إضافةً إلى ما يعرف بجماليات التلقّي التي على
الرغم من اختلافاتها، فإنّها تتفق على نقطة مركزية تتمثل في نقل الاهتمام من المؤلف إلى القارئ الذي لم
يعد متلقّيًا سلبيًا، بل أصبح منتجًا للمعنى، عبر ما يُعرف ب "استجابة القارئ" التي تعكس خصوصية الفهم
وفرادة التأويل. وعلى هذا الأساس، أصبح القارئ يُسهم على نحو فعال في إنتاج المعنى، ولم يعد السؤال
محصورًا في الإجابة عن: ما الذي يعنيه النص؟ بل: كيف يُكوّن القارئ المعنى؟ وما القراءة التي يمنحها
للنص؟ وذلك بسبب إدراكها أَّنَ كل قراءة ليست إلا نتيجة "للاستراتيجيات التي يمتلكها [القارئ"]. بهذا المعنى الأولي، نستطيع القول إنّ منهج التلقّي يتجاوز المنهج النقدي القديم القائم على ثنائية التأثير
والتأثر، والأصالة والتقليد، والإبداع والاتباع، ليفتح المجال واسعًا لفهم المتلقّي أو القارئ، ويعمل على
بيان إسهامه في عملية إنتاج المعنى الجديد. ومن ثمّ، ليس السؤال الأساسي في هذه الدراسة هو: كيف
تأثر المفكرون العرب بما بعد الحداثة؟ وإنما: كيف قرؤوا ما بعد الحداثة، سواء أكان ذلك في ترجماتهم
أم في إنتاجهم الفكري؟ وما قيمة هذه القراءة وجديدها؟ وما موقعها مقارنةً بالفلسفات الغربية التي عرفها الفكر الفلسفي العربي المعاصر، انطلاقًا من افتراض أنّ ما بعد الحداثة تُعدّ نقدًا للحداثة؟ أما السؤال
الذي يُطرح في هذه الحالة، فهو: ما قيمة النقد الذي تقدّمه ما بعد الحداثة في السياق العربي، وبخاصة
(2) Pierre Bourdieu, "Les conditions sociales de la circulation internationale des idées," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 145 (Décembre 2002), pp. 3–8.
(((إدوارد سعيد، "انتقال النظريات"، ترجمة أسعد زروق، في: الإسلام والغرب: مق لاات ودراسات مختارة، سعيد البرغوثي (محرر)، تقديم فيصل دراج (دمشق: دار كنعان، 2014)، ص.119–81 (((جين ب. تومبكنز، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط 4 (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.)2016
(5) Bourdieu, pp. 3–8.
(((لا وجود عند إدوارد سعيد للقراءة "الحيادية أو البريئة"؛ لأنّ كل قارئ هو إلى "حد ما، نتاج وجهة نظرية ما، مهما كانت وجهة
النظر هذه متضمنة أو لا واعية. [وأنّه من المهم] أن نميّز النظرية عن الوعي النقدي، والقول بأنّ هذا الأخير [...] نوع من ملكة
القياس من أجل تعيين موقع النظرية، أو تحديد مكانها [...] والوعي النقدي إدراك للفوارق بين الأوضاع، وكذلك إدراك للحقيقة القائلة إنّه ما من نظرية [...] تغطي الوضع الذي نشأت فيه أو الذي تنقل إليه. وفوق كل شيء، فإنّ الوعي النقدي هو إدراك لنظرية
المقاومات، وردود الفعل نحوها [...] أو التفسيرات الملموسة التي تتنازع معها". واستنتج من هذه القواعد العامة مجموعة من السمات التي تميز هذا الانتقال، وأهمها: 1. نقطة المنشأ أو مجموع الظروف الأولية التي أبصرت فيه الفكرة أو النظرية النور، وأصبحت موضوعًا للمناقشة. 2. المسافة التي تقطعها من نقطة المنشأ إلى نقطة الوصول مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أشكال
الضغط التي تمارسها عليها القرائن. 3. شروط القبول في نقطة الوصول، وبخاصة أشكال المقاومة التي تواجها الفكرة أو النظرية
القادمة. 4. عمليات التحويل الجزئي أو الكلي التي ستجري للفكرة أو النظرية من خلال استعمالاتها الجديدة. ينظر: سعيد، ص.119–81 (((رامان سلدن، من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة ماري تريز عبد المسيح (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006)، ص.14 (((المرجع نفسه، ص.36
إذا ما اعتبرنا أنّها تسعى لمساءلة المفاهيم السائدة وفتح أفق معرفي لفهم "الآخر" أو "المختلف"؟ فهل
قدّمت ما بعد الحداثة لهذا "الآخر" المختلف الأدوات اللازمة للنقد؟ وكيف وظّفها "الآخر"؟
ثانيًا: في الترجمة
قد يكون القول إنّ تلقّي الفكر الفلسفي العربي المعاصر لما بعد الحداثة كان تلقًّيًا نقدًّيًا، منذ البداية،
غير مجانب للصواب. وعلى الرغم من صعوبة رسم نقطتي البداية والنهاية، ما دامت هذه العملية قائمة، وتشهد عليها الكتابات العربية الآنية، ومنها هذا الملف الذي تخصصه دورية تبيّن، فإنّ بعض المؤشرات
تسعفنا في تعيين البداية التي من المرجّح أن تكون في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وذلك
عندما بدأت تظهر ما اصطُلح عليه ب "المشاريع الفكرية العربية"، التي نجد في بعض منها، على الأقل، إحالات إلى فلسفة ما بعد الحداثة بمعناها العام وليس الخاص. والمقصود بذلك أنّها لا تحيل إلى
نص جان–فرانسوا ليوتار Jean–François Lyotard (1924–1998) الوضع ما بعد الحداثيفحسب، وإنّما إلى حركة فلسفية عامة تتحدّد بنصوص ليوتار وغيره من نصوص الفلاسفة الفرنسيين أو غيرهم
الذين يُصَنَّفون ضمن تيارات ما بعد البنيوية، مثل ميشيل فوكو Michel Foucault)1984–1926(، أو
فلسفة الاختلاف عند جيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925)، أو التفكيك عند جاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930)، أو التأويلية عند جياني فاتيمو Gianteresio Vattimo (2023–1936)، أو البراغماتية الجديدة عند ريتشارد رورتي Richard Rorty)2007–1931(. بيّن كثير من الباحثين التقاطعات القائمة بين هذه الفلسفات التي تُدرج ضمن فلسفة ما بعد الحداثة
وتصَّنَف وفقها، وتلا ذلك تلٍّقٍ عربٌّيٌ مباشر لما بعد الحداثة في التسعينيات، وهو التلقّي الذي لا يزال
قائمًا حتى اليوم، سواء أكان ذلك في شكل ترجمات أم تأليفات، مثلما تجلّى في مجموعة مهمة من
(((إذا اعتبرنا أنّ فوكو واحدٌ من فلاسفة ما بعد الحداثة، فإنّنا نعلم أنّ كثيرًا من المفكرين العرب قد استعملوا مفاهيمه منذ النصف
الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، ومنهم بخاصة محمد عابد الجابري، وفتحي التركي، ومطاع صفدي، ومحمد أركون. ينظر على
سبيل المثال لا الحصر: الزواوي بغورة، ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر (بيروت: دار الطليعة،.)2001 ((1(تُرجمت بعض نصوص هذا الفيلسوف في التسعينيات، ولم تعرف الكتابة الفلسفية العربية حوله اهتمامًا كبيرًا، مقارنة بغيره من
الفلاسفة الفرنسيين، ولم تُوظّف مفاهيمه الكثيرة، باستثناء السرديات الكبرى والصغرى، وبخاصة المفهوم الفلسفي لما بعد الحداثة
الذي يعود الفضل إليه في بلورته وتحديده. ينظر: جان–فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة أحمد حسان (القاهرة:
دار شرقيات، 1994)؛ جان–فرانسوا ليوتار، في معنى ما بعد الحداثة: نصوص في الفلسفة والفن، ترجمة السعيد لبيب (الدار البيضاء:
المركز الثقافي العربي، 2016)؛ جان–فرانسوا ليوتار، لماذا نتفلسف؟ ترجمة يوسف السهيلي (بيروت: دار التنوير، 2017)؛ وبالنسبة
إلى الدراسات، ينظر: جيمس وليامز، ليوتار: نحو فلسفة ما بعد الحداثة، ترجمة إيمان عبد العزيز (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،
2003)؛ وفي تقديري أنّ الدراسة الأكاديمية والشاملة هي الدراسة التي قدّمها: السعيد لبيب، جان فرانسوا ليوتار ونقد الفكر الشمولي
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022 ((1(لا أناقش في هذه الدراسة فوكو بوصفه واحدًا من فلاسفة ما بعد الحداثة أو في علاقة الفكر الفلسفي العربي المعاصر به،
وذلك لأنّني خصّصت لهذ الموضوع كتابًا يمكن العودة إليه. ينظر: الزواوي بغورة، ما بعد الحداثة والتنوير: دراسة نقدية لموقف
الأنطولوجيا التاريخية (بيروت: دار الطليعة،.)2009 (1((صلاح إسماعيل، البراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتي (القاهرة: دار رؤية، 2019)، ص.43–42 ((1(ثمة دراسات كثيرة تبيّن التقاطعات القائمة بين هذه الفلسفات التي تصنّف ضمن ما بعد الحداثة. ينظر على سبيل المثال:
مجدي عبد الحافظ، "نحن بين الحداثة وما بعدها"، قضايا فكرية، العدد 20–19 (1999)، ص 278–263؛ مجدي عبد الحافظ، "موقع
العقل في فلسفات ما بعد الحداثة"، عالم الفكر، مج 41، العدد 2 (2012)، ص.172–137
المجلات الفكرية والأدبية والثقافية، إضافة إلى المؤتمرات والملتقيات والندوات العربية التي عُقدت،
فضلًا عن الكتب المترجمة والمؤَّلَفة التي تناولت كلها موضوعاتٍ ترتبط بمقولات ما بعد الحداثة. كانت الترجمة حاضرة في مختلف عمليات التلقي في الفكر العربي المعاصر، وتحديدًا في موضوع
ما بعد الحداثة، ولا تزال كذلك. ففي الوقت الذي نبحث فيه عن مكانتها في الفكر العربي، نجد أنّ الترجمات المتعلقة بها لا تزال تصدر باستمرار، في حين يرى بعض الباحثين والمفكرين الغربيين أنّ
مرحلتها قد انتهت، ولكنها في الفكر الفلسفي العربي لا تزال موضوعًا مفتوحًا للنقاش، بل إنّها لا تزال
موضوعًا لتحديدات أولية؛ وهو ما يعني أنّ البحث العلمي، والفلسفي تحديدًا، في عالمنا العربي
لا يقوم على نوع من المراكمة المعرفية، ومناقشة المنجز وقيمته، ودوره في حياة الأفكار. يمكن تصنيف الترجمة العربية المعاصرة إلى ثلاثة أنماط رئيسة: نمط تترجم فيه نصوص "شارحة"، وآخر "يُعنى بترجمة نصوص "تأسيسية، والثالث الترجمات غير المباشرة التي يعتمد فيها الباحثون العرب
على معرفتهم المباشرة باللغات الغربية، وبخاصة اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية، والإيطالية إلى حٍّدٍ ما. ويستفيد هؤلاء الباحثون من هذه المعرفة في دراساتهم وأبحاثهم ومناقشاتهم لقضايا فلسفية مثل
قضية ما بعد الحداثة. وتمثل الترجمة المباشرة وغير المباشرة تحولًا مهمًا في تاريخ الثقافة العربية الحديثة
والمعاصرة، مقارنةً بالفكر العربي القديم. ويتجلى هذا التوجه الجديد في المصطلحات الفلسفية التي أصبحت أكثر تنوعًا وثراءً وتجدّدًا، على الرغم مما تثيره من مشكلات لغوية ومعرفية. ويبرز هذا التوجه
أيضًا في اعتماد المفكرين العرب على النظريات الغربية لمناقشة قضايا فكرية معاصرة، منها، على سبيل
المثال، قضية العلاقة بين ما بعد الحداثة والحداثة. ومن ثمّ، يبرز التساؤل التالي: ما الذي تعنيه الترجمة
ضمن منظور التلقّي الذي نحاول أن نناقش به موضوع ما بعد الحداثة؟ يوجد العديد من المقاربات المتعلقة بالترجمة، ولا يتّسع المجال هنا لمناقشتها جميعًا، ولكنّ المؤكد
أنّ بعض المفكرين يرون في الترجمة، وبخاصة الترجمة الفلسفية، مرحلة أولية فحسب، تسبق مرحلة
التأليف والتأسيس، حيث تُعتبر الترجمة في هذه الحالة وسيلةً تربوية تهدف إلى تأسيس الفكر الفلسفي
المنشود. وفي تقديري، تعدّ هذه المقاربة جزءًا من المنهج التقليدي الذي يحكمه ثنائي التأثير والتأثر،
وهو منهج لا يسمح لنا بفهم الوظيفة الاستراتيجية للترجمة، ودورها الأساسي في عملية التأليف والكتابة الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة تمثّل حوارًا حول مشكلات وقضايا فلسفية، فإنّ الترجمة الفلسفية هي حوار
بين النصوص واللغات المختلفة، وبناءً عليه: "لا يمكن الفصل بين لحظتين: لحظة إعداد النص وترجمته،
ثم لحظة استخدامه والتفكير فيه". إضافة إلى ذلك، فإنّ: "ترجمة النصوص الفلسفية لا يمكن إّلا أن
(1((بيري أندرسن، أصول ما بعد الحداثة، ترجمة خليد كدري (القاهرة: صفحة 7 للنشر والتوزيع،.)2023 (1((ينظر: محمد بن سباع، "الحداثة وما بعد الحداثة.. تقصّ للمدلولات وتتبع للتحولات"، في: الحداثة وما بعد الحداثة: من
عصر الميتافيزيقا والكليات إلى عالم بلا مركزيات، إشراف محمد بن سباع (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون، 2019)، ص.47–18 ((1(من المعلوم أن معظم كتب فوكو ودريدا، وإلى حد ما دولوز وليوتار ورورتي وفاتيمو، قد ترجمت إلى العربية، كما تُرجمت
دراسات كثيرة تناقش أعمال هؤلاء الفلاسفة، وبعضها ينتقد فلسفاتهم، ومنها بخاصة دراسات هابرماس وتيري إيغلتون. (1((عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة أداة للحوار (الدار البيضاء: دار توبقال، 2011)، ص 37؛ عبد السلام بنعبد العالي، انتعاشة
اللغة: كتابات في الترجمة (إيطاليا: منشورات المتوسط، 2021)، ص.188
تتلبّس الممارسة الفلسفية ذاتها، ولن تعود الترجمة مجرّد فعل في تلك النصوص، وإنّما تغدو تفاعل
معها، ولن تعود تفكيرًا في تلك النصوص، وإنّما [تكون] تفكيرًا بها". ومعنى ذلك أنّ الترجمة هي
من صميم الممارسة الفلسفية، وهي كذلك شكل من أشكال التفلسف. وما يعزّز هذه المقاربة هو
أنّ بعض الترجمات قد حظيت باستخدامات متعدّدة، وأوضح مثال على ذلك هو استخدام نصوص
فلاسفة ما بعد الحداثة في الكتابة الفلسفية العربية المعاصرة؛ أي إنّ هذه الترجمات لم تكن نصوصًا ميّتة
فحسب، وإنّما عرفت استعمالات كثيرة، وشغلت مكانًا في شبكات فكرية وعلاقات متعدّدة، وأثارت
نقدًا، ووُظّفت بطرائق مختلفة، بما يؤكد أنّ ثمة تفاعلًا بين النص المترجم والمؤلف، ومنها مفاهيم فلسفة
فوكو ودريدا ودولوز، حيث يمكننا الوقوف عند المصطلح الفلسفي العربي الجديد، وتشكيل معجم جديد يؤطر الخطاب الفلسفي العربي المعاصر. ومما لا ريب فيه أنّ هذه الترجمات قد مكّنت اللغة الفلسفية العربية من الانفتاح على لغات أجنبية، الذي كان محركه الأساسي هو القراءة، أو بالأحرى، الترجمة بوصفها قراءة، التي وصفها ألبرتو مانغويل Alberto Manguel (1948–) بأنها: "الشكل الأدق من القراءة"، وأن على المترجم أن يعتمد، أكثر مما يفعل كاتب النص الأصلي، على حضور القارئ المعني بالنص المترجم. تتيح الترجمة، من حيث هي قراءة للغة، ونقصد هنا اللغة العربية، أن تمتحن "ذاتها على ضوء لغات أخرى، فتعرضها لامتحان، تتلقى فيه دفعًا عنيفًا، يأتيها مما هو أجنبي، وهو دفع من شأنه أن ينعشها ويحولها، فيغير
موسيقاها، ويطعم قاموسها بمفهومات وألفاظ، لا عهد لها بها"، وهو ما يعنى أنّ الترجمة تمثّل نوعًا من
التحويل والتوظيف، وأنّها "لا تحِّوِل النص المترجم فحسب، فهي عندما تحِّوِله، تحِّوِل في الوقت ذاته
اللغة المترجمة". ومن هذا المنظور، لا يهدف المترجم العربي، في عملية التحويل التي يجريها، إلى إلغاء الاختلاف، وإنّما "توظيفه ورعايته، ومن هذه الزاوية لا ينبغي أن ينظر إلى الترجمة أساسًا كعملية
لخلق قرابة [أُلفة]، وإنّما كفعالية لتكريس الغرابة". هذا على صعيد مفهوم فعل الترجمة نفسه، أما على صعيد أهدافها وسياقها، فإنّ المؤكد أنّ الترجمة تؤدي دورًا تواصليًا، وتهدف إلى إقامة علاقة مع الآخر، وإخصاب الثقافة الخاصة عبر تلاقحها مع
الثقافة الأجنبية، وبذلك تعدّ تجسيدًا عملًّيًا لما يسميه الأنثروبولوجيون بالامتزاج الثقافي أو التثاقف
Acculturation الذي يظهر بمظهرين: "اختياري يأخذ أفراد إحدى المجموعتين أنماط الثقافة الأخرى
(1((بنعبد العالي، الفلسفة أداة للحوار، ص.38 ((1(يذهب بعض المترجمين والمفكرين العرب المعاصرين إلى أن الترجمة هي السبيل الوحيد لحضور الفكر الفلسفي العربي، وهذا في تقديري، ضرب من "المبالغة" التي لا تفصل بين المستويات، وتصدر عن حكم قيمة، أكثر من حكم واقع، وتقدّم حكمًا
مطلقًا، وليس حكمًا نسبيًا، وهو حكم يحتاج إلى إثبات عملي، وقبل هذا وذاك، فإنّه في الوقت الذي يعتقد فيه هذا الحكم أنّه "رأي
جديد"، فإنّه يكرر، بوعي أو من دونه، موقف التأثير والتأثر؛ لأنّه يحول الفكر الفلسفي العربي المعاصر كله إلى مجرد انفعال وصدى
وأثر لنص أصلي وأصيل هو الترجمة. (2((ألبرتو مانغويل، فن الترجمة، ترجمة مالك سليمان (بيروت: دار الساقي، 2024)، ص.14–13 (2((بنعبد العالي، انتعاشة اللغة، ص.48 ((2(المرجع نفسه، ص.117 ((2(المرجع نفسه، ص.123
بمحض إرادتهم، وإجباري يفرض على إحدى المجموعات أن تأخذ أنماط الثقافة الأخرى بالقوة، أو كوسيلة لا بد منها للاستمرار والعيش داخل مجتمع معين". ويؤدي التثاقف، سواء أكان عملية اختيارية أم إجبارية، إلى خلخلة البنية المركزية لكل ثقافة تسود فيها فكرة "الذات الخالصة" و"غير الممتزجة مع غيرها". وبهذا المعنى، لا تمثل الترجمة وسيلة للتواصل، أو جسرًا يربط الثقافات والشعوب، وإغناء
اللغات فحسب، بل هي أيضًا وسيلة للتغيير والتحويل أًّيًا كانت طبيعة هذا التغيير أو التحويل. ويجب تأكيد أنّعملية التحويل هذه تتدخل فيها عناصر كثيرة، منها العنصر الأيديولوجي الذي يرتبط بالترجمة
بعلاقتين مختلفتين: الأولى، علاقة خارجية تتمثل في أنّ كل ترجمة إَّنَما هي حصيلة مشروع ترجمة، سواء
أكان فرديًا أم جماعيًا، لأَّنَه يتضمن بالضرورة أهدافًا مختلفة، منها الأهداف الأيديولوجية، بغضّ النظر عن
الفوارق بين المشاريع الفردية والجماعية. والثانية علاقة داخلية تظهر في أنّ كل ترجمة إنّما هي ترجمة
لنص يتضمن بالضرورة عناصر داخلية تحيل إلى ثقافة معيّنة، وقيم محددة، وأحكام خاصة. وفيما يخص
موضوعنا، فإنّه ما كان من الممكن أن تُترجم النصوص التي تُرجمت خارج الاهتمامات التي تبديها الثقافة
العربية، ولا سيما الفاعلين فيها، سواء تعلق الأمر بسياسات الحكومات، أو دور النشر، أو المؤسَسات الثقافية،
وبخاصة تلك المتعلقة مباشرة بترجمة النصوص ونشرها، من قبيل المجلات التي تعدّ مث لًا نموذجيًا لدراسة
خطاب ما بعد الحداثة في الثقافة العربية إجم لًا، وليس في الفكر الفلسفي العربي المعاصر فحسب،
أو بعض المؤسّسات مثل مركز الإنماء العربي الذي أشرف عليه المفكر مطاع صفدي.)2016–1929(
ثالثًا: ما بعد الحداثة بين النقد والرفض
لم يكتفِ الكثير من الحداثيين العرب بنقد ما بعد الحداثة، وإنّما برفضها، وذلك بحجج كثيرة، أحاول
التوقف عند بعضها، على الرغم من تنوع مشاربهم الفكرية، واختلاف طريقة استعمالهم لها. فمثلًا، يرى
رئيس تحرير مجلة إبداعالمصرية، التي خصّصت أولى الملفات لما بعد الحداثة، أنّ الأخيرة ترتبط
بالمجتمع ما بعد الصناعي، ولذلك، فإنّه يقول: "تكفينا الحداثة الآن، وحين نصل إلى ما وصلوا [إليه]
يمكننا أن ننتقل إلى ما بعد الحداثة". ويعني هذا أنّ منظورًا في التحقيب الزمني للمجتمعات والمفاهيم
هو الذي يقرر الاستعمال من عدمه، وما دامت ما بعد الحداثة تعبّر عن حقبة غير حقبة المجتمع العربي،
ومجتمع غير حالته، فإنّه لا جدوى من استعمالها، وكل ما علينا فعله هو أن ننتظر حتى تنتقل مجتمعاتنا
العربية إلى مجتمعات ما بعد صناعية، وعندها يمكننا استعمالها. ومن الواضح أنّ هذا الاستعمال ينطلق
من مخطّط زمني معلوم لتاريخ المجتمع الغربي الذي يعدّ في هذه الحالة نموذجًا موِّجِهًا يتكوّن على
الأقل من مرحلتين: مرحلة الحداثة التي تتناسب مع المجتمع الصناعي، تعقبها مرحلة المجتمع ما بعد
(2((كميل الحاج، الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي ولااجتماعي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2000)، ص.62 ((2(مثلًا تُرجم كتاب هابرماس من الفرنسية أولًا ثم لاحقًا من الألمانية، وكذلك الحال في ما يخص كتاب فاتيمو، ولكن في
الأغلب الأعم تُرجمت النصوص من اللغة الأصلية أو الأولى، وهذا يعدّ خطوة أساسية لا يستهان بها. (2((أحمد عبد المعطي حجازي، "الحداثة لا ما بعدها"، إبداع، العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1992)، ص 8–7؛ وعنوان المقال
الافتتاحي يعلن عن الموقف العام لملف المجلة: الحداثة لاا ما بعدها! (التشديد من الباحث بغورة). وقد تضمّن هذا الملف نصًا ل:
إيهاب حسن، "أدب الصمت"، ترجمة محمد عيد إبراهيم، ص 38–24؛ "الاستيطيقا والسياسة مواقف أيديولوجية في جدل 'ما بعد الحداثة'"، ص 47–44؛ وإليكس كالينيوكس، "رسم الخط الفاصل: قراءة في كتاب فرديريك جيمسون 'ما بعد الحداثة'"، ص 57–44؛ إضافة إلى المقالات التي سأناقشها في هذا المبحث.
الصناعي التي تعبّر عنها ما بعد الحداثة، وذلك بالاستعانة بواحدة من الأطروحات الأساسية التي ربطت
ما بعد الحداثة بالمجتمع ما بعد الصناعي، ومنها تحديدًا أطروحة عالمَي الاجتماع الفرنسي ألان توران
(2023–1925) والأميركي دانييل بيل (2011–1919)، التي أصبحت سمة من السمات الملازمة لمفهوم ما بعد الحداثة. وإذا كان الشاعر المصري عبد المعطي حجازي (1935–) يرى أنّ على المجتمعات العربية أن تحيا أولًا حداثتها، قبل أن تنتقل إلى ما بعد الحداثة، فإنّ الناقد الفلسطيني فيصل دراج (1943–) يرى أنّ المجتمعات العربية لا تزال تعيش في زمن "ما قبل الحداثة"، وأنّ عليها أن تؤسّس حداثتها التي يجب
أن تجمع بين نقد الحداثة الغربية العنيفة، وإمكانات ما يضيفه إنسان العالم الثالث من منظور أخلاقي وقيمي وجمالي "يحفظ للإنسان وحدته، ويرى في تاريخ الإبداع الإنساني تاريخًا موِّحِدًا"، مستندًا في
ذلك إلى ما قدّمه فرانز فانون Frantz Fanon (1961–1925). ويسمح هذا المنظور الحداثي بتكوين حداثة مفتوحة ومبدعة: "تشتق مقولاتها من شرطها التاريخي"، وذلك وفقًا لثلاثة شروط: أولًا، تملّك المعرفة الكونية. وثانيًا، تأمل الحداثة العربية في انتصاراتها القليلة وإخفاقاتها الكثيرة. وثالثًا: "استدعاء المقاومة،
لأنّ الحداثي العربي، قبل هزيمته، تحقق في حقل مواجهة الاستعمار والمركزية الأوربية". وهذا يعني أنّ النقاش حول ما بعد الحداثة في الفكر العربي قد أعاد طرح الأسئلة الأولى المتعلقة بطبيعة المجتمعات
العربية، ومرحلتها التاريخية، ومدى وعيها بذاتها. ولم يكتفِ هذا المفكر والناقد الأدبي بهذه الشروط التي تُصَنَّف ضمن ما يجب أن تكون عليه الحداثة العربية، وهو أمر مشروع، وأقصد بذلك البحث عن بديل
مما بعد الحداثة، وإنّما أضاف شرطًا أقل ما يقال عنه إنّه لا يتوافق مع الطرح العام الذي يعرضه، وأقصد بذلك قوله إنّ "الحداثة التي تقترض أدوات حداثة أخرى غريبة عنها تنتهي إلى المتاهة، مثلما أنّ الحداثة التي تنكر تاريخها الذاتي تنتهي إلى لا مكان". يستدعي هذا القول أربع ملاحظات: أولًا، ليست الحداثة في العالم العربي اختيارية، وإنّما هي مفروضة
بقوة خارجية معروفة. ثانيًا، ليس أمام المجتمعات العربية إّلا التعامل مع هذه الحداثة (العنيفة)،
و (المستوردة)، وقد تمكنت من التحرّر من الاستعمار عندما استعملت بذكاء بعض أدوات هذه الحداثة.
ثالثًا، يكاد يكون الاقتراض قانون الحداثة الغربية؛ لأنّ طابعها عالمي ويرتبط بالرأسمالية العالمية، وليس
ينظر ((2:(
Alain Touraine, La société post–industrielle, naissance d’une société (Paris: Denoël, 1969); Daniel Bell, Vers la société post–industrielle (Paris: Robert Lafont, 1976).
(2((فيصل دراج، "ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة"، الكرمل، العدد 51 (نيسان/ أبريل 1997)، ص 71؛ وقدّم صبحي حديدي
تعريفًا لما بعد الحداثة في كتابات الغربيين، ينظر: صبحي حديدي، "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في ال 'ما بعد"'،
ص 63–50. (ص 63–50)، وترجم نَّصَين: إيهاب حسن، "نحو مفهوم لما بعد الحداثة"، ترجمة صبحي حديدي، ص 23–12؛
فردريك جيمسون، "المواقف الأيديولوجية في جدل ما بعد الحداثة"، ترجمة صبحي حديدي، ص.49–38 ((2(المرجع نفسه، ص.72 ((3(المرجع نفسه، ص.89 ((3(المرجع نفسه. ((3(المرجع نفسه.
أدلّ على ذلك التحديث المادي الذي يشهد على هذه الحداثة في حدها الأدنى. رابعًا، لا يبدو لي أّن
المشكلة في إنكار الحداثة (العربية) لتاريخها، وإنّما في كيفية تمثّل تاريخها وتوظيفه. وبناءً عليه، يمكن القول إنّ دراج يستعمل ما بعد الحداثة استعم لًا زمنيًا تحقيبيًا وقيميًا مقارنة بحجازي،
ما دام يرى أنّ المجتمعات العربية تعيش في ما قبل تاريخ الحداثة، وأنّ عليها أن تبحث عن قيمها في حداثة مفتوحة. ولكن ما يسترعي الانتباه هو أنّه في الوقت الذي يشترط فيه أن تكون المقاومة عنصرًا
أساسيًا في بناء هذه الحداثة المنفتحة، لا يلتفت إلى أنّ ما بعد الحداثة تتضمن المقاومة، أو بالأحرى
تتحدّد بقيمة المقاومة عند كثير من فلاسفتها، سواء عند فوكو في مفهومه عن السلطة، أو دولوز الذي يتفق معه في مفهوم المقاومة، ويتميّز منه بموقفه الإيجابي من المقاومة الفلسطينية، أو عند ليوتار في موقفه من
الثورة التحريرية الجزائرية. وعلاوة على هذا، سمحت ما بعد الحداثة بظهور بعض المجالات الثقافية التي تحقق ما يسمى "استدعاء المقاومة"، وأقصد بذلك دراسات ما بعد الاستعمار، والتابع، وما بعد الاستشراق، والنسوية. وإذا كانت هذه الدراسات محدودة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، فإنّ ذلك لا يعود إلى "طبيعة" ما بعد الحداثة، وإنّما إلى "طبيعة" قراءتنا لها. يرى محمود أمين العالم (2006–1922)، ضمن هذا الطرح العام للحداثة، بوصفها حقبة تاريخية وقيمة معيارية، أنّ الحداثة مبنيّة على مفهوم "التغيير التجديدي التطويري التجاوزي للواقع الإنساني
والاجتماعي"، وأَّنَه إذا كانت هناك بقايا ما قبل الحداثة في العالم العربي، فإنّه: "لا مجال للحديث عن اتجاه ما بعد الحداثة في مجتمعاتنا العربية التي ما تزال بمستوى أو آخر في مرحلة ما قبل الصناعة"، وأن ما بعد الحداثة هي امتداد سلبي للحداثة، وأنّ البعديّة زمانية، وليست مفهومية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّنا نواجه في هذا النقاش مفردة أساسية هي "البعديّة" التي حاول بعض المفكرين
العرب توظيفها بديلًا من مفهوم ما بعد الحداثة، ولكن مع فارق أساسي تمثّل في أنّ الأخيرة عند العالم تعني كل ما هو سلبي في الحداثة؛ فيقول: "ليس هناك ما يسمى ما بعد الحداثة [...]، وإنّما هو امتداد سلبي لظاهرة الحداثة نفسها، بل قد يكون مظهرًا معكوسًا لظاهرة ما قبل الحداثة، على أنّ البعديّة في هذا
المفهوم قد تكون زمنية، ولكنها ليست بعدية مفهومية، فهي امتداد لبعض التيارات التي يغلب عليها الطابع
(3((ينظر على سبيل المثال الدراسات الآتية: الزواوي بغورة، الخطاب: بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون، 2022)، ص 300–299؛ الزواوي بغورة، "فلسطين في الكتابة
الفلسفية الغربية المعاصرة: جيل دولوز مث لًا "، مجلة 788 (تموز/ يوليو 2024)، ص 26–22 العربي، العدد؛ الزواوي بغورة، "الثورة
الجزائرية من منظور الفلسفة الاجتماعية"، في: دراسات في ثورة التحرير الجزائرية (1954–1962)، ناصر الدين سعيدوني وفاطمة
الزهراء قشي (محرران) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2025)، ص.55–37 ((3(تجب الإشارة إلى أهمية المقاربة التي قدّمها إدوارد سعيد في نقد الاستشراق، وكذلك ما أُنجز تحت اسم "المشاريع الفلسفية
العربية"، وما تُرجم من نصوص في هذه الدراسات، وإسهامات من اعتبرهم مؤسسين للفلسفة الاجتماعية في الفكر الفلسفي العربي
المعاصر، ومنهم: أنور عبد الملك، وناصيف نصار، وخلدون النقيب، ومالك بن نبي وغيرهم، ممن درستهم أو أعمل على دراستهم في أبحاثي المستقبلية. (3((محمود أمين العالم، "أزمة الحداثة بين ما قبلها وما بعدها، [بعض تأملات تمهيدية]"، إبداع، العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1992)، ص.11 ((3(المرجع نفسه، ص.13
الذاتي والفردي الاستعلائي". ولكن ما يجمع بين تياراتها، على اختلافها هو رفض الرؤية التاريخية، ويقصد بذلك الرؤية التقدمية للتاريخ، كما تقدّمها الماركسية، وهو ما يعني تغليب الطرح الأيديولوجي على الطرح العلمي والتاريخي، وأنّ ما بعد الحداثة ليست تشخيصًا لأمراض الحداثة، وإنّما هي المرض
نفسه، وهو ما يعني كذلك رفض كل النقد الذي قدّمته ما بعد الحداثة إلى الحداثة؛ لأنّها، من وجهة النظر هذه، أيديولوجيا لتسويغ العولمة فحسب، ف "في قلب هذه العولمة والهيمنة الرأسمالية [...] [تجري] السخرية من الحداثة الفعلية واتهامها بالشمولية والمركزية [...] واستبدالها بمفهوم ما بعد الحداثة؛ أي معكوسها الدلالي، والانتكاس عليها وليس تطويرها". وفضلًا عن ذلك، فإنّ: "الدفاع عن ما بعد الحداثة
يكاد يعدّ رِدة فكرية إلى ما قبل الحداثة، وليس تجاوزًا لها". ويتفق سمير أمين (2018–1931)، ضمن هذا التصور الناقد والرافض لما بعد الحداثة، مع العالم في أنّ الحداثة تعني التحرر من نظام الطبيعة، والتلازم مع العقل والعلم والتقدم، والقدرة على الفصل بين قوانين المجتمع والطبيعة، والوعي بأنّ الإنسان يصنع تاريخه، وهذا يعني أنّها مفتوحة، وهي "حركة دائمة وليست منظومة مغلقة ومحَّدَدة نهائيًا". وبناءً عليه، إذا كانت الحداثة حركة تاريخية
دائمة، فإنّه لا شيء يمكن أن يتخطاها، بما في ذلك ما بعد الحداثة نفسها. يقول أمين: "يُقال كثيرًا في
أيامنا إنّ الحداثة أصبحت مفهومًا تخطّاه التاريخ. أزعم أنّ هذا القول لا معنى له من حيث المبدأ،
فإذا كان تعريف الحداثة هو أنّ (الإنسان) يصنع تاريخه، فإنّ هذه المقولة غير قابلة للتجاوز بالمرة، إّلا أنّ مراحل الأزمات الكبرى، ونحن نجتاز حاليًا مرحلة من هذا النوع، بالردة نحو الماضي،
أي قبل الحداثة". وهو ما يعني أنّ ما بعد الحداثة تعبير عن أزمة الحداثة، وأنّها تمثّل شكلًا من أشكال العودة إلى ما قبلها. ويضيف أمين: "فما يلازم ما بعد الحداثة في المجال النظري، إنّما هو حركات ردة تدعو إلى العودة إلى ما قبل الحداثة تعمل في مجال الواقع الاجتماعي. من هنا، جاء هذا التلازم العجيب بين سيادة خطاب ما بعد الحداثة في المجال الإيديولوجي وسيادة عمل يدعو إلى ما قبل الحداثة في مجال النشاط الاجتماعي". وتعدّ السلفيات الإثنية والدينية، والتيارات الجمعاتية، مث لًا واقعيًا.
((3(المرجع نفسه، ص.14 (3((محمود أمين العالم، "العولمة وخيارات المستقبل"، قضايا فكرية، الكتاب التاسع عشر والعشرون (تشرين الأول/ أكتوبر 1999)، ص 28–27؛ وتجدر الإشارة إلى أنّ ملف هذا العدد يتكون من ثلاثة مواضيع كبرى: 1. الفكر العربي والحداثة (10 أبحاث)،
2. الفكر العربي والعولمة (5 أبحاث)، 3. من الحداثة إلى ما بعد الحداثة (18 بحثًا.) ((3(المرجع نفسه، ص.28 (4((سمير أمين، "تجاوز أم تطوير الحداثة؟"، قضايا فكرية، الكتاب التاسع عشر والعشرون (تشرين الأول/ أكتوبر 1999)،
ص 207؛ ينظر أيضًا الملف الذي خصّصته مجلة الكرمل لموضوع ما بعد الحداثة، العدد 51 (نيسان/ أبريل 1997)، وشارك فيه سمير
أمين بمقال عنوانه: "تجاوز الحداثة أم تطويرها؟"، ص 37–24؛ وكذلك: "الحداثة: عملية تحرر غير مكتملة"، في كتابه: سمير أمين،
ما بعد الرأسمالية المتهالكة، ترجمة فهيمة شرف الدين وسناء أبو شقرا (بيروت: دار الفارابي، 2003)، ص 228–223. ولعل ما تجب
الإشارة إليه هو أن عنوان كتابه ما بعد الرأسمالية يحاكي ما بعد الحداثة، وكذلك عنوان مقالته (أو الملحق) يحاكي عنوان مقالة هابرماس. (4((أمين، " تجاوز أم تطوير الحداثة؟"، ص.208–207 ((4(المرجع نفسه، ص.208
ويتفق مراد وهبة (2026–1926) مع أمين في ربط ما بعد الحداثة بالأصولية، ولكن بكيفية مغايرة في التحليل؛ فبعد رصده تعاريف كثيرة، خلص إلى نتيجة تتناقض مع المميزات الأساسية والأولية لما بعد الحداثة، سواء في معناها الضيق أو الواسع، وأقصد بذلك قوله: "وسط هذه الأمشاج من تعريفات ما بعد الحداثة ماذا يبقى؟ تبقى في الصدارة مقولتان: اللاعقلانية واللاتأويل [...]. ولهذا يمكن القول إنّ الصراع بين الحداثة وما بعدها يدور حول قبول 'التأويل'" أو رفضه. وإذا كان رفض
التأويل هو العلامة المميزة لما بعد الحداثة، فيمكن القول إنّ ثمة علاقة عضوية بينها وبين الأصولية
الدينية؛ ف "الأصولية الدينية ترفض تأويل النص الديني، لأنّها تلتزم بحرفيته. ويلزم من رفض التأويل
إنكار التعدّديّة، لأنّ التعدّديّة تفضي إلى النسبية، والنسبية نافية للدوجماطيقية، لأنّ الدوجماطيقية
توهم بامتلاك الحقيقة المطلقة". لم يبيّن وهبة مفهومه عن التأويل، ولم يقدّم الحجج النافية له عند فلاسفة ما بعد الحداثة، ولم يهتم
بالفكرة القائلة إنّ ما بعد الحداثة تأويل، وإنّ ثمة اتجاهًا تأويليًا صريحًا في ما بعد الحداثة يمثّله على
الأقل دريدا في تفكيكيته، وفاتيمو الذي يستلهم فريدريش نيتشه Friedrich Nietzsche)1900–1844(ومارتن هايدغر Martin Heidegger (1976–1889)، وهو استلهام يعرف حضورًا قويًا في الفكر
الفلسفي العربي المعاصر، لا يتسع مجال هذه الدراسة لمناقشته. ولا تكمن الصلة بين ما بعد الحداثة والأصولية في غياب التأويل، وعدم قبول التعددية؛ فمن المعلوم أنّ ما بعد الحداثة تنتقد الهوية لصالح الاختلاف، وإنّما في رفضها موقف الحداثة التي تستبعد الدين وتُعلي من شأن العقل والعلم، لذلك اتسمت ما بعد الحداثة بما يسمى "عودة الديني"، واعتبر ذلك جانبًا إيجابيًا عند بعض الاتجاهات
الدينية في الفكر العربي المعاصر، وعند الاتجاهات المحافظة والجماعتية في الغرب، لذلك لا تقوم صلتها بالأصولية على نفيها التأويل، بل العكس هو الصحيح. وأخيرًا، إذا كانت ما بعد الحداثة قد
فتحت المجال لعودة الدين، فإنّ المؤكد أنّ الفكر الديني في العالم العربي ليس له موقف واحد وموحّد في هذا الشأن، وهو ما يحتاج إلى معالجة خاصة، لا يتسع لها المجال في هذه الدراسة.
ولكن إجم لًا، يمكن القول إنّ استعمال ما بعد الحداثة عند هذا الاتجاه الذي يستند الى خلفية ماركسية كان استعم لًا تاريخيًا ومعياريًا ومفارقًا، وبخاصة عند وهبة، وذلك لأنّ المعايير التي اعتمدها هي
معايير مفارقة لما بعد الحداثة.
رابعًا: مما بعد الحداثة إلى الحداثة البعديّة
توجد دراسات عربية كثيرة تُعرف بما بعد الحداثة، وتعتمد في ذلك على ما سميناه الترجمة غير
المباشرة. ولعل من أولاها في هذا الشأن ما قدّمه المفكر المصري السيد ياسين (2017–1933) في
(4((مراد وهبة، "ما بعد الحداثة والأصولية"، إبداع، العدد 11 (تشرين الأول/ نوفمبر 1992)، ص.43 (4((حول علاقة ما بعد الحداثة بالدين، ينظر: الزواوي بغورة، مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو (بيروت: دار الطليعة، 2013)، ص.215–183 (4((توجد مراجع كثيرة في هذا الموضوع، ينظر على سبيل المثال: بدر الدين مصطفى، دروب ما بعد الحداثة (القاهرة: مؤسسة
هنداوي، 2017)؛ نايف سلوم، ما بعد الحداثة: مق لاات في النقد الفلسفي (حمص: دار التوحيدي للنشر، 1998)؛ بغورة،
ما بعد الحداثة والتنوير. وثمة مقالات كثيرة أيضًا، منها الملفات المشار إليها في مجلات: الكرمل، وإبداع، وقضايا فكرية.
منتصف التسعينيات من القرن العشرين، فقد بيّن ما يمكن الاصطلاح عليه بالمعالم الكبرى لما بعد الحداثة
في مقابل الحداثة، مشدّدًا على الطابع النقدي للأخيرة، على الرغم من غياب النظرية الشاملة التي
تكشف عن هذا النقد، وهو ما شكّل قوة ما بعد الحداثة وضعفها في الوقت نفسه. وبهذا، "ننتقل الآن إلى مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية هي مرحلة ما بعد الحداثة". وهو يؤكّد على أمرين أساسيّين: الأول
أنّ ما بعد الحداثة مرحلة تاريخية جديدة، والثاني أنّ الإنسانية كلها معنيّة بها، وإن كان ذلك بدرجات
مختلفة، وأنّ ما يجعلها كذلك هو تفكيكها الأنساق الفكرية الكبرى المغلقة؛ أي الأيديولوجيات الكبرى، وهو ما بيّنه ليوتار. ولكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا التحديد هو أنّ ياسين يعتمد في قراءته مفهوم
ما بعد الحداثة على ما يسميه "علم اجتماع القراءة" الذي أشرنا إلى بعض سماته في المبحث الأول من هذه الدراسة، الذي يقلب العلاقة بين المؤلف والنص والقارئ. وردّ ياسين، بعد أن قدّم صورة مجملة لما يميّز ما بعد الحداثة، على نُقادها ومناهضيها بالقول:
"عندما يعترض أحد الأشخاص قائلًا: لماذا نتحدث عن ما بعد الحداثة؟ وهل نحن قد فرغنا من الكلام عن الحداثة، دعونا من هذه الموضوعات الغربية البعيدة عن مجتمعاتنا؟ أنا من وجهة نظري أرى أنّ مهمة الباحث في العالم الثالث تتلخص في ثلاث مسائل: [أولًا]، المتابعة النقدية العميقة للفكر العالمي مستخدمًا في ذلك ما يسمى سوسيولوجيا المعرفة. [ثانيًا]، لا بد أن نمارس النقد الذاتي الذي يسمح
بالمراجعة على مستوى الفرد وعلى مستوى الأحزاب وعلى مستوى المفكرين والجمعيات. [ثالثًا]، الإبداع الذي لا يكون إّلا من واقع النقد الذاتي، ومن واقع التتبع لنقد فكر العالم، تخرج نظريّتي الخاصة،
لأنّني لا أستطيع أن أنفصل عن سياق العالم وكيف يُفكر، كما أنّني لا يمكن أن أنفصل عن تراثي [...]،
ولكن أهم ما في حركة ما بعد الحداثة من وجهة نظري أنّها تفتح آفاق المجتمع، وتفتح آفاق النظام، وتدعو للتفتح الفكري". إنّ هذه المسائل أو المبادئ المنهجية أساسية للنظر في كل نظرية أو فلسفة غربية، ولكن من الواضح أنّ المفكر لا يبيّن لنا الطريقة التي يمكننا بها تحقيق هذه المبادئ، وبخاصة أنّه لم يقدّم مث لًا عمليًا لذلك،
يمتحن فيه إحدى قيم ما بعد الحداثة مقارنةً بالحداثة، ويمكننا به أن نستأنس إلى صحة هذا التوجه، مع أنّه من الناحية النظرية لا يمكن إّلا التأكيد على تلك الخطوات أو المسائل.
(4((السيد يسين، الوعي التاريخي والثورة الكونية: حوار الحضارات في عالم متغير (القاهرة: مطبوعات مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 1996)، ص.151 ((4(المرجع نفسه، ص.154 (4((السيد يسين، ندوة الحداثة وما بعد الحداثة (طرابلس: منشورات جمعية الدعوة الإسلامية، 1998)، ص 22–21. تضمّنت هذه
الندوة آراء رافضة لما بعد الحداثة عبّر عنها على نحو صريح محمد عمارة، ص 31–23، وعبد الوهاب المسيري في كلمته، ص 12–10،
وفي "التحديث والحداثة"، ص 60، 92. وشارك المسيري في نقاش آخر نقرؤه في سلسة "حوارات القرن الجديد" التي أصدرتها
دار الفكر بسورية، ينظر: عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة (دمشق: دار الفكر، 2003). والناظر في هذا الكتاب يدرك بيسر أنّهما يعيدان من جهة أجزاءً من أعمالهما الفلسفية المختلفة التي تحتاج إلى مناقشة، وأنّهما على الرغم من
اختلافهما في طريقة الطرح والتحليل، فإنّهما يتفقان على اعتبار ما بعد الحداثة أيديولوجيا فحسب يجب رفضها. ويؤكد ذلك اعتماد
المسيري على فريدريك جيمسون الذي يرى أنّ ما بعد الحداثة تعبير عن أيديولوجيا "الرأسمالية المتأخرة"، وأنّه؛ أي المسيري، يستبدل
بكلمة "رأسمالية"، مصطلح "العلمانية الشاملة، ينظر: المرجع نفسه، ص 173، وأما فتحي التريكي فيقول: "تبقى 'ما بعد الحداثة' في آخر الأمر دعامة أيديولوجية لمجتمعات الوفرة والاستهلاك، ولذلك أفضل ترك استعمالها جانبًا"، المرجع نفسه، ص.221
تعدّ مقالة ياسين من المقالات الأولى التي تحاول تقييم حركة ما بعد الحداثة والانتصار لها، وإبراز نقدها الحداثة، مستعملًا بطريقة عكسية عنوان مقالة يورغن هابرماس Jürgen Habermas)–1929(، للتعبير عن موقفه. فيقول: "وخلاصة رأيي الشخصي أنّ مشروع ما بعد الحداثة مشروع غير مكتمل"!. والواقع أنّ تاريخ فلسفة ما بعد الحداثة في مآلاتها الأخيرة، وكما ظهرت عند فلاسفتها، يكشف عن عدم اكتمال أعمالهم الأولى، وبخاصة من جهة مناقشتهم المسائل الأخلاقية التي طرحوها، ويسمح بإعادة النظر في النقد الذي قدّمه هابرماس في كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة، فقد اكتفى بالنظر في أعمال هؤلاء الفلاسفة الأولى؛ وهو النقد الذي نقرأ بعض وجوهه عند الحداثيين العرب، وتزامن مع ظهور النصوص الأولى لما بعد الحداثة في الكتابات والترجمات العربية، غير أنّ هذه الكتابات لم تتابع النصوص الأخيرة لفلسفة ما بعد الحداثة، وبخاصة نصوص فوكو ودريدا التي طرحت مسائل أخلاقية أساسية، من دون البحث في المسار العام لهذه المقاربات، وتطوره، على نحو يسمح أن يصدر النقد عن معرفة دقيقة بها. يظهر جليًا هذا الانتصار لنقد ما بعد الحداثة للحداثة، واستعمال مفاهيمها النقدية في المشروع الفكري
لصفدي، سواء كان ذلك في كتاباته الفلسفية أو ترجماته أو المؤسسة التي كان يديرها (مركز الإنماء القومي)، أو ترأسه لمجلتين عربيتين رائدتين هما: الفكر العربي المعاصر، والعرب والفكر العالمي، فقد قِّدِمت فيهما النصوص الأساسية والتأسيسية لما بعد الحداثة، وفي مقدّمتها نصوص فوكو ودولوز وغيرهما من الفلاسفة الغربيين، وهو الذي استعمل مفهوم "الحداثة البعديّة" في ترجمته الكلمة الفرنسية
Postmodernité، ووَّظَفه، من بعده، مجموعة من الباحثين والفلاسفة العرب الذين وجدوا في اللفظ مخرجًا للنقد والرفض اللذين أبداهما أنصار الحداثة في العالم العربي، وبخاصة أولئك الذين أشرنا إليهم. يقول صفدي في تقديمه ترجمة كتاب فوكو، الكلمات والأشياء: "إنّ هذه الاستراتيجية الحضارية السياسية هي التي تواجه نهايتها مع إشراف عصر الحداثة على اختتام وعوده واستنفادها حتى الآخر. وتمهّد بذلك
(4((ينظر: يورغن هابرماس، "الحداثة: مشروع ناقص"، ترجمة بسام بركة، الفكر العربي المعاصر، العدد 39 (1986)، ص 49–42؛
يورغن هابرماس، "الحداثة مشروع لم يكتمل"، ترجمة فتحي المسكيني، تبُّيُن، مج 1 العدد، 1 (صيف 2012)، ص 196–183 (الأول
مترجم من الفرنسية والثاني من الألمانية). ((5(يسين، ص 19. يدعو يسين إلى التأصيل النظري النقدي لما بعد الحداثة في مجال العلوم الاجتماعية، وبخاصة بعد سقوط النماذج النظرية التي سادت الفكر الاجتماعي، و"ضياع زمن اليقين"، ونهاية الأنساق الفكرية الصارمة، والتغير الحاصل في العلاقة الثلاثية: المؤلف – النص – القارئ، وإذا كان المؤلف في الحداثة قد اضطلع بدور المشرع، فإنّه استُبعد في ما بعد الحداثة بدعوى
وفاته؛ أي زوال سُلطته، ولزم عن ذلك الموقف النقدي من الذات والموضوع، بحيث يجب التخلي عن إعلاء الذات التي أسستها
الحداثة أو الذات التأسيسية والكونية، لصالح تشُّكُل ذوات طرفية، والتقليل من قيمة التاريخ، وبخاصة حتمية التقدّم الخطّي،
والاهتمام بالحاضر، مع التركيز على مفهوم الانفصال، والكشف عن الجانب التعسفي للحقيقة، ورفض عمليات التمثيل، سواء في
شكل الإنابة أو التشابه. وتعدّ هذه القضية الأخيرة قضية مركزية في فلسفة ما بعد الحداثة. ينظر: ليندا هتشيون، سياسة ما بعد الحداثة،
ترجمة حيدر حاج إسماعيل (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.)2009 (5((ينظر: يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995)؛ يورغن
هابرماس، الخطاب الفلسفي للحداثة، ترجمة حسن صقر (اللاذقية: دار الحوار، 2019) (الأول مترجم من الفرنسية، والثاني من الألمانية). ((5(تمثل هاتان المجلتان مج لًا عمليًا مناسبًا لدراسة مكانة الحداثة وما بعد الحداثة وقيمتهما في الفكر الفلسفي العربي المعاصر.
لانبثاق عهد الحداثة البعدَّيَة La Post modernité، حيث التحديث لم يعد يكتفي بتغيير صورة العالم
وحيزاته المختلفة، بل غدا الإنسان موضوعًا هو ذاته للتحديث، وليس مجرد أداة له كما كان طيلة عصور النهضة الغربية السابقة. [...] لا يأتي كتاب 'الكلمات والأشياء' ليبشّر بعصر الحداثة البعديّة فحسب،
ولكنه كان هو أول تحققاتها التطبيقية". ولعل المثال النموذجي لذلك هو ما جاء في كتاب صفدي نقد العقل الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة الذي يرى في "الحداثة البعديّة اللحظة المرافقة للحداثة"، وأنّ المشروع الغربي قد استطاع أن "يدخل
عصر حداثة مستمرًا"، وأنّ هذه الحداثة البعديّة تمثل نقد النقد. ويتفق المفكران محمد سبيلا (2021–1942) وعبد السلام بنعبد العالي (1945–) على استعمال مفهوم الحداثة البعديّة للانتصار لما بعد الحداثة، وإن كان بينهما بعض الفروق الطفيفة، فيقولان: "من المفكرين
من لا يرتاح إلى العمل على ترويج مفهوم 'ما بعد الحداثة' في سوقنا الثقافية، وهم يرون أنّ ذلك إن كان يليق بثقافات قطعت أشواطًا طويلة في التحديث، فهو لا يجدر بثقافتنا التي لم ترِّسِخ بعد أسس الحداثة،
إن لم نقل إنّها ما زالت تعيش 'مرحلة' ما قبل الحداثة. يرفض هذا الطرح من لا يقبل منّا هذا المفهوم عن الحداثة الذي هو أقرب إلى التحقيب الزمني، وهم يرون أنّ الحداثة كانت دومًا 'ما بعد حداثية'. معنى ذلك
أنّهم لم يفهموا الحداثة كتوقّف عند لحظة لها مقوّماتها الثابتة، ومعناه أيضًا أنّهم أقحموا البعديّة داخل
حركة التحديث ذاتها، فنظروا إلى 'ما بعد الحداثة' على أنّها حداثة الحداثة". وإذا كان هذان المفكران يتفقان في استعمال مفهوم الحداثة البعديّة، ورفض التعليل أو الحجة القائمة على
تحقيب الفكر الغربي إلى مرحلة الحداثة تعقبها مرحلة ما بعد حداثة، فإنّهما يختلفان في بعض العناصر
((5(هكذا رسمها المؤلف، وهنالك خلاف في رسمها، ولكل خلاف تأويله، ولا أظن أنّني في حاجة إلى الخوض فيه، ما دام لم يُطرح
في الاستعمالات التي نظرت فيها في هذه الدراسة. ولتفاصيل أكثر، ينظر: بغورة، ما بعد الحداثة والتنوير، ص.14–12 (5((مطاع صفدي، " على هامش النص: الحداثة البعدية "، في: ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.19 (5((مطاع صفدي، نقد العقل الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.259 ((5(المرجع نفسه، ص 69؛ من الواضح أنّ صفدي يتبنّى فلسفة ما بعد الحداثة، وإن كان لا يؤكد في نصه كثيرًا على ليوتار ودريدا،
فإنّه يعتمد كثيرًا في نقده العقل الغربي على فوكو ودولوز، وعلى خلفيتهما الفلسفية المتمثلة في نيتشه وهايدغر. لمزيد من الاطلاع،
ينظر: بغورة، ميشيل فوكو في الفكر العربي، ص.126–110 (5((ما بعد الحداثة: تحديدات، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، ج 1 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2007)، ص 5؛ يتكون هذا المجلد من 17 نصًا؛ 7 منها ترجمها مترجمون عرب مختلفون، واثنان ترجمهما المُعِدِّان، والباقي لمؤلفين عرب. ويتكون
الجزء الثاني: ما بعد الحداثة: فلسفتها من 10 نصوص، ترجم المُعِدِّان نصًا واحدًا. ويتكون الجزء الثالث: ما بعد الحداثة: تجلياتها
وانتقاداتها من 10 نصوص؛ اثنان لمؤلفَين عربيَين، و 8 منها ترجمها مترجمون عرب، وهو ما يعني أنّ هذه الأجزاء الثلاثة من الدروس
الفلسفية، التي دأب في نشرها هذان المؤلفان، تجمع بين التأليف والترجمة العربية، وتمثّل نموذجًا لما ألمحنا إليه في المبحث الأول
الذي خصصناه لتلقّي ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. وتعدّ هذه النصوص نقلة نوعية في تلقّي ما بعد الحداثة في
الفكر الفلسفي العربي المعاصر، يضاف إليها ما قدّمته مجلة أوراق فلسفية من أعداد مخصصة لفلاسفة ما بعد الحداثة، ينظر: العدد 5–4
(2001) حول جان–فرانسوا ليوتار؛ والعدد 13 (2005) حول جاك دريدا؛ والعدد 8 (2015) حول ميشيل فوكو؛ جيل دولوز، سياسات
الرغبة، إشراف عبد الحليم عطية (بيروت: دار الفارابي، 2001)؛ ما بعد الحداثة: دراسات في التحولاات لااجتماعية والثقافية في الغرب،
نصوص مختارة، ترجمة حارث محمد حسن وباسم علي خريسان (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون، 2018). ولكن قبل هذا، فإنّ معظم نصوص فلاسفة ما بعد الحداثة ونقادهم قد تُرجمت إلى العربية.
الجزئية أو التفصيلية للمصطلح، وسأكتفي بالتسويغ الذي قدّمه سبيلا؛ لأنّ معظم نصوصه تناقش مسألة
الحداثة والحداثة الفلسفية تحديدًا. يرى صاحب مدارات الحداثة أنّ تعبير ما بعد الحداثة تعبير مضِّلِل؛ لأنّه يوحي بالنهاية والتجاوز، في
حين أنّ الحداثة البعديّة تشير إلى "نقد البنية الفكرية المغلقة للحداثة"، وأنّ اللغة العربية "تسعفنا بالتمييز
بين ما بعد الحداثة، والحداثة البعديّة. وهذه الأخيرة ليست إّلا الحداثة في مرحلتها الثانية أو اللاحقة؛ أي
الحداثة وقد وَّسَعت مكتسباتها، فوَّسَعت العقل ليشمل اللاعقل، ووسّعت مفهومها عن القدرات الإنسانية
لتشمل المتخيل، والوهم، والعقيدة، والأسطورة". وفي رأيه، تتضمن ما بعد الحداثة تيارين: الأول، تيار تعميق الحداثة، وهو الحداثة البعديّة التي هي جملة من "الاستراتيجيات المتشابكة [...] وتعميق
لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة، بمعنى أنّها استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها الصائر حيث
هي نقد مستمر وتجاوز مستمر لذاتها". والثاني، التيار الراديكالي الذي يعمل على تحقيق قطيعة فكرية كاملة مع الحداثة، ويدعو إلى تجاوزها؛ وهو ما بعد الحداثة. والحق أنّه مهما كانت نوعية التسويغ اللغوي المقدّمة، فإنّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ سبيلا لم يقدّم أمثلة
عن التيارين، ولعل مردّ ذلك أنّ ما بعد الحداثة، كما أشار إلى ذلك ياسين، ليست نظرية كلّية واحدة، أو
منهجًا شاملًا بقدر ما هي مجموعة من التحليلات والمفاهيم التي نحتاج إلى دراستها دراسة عينية، إذا
صحّت العبارة، وبخاصة أنّنا نجد عند كل واحد من فلاسفة ما بعد الحداثة هذا الحضور للتيارين معًا،
وبناء عليه يجب أن يكون الفحص فحصًا جزئيًا للقضايا، وليس فحصًا كليًا، كأن نناقش مسألة التاريخ عند
فوكو على سبيل المثال. ثم إنّه إذا كان هذا التسويغ يعارض عملية التحقيب، فإنّه يلتقي مع ما ذهب إليه سمير أمين، وإلى حدّ
ما محمود أمين العالم، وأعني بذلك القول إنّ الحداثة عملية تاريخية قابلة للتجديد والتعميق والإضافة.
غير أنه يختلف عنهما من حيث إنّ الحداثة قابلة لاحتواء الحداثة البعديّة، وليست تعبيرًا عن أزمة أو
أنها مظهر من المظاهر السلبية للحداثة فحسب، وهو ما يعني أنّ سبيلا يرفض نظرية التمثيل؛ أي إنّ
ما بعد الحداثة تمثيل Representation فحسب، ليؤكد أهمية نقد ما بعد الحداثة لفكرة التاريخ والتقدم
(5((قدّم بنعبد العالي تحليلًا لهذا المصطلح في عدد من مقالاته، ينظر: عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة فنًا للعيش (الدار البيضاء:
دار توبقال للنشر، 2012)، ص 121؛ عبد السلام بنعبد العالي، منطق الخلل (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص 57–56؛
عبد السلام بنعبد العالي، القراءة رافعة رأسها (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2019)، ص.69 (5((محمد سبيلا، مدارات الحداثة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009131–123)، ص،.254–231 (6((محمد سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات) (الرباط: منشورات الزمن، 2003)، ص.50 (6((محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة (الدار البيضاء: دار توبقال، 2000)، ص.61 ((6(المرجع نفسه، ص.70 ((6(المرجع نفسه، ص.62 (6((هذا ما حاولتُ القيام به في كتابي: بغورة، ما بعد الحداثة والتنوير، الفصل العاشر: "الأنطولوجيا التاريخية في سياق الفلسفة
المعاصرة"، ص 279–259؛ وفيه حاولتُ أن أبيّن إسهامات هذه الفلسفة وحدودها في عملية تعميق الحداثة، ولعل المثال على ذلك
الموقف من العقل الذي بيّن فيه من جهة حدوده، ومن جهة أخرى علاقاته بالسلطة. (6((ينظر: بغورة، 127–100 ما بعد الحداثة والتنوير، ص؛ بغورة، الخطاب: بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو، ص.518–503
والعقل... إلخ. وهذا يساعدنا على فهم الحداثة الغربية، وبخاصة "استراتيجيتها الهجومية القصوى، المتمثلة في تحويل الجواهر إلى علاقات، والماهيات إلى سيرورات، والغايات إلى وسائل"، وكذلك على فهم حداثتنا "البرانية" و"العنيفة" و"السوقية"، و"الممزقة" بين قوى التقليد والتحديث. وعلى الرغم من الطابع البراني للحداثة، فإنّه يجب علينا البحث عن حداثة جوانية المنشأ؛ "لأنّ الحداثة هي النمط الكوني
المعروف إلى حد الآن، لاستدراك التأخر التاريخي، فإما الحداثة وإما الموت التاريخي". ويبدو لي أن محكّ هذا التحليل ومعاييره يتطلبان النظر في قضية من قضايا ما بعد الحداثة، أو الحداثة البعدية، أو
الحداثة المتجددة.
خامسًا: في الهوية والاختلاف
تعدّ قضية الهوية والاختلاف من القضايا المركزية في فلسفة ما بعد الحداثة. وقد أسهم في مناقشتها
مفكرون عديدون، لا مجال للنظر في أعمالهم في هذه الدراسة، على الرغم من الأهمية التي تكتسيها مقارباتهم، ومنهم بنعبد العالي الذي اهتم بهذه القضية منذ كتاباته الفلسفية الأولى التي درس فيها مقاربات هيغل وهايدغر ودولوز، ولا يزال يعمل على الكشف عن جوانب هذه القضية، ومنها أنّه إذا
كان كل حديث عن الهوية حديثًا عن المحددات والمميزات والخصائص، فإنّه يعدّ، في الوقت نفسه،
حديثًا عمّا يفصل ويفرق ويختلف، لذا لا يتردّد في نقد الطرح الأيديولوجي للهوية الموهومة بالثبات
والاكتمال والجوهرية؛ لأنّه يتناسى، كما يقول، "العمل الجبار الذي يكون على الذات أن تقوم به لتجعل
من الغير آخر (ها) وتتمثّله. وهو تمثّل أكثر عسرًا وعناء من 'التمثيل' الطبيعي الذي تقوم به الكائنات النباتية
Assimilation، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّه يجمع بين عمليتَي الإدخال والإخراج، والتملك
والفقدان، والتذويت والموضعة في الآن ذاته". تعمل هذه الهوية، التي تكون في حالة بناء دائم أو مشروع، على رعاية "الاختلاف، وتترك للتفرّدات
نصيبها في الوجود، بل إنّها لا تقدّم نفسها إّلا كحركة لامتناهية للضم والتباعد". ولا يمكنها أن تحقّق
ذلك إّلا إذا كفّت عن تحديد نفسها بالتطابق، وهو ما يعني رفض المعنى المنطقي الصوري للهوية،
ونقله إلى المعنى الجدلي الذي يربط بين الهوية والاختلاف، مشدّدًا على أنّ مفهومه للاختلاف مفهوم
أنطولوجي، وليس أنثروبولوجيًا؛ لأنّ الاختلاف الأنثروبولوجي هو تمايز فحسب، في حين أنّ الاختلاف
(6((سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، ص.43–42 (6((سبيلا، دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات)، ص.109 (6((ينظر: الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر، رياض زكي قاسم (محرر) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)؛ وبالنسبة إلى الدراسات ذات التوجه ما بعد الحداثي، ينظر نصوص عبد الكبير الخطيبي، وعلي حرب، وفتحي المسكيني... إلخ. (6((ينظر التحليلات التي قدّمها في: عبد السلام بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا (الدار البيضاء:
دار توبقال، 1991)، ص 99–89؛ عبد السلام بنعبد العالي، هايدغر ضد هيغل: التراث ولااختلاف، ط 2(بيروت: دار التنوير للنشر، 2006)، ص 93–83. يستدعي مفهوم الاختلاف النظر في مفاهيم أخرى يستعملها هذا المفكر، ومنها القطيعة والانفصال والحدث والآن أو الراهن، وغيرها من المفاهيم المتشابكة مع هذا المفهوم المركزي التي لا يتسع لها مجال هذه الدراسة. ولهذا المفهوم مكانة
مركزية في فلسفة طه عبد الرحمن، وهو ما توقّف عنده كثير من الباحثين بالدراسة والنقد. ينظر: طه عبد الرحمن، الحق العربي في
لااختلاف الفلسفي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2006 (7((بنعبد العالي، القراءة رافعة رأسها، ص.16 ((7(المرجع نفسه، ص.17
الأنطولوجي يحدد "الكائن كزمان وحركة، ويصبح بفضله التعُّدُد (خاصية) الهوية، والانتقال والترحال
(سمة) الذات، والانفتاح والتصدع (سمة) الوجود، والانفصال (سمة) الكائن". يرتبط الاختلاف بمفهوم التعدّد عند ديفيد هيوم David Hume (1776–1711)، وكما درسه دولوز؛ أي
ضمن المنظور التجريبي الذي يؤكد على "الماعيات و ليس على الماهيات"، بحسب عبارة الفيلسوف جان فال Jean Wahl (1974–1888) البليغة، التي يعتمدها بنعبد العالي، وذلك نظرًا إلى تغليبه مفهوم
العلاقة مقارنة بالأصل في تشكيل الهوية، وبناء عليه يؤكد أنّ "التعدّديّة التي يتخوّف منها الرافضون لمبدأ
'الحق في الاختلاف' والتي تنتهي في زعمهم إلى الفوضى الاجتماعية والبلبلة الذهنية لا تنفصل عن مفهوم الوحدة [...]. وآنئذ يغدو الاختلاف أساسًا لتعدّديّة لا تعني الشتات والتشتت، ولا عودة إلى طائفية
أو قبلية، بل تكون نظامًا لمجتمع مدني متعدّد العناصر والمصالح، تتعاقد أطرافه حول مؤسّسات بناءً على
وفاق عام متجدّد بالوسائل الديمقراطية، من حيث إنّ الديمقراطية ليست إلا تدبيرًا للتعدّديّة عن طريق
مؤسسات قائمة على رباط المواطنة". ومن ثمّ، يرفض الاهتمام المرضي بالهوية، وحصر النقاش الفكري فيها؛ لأنّ ذلك في نظره دليل على
السكون وعدم الإنجاز، و"علامة انفعال لا فعالية، وعلامة سكون لا علامة حركة. إنّه دليل فعلي على عدم
انخراط فعلي في العمل على بناء حقيقي للذات، وتفاعل فعال مع الآخر [...]، وإنّ العمل والممارسة
كما يقول هيغل هما الكفيلان بردّ الذات نحو ذاتها، وطرح صحي لمسألة الهوية". ولعل هذا ما أشار
إليه عبد الكبير الخطيبي (2009–1938) باسم الهوية "العمياء"، والاختلاف "المتوحش". والحق أنّه على الرغم من وجاهة المقاربة النظرية التي قدّمها بنعبد العالي، فإنّها تستدعي الإشارة إلى
غياب علاقة الهوية بالاعتراف عند هيغل، ومردّ ذلك يعود إلى استناده إلى القراءة النقدية لهايدغر ودولوز،
ولم يلتفت إلى ما قدّمته الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، وبخاصة عند الفيلسوفين تشارلز تايلور Charles
Taylor (1931–) وأكسيل هونيث Axel Honneth (1949–)، وما أصبح يعرف بفلسفات التعدديّة الثقافية
التي تؤطر نظرية الاعتراف. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ علاقة الهوية بالاعتراف تتأسس على ثلاث قواعد متلازمة:
الأولى هي أنّ الإنسان كائن اجتماعي وأخلاقي في الوقت نفسه، والمقصود بذلك أنّ الجماعة تشكّل
معطى أوليًا، وأنّ الإنسان وفقًا لهذا الوضع، لا يمكنه أن يحقّق السعادة خارج جماعته الثقافية؛ وهذا يعني
أنّ عملية بناء الهوية الفردية أو الذاتية لا يمكن أن تجري خارج نظام اجتماعي وأخلاقي معيّن. والثانية
هي أنّ الهوية مرتبطة بعملية اكتشاف الذات أو الأنا، أو قدرة الفرد على إدراك ذاته الخاصة. والثالثة هي
أنّ عملية اعتراف الآخر بالذات ضرورية؛ لأنّها تؤِّمِن للهوية وضعية ومنزلة قانونية ورمزية ضمن البيئة
((7(المرجع نفسه، ص.94 ((7(المرجع نفسه، ص.97–96 (7((عبد السلام بنعبد العالي، ثقافة الأذن وثقافة العين، ط 2(الدار البيضاء: دار توبقال، 2008)، ص.49 (7((عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي وقضايا الحداثة (بغداد/ بيروت: منشورات الجمل، 2009)، ص.148–135 (7((بول ماي، فلسفات التعدّدية الثقافية، ترجمة الزواوي بغورة (بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون،
الاجتماعية والثقافية المعطاة. وبهذا المعنى، لا يظهر الآخر في شكل حدّ أو عقبة أو حاجز، وإَّنَما بوصفه حاجة إلى الاكتمال، وإمكانية
للإنجاز. والمثال النموذجي على ذلك هو أنّ السعادة لا تكتمل إّلا مع المحب، وأنّ الديمقراطية لا تتحقق
إّلا بالحوار مع الآخر، وأنّ الهوية لا تكتسب في حالة العزلة، وإنّما بالحوار المباشر وغير المباشر مع
الآخر، وفي علاقة التوافق أو التعارض مع الآخر التي تسيّرها الديمقراطية بوصفها تدبيرًا سياسيًا وقانونيًا
للتعدّد الذي يطبع المجتمعات المعاصرة، بما في ذلك مجتمعاتنا العربية.
خلاصة عامة
انتهت هذه الدراسة إلى مجموعة من الخلاصات، نجملُها في ما يأتي: أوالًا: لا يوجد خلاف حول حضور ما بعد الحداثة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وإنما يدور الخلاف حول طبيعة هذا الحضور، ودوره، وآفاقه. وفي تقديري، فإنّ لهذا الحضور جانبين، يتمثل
الجانب الأول في مدى إدراكنا التحّولّات التي يعرفها عصرنا، وهو ما عبّرت عنه ما بعد الحداثة بشكل من
الأشكال، وأدخلتنا في عصر "الما–بعديات" المتعددة والكثيرة، ولعل آخرها ما بعد الحقيقة. أما الجانب الثاني، فهو كيفية تلقّينا لها بوصفها فلسفة مثلها مثل فلسفات كثيرة تلقّاها الفكر الفلسفي العربي المعاصر،
ومدى تفاعلنا معها، والدور الذي تؤديه في حياتنا الفكرية. وإذا كان الجانب الأول قائمًا ومؤكدًا، فإنّ
الجانب الثاني مختلف فيه، وحاولتُ أن أبيّن بعض جوانبه في المبحث الذي خصصته لنقد ما بعد الحداثة
والحداثة البعديّة، وبخاصة ما تعلّق بحجة التحقيب التاريخي، ف "ليس من الضروري أن نمرّ بالأطوار ذاتها
التي مرّت بها المجتمعات الغربية الحديثة، كما أنّ الأمر هو على عكس ما يظنّ؛ أي إنّ استثمار الأدوات
المفهومية لفكر ما بعد الحداثة قد يفسّر تعثّر مشاريع التحديث والعقلنة في الوطن العربي". وهذا يعني
أنّ ما بعد الحداثة هي، في الدرجة الأولى، أداة وإمكانية لفهم قضايا مجتمعاتنا وثقافتنا، وأنّه على الرغم
"من انبثاق الحداثة البعديّة في زمن المشروع الثقافي الغربي أصلًا، إّلا أنّها هي المؤشر الأول على كون
فكر الخارج فرض نفسه هذه المرة بكل قوته على أيديولوجيا المشروع الثقافي العربي نفسه". ثانيًا: وظّف كثير من الباحثين والمفكرين العرب مفاهيم ما بعد الحداثة، سواء في مشاريعهم التراثية أو في
مناقشتهم قضايا فكرية وثقافية آنية، وكشفوا عن جوانب جديدة من ثقافتنا العربية المعاصرة، وذلك على الرغم من اختلاف المقاربات ما بعد الحداثية، بحيث نلتقي بمفاهيم وتحليلات تعود إلى فوكو أو دريدا أو دولوز. ويمكن القول إنّ مفهوم السرد ونقد السرديات الكبرى، على سبيل المثال، قد ميّز الخطاب
الفلسفي العربي المعاصر، على الرغم من الاختلاف في طريقة الاستعمال. ولعل الجانب الذي دفع عددًا
كثيرًا من الباحثين والمفكرين العرب إلى الاهتمام بمثل هذه المقاربات هو أنّها لا تشكّل نموذجًا نظريًا
مغلقًا، أو أيديولوجيا شاملة، ولا حتى منهجًا واضح المعالم، وإنّما هي "أدوات" للبحث تساعد على
مناقشة قضايانا الثقافية والفلسفية، ومنها مثلًا قضية الهوية والاختلاف، أو "الخطاب الديني" الذي يحتاج
إلى بحث خاص.
(7((علي حرب، الفكر والحدث: حوارات ومحاور (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1997)، ص.41 (7((صفدي، نقد العقل الغربي: الحداثة ما بعد الحداثة، ص.325
ثالثًا: مهما كانت الاجتهادات اللغوية والنظرية، فإنّ الحداثة أو الحداثة البعديّة أو الحداثة المتجددة
تستوجب تحديثًا دائمًا، ويعدّ التحديث الفكري في هذا الصدد أعقد من التحديث المادي، لأسباب كثيرة،
أهمها ضرورة التأسيس للمصادر الأخلاقية في تراث الذات والمتابعة النقدية، في الوقت نفسه، لما يجري من عمليات تحديث عالمية لا خيار لنا أمامها غير المشاركة الفاعلة فيها، واستحداث تركيبة غير مُرضية
دائمة، تجمع بين العناصر التقليدية والحديثة. ومع أنّ هذا الطرح، يحمل في ذاته بذورًا أيديولوجية، فإنّ
الفلسفة الاجتماعية بيّنت لنا أنّ الفصل بين الفلسفي والأيديولوجي على نحو مطلق ونهائي لم يعد ممكنًا،
وذلك على الرغم من وهم وعود ما بعد الحداثة بنهاية التاريخ والأيديولوجيا ونهايات كثيرة لم تنتهِ.
المراجع References
العربية
الإسلام والغرب: مق لاات ودراسات مختارة. سعيد البرغوثي (محرر). تقديم فيصل دراج. دمشق: دار كنعان،.2014 إسماعيل، صلاح. البراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتي. القاهرة: دار رؤية،.2019 أمين، سمير. "تجاوز أم تطوير الحداثة؟" قضايا فكرية. الكتاب التاسع عشر والعشرون. تشرين الأول/ أكتوبر
أندرسن، بيري. أصول ما بعد الحداثة. ترجمة خليد كدري. القاهرة: صفحة 7 للنشر والتوزيع،.2023 بغورة، الزواوي. ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة،.2001 _________. ما بعد الحداثة والتنوير: دراسة نقدية لموقف الأنطولوجيا التاريخية. بيروت: دار الطليعة،
_________. مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة،.2013 _________. الخطاب: بحث في بنيته وعلاقاته ومنزلته في فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون،.2022 _________. "فلسطين في الكتابة الفلسفية الغربية المعاصرة: جيل دولوز مث لًا ". مجلة العربي. العدد 788
(تموز/ يوليو.)2024 بنعبد العالي، عبد السلام. أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا. الدار البيضاء: دار توبقال،
_________. هايدغر ضد هيغل: التراث و لااختلاف. ط 2 بيروت: دار التنوير للنشر.،.2006 _________. منطق الخلل. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2007 _________. ثقافة الأذن وثقافة العين. ط 2 الدار البيضاء: دار توبقال.،.2008
_________. الفلسفة أداة للحوار. الدار البيضاء: دار توبقال،.2011 _________. الفلسفة فنًا للعيش. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2012 _________. القراءة رافعة رأسها. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2019 _________. انتعاشة اللغة: كتابات في الترجمة. إيطاليا: منشورات المتوسط،.2021 تومبكنز، جين ب. نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. ط 4. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2016 الحاج، كميل. الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي و لااجتماعي. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.2000 حجازي، أحمد عبد المعطي. "الحداثة لا ما بعدها". إبداع. العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1992 الحداثة وما بعد الحداثة: من عصر الميتافيزيقا والكليات إلى عالم بلا مركزيات. إشراف محمد بن سباع. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون،.2019 حرب، علي. الفكر والحدث: حوارات ومحاور. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.1997 الخطيبي، عبد الكبير. المغرب العربي وقضايا الحداثة. بغداد/ بيروت: منشورات الجمل،.2009 دراج، فيصل. "ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة". الكرمل. العدد 51 (نيسان/ أبريل.)1997 دولوز، جيل. سياسات الرغبة. إشراف عبد الحليم عطية. بيروت: دار الفارابي،.2001 دراسات في ثورة التحرير الجزائرية (1962–1954). ناصر الدين سعيدوني وفاطمة الزهراء قشي (محرران). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2025 سبيلا، محمد. مدارات الحداثة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2009 _________. الحداثة وما بعد الحداثة. الدار البيضاء: دار توبقال،.2000 _________. دفاعًا عن العقل والحداثة (حوارات). الرباط: منشورات الزمن،.2003 سلدن، رامان. من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية. ترجمة ماري تريز عبد المسيح. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2006 سلوم، نايف. ما بعد الحداثة: مق لاات في النقد الفلسفي. حمص: دار التوحيدي للنشر،.1998 سمير أمين. ما بعد الرأسمالية المتهالكة. ترجمة فهيمة شرف الدين وسناء أبو شقرا. بيروت: دار الفارابي، الترجمة وإشك لاات المثاقفة. عبد الحكيم شباط (تقديم وتحرير). الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2019
صفدي، مطاع. نقد العقل الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 العالم، محمود أمين. "أزمة الحداثة بين ما قبلها وما بعدها، [بعض تأملات تمهيدية]". إبداع. العدد 11 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1992 _________. "العولمة وخيارات المستقبل". قضايا فكرية. الكتاب التاسع عشر والعشرون (تشرين الأول/ أكتوبر.)1999 عبد الحافظ، مجدي. "نحن بين الحداثة وما بعدها". قضايا فكرية. العددان).1999(20–19 _________. "موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة ". عالم الفكر. مج 41، العدد 2.)2012(عبد الرحمن، طه. الحق العربي في لااختلاف الفلسفي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع صفدي [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 لبيب، السعيد. جان فرانسوا ليوتار ونقد الفكر الشمولي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022 ليوتار، جان–فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي. ترجمة أحمد حسان. القاهرة: دار شرقيات،.1994 _________. في معنى ما بعد الحداثة: نصوص في الفلسفة والفن. ترجمة السعيد لبيب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2016 _________. لماذا نتفلسف؟ ترجمة يوسف السهيلي. بيروت: دار التنوير،.2017 ما بعد الحداثة: تحديدات. إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال،.2007 ما بعد الحداثة: دراسات في التحولاات لااجتماعية والثقافية في الغرب، نصوص مختارة. ترجمة حارث محمد حسن وباسم علي خريسان. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون،.2018 مانغويل، ألبرتو. فن الترجمة. ترجمة مالك سليمان. بيروت: دار الساقي،.2024 ماي، بول. فلسفات التعدّدية الثقافية. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ دار الروافد الثقافية ناشرون،.2024 المسيري، عبد الوهاب وفتحي التريكي. الحداثة وما بعد الحداثة. دمشق: دار الفكر،.2003 مصطفى، بدر الدين. دروب ما بعد الحداثة. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2017 هابرماس، يورغن. "الحداثة: مشروع ناقص". ترجمة بسام بركة. الفكر العربي المعاصر. العدد).1986(39 _________. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1995 ________. "الحداثة مشروع لم يكتمل". ترجمة فتحي المسكيني. تبُّيُن، مج 1 العدد، 1 (صيف.)2012
_________. الخطاب الفلسفي للحداثة. ترجمة حسن صقر. اللاذقية: دار الحوار،.2019 الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر. رياض زكي قاسم (محرر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 هتشيون، ليندا. سياسة ما بعد الحداثة. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
وليامز، جيمس. ليوتار: نحو فلسفة ما بعد الحداثة. ترجمة إيمان عبد العزيز. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003 وهبة، مراد. "ما بعد الحداثة والأصولية". إبداع. العدد 11 (تشرين الأول/ نوفمبر.)1992 يسين، السيد. الوعي التاريخي والثورة الكونية: حوار الحضارات في عالم متغير. القاهرة: مطبوعات مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية،.1996 ________. ندوة الحداثة وما بعد الحداثة. طرابلس: منشورات جمعية الدعوة الإسلامية،.1998
الأجنبية
Bell, Daniel. Vers la société post–industrielle. Paris: Robert Lafont, 1976. Bourdieu, Pierre. "Les conditions sociales de la circulation internationale des idées." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 145 (Décembre 2002). Touraine, Alain. La société post–industrielle, naissance d’une société. Paris: Denoël, 1969.