الاستقبال العربي لفلسفة ما بعد الحداثة: ما بين أسطورة الخطية التاريخية واستعارة النار
DOI:
https://doi.org/10.31430/nlgj7812الكلمات المفتاحية:
الفكر الفرنسي، ما بعد الحداثة، الفكر العربي المعاصر، المشرق العربي، المغرب العربيالملخص
تبحث الدراسة في كيفية استقبال الفكر العربي المعاصر لإشكالية ما بعد الحداثة، التي اتخذت دلالات متعددة إلى حدّّ التضارب في السياق الغربي نفسه، وكيف انعكس هذا التباين على فهم المثقفين العرب لهذا التيار الفكري/ الفني. وتميّّز بين ما بعد الحداثة الفلسفية، وخاصة كما تجلّّت في الفكر الفرنسي المعاصر، وما بعد الحداثة الفنية التي تبلورت على نحو أساسي في الولايات المتحدة الأميركية. وتفترض أنّّ للغة والثقافة الفرنسيتين، الموروثتين عن الحقبة الاستعمارية، دورًًا في انفتاح مفكّّري المغرب على فكر ما بعد الحداثة الفرنسي، مقابل هيمنة الأيديولوجيات الماركسية والقومية على مفكّّري المشرق، وهو ما أسهم في إنتاج موقف نقدي غالبًًا ما اتسم بالرفض لهذا التيار.
المراجع
- على الرغم من أن فلسفة ما بعد الحداثة قد ابتدأت في ألمانيا مع نيتشه وهايدغر، فإنهما لم يؤثرا كثيرًا في الفكر العربي المعاصر ولم يكن لهما – فيما يخص التلقي العربي لما بعد الحداثة على الأقل – ذلك الأثر نفسه الذي أحدثته عندنا أفكار الفلاسفة الفرنسيين ما بعد البنيويين ونصوصهم بخاصة فوكو ودريدا. طبعًا يمكن التذكير بأثر نيتشه الكبير في نصوص جبران خليل جبران (1883–1931) وأسلوبه الذي جمع بين اللغة الشاعرية والتأمل الفلسفي حيث يعكس كتاب النبي (1923) تأثرًا واضحًا ﺑ هكذا تكلم زرادشت، فضلًا عن الكتابة الشذرية لجبران التي تستعيد أسلوب نيتشه على نحوٍ من الأنحاء. لكن فلسفة نيتشه ظلت على هوامش الفكر العربي باستثناء بعض الاقتباسات والتوظيفات المتفرقة. وحتى مع عبد الرحمن بدوي (2002–1917) الذي تأثر في شبابه المبكر بنيتشه وكتب عنه كتاب نيتشهعام 1965 والذي تأثر مبكرًا أيضًا بهايدغر، عراب ما بعد الحداثة المعاصرة، وقدّم أطروحته في الدكتوراه حول إشكالية الموت تأثرًا بوجودية هايدغر، فإنّ هذا الأثر النيتشوي الهايدغري سيخلي المكان عنده بسرعة لصالح اهتمام فلسفي موسوعي وشغل فلسفي شامل من الترجمة إلى النقد والتعليق والتأليف من دون أن يُظهر، بعد مرحلة الشباب النيتشوية الهايدغرية، أي تبني ونزوع لأفكار ما بعد الحداثة رغم إقامته في باريس ومعاصرته لولادة أفكار البنيوية الفرنسية وما بعدها. وعلى الرغم من عكوف العديد من الدارسين والمترجمين العرب على ترجمة أعمال هايدغر ومناقشتها، فإن ذلك لم يُحدِث في العالم العربي أثرًا بقوة ما أحدثته أفكاره في أوروبا وفي الفلسفة الغربية المعاصرة عمومًا. فبعد بدوي الشاب، يكاد يختفي الأثر الهايدغري كلّه تقريبًا عن أفكار المفكرين العرب المعاصرين واهتماماتهم، في المشرق والمغرب، بل إن مشير عون الذي ألّف كتابًا ناقش فيه أسباب غياب هايدغر عن الفكر العربي يذهب إلى حدّ القول: "لم يثر مارتن هايدغر (1976–1889) في العالم العربي على الإطلاق أي شغف عقليّ، كما لم يمارس البتة أي إغواء أيديولوجي." ينظر: مشير عون، هايدغر والفكر العربي، ترجمة إيلي أنيس نجم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.15
- ينظر على نحوٍ خاص، كتابه: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)؛ الذي يصنف فيه العقل العربي في ثلاثة عقول: برهاني وعرفاني يخصان الشرق، ومنطقي عقلاني يخص الأندلس والمغرب العربي.
- Friedrich Nietzsche, "L’antéchrist," Henri Albert (trad.), in: Nietzche Œuvres complètes (Paris: Société du Mercure, 1908), p. 4341.
- Friedrich Nietzsche, Par de–delà bien et mal , Patrick Wolting (trad.) (Paris: Flammarion, 2000), p. 460.
- Michel Foucault, "Structuralisme et poststructuralisme" in: Dits et écrits , vol. IV (Paris: Gallimard, 1994), pp. 446–647.
- François Cusset, French Theory: Foucault, Derrida, Deleuze & Cie et les mutations de la vie intellectuelle aux États–Unis (Paris: La Découverte, 2003), p. 11.
- صبحي حديدي، "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في اﻟ 'ما بعد' من قبل ومن بعد"، الكرمل، العدد 51 (ربيع 1997)؛ ما بعد الحداثة: 1 تحديدات، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفية 13 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، ص.56
- Ihab Hassan, The Dismemberment of Orpheus: Toward a Postmodern Literature , 2 nd ed. (Wisconsin: University of Wisconsin Press, 1982).
- Ibid., pp. 268–269.
- حول هذه النقطة يُنصح بمراجعة جواب دريدا على محاوره ريتشارد كيرني حول: "علاقة التفكيك بالحداثة؟" فيجيب دريدا بالقول: "لم أكن يومًا سعيدًا من مفهوم 'الحداثة'. لا شك في أنني أشعر بأن ما يحدث في العالم اليوم هو شيء فريد من نوعه، ولكن، بمجرد ما نلصق عليه اسم 'الحداثة'، حتى نصفه بنسقٍ تاريخيّ معين من التطور أو التقدم (وهي فكرة مستمدة من عقلانية الأنوار) وهذا ما يحاول أن يعمينا عن رؤية حقيقة أن ما يواجهنا اليوم هو أيضًا شيء قديم ومحجوب في التاريخ. في الواقع، أعتقد أن ما 'يحدث' في عالمنا المعاصر وما يفاجئنا كشيء جديد نسبيًا، يرتبط في الحقيقة برابط جوهري مع شيء قديم جدًا كان مُغطى ﺑ (حجابٍ كثيف). ومن ثمّ فإن الجديد ليس تمامًا ما يظهر للمرة الأولى، وإنما هو ذلك البعد (القديم جدًا) الذي يتجلى من جديد في 'الجديد نفسه'؛ والذي يحوز دلالته مرارًا وتكرارًا من خلال تقاليدنا التاريخية، في اليونان وروما، عند أفلاطون وديكارت وكانط... إلخ. ليس المهم هنا مدى جدّة المعنى الحديث وغير المسبوق التي قد يظهر فيها، فهو ليس حداثًّيًا البتّة على نحو حصريّ، بل إنه أيضًا، وفي الوقت نفسه ظاهرة تكرار". ينظر: "Dialogue with Jacques Derrida," in: Richard Kearney (ed.), Dialogues with Contemporary Continental Thinkers (Manchester: Manchester University Press, 1984), pp. 112–113.
- Jean–François Lyotard, La condition postmoderne (Paris: Minuit, 1979), p. 7.
- في ثيوغونيا للشاعر الإغريقي هزيود نتعرف إلى أسطورة بروميثيوس "العبقري الحاذق والماكر" الذي أراد إصلاح خطأ أخيه "الأخرق إبيميثوس" الذي كانت الآلهة قد كلّفته بخلق الحيوانات، لكنه منحها كل القوى الأرضية حتى إنه لم يترك شيئًا في النهاية ليهبه للإنسان الذي ظل بذلك عاريًا؛ فلا فرو ولا ريش ليحميه وضعيفًا، ولا مخالب ولا أنياب ليهاجم ويصطاد بها أو يحمي بها نفسه. ولتعويض البشر عن ذلك النقص ولإنقاذ أخيه إبيميثوس من غضب زيوس سرق بروميثيوس النار من الآلهة "هذا الصديق الخطير"، بحسب هزيود، وأعطاه للبشر كي يتدفؤوا ويحتموا بها. المهم في هذه الأسطورة أن بروميثيوس لم يمنح النار (الخطيرة) فقط للبشر وإنما علّمهم كيف يصنعوا أدواتهم بأنفسهم" ينظر: Hésiode, La Théogonie , Henri Patin (trad.) (CreateSpace Independent Publishing Platform, 2016), p. 19.
- سبيلا وبنعبد العالي، ص.5
- المرجع نفسه، ص.5
- فيصل دراج، "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ"، الكرمل، العدد 51 (ربيع 1997)، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.37
- المرجع نفسه، ص.42
- المرجع نفسه، ص.42
- M. Foucault, "Le normal et le pathologique," in: Dits et écrits , vol. 2 (Paris: Qarto–Gallimard, 2001), p. 433.
- مقتبسة عن: صبحي حديدي، "الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في اﻟ 'ما بعد' من قبل ومن بعد"، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.72
- فيصل درّاج، "ما بعد الحداثة: السياق والتاريخ"، الكرمل، العدد 51 (ربيع 1997)، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.78–77
- الطيب تيزيني، "ما بعد الحداثة كنقد للحداثة"، جريدة المنعطف، 2002/3/27، في: سبيلا وبنعبد العالي، ص.73
- المرجع نفسه، ص.75–74
- أجد من غير المنصف وضع هذين الكتابين في "سلة واحدة"، ﻓ صدام الحضاراتجاء ردًا على نهاية التاريخالذي أراد أن يقدّم غطاء أيديولوجيًا للديمقراطية الليبرالية والليبرالية الاقتصادية في الولايات المتحدة التي يتوقف عندها التاريخ بحسب فوكوياما. في حين قدّم هنتنغتون نظرية جديدة قدّمت، رغم كل عيوبها ونواقصها، تصورًا جديدًا لفهم الأثر الحضاري والثقافي الكبير في الصراعات الدولية.
- صادق جلال العظم، ثلاث محاورات فلسفية: دفاعًا عن المادية والتاريخ (بيروت: دار الفكر الجديد، 1990)، ص.225
- المرجع نفسه، ص.524–523
- المرجع نفسه، ص.525
- المرجع نفسه، ص.528
- المرجع نفسه، ص.233
- المرجع نفسه، ص.229
- المرجع نفسه، ص.233
- عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، سلسلة حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، 2003)، ص.86
- المرجع نفسه، ص.157
- المرجع نفسه، ص.156
- المرجع نفسه، ص.137
- المرجع نفسه، ص.131
- المرجع نفسه، ص.125
- المرجع نفسه، ص.299
- المرجع نفسه، ص.301
- من اللافت هذا الربط التآمري بين ما بعد الحداثة (التي ينسب إليها البعض كل الشرور) والصهيونية وقيام دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني. فالمفارقة أن معظم الفلاسفة الذين تحاملوا على القضية الفلسطينية ودافعوا عن سياسات إسرائيل ينتسبون طوعًا إلى فلسفة الحداثة المعادية لما بعد الحداثة مثل هابرماس، في حين أن أكثر المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني وانتقاد إسرائيل كانوا ممن ينعتون بما بعد الحداثيين مثل سعيد ودريدا ودولوز. ولو قبلنا أن أصل سعيد الفلسطيني هو ما يدفعه إلى الدفاع عن شعبه، فما الذي دفع دريدا إلى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وانتقاد دولة إسرائيل إلى حدّ اتهامه بمعاداة السامية وهو من أصل يهوديّ! وما الذي دفع دولوز إلى كتابة مقالين دفاعًا عن الحق الفلسطيني عنون أحدها بعنوان "عظَمة ياسر عرفات" في وسط ثقافي فرنسيّ أقرب إلى إسرائيل... إلخ؟
- عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك، سلسلة عالم المعرفة 232 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1998)، ص.8
- مع استثناءات لأسماء مهمة نذكر منها علي حرب وإدوارد سعيد وأدونيس وكمال أبو ديب على سبيل المثال.
- حسن حنفي ومحمد عابد الجابري، حوار المشرق والمغرب: نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990)، ص.74
- المسيري والتريكي، ص.44
- المرجع نفسه، ص.45
- المرجع نفسه، ص.48
- المرجع نفسه، ص.40
- المرجع نفسه، ص.49–48
- المرجع نفسه، ص.189
- المرجع نفسه، ص.309
- المرجع نفسه، ص.220
- فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1992
- عبد السلام بنعبد العالي، امتداح اللافلسفة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010)، ص.10
- المرجع نفسه، ص.17
- المرجع نفسه، ص.73
- حول هذه النقطة يقول سعيد في مقدمة الكتاب: "وقد انتفعت هنا بالفكرة التي طرحها ميشيل فوكو عن 'الخطاب'، على نحو ما عرضها في كتابه حفريات المعرفة وفي كتابه الآخر المراقبة والمعاقبة، في تحدٍ لمعنى الاستشراق". ينظر: إدوارد سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص.46
- علي حرب، خطاب الهوية: سيرة فكرية (الجزائر: منشورات الاختلاف، 2008)، ص 2،.184
- المرجع نفسه، ص.184–183
- المرجع نفسه، ص.49
- المرجع نفسه، ص.87–86
- المرجع نفسه، ص.118–117
- علي حرب، هكذا أقرأ ما بعد التفكيك (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005)، ص.245–244
التنزيلات
منشور
تواريخ المقالة
إحصاءات الاستخدام
إصدار
القسم
الرخصة
الحقوق الفكرية (c) 2026 تبيُّن

هذا العمل مرخص بموجب Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International License.