العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إدوارد سعيد ووائل حلاق: حول الأسئلة المغيََّبة في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية

إدوارد سعيد ووائل حلاق: حول الأسئلة المغيََّبة في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية

Edward Said and Wael Hallaq: Overlooked Questions in Postcolonial Studies

رشيد بن بيه *

Rachid Benbih *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى بيان أهمية نقد وائل حلاق لكتاب "الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق" واستجلاء حدود هذا النقد، وتحديد دور الاستشراق في مشروعه الفكري، وتحليل الأسئلة المغيَّبة في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية التي أثارها حلاق. وتتمثّل إشكالية الدراسة في المفارقة التالية: انتقد حلاق الحداثة التي أفرزت الاستشراق، وانتهت تحليلاته إلى الدفاع عن استشراق معدل؛ بينما ركّز إدوارد سعيد نقده على الاستشراق دون الحداثة، ودعا إلى استبداله. وتوصّلت الدراسة إلى أنّ سعيد لم ينتقد الحداثة، الأمر الذي جعله مقيّدًا في مشروعه النقدي، وأنّ انخراط حلاق في تعديل الاستشراق يكشف عن محدودية نقده، لكنّه في المقابل يفتح ممكنات نظرية لمساءلة الدراسات ما بعد الكولونيالية.

Abstract

Abstract: This study seeks, firstly, to elucidate the significance of Wael Hallaq’s critique of Said’s Orientalism and to clarify the limits of this critique. Second, it seeks to define the role of Orientalism within his intellectual project. Finally, it analyses the questions raised by Hallaq that have been overlooked in postcolonial studies. The study is underpinned by the following paradox: Hallaq critiques the modernity that produced Orientalism, yet his analysis concludes by defending a modified Orientalism. Conversely, Said focused his critique on Orientalism rather than on modernity and demanded its replacement. The paper concludes that Said’s failure to critically interrogate modernity imposed significant constraints on the impact of his critical project. It also finds that while Hallaq's attempts to modify Orientalism demonstrates the limitations of his critique, it opens theoretical possibilities for interrogating postcolonial studies.

الكلمات المفتاحية:
  • نقد الحداثة
  • الاستشراق
  • الآخر
  • النقد المعرفي
Keywords:
  • Critique of Modernity
  • Modern Knowledge
  • Cognitive Criticism
  • Neo-Orientalism
  • the Other

الغربية للشرق" واستجلاء حدود هذا النقد، وتحديد دور الاستشراق في مشروعه الفكري،

وتحليل الأسئلة المغَّيَبة في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية التي أثارها حلاق. وتتمثّل

إشكالية الدراسة في المفارقة التالية: انتقد حلاق الحداثة التي أفرزت الاستشراق، وانتهت

تحليلاته إلى الدفاع عن استشراق معدل؛ بينما ركّز إدوارد سعيد نقده على الاستشراق دون

الحداثة، ودعا إلى استبداله. وتوصّلت الدراسة إلى أنّ سعيد لم ينتقد الحداثة، الأمر الذي

جعله مقيّدًا في مشروعه النقدي، وأنّ انخراط حلاق في تعديل الاستشراق يكشف عن

محدودية نقده، لكنّه في المقابل يفتح ممكنات نظرية لمساءلة الدراسات ما بعد الكولونيالية.

مقدمة

طرح كتاب إدوارد سعيد (2003–1935): لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق تحديات على الباحثين في حقل الاستشراق خصوصًا، وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية التي أثّر فيها

هذا الفرع المعرفي عمومًا، وتتمثّل هذه التحديات فيما يلي: 1. ارتباط المعرفة الاستشراقية بالقوة. 2. الوضع الخارجي للمستشرق بالنسبة إلى موضوعه. 3. ضغوط الانتماء إلى الاستشراق. 4. هيمنة الإجماع والاستقرار والاستمرار في هذا الحقل. 5. بدائل الاستشراق. يأتي عرض هذه التحديات لأنّها تُشكّل أطروحات أساسية في كتاب سعيد، وما تزال تسائل الباحثين في الدراسات الشرق أوسطية ودراسات المناطق التي حلّت بتسمياتها الجديدة محلّ الاستشراق. وتُسائل تحديات سعيد أيضًا المنتمين إلى حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية على النحو الذي بيّنه

عبد الله حمودي؛ إذ واكب نقد الاستشراق، على سبيل المثال، "لحظة نقد الأنثروبولوجيا برمّتها في

أوروبا وأمريكا، مع محاولات عديدة في تأسيس خطاب متجدد". ويُشكّل صدور كتاب حلاق النقدي قصور لااستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي مناسبةً لبيان

راهنية المنجز السعيدي. ونزعم في هذا السياق أنّ حلاق حاول نقد سعيد لتجديد الاستشراق المتهم بخدمة الكولونيالية. ونطرح، على وجه التحديد، السؤالين الآتيين: هل يكفي البدء في نقد الحداثة، كما فعل حلاق في نقده كتاب لااستشراقلسعيد، للتحرّر من أبنية الاستشراق؟ وما الأسئلة التي

وجّهها هذا النقد إلى حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية التي تأثّرت بكتاب لااستشراق؟ نفترض أنّ

نقد حلاق لسعيد، الساعي لتجديد الاستشراق، كما جاء ذلك صريحًا في عنوان كتابه المشار إليه في

صيغته الإنكليزية، يبدو أشدّ ارتباطًا بأبنية الاستشراق التي انتقدها سعيد نفسه، بقدر ما يقترح هذا العمل مداخل مهمّة لمساءلة الدراسات ما بعد الاستعمارية. وقد أشار حلاق إلى ذلك باقتضاب حين

أكّد أنّ نقده يخالف النقد ما بعد الاستعماري وما بعد البنيوي السائد، بل يمكن القول، إنّ النقد

(((إدوارد سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عيناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.)2006 (((عبد الله حمودي، المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2019)، ص.121 (((وائل حلاق، قصور لااستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، (((حمل الكتاب العنوان التالي: Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge، وفضّل ترجمته ب "قصور

الاستشراق." (((حلاق، ص.124

الذي وجّهه إلى هذه الدراسات، لكونها لا تنتقد الحداثة، ولا الذاتية الغربية المتسيّدة المتورطة في

الكولونيالية وفي جرائم الإبادة، ينطبق على مجمل التيارات النقدية التي تُسائل الغرب بأدواتِ نطاقه المركزي. بناءً على ذلك، نعرض في المحور الأول تحديات سعيد للباحثين في الاستشراق، ونبيّن في المحور

الثاني موقع هذه التحديات في اهتمام حلاق في كتابه قصور لااستشراق، والحجج التي عرضها في هذا السياق. أمّا في المحور الثالث، فنُحلّل موقف حلاق من الاستشراق عمومًا، وطبيعة مشروعه الفكري

على نحوٍ خاص. ونستخلص في الجزء الرابع، مداخل حلاق إلى تجاوز قصور حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية، وإمكانات تعميمها على اتجاهات نقدية غربية، مع بيان اختلاف تصوّره النقدي

في هذا المجال عن الانتقادات التي وُجّهت إلى الدراسات ما بعد الاستعمارية.

أولا: نُقّاد في مواجهة تحديات إدوارد سعيد للاستشراق

أثار كتاب سعيد، منذ صدوره، نقاشات كثيرة، وصدرت ردات فعل متضاربة حول الأفكار التي تضمنها. يستطيع قارئ تلك الانتقادات أن يكتشف الزوايا النظرية و/ أو السياسية والأيديولوجية التي ينطلق منها نَُّقَاد سعيد. إنّ غايتنا من تصنيف مواقف مختلف نَُّقَاد سعيد هي أن نُبِيِّن وجود فئة أخرى،

خامسة، من هؤلاء، تستند إلى منظور آخر لنقد عمله، هو المنظور النقدي للحداثة، وتحاول الإجابة عن التحديات التي طرحها حلاق على المستشرقين.

1. نُقّاد إدوارد سعيد الكلاسيكيون والإضافات النقدية الجديدة

بحسب تيموثي برينان Timothy Brennan (ولد سنة 1953)، أتى نقد سعيد، والهجوم عليه، من أربع فئات: من باحثين معاصرين في حقول اللغة العربية والإسلام والشرق الأدنى، الذين يعتقدون أنّ سعيد تجرّأ على البحث في حقل يتطلّب قدرًا عاليًا من المعرفة؛ ومن ماركسيين شعروا بأنّ نقد مؤلف

الاستشراق لم يكن جدليًا؛ ومن أساتذته في دراسات الشرق الأوسط، لا سيّما جاك بيرك Jacques

Berque (1910–1995)، وماكسيم رودنسون Maxime Rodinson (2004–1915 وعبد الله)، العروي، الذين رأوا أنّ تكوينه في الأدب منعه من إدراك التنوّع والاختلاف في حقل الاستشراق؛

ومن مجموعات اليمين في الإعلام ومراكز البحث، التي انتقدها حميد دباشي "مثل معهد واشنطن

(((ينظر تحليل هذه الفكرة في: رشيد بن بيه، "الحداثة والكولونيالية والإبادة"، مجلة المستقبل العربي، العدد  503 (2021)، ص.25–7 (((ينظر مثلًا: نماذج لتلك الانتقادات في: محمد أركون [وآخرون]، لااستشراق بين دعاته ومعارضيه، ط  2، ترجمة هاشم صالح

(بيروت: دار الساقي،.)2002 (((ينظر مثلًا: صادق جلال العظم، "الاستشراق والاستشراق معكوسًا"، في: ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب، ط 2

(بيروت: دار المدى للثقافة والنشر، 2004)، ص.62–13 (((تمثي برنن، إدْوَرد سعيد: أماكن الفكر، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة 492 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة

والفنون والآداب، 2022)، ص.242

لسياسات الشرق الأدنى الصهيوني Washington Institute for Near East Policy, WINEP، أو

معهد هوفر التابع للمحافظين الجدد [...]، التي تعمل تحت الخدمة الفورية للإمبراطورية". يندرج كتاب حلاق المشار إليه في الردود المتواصلة المرتبطة بفكر سعيد. ويعي مؤلفه اختلاف منظوره النقدي عن باقي انتقادات سعيد، التي حصرها فيما يلي: نقد منهجي، يتمثّل في تبنّي

الحتمية الفوكوية، التي لا تأخذ في الاعتبار دور المؤلف، وسقوط عمل سعيد في تصوّر جوهراني

للشرق والغرب، وافتقاده المنهج التاريخي، فضلًا عن الاستناد إلى افتراضات معرفية متناقضة؛ ونقد شكلي، يتجلّى في تنكّر سعيد لانتقادات سابقيه للاستشراق، وتجاهل الاستشراق الألماني وكتابات مستشرقين آخرين، وغياب تفسير الأنماط المميزة للاستشراق؛ ونقد هجومي قدحي متحيّز، يرى في

كتاب لااستشراقمعاداة للسامية، ودفاعًا عن الإسلام. ورأى حلاق، في تعليقه على هذا النقد، أنّ

افتقار عمل سعيد للمنهج التاريخي هو أهم هذه الانتقادات. وبقدر ما يحاول حلاق رفع بعض التحديات التي طرحها سعيد، مثل تحدي انسجام حقل الاستشراق، وغياب الاختلاف داخله، فإنّه يفتح منظورًا نقديًا جديدًا لكتاب لااستشراق، لكونه ينتقد الحداثة والمعرفة

الحديثة اللتين أنتجتا ظاهرة الاستشراق. لم ينتقد سعيد الحداثة، ولم يُثِر مسؤولية الذات الحديثة

في الاستشراق؛ لذا يمكن القول إنّ نقد حلاق لسعيد ينتمي إلى فئة خامسة من النقد، مخالفة لفئات النقد التي أشار إليها تيموثي برينان. ويمثّل فئة النقد هذه باحثون قلة – عبد الوهاب المسيري ووائل حلاق – انتقدوا إدوارد سعيد لكونه بقي أسير الفكر الغربي الحداثي، العلماني والإنسانوي. لقد انشغلت فئات النقاد التي أشرنا إليها، وإن اختلفت زوايا نظرهم للموضوع، بتحديات سعيد للمستشرقين.

2. تحديات إدوارد سعيد للاستشراق ومعضلة الاستثناء

تكشف تحديات سعيد للمستشرقين ما أسمّيه معضلة الاستثناء في حقل الاستشراق؛ إذ إنّ المستشرقين

جميعهم منخرطون في نظام القوة، ويحظون بموقع خارجي بالنسبة إلى الشرق الذي يتحدّثون عنه، ويخضعون لتقاليد البحث في حقل الاستشراق، التي تمنعهم من الانفصال عن نظام القوة، ويدافعون باستمرار عن الاستشراق. ويتمثّل أول هذه التحديات في ربط سعيد بين المعرفة الاستشراقية والقوة الهادفة إلى السيطرة على الشرق. ونبدأ بهذا الاعتراض؛ لا لأهميته المعروفة، وإنما لكون الباحثين في الاستشراق أنفسهم، مثل برنارد لويس Bernard Lewis (2018–1916)، يعترفون بانخراط جزء من المستشرقين في نظام القوة، من دون أن يقدّموا حججًا مقنعة عن انفصال الجزء الآخر منهم عن هذه القوة، خصوصًا أنّ

حجة لويس المتعلقة بازدهار الدراسات الاستشراقية في بعض البلدان الأوروبية، التي لم تُسهم في الهيمنة على العالم العربي، لم تصمد أمام النقد.

(1((ينظر نقدًا لهذه المراكز في أعمال: حميد دباشي، هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟ ترجمة عماد الأحمد (ميلانو، إيطاليا:

منشورات المتوسط، 2006)، ص.30 ((1(حلاق، ص.33–35 ((1(أركون [وآخرون]، ص.187

يتعلّق التحدي الثاني بالوضع الخارجي للمستشرق والمعرفة الاستشراقية. إنّ الباحث في الاستشراق، مهما حاول التحدّث من داخل الحقل الاستشراقي، واستقرّ سنوات في الشرق، وتعلّم لغات شعوب

هذه المنطقة، تظل معرفته بالشرق خارجية، لكونه يستنطق الشرق بدلًا من أن يتواصل معه. ويُعدّ

التمثيل النتاجَ الرئيس للوضعية الخارجية للمستشرق بالنسبة إلى موضوع بحثه. وعرض سعيد

مقولة كارل ماركس Karl Marx (1818–1883) التي أصبحت مشهورة بعد نشر كتاب لااستشراق: "إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ولا بد أن يمثلهم أحد"، لتوضيح هذه الفكرة. ولا يكتسي الوضع الخارجي بالنسبة إلى المستشرق امتيازًا إبستيمولوجيًا، بل يُعدّ دليلًا على إكراه المستشرق الشرقَ

على الحديث. ويستنتج سعيد أنّ "المستشرق كان يظل دائمًا خارج الشرق، ويظل الشرق، مهما يبلغ

نجاح المستشرق في تيسير فهمه في الظاهر، خارج نطاق الغرب". يتجلّى التحدي الثالث في الضغوط التي يفرضها حقل الاستشراق، وتقاليده البحثية على المستشرق؛ و"لقد بلغ من توطيد مكانة الاستشراق أنّ أحدًا لم يكن يقدم على الكتابة أو التفكير أو اتخاذ أي إجراء بصدد الشرق دون أن يأخذ في حسبانه القيود التي يفرضها الاستشراق على الفكر والعمل". وتجعل هذه الضغوط من المستشرق أداةً لهذا الفرع المعرفي، المرتبط بالاستعمار والكولونيالية. ويكون المستشرق عاجزًا عن الخروج عن القيود المعرفية والأكاديمية، وقيود الانتساب التي يفرضها

هذا الحقل على الباحث. وتحدّ هذه العوائق، التي لا يعيها المستشرق، في غالب الأحيان، من قدرته على النقد، ما يجعل النقد من داخل بنية الاستشراق أمرًا صعبًا. إنّ الباحث خارج هذا الحقل،

المنفلت من إكراهات الانتساب إلى هذا التخصص، يكون قادرًا على نقد الاستشراق والتحرر من

قيوده أكثر من المستشرق، ما يضع إدوارد سعيد في موقع الامتياز الإبستيمولوجي مقارنةً بفئة الباحثين في الدراسات الشرقية. يترتب على الضغوط التي يمارسها حقل الاستشراق على المنتسبين إليه والباحثين فيه تحدّ آخر، رابع، هو الإجماع والاستقرار والاستمرار في خطاب الاستشراق. إنّ هذا الخطاب، وإن أبدى تعاطفًا مع الشرق، يظل خطابًا استشراقيًا يؤدي المهمات نفسها الموكولة إلى هذا الحقل المعرفي. وقد وضع

سعيد الخطاب الاستشراقي المتعاطف ضمن أبنية الاستشراق، سواء تعلّق الأمر بالاستشراق الكامن أم بالاستشراق السافر؛ إذ كتب: "أما الإجماع والاستقرار والاستمرار في الاستشراق الكامن فهي خصائص ثابتة تقريبًا. فالفوارق بين الأفكار الخاصة بالشرق عند كتاب القرن التاسع عشر [...] تقتصر

على الفوارق السافرة، فهي فوارق في الشكل والأسلوب، ونادرًا ما تمسّ المضمون الأساسي".

واستثار موقف سعيد هذا نقدًا كبيرًا، من دون أن يقدم منتقدوه حججًا على الاختلاف في حقل

الاستشراق، كما سنبيّن فيما بعد.

(1((وائل غالي، ما بعد لااستشراق، ج  1 (القاهرة: دار الهلال، 2007)، ص.162 ((1(سعيد، ص.347 ((1(المرجع نفسه، ص.46 ((1(المرجع نفسه، ص.374

ويتمثّل التحدي الخامس في بدائل الاستشراق التي يدعو إليها سعيد؛ إذ "كلّ ما أدعو إليه في الاستشراق هو اتخاذ منهج جديد في تفهم عناصر الانفصال والتضارب التي دفعت أجي لًا متعاقبة إلى العداء والحرب والسيطرة الإمبريالية"، ما يُسائل بقوة هذا الفرع المعرفي الذي تبيّنت فاعليته

في الشرق لمصلحة الغرب، وفي تمثيل الإسلام تمثيلًا عدائيًا. وبخلاف الفئات النقدية الأربع المشار إليها في بداية هذا المحور، التي حاولت الرد على اعتراضات سعيد على الاستشراق باتهام هذا المفكر بعدم التخصص، والنزعة الليبرالية، ودعم الإسلام، وغيرها من الانتقادات، ينتمي نقد حلاق لكتاب لااستشراقإلى الفئة الخامسة من نقاد سعيد. وقد أعطى حلاق الاستشراق بُعدًا إشكاليًا بإدراجه في نطاق النقد الجذري للحداثة، ورَّدَ على بعض اعتراضات

سعيد على الاستشراق، مثل الإجماع والاستقرار والاستمرار في خطاب الاستشراق رًّدًا ينسجم مع نقده للحداثة التي أفرزت الاستشراق.

ثانيًا: ردود وائل حلاق وإشكالية استبدال أو تعديل الاستشراق

حاول حلاق تقديم أجوبة عن التحديات الخمسة التي طرحها سعيد على المستشرقين والباحثين في حقل الاستشراق، وتتمثّل أهمية عمله في النظر إلى الاستشراق من منظور نقدي مختلف؛ إذ وضع إطارًا نظريًا لنقد الاستشراق والبنية الفكرية التي أنتجت هذا الحقل المعرفي.

1. إطار نظري نقدي للحداثة والاستشراق

اختار حلاق مدخلًا جديدًا لنقد سعيد، هو المدخل النقدي للحداثة، ولاحظ استناد صاحب مؤلف

لااستشراقإلى الحداثة والليبرالية، وقيم العلموية، والإنسانوية في نقده؛ إذ إنّ سعيد لم يُسائل الحداثة

الغربية، المسؤولة، في نظر حلاق، عن الاستشراق وعن ظواهر أخرى كثيرة، مثل الإمبريالية والعنصرية والإبادة. وقد وضع حلاق إطارًا نظريًا نقديًا لعمله ليبيّن أنّ الاستشراق ليس استثناءً في بنية الفكر الغربي،

بل إنّ ما ينطبق عليه من أدائية وأداتية وإمبريالية ينطبق على مختلف فروع المعرفة الحديثة، من إنسانيات واجتماعيات وطبيعيات، وُجدت لتخدم النطاق المركزي الغربي، الذي تحتل فيه المادية والأدائية، منذ

عصر التنوير، موقعًا مركزيًا، بينما تُهَمَّش الأخلاق إلى نطاقٍهامشي. لقد لاحظ المسيري، قبل حلاق، أنّ أعمال سعيد يغيب فيها نقد الحيز الغربي الذي يتحرك فيه، ويقصد بهذا الحيز الحداثة الغربية (الليبرالية والماركسية) التي خصّها المسيري بالنقد في مختلف أعماله.

كتب المسيري ما يلي: "مع احترامي الشديد لخطاب إدوارد سعيد الما بعد كولونيالي، وإسهاماته معروفة للجميع، وأثره واضح، خصوصًا في العالم العربي، في تحدي المقولات التحليلية السائدة

بخصوص الشرق وبخصوص العالم الإسلامي، لكن يظل هناك حيز قد يكون خارج نطاق خطابه، باعتبار أنّ الحيز الذي يتحرك فيه هو الحيز الغربي".

((1(المرجع نفسه، ص.531 (1((عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006)، ص.202

نتفق مع النقد الذي وجّهه المسيري وحلاق إلى سعيد في هذا الباب؛ فهو قد بقي حداثيًا وإنسانويًا

علمانيًا، من دون شك؛ إذ دافع عن الحداثة في مواجهة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، وعدّ

الاستشراق جزءًا من الثقافة العلمانية، وقد أشار إلى أنّ "الاستشراق الحديث مستمد من عناصر

العلمانية في الثقافة الأوروبية في القرن الثامن عشر"، من دون أن ينتقد هذه الثقافة العلمانية. ومع ذلك، يمكن القول إنّه وظّف الثقافة الغربية بقدر ما نقدها؛ فقد استخدم الماركسية، وانتقد في الآن ذاته موقف ماركس الاستشراقي وتحدّاه، واستعان بخطابات ما بعد الحداثة على الرغم من رفضه التفكيكيّة وما بعد البنيوية. إضافة إلى ذلك، فإنّ جهل سعيد بالتراث الإسلامي، كما آخذه بذلك

حلاق، لم يمنعه، بحسب مهنا الحبيل، من تعرية الانحياز الغربي، ومن التمرّد الأخلاقي والعلمي

على الاستشراق. لم يمنع تحرّك سعيد في حيز غربي من تأزيم حقل الدراسات الشرقية، التي وجدت نفسها مجبرة على

إعادة بناء ذاتها، ولم يُفضِ عمله إلى الدفاع عن الاستشراق، أو عن أحد أبنية هذا الحقل المعرفي،

ما يبيّن أنّ الانطلاق من نقد الحداثة، كما يطرحه حلاق، لا يفضي بالضرورة إلى التحرر من رؤية

الاستشراق ومن ظواهر أخرى أفرزتها الحداثة. فعلى سبيل المثال، لم يترتب على النقد الرومانسي للحداثة أيّ إدانة للكولونيالية والاستعمار والإبادة، ما يُسائل بقوة المدخل النظري النقدي للحداثة

الذي وضعه حلاق لنقد عمل سعيد حول الاستشراق.

2. وائل حلاق في مواجهة شاقة مع تحديات إدوارد سعيد

خلافًا للكتابات النقدية لعمل سعيد، التي غلب عليها الطابع السياسي في نظر حلاق، حاول هذا المفكر أن يجيب، في ثنايا كتابه قصور لااستشراق، عن تحديات سعيد الخمسة المشار إليها في هذا الحقل المعرفي. وبقدر ما اجتهد حلاق في الرد على تلك التحديات، دافع عن الأطروحة الأساسية في كتاب لااستشراق، المتمثّلة في ارتباط المعرفة بالقوة، وأشار إلى الضغوط التي يمارسها الاستشراق على المنتمين إليه. لم يُنكر حلاق، في معرض مناقشته للتحدي الأول، ارتباط المعرفة الحديثة عمومًا بالقوة، بل عمّق

البحث في سياق نشأة نظام القوة الحديثة السيادية، التي لا تلتزم بأي مبدأ إلا ذلك الذي تضعه لنفسها، وتوقف عند خصائص هذه القوة؛ ففي نظره، تعود أصول القوة الحديثة إلى عقلانية عصر التنوير، وتختلف عن نظيرتها الكلاسيكية في كونها لا تخضع ل "القيود المعيارية ولمبادئ عليا، سواء أكانت

هذه المبادئ قانونية أخلاقية، أم مبادئ تفرضها العادات، والتي لا تقِلّ فاعلية عنها".

(1((يُقِدِّم سعيد نفسه باعتباره مفكرًا علمانيًا، ينظر كتابه: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، ط  4 (بيروت:

دار الآداب، 2014)، ص.361 ((2(سعيد، ص.208 (2((مهنا الحبيل، وائل حلاق وإدوارد سعيد: جدل ثالث (بيروت: المؤسسة العربية للنشر والدراسات، 2022)، ص.28 ((2(حلاق، ص.300

دَّعَم حلاق في هذا الجانب فكرة سعيد بمزيد من الحجج. وبهذه الطريقة، ردّ على انتقاد لويس الذي نفى أن يكون الاستشراق منخرطًا في نظام القوة. فقد رفض هذا المستشرق، في ردّه على سعيد، وصفَ معرفة الغرب للشرق ب "الاستملاك، والتراكم، والانتزاع، والنهب، والاغتصاب"، وانتقد "تجُّرُؤ" سعيد على نقد حقل معرفي لم يتلَّقَ فيه تكوينًا عاليًا. ولكن حلاق، الذي يرى أنّ الاستشراق،

وباقي فروع المعرفة الحديثة، تخدم الكولونيالية، يبدّد الشكوك حول أهداف الاستشراق الحقيقية، ما يبيّن أنّ الإطار النظري الذي تبناه حلاق لنقد سعيد يدعم حجة الأخير بشأن ارتباط الاستشراق

بالقوة. لم يتوقف حلاق عند تحدي ارتباط المعرفة بالقوة، بل اجتهد في الرد على فكرة الوضع الخارجي للمستشرق بالنسبة إلى موضوعه، غير أنه اقتصر على بيان أهمية نقد الاستشراق من داخله. فباعتباره متخصصًا في هذا الحقل المعرفي، وجد أنّه معنٌّيٌ بنقد سعيد الجذري للاستشراق؛ لذلك شدّد على

دور النقد الداخلي، مقدّمًا، في الآن ذاته، توصيفًا للضغوط التي يفرضها حقل الاستشراق، على غرار

ما أشار إليه سعيد في هذا الباب. وفي هذا السياق، يقول حلاق: "إنّ زعزعة الهيمنة الفكرية الغربية الاستشراقية لا يمكن تحقيقها من خارج نطاق هذا الفكر، كما بُرهن على ذلك مرارًا من قبل، فإنّ هذا

الفكر هو عبارة عن خطاب متمنّع ومحَّصَن داخل معاقل دور العلم الغربية، ويشكّل جزءًا عضوًّيًا من

هذا النظام الفكري". ويرى أنّ عمله النقدي "يمثل محاولة جادة لزعزعة الفكر الاستشراقي من داخل معاقله". يكشف حلاق صعوبة نقد الاستشراق من الداخل، وينتقد، على نحو غير مباشر، فكرة لويس التي تقول: "إنّ النقد الأكثر صرامة ودقة هو ذلك الذي يقوم به المستشرقون أنفسهم، بمن فيهم أولئك الذين هم شرقيون". وهذا التحدي جعله يبحث عن ناقد للاستشراق من داخل بنيته، وقد مهّد لذلك بأفكار ميشيل فوكو Michel Foucault (1984–1926) حول طبيعة القوة الحديثة، ليبيّن أنّ

الاستشراق باعتباره نظامًا للقوة، ينتج عناصر المقاومة من داخله، كما جسّدها، في نظره، رونيه

غينون René Guénon (1951–1886) في حقل الاستشراق. وقبل بيانه لذلك، انتبه إلى أنّ نقد سعيد للويس ماسينيون (1962–1883) Louis Massignon يمكن أن ينطبق على غينون، نظرًا

إلى التقارب النسبي بين هذين المستشرقين؛ لذلك حاول حلاق وضع "نظرية" للمؤلف، من أجل التمييز بين المستشرق الهدّام لحقل بحثه، كما مثّل ذلك غينون، وغيره من الباحثين المقَّيَدين

بأهداف الاستشراق.

((2(أركون [وآخرون]، ص.170 (2((وائل حلاق، تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدمة في أصول الفقه السني، ترجمة أحمد موصللي، مراجعة فهد بن عبد الرحمن الحمودي (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص.6 (2((حلاق، تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، ص.6 ((2(أركون [وآخرون]، ص.179 (2((حلاق، قصور لااستشراق، ص.263

بَلْور حلاق "نظرية حول المؤلف" للرد على تحدي الإجماع والاستقرار والاستمرار، الذي يُعدّ إحدى خصائص الاستشراق. وسبق أن انتقد العديد من الباحثين جمع سعيد جَُّلَ المستشرقين "في سلة واحدة"؛ فالعروي، مثلًا، يؤكّد وجود اختلاف في حقل الاستشراق، بحيث لا يمكن "تقييم أعمال مكسيم رودنسون بالقيمة نفسها لأعمال إرنست رينان Ernest Renan ")1892–1823(. وعلى غرار ذلك، آخذ دباشي سعيد بحشر إغناتس غولدزيهر Ignaz Goldziher (1921–1850) مع جملة من المستشرقين الآخرين، على الرغم من كون غولدزيهر معارضًا للكولونيالية، ومدافعًا عن صورة إيجابية عن الإسلام؛ فقد رأى أنّ هذا "الدين فقط، حتى في صيغته العقائدية والرسمية، هو القادر على إرضاء العقول الفلسفية". لكن دباشي لم يحلّ معضلة وجود الاستثناء من عدمه في حقل الاستشراق، بل دعّمها بمزيد من الحجج، مدافعًا بذلك، ضمنيًا، عن سعيد؛ فقد استنتج أنه على

الرغم من اختلاف النتائج الفردية بين المستشرقين، بين أرمينيوس فامبري Arminius Vambéry (1913–1832)، المستشرق الجاسوس الذي "كان منتظمًا في أعمال الكولونيالية البريطانية كخبير في شؤون آسيا الوسطى"، وغولدزيهر، فإنّ ذلك لا يمكن أن يُخفي القاعدة التي ينطلقان منها، وهي أنّ كليهما اشتغل، بحسب دباشي، "ضمن المجموعة ذاتها من الافتراضات المعرفية عن 'الشرق' باعتباره 'شيئًا'، وهذا الشيء معرفته ممكنة، فكان كلاهما هناك لهذا الغرض". خلافًا لذلك، حاجّ حلاق بوجود الاستثناء في حقل الاستشراق، واستند إلى تعريف ميشيل فوكو للمؤلف بعد تطويره للبرهنة على وجود مؤلف هدّام، أو مستشرق ببصمة محددة، يشكّل استثناءً داخل

حقل الاستشراق. وكتب حلاق مدافعًا عن الاستشراق: "يمكن للاستشراق أن يزوّدنا – من داخل نطاقه نفسه – بخطاب ناقد بنيويًا للكولونيالية والاستشراق، وهو نقد أكثر عمقًا وفائدة من نقد سعيد؛ إذ يمسّ قوته من وصوله إلى قلب النطاق المركزي". ولم يقع اختيار حلاق على اسم غولدزيهر، ولا على أسماء المستشرقين التي أثارها نُقّاد سعيد مثل لويس ورودنسون، بل استدعى غينون للمحاجّة

بشأن هذا الاستثناء، ومَّهَد لهذا الاختيار بنقدٍ وتطويرٍ لنظرية فوكو المتعلقة بأصناف المؤلفين. ويختلف حلاق مع سعيد في نقد الحيّز الذي يخصصه فوكو في نظريته ذات الصلة بالمقاومة. فقد انتهى

سعيد إلى اعتبار فوكو كاتبًا للسلطة، على الرغم من إشارات الأخير الدائمة إلى المقاومة، بينما عَّدَ

حلاق أنّ أفكار فوكو حول المؤلف مهما بدت بدائيّة؛ ذلك أنها "تظل بنّاءة وواعدة أكثر من أي نظرية

(2((نديم نجدي، أثر لااستشراق في الفكر العربي المعاصر (بيروت: دار الفارابي، 2005)، ص.498 (2((حميد دباشي، ما بعد لااستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب، ترجمة باسل عبد الله وطفة، مراجعة وتدقيق حسام الدين محمد (ميلانو، إيطاليا: منشورات المتوسط، 2015)، ص.128 ((3(المرجع نفسه، ص.87 ((3(المرجع نفسه، ص.142 (3((حلاق، قصور لااستشراق، ص.223 (3((إدوارد سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، تقديم غاوري فسواناثان، ترجمة نائلة قلقيلي حجازي (بيروت: دار الآداب، 2008)، ص.237

أخرى". إنّ نقد حلاق لسعيد بسبب استناده إلى فوكو، أو استناده إلى فهم ملتبس لهذا الفيلسوف، غير صحيح؛ إذ لم يتحدث سعيد عن الخطاب كما فعل فوكو، بل إنه – كما لاحظ الحبيل – نأى بنفسه عن التطرف الجنسي لفوكو. وأثبت سعيد ذلك في أحد حواراته، حين أشار إلى "أنّ أعمال فوكو بأكملها ليست سوى تجسيد لشذوذه الجنسي الغريب الأطوار واهتمامه بالمازسوشية السادية". حدّد فوكو صنفين من المؤلفين: مؤلفًا ميتًا مقيّدًا بنظام القوة، وآخر خطابًّيًا يؤِّسِس لنظام خطاب

بديل، وأضاف حلاق إليهما صنفين آخرين، هما: المؤلف المعارض أو المنشق، الذي يُفضي خطابه إلى إصلاح منظومة فكرية معينة؛ والمؤلف الهدّام، الساعي إلى تقويض هذه المنظومة. ويُعدّ سعيد، في نظر حلاق، مؤلفًا معارضًا، لأنّه "لا يُسائل أركان النظام الأساسية، أو البنى المعرفية وأنماط المعرفة التي تحدد النظرة الكونية". ونتفق مع حلاق في هذا الباب، لكون سعيد لم ينتقد الحداثة، أو ما يسميه المسيري الحيّز الغربي الذي يتحرك فيه، غير أننا نختلف معه في حكمه على كتاب

لااستشراق. إنّ نقد سعيد لهذا الحقل المعرفي كان نقدًا هدّامًا، لكونه دعا إلى استبدال الاستشراق استبد لًا كليًا، ولكونه لم يتقيّد البتّة بالفكر الغربي الذي وظّفه؛ فهو يستخدم هذا الفكر بقدر ما يقاومه،

كما يبيّن ذلك نقده لماركس، وفوكو المشار إليه آنفًا. وبحسب حلاق، يُعدّ غينون مؤلفًا هدامًا، في حين أنه ينظر إلى سعيد بوصفه مفكرًا معارضًا. وينتمي

غينون إلى "الجيل الأخير من المستشرقين الأوروبيين الذين أتقنوا العديد من اللغات الآسيوية وطوّروا

أكثر من تراث واحد". لكن لم يبيّن حلاق على نحوٍ كافٍ إن كان غينون مستشرقًا منخرطًا في حركة

الاستشراق، ليستقيم حجاجه بشأن قدرة النقد الذي يقوم به المستشرقون داخل حقل الاستشراق على تدمير بنيانه. وتشير المعلومات المتوافرة عن سيرة حياة غينون، كما لاحظ الحبيل، إلى تحييد فلسفته عن الاستحقاق البحثي في الأكاديميا الفرنسية. لقد انتقد غينون، من دون شكّ، الحضارة الغربية، ولفت الانتباه إلى عجز الغربيين عن فهم الحضارات الشرقية، وانتقد – فضلًا عن ذلك – الاستعمار انتقادًا صريحًا، وكتب: "إن الغزو الاستعماري، شأنه شأن

كل غزو مسلح آخر، لا يعتمد على أيّ حق غير حق القوة الباطشة". غير أنّ هذا النقد بلوره غينون خارج حقل الاستشراق، وقد لمّح حلاق إلى ذلك حين قال إنّ وضع غينون في الاستشراق السائد

(3((حلاق، قصور لااستشراق، ص.362 (3((سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، ص.294 ((3(الحبيل، ص.150 (3((سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، ص.294 ((3(المرجع نفسه، ص.264 ((3(المرجع نفسه، ص.227 ((4(الحبيل، ص.56 (4((ريني غينون (الشيخ عبد الواحد يحيي)، شرق وغرب، ترجمة عبد الباقي مفتاح (إربد، الأردن: عالم الكتب الحديث، 2016)، ص.119

غير مستقر. لقد رأى حلاق غينون هدّامًا؛ ليس لكونه انتقد الاستشراق من داخل معاقله، لأن ذلك

يتطلب منه تقديم مزيد من التفاصيل عن علاقة غينون بالاستشراق الرسمي وغير الرسمي، بل لكونه انتقد الحداثة ودعا إلى استبدالها. لكنّ نقد الحداثة لا يكفي وحده في الحكم على مؤلّف بكونه هدّامًا، ثمّ

إنّ نقده للحداثة والمادية والفردانية والعلم الحديث كان محكومًا بما شهدته أوروبا بعد الحرب العالمية

الأولى من مآسٍ بيّنت حاجة الغرب إلى الشرق. ويرث هذا الاتجاه النقدي، الذي يمثله حلاق، كما يتبيّن

لنا، مرجعتيه من الاستشراق الرومانسي، الذي لم يُبدِ معارضة للكولونيالية والهيمنة الغربية على الشرق؛

إذ إنّ الاستشراق الرومانسي، وإنْ أبدى تعاطفًا مع الشرق، فهو يُشكّل جزءًا من التيارات التي قامت عليها

أبنية الاستشراق (التوسع، والمواجهة التاريخية، والتعاطف، والتصنيف) التي تحَّدَث عنها سعيد، خصوصًا تيار التعاطف. وينطلق هذا التيار الاستشراقي من أزمة الغرب، ويبحث لها عن خلاص في

الشرق؛ ف "المستشرق وغير المستشرق ينطلقان من إدراكهما أنّ الثقافة الغربية تمر بمرحلة مهمة، وأنّ سمتها الأساسية هي الأزمة التي فرضتها عليها بعض الأخطار، مثل خطر الهمجية، والاهتمامات التقنية الضيقة، والجدب الأخلاقي، والنزعة القومية العالية النبرة، وما إلى ذلك بسبيل". ويُبيّن هذا الاقتباس

من كتاب سعيد أنّ انشغال حلاق بمركزية الأخلاق في نطاق الشريعة، ودعوته إلى إحلال الأخلاق محل النطاق المركزي، لا يخرجان عن نطاق الاهتمام الغربي بالسبل الكفيلة بمواجهة أزمات الغرب وإصلاح الذاتية الغربية، المُتهمة بالعدوانية، والعرقية، والذكورية، وتدمير البيئة. لقد انتقد حلاق الحداثة، وآخذ سعيد بحداثيته ونزوعه العلماني الإنسانوي. ومع ذلك، لم يدافع سعيد عن منتج الحداثة الاستشراقي، كما فعل حلاق، بل طرح أمام الباحثين في هذا الحقل المعرفي تحدي استبدال هذا الحقل بحقل آخر؛ ففي نظره، لا بدّ من "التساؤل عن كيفية دراسة الثقافات والشعوب الأخرى من منظور تحرري". وفي مقابل ذلك، دافع حلاق عن الاستشراق الذي أنتجته هذه الحداثة، على الرغم من نقده لها، وبذلك يكون ردّه على تحدّي سعيد هو تعديل الاستشراق، ما يبيّن، من دون شكّ، انخراط حلاق في المساعي التي تُبذل في الغرب لإعادة بناء الاستشراق بعد

نقد سعيد له، من خلال الدعوة إلى استشراق جديد مُعَدَّل، على نحو ما يوحي بذلك عنوان كتاب

حلاق قصور الاستشراق في صيغته الإنكليزية الأصلية، والموَّجَه إلى القارئ الغربي.

ثالثًا: بناء الاستشراق، واستعادة المنظور الرومانسي

ردّ حلاق في كتابه قصور لااستشراقعلى التحديات التي طرحها سعيد رًّدًا يكشف التناقض التالي؛ فمن جهة، انتقد وائل حلاق الحداثة نقدًا جذرًّيًا، وآخذ إدوارد سعيد باستناده إلى الحداثة، ومن جهة أخرى دافع عن إصلاح الاستشراق الذي أنتجته الحداثة التي انتقدها.

(4((حلاق، قصور لااستشراق، ص.227 (4((سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ص.207 ((4(المرجع نفسه، ص.398 ((4(المرجع نفسه، ص.74

1. مفارقة رفض الحداثة، والدفاع عن استشراق معدّل

وضع حلاق، بغية نقد كتاب لااستشراقلإدوارد سعيد، إطارًا نقدًّيًا للحداثة، ويُعدّ عمله مُهًمًّا لكونه

كشف الروابط القائمة بين الحداثة والكولونيالية والإبادة والوحشية. وفضلًا عن ذلك، بَّيَن أن جلّ

التخصصات المعرفية والعلمية ليست إّلا أدوات صُمّمت لتخدم النطاق المركزي الغربي الرأسمالي.

وقد سبق أن عقد الحبيل، بعد صدور كتاب حلاق، مقارنة بينه وبين سعيد، مشيرًا في البداية إلى أنّ

قضايا كتاب لااستشراقما تزال "توقظ حركة التأييد والمعارضة، وأنّ وائل حلاق قفز بمسار نقد الاستشراق إلى أفق أرحب وأوسع يرتّب المسؤولية على الحداثة في أزمات العصر". واقترح أّلا يُنظر إلى كتاب حلاق قصور لااستشراق، بوصفه رًّدًا أو نقدًا لسعيد، وإنما بوصفه مدوّنة مميّزة

وتشكّلًا خطابيًا جديدًا لنقد الفلسفة المقيّدة بالحداثة. واهتم الحبيل أكثر باستخراج موقف

ثالث من مشروعيهما، منطلقًا من سؤالين: أين المأزق؟ وكيف نفهم الطريق الجديد؟ وجادل بدور المعرفة الإسلامية في تصحيح المرجع الأخلاقي للحداثة، ونقد الجانب الآخر الذي أسهم في تدمير العالم وحصار الإنسان. لكنّه لم ينتبه في دراسته إلى أنّ نقد حلاق للحداثة لم يمنعه من الدفاع عن

الاستشراق الذي أنتجته الحداثة. يتوَّقَع قارئ مؤَّلَفات حلاق، ولا سيّما كتابه قصور لااستشراق: منهج لنقد العلم الحداثي، رفض هذا

المفكر للاستشراق لكونه أداةً من أدوات النطاق المركزي الرأسمالي، غير أننا نفاجأ بدفاعه عنه، من دون أن يترتب ذلك منطقًّيًا على نقده للحداثة؛ ففي الوقت الذي يرفض فيه إصلاح الحداثة، دافع عن

تعديل الاستشراق، ما يدعم فرضية سعيد المتعلقة بالضغوط التي يفرضها الاستشراق على المنتمين إليه داخل الأكاديميا الغربية. انتقد حلاق الاستشراقَ، لكنه خصّ هذا الحقل المعرفي، في الصفحات الأخيرة من كتابه، بمكانة

متميزة؛ إذ كتب: "إن الاستشراق، ومن خلال تحدي إعادة تشكيل الذات بصورة عميقة وهادفة، يمكن أن يُحِوِّل بُنى فكره الداخلية ليساهم – ولو بصورة متواضعة – في فتح طريق مستقبلي للبشرية

كلها، بادئًا بأخذ الآخر بدرجة مناسبة من الاعتبار". وفي الوقت ذاته، حافظ حلاق على ثنائية الذات/ الآخر، التي رسّخها الاستشراق، مع أنها تعرّضت لنقد كبير. ومن أبرز ذلك نقد إنريك دوسيل

Enrique Dussel، من دون أن يبيّن المقصود ب "الآخر". ولن تخرج دلالة الآخر لدى حلاق،

كما نفترض، عن تعريف ماكس شيلر؛ الذي "شدّد على تفرّد معرفة الآخر وعلى تعادلها أو تفوّقها

على معرفة الأنا". إنّ "الآخر"، على الرغم من كل معانيه الإيجابية في الاستشراق المتعاطف، يظل موضوعًا رهن إشارة الغرب، لاستخدامه من أجل الخروج من أزمات الحداثة. لقد أحلّ حلاق الذات

((4(الحبيل، ص.11 ((4(المرجع نفسه. (4((حلاق، قصور لااستشراق، ص.360

(49) Enrique Dussel, 1492: L’occultation de l’autre , Christian Rudel (trad.) (Paris: Les éditions ouvrières, 1992).

((5(غالي، ص.166

محلّ الغرب، والآخر محلّ الشرق، محافظًا على بنية الاستشراق الأساسية. فإذا كان هدف الاستشراق الكلاسيكي هو الهيمنة، فإنّ هدف الاستشراق المعدّل، بحسب حلاق، سيكون تقوية الذات لتكون قادرة على مواجهة أزمات العالم الحديث. ويستطيع الاستشراق المُعَدَّل، في نظره، أن يقدّم خطابًا

مضاًّدًا يمكنه تسهيل التغيير المطلوب للتعامل مع الأزمات التي يولّدها المشروع الحديث. زيادة على ذلك، دافع حلاق عن عقلانية الاستشراق؛ إذ يقول: "لكي يتمكن الاستشراق من البقاء كمنظومة بحث عقلاني، يلزم أن يأخذ في الاعتبار الحاجة الجديدة إلى النقد الداخلي الذي تتطلبه العقلانية نفسها". يُشِدِّد حلاق على النقد الداخلي؛ أي ذلك النقد الذي يتكفّل به المستشرقون، من دون

أي إشارة إلى أهمية النقد الخارجي، مثل نقد سعيد للاستشراق. ولم يكن لحلاق، أن يطالب بهذا التعديل إلا لكونه لاحظ تخلّف هذا الحقل بشأن اللحاق بالتطورات التي يعرفها العالم؛ إذ كتب في هذا الباب: "إنّ موقع الاستشراق المميّز وتبحّره الكبير يعطيه إمكانيات اللحاق بهذه التطورات،

بل وقيادتها، تحديدًا بسبب قربه من المنظومات التراثية للآخر وخبراته". ويُبِيِّن دفاع حلاق عن

الاستشراق كيف أنّ نقده للحداثة استحال دفاعًا عن هذا الحقل المعرفي الذي أنتجته.

2. الاستشراق المعَّدَ ل أو الجديد

دافع حلاق عن الاستشراق دفاعًا واضحًا وصريحًا، وآمن بدوره المستقبلي، وطالب بتقويته ليواكب

التطورات التي يشهدها العالم. لذلك، يُعَدّ من بين المستشرقين الجدد، ويمكن تلخيص منظوره

المتعلق بالاستشراق المُجَدَّد في أربع أفكار أوردها على نحو صريح: 1. توجيه الاستشراق إلى النهوض بمسؤولية أخلاقية لمواجهة الأزمة المشتركة التي تهدد الإنسانية. 2. استدعاء الآخر "بوصفه الكتلة الحرجة في مشروع تجاوز الحداثة"، بالنظر إلى ما يوفّره من بدائل. ويندرج في هذا الآخر جميع المنظومات التراثية التقليدية. وفي هذا السياق نوافق الحبيل في النقد الذي وجّهه إلى حلاق في هذا الباب، لكونه دمج في "الآخر" الإسلام وباقي

المنظومات الشرقية، مثل البوذية والهندوسية، واعترف لها بالمكانة نفسها من دون تمييز بينهما، على الرغم من معرفته الواسعة بتراث الإسلام وتاريخه، ما يضع مشروع الاستشراق الجديد موضع مساءلة. 3. اعتبار الاستشراق تراثًا من البحث العقلاني، ممثّلًا لباقي النطاقات (الاقتصادية، والسياسية، والأكاديمية... إلخ)؛ أي إنّ التغيير الذي سيمتدّ إليه سينعكس في تلك النطاقات. وقد كتب في

(5((حلاق، قصور لااستشراق، ص.363 ((5(المرجع نفسه، ص.364 ((5(المرجع نفسه، ص.359 ((5(الحبيل، ص.178 ((5(المرجع نفسه، ص.361

هذا الشأن: "يوجد في الاستشراق شيء واضح يجعله خيارًا جيدًا لتمثيل النطاقات الأخرى، أو أعضاء المجموعة الآخرين، ألا وهو اهتمامه المعلن والصريح بالآخر، بمعنى أنّ ما ينطبق عليه ينطبق على الآخر، سواء بصورة استقرائية أو بصورة استنباطية". 4. إقرار حلاق باستخدام الاستشراق القوّة الإمبريالية والكولونيالية للضغط على الأنظمة التراثية

من أجل إجبارها على تعديل سردياتها الداخلية. ويقترح لفصل الاستشراق عن القوّة أمرين:

الأوّل، أن يقدّم الاستشراق الجديد خطابًا مضادًا بإعادة صياغة العقلانية، لأن ذلك يوفّر مددًا للخطابية الهدّامة؛ والثاني، التشديد على ضرورة أن يمسّ التغيير المطلوب طبيعة الاستشراق

نفسها، بأنْ ينتقل من اهتمام انبساطي عدواني إلى آخر انطوائي يهدف إلى تشكيل الذات. لم يكن نمط الاستشراق الذي يدعو إليه حلاق جديدًا كل الجِدّة؛ فقد سبق أن عدّ سعيد الخطابَ

المتعاطف مع الشرق أحدَ أبنية الاستشراق. فهذا الخطاب، وإن كان يدعو إلى الاستفادة من الشرق، فإنه ينظر إلى هذه المنطقة من زاوية ما يمكن أن تُقِدِّمه للغرب من أجل الخروج من أزماته؛ إذ يقول سعيد "إنّ المشروع الاستشراقي الرومانسي لم يكن مجرد مثال خاص لاتجاه عام، بل كان قوة جبارة ساهمت في تكوين هذا الاتجاه [...] ولكن قيمة آسيا لم ترجع إلى آسيا نفسها بقدر ما كانت ترجع إلى نفعها لأوروبا". إنّ هذه الفكرة الاستشراقية، من دون شكّ، رومانسية الجذور، وقد أشار إليها سعيد في نقده أحد المستشرقين المتعاطفين مع الشرق؛ إذ اعتقد أنّ استثمار ماسينيون لهذه النظرة يرجع إلى تقاليد القرن التاسع عشر برمته، التي كانت ترى في الشرق "علاجًا" للغرب. وعند هذا الحد من التحليل،

يمكن القول إنّ منطلق نقد حلاق للحداثة هو إرث الحركة الرومانتيكية، التي دشّنت أول هجوم على التنوير والحداثة، من جهة، وإنّه يمكن تفسير دفاعه عن استشراق مُعَدَّل بانتمائه إلى حقل الاستشراق، من جهة أخرى. فقد ظلّ نقده لهذا الحقل المعرفي مقيّدًا بالفكر الرومانسي، الذي أسهم

في تطوّر بنيان الاستشراق، ولذلك لم يرفض حلاق الاستشراق رفضًا كلًّيًا. وفي مقابل ذلك، أفضى

نقد سعيد، المتحرّر من قيود الانتماء إلى الاستشراق، إلى المطالبة باستبدال هذا الحقل المعرفي؛

ففي نظره، "قد يكون أهم عمل على الإطلاق هو القيام بدراسات في البدائل المعاصرة للاستشراق، أو التساؤل عن كيفية دراسة الثقافات والشعوب الأخرى من منظور تحرري أو بريء من القمع والتلاعب".

((5(المرجع نفسه، ص.359 ((5(المرجع نفسه، ص.363 ((5(المرجع نفسه، ص.367 (5((سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ص.200 (6((إيزايا بيرلين، جذور الرومانتيكية، ترجمة سعود السويدا (بيروت: جداول، 2012)، ص.59 (6((سعيد، لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ص.74

وعلى الرغم من انحدار نقد حلاق من الفكر الرومانسي، ودفاعه عن أحد أبنية الاستشراق (التعاطف)، فإنّ نقده للحداثة/ الكولونيالية، فضلًا عن كشفه آثار الانتقال من نطاق مركزي تحتل فيه الأخلاق المركز إلى نطاق حديث مُهمّش لها، يمكن أن يُعدّ مدخلًا أساسًّيًا لمساءلة الدراسات ما بعد

الاستعمارية، وغيرها من الاتجاهات النقدية التي تنتقد الغرب بأدواته، ومن داخل نطاقه المركزي.

رابعًا: نقد كتاب "الاستشراق" ومساءلة الدراسات ما بعد الاستعمارية

أثّر كتاب لااستشراقفي نشأة الدراسات ما بعد الكولونيالية، التي أصبح لها ممثلوها في حقول أدبية وتاريخية واجتماعية عديدة، وأثّر أيضًا في مدرسة "دراسات التابع" Subaltern Studies منذ ثمانينيات القرن العشرين. ولذلك، ستجد هذه الحقول نفسها معنيّة بالأسئلة المغَّيَبة في حقل الدراسات ما بعد

الكولونيالية، والتي نستخلصها من نقد حلاق لكتاب لااستشراق.

1. العلاقة بين نقد الاستشراق ونشأة الدراسات ما بعد الاستعمارية

يُعدّ إدوارد سعيد وفرانز فانون Frantz Fanon (1961–1925) من أعلام الدراسات ما بعد الاستعمارية،

لكونهما اهتمّا بقضايا التمثيل الاستعماري للآخر. وقد دشّن كتاب لااستشراقدراسة قوة التمثيل

المسيطرة داخل المجتمعات المستعمرة، وأفضى ذلك إلى "تشكّل ما عُرف لاحقًا باسم نظرية الخطاب الكولونيالي" في أعمال نقّاد من أمثال غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك Gayatri Chakravorty Spivak

(وُلِدت سنة 1942)، وهومي بابا Homi Bhabha (وُلِدَ سنة 1949). وتأثّر هؤلاء الثلاثة (سعيد، وبابا،

وسبياك) بأعمال منظّرين فرنسيين؛ مثل ميشيل فوكو، وجاك لاكان Jacques Lacan (1981–1901)، وجاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930)، وغيرهم من المفكرين، إّلا أنّهم تحدّوا التيارات الفكرية التي يمثلها هؤلاء بقدر استفادتهم منها. فعلى سبيل المثال، تتفق سبيفاك مع سعيد في نقده لفوكو بشأن السلطة، لأن هذا الأخير "لم يأخذ بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية ودور التمرد في مقاومة هذه السلطة"، فضلًا عن ذلك انتقدت تجاهله لدور المثقف ومسؤوليته، وقالت: "إنّ مشروع فوكو يقوم في أساسه على تحدي الدور القيادي لمثقفي الطرفين، المهيمن والمعارض معًا". وأضافت أنّ ذلك "التحدي مُظلّل،

فهو يتجاهل ما شدّد عليه سعيد: مسؤولية الناقد المؤسساتية". وبخصوص بابا، كتب ثائر ديب: "يكاد أثر هذا الثلاثي السابق [ميشيل فوكو وجاك لا كان، وجاك دريدا] أن يكون واضحًا في كل صفحة يكتبها

هومي بابا [...] دون أن يحول ذلك بينه وبين تسليط أشد النقد عليهم ومساءلتهم في كثير من النقاط"، وهو ما يبيّن تمرّد روّاد الدراسات ما بعد الاستعمارية على النظرية الغربية.

(6((بيل أشكروفت وجاريث كريفيث وهيلين تيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010)، ص.283 (6((دباشي، ما بعد لااستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب، ص.181 (6((ثائر ديب في: تقديم كتاب هومي كارشدجي بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.20

اكتشف سعيد ارتباط المعرفة الاستشراقية بالكولونيالية، وبيّن أنّ الاستشراق أسلوب في التفكير

للهيمنة على الشرق، وهيكلته، والتحكّم فيه؛ فهو ليس مجرد طريقة لمعرفة الآخر، بل أداة لتشكيله، وعلامة من علامات القوة التي يمارسها الغرب على الشرق. ووضع قاعدة مختلفة لدراسة إشكالية التمثيل انطلاقًا من الأسئلة التالية: "مَن يمثل مَن؟ وبأيّ قوة وسلطة؟ وعلى أيّ افتراضات معرفية

مضمَرة تستند المعرفة المنتَجة تلك؟" وكَّرَست الدراسات ما بعد الاستعمارية نفسها لتحليل هذا

التمثيل، متوسّلة مقاربات نقدية، ومقتنعة في الآن ذاته بأنّ "الطرائق والمنهجيات الغربية في تناول

الثقافات الأخرى أصبحت قاصرة ومحدودة. أفضى نقد الاستشراق إلى تأسيس حقل بحثي جديد هو دراسات الاستعمار أو ما بعد الاستعمار. وكما لاحظ حميد دباشي، فإنّ "استشراق إدوارد سعيد [أي كتابه] قد خلّف أثرًا راسخًا على قطاع

واسع من النظم التعليمية الأكاديمية والمذاهب النقدية، ولعل أكثر تجليات ذلك أهمية كانت في صعود ما سُمّي بالدراسات الما بعد كولونيالية، وميدان دراسات التابع على نحو خاص". وترى

هذه المذاهب أنّ المعرفة متمركزة غربيًا، ومتحيّزة ضدّ الشعوب غير الغربية، وضدّ نساء العالم الثالث.

ولهذا، نجد للدراسات ما بعد الاستعمارية ممثّليها في تخصصات كثيرة أدبية، ونسوية وتاريخية واجتماعية، وسياسية. وبقي كتاب لااستشراقطاغيًا في حقول هذه الدراسات، التي أضحت تأخذ

آثار القوة الاستعمارية في تشكيل الخطاب والمعرفة والذات في حسبانها. واستثار كتاب لااستشراقنقاشات بالغة الأهمية لكونه "وجّه نقده نحو الجوانب المعرفية أو

الإبستيمولوجية أولًا، ثم ما ينتج عنها من آثار سياسية ثانيًا". وحفّز ظهور أعمال كثيرة تندرج

في عناوين "الدراسات ما بعد الكولونيالية"، و"دارسات التابع"، و"الدراسات النسوية ما بعد الاستعمارية"، وغيرها. ورأى سعيد أنّ كتاب لااستشراقكان "دافعًا لظهور خطاب مختص بشؤون أفريقيا، أو الهند، أو اليابان، إلخ، واعتبر أنه أدى دورًا تأسيسيًا مهًّمًا، بالمعنى الضيق للكلمة، في

الحديث عن تلك الأماكن". لقد بيّن سعيد تأثير كتاب لااستشراقفي دراسات التابع؛ ففضلًا عن تصديره مؤَّلَفًا تضمّن مختارات

من دراسات التابع سنة 1988، كتب في أهمية مدرسة دراسات التابع ما يلي: "أهمية هذه المدرسة،

التي تأثرت بكتاب لااستشراقمن الكِبَر بحيث ما من كلية تاريخ في الجامعات الأمريكية لا يوجد فيها

أحد أتباعها". وأثار اهتمام سعيد بأنطونيو غرامشي Antonio Gramsci (1937–1891) انتباه فريق

((6(المرجع نفسه، ص.166 (6((دباشي، ما بعد لااستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب، ص.209 (6((الزواوي بغورة، "من الاستشراق إلى ما بعد الاستعمار: مقاربة فلسفية"، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، مج  31 (2013)، ص.164 (6((سعيد، السلطة والسياسة والثقافة، ص.241 ((6(المرجع نفسه، ص.244 ((7(المرجع نفسه، ص.474

من المؤرخين من جنوب آسيا، يترأّسه رانجيت غوها Ranajit Guha)2023–1923(، إلى أهمية أعمال هذا المفكر، فاستعاروا منه مفهوم "التابع"، كما أشار إلى ذلك غوها في تقديم العدد الأول من دراسات التابع. ويعني هذا المفهوم المكانة الدونية التي يحتلها أولئك المهيمَن عليهم في مجتمعات

جنوب آسيا، سواء كانت الهيمنة طبقية أو طائفية أو جندرية أو اعتبارية، أو أي نوع آخر من أنواع الهيمنة. بحسب ثائر ديب، "في أواخر الثمانينات من القرن العشرين وفي تسعينياته، بدأ اهتمام عدد من الباحثين البارزين في هذا التيار [دراسات التابع] بمسائل أوسع هي كيف يمكن كتابة تاريخ الهند [كتابةً] تخالف وتنتقد رؤية العالم التي تتخذ أوروبا مركزًا ومحورًا. وتأثر هؤلاء بما بعد البنيويين الفرنسيين،

كما استلهموا أعمال إدوارد سعيد، وأعادوا تحديد حقل جديد للنظرية ما بعد الكولونيالية". ومن بين

هؤلاء، على سبيل المثال، بارتا تشاترجي Partha Chatterje (وُِلد سنةِ 1947)، الذي "طبّق بشكل

خّلا ق منظور إدوارد سعيد والمنظور ما بعد الكولونيالي على دراسة القوميات غير الغربية، واستخدم الهند مث لًا على ذلك". تجاوزت الدراسات ما بعد الكولونيالية إشكالية تمثيل ثقافات المجتمعات المستعمَرة من جانب

المُستعمِر، وذهبت في تحليلاتها إلى ما هو أبعد من تحليل الشرط ما بعد الكولونيالي، الذي يعيد

المستعمر، في إطاره، إنتاج علاقات القوة الاستعمارية في هذه المجتمعات، على الرغم من حصولها على الاستقلال السياسي. وتجاوزت هذه الدراسات تحليل علاقات القوة وأشكال المقاومة، لتهتم بنقد الحداثة، وتجلّى ذلك في أعمال باحثين أبرزهم محمود ممداني، الذي عكف على نقد الحداثة السياسية. ويمكن القول، إنّ الدراسات ما بعد الكولونيالية، وإن لم تتوجّه رأسًا إلى نقد الحداثة

في السابق، فإنّها أضحت تستحضر دور الحداثة في أزمات اليوم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية،

ويُمعِن حلاق في ترسيخ هذا التوجّه إلى أبعد مدى ممكن، ولا سيما أنّه كان يعرّف نفسه بوصفه ناقدًا

ما بعد استعماريًا.

2. آثار نقد نقد الاستشراق في الدراسات ما بعد الاستعمارية

أشار سعيد إلى تجذّر أبنية الاستشراق في فكر التنوير، وبَّيَن الخاصية العلمانية لهذا الفرع المعرفي،

وكشف صمت النظرية النقدية الغربية عن الكولونيالية. وبحسب سعيد فإنّ "النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، بالرغم من تبصّراتها النفّاذة المخصبة في العلاقات بين السيطرة والمجتمع الحديث،

((7(المرجع نفسه، ص.219

(72)  Subaltern Studies, Une anthologie , Frédéric Cotton (trad.) (Paris: L’Asymétrie, 2017), p. 14.

(7((ديبيش شاكراباري، "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي"، ترجمة ثائر ديب، أسطور، العدد  3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص.19 (7((يستحق نقد هذا المفكر للحداثة السياسية دراسة خاصة. ينظر في هذا الشأن: محمود ممداني، لاا مستوطن ولاا مواطن: صنع

أقليات دائمة وتفكيكها، ترجمة عبيدة عامر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.)2023 (7((ينظر: تقديم وائل حلاق الترجمة العربية، لمؤلفه: حلاق، تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، ص.6

والفرص المتاحة للخلاص عبر الفن من حيث هو تنقيد، صامتة صمتًا مذهلًا عن النظرية العرقية،

والمقاومة ضدّ الإمبريالية، والممارسة المعارضة الضدية في الإمبراطورية". غير أنه لم ينتقد الحداثة والرؤية الحضارية الغربية التي أنتجتها، ولم يبحث كثيرًا في الروابط بين الحداثة والتنوير

والكولونيالية. وخلافًا لذلك، بَّيَن حلاق الارتباط البنيوي بين الحداثة الغربية والرؤية الحضارية

المادية التي ترسّخت في عصر التنوير. يُعدّ نقدُ الحداثة، إذًا، أوّلَ مدخلٍلمساءلة الدراسات ما بعد الاستعمارية وغيرها من الاتجاهات التي

لا تُسائل الحداثة؛ أي هذه الظاهرة التي أنتجت الكولونيالية، والإبادة، والعرقية... إلخ، بحسب حلاق. وتنطلق الاتجاهات الفكرية النقدية الغربية، وإن بدت شديدة التعارض، مثل الماركسية والليبرالية، من قاعدة حداثية، وتؤمن بمبادئ الحداثة التي ترسّخت في القرن التاسع عشر، وفي

مقدمتها مبدأ التقدم وفصل القيمة عن الواقع. استعادت الدراسات ما بعد الاستعمارية سؤال الكولونيالية، لكنها أخفقت، في نظر حلاق، في فهم جذورها؛ إذ ليست العرقية والعقلانية والدولة القومية ظواهر شاذة، بل إنها تصدر جميعها عن رؤية حضارية وبنية معرفية وأدائية اكتمل تشكّلها منذ عصر التنوير. ويكتسي نقد إرث التنوير والمبادئ التي رسّخها مدخلًا ثانيًا لتطوير الدراسات ما بعد الاستعمارية،

لأن الرؤية الكونية التي فرضها هذا العصر هي المسؤولة عمّا آل إليه العالم من عدوانية على الطبيعة

والبشر. لقد تبدّلت القواعد الإبستيمولوجية في هذا العصر تبدلًا جذريًا، واستكمل نظام القوة الحديثة

تشكّله، وتغيّر نمط الكينونة الغربي تغيّرًا عميقًا. وانتقد كثير من المفكرين عصر التنوير، واختلفت

دواعيهم في ذلك، غير أنّ قلّة من هذه الاتجاهات فقط هي التي ألقت المسؤولية على فكر التنوير

المتجذّر في التمييز بين القيمة والواقع عمّا يشهده العالم من مآسٍ. ويُعدّ نقد الذات الغربية التي

شكّلتها فلسفة التنوير ونزعاتها الإنسانوية والعلمانية، والتي ما تزال تحدّد أفق التربية الحديثة، مدخلًا ثالثًا للتفكير مجددًا في الدراسات ما بعد الاستعمارية. وتتمثّل الغاية من ذلك في بناء ذات جديدة "تختلف عن تلك الذات التي أنتجت الاستشراق والحقول الأكاديمية الأخرى على مدار القرنين المنصرمين"، وذلك بالاسترشاد بالثقافات الشرقية التي تُعلي مكانة الأخلاق؛ لمواجهة هيمنة التنوير في صياغة الذوات. لقد حدث انتقال من بردايم يضع الأخلاق في موضع المركز إلى بردايم يُزيحها إلى الهامش في

عصر التنوير، ما أدّى إلى ولادة علم سيادي، وسيطرة الأداتية، وشرعنة الإبادة باسم مبادئ مختلفة؛ مثل التقدّم، والتحديث. وأفضى استبعاد الأخلاق إلى تقييد الفكر النقدي بالنطاق المركزي الغربي الحداثي الرأسمالي، وترتب على ذلك خفوت "النقد الهدام" الذي يُسائل أسس الفكر الغربي. ويُشكّل

منظور حلاق، الذي يتغيّا إنزال الأخلاق منزلة النطاق المركزي، تحدّيًا للفكر الغربي المهيمن. لذا،

(7((سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص.333 (7((حلاق، قصور لااستشراق، ص.367

تُعدّ الأخلاق مدخلًا رابعًا، لطرح سؤالها داخل الدراسات ما بعد الاستعمارية، وباقي الاتجاهات

النقدية التي تنتقد الغرب. وفي مقابل ذلك، يمكن إحلالُ الأخلاق محل النطاق المركزي الغربي، كما يفترض حلاق وطه عبد الرحمن، أن يُفكّك ارتباط المعرفة بالسلطة، ويستبدل "العلم السيادي"

الذي لا يعترف بأيّ مبادئ غير تلك التي يضعها لنفسه من خلال اعتماد علمٍ يرفض أن يسخّر للتدمير

والعدوانية. ويضع هذا النقد الدراسات ما بعد الكولونيالية أمام مهمات جديدة، لأنها لم تنتقد الحداثة نقدًا جذرًّيًا، بل كانت أكثر تركيزًا على نقد الكولونيالية التي ليست إلا أداة من أدوات البنية الفكرية الحداثية،

ولم تخرج مواجهتها للكولونيالية عن دائرة نقد سلطة التمثيل (سعيد)، وفي حالات متقدّمة اهتمت هذه الدراسات بتحرير التابع من هذه السلطة (غاياتري سبيفاك)، ومقاومتها (سعيد)، ومناهضة التمثيل الكولونيالي (دباشي). بحسب حلاق، يلزم استبدال منظومة الحداثة استبد لًا كلًّيًا، بينما تنشغل الدراسات ما بعد الكولونيالية

بالبحث عن طرائق أخرى ممكنة للحداثة. لقد انتقدت الدراسات ما بعد الكولونيالية الهندية كونية العديد من المفاهيم الغربية؛ مثل الطبقة، والهيمنة الطبقية، والرأسمال، وكونية التاريخ، وأعادت بناءها على قاعدة التواريخ المحلية، إلا أنها لم تُسائل جذور الحداثة التي ليست شيئًا آخر غير

الوجه الثاني للكولونيالية. ويمثّل ذلك عملًا غير مُنجَز في هذا الحقل البحثي؛ لذلك يمكن أن تظلّ

الدراسات ما بعد الاستعمارية داعمةً للنطاق المركزي الغربي الذي أنتجها، لكونها لم تنتقد الحداثة من مدخل مغاير، مثل المدخل الأخلاقي. ويدل على ذلك أنّ هذه الدراسات لا تُسائل رؤية الإنسان الحداثية الغربية وموقعه في الكون، وهي الرؤية التي جعلت الكولونيالة ممكنة، وترسّخت في عصر

التنوير في القرن الثامن عشر كما يذهب إلى ذلك حلاق. تضع أفكار وائل حلاق التي عرضناها أسئلة مهمة للباحثين في حقل الدراسات ما بعد الاستعمارية، وفي حقول أخرى مثل النسوية والحركة البيئية، لأنها تنتقد الغرب بأدواته. إنّ نقد التاريخ الكولونيالي للغرب لم يعُد أمرًا مُحرجًا للنطاق المركزي الغربي، ما دام جاريًا بأدوات الحداثة،

بل يُمكّن هذا النقد الغرب من تجاوز "الشرخ الكولونيالي"، بين المستعمِر والمستعمَر في فترة

ما بعد الكولونيالية. ولن يكون نقد الكولونيالية هدّامًا ما لم يُنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها أداةً

لشيء أعمّ، هو الرؤية الحضارية الغربية المادية. ثمّ إنّ ذلك لن يكون مُجديًا ما لم ينجزه تحالفٌ

(78) Gayatri Chakravorty Spivak, Les Subalternes peuvent–elles parler? Jérôme Vidal (trad.) (Paris: Éditions Amsterdam, 2020).

(7((خصّ إدوارد سعيد كتاب الثقافة والإمبريالية لتحليل إشكال الاستجابة للسيطرة الغربية ومقاومتها، التي أغفلها في كتاب

الاستشراق. ينظر: سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص.57 (8((دباشي، ما بعد لااستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب.

(81) Vivek Chibber, Théorie postcoloniale et le spectre de Marx (Paris: L’Asymétrie, 2018). (82) Pascal Blanchard, Nicolas Bancel & Sardine Lemaire, La fracture coloniale: La société française au prisme de l’héritage décolonial (Paris: La Découverte, 2005).

من باحثين تحرّريين يشتغلون داخل معاقل الأكاديميا الغربية المحصّنة، وخارجها في جامعات

العالم، ويسعون لتجاوز الحداثة/ الكولونيالية. ويمكن القول إنّ حلاق، في نقده لسعيد في كتاب قصور لااستشراق، يعرض ضمنيًا برنامجًا فكريًا جديدًا، لكونه يثير انتباهنا، نحن الباحثين العرب

والمسلمين، إلى وجود باحثين طوّروا فكرًا نقديًا للغرب ورؤيته الحضارية المادية، وطالبوا

منذ عقود بإحلال الأخلاق محل النطاق المركزي، مثل علي عزت فيغوفيتش، والمسيري، وطه عبد الرحمن، وآخرين. ويجعل ذلك الحديث عن وجود حقل دراسات نقدية تحرّرية عربية

إسلامية، تطوّر خارج الغرب، وخارج النقد الرومانسي الناقد للحداثة، ممكنًا، وإن كان يحتاج

إلى بحوث إضافية، واستنباث داخل الأكاديميا الغربية، حيث يكون التأثير أقوى على نحو ما فعل حلاق في تقديم أعمال طه عبد الرحمن إلى القارئ الإنكليزي.

خاتمة

ما تزال التحديات التي طرحها إدوارد سعيد في حقل الاستشراق تُسائل الباحثين في هذا الحقل المعرفي، وفي حقول بحثية أخرى مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع... إلخ. وقد دعّم وائل حلاق

في كتابه قصور لااستشراق أطروحة سعيد المركزية بشأن ارتباط هذا الحقل بالقوة والكولونيالية، وأثار ضمنيًا إشكالية الضغوط التي يفرضها الاستشراق على المنتمين إليه. وفي الوقت ذاته، حاول

حلاق الرد على بعض التحديات التي طرحها سعيد أمام الباحثين في هذا الحقل، وبالأخص تحدي الانسجام والاستمرار والاستقرار في حقل الاستشراق. واستدعى غينون، من دون أسماء أخرى اعترف لها سعيد ببعض الأهمية مثل بيرك، ورودنسون، ليبيّن مدى قدرة النقد النابع من داخل

الاستشراق على تأزيم هذا الحقل المعرفي. واستقر اختياره على غينون لكونه انتقد العلم والمعرفة الحديثة، التي يشكّل الاستشراق أحد عناصرها، من داخل حقل الاستشراق الذي اتهمه سعيد بالانسجام والاستقرار. وتكمن أهمية غينون في تأسيسه منظورًا جديدًا يَعُدّ الحداثة "نقطة البدء" في

نقد المعرفة الحديثة عمومًا، والاستشراق الذي يَعُدّ أحد حقولها المعرفة، خصوصًا. يُشكّل نقد حلاق للحداثة، إذًا، مدخلًا لنقد الاستشراق والمعرفة الحديثة، لكون الحداثة قد وفّرت

الشروط الملائمة لظهور الاستشراق، وظواهر أخرى مثل المادية، والكولونيالية، والإبادة والعرقية. وتحقّقت هذه الشروط في عصر التنوير، الذي شهد إنزال الأخلاق من النطاق المركزي، وإحلال المادية والرأسمالية محلّها، واندماج المعرفة في نظام القوة. ولا شكّ في أنّ وائل حلاق ورث من الفكر الرومانسي نقد الحداثة والتنوير، من دون أن يعلن ذلك، ومن دون أن يُسائل تورّط هذا التيار

(83) Wael Hallaq, Reforming Modernity: Ethics and the New Human in the Philosophy of Abdurrahman Taha (New York: Columbia University Press, 2019).

((8(يقدّم عبد الكبير الخطيبي، في نقده لجاك بيرك الذي أشاد سعيد بأهمية عمله، حَُّجَة داعمة لفكرته حول جمود واستمرار

واتساق حقل الاستشراق، ينظر:

Abdelkébir Khatibi, "L’orientalisme désorienté," in: Chemins de traverse: Essais de sociologie , textes réunis et revus par Saïd Nejjar (Rabat: Universite Mohammed V – Souissi, Institut universitaire de la recherche scientifique, 2002).

في إرساء أبنية الاستشراق، وصمته عن الكولونيالية، بل ودعمه لها. وورّطه هذا الإرث في إشكالية

البحث عن علاج لمعضلات الغرب التي أفرزتها الحداثة في الشرق ما قبل الحداثي، من غير اهتمام بمعضلات الشرق؛ إذ تركز عمل حلاق في البحث في السبل الكفيلة ببناء ذات غربية على نحو مغاير، ذات غير عدوانية، قادرة على ترتيب علاقتها بالطبيعة والإنسان. لا يطالب حلاق باستبدال الاستشراق بتخصص آخر أو حقل معرفي بدلًا منه، كما دعا إلى ذلك سعيد، وإنما يطالب بإعادة توجيه هذا الحقل المعرفي إلى بناء الذات الغربية المتورطة في التسُّيُد

والعدوانية، على نحو مغاير. ويترتب على هذا الاستنتاج التناقض التالي: يدافع حلاق عن تصور رومانسي للاستشراق، متعاطف مع الشرق، لكون هذه المنطقة التي لم تمَّرَ كليّا إلى الحداثة، توفّر

للغرب الحداثي ما يمكنه من تجاوز أزمة الذات، وأزمة التدهور البيئي، وهذا الأمر يُقيّد وائل حلاق

ببنيان الاستشراق من جهة، ويدعم فرضية سعيد من جهة أخرى، بشأن اتساق الاستشراق واستمراره وجموده. يُعدّ مدخل نقد الحداثة مهمّا للتفكير في الاستشراق وفي باقي التخصصات التي أنتجها النطاق

المركزي الغربي، وفي نقد النظرية النقدية الغربية على نحو مغاير. ولم يكن سعيد، من دون شكّ، مُقيّدًا مطلقًا بنظام الحداثة الفكري، بل إنه وظّف هذا الفكر بقدر مقاومته له، كما يشهد بذلك تمحيصه

الدائم للفكر الغربي (الماركسية، والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، على سبيل المثال) من منظور الكولونيالية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إنّ اهتمام سعيد بإشكالية التمثيل في كتاب لااستشراق، ومقاومة التمثيل لاحقًا في كتاب الثقافة والإمبريالية، من منظور نقدي للكولونيالية، من دون نقد الحداثة التي تُعدّ الوجه الثاني للكولونيالية، كما تنظّر لذلك الدراسات الديكولونيالية، التي نجد صداها في عمل حلاق، يُعَدَّان من بين الأوجه النقدية التي يمكن توجيهها إلى مشروع

سعيد. وخلافًا لذلك، يبدأ حلاق نقده للاستشراق والمعرفة الحديثة عمومًا بنقد الحداثة والتنوير، ويقدّم

منظوره النقدي مداخل ممكنة لتجاوز قصور الدراسات ما بعد الاستعمارية، وباقي التيارات النقدية التي تنتقد الغرب من داخل حيّزه المعرفي وبأدواته. وتتمثّل هذه المداخل فيما يلي: نقد القاعدة

الحداثية التي تتأسس عليها تلك الدراسات النقدية، ونقد الرؤية الحضارية الغربية التي رسّخها كٌّلٌ

من التنوير والإنسانوية والعلمانوية، وتجاوز الفصل بين الحقيقة والواقع، واستعادة مركزية الأخلاق، ونقد الذاتية الغربية التي بقيت بعيدة عن كل مساءلة نقدية. ويتقاطع منظور حلاق في هذا الباب مع منظور ثلّة من المفكرين العرب والمسلمين، مثل عبد الوهاب المسيري، وعلي عزت بيغوفيتش، وطه عبد الرحمن، وغيرهم؛ بل يمكن القول إنّ فكر هؤلاء يشكّل تيارًا نقدًّيًا تحررًّيًا، مختلفًا عن باقي

تيارات الفكر العربي الإسلامي.

(85) Philipe Colin & Lissel Quiroz, Pensées décoloniales: Une introduction aux théories critiques d’Amérique latine (Paris: La Découverte, 2023).

References

المراجع

العربية

أركون، محمد، [وآخرون]. لااستشراق بين دعاته ومعارضيه. ط  2. ترجمة وإعداد هاشم صالح. بيروت: دار الساقي،.2002 أشكروفت، بيل وجاريث كريفيث وهيلين تيفين. دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية. ترجمة أحمد الروبي وأيمن حلمي وعاطف عثمان. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2010 بابا، هومي كارشدجي، موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 برنن، تمثي. إدْوَرد سعيد: أماكن الفكر. ترجمة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 492. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2022 بغورة، الزواوي. "من الاستشراق إلى ما بعد الاستعمار: مقاربة فلسفية". المجلة العربية للعلوم الإنسانية. مج).2013(31 بن بيه، رشيد. "الحداثة والكولونيالية والإبادة". مجلة المستقبل العربي. العدد).2021(503 بيرلين، إيزايا. جذور الرومانتيكية. ترجمة سعود السويدا. بيروت: جداول،.2012 الحبيل، مهنا. وائل حلاق وإدوارد سعيد: جدل ثالث: بيروت. المؤسسة العربية للنشر والدراسات،

حلاق، وائل. تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام: مقدمة في أصول الفقه السني. ترجمة أحمد موصللي. مراجعة فهد بن عبد الرحمن الحمودي. بيروت: دار المدار الإسلامي،.2007 ________. قصور لااستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي. ترجمة عمرو عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2019 حمودي، عبد الله. المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2019 دباشي، حميد. ما بعد لااستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب. ترجمة باسل عبد الله وطفة. مراجعة وتدقيق حسام الدين محمد. ميلانو، إيطاليا: منشورات المتوسط،.2015 ________. هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟ ترجمة عماد الأحمد. ميلانو، إيطاليا: منشورات المتوسط،.2006 سعيد، إدوارد. لااستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة محمد عيناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2006 ________. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. ط  4. بيروت: دار الآداب،.2014

________. السلطة والسياسة والثقافة. تقديم غاوري فسواناثان. ترجمة نائلة قلقيلي حجازي. بيروت: دار الآداب،.2008 شاكراباري، ديبيش. "دراسات التابع والتأريخ ما بعد الكولونيالي". ترجمة ثائر ديب. أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير.)2016 العظم، صادق جلال. ذهنية التحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب، ط  2. بيروت: دار المدى للثقافة والنشر،.2004 غالي، وائل. ما بعد لااستشراق. ج  1. القاهرة: دار الهلال،.2007 غينون، ريني (الشيخ عبد الواحد يحيي). شرق وغرب. ترجمة عبد الباقي مفتاح. إربد، الأردن: عالم الكتب الحديث،.2016 المسيري، عبد الوهاب. دراسات معرفية في الحداثة الغربية. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية،.2006 ممداني، محمود. لاا مستوطن ولاا مواطن: صنع أقليات دائمة وتفكيكها. ترجمة عبيدة عامر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2023 نجدي، نديم. أثر لااستشراق في الفكر العربي المعاصر. بيروت: دار الفارابي،.2005

الأجنبية

Blanchard, Pascal, Nicolas Bancel & Sardine Lemaire. La fracture coloniale: La société française au prisme de l’héritage décolonial. Paris: La Découverte, 2005. Chibber, Vivek. Théorie postcoloniale et le spectre de Marx. Paris: L’Asymétrie, 2018. Colin, Philipe & Lissel Quiroz. Pensées décoloniales: Une introduction aux théories critiques d’Amérique latine. Paris: La Découverte, 2023. Dussel, Enrique. 1492: L’occultation de l’autre. Christian Rudel (trad.). Paris: Les éditions ouvrières, 1992. Hallaq, Wael. Reforming Modernity: Ethics and the New Human in the Philosophy of Abdurrahman Taha. New York: Columbia University Press, 2019. Khatibi, Abdelkébir. Chemins de traverse: Essais de sociologie , textes réunis et revus par Saïd Nejjar. Rabat: Universite Mohammed V – Souissi, Institut universitaire de la recherche scientifique, 2002. Spivak, Gayatri Chakravorty. Les Subalternes peuvent–elles parler? Jérôme Vidal (trad.). Paris: Éditions Amsterdam, 2020. Subaltern Studies, Une anthologie. Frédéric Cotton (trad.). Paris: L’Asymétrie, 2017.