العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حياد الأسلوب الفلسفي: قراءة نقدية لرأي مارثا نوسباوم

حياد الأسلوب الفلسفي: قراءة نقدية لرأي مارثا نوسباوم

Philosophical Style and Neutrality: A Critical Reading of Martha Nussbaum’s View

توفيق فائزي *

Taoufik Faizi *

الملخّص

تتناول الدراسة قضية الأسلوب الفلسفي عبر مناقشة أطروحة مارثا نوسباوم التي تنفي إمكانية أن يكون محايدًا، معتبرةً أنّ الجانب الأسلوبي في الخطاب الفلسفي، خصوصًا عند أفلاطون، متّصل بسيرة فلسفية مخصوصة. وتسعى الدراسة لبيان إذا ما كان الأسلوب، في سياق الفلسفة، زخرفًا لفظيًا أم عنصرًا متصلًا بالمضمون. يعرض المبحث الأول مبررات نوسباوم لربط الأسلوب بالسيرة الفلسفية الأفلاطونية في مقابل السيرة التراجيدية، في حين يقدّم المبحث الثاني نقدًا لهذه الرؤية اعتمادًا على أرسطو وفلاسفة الإسلام، مبرزًا استقلال القول البرهاني عن اللفظ، ومؤكّدًا ضرورة التمييز بين المحتوى الفلسفي والشكل الأسلوبي.

Abstract

Abstract: This study addresses the question of neutrality in philosophical style by examining Martha Nussbaumʼs thesis, which denies the existence of such neutrality. It argues that philosophical discourse, especially in Plato, is bound up with a specific philosophical way of life. It seeks to determine whether style is merely verbal ornamentation or a constitutive element that supports philosophical content. The first section presents Nussbaumʼs justifications for linking style to a Platonic philosophical life in contrast to a tragic way of life. The second section offers a critique of this view drawing on Aristotle and Islamic philosophers, highlighting the independence of demonstrative discourse from wording and emphasizing the need to distinguish between philosophical content and stylistic form.

الكلمات المفتاحية:
  • الخطاب الفلسفي
  • الحياد الأسلوبي
  • مارثا نوسباوم
  • أفلاطون
  • أرسطو
Keywords:
  • Philosophical Discourse
  • Stylistic Neutrality
  • Plato
  • Aristotle
  • Martha Nussbaum

تنفي إمكانية أن يكون محايدًا، معتبرةً أنّ الجانب الأسلوبي في الخطاب الفلسفي، خصوصًا

عند أفلاطون، متّصل بسيرة فلسفية مخصوصة. وتسعى لبيان إذا ما  كان الأسلوب، في سياق

الفلسفة، زخرفًا لفظيًا أم عنصرًا متصلًا بالمضمون. تعرض الدراسة مبررات نوسباوم لربط

الأسلوب بالسيرة الفلسفية الأفلاطونية في مقابل السيرة التراجيدية، وتقدّم نقدًا لهذه الرؤية

اعتمادًا على أرسطو وفلاسفة الإسلام، وتبرز استقلال القول البرهاني عن اللفظ، وتؤكد ضرورة

التمييز بين المحتوى الفلسفي والشكل الأسلوبي.

مقدمة

برز في الفلسفة المعاصرة اهتمام متزايد بما هو عليه القول الفلسفي. فما  كان يُعدّ في منزلة دنيا في الفلسفة، وهو اللفظ، غدا يحظى بمكانة معتبرة. غير أنّ الدوافع وراء هذا الاهتمام تنوّعت؛ فقد يكون الدافع هو إنشاء فلسفة جديدة تتجاوز الميتافيزيقا، كما هو الحال في الوضعية المنطقية أو فلسفة اللغة العرفية، حيث اعتُبرت الأقاويل الميتافيزيقية خلوًا من القابلية للتصديق. ويمكن أن نعدّ ما قاله فريدريك فيسمان (1959–1896) في مقالته: "كيف أرى الفلسفة؟" تعبيرًا يختصر مكانة اللفظ في الأقاويل الفلسفية: "يمكن الاستغناء عن جميع البراهين في كتاب فلسفي جيّد من دون أن يفقد مثقال ذرّة من قوّته الإقناعية. إنّ البحث عن براهين صارمة في الفلسفة كالبحث عن خيال الصوت". وقد يكون الدافع، بعد الاعتراف بهذه الحقيقة، الاحتفاء بهذا الأمر وتقوية مقتضياته، كما هو الشأن بالنسبة إلى جاك دريدا Jacques Derrida (2004–1930)، أو ريتشارد رورتي (2007–1931، أو) آرثر دانتو (2013–1924)... إلخ. ومن مقتضيات ذلك التقريب بين الأقاويل الفلسفية والأقاويل الأدبية؛ وهذا ما نجده لدى مارثا نوسباوم أيضًا في الكثير من أبحاثها، وأشهرها هشاشة الخيرية،

وعلم الحب. ولم تكتفِ نوسباوم بالتقريب بين الفلسفة والأدب (التراجيديا قديمًا والرواية حديثًا) من جانب مكانة الأسلوب، بل اعتبرت الأقاويل الأدبية حاملةً لمحتوى رؤية أخلاقية تضاهي مضامين الرؤى الأخلاقية الفلسفية. وقد كان الاعتراض عليها شديدًا من هذا الجانب. نختار من جانبنا الاهتمام بما ذهبت إليه من أنّ أسلوب القول الفلسفي (الأفلاطوني مث لًا) ليس

محايدًا من حيث المحتوى؛ أي من جانب أنه أسلوب عيشٍ فلسفي. ومعناه أنّ أسلوب العيش

(((يمكن الرجوع إلى مقال رودولف كارناب (1970–1891) المعنون ب "تجاوز الميتافيزيقا بالتحليل المنطقي للغة"، ولا سيّما في

اعتباره الميتافيزيقا تعبيرًا عن الشعور بالعيش Lebensgefühl، وهو ما يُفقدها القابلية للتصديق:

Rudolf Carnap, "Le dépassement de la métaphysique par l’analyse logique du langage," in: Antonia Soulez, Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits (Paris: PUF, 1985), p. 175.. Gilbert Ryle, The Concept of Mind (London: Routledge, 2009) ((ينظر كتاب غيلبرت رايل:)1976–1900(((3) Friedrich Waismann, How I See Philosophy , R. Harre (ed.) (London: Palgrave Macmillan, 1968), p. 31. (4) Richard Rorty, "Philosophy as a Kind of Writing," New Literary History , vol. 10, no. 1 (Autumn 1978), pp. 141–160. (5) Arthur C. Danto, "Philosophy as/ and/ of Literature," Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association , vol. 58, no. 1 (September 1984), pp. 5–20. (6) Martha C. Nussbaum, The Fragility of Goodness, Luck and Ethics In Greek Tragedy And Philosophy , Revised Edition (Cambridge: Cambridge University Press, 2001). (7) Martha C. Nussbaum, Love’s Knowledge Essays on Philosophy and Literature (Oxford: Oxford University Press,

(((يمكن الرجوع إلى ردود نوسباوم على من اعترض على تحميلها الأعمال الأدبية محتوى أخلاقيًا:

Martha C. Nussbaum, "Reply to Richard Wollheim, Patrick Gardiner, and Hilary Putnam," New Literary History , vol. 15, no. 1 (Autumn, 1983), pp. 201–208.

الفلسفي الذي يبعث القولُ الفلسفُّيُ على الفعل وفقًا له يناسبه أسلوبُ قولٍخاص. وتنصّ في

أحد أقوالها على أننا: "نبدأ الآن في إدراك أنّ أسلوب أفلاطون ليس محايدًا من حيث المحتوى، كما يُفترض أحيانًا في بعض الأساليب الفلسفية؛ بل هو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتصوّر معيّن للعقلانية

الإنسانية". وترى أنّ الاعتناء بالقول ميزةٌ للتصوّر القديم للفلسفة، وهي تجد نفسها في مواجهة

تصوّر يرى أنّ من فضيلة القول الفلسفي الحياد والتجرّد، فتقول: "لم يكن معظم الفلاسفة المحترفين

Professional philosophers، كما وجدتُ، يشاطرون التصوّر القديم للفلسفة بوصفها قولًا موَّجَهًا

إلى قرّاء غير متخصصين من أصناف شتى، ممّن يحملون إلى النصّ همومهم الملحّة، وأسئلتهم،

واحتياجاتهم، والذين قد تتغيّر نفوسهم من خلال هذا التفاعل. وبفقدانهم لهذا التصوّر، فقدوا أيضًا

الإحساس بالنصّ الفلسفي بوصفه إبداعًا تعبيريًا يجب أن يكون شكله جزءًا لا يتجزأ من تصوّره،

كاشفًا من خلال بناء الجمل عن قسَمات شخصية إنسانية لها حٌّسٌ خاصّ بالحياة". ويُتناسى بذلك

أنّ القول الفلسفي أسلوبٌ في القول ليس محايدًا، والمآل هو طغيان أسلوبٍ له، اختار معيارًا واحدًا

للدقة والصرامة، يبدو في الظاهر محايدًا، متناسيًا معايير أخرى لهما تدعو نوسباوم إلى التماسها:

"سواء أكانت آراء كانط بشأن الميل مُدافَعًا عنها أم مُهاجَمة، وسواء أكانت المشاعر ممدوحة أم

مذمومة، فقد كان الأسلوب التقليدي للنثر الفلسفي الأنكلوسكسوني هو الغالب: أسلوب دقيق، علمي، تجريدي، باهت لغرض وقائٍّيٍ، أسلوب يبدو بمنزلة مذيب شامل يمكن من خلاله تحليل

كلّ المسائل الفلسفيّة أًّيًا كانت بكفاءة، واستخلاص كلّ الاستنتاجات بسلاسة ووضوح. أما احتمال

وجود طرق أخرى للدقة، أو مفاهيم مغايرة للوضوح والكمال يُمكن أن تُعَدَّ أنسب للتفكير الأخلاقي،

فهذا لم يكن، في العموم، لا مؤَّيَدًا ولا مرفوضًا صراحة". نعترض، من جانبنا، على هذا الأمر بالقول إنّ أسلوب القول في الفلسفة لا يحتل المنزلة نفسها التي يحتلّها في الأقاويل الأدبية. وسندنا في ذلك أنّ القول بذلك ينسف جميع التمييزات بين الأجناس، فلا يُبقي ولا يذر. وثمة سند أيضًا في التمييز لدى فلاسفة الإسلام، خصوصًا عند ابن سينا، بين التخييل والتصديق. ونجد كذلك أنّ مُستند ابن سينا وغيره من فلاسفة الإسلام تنبيهٌ لأرسطو، الذي جعلته نوسباوم نموذجها المفضل، في الغالب، لتمثيل رؤيتها الفلسفية؛ إذ يُنبّه أرسطو نفسه في أحد أقواله في

(((تُعدّ مسألة حياد الفلسفة مسألة مركزية في فلسفة نوسباوم؛ إذ تلتمس أسلوبًا فلسفيًا شعوريًا يجد كمال تحققه في بعض الأعمال

الأدبية، ولا سيما السردية منها، لما تملك تلك الأعمال من قدرة على إكساب علم شعوري يُشعر بما يستحق الاعتبار في الحياة، مثل

روايات هنري جيمس Henry James، التي تحمل في أسلوبها ذاته رؤية أخلاقية، ومن ثم فهي ليست محايدة. فإذا تغيّرت الرؤية تغيّر

الأسلوب؛ وهذا يستلزم، في نظرها، أنّ الفلسفة ذاتها أسلوبٌ في الكتابة غير محايد. وينطبق ذلك على أفلاطون أيضًا؛ إذ إن اختياره كتابة

فلسفته في صورة محاورات، مغايرة للمحاورات التراجيدية، يستلزم حمل رؤية أخلاقية خاصة. ويمكن الرجوع إلى بعض المواضع التي

خصصتها للكلام في هذه المسألة، مثل: , pp. 69, 134, 391 The Fragility of Goodness Nussbaum,. ويعدّ كتابها علم الحبنموذجًا

لحوار بين الفلسفة والأدب؛ إذ تلتمس الفلسفة في الأدب ذلك العلم الشعوري الذي ينقصها، ولا يسعها، في بعض الأحيان، إلا أن تتحوّل في أسلوبها إلى أسلوب فلسفي أدبي سردي لتعوض ما فقدته. ينظر:

Nussbaum, Love’s Knowledge Essays , pp. 8, 26, 245, 251, 259. (10) Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 134. (11) Nussbaum, Love’s Knowledge Essays , p. 20. (12) Ibid., p. 19.

كتابالخطابة إلى أنّ حاجة الفلسفة إلى الألفاظ أقلُ من حاجة الخطابة والشعر، ما يجعل الأسلوب الفلسفي أكثر حيادية من حيث المحتوى إذا ما قورن بالأقاويل الشعرية؛ فالأولوية للمحتوى المفهومي والاستدلالي في الفلسفة. ومن أجل إثبات ما نريد إثباته، نسعى أولًا لبيان الكيفية التي سوّغت بها نوسباوم هذا الرأي، وثانيًا بيان

محدودية رأيها. ولهذا تنقسم الدراسة مبحثين؛ يعرض المبحث الأول مقتضيات رؤية نوسباوم، بالتركيز على موازنتها بين العمل التراجيدي وما يختص به تأديبها وأسلوب قولها من جهة، وتأديب العمل الفلسفي الأفلاطوني وما ترَّتّب على السيرة التي يدعو إليها أفلاطون من تغيّر أسلوب القول من جهة

أخرى. في حين يتناول المبحث الثاني اعتراضنا، مقترحين التمييز في الفلسفة بين المحتوى المفهومي والاستدلالي من جهة والأسلوب المعِّبّر عنهما من جهة أخرى.

أولا: انحياز القول الفلسفي: من أسلوب التراجيديا إلى أسلوب أفلاطون

1. الِّسِير الفلسفيّة وسيرٌ أخرى

كانت غاية التفلسف قديمًا، كما تُظهِر الكثير من أعمال بيير هادو)2010–1922(، أن يعيش الفيلسوف

الحياة وفقًا لأسلوبٍ خاٍّصٍ يختلف عن أسلوب غير الفلاسفة. وهذا ما تبيّنه نوسباوم أيضًا بالتفاتها إلى

البُعد العملي للفلسفة القديمة، ومركزية سؤال السعادة لدى الفلاسفة. ويوجد في كلّ عمل فلسفي قديم،

بحسب هذا التأويل، أمرٌ يدعو إلى أن يحيا أحدُنا وفقًا لأسلوب خاٍّصٍ، ويثوي هذا الأمر في العمل

الفلسفي ويرجع كلّه إليه. ويستعمل الأمر الفلسفي الثاوي في الأقاويل معارفَ وعلومًا نظرية كالمنطقيات

والطبيعيات والإلهيات، يتعلّمها المتعلّم فتُرسم معالمُ الفعل؛ كأن لسان الحال يقول: إذا علمتَ ما حقيقة نفسك وحقيقة العالم وحقيقة الإلهي، فافعل وفقًا لعلمك ما ينبغي فعلُه لتسعد. إلا أنّ سؤال السعادة لم يكن هَّمّ الفلاسفة وحدهم، بل هَّمَ أَّمَةٍ (أمة اليونان) برمّتها، عامّتها وخاصّتها. واختلفت بذلك الأساليب والمسالك وتشعّبت، ولم تجد السيرة الفلسفية قديمًا نفسها في فراغ، بل وجدت نفسها في ملاء من اختيارات أخرى للعيش. فكلّ سيرة أعَّدّت أجوبة خاصة عن سؤال السعادة وحلولًا لما يعرقل تحقّقها. وحتى الخاصة لم يجتمعوا على سيرة واحدة، فتضاربت آراء الفلاسفة والشعراء والأطباء وغيرهم في السعادة وسبيل تحقيقها.

((1(نختار لفظ التأديب بدلًا من التربية، فهو اللفظ الذي نقل إلى العربية بعض ما يتصل بمفهوم παιδεία الإغريقي، ونجده واسع

الاستعمال عند فلاسفة الإسلام. ((1(ينظر:

Juliusz Domański, Philosophy, Theory or Way of Life? Conterversies in Antiquity, the Middle Ages and the Renaissance: With a Foreword by Pierre Hadot (Leiden: Brill, 2024).

(1((نجد أن كتابالخطابة لأرسطو حافظٌ لتصوّر آراء العامة حول السعادة، ينظر:

Aristotle, The Art of Rhetoric , Robin Waterfield (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 2018), p. 17.

وبناء عليه، كان للفيلسوف أنداد في اقتراح السيرة الفاضلة، ونعلم أنّ السفسطائيين كانوا أشهرهم. واختارت نوسباوم أن تكشف عن أنداد آخرين، هم صانعو الأعمال التراجيدية. وإذا كان من المعتاد أن نجعل الفلسفة منطلقًا لمعرفة ما يختصّ به غيرها، فإن نوسباوم اختارت أن تخالف هذا، فتجعل التراجيديا أصلًا تفرّعت عنه الفلسفة في سيرتها، وأسلوب عمل أقوالها للبعث على مثل تلك الحياة،

وذلك مع أفلاطون. وبذلك، ينبسط لها القول للمقارنة بين العمل التراجيدي والعمل الفلسفي. لكن

كان على نوسباوم أن تُعِدّ الأمر لجعل هذه المقارنة ممكنة ومثمرة: أولًا، ببيان الوظيفة الرئيسة للفلسفة قديمًا، وهي التأديب على الحياة السعيدة. وثانيًا، أن تُحِمِّل التراجيديا محتوى رؤية أخلاقية وبجواب

خاص عن مسألة السعادة. وثالثًا، بجعل أسلوب القول تابعًا للسيرة المختارة، وهذا الأمر الثالث هو الذي يعنينا في هذه الدراسة.

2. أسلوب التأديب التراجيدي ومكانة الأسلوب

لا يخفى أنّ العمل التراجيدي نموذج للأعمال الباعثة على الفعل، المُجِسِّدة للتأثير البالغ في نفوس

الناظرين، وبهذا يُكتسب البعد الإنشائي التأديبي. ومن زاوية النظر هذه سننظر إلى الفلسفة أيضًا،

كما سنرى، مع تمييز ما يجعلها مختلفة في أسلوبها الخاص في إنشاء النفوس وتأديبها. فما الذي يختص به تأديب العمل التراجيدي؟ يتوسل العمل التراجيدي بالمحاكاة Mimesis؛ إذ يُحاكي حياة البشر فتظهر في حقيقتها بعد أن كانت

مبهمة صَّمَاء، وتتميز بفضل ذلك قَسماتها. ألا يقول أرسطو إنّ التراجيديا تحاكي الفعل والحياة، والشقاء

والسعادة؟ وتُحيل القصة Muthos، وهي أحد أهم أجزاء العمل التراجيدي، الحياةَ كما تُعاش إلى صورة ذات معنى، فيسطع نجمها في سماء الحقيقة؛ وهو ما اصطلح عليه هانس غيورغ غادامير (2002–1900) بالإحالة إلى صورة Verwandlung ins Gebilde. وتنكشف حقيقة الحياة عبر

الرزايا والشدائد التي تصيب الإنسان فتُمتحن أخلاقه. ولا تتّجه التراجيديا إلى اختيار أوضاعٍللحياة لا إشكال فيها، بل إنّ اختيارها للرزايا يضع الناظر في مقام الحيرة، فيندفع إلى التساؤل: ماذا ينبغي

أن أفعل لو أني عِلقت في شِباك أحداث كالتي تُعرض أمامي؟ يقود العمل التراجيدي الناظر/ السامع

(16) Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 12.

(1((أرسطوطاليس، "في الشعر"، في: فن الشعر مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1953)، ص.20 (1((ندرك أن نقل دلالة لفظٍ ما لا بدّ من أن يراعي السياق الذي ورد فيه، وننقل Muthos بلفظ القصة. وقد ورد في كتاب فن الشعر

لأرسطو للدلالة على أحد أجزاء القول التراجيدي، وعلى تركيب الأفعال في التراجيديا تركيبًا خاًّصًا. وقد نُقل أيضًا بلفظ "الخرافة"،

كما عند أبي بشر متّى بن يونس القَُّنّائي، فن الشعر، ص  97، ويستعمل ابن رشد "القول الخرافي"، المرجع نفسه، ص 209، وترجمها

عبد الرحمن بدوي ب "الخرافة" أحيانًا، والحكاية أحيانًا أخرى، وهي لا تحمل دلالة الأسطورة. ينظر: أرسطوطاليس، ص.20

(19) Hans–Georg Gadamer, Truth and Method , Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.) (London: Bloomsbury Academic, 2013), p. 115.

((2(أما مارسيل بروست Marcel Proust، فيستعمل بشأن العمل الروائي استعارة الأداة البصرية Optical Instrument، فهو بمنزلة أداة ينظر بها القارئ في قلبه فينكشف من الأبعاد ما لم يكن باديًا وهو يعيش الحياة من دون فحص. ينظر:

Nussbaum, Love’s Knowledge Essays , p. 47.

مؤِّدِبًا إياه، فينتهي في الأخير إلى أن يقرّر ما ينبغي فعله. وبهذا تكون للتراجيديا قوّة البعث على الفعل

في النهاية، وهذه هي غايتها؛ إذ لا تقتصر على الإظهار والكشف، بحسب نوسباوم. إلا أنّ الحل لا يُقَّدّم فورًا ولا يُصَرَّح به تصريحًا، بل يُشار إليه، ما دام العمل التراجيدي محاكاةً للفعل. وما يجعل العمل التراجيدي ذا فضل في حلّ المشكلات الأخلاقية هو امتحانُه أخلاقًا تواجه النازلة.

فنحن ذوو نفوسٍ مختارة، وما نحن سوى عادات للفعل. وما يختصّ به الإنسان أنّه الكائن ذو العادة، وهذا ما يجعل الفعل الإنساني غير الطبيعة. فالإنسان هو الحيّ الذي يحتاج إلى التأديب ليكتسب

فضائل الأفعال. وباجتماع تلك الفضائل قد تتحقّق سعادته، التي هي غاية غايات أفعاله وفضائله. ولكن ليس من الضرورة أن تتحقّق السعادة وأن تصل الأفعال إلى غاياتها؛ فالعادات لا تلتزم دائمًا بأفعالها، وهي معَّرّضة للتحوّل إلى غيرها. والعادة، كما جاء في تعريف ابن رشد "ملكة يكتسبها الفاعل، توجب

تكرّر الفعل منه على الأكثر". فهي ليست منتظمة، ولا تخضع لناموس واحد. والفضائل معَّرّضة

للاضمحلال بعد النمو بتعرّضها للامتحانات الشديدة، وقد تزول وتأخذ الرذائل مكانها. وليست

الفضائل في مأمن ولا سعادة الإنسان، ولا توجد إمكانية للإحاطة بأعراض الحياة وجزئيات عيشها. وعلى الإنسان أن يستعد مستعينًا بفكره ليتروّى فيما ينبغي فعله مما تفاجئ به الأقدار من نوازل لم تكن في الحسبان. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى مزيد تأديب وتذكير بالمقامات الإنسانية التي تتعرّض فيها

الأخلاق لمثل هذه الصعاب. وتمتاز الأعمال التراجيدية باستحضارها لمثل هذه المقامات والجزئيات الخاصة، ما يجعلها تؤِّدِب بأسلوب خاص. ولا تضع الأعمال التراجيدية خلُقًا واحدًا في مواجهة النازلة، بل إنّ ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا هو أنّ أخلاقًا وعادات مختلفة تواجه النازلة. ومن ثم، نجد أنّ العمل التراجيدي مَعرضٌ للصراع والمواجهة؛ فلا تواجه الأخلاقُ النازلةَ فحسب، بل تواجه بعضها بعضًا في مواجهتها. ونجد أخلاقًا أو عادات تتصارع صراع إرادات تختلف في آرائها وأفعالها ومواقفها، وبذلك يظهر تعدّد في الأصوات. فالتراجيديا مَعرضٌ للاختيارات الأخلاقية، ولا تُعرض هذه الاختيارات مجرّدة عن الاحتجاج لصوابها. ومن هذا

(21) Martha C. Nussbaum, "Preface to the Revised Edition," in: The Fragility of Goodness , p. xxxiv.

((2(نقترح استعمال الخُلق للدلالة على ما اشتهر بالشخصية Character، وهو اللفظ الذي نقل اسم جزء من أجزاء العمل الشعري

كما تصوّره أرسطو في كتابه فن الشعر. (2((ابن رشد، تهافت التهافت، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.507 ((2(وفي هذا يقول أبو نصر الفارابي "وإنّما تتبدل أعراض هذه المعقولات وأحوالها عند ورود الأشياء الواردة في المعمورة،

إما مشتركًا لها أو مشتركًا لأمة أو لمدينة أو لطائفة من مدينة أو لإنسان واحد. والأشياء الواردة، إما واردة طبيعية أو واردة إرادية، وهذه

الأشياء لا تحيط بها العلوم النظرية، إنما تحيط بالمعقولات التي لا تتبدل أصلًا ". ينظر: أبو نصر الفارابي، كتاب تحصيل السعادة

(بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1995)، ص.55 ((2(ُيلُاحظ أنّ هذا الصدام يكون، في الغالب، بين الأحبة في التراجيديا اليونانية، لما يثيره ذلك من الرحمة والتقوى، اللتين

لا يثيرهما الصدام بين الأعداء. ينظر: أرسطوطاليس، ص.39 ((2(الاحتجاج لصواب الرأي عبارة رشدية نستعملها للدلالة على ما يتصل بالجزء الذي هو الفكر في العمل التراجيدي، وهو الذي

يحتوي على آراء الفاعلين مقترنة بفعل الدفاع عن صوابها. ينظر: ابن رشد، "تلخيص كتاب أرسطوطاليس 'في الشعر'"، في: فن

الشعر، ص.211

الجانب، تُطلعنا الأعمال التراجيدية على محتوى الفكر Dianoia المصاحب للأفعال، وعلى الأقيسة العملية في نفوس الفاعلين؛ وهو ذلك الجزء الذي جعله أرسطو من أجزاء العمل التراجيدي. ونتعرّف،

بواسطة العمل التراجيدي، إلى آراء الأشخاص المُمِّثّلة لأخلاقٍمعينة، ويُفصَح في العمل عما  كان

مضمرًا في الأذهان من الآراء واستدلالاتها. وتُعرض الأخلاق والأفعال والآراء مصحوبةً بالاحتجاج

لصوابها أمام الناظرين ليوازنوا بينها ويحكموا بشأنها في الأخير. ولا تُعرض الأخلاق من صانع الأعمال التراجيدية من دون ترجيح؛ إذ يجعل الصانع داخل العمل ما تُوازَن به الآراءُ، وتُنقد به الاختيارات والأفعال، وذلكم التبكيت Elenchus الذي استعملته محاورات

أفلاطونبطريقتها الخاصة، كما تُبيّن نوسباوم. وتمثّل لذلك بكريون Creon في مسرحية أنتيغون؛

إذ يكون المبدأ في العمل رأيًا مظنونًا يتشبّث به كريون، ويعمل الفعل الدرامي على تخليصه منه ليجعله

في النهاية يرى ما  كان غافلًا عنه في نفسه من الحق، أو على الأقل رميه بالحيرة؛ وكلّ ذلك عن طريق

تأديب موجع. أما الناظرون فيحدث لهم، بسبب العمل، ما حدث للخلُق الممتَحن من انتباهٍللحق أو وقوع في الحيرة؛ وذلك هو تأديب التراجيديا. وتنبّه نوسباوم إلى قيمة الانفعالات في تأديب التراجيديا؛ فهي المخاطَب الرئيس في أقاويلها، لا القوة

العاقلة، واستبدال الثانية بالأولى سيُحدث الفارق في الحوارات السقراطية كما سنرى. إنّ تأديب

العمل التراجيدي للجمهور هو تأديب بواسطة إثارة الانفعالات، كتلك التي ذكرها أرسطو، وهي الرحمة والخوف؛ وكل التراجيديا تُصنع في صورة تتقصد الإثارة. فجميع مكوّنات التراجيديا تُتوَّسَل

لإثارة الانفعالات، خصوصًا القصّة بوصفها ترتيبًا خاًّصًا للأحداث. ويذكر أرسطو من أجزاء القصة،

مضافًا إلى التحوّل والتذكّر، الانفعال Pathos نفسه، ويعرّفه بأنّه "الفعل πρᾶξις الذي يُهلك أو يُؤلم،

مثل مصارع الأبطال على خشبة المسرح، والأوجاع والجروح وأشباهها". وهذا ما يتفرّد به التعليم

التراجيدي؛ فهو تعليم بالانفعالات، غايته اكتساب علم شعورٌّيّ بالخير، بحسب نوسباوم. ونبلغ في الأخير إلى ما له صلة أوثق بالأسلوب، وهو اللفظ. إنّ ما يجعل الأقاويل التراجيدية أكثر تأثيرًا

وبعثًا على الفعل هو اعتناؤها بصورة القول وبالألفاظ، وهذا ما يجعل القول التراجيدي قولًا تخييلًّيًا،

وهو ما يميّزه من الأقاويل الخطابية، كما يظهر ذلك في موازنة فلاسفة الإسلام بين الأقاويل الخطابية

والشعرية. فالأقوال التراجيدية لا تُقنع كما تُقنع الأقاويل الخطابية، بل تُخيّل أكثر بما تستعمله من

النقل والتغييرات اللفظية. وهذا يعني أنّ أقاويل الأخلاق المعبّرة عن آرائها يحتل فيه النّقل Metaphora

مكانة عالية. فالاحتجاج لصواب الآراء في الأعمال الشعرية التراجيدية، فيما نرى، يكون بأن نُخِّيّل

(27) Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 128.

((2(أرسطوطاليس، ص.32 ((2(يختزن هذا المفهوم كثيرًا من الصفات التي نسبتها نوسباوم إلى العمل التراجيدي؛ ومنها أنّ المخاطَب فيه هو الخيال

والانفعالات، وأنّ القول التراجيدي، بوصفه قولًا شعرًّيًا، يستعمل النّقل على نحو واسع. ومن ثم نعيد توظيف هذا المفهوم،

مستعيرين إيّاه من الشيخ الرئيس، للإيجاز والإشارة إلى خاصّة القول التراجيدي. 3(((ابن سينا، "كتاب الشعر"، في: فن الشعر، ص.162

صواب رأيٍأكثر من أن نُقنع به. وتُعرض الرؤى الأخلاقية مُخَيَّلة لبيان محدوديتها، كرؤية أغاممنون

أو كريون أو أنتيغون. والتخييل هو الذي يجعل من تأثير الأقاويل التراجيدية أشدّ في النفوس، فضلًا عن أنها أقاويل موزونة. وتوجز نوسباوم خاصّة العمل التراجيدي حين تقول: "وتكمن بنية جنس التراجيديا وشكل قولها في مثل هذه الآراء [الآراء بشأن ما له شأن وقيمة في الحياة ويستحق أن يهتم به]؛ إذ إنّ عادتها هي أن تروي قصصًا عن تحولات تصيب أناسًا طيبين، لكنهم غير محَّصَنين من الأذى، وأن تروي هذه القصص

كما لو أنها تعني الكائنات الإنسانية جميعًا. ويوقظ هذا الشكل في جمهوره استجابات، لا سيّما مشاعر

الشفقة تجاه الأخلاق Characters، والخشية على النفس؛ وهي استجابات تفترض مجموعة مماثلة من الآراء. إنه يغذّي ميل الناظر إلى أن يتماهى مع بطل يبكي بلا تحكّم أمام جثة حبيب، أو يُجنّ

غضبًا، أو يرتعب من قوّة معضلة لا حلّ لها". إنّ أيّ سيرة تستدعي أسلوبًا في القول خاصًا يسعى لإنجازها، وهو لا ينفصل عن أسلوب خاص في

التأديب. وفي أسلوب قول التراجيديا، بالصورة التي فصّلناها سابقًا، سيرة خاصّة مُفترضة تحثّ عليها،

مختلفة عن السيرة الفلسفية الأفلاطونية.

3. فاصل عن مناسبة الفلسفة للتراجيديا في إنشائيتها التأديبية

للأقوال الفلسفية وظيفة إنشاء آثار تأديبية، كما للأعمال التراجيدية؛ فهي أقاويل تأثيرية تُستعمل لتصوير نفوس المتعلّمين، ولا ينفصل ذلك عن محتوى هو رؤية خاصة للسعادة تسعى لإنجازها. ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحًا في الفلسفة الهلينستية. وهذا ما تفصّله نوسباوم في عملها المعنون علاج الشهوة،

حيث تُبيّن كيف تحوَلت الفلسفة إلى طريقة علاجية يُعتنى فيها بالمتعلّمين أَّيّما عناية، وتُحَّضّر الأقاويل

كما تُحَّضّر الأدوية المفردة والمركّبة. وليس أبلغ تأثيرًا من أن تصير الأقاويل هي الأدوات المستعملة

للعلاج. وفي هذا تقول نوسباوم: "وثيق الصلة بهذا، ومصدرٌ رئيس لتفوّق هذه الأعمال الفلسفية، هو

عنايتها الدقيقة بتقنيات القول والكتابة الفلسفية. إنّ الصرامة والدقة، في نظرهم، ضروريّتان، لكنهما غير

(3((وهذا ما تبيّنه نوسباوم بتنبيهها إلى الاستعارات التي تستخدمها الأخلاق لتسويغ آرائها. (3((كتشبيه كريون المدينة بسفينة النجاة، أو مخاطبته ابنه، الذي أحبّ أنتيغون، بقوله إنّ أيّ امرأة يمكن أن تكون حرثًا له:

"There are 'Other Furrows' for Haemon’s 'plow'." Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 174.

وتحرص نوسباوم على استخلاص صور مخِّيِلة للعيش تحياها أخلاق الروايات، ومنها روايات هنري جيمس، وذلك في كتاب

علم الحب. فهي تتخيل، مثلًا، ماغي فيرفر Maggy Verver في رواية الكأس الذهبي The Golden Bowl لهنري جيمس، الحياة

السعيدة كما لو أنّها تعيش في دواخل سفينة عابرة للمحيطات لا يصلها الماء، فتظلّ في مأمن مما يعرض للبحر وباقي أجزاء

السفينة، وتحفظ ما هو مطلوب منها أخلاقًّيًا من دون أن تؤذي أحدًا أو تؤذى من أحد. ينظر:

Nussbaum, Love’s Knowledge Essays , p. 126;

وأيضًا تتبع نوسباوم ما يصيب هذه الصور من التحولات فنتخيل العيش في صور مخيّلة بديلة بفعل التجربة، ينظر:

Ibid., pp. 89, 131, 134. (33) Ibid., p. 17. (34) Martha C. Nussbaum, The Therapy of Desire, Theory and Practice in Hellenstic Ethics (Princeton: Princeton University Press, 2009).

كافيتين، إذا كانت الفلسفة تهدف إلى التواصل مع جمهور أوسع من نخبة ضيقة. فالصرامة والدقة إذا ما صيغتا بلغة أكاديمية جافة ومثقلة بالمصطلحات فلن تثير اهتمام المتعلّم في بحثه عن الحقيقة، ولن تنفذ عميقًا بما فيه الكفاية إلى تفكيره حول ما يهمّه في الحياة لتدفعه إلى الإقرار بما يفكر فيه حقًا

وما يؤرّقه. وتدخل الاستراتيجيات الأدبية والبلاغية في صميم هذه الطرق على مستوى عميق، لا لتزيين الحجج فحسب، بل لتشكيل الإحساس الكامل بما يعنيه الجدل العلاجي، وللتعبير، من خلال أسلوبها الملموس، عن احترام حاجات المتعلم". ونجد لنوسباوم في إثبات هذا الرأي ظهيرًا هو بيير هادو في بيانه لوظيفة الأقاويل الطبيعية التأديبية عند

الرواقيين، فيقول: "بالنسبة إلى الرواقيين كما للأبيقوريين لا تُبسط الطبيعيات لغاية ذاتها، إن لها غاية أخلاقية". وحتى الأقاويل المنطقية استُعملت للتأديب، فيقول هادو: "لا يحصر المنطق مثلًا في نظرية مجردة للاستدلال، وليس حتى في تمارين مدرسية في القياس، لكن سيكون هناك عملٌ بالمنطق يومٌّيّ

لحل مشكلات الحياة اليومية. وسيبدو المنطق بهذا تحكّمًا في القول الداخلي، وسيكون هذا ضروريًا

أكثر، وفقًا لمذهب سقراط العقلي، ما دام الرواقيون يرون أن الانفعالات الإنسانية آتية من سوء استعمال القول الإنساني. بعبارة أخرى، إنها نتيجة أغلاط في الحكم والاستدلال. وعلينا، إذًا، مراقبة قولنا الداخلي لنرى إن كانت قد تسلّلت إليه أحكام قيمة خاطئة بإدخال أمر غريب في التمثّل المحيط بالمدرَك". ويتبيّن إذًا أنّ الأقاويل تُستعمل لأغراض عملية تأديبية. ويشهد للبعد الاستعمالي للأقاويل ما أقامه الرواقيون

من تمييز بين الفلسفة والقول على جهة الفلسفة Pilosophia/ Logos kata philosophian، والفضل في الكشف عن ذلك لهادو. وفي هذا يقول: "مَّيّز الرواقيون بين الفلسفة؛ أي التمثّل الحي للفضائل التي كانت

هي المنطق والطبيعيات والأخلاق، و'القول على جهة الفلسفة'؛ أي التعليم النظري للفلسفة، وقد قُِّسّم

هو نفسه إلى النظر في الطبيعة والنظر المنطقي والنظر الأخلاقي". غير أنّ هادو يطّرد في هذا الحكم ليحكم على الفلسفة القديمة برمّتها، مبيّنًا أنّ الأقوال الفلسفية عند الرواقيين وغيرهم كانت أدوات تُستعمل

للتأديب، وأنّ الكلام الفلسفي هو ما تُنجز به الأفعال وتتحقّق به الآثار. وتبقى الغاية، في النهاية، غاية عملية هي صميم الفلسفة. ويقول "لقد تعرّفنا طوال بحثنا، من جانب، إلى وجود حياة فلسفية، وعلى نحو

أكثر دقة إلى أسلوب حياة يمكن وصفه بالفلسفي ويقابل جذريًا أسلوب حياة غير الفلاسفة، ومن جانب

آخر إلى وجود قول فلسفي يُسِوِّغ ويُحِرِّك خيار الحياة هذه ويؤثر فيها". وكأنّما جعلت نوسباوم هذا التمييز، المذكور سابقًا، معتمدًا لها في تسويغ رأيها والانتصار لدعواها أن الأقاويل الفلسفية أساليب غير محايدة. وهي غير محايدة لأنها أقاويل إنشائية، وليست إخبارية، تنشئ

(35) Ibid., p. 486. (36) Pierre Hadot, Qu’est–ce que la philosophie antique? (Paris: Gallimard, 1995), p. 200. (37) φαντασία καταληπτική, Hadot, p. 211.

يمكن ترجمته أيضًا بالخيال المحيط بالمدرَك.

(38) Ibid., p. 265. (39) Ibid. (40) Ibid.

نفوس المتعلمين بصور مختلفة تبعًا للمحتوى وللتصوّر الذي يحمله كل فيلسوف عن السعادة. إلا أّن

الأعمال التراجيدية سبقت الفلسفة، إلى تحقيق وظيفة التأديب، وفقًا لتصوّرها الخاص للسعادة، فكان

على أفلاطون أن يلتمس سيرةَ وأسلوبَ قول غير تراجيديين.

4. أسلوب التأديب وأسلوب القول الأفلاطونيان

ما دامت كل سيرة، في نظر نوسباوم، تستدعي أسلوبَ تأديبٍ خاًّصًا يبعث عليها، وبالتبع أسلوبَ

قولٍخاًّصًا، فإنّ السيرة الأفلاطونية تستلزم بالضرورة أسلوبَ تأديبٍ دون غيره، وبالتبع أسلوب قول.

ونتساءل عن طبيعة أسلوب التأديب الأفلاطوني، وما ترتّب عليه من تشكّل ملامح قول بديل من الأقاويل التراجيدية. ويدين أفلاطون، بحسب نوسباوم، للتراجيديا في أسلوب تأديبه؛ إذ يستعير منها بعض العناصر، لكنه يعمد إلى تصريف ما استدانه بما يمنع ما قد يفسد المقاصد الجديدة. فقد استدان من التراجيديا صورة المحاورة وطريقة التبكيت. وترى نوسباوم أن المحاورات التراجيدية ومحاورات أفلاطون تبدأ

بإثبات موقف عام من دون فحص. وقد رأينا سابقًا أنّ العمل التراجيدي يقذف بنا في مأزق مُفترضٍ من مآزق الحياة، ويكون المبدأ أن يرى أحدنا رأيًا مظنونًا في المشكلة العملية التي تعترضه، متوهّمًا أن حلها هِّيِنٌ، كما هو شأن كريون. وبعد الامتحان يؤول الأمر إلى مراجعة الرأي واستبداله برأي أكثر غنى؛

غير أنّ اكتساب البصيرة لا يكون إلا بعد تجربة مؤلمة يجربها خُلقٌ من الأخلاق. ويُعَبَّر عن المأزق في محاورات أفلاطون بالسؤال عن حقيقة الشيء؛ إذ يكون المبدأ هو عرض تعريفات

مظنونة لموضوع الفحص، ومثاله تعريفات العدالة في محاورة السياسة. وكما هو شأن الأعمال التراجيدية، تنتهي المحاورة بأن يُعالَج المخاطبُ من ظنونه، وليس من الضروري أن يتعرّف إلى الرأي

الصائب؛ إذ قد تكون الفضيلة هي الإيقاع في الحيرة تمهيدًا للطريق نحو العلم، وذلك هو التبكيت الأفلاطوني. وقد سبق أن قلنا إنّ العمل التراجيدي يبسط أخلاقًا تتصارع، تجسّدها أسماء كأنتيغون

وكريون، وتمثّلها آراؤها واحتجاجاتها المتعارضة؛ والناظر السامع ينظر إلى الأفعال ويستمع إلى الآراء ويُصغي إلى الاحتجاجات ليقرّر في النهاية أيّها أصوب. وكذلك محاورات أفلاطون؛ إذ تُبسَط آراءٌ

متعارضة يَّطّلع قارئ المحاورات على تفاصيلها، وعليه أن يوازن بينها ليقرّر بشأن صلاحها أو فسادها.

ويُقاد قارئ المحاورة، بالمحاورة نفسها، إلى فحص الآراء والاقتناع في النهاية بالرأي الصائب أيضًا. وتوضّح نوسباوم هذا بقولها: "مثَل الناظر في التراجيديا مثَلُ قارئ المحاورة الذي يُطلب منه، من خلال

التفاعل، أن يُعمِل فكره في كلّ ما يجري، وأن يحدّد موقفه الحقيقي: من هو الجدير بالمدح حًّقًا،

ولماذا. وحيثما يوجد احتجاجٌ صريح، فإنّ القارئ مدعٌّوٌ، عبر أخذٍ وردّ، إلى أن يُقِّوّم الأمور بنفسه،

كما يُقِوِّم الناظر في التراجيديا احتجاجات كريون وأنتيغون تقويما نقدًّيًا".

(4((تقول نوسباوم: "إنها (أي الكتابات الأفلاطونَّيَة) تعترف بدَينها للشعر التراجيدي، وفي الوقت نفسه، تنأى بنفسها عنه". ينظر:

Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 122. (42) Ibid., p. 128.

وعلى الرغم من ظاهر التماثل الذي يحتاج إلى لفت لطيفٍ للنظر بين العمل التراجيدي والعمل الفلسفي الأفلاطوني، فإنّ باطن الاختلاف بينهما هو الذي يجعل أسلوب التأديب والقول الفلسفي

الأفلاطوني يُولَدُ منتِجًا محتواه الخاص. ولنسعَ للتنبيه إلى ما يباعد بين الأسلوبين والمحتويين. إن

التجربة الفلسفية الأفلاطونية تجربة للعقل؛ فالعقل هو الذي يجرّب عبر سلوكه دروب الاستدلالات

العقلية المجردة، فينتهي إلى إثبات أمرٍ ما. ولم تعد تجربةً لشخص متخيل من الناس، متفردة وملموسة؛ إذ حَّلّت محلها حججٌ مجردة. ويكون التعلم بأن يجرّب عقلنا السقوط في التناقض. أما في العمل

التراجيدي فينفصل مجسّد أخلاق معينة، مثل كريون، عن آرائه الباطلة عن طريق تأديب مؤلم. اختفت القصة بدلالتها التراجيدية في المحاورة الأفلاطونية، وصار الفحص هو الفعل نفسه؛ فعل العقل الفاحص، والحوار والقول الفاحص هما الحدث. صحيح أننا نجد تحوّلًا وتذكرًا كما في العمل

التراجيدي، ولكن ذلك على صعيد الحكم العقلي والرأي. تقول نوسباوم: "صار سقراط وأوديسيوس وبرومثيوس أبط لًا لنوع جديد من القصص، طموحهم هو أن يصعدوا إلى مقام العلم. وهذا يتحقق بطريقتين: بالانتقال من الأخلاق الخاصة Particular Characters إلى الفحوص العامة General Accounts، وعبر الابتعاد عن المشاعر والأحاسيس نحو العقل". ولا تُحِّرّك فينا المحاورات سوى قدراتنا الاستدلالية،

واستُبعدت الانفعالات؛ فلا مكان للبكاء والخوف والشفقة. ومن ثم، نجد في محاورة فيدون استبعاد كسانثيب Xanthippe، وعذل أبولودوروس Apollodorus على بكائه كالنساء؛ إذ "ليس الفعل في فيدون موت سقراط، بل الفحص عن حقيقة النفس". وتنص نوسباوم على أنه: "لا تتعلم الأخلاق في فيدون عن النفس برنوها إلى حبّ سقراط، يبدأ علمهم حين يطرحون هذا الحب ويلتفتون إلى الفكر". إنّ ما سبق هو الذي يجعل القصص والتمثيلات والنقل تحتل مكانة دنيا لدى أفلاطون؛ فهي تُستعمل، بحسب نوسباوم، من أجل التوضيح فحسب؛ أي توضيح لسابق الحقائق الفلسفية العامة، وهي لا تؤسّس للقول، بل تأتي متأخّرة لتوضيح أمر مكتمل لا يحتاج سوى إلى إضاءته، وليست هذه

القصص لإثارة انفعالاتنا. وليس استحضار التجارب الجزئية في القول الفلسفي الأفلاطوني مقصودًا لذاته؛ فهو لا يرى الجزئيات في نفسها، ولا ما يتفرد به كلّ جزئي، بل يرى فيها ما يدلّ على الكلي المفارق الذي تشترك فيه؛ إذ إنّ الفحص يسعى للعلم، والعلم لا يكون إلا بالكليات. أمّا الأعمال

التراجيدية فلا تعدنا بمعرفة كليّة كما تفعل الأقاويل الأفلاطونية، ما دامت تعترف بأن في الجزئيات من

الغنى ما لا يوجد في الكليات؛ فهي تحذّرنا من المخاطر الملازمة لكل بحث عن صورة معرفية واحدة، وتكشف لنا باستمرار عن غنى القيم الإنسانية، وتعُّقّد المقامات العملية المعيشة والتباسها. وحتى لو اطّرد الحكم، فلن يطّرد إلا يسيرًا وإلى حدّ ما.

(43) Ibid., p. 130. (44) Ibid. (45) Ibid., p. 131. (46) Ibid. (47) Ibid., p. 133. (48) Ibid., p. 131.

لقد نتج من الانتقال من العمل التراجيدي إلى العمل الفلسفي ميلاد أسلوب جديد؛ أسلوب للفلسفة خاص يحمل محتوى خاًّصًا. وبناء عليه، لم يكن أمام أفلاطون إلا اختيار الأسلوب الذي اختاره؛ أي شكل المحاورة المنثورة القريبة من المحاورات اليومية العادية لا المنظومة، وأن يخاطب العقل، وأن تكون أقاويله استدلالات عقلية لإثبات الكليات غير عابئة بتفرد كلّ جزئي. وهذا يقتضي أن يتغيّر

الأسلوب إذا تغير المحتوى. ونتساءل: هل هذه النقلة لتنصيب مُخاطَبٍ جديد هو العقل، واحتلال اللفظ المكانة التي احتلها، أمرٌ خاص بأفلاطون؟ وما دام المحتوى البديل المُرتجى عند نوسباوم

هو محتوى الفلسفة الأرسطية الموافق لمحتوى الأعمال التراجيدية، فإنّ هذا يقتضي، بحسبها، تغيّر

الأسلوب. وهنا يتعرّض رأيها في الأسلوب الفلسفي، وفي التماس أسلوب فلسفي بديل من المفترض

أن تجسده أقوال أرسطو الفلسفية، لامتحان شديد؛ فما دامت نوسباوم ترى أنّ الفلسفة العملية الأرسطية ونمط العيش الذي تحمله للمخاطَب نمط مناسب للتراجيديا؛ إذ يعلي من شأن الانفعالات، ويلتفت إلى قيمة الجزئيات في العمل ويحتل اللفظ والنقل فيه مكانة عالية، فمن المتوقّع أن يكون الأسلوب مغايرًا، فهل الأمر كذلك حًّقًا؟

5. أسلوب القول الأرسطي

السيرة الفلسفية الأرسطية، في رأي نوسباوم، هي الأنسب للسيرة التراجيدية؛ فمحتوى الرؤية الأرسطية العملية يوافق التراجيديا في نمط العيش الذي تدعو إليه. وتأتي هذه الموافقة من المكانة التي يحتلّها الشوق Orexis في فلسفة أرسطو؛ فهو وسيط بتأديبه تُكتسب الفضائل، فتغدو النوازع صائبة، وتُعَدَّل بحسب المواقف التي يواجهها الإنسان. وهذا نابع مما يشترك فيه الإنسان والحيوان من الشوق. إلا أنّ الشوق الإنساني يكون عن قول وقياس، فينضاف القول إلى التخيّل والحس. ويترتب

على رأي نوسباوم أنّ أسلوب الأقاويل الأرسطية الفلسفية سيكون مناسبًا لهذا المحتوى؛ أي إنّ

أسلوب أرسطو الفلسفي سيكتسب خصائص تناسب رؤيته لما ينبغي فعله. وسيكون أسلوبًا شبيهًا بأساليب الأعمال التراجيدية، يخاطب النوازع كما يخاطب العقل، ويزخر بتغييرات الألفاظ، ويحتفي بالجزئيات ولا يسعى لتجاوزها إلى الكليات. إلا أنّ أسلوب أرسطو يبدو، في ما وصلنا من نصوصه،

(4((من أشهر الألفاظ العربية التي نقلت Orexis في نصوص الفلسفة الإسلامية لفظ الشوق، ونجد ألفاظًا أخرى كالاشتياق

والتشوق والشهوة. ينظر: أبو نصر الفارابي، كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، تحقيق فوزي متري نجار (بيروت:

المطبعة الكاثوليكية، 1964)، ص 72؛ ويستعمل ابن رشد، لفظ التشوّق ولفظ الشهوة مثلًا في كتاب: تلخيص كتاب النفس، تحقيق

ألفرد. ل. عبري (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1994)، ص.146–138 ((5(يقول غادامير: "إن نظرية أفلاطون وسقراط في الفضيلة مُبالغ فيها. ويُعيد أرسطو التوازن بإظهاره أن أساس المعرفة الأخلاقية

عند الإنسان هو Orexis، أي شوق، ومصيره هيئة راسخة Hexis. وإنّ اسم "الأخلاق" ذاته يشير إلى أن أرسطو يؤسس الفضيلة Arete

على الممارسة وعلى Ethos. ينظر:

Hans–Georg Gadamer, Truth and Method , Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.) (New York: Continuum, 2004), p. 310.

من بدايات نوسباوم الأولى في تأسيس رؤيتها كتاب حركة الحيوان Motu Animalium لأرسطو الذي عملت على ترجمته، من أجل تناوله ما هو مشترك بين جميع الحيوانات. يُعدّ مفهوم Orexis" " (الشوق) المفهوم الذي يصف مشار ةك الإنسان في عالم الفعل الحيواني. وهذا

يُعدّ نقطة انطلاق جيّدة لوصف الفعل الإنساني، وما يميّزه من فعل الحيوانات الأخرى. وما هو مشترك بينها أيضًا هو القياس العملي.

مخِّيِبًا للآمال؛ أو لنقل إنّ ما بلغنا من أقاويله هو الذي يخيّب الآمال. فأسلوب أرسطو أبعد ما يكون

عن الأسلوب التراجيدي، وتشعر نوسباوم بأنّ الأقاويل الأرسطية تكذّب رأيها. وفي هذا تقول: "أو، ربما وهو أمرٌ أكثر إرباكًا، هل يُدان أرسطو بنوع من سطحية الأسلوب الذي كنا حريصين على انتقاده

في معرض هذا الكتاب؛ أي الرأي الذي يرى وجود أسلوب فلسفي محايد يمكن بفضله تقويم كل دعاوى الحقيقة الأخلاقية بصورة متساوية ومحايدة". تُذكّرنا نوسباوم، حمايةً لوجهة نظرها، بأقاويل أرسطو الحوارية المفقودة، فلعلّها تكون مجسّدة للأسلوب الأرسطي المفقود؛ الذي يمتزج فيه الفلسفي بالأدبي فيناسب رؤيته العملية، وهي رؤية ذات طابع تراجيدي أيضًا. وتستعين في ذلك بما وصف به شيشرون، ممن قرؤوا محاوراته المفقودة، أسلوبها؛ إذ شبّهه ب "النهر الذهبي". ولمّا ظفرت نوسباوم بمثيل لهذه المحاورات، لجأت إلى محاورة من محاورات أفلاطون، وهي محاورة فيدروس، التي تخالف أسلوب غيرها من المحاورات؛ حيث يكون الحب فيها حًّبًا لصورة شخص

جزئي لا لصور مثالية، ويغدو الأسلوب مُعِبِّرًا عن هذا الصنف من الحب، ممتلئًا بالنّقل. أما ما بلغنا من أرسطو فليس سوى محاضرات مكتوبة قصد إلقائها لمتعلّمين جادين ومتخصصين، أو هي مجرد رؤوس أقلام لما سيُذاع في تلك المحاضرات، فضلًا عن تدخّل المتأخرين لإعادة ترتيب

تلك الأقوال بقصد نشرها. وعمومًا، يمكن القول إنّ نوسباوم لم تجد في أقاويل أرسطو شاهدًا على أنّ الأسلوب الفلسفي تابع لمحتواه، ومن ثمّ غير محايد وغير ذي أثر في تشكيل محتوى فلسفي معيّن. وكأنما اضطَُّرّت نوسباوم، حفاظًا على معقولية رأيها، إلى العودة إلى تحييد الأسلوب الفلسفي وإرجاع

الأمر إلى آراء الفيلسوف نفسها، فلا يهمّ الوسيط الذي يعبّر به عنها. وبناء عليه، يكون أرسطو مقَّدّمًا على

أفلاطون لأنه يمنح للأعمال التراجيدية مكانة خاصة؛ ومن ثم لا يكون من الضروري أن يسعى أرسطو لمزج أسلوبه الفلسفي بالأسلوب الأدبي، بل يكتفي بالاعتراف بقيمة الأعمال التراجيدية في الإرشاد إلى الحياة السعيدة، مع الإقرار بعدم إمكانية تعويضها أو استبدالها، والانتقال إلى استعمالها وتأويلها. وهذا هو العمل الذي تفرغّت له نوسباوم؛ أي المساعدة، عبر التأويل والشرح، على إظهار ما هو كامن في الأعمال الأدبية من قدرة على تعليمنا السعادة. وتقول في هذا السياق: "محاولتنا للبحث عن بصيرة Insight في هذه الأقاويل الشعرية والدفاع عنها ضدّ الاعتراضات الكانطية والأفلاطونية قد تطلّبت منا أن نقدّم تفسيرات لها تُظهر بوضوح أمورًا كانت في السابق مخفية أو عرضة لأن تغيب عن الانتباه".

(51) Nussbaum, The Fragility of Goodness , p. 391. (52) Ibid., p. 392. (53) Ibid., p. 227. (54) Ibid., p. 201. (55) Ibid., p. 392. (56) Ibid., p. 394.

غير أن نوسباوم تلتمس مقامًا جديدًا، وهو بلوغ الأمر إلى المزج؛ أي أن يمتزج الفلسفي بالأدبي مزجًا ليصل الأسلوب الفلسفي إلى كماله الأخير فيتماهى الفلسفي بالأدبي، ويتمكن بذلك من التعبير عن دقيق المشاعر وتعليمنا ما لم تستطع الأساليب الفلسفية المجردة بلوغه. ويشهد لذلك قولها: "لقد ابتعدنا عن أرسطو إلى حٍّدٍ ما حين أشرنا إلى أنّ أهداف التأويل قد تخدم أحيانًا على نحو أفضل من خلال نوع من الكتابة 'المختلطة'، الأقرب إلى أسلوب 'فيدروس'، والتي تُدمج عناصر أدبية معيّنة؛ ذلك لأن عرض وظيفة المشاعر التراجيدية يقتضي، من الواضح، أن نسمح لأنفسنا بالتفاعل، جمهورًا أو قرّاءً، مع ما هو مثير للشفقة والخوف في المسرحية التي أمامنا، معترفين في كتابتنا وقراءتنا بتلك المشاعر التي تتمثل وظيفة التراجيديا في استدعائها". تحملنا خيبة الأمل هذه على إعادة النظر في الموقف الذي تعتمده نوسباوم، وتُثير تساؤلًا مشروعًا عمّا إذا كان أرسطو نفسه يُقرّ بما ذهبت إليه من اعتبار الأسلوب الفلسفي محايدًا من حيث المحتوى. ومن ثمّ نلتفت إلى نصوص أرسطو ذاتها لنتبيّن منزلة اللفظ والأسلوب في فلسفته، لا عنده فحسب، ولا عند أستاذه أفلاطون، بل عند المبدأ المؤسس للفلسفة بوصفها قولًا يُخاطَب به العقل، فمُنح، بموجب ذلك، اللفظ منزلة يصعب تبديلها.

ثانيًا: خصوصية القول الفلسفي: التمييز بين التخييل والتصديق

1. النظري والعملي في الفلسفة

يرجع كثيرٌ ممّا أثبتته نوسباوم من أحكام إلى حرصها على المباعدة بين رؤية أرسطو والرؤية الأفلاطونية، وإلى تركيز نظرها على جزء من فلسفة أرسطو دون سائر أجزائها، وإلى اختيارها أقولًا له غافلة عن أخرى؛ فنتج من ذلك تأويل خاص لأرسطو آل، في النهاية، إلى جعله ليبرالًّيًا. ولنلتمس، من جانبنا، قراءةً لأرسطو تُقِرِّبه من أفلاطون أكثر، ولنذكر أقولًا أخرى له، مع الحرص على الجمع بين رأيَي الحكيمين، أفلاطون وأرسطو، التماسًا لتأويل بديل، والقصد من ذلك اقتراح جواب مختلف عن سؤال الأسلوب الفلسفي. هل يمكن أن ننكر تقديم أرسطو حياة النظر على حياة العمل؟ يدل على ذلك كثير من المواضع في

(57) Ibid.

((5(ينظر على سبيل المثال مقال أندري جيرو:

André Giroux, "Le libéralisme américain et les anciens: Les erreurs en mineur de Martha Nussbaum," Revue de philosophie ancienne , vol. 21, no. 1 (2003), pp. 109–136.

((5(يقول غادامير: "من المؤكد حًّقًا، ولم يعد أحد اليوم يشك في ذلك جاًّدًا، أن أرسطو كان ناقدًا لمذهب أفلاطون منذ وقت

مبكر، ومع ذلك فقد كان، وظَّلَ، أفلاطونًّيًا حتى في مؤلفاته المتأخرة". ينظر:

Hans–Georg Gadamer, The Idea of the Good in Platonic–Aristotelian Philosophy , P. Christopher Smith (trans.) (New Haven/ London: Yale University Press, 1986), p. 14.

ما بلغنا من أعماله. أليس الاعتناء بحياة العمل أمرًا مضطرًا إليه من الفيلسوف فقط لأنه نفسٌ مقترنة

ببدن، وحٌّيٌ مدنٌّيٌ؟ ولو شئنا أن نحفظ لهادو فضل كشفه عن البعد العملي للفلسفة القديمة، لاعتمدنا

على أقواله نفسها لنقول إن أرقى أصناف العمل لدى أرسطو هو النظر ذاته؛ فالنظر نفسه عمل، وهو فعلٌ للعقل. وهو حياة الإله وفعله الخاص به، وأسمى ما قد يبلغه الإنسان هو التشبه بالإله في هذا الفعل. والإنسان، على الرغم من جهده، لا يحيا مثل الإله إلا لمامًا؛ وبذلك يكون العلم لغاية العلم

أسمى من العلم لغاية العمل. يقول هادو: "لا شكّ، إذًا، في أنّ الحياة العقلية عند أرسطو تقوم إلى حدّ بعيد على الملاحظة، والبحث، وفحص الملاحظات. ومع ذلك، فإن هذه الأنشطة تُمارَس بروح معيّنة يمكن أن نصفها، من دون مبالغة، بأنها شغف بالحقيقة يكاد يكون دينيًا في جميع تجلياتها،

سواء كانت وضيعة أم سامية، لأننا نجد آثارًا للألوهية في كل شيء. ولا شيء قد يكون أكثر إلهامًا في

هذا الصدد من الصفحات الأولى من رسالة أرسطو فيأجزاء الحيوان، حيث يعرض لا من مجالات البحث ودوافعه". فعل النظر، إذًا، فعل تألهي تتحقق به لذة خاصة؛ إذ يندهش الناظر من تجلّي الآيات الدالة. فكأن اشتغال الناظر بالعلوم النظرية (الطبيعيات والتعاليم والإلهيات) ملاحقة للإلهي، وتعقّب لآثاره أينما وُجدت، والتذاذ بمشاهدتها. صحيح أن تلك الآثار ظاهرة أكثر في السماء، إلا أن عالم الكون والفساد لا يخلو من تجلّيها، وإن كان باهتًا، وأمور الأرض في متناولنا، فيسهل تعقّبها خلافًا لأمور السماء. وفي هذا يقول أرسطو في أجزاء الحيوان: "ورأينا وقولنا قليلٌ في الجوهر الواحد الإلهي، لأن الأشياء البِّيِنة

لنا من آثار ذلك الجوهر يسيرة جًّدًا، ونحن نقول قولًا أكثر في الحيوان والشجر الذي يولد، ويبلى لأن عَّلَتها أيسر علينا لقربها منّا وترَّبَينا معها. وقد يقوّي مرارًا علم كل واحد منهما أن يقول فيه قائلٌ شيئًا مع

تعب وكد. وفي كليهما عويص، لأننا إنما ندرك علمًا يسيرًا من علم الجواهر السماوية لكرمها وعظم

شأنها، فإنّ العاشق إذا عشق شيئًا رغب في معرفة جزء من الأجزاء أيّما  كان وإن كان جزءًا صغيرًا،

وذلك خاص للعاشق، وعلمُ ذلك الجزء الصغير أحُّبُ إليه من علم أجزاء أخر كثيرة لا رغبة له فيها وإن

عظمت تلك الأجزاء ولطفت معرفته بها. فأما الأشياء التي تلينا، أعني التي تبلى وتفسد، فنحن نعلمها

علمًا أكثر وأبلغ من علم غيرها ونعرفها يقينًا، من أجل أنها أقرب إلينا من غيرها، وطباعها مُدانٍلطباعنا. [...] ولذلك ينبغي لنا ألا نكره النظر في طباع الحيوان الحقير الذي ليس بكريم ولا يصعُب ذلك علينا كما يصعب على الصبيان. وفي جميع الأشياء الطباعية شيء عجيب. وكما نذكر أن إيراقليطوس قال

((6(من المواضع المشهورة الدالة على تقديم حياة النظر على حياة العمل ما ورد في آخر الأخلاق النيقوماخية، 9–10.7، إضافة إلى مواضع أخرى كما في الميتافيزيقا وكتاب النفس وكتاب التحليلات الثانية، ينظر:

Thomas Bénatouïl, "Théophraste: Les Limites Éthiques, Psychologiques et Cosmologiques de la Contemplation," in: Thomas Bénatouïl & Mauro Bonazzi (eds.), Theoria, Praxis, and the Contemplative Life after Plato and Aristotle (Leiden/ Boston: Brill, 2012), p. 17. (61) Hadot, p. 129. (62) Ibid., p. 132.

((6(يرجع الفضل إلى هادو في تنبيهنا إلى هذا النص، وهو قد استشهد به في سياق بيان طبيعة الحياة النظرية التي أعلى أرسطو من شأنها.

للغرباء الذين أرادوا كلامه حيث نظروا إليه داخل الهيكل، فوقفوا ولم يقدروا على الدنو منه: فإنه أمرهم بالدخول إلى الهيكل لأن هناك آلهة أيضًا". ولا تخلو حتى أدنى الكائنات وأحقرها من فيض الجود الإلهي، وقد حفظ ابن رشد هذه الحقيقة وعبّر

عنها بقوله: "ويزيده إقناعًا في ذلك أنه إذ يرى أن كثيرًا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة

الأجساد التي هاهنا لم تعدم الحياة بالجملة، على صغر أجرامها وخساسة أقدارها وقصر أعمارها وإظلام أجسادها، وأنّ الجود الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك، التي بها دبرت ذاتها وحفظت وجودها، علم على القطع أنّ الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية مدر ةك من هذه الأجسام، لعظم

أجرامها، وشرف وجودها، وكثرة أنوارها، كما قال سبحانه: ﴿لخَلْقُ الَّسمَاوَاتِ وَالَأرِْضَِ أكْبَرُ مَِنْ خَلْقِ

الَّنَاسِ ولَكَِّنَ أكْثرَ الَّنَاِسَِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: 57)؛ وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها للأجسام الحية التي هاهنا،

علم على القطع أنها حية: فإن الحي لا يدبره إلا حي أكمل حياة منه". هذا عن النظر، والمشتغل به يتصرف كأنه لا بدن له، وكأنه عقلٌ ناظرٌ فحسب. أما الاشتغال بالعلوم

العملية، كتدبير المنزل وتدبير المدينة والأخلاق، فالفيلسوف مضطٌّرّ إليه باعتبار البدن وباعتبار المدنية.

والإنسان، سواء أكان فيلسوفًا أم غير فيلسوف، في حاجة إليها لوضعه البيني بين الإله والبهيمة، بل إنّ غير الفيلسوف أحوج إليها. ومن أجل ذلك يتميّز في التأديب الأرسطي، كما يبين ذلك هادو، تعليمٌ

لجمهورٍ واسع، وهو التعليم المخصص للحياة العملية المدنية، وهذا التأديب يسعى لتحقيق السعادة العملية المدنية، ويراعي وضع الإنسان في هذا العالم بوصفه نفسًا وبدنًا وحًّيًا مدنًّيًا. ويوجد تعليمٌ

للخاصة يسعى لتحقيق السعادة النظرية، ويتصرف كما لو أنّ الإنسان عقلٌ ناظر. وإذا كان أفلاطون يُعدّ في الأكاديمية الفيلسوف الحاكم، فإن أرسطو يُعدّ كذلك للحياة النظرية الفلسفية التي فصلها عن

الإعداد للحياة السياسية وللحياة العملية عامة. وبذلك يختلف المخاطَب في أعمال أرسطو العملية عن المخاطَب في أعماله النظرية. وقد انصرفت عناية نوسباوم إلى أقاويل أرسطو العملية، وهي الأقاويل التي أَّدّب بها من له شأن بالعمل، خصوصًا في تدبير المدينة. وهي مفيدة بالقدر الذي يجعلها تُظهر ما ينبغي فعله في عالم الإمكان.

أما عالم الضرورة فيكفي فيه الإظهار المطلق؛ وهذا ما ينصّ عليه أرسطو في بداية كتابالعبارة، حيث

يقيم تقابلًا بين القول الجازم، حيث يُكَذَّب القول أو يُصَدَّق، وبين القول الذي لا يُكَذَّب ولا يُصَدَّق.

لذلك كانت وظيفة الأقاويل الفلسفية النظرية هي التصديق والإظهار المطلق، بخلاف الأقاويل الخطابية والشعرية. يقول: "أي قول فهو دال [...] ولكن ليس كل قول قولًا جازمًا Apophantikos،

فالقول الجازم هو الذي فيه الصدق أو الكذب".

(6((أرسطوطاليس، أجزاء الحيوان، ترجمة يوحنا بن البطريق، تحقيق عبد الرحمن بدوي (الكويت: وكالة المطبوعات، 1978)، 644 ب 645–أ، ص.62–60

Aristotle, "Parts of Animals," in: Generation of Animals, History of Animals I, Parts of Animals , C. D. C. Reeve (trans.) (Inidianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, 2019), pp. 35–36, 644b–645a.

(6((ابن رشد، تهافت التهافت، ص.255

(66) Hadot, p. 124. (67) Aristotle, "On Interpretation," in: Categories, on Interpretation, Prior Analytics , H. P. Cooke & Hugh Tredennick (trans.), Loeb Classical Library (Cambridge: Harvard University Press, 1962), p. 120, 17a.

2. التخييل في القول الشعري والتصديق في القول الفلسفي

إذا كان الأمر كذلك، فهل يصحّ نقل ما للقول الشعري (التراجيدي) إلى الفلسفة واعتبار وظيفة القول

الفلسفي التحريك إلى الفعل؟ لنولّ وجهنا الآن شطر ما ذكره ابن سينا عن الغاية من العمل الشعري: "هو تحريك النفس إلى الفعل". ونجد أنّ الملكة التي يتوجه إليها الشعر هي الخيال؛ فالقول الشعري قولٌ مخِّيّل. ولا ينفصل القول الشعري عن التخييل، والتخييل لا روَّيّة فيه ولا فكر ولا اختيار؛ إذ تنبسط

النفس أو تنقبض بمجرد سماع القول الشعري، فينعدم التروي. وبهذا يكون القول الشعري بعيدًا عن تمثيل الحقيقة؛ فإذعان النفس راجع كله إلى ما في القول من التأثير غير المتحَّكّم فيه. هل هذا يعني ألا تحريك في التصديق؟ إنّ الذي من أجله يُذعن الإنسان بالتصديق هو مطابقة القول للواقع. ويُعدّ القول لأداء وظيفة خاصة، وهو الذي أفرده أرسطو، ونُقل إلى العربية بالقول الجازم. والإذعان بالتصديق لا انفعال فيه؛ فهو سكونٌ غير مسبوق بحر ةك باطنية للنفس، على خلاف الإذعان بالتخييل الذي سببه القول نفسه أو هيئة القول. والتخييل، بعبارة ابن سينا، "يفعله القول بما هو عليه، عكس التصديق الذي يفعله القول بما القول فيه عليه أن يلتفت فيه إلى جانب حال المقول فيه". ويجعل التقليد الفلسفي الذي ينتسب إليه ابن سينا التفريق بين الأمرين؛ أي بين التخييل والتصديق، أساسًا، فتستأثر الفلسفة بغاية شريفة هي إيقاع التصديق. وقد ترتب على ذلك عدم العناية بالقول نفسه

أو بهيئة القول؛ فإن استُعمل القول فبغرض التصديق فحسب. ويُستعمل المنطق، وهو القول وقد تحرّر

من جميع أبعاده العملية، أداةً للإثبات. وإن استعملنا مفاهيم جون لانجشو أوستن John Langshaw Austin (1960–1911) لقلنا إنّ الإثبات هو الفعل الذي في القول Perlocutionnary Act، والإذعان هو ما يسبّبه الإثبات، فيقع العلم وهو الأثر الذي يسببه القول Illocutionnary Act. وفعل التعليم هو

فعل غايته جعل المتعلم يُذعن بالقول للتصديق، فيحدث العلم. ويتضح من قول ابن سينا أن الملكة التي تُخاطَب في الفلسفة هي ملكة العقل؛ أفيصحّ استثناء أرسطو في

هذا الشأن؟ إنّ العقل هو المخاطَب الرئيس لديه أيضًا، وبناء عليه فإنّ قوة الشوق غير معتبرة في فلسفته، إلا من جهة اعتبار البدن في الإنسان. ولو استعملنا لغة الشعر لقلنا إنّ للفلسفة قولها الذي يَحمل على الفعل أيضًا، وتكون غاية الفعل هي التصديق. وهي، بذلك، وضعت التفريق بين ملكة وأخرى، غير ملكة الخيال، بوصفها المخاطَب الذي يخاطب به المتعلم، وهي بذلك اختارت ألا يكون الخيال مخاطَبًا.

3. مكانة اللفظ في الفلسفة

بناء على ما سبق، يظهر أنّ الفلسفة لا شأن لها بالقول نفسه؛ إذ يُتخذ القول فقط وسيلة لإيقاع التصديق، على الأقل عند أرسطو. وبعبارة أخرى، لا تعتني الفلسفة بالألفاظ كما تعتني الخطابة والشعر؛ بل إنّ

الألفاظ هي آخر ما تعتبره. ولنتأمل في قولٍلابن سينا: "واعلم أنّ الاشتغال بتحسين الألفاظ في صناعة الخطابة والشعر أمر عظيم الجدوى. وأما التعاليم، فإنّ اعتبار الألفاظ فيها أمر يسير، ويكفي فيها أن

(6((ابن سينا، الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966)، ص.25

تكون مفهومة، غير مشتر ةك، ولا مستعارة، وأن تطابق بها المعاني. وأما الإقناع في الخطابة والتخييل في الشعر فيختلف في المعنى الواحد بعينه بحسب الألفاظ التي تكسوه. فينبغي أن يجتهد حتى يعبّر

عنها بلفظ يجعله مظنونًا في الخطابة، ومتخيلًا في الشعر". وذكر ابن سينا في نصه هذا التعاليم، وهي من العلوم النظرية التي يُقصَد منها العلم لا العمل. ومَّثَل بالمشتغل بالهندسة، ويمكن أن يُمَّثّل أيضًا بالمُشتغل بعلم من علوم التعاليم الأخرى، كالعدد والموسيقى والهيئة. ويُثبت ابن سينا الأمر بما هو معروف في زمانه، وكما هو معروف في زماننا أيضًا؛ إذ يقول: "ولذلك فإنّ المشتغلين بالحقائق، المتمكنين من المعرفة، المتحلّين بالصدق لا يتعاطون طريقة تزيين الألفاظ وتحسينها، إلا أن يكون ناقصًا، أو مزوّرًا، أو مضطرًا إلى أن يروج المعنى باللفظ، كبعض الخراسانية النسفية الذين كانوا قريبًا

من زماننا. بل هذه التكلفات تجري مجرى النفاق والأخذ بالوجوه فيحسن حيث تحسن هي". وبفضل هذا، نلتفت إلى قولٍلأرسطو هو مصدر هذا الحكم، ورد في كتابالخطابة، حيث يقول: "وفي المقالة Lexis شيء يسير اضطراره في كلّ تعليم، وقد يختلف التثبيت فيما بين أن يكون كذا أو كذا، فقد ينبغي القول بنحو من ذلك الشيء كأنّه متخيل أو متوهّم عند السامع؛ وليس من أحد يهندس أو يفعل بهذا النحو، لكن تلك الحيلة إذا وردت فإنها ستفعل هذا بالأخذ بالوجوه". ومُراد القول إنّ الاضطرار إلى المقالة، التي تقتضي الاعتناء بالألفاظ، اضطرار يسير في التعاليم؛ إذ يُلجأ إلى اللفظ فقط لتمييز وجود أمر من وجود آخر. فيكون التصديق كأنه تخييل أو إيهام للسامع، وليس الأمر كذلك في الحقيقة. فالمشتغل بالهندسة، وهي أحد علوم التعاليم، لا يستعمل الألفاظ للتخييل والإيهام، وإلا خرج عن المراد من التعاليم، وهو التصديق، وانتقل إلى الأخذ بالوجوه؛ أي إلى مجرد التأثير في السامع. واستعمال الألفاظ مضطٌّرّ إليه من المعلّم من أجل نقل الحقائق والمعاني. ولو أمكن، لتكَّلّم أحدُنا

مع نفسه بتلك المعاني بقولٍلا يخرج خارج نفسه، وهو القول الداخلي؛ ولا ينفصل عن معناه، بل يتماهى معه تماهيًا مطلقًا. وينبّهنا ابن رشد إلى حاجة معلّم البرهان إلى الألفاظ في التعليم، ومن هنا

كانت "المخاطبة البرهانية" التي ورد ذكرها في كتاب التبكيتات السفسطائية لأرسطو. يقول ابن رشد: "فالمخاطبة البرهانية هي التي تكون من المبادئ الأوَل الخاصة بكل تعليم، وهي التي تكون بين عالم ومتعلّم بشأن أن يقبل ما يُلقى إليه المعلّم، لا أن يفكر فيما يبطل به قول المعلّم، مثل ما يفعله السوفسطائيون".

(6((ابن سينا، الخطابة، تحقيق محمد سليم سالم (القاهرة: المطبعة الأميرية، 1954)، ص 199. ويذكر ابن رشد صاحب

العدد إضافة إلى صاحب الهندسة: تلخيص الخطابة، تحقيق عبد الرحمن بدوي (الكويت: وكالة المطبوعات، بيروت: دار القلم، [د. ت.])، ص.253 (7((ابن سينا، الخطابة، ص.200 (7((أرسطوطاليس، الخطابة: الترجمة العربية القديمة، تحقيق عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار القلم؛ الكويت: وكالة المطبوعات، 1979)، ص.184 (7((ابن رشد، تلخيص السفسطة، تحقيق محمد سليم سالم (القاهرة: مطبعة دار الكتب، 1972، ص.11

بل يصبح استعمال الألفاظ أمرًا ضروريًا، ولكن لغاية الإبانة والإفصاح عن أمر سابق، وهو الحقائق البرهانية؛

إذ "إنّ القول في أحوال الألفاظ التي تكون بها أتم إبانة عن المعاني وأجود تفهيمًا لها هو ضروري في المخاطبة البرهانية". وهنا تكتسب الألفاظ وظيفة تعليمية؛ فإن كان من أسلوب، فهو أسلوب تعليمي. وبناء عليه، لا يُمكن إنكار وجود أسلوب فلسفي، غير أنّ معناه ينحصر في الألفاظ المستعملة لنقل المعاني الفلسفية إلى المتعلّمين. والمُفترض في هذا الأسلوب أن يكون محايدًا ما دامت وظيفته نقل الحقائق والمعاني: "وذلك أنّ جهة استعمالها في المخاطبة البرهانية إنما هو لأن يكون بذلك حصول البرهان أيسر وأسهل وأوضح، مثل ما يقال إنه ينبغي أن تكون الألفاظ المستعملة فيه متواطئة غير مشتر ةك، مشهورة عند الجمهور، أو عند أهل تلك الصناعة التي يستعمل فيها ذلك البرهان، وإن كانت مشتر ةك أن تقسم جميع المعاني التي يقال جميع المعاني التي يقال عليها ذلك الاسم المشترك ويبرهن على كل معنى من تلك المعاني على حدته، لأن للألفاظ في ذلك معونة في زيادة التصديق الحاصل عن البرهان وقوّته، كالحال في الصنائع الأخرى، فإنّها يُلفى لها معونة في إيقاع التصديق المستعمل فيها، وإن كانت في ذلك تختلف". وترتب على ذلك الحرص على إخلاء القول من التغيير اللفظي؛ إذ إنّ ميلاد الفلسفة لا ينفصل عن

دعوى بلوغ حقائق ومعانٍتُضعف التبعية للألفاظ، وكأن تأسيسها مقترن اقترانًا ضروريًا بابتكار أسلوب في القول يُنكر أن يكون أسلوبًا في القول.

4. النسق المفهومي وأساليب القول الفلسفي

لا ينفصل ميلاد الفلسفة عن غاية إيقاع التصديق. وإذا كان من المفيد تذكير نوسباوم بالتماثلات القائمة بين القول الفلسفي والقول الشعري التراجيدي، فإنّ من الأجدر الانتباه إلى فضل المنهج الأكسيومي في تحقّق الفلسفة. ومن هنا ينبغي الاعتناء بما ورد في أقاويل أرسطو في كتابالبرهانأو التحليلات الثانية. فقد جاء في تلخيص البرهانلابن رشد: "ولما  كان كل برهان فإن التئامه وقوامه من ثلاثة أشياء، أحدها الأمور الموضوعة في تلك الصناعة، والثاني المقدمات الواجب قبولها، والثالث المحمولات المطلوب في تلك الصناعة وجودها لتلك الموضوعات". إنّ العمل الفلسفي لدى أرسطو هو برهان؛ أي إظهار أنّ المحمولات توجد للأمور الموضوعة في

صناعةٍ ما. وينتهي البرهان حين نصل إلى مبادئ الصناعة الخاصة بالجنس الموضوع لها؛ إذ يُحتاج عندئذ إلى صناعة أخرى تُبرهن على تلك المبادئ. ويرتقي الأمر إلى أن نصل إلى أكثر المبادئ ظهورًا، وهي التي لا تحتاج إلى برهان، لأنها ظاهرة بذاتها.

(7((ابن رشد، تلخيص الخطابة، ص.252 ((7(المرجع نفسه، ص.253

(75) Rorty, p. 156.

((7(يرى جول فويلمان (2001–1920) أنّ ميلاد الفلسفة كان ثورة بسبب توسّلها بالمنهج الأكسيومي، ما مَّيَزها من الأسطورة، ينظر:

Jules Vuillemin, What are philosophical systems? (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), p. 100.

(7((ابن رشد، تلخيص البرهان، تحقيق محمود قاسم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982)، ص.70

إنّ محتوى المقدمات الواجب قبولها، والأمور الموضوعة، والبراهين التي تُثبت وجود محمولات لها، يستدعي إمكانية انفصاله عن القول، فلا يكون للقول، بما هو عليه، الاعتبار. وإن وُجدت أساليب في

القول، فهي تعليمية أو تبليغية عامة، غايتها نقل ما أثبت وصُِّدِق به تبعًا لاختلاف المخاطبين. وهذا يجعل محتوى المُصَّدّق به واحدًا، على الرغم من اختلاف الأقاويل المبِّلِغة أو أساليبها المتصرفة في الألفاظ والمغِّيِرة لها. وقد يدفع تعدّد الأنساق الفلسفية إلى اعتبار الفلسفة إنشائية، وبالتبع تخييلية، تُبَّرّأ من الوظيفة

التصديقية؛ إذ إنّ التصديق في الفلسفة ليس تصديقًا بأمر واحد، فكل نسق فلسفي يوقع تصديقًا غير الذي يوقعه نسق آخر. وهذا التعدد يُشِّكّك في وحدة الحقيقة الفلسفية، ويدفع إلى اعتبار تصديقاتها

تخييلات واختلاقات، ويقصر الطريق لاعتبار الفلسفة هي أقاويلها نفسها، أو، بعبارة ابن سينا، اعتبار القول من جهة ما هو عليه، بحيث لا ينفصل القول عن محتوى خاص، ما يولّد أساليب قول غير محايدة، كما تذهب إلى ذلك نوسباوم. غير أنّنا نقول إنّ التصديق في الفلسفة ليس تصديقًا بأمر واحد، بل تصديق بما يلزم من نظام المفاهيم التي يضعها الفيلسوف، انطلاقًا من المبادئ التي يراها الأكثر ظهورًا. فالتصديق هو تصديق وفقًا لمفاهيم موضوعة، لا يجعل القول يطابق خارجه مباشرة بل يطابق ما هو مفترض مفهوميًا خارجه من الحقيقة.

خاتمة

نرى، بناءً على ما سبق، ضرورة التمييز بين نظام الاستدلالات والمحتوى المفهومي للأحكام من جهة،

وأساليب القول التي تُترجم ذلك النظام وذلك المحتوى من جهة أخرى. وهذا التمييز يجعل أسلوب القول في الفلسفة لا يحتل المنزلة نفسها التي يحتلّها المحتوى الفلسفي. ولا تعني كتابة أفلاطون فلسفته في صورة محاورات منثورة عدم إمكانية ترجمتها إلى قول مسترسل لا حوار فيه. صحيح أنّ المحتوى يبلغ المتلقّي في صورة مؤثّرة في النفوس، غير أنّ المحتوى لا يُختزل كله في الأسلوب. ومن هنا يتعدّد أسلوب الكتابة على الرغم من وحدة المصَّدّق به مفهوميًا. ومثاله تعدد أساليب القول

في القول في المنهج، وتأملات ميتافزيقية لدى ديكارت. وكذلك تعدد أساليب القول لدى ابن سينا؛ إذ نجد من جانب بسط الأحكام والتفصيل في الأدلة في كتاب الشفاء، واختصار ذلك في النجاة، وتحول الأمر إلى إشارات وتنبيهات في الإشارات والتنبيهات، وإلى رموز في قصصه الفلسفية. ينفصل نظام الاستدلال والمحتوى المفهومي بذلك شبهانفصال عن نظام القول؛ ونقول "شبه انفصال" اعترافًا أيضًا بموقع خاص للأسلوب في الأقاويل الفلسفية. فلنقل إنّ الفلسفة، باعتبارها مضمونًا مفهوميًا، تستقل شبهاستقلال عن القول الذي يُعبّر عنها. ومن هنا يغدو التمييز بين المعاني الفلسفية،

التي ينبغي افتراض انفصالها عن الألفاظ، والألفاظ التي تنقلها تمييزًا أساسيًا في الفلسفة. وإضافة إلى

ذلك، فإنّ افتراض وجود مفاهيم مفارقة، وبناء نسقي قائم على مبادئ ومنهج لتوليد الأحكام، متميّز

من أشكال القول التي يمكن أن تبسطه، أمر أساسي أيضًا.

وبناء عليه، يمكن أن تنفتح إمكانات للكتابة الفلسفية لا تغيّر من نظام المفاهيم شيئًا. وهذه الإمكانات

تتعدّد باستحضار مخاطبين ذوي حاجات مختلفة، ولا نستبعد بذلك إمكانية تحويل أسلوب الكتابة الهندسي لدى باروخ سبينوزا إلى أسلوب قصصي، وإن لم يقم هو نفسه بذلك، فمن الممكن أن ينجزه غيره.

المراجع References

العربية

ابن رشد. تلخيص السفسطة. تحقيق محمد سليم سالم. القاهرة: مطبعة دار الكتب،.1972 ________. تلخيص البرهان. تحقيق محمود قاسم. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1982 ________. تلخيص الخطابة. تحقيق عبد الرحمن بدوي. الكويت: وكالة المطبوعات، بيروت: دار القلم، [د. ت.]. ________. تلخيص كتاب النفس. تحقيق ألفرد. ل. عبري. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1994 ________. تهافت التهافت. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 ابن سينا. الخطابة. تحقيق محمد سليم سالم. القاهرة: المطبعة الأميرية،.1954 ________. الشعر. تحقيق عبد الرحمن بدوي. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة،.1966 أرسطوطاليس. فن الشعر مع الترجمة العربية القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1953 ________. أجزاء الحيوان. ترجمة يوحنا بن البطريق. تحقيق عبد الرحمن بدوي. الكويت: وكالة المطبوعات،.1978 ________. الخطابة: الترجمة العربية القديمة. تحقيق عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار القلم، الكويت: وكالة المطبوعات،.1979 الفارابي، أبو نصر. كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات. تحقيق فوزي متري نجار. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1964 ________. كتاب تحصيل السعادة. بيروت: دار ومكتبة الهلال،.1995

الأجنبية

Aristotle. Categories, On Interpretation, Prior Analytics. H. P. Cooke & Hugh Tredennick (trans.). Loeb Classical Library. Cambridge: Harvard University Press,

________. The Art of Rhetoric. Robin Waterfield (trans.). Oxford: Oxford University Press, 2018. ________. Generation of Animals, History of Animals I, Parts of Animals. C. D. C. Reeve (trans.). Inidianapolis/ Cambridge: Hackett Publishing Company, Inc, 2019. Bénatouïl, Thomas & Mauro Bonazzi (eds.). Theoria, Praxis, and the Contemplative Life after Plato and Aristotle. Leiden/ Boston: Brill, 2012. Danto, Arthur C. "Philosophy as/ and/ of Literature." Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association. vol. 58, no. 1 (September 1984). Domański, Juliusz. Philosophy, Theory or Way of Life? Conterversies in Antiquity, the Middle Ages and the Renaissance: With a Foreword by Pierre Hadot. Leiden: Brill,

Gadamer, Hans–Georg. The Idea of The Good in Platonic–Aristotelian Philosophy. P. Christopher Smith (trans.). New Haven/ London: Yale University Press, 1986. ________. Truth and Method. Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.). New York: Continuum, 2004. ________. Truth and Method. Joel Weinsheimer & Donald G. Marshall (trans.). London: Bloomsbury Academic, 2013. Giroux, André. "Le libéralisme américain et les anciens: Les erreurs en mineur de Martha Nussbaum." Revue de philosophie ancienne. vol. 21, no. 1 (2003). Hadot, Pierre. Qu’est–ce que la philosophie antique? Paris: Gallimard, 1995. Nussbaum, Martha C. "Reply to Richard Wollheim, Patrick Gardiner, and Hilary Putnam." New Literary History. vol. 15, no. 1 (Autumn 1983). ________. Love’s Knowledge Essays on Philosophy and Literature. Oxford: Oxford University Press, 1990. ________. The Fragility of Goodness, Luck and Ethics In Greek Tragedy And Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press. Revised Edition, 2001. ________. The Therapy of Desire, Theory and Practice in Hellenistic Ethics. Princeton: Princeton University Press, 2009. Rorty, Richard. "Philosophy as a Kind of Writing." New Literary History. vol. 10, no. 1 (Autumn 1978). Ryle, Gilbert. The Concept of Mind. London: Routledge, 2009. Soulez, Antonia. Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits. Paris: PUF, 1985. Vuillemin, Jules. What are philosophical systems? Cambridge: Cambridge University Press, 1986. Waismann, Friedrich. How I See Philosophy. R. Harre (ed.). London: Palgrave Macmillan, 1968.