تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين
Manifestations of the Hidden: Negative Theology and the Philosophy of Religion
الملخّص
عنوان الكتاب: تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدين . تأليف: علي رضا. الناشر: بغداد: دار نينوى للدراسات والنشر. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 558.
Abstract
Researcher in Philosophy and Sociology. Email: mostafahisham2021@gmail.com
- اللاهوت
- فلسفة الدين
- اللاهوت السلبي
- الدين
- علم الكلام
- Theology
- Negative Theology
- Philosophy of Religion
- kalam
عنوان الكتاب: تأليف: علي رضا. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
دمشق/ الشارقة: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع.
مقدمة
يقدّم على رضا في كتابه تجليات المحتجب: اللاهوت السلبي وفلسفة الدينقراءةً شاملة لأهم الأسئلة التي طرحتها الفلسفات والأديان، وهي أسئلة شكلت عالمنا، وأعادت تشكيله: لماذا هناك شيء بدلًا من لا شيء؟ أمطلقةٌ هي الأخلاق أم نسبية؟ وهل يمكن أن تُعبّر اللغة عن كل ما نختبره؟ وغيرها من الأسئلة التي حاول العديد من الفلاسفة ورجال الدين الإجابة عنها على مر الزمن. ينطلق رضا في طرح هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها من نقطة مركزية، وهي اللاهوت السلبي Apophatic Theology؛ وهو تقليد فلسفي قديم يمكن تتبع أثره من فلاسفة اليونان والهند، مرورًا بالعصور الوسيطة سواء مع آباء الكنيسة يقول المسيحية أو مع تقاليد الغنوصية اليهودية، وحتى مع التصوّف وعلم الكلام الإسلاميين. وفي الفلسفة الحديثة، يمكننا أن نجد له حضورًا لدى إيمانويل كانط Immanuel Kant –1724(Arthur Schopenhauer) وآرثر شوبنهاور 1804 (1860–1788) وفريدريك شلايرماخر Friedrich Schleiermacher (1768–1834)، وصولًا إلى –1844(Friedrich Nietzsche فريدريك نيتشه 1900) ومارتن هايدغر Martin Heidegger (1976–1889)، وحتى الفلسفات ما بعد الحداثية. تنحدر كلمة Apophatic الإنكليزية من الجذر اليوناني Apophasis وتعني الإنكار أو السلبية؛ فبينما تتجه علوم الأديان واللاهوت التقليدي إلى وصف "الإله" بكونه مطلق الخيرية، ومطلق الحكمة، ومطلق الرحمة، يقول اللاهوت السلبي إن الإله ليس خيّرًا (كما يفهم البشر الخير)، وليس حكيمًا (كما يفهم البشر الحكمة)، وليس رحيمًا (كما يفهم البشر الرحمة)، وإنما هو يتفلّت من جميع التصنيفات. وبذلك تصبح اللغة أقل من أن تصف لا نهائيته، أو تمسك هويته الحقيقية، وإنما أقصى ما تستطيع أن تقوله ما هو ليس عليه. يردّ المؤلّف أهم التساؤلات التي طرحها الفلاسفة على مر التاريخ إلى ثلاثة حقول: حقل "الوجود" الذي يتضمن معضلة العلّة الأولى، وحقل "المعرفة" حيث تُعتبر الحقيقة ضرورةً منطقية، وحقل "القيمة" الذي يتضمّن الطبيعة المفارقة للتطبيقات الاجتماعية والتاريخية المحدودة. وتتشارك هذه الحقول الثلاثة في منطقة ذات نقطة مركزية واحدة، لا يمكن سبر أغوارها بالكلام، وعلى الرغم من أنها تبرر سواها وتمنحه صفته الوجودية، فإنها تنغلق على نفسها مرة بعد مرة. لودفيغ فيتغنشتاين): 1951–1889("ما يُمكن قوله على الإطلاق، يُمكن قوله بوضوح؛ وأما ما لا يُمكننا التحدث عنه، فيجب أن نتجاوزه بصمت". وفي السياق ذاته، يستخدم المؤلف مفهوم "الصمت" لوصف الطبيعة الوجودية لذلك الجدار الذي يفصل بيننا وبين الحقيقة المطلقة، ويمنعنا من إدراك الإجابة النهائية الشافية لكل أسئلتنا. ويسميه "المحتجب" ذا الغيرية التامة الذي لا يمكن التعبير عنه سوى بالصمت، فاللغة يمكنها التعبير فقط عن حدود وجودنا لكنها تفشل في سبر أغوار ما ورائه؛ لذلك ما إن نصل إلى هذا المحتجب كي يفصح لنا عما نريد، حتى ترتبك أسئلتنا وتتناقض لغتنا ونعود خائبين. ينقسم الكتاب إلى قسمين؛ يطرح القسم الأول ثلاثةَ أسئلة في ثلاثة فصول: السؤال المعرفي والسؤال الجمالي والسؤال الديني. ويستعرض
(1) Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus (London: Routledge & Kegan Paul, 2001), pp. 27.
القسم الثاني التطور التاريخي في الاصطدام بالمحتجب والتعبير الميتافيزيقي والجمالي والأخلاقي عنه، وكيف تشابهت الإجابات دينيًا وفلسفيًا، ويحاول تحليلها عقلانيًا وموضوعيًا مُنِحِّيًا أيّ تحيّز أو اختيارات ثقافية ذاتية. ويستعرض، على امتداد أربعة فصول، أديان الشرق الأقصى: الهلنستية وجذورها، والمسيحية، والإسلام. ويبحث خلالها عن اللاهوت السلبي، حيث يَلجَأ الإنسان إلى الصمت من ضيق الكلام الذي يحتويه اللاهوت الإيجابي الثبوتي.
أولا: السؤال المعرفي
يبدأ المؤلف الفصل الأول بالتساؤل عن طبيعة الموسيقى، فعلى الرغم من شعورنا وتأثرنا الواضح بها فإننا لا نستطيع أن نُمسك بطبيعتها أو وصفها والتحدث عن ماهيتها باستخدام اللغة، ويمكننا فقط الحديث عن إيقاعها المنتظم وأنماط التكرار داخلها، على عكس الشِعر الذي يمِّكّننا من الحديث عما لا نستطيع قوله باللغة العادية، بينما تظل الموسيقى عصية على الإمساك. فاللغة تتعامل أساسًا مع كل ما هو متمايز ولديه حدود شيئية؛ ومن ثمّ يمكن أن يستوعبها المرء عقليًا ويعبّر عنها مفاهيميًا ولغويًا. وهو ما لا نجده في الصوت الغامض للموسيقى، الذي لا يمكن التعبير عنه في النهاية سوى بطريقة ذاتية شديدة الاختلاف والتناقض. يبدأ البحث عن إجابة السؤال المعرفي من الموسيقى، تلك التي نعجز في التعبير عنها لغويًا ومفاهيميًا، لاستكشاف عجز إدراكي من نوع خاص، هو ما يجعل التعبير عن الموسيقى أمرًا مستعصيًا. فإن كانت اللغة تقع في منطقة التمييز بين الوجود والعدم، فالموسيقى تكشف عن مساحة تنتمي إلى الوجود بقدر ما تنتمي إلى العدم في الآن نفسه. ومن هذا "الانفلات المعرفي"، يُساير المؤلف الفيلسوف الفرنسي (1985–1903)، الذي قسّم المعرفة البشرية إلى عِدة مستويات، يعتمد كلّ منها على الآخر. تنقسم المعرفة عند جانكليفتش إلى ثلاثة أقسام: المعرفة الحسية، والمعرفة العقلية (فوق الحسية)، والمعرفة فوق العقلية؛ فالمعرفة الحسية تتحقق من خلال خبرتنا التجريبية في العالم، وبها يمكننا أن ندرك الموجودات وكل ما هو ممكن أنطولوجيًا، من خلال استقبال المعلومات عبر الحواس. أمّا المعرفة العقلية، فتحدد قواعد المعرفة الحسية، مثل المبادئ العقلية كالسببية والتجريد، والمبادئ المنطقية مثل قانون عدم التناقض والهوية، وبها تتأطر تجربتنا الحسية في نطاق مفاهيمي عن الزمان والمكان والسبب والضرورة والاحتمال، وبهذه المعرفة – التي هي حدس عقلي خاص (ص. 27) – يمكننا صياغة قضايا منطقية لغوية. يقع سؤال الوجود خارج هذه التقسيمات المعرفية تمامًا؛ فحدود الحس والعقل هي الحقيقة والمنطق والوجود (ص. 27)، لكننا لا نعرف ماهية أٍّيٍ منها، ولا نستطيع مساءلتها والحصول على إجابات تشفي ظمأنا الوجودي. فسؤال لماذا هناك "شيء" بدلًا من "لا شيء"؟ سيأخذنا في تسلسل منطقي من الموجودات إلى ما يمنحها صفة الوجود نفسه، من "الوجود" إلى "واجب الوجود". يقول فيتغنشتاين في مؤَّلَفه رسالة منطقية فلسفية: "حدود العالم، هي حدود اللغة، هي حدود المنطق، هي حدود العقل 5.6[]. وبما أن الذات لا تظهر في العالم من منظور الشخص الثالث
وإنما بها يظهر العالم، فالذات هي حُّدُ العالم، ولا تنتمي إلى وقائع العالم 5.633[]. وبما أن القيمة لا تظهر في وقائع العالم؛ الأخلاق، والجماليات، والدين، فلا يمكن تحليلها منطقيًا ولا التعبير عن ماهيتها المطلقة لغوًّيًا، فهي كلها تقع خارج العالم "]6.41[؛ وبذلك ينتمي سؤال الوجود إلى ما يقع خارج حدود العالم والعقل والمنطق. يستحضر المؤلف المستوى المعرفي الثالث عند جانكليفتش الذي يتجاوز فيه كانط، محاولًا الإجابة عن سؤال الوجود؛ فهناك مكان للمعرفة فوق العقلية التي بها تصبح المبادئ العقلية ضرورية ومبررة (ص. 34) فهي ما يعطي الحقيقة معناها لكنها تختلف عنها تمامًا؛ أي إنها لا تقبل الصواب أو الخطأ، إنما هي المبدأ الأول للحقيقة والوجود، ومنها نستقي معارفنا العقلية التي يعتمد نستعين بها في تفسير معارفنا الحسية، فنحن لا نصل إلى تلك المعرفة بالعقل أو المنطق لأنها فوق هذا النوع من المعرفة، خلافًا لكانط الذي توقّف عند حدود العقل وحدسه والتجربة وشروطها. وبذلك لا نصل، بحسب جانكليفتش، إلى ما فوق العقل بحواسنا ومعارفنا التجريبية؛ وهو ما يجعله مخالفًا أيضًا لديفيد هيوم الذي انتهى إلى الشكوكية المعرفية، برده المعرفة كلها إلى التجربة مُنكرًا المبادئ العقلية. يعتبر المؤلف أن الإجابة عن السؤال الميتافيزيقي يمكنه أن يجيبنا عن أسئلة الحقيقة والقيمة الأخلاقية والجمالية والضرورة المنطقية (ص. 34)، فبالنسبة إليه الإجابة عن السؤال الميتافيزيقي ممكنة فقط في حضور "الإله"، الذي يُحاول الاستدلال عليه باستدعاء "البرهان الكوزمولوجي" (الكوني) في
(2) Wittgenstein, pp. 149–151.
تبرير علّة أولى واجبة للوجود، كما نجدها عند أرسطو Aristotle (22–3843 ق. م.) وفلاسفة الإسلام كأبي نصر محمد الفارابي (950–874) وأبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا (–980 1037)، وصولًا إلى الماديين والتجريبيين، وحتى العقليين أمثال: غوتفريد ليبنتز Gottfried Wilhelm Leibniz (1646–1716)، وباروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1677–1632). فمبدأ العلّة الكافية الذي يقدّمه "البرهان الكوزمولوجي" يقدّم نوعين من الحقيقة: الحقيقة الضرورية التي يستحيل نقيضها، والحقيقة الممكنة التي تصبح عدمًا من دون الحقيقة الضرورية (ص. 83)؛ لأن نقيضها ممكن. وبما أن الكون والموجودات وحتى الكيانات العقلية احتمالية الوجود، فإنها في حاجة إلى علّة أولى واجبة الوجود ترجحها دائمًا بدلًا من استحالتها عدمًا. اللاهوت السلبي على "البرهان الكوزمولوجي" بوصفه دليل وجود فقط وليس دليل ماهية، على عكس "البرهان الأنطولوجي" الذي يضيف تفاصيل هوياتية مثل كلية القدرة والعِلم والعناية، ليتحول ويصبح لاهوتًا إيجابيًا Kataphatic Theology؛ وذلك لأن البرهان الكوزمولوجي يقوم على مبدَأين؛ العلّة الكافيةَ العقلية وعدم التناقض المنطقي، وهما من المبادئ الصورية التي لا تخبرنا سوى بالضرورة المنطقية للعلّة الأولى، من دون أن تذكر أي شيء عن ماهيتها، أو حتى عن العلاقة الوجودية بين العلّة الأولى "واجب الوجود" والموجودات الممكنة، وذلك لأن تصوّر ماهية الإله لا يحكمه سوى الإمكان المنطقي بحكم أنه اشتقاق من مُسلمة ذاتية، على عكس قضية السبب الأول فتحكمه الضرورة المنطقية (ص. 93)، وبمجرد إقرار وجود العلّة الأولى التي ينتهي إليها تسلسل
العلل، يتوقف العقل وتصطدم حر ةك الفكر بحدود العقل، غير قادِرة على سبر ما وراء هذا الجدار، بينما يمضي اللاهوت الثبوتي قُدمًا في إثبات صفاتٍ ميتافيزيقية لماهية الله، سواء عن طريق المعرفة بالوحي أو عن طريق تجربة صوفية، وهو ما يتعارض مع غيرية الماهية وكون الإله ليس كمثله شيء (ص. 69) لا يأتي إلى الوجود "شيء" من "لا شيء"، هذا ما تثبته المعرفة فوق العقلية ومبدأي العلّة الأولى وعدم التناقض. لكن التفسيرات المادية والعلموية لا تستطيع أن تجيب عن سؤال الوجود؛ لأنها ترفض ميتافيزيقًا الضرورة المنطقية وتعتبر الموجودات ذات علل طبيعية؛ أي إنها تقبل العلّة الأولى إبستيمولوجيًا لكنها لا تقبلها أنطولوجيًا. فسلسلة الموجودات، يمكن تتبع تسلسلها من هذا الكون وصولًا إلى الأكوان المتوازية لكن ليس إلى ما هو خارج الكون كليةً، أو إنها تنكر ميتافيزيقًا مبدأ العلّة الكافية، وتعتبر أنه مبدأ جزئي ولا ينطبق على الكون بأسره (ص. 1)4 فتصبح قضية وجود الكون عبارة عن تسلسل لا نهائي من العلل، أو حقيقة صماء لا معنى للسؤال عنها، أو حتى مادة أزلية يمكننا أن نكتشفها في المستقبل، وبين هذه المحاولات جميعًا تتشوش الإجابات، ويظل سؤال الوجود راهنًا ومقيمًا بلا إجابة.
ثانيًا: السؤال الجمالي
يتجلى المحتجب ذو الغيرية التامة في صورة "الجليل" وليس "الجميل"؛ فالجليل هو ما يترك داخلنا شعورًا غامضًا ومخيفًا، يتضاءل أمامه العقل وكأنه يحاول جاهدًا أن يتأمل اللانهائية فيفشل وتصيبه رهبة وفزع. أمّا الجميل، فهو كل ما لزم اللطف والرحمة والخضرة والأنس (ص. 113)، وكأننا نقارن بين نوعين من تجاربنا مع الشمس؛ فما إن ننظر إليها بأعين مفتوحة حتى تصيبنا شدتها بالأذى (الجليل)، في مقابل انعكاس ضوئها على النباتات والمخلوقات والسُحب (الجميل). يستعرض المؤلف في الفصل الثاني التطور التاريخي للأسس الجمالية للمحتجب، سواء في الفلسفات أو الأديان، عند غايوس كاسيوس 86 ق. م.) وإدموند بيرك Edmund Burk –1729(1797) وكانط وصامويل تايلر كولريدج Samuel Taylor Coleridge (1834–1772) وشوبنهاور، وصولًا إلى ما بعد الحداثة مع جان فرانسوا ليوتار
يتناول بيرك مفهوم الجليل تناولًا سيكولوجيًا، ويعتبر أن "كل ما هو قادر بأي طريقة على إثارة أفكار الألم والخطر؛ أي كل ما هو رهيب بأي صورة ممكنة، أو موحٍبأشياء رهيبة، أو يشبه الرّعب في تأثيره، هو مصدرٌ للجليل". وهنا يسند بيرك الآثار السيكولوجية، سواء عاطفية أو جسدية، إلى اصطدام الإنسان بصفات الجليل المروّعة والمبهرة في الوقت نفسه، مثل: الضخامة، واللانهائية، والقوة، والغموض، وغيرها. أمّا كانط، فيقدّم قراءة إبستيمولوجية للأساس الجمالي للمحتجب، فهو يعتبر أن الجمال والجلال لا يقعان في مساحة الأحكام المفاهيمية، وإنما هي أحكام جمالية؛ أي تنبع من الذات وليس الموضوع؛ هي مساحة للذوق وليس العلم (ص. 124). وعلى الرغم من ذلك،
(3) Edmund Burke, A Philosophical Enquiry into the Origin of Our Ideas of the Sublime and Beautiful (Oxford: Oxford University Press, 1998), p. 67.
فإن الحكم على الشيء بأنه الجميل يرتبط عادة بموضوع ذي صورة محددة يمكن استيعابها، أمّا الجليل فهو يرتبط بموضوع بلا صورة، وكأنه يتحدى قدرتنا على الحس والتخيّل في الوقت نفسه. ثم يعود كانط ليقدّم قراءة أخلاقية لحضور الجليل، فبالنسبة إليه يبدو الجليل إبستيمولوجيًا كما لو أن للعقل سطوة على الحس التجريبي المباشر؛ أي إن النفس العاقلة تسمو على الطبيعة وحدود العالم الحسي، فتنتج لنا العقلانية، والحرية، والقانون الأخلاقي ذاته. فالغيرية التامة للشيء في ذاته عن عالم الظواهر الحسي، هي ما يبرر لنا وجود الحرية والقانون الأخلاقي في العالم، ودونه يتساوى الإنسان مع الإله مع الطبيعة، فتضيع قواعد العقل وكل ما يتفلت عنه حتى إن لم نستطع تعيينه.
ثالثًا: السؤال الديني
يجد الإنسان نفسه، في أغلب حالاته، منقسمًا بين عالمَين وفي حاجة إلى المصالحة بينهما؛ منقسمًا بين الموت والحياة، وبين المنطق والشعر، وبين العلم والفن، وبين صورته المادية والجسمانية المحدودة ورحابة تجربته الواعية بالعالم، وبين الزائل والمطلق. ومن بين تلك العوالم المتناقضة يظهر الدين، بوصفه تجربة يحاول الإنسان من خلالها أن يصنع جسرًا بين كل تلك العوالم، كي يصبح إنسانًا حقيقيًا. يُعزى أول ظهور لمصطلح "التجربة الدينية" إلى شلايرماخر، ففي كتابه عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين، حاول الدفاع عن رؤية وجودية للدين، تستعصي على كل منكري الدين ونقاده؛ فالدين بالنسبة إليه هو تجربة ذاتية، لا يمكن أن تنقل اللغة المعنى المراد منه؛ لأنه متجاوز للكلمات، مثل الموسيقى (ص. 160). وبذلك يكون جوهر الدين في أصله وجدانيًا وفينومينولوجيًا، وما إن ينطق الإنسان باللغة ويحضره إلى الوجود تحت نور الشمس، حتى يصبح أنظمةً اعتقادية ولاهوتية، أو حتى تعاليم أخلاقية، تجري صياغتها على شكل تعليمات، وتتأسّس الطقوس والمعابد تبعًا لكل ثقافة ومجتمع. وهذا يعني أن الدين من الأصل هو أشبه بالموسيقى، لها قواعد تأسيسية واحدة ومتسقة بصفة خفية، لكنها تظهر بأشكال متنوعة في مقطوعات الثقافات المختلفة (ص. 161) رفض شلايرماخر محتقري الدين من فلاسفة عصره ومثقفيه، واستبق الكثير من التصورات والأفكار الاختزالية للدين التي ظهرت فيما بعد عند سيغموند فرويد Sigmund Freud (1939–1856)، ولودفيغ فيورباخ Feuerbach Ludwig (1872–1804)، وإيميل دوركهايم Émile Durkheim –1858(1917). فمثلًا، نجد التفسير النفسي للدين عند فرويد، الذي اعتبر أن الإله هو تجٍّلٍ للأب الذي يقوم بعدد من المهمات؛ منها التحكم في قوى الطبيعة، ومصالحتنا مع الموت، وتعويضنا عن الآلام والأوجاع والحرمانات التي تفرضها الحياة. أمّا فيورباخ، فقدّم تفسيرًا أنثروبولوجيًا للدين؛ إذ اعتبر أن الإله هو تجٍّلٍ للإنسان الكامل الذي يسعى له كل إنسان، لكنه كان أكثر انتباهًا للعنصر الغامض في الدين من سابقيه، فرده إلى الطبيعة من حيث هي "كائن غامض لا يمكن إدراكه حسيًا"، وانطلاقًا من موقفه النافي للوجود عن كل ما هو
غير محسوس، ينتهي فيورباخ إلى الإلحاد. يمكننا أن نجد إحدى أهم السرديات الاختزالية في الرؤية التطورية للدين، التي ترى أنه مرّ بعدة مراحل خلال التاريخ البشري؛ بدايةً من الطوطمية Totemism والفيتشية Fetishism والسحر، والتي اعتُبرت مراحل مبكرة للدين في زمن المجتمعات البشرية الأولى، ثم تطورت من الإحيائية Animism إلى الشركية Polytheism، ثم إلى التفريدية Henotheism (اعتقاد إله واحد غير حصري)، حتى ظهرت أطروحة التوحيد الحصري
وبهذا، ساد التفسير التطوري الأنثروبولوجي والاجتماعي لفترات طويلة في المجتمع العلمي، وحتى خمسينيات القرن العشرين، حينما رُفضت التفسيرات التطورية للدين بوصفها لا علمية. وبذلك يعجز العلم عن تحديد جذر الظاهرة الدينية؛ لأنها لا توجد خالصة منقطعة عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، فهي دائمًا ما كانت مشروطة تاريخيًا، حتى إن كان جوهرها الوجودي والذاتي سابقًا لكل تجلياتها التاريخية (ص. 169)
1. اللاهوت السلبي في العالم القديم
يتتبع المؤلف اللاهوت السلبي في العديد من الديانات، بدايةً من أديان الشرق الأقصى، ثم الديانات الهلنستية، ثم الفلسفات اليونانية ما قبل السقراطية وما بعدها، مزيلًا طبقات من الركام الطقوسي والعقدي، الزماني والمكاني، وصولًا إلى المحتجب ذي الغيرية المطلقة الذي خاطبته هذه الأديان، تبعًا لتقديره، بالصمت والنفي والفراغ. تُعتبر نصوص فيدا Vedas الهندوسية من أقدم النصوص الدينية؛ إذ تعود إلى عام 1700 ق. م.، وتقدم هذه النصوص صورتَين للإله "براهمان": واحدة معنية باللاهوت الإثباتي، فتعتبر براهمان حقيقة ووعيًا ونعمة ووجودًا، أمّا الصورة الأخرى التي تحضر بكثافة فهي صورة اللاهوت السلبي، الذي تصفه بأنه العلّة والأصل الواحد فوق كل شيء، ليس له جسم، ولا ظل، ولا لون، وليس له قالب، ولا شكل ولا صورة، ومن لا يفكر في براهمان يفكر فيه حقًا، ومن يفكر في براهمان لا يعرفه حقًا، فبراهمان يجهله الحكماء ويعرفه الجهلاء. وبذلك، لا يمكن التعبير عن البراهمان سوى بالسلب؛ أي إنه "لا هذا ولا ذاك"، اللاشيء أو الفراغ، وهو ما يسميه المؤلف "العدم الإبستيمولوجي". فالهندوسية تعتبر أن كل ما ندركه عن البراهمان وما نقوله هو وهمٌ خالص؛ أي "مايا" Maya، وهو مصطلح يحضر في الفيدا ليشير إلى الوهم الذي يستر الحقيقة، كقصة المزارع الذي يكتشف أفعى في الطريق من النظرة الأولى ويفزع، وما إن يتفحصّها حتى يكتشف أنها ربطة من الحِبال. أمّا البوذية، فعلى الرغم من كونها ديانة هندية في الأصل، فإنها بدأت بوصفها حر كةَ تمُّرُد ضد سلطة البراهمان، ومتجاوزة لمفهومَي البراهمان والأتمان؛ أي إنها تتجاوز الكائن المطلق في ذاته وتتجاوز النفس، اللذين اعتبرتهما الهندوسية وجهَين لعملة واحدة. لكن البوذية اعتبرت أن معضلة الإنسان الوجودية يجب أن تُحلّ أخلاقيًا
وليس ميتافيزيقيًا، فمعاناة الإنسان الأساسية تأتي من شعوره بالألم والقلق الدائم، الذي يتأتّى من تعلقه ورغباته في الوجود. ولحلّ تلك المعضلة، فعلى الإنسان أن يدرك أنه لا توجد نفس، ومن ثم يتخلى عن كل تعلّق، ويخلو من كل معاناة وألم، ومن ثم يصل إلى "النيرفانا" Nirvana، وهي حالة الاستنارة التي تُخرج الإنسان من عجلة الموت والحياة التي كانت ستعيده إلى معاناة الحياة مرة أخرى. تُعتبر النيرفانا هي النسخة البوذية من الاتصال بالمحتجب، حيث تتسامى النفس في حالة من الفراغ، حيث لا بُعد نهائي للوعي، ولا بُعد للعدم، ومع لا بُعد للإدراك ولا اللاإدراك، لا هذا العالم ولا العالم الآخر، لا موت ولا نشوء، لا ثابت ولا متغيّر، وبذلك يتطابق خلو النفس Anatta مع فراغ الوجود Sunyata. ثم يبحث المؤلف في الفلسفة اليونانية عن نسختها الخاصة من اللاهوت السلبي، والذي يُعرف فيه المحتجب باسم "إله الفلاسفة"، وعلى الرغم من أننا لم نعرف عن الفلسفات اليونانية ما قبل سقراط سوى القليل؛ لأن ما وصلنا منها هو شذرات أو تعليقات من أرسطو وتلاميذه، فإن الدراسات الديكسوغرافية Doxography مؤخرًا بدأت في تكوين صورة أوسع عنها. يتناول المؤلف الميثولوجيا اليونانية وخصوصًا في قصيدة الشاعر هزيود Hesiod، التي تُعرف بعنوان "مولد الآلهة" " Theogony "، وفيها مجيء الفوضى أو العماء Chaos إلى الوجود، قبل أن تأتي الآلهة والمخلوقات، لكن فلاسفة اليونان ما قبل سقراط حاولوا البحث عن أصل وعلّة أولى "أرخي" Arche، يمكن منها الرجوع إلى ما قبل الشخصيات الأسطورية للآلهة وملاحمها وحتى قبل العماء. فمثلًا، يعتبر طاليس المالطي Thales of Miletus 545–623(ق. م.) أن العلّة الأولى هي الماء، لكنه ليس كالماء المعتاد الذي نعرفه. أمّا أنكسيمانس Anaximenes 526–567(ق. م.)، فيعتبر أن الأصل هو الهواء، لكنه ليس الهواء كما نعرفه، أمّا النار عند هيراقليطس Heraclitus (75–5354 ق. م.) والرواقيين، فليست هي النار التي نعرفها. وعلى الرغم أن تلك العلل تبدو مادية، فإنها أيضًا علل فاعلة، منزوع عنها التوصيفات البشرية التي تصدق على الطبيعة. أناكسيماندر 545 ق. م.)، تظهر بدايات عِلل أخرى لا تحتمل المادية، فالأصل عنده هو "الأبيرون" " Apeiron " وهي كلمة يونانية تعني "الذي لا حد له". فهو فاعل متحرك ومصدر لنشوء العناصر المادية والعالم والآلهة معًا، وهو أشبه بمفهوم الفراغ البوذي والآسيوي؛ أي هو ما يخرج عنه كل شيء وهو ليس أي شيء. أمّا فيثاغورس Pythagoras (95–5704 ق. م.)، فقد اعتبر العلّة الأولى تجريدًا رياضيًا (ص. 268). فالأعداد هي نسيج الوجود وجوهره، والموجودات هي عبارة عن علاقة بين تلك الأعداد. فالأعداد الفردية محدودة ومتناهية، أمّا الأعداد الزوجية فهي لامتناهية، ومن جمعهما معًا يظهر الواحد "الموناد" الذي لا يفتقر إلى أي شيء ويحوي إمكانية وجود كل شيء. وبالوصول إلى أفلاطون 734 ق. م.)، نجد أول إجابة فلسفية ومنهجية منضبطة للبحث عن علّة الوجود. فهو يعتبر أن العالم المحسوس مُتغيّر، من ثم هو عرضة للتلف والفساد، لذلك فالمعرفة الحسية هي مجرد ظنون وآراء (ص. 272)، أمّا الوجود الثابت والمطلق فهو
المثال الأعلى الذي ندركه بعقولنا، وهو المطلق الكمال الذي لا يمكننا التعرّف إليه سوى من انعكاساته الناقصة والباهتة في العالم؛ وبذلك تصبح الحقائق الرياضية ومن بعدها الحقائق الميتافيزيقية هي النظام الإلهي. قدّم أرسطو النموذج المضاد؛ فالإله عنده ليس علّة فاعلة لأن ذلك ينتقص منه، فالفعل يلزمه حر ةك وزمان من ثم تغُّيُر، أمّا الإله فهو علّة غائية، تتجه كل الموجودات إليه. وهو ثابت، أزلي، بسيط بلا أجزاء، وعقل لا يفعل سوى التفكير في ذاته، لا يتدخل في العالم، ولكن يُفكر في الفِكر الخالص. وهو المبدأ الأول الضروري، المُحِرِّك الذي لا يتحرك، ومن وجوده تنشأ الصور التي تُفرض على الهيولى فينشأ العالم والموجودات. وهو المفهوم الأقصى من "إله الفلاسفة" الذي بدأت من عنده علوم الكلام واللاهوت الإسلامي والمسيحي، وانطلقت منه.
2. اللاهوت السلبي بين المسيحية والإسلام
يتتبع المؤلف اللاهوت السلبي في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية. وهو يعتبر أن الارتباك والتضارب بين الأناجيل، ومقارنتها باللاهوت اليهودي عند فيلون السكندري، يمكن أن يعطينا صورة عن شكل اللاهوت السلبي المسيحي الذي تم طمسه تدريجيًا. قدّم بولس المسيحية على طريقة اللاهوتي والفيلسوف اليهودي فيلون Philo (20 ق. م 50–م)، فقد ساوى بين اسم الإله، وحكمته، وكلمته الخالقة، وجعله إلهًا ثانيًا، يظهر الإله المُطلق ذو الغيرية عبره وتتجلى فيه قدراته الفعّالة، الخالقة والحاكمة (ص. 28)3 وبذلك تتجسد الكلمة أو اللوغوس في يسوع ويُصبح الابن، فيما يُصبح الإله المطلق "يهوه YHWH " هو الأب، وهذا هو جوهر اللاهوت الإثباتي الذي أخذ في التنامي تدريجيًا خلال القرون الثلاثة الأولى، وبه جرى التركيز على الابن Christocentric بدلًا من الإله الأب. وعلى الرغم من وجود تصور أفلاطوني عن العلاقة بين الإله المطلق والعالم، من خلال وسيط أو مبادئ تابعة، فإن التثليث بالشكل الذي تُعِرِّف به المسيحية نفسها اليوم لم يكن قائمًا وقتها. وبذلك، فإن المسيح لا يجسّد الإله ذا الغيرية التامة وإنما يجسّد كلمته، فنجد أن كليمينت السكندري (215–150) أحد آباء الكنيسة الأوائل، يقول: "إن اسم الله الأعظم الذي كان الكاهن اليهودي يرتديه منقوشًا على عمامته حتى يراه الناس قد تجسّد بالفعل في الابن". يحضر اللاهوت السلبي عند كل فرصة للتمييز بين الإله المتعالي واللوغوس المتجسد، فيُميز القديس جاستين بين الله الخالق والله الذي ظهر ليعقوب وموسى؛ فالأول يظل فوق السماوات، محتجبٌ عن الأعين، لا يتصل به أحد، ويعتبر إيرينيئوس Irenaeus (130–202) أن المسيح هو الإله الظاهر لكن "يظل الأب وحده من "يُسمى الله، الذي له وجود حقيقي. ويرى المؤلف أن الإسلام هو الدين الذي يأخذ فيه اللاهوت السلبي الحيّز الأكبر بين الأديان السماوية، فهو على العكس من اليهودية لا يرتبط بجماعة محددة أو عرقية، أو كما لاحظ ثيودور
(6) Clement of Alexandria, The Stromata or Miscellanies (CreateSpace Independent Publishing Platform, 2015), p. 452. (7) Irenaeus of Lyons, Saint Irenaeus of Lyons: Against Heresies , Alexander Roberts, James Donaldson & A. Cleveland Coxe (eds.) (Ex Fontibus Company, 2012), p. 401.
نولدكه (1836–1930) أن "الكمال المنطقي للأديان السامية". ويتبدى المحتجب ذو الغيرية التامة في منطوق الركن الأول من الإسلام، فشهادة أن "لا إله إلا الله"، تنفي إمكانية أن يكون لله شريك في الوجود أو الخلق؛ فهو "لا تدركه الأبصار، ولا تحجبه الأستار، لم يسبقه قبل، ولم يقطعه بعد، لا تتغير صفاته ولا تتبدل أسماؤه". تذخر المدونة التراثية الإسلامية بالعديد من المتون والشروحات والتعليقات التي تتعلق بالتوحيد وتنزيه الله عن كل شيء يشاركه، واختلف المتكلمون حول مسائل تتعلق بتنزيهه في المقام الأول. فالمعتزلة حاولوا نفي تمايز الصفات أنطولوجيًا، ومن هنا وقعت أزمة خلق القرآن، فأن يكون كلام الله مخلوقًا ينفي عنه صفة القِدم وإمكانية أن يشارك الله في مقامه، وهي المعضلة التي تظهر بوضوح في المسيحية بخصوص تجُّسُد اللوغوس. أمّا الأشاعرة فقد حاولوا تقديسه عن كل صفة دالة عن الحدث والفعل، فكل حدث هو تغُّيُر في الزمن وزوال، ولذلك اهتموا بتفسير تلك الصفات من القرآن وعلاقتها بوحدانية الله وخلقه للكون. أمّا الفلاسفة، فقد تعاملوا مع المحتجب من منظور الواحد الأفلوطيني، المُتجاوز للوجود والعقل، فابن سينا يعتبر أن الله واجب الوجود، متجاوز للعقل والوجود الجائز، من ثم فهو بلا كيف، ولا ماهية، ولا حر ةك، ولا زمان، ولا مكان، تام الوجود، وليس الواحد فيه إلا على الشكل
(8) Theodor Nöldeke, Sketches from Eastern History , John Sutherland Black (trans.) (London: Adam & Charles Black, 1892), p. 105.
السلبي؛ أي الذي تُسلب منه صفات الإمكان التي تتميز بها كل الموجودات. وبذلك تنقسم صفات الله إلى اللاهوت السلبي وبعضها إلى اللاهوت الثبوتي، يوضّح ذلك أبو حامد الغزالي (1111–1058)، فتنزيه الله عن كل سلب ونقص في "سبحان الله"، يتم معه أيضًا إثبات صفات الكمال كالعليم والقدير والسميع في "الحمد لله"، من ثم يتحقق من جهة الإجمال من النفي إلى الإثبات في "الله أكبر"، "وذلك معناه أن الله "أجُّلُ ممّا نفيناه وممّا أثبتناه".
رابعًا: نقد
استعرض علي رضا، في مؤَّلَفه الموسوعي تجليات المحتجب، رحلةً قطعها العقل البشري للإجابة عن العديد من التساؤلات الفلسفية الأساسية، مثل أسئلة الوجود والقيمة والمعرفة وغيرها. وبدأ مؤلّفه بتحديد البوصلة التي سيقرأ منها الفلسفات القديمة والأديان، وتحديدًا فلسفة المعرفة عن جانلكيفيتش وأقسامها الثلاثة؛ الحس والعقل وما فوق العقل. ومنها استطاع الدفاع عن "البرهان الكوزمولوجي" ومبادئ "العلّة الأولى" و"الضرورة المنطقية". لكنه لم يبتعد كثيرًا في تلك القسمة الفلسفية عن الموقف العقلي الذي يَعدّه في المستوى الثاني؛ وبذلك يبقى النقد الكانطي للحقائق الميتافيزيقية التي تُبرر الحقائق المنطقية قائمًا، فهي مجرد "شرط صوري" للتفكير، ناتج من استعمال البشر للحدوس العقلية في تفسير مدخلات الواقع الحسية. وهذا يعني أن التصور الترنسندنتالي الوحيد عن الإله لا يمكن أن يكون إلا تأليهيًا، وهو ما لا نبحث عنه هنا؛ أي إن محاولة البحث عن تصور سلبي لهذا المفهوم
التأليهي لن تكون سوى تجريده من كل التصنيفات. وهو ما يضع كل تصوراتنا عن العلّة الأولى، والضرورة المنطقية، في نطاق الاستعمال الخاطئ للقواعد العقلية التركيبية والتحليلية. وعلى الرغم من إثبات كانط للإله الأخلاقي وغيريته التامة، فإن رفض اللاهوت السلبي يبقى قائمًا؛ وهو ما استدعى توجيه المؤلف نقده إلى الموقف الكانطي على اعتبار أنه "حُكم عقلي" يحمل المصادرة ذاتها وبالمخالفة لموقف كانط التجريبي نفسه، وهو محٌّقّ في نقده. لكن استدعاء المؤلف "الذاتي" و"اللاعقلاني" لمحاولة فكّ العقدة التي يُقرّ بها كانط نفسه،
العربية
التوفيقية،.1996
والنشر والتوزيع،.1991
دار الكتب العلمية،.2019
الأجنبية
بوصفها غير ممكنة المعرفة والتساؤل عنها ليس له معنى، لا يمكنه أن يعطي الكثير من الإجابات. أمّا المعضلة الأخرى التي يهملها الكتاب، فتتمثّل في اعتماده على الفلسفات القديمة والحديثة، وتناوله الأديان من المنظور اللاهوتي التقليدي؛ وهذا ما يُبعده عن التناول المعاصر للأسئلة الفلسفية نفسها، حيث تظهر مساحات جديدة مثل: فلسفة الوعي، وفلسفة الفيزياء المعاصرة، التي تحاول الإجابة عن "سؤال الوجود" نفسه وإن بالتحايل على المعضلات التقليدية، أو بتعديل النظريات والنماذج التي تعالج بها السؤال نفسه، وحتى تحاول مراجعة مبدأ المادية نفسه.
المراجع References
الغزالي، أبو حامد. مجموعة رسائل الإمام الغزالي. تحقيق إبراهيم أمين محمد. القاهرة: المكتبة
فيورباخ. أصل الدين. دراسة وترجمة أحمد عبد الحليم عطية. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات
الكلاباذي، أبو بكر محمد. التعُّرُف لمذهب أهل التصوّف. تحقيق أحمد شمس الدين. بيروت: