من إشكالية العقل إلى واقعة الفعل: التحولات الإبستيمولوجية لمفهوم الحرية عند كانط
From the Problem of Reason to the Fact of Action: Epistemological Shifts in Kant’s Concept of Freedom
الملخّص
تتناول الدراسة مفهوم الحرية العملية في فلسفة إيمانويل كانط، مستعرضة المسار الانتقالي لهذا المفهوم من مبحث الجدل الترنسندنتالي في كتابه نقد العقل الخالص إلى دائرة التشريع الأخلاقي في كتابه نقد العقل العملي. وتهدف الدراسة إلى تبيان كيف أنّه استطاع إخراج الحرية من مأزقها النظري، بوصفها مشكلة للعقل لا يمكن معرفتها، وتحويلها إلى واقعة للعقل تُبرهن عن نفسها عَبْر القانون الأخلاقي. ومن خلال تحليل "قانون العقل الخالص"، تستكشف الدراسة التمييز الإبستيمولوجي بين الحرية الترنسندنتالية بوصفها إمكانية منطقية، والحرية العملية باعتبارها سببية تجد واقعيتها في العالم المحسوس عَبْر الفعل الأخلاقي والتشريع الذاتي، وتُسلط الضوء على الحرية بوصفها "حجر الزاوية" الذي يربط بين نقد العقل الخالص ونقد العقل العملي، مُعرجةً على دورها باعتبارها مسلمة ضرورية لضمان كرامة الشخص الإنساني بوصفه غاية في ذاته.
Abstract
Abstract: This article examines the concept of practical freedom in Kantian philosophy, tracing its transitional trajectory from the realm of transcendental dialectic in the Critique of Pure Reason to moral legislation in the Critique of Practical Reason. The paper argues that Kant rescues the concept of freedom from a theoretical impasse where it appears as a problem of reason that cannot be known, and transforms it into a fact of reason that establishes itself through moral law. In undertaking an analytical reading of the "Canon of Pure Reason", the study explores the epistemological distinction between transcendental freedom as a logical possibility and practical freedom as a form of causality that attains reality in the sensible world through moral action and autonomy.
- كانط
- الحرية العملية
- الحرية الترنسندنتالية
- القانون الأخلاقي
- مسلمات العقل العملي
- Kant
- Practical Freedom
- Transcedental Freedom
- Self-Legislation
- Moral Law
التمييز الإبستيمولوجي بين الحرية الترنسندنتالية بوصفها إمكانية منطقية، والحرية العملية باعتبارها سببية تجد واقعيتها في العالم المحسوس عَبْر الفعل الأخلاقي والتشريع الذاتي.
الأخلاقي.
مقدمة
تُمثّل الحرية في الفلسفة الكانطية "حجر الزاوية" الذي يقوم عليه بناء العقل الخالص بمختلف تجلياته النظرية والعملية. وإذا كان إيمانويل كانط قد انتهى في نقد العقل الخالصإلى حصر الحرية في دائرة الإمكان المنطقي، بوصفها فكرة ترنسندنتالية يستحيل بلوغ معرفة يقينية بشأنها، فإن هذا العجز النظري لم يكن إلا تمهيدًا لبعثها من جديد في المجال العملي. وتسعى هذه الدراسة لاستجلاء المفارقة الكامنة في الانتقال من الحرية، بوصفها مشكلة للعقل التأملي، إلى كونها واقعة للعقل العملي. وتكمن إشكاليتها في محاولة فَهْم الكيفية التي استطاع بها كانط التمييز بين السببية الطبيعية الخاضعة للحتمية، والسببية الحرة المؤِّسِسة لمجال الأخلاق، وكيفيّة
منح نص "قانون العقل الخالص" الشرعية للحرية العملية، لتكون إثباتًا تجريبًّيًا واستقلالًا ذاتًّيًا في آنٍ واحد. فكيف يمكن أن يكون لمفهوم الحرية، الذي ينتمي إلى المجال "فوق–الحسي"، تأثير ملموس في المجال "الحسي" (أي في عالم الواقع والأفعال البشرية)؟ لتوضيح أبعاد هذا الإشكال، سنعمل على تحليله عبر ثلاثة محاور أساسية؛ تبدأ بفحص الحرية في "قانون العقل الخالص"، مرورًا بتحليل التماهي بين الحرية والتشريع الذاتي، ووصولًا إلى تثبيت الحرية باعتبارها مسلّمة ضرورية لا يستقيم من دونها الفعل الأخلاقي، أو كرامة الشخص الإنساني.
أولا: الحرية في "قانون العقل الخالص"
حدّد كانط معيارَ فصلٍبين ما هو موضوع معرفة Le connaître، وما هو موضوع فكر Le penser، وحدد هذا المعيار في الحدْس L’intuition، سواء أكان خالصًا أم حسًّّيًا. ووفقًا لذلك، لا تتجاوز معرفتنا الظواهر؛ فما لا يقع تحت أي حَدْس ليس موضوع معرفة، لكنه لا يمنع من أن يكون موضوع تفكير، على أن يكون من دون ادعاء معرفته، مثل أفكار العقل الخالص الثلاث (النفس، والعالم، والإله). ف "الهدف الأخير الذي يصل إليه العقل في استعماله الترنسندنتالي يَخصّ الموضوعات الثلاثة: حرية الإرادة، وخلود النفس، ووجود الله". ومع ذلك، تبقى هذه الأفكار، وإن أزاحها كانط من دائرة المعرفة، مفيدة Utile؛ إذ ثمة "قاعدة ضرورية لاستعمال العقل التأملي تُلزمنا بأّلا نُهمل الأسباب الطبيعية، وأّلا نترك ما يُمكن أن نتعلّمه بالتجربة كي
(((غالبًا ما يُترجَم مفهوم Le transcendantal ب "المتعالي"، وهو خطأ شائع، لأن المتعالي هو المفارق، ويقابله بالفرنسية Le
transcendant. وقد صحّح كانط هذا الخلط في نقد العقل الخالص. فمفهوم الترنسندنتالي، هو مفهوم زماني، يحيل إلى ثنائية:
قبل/ بعد، المنتمية إلى المنظومة الحديثة، في حين أن التعالي يُحيل إلى ثنائية: فوق/ تحت، المتصلة بنسق ما قبل الكوبرنيكي، الذي
انتهت معقوليته بنهاية مفهوم الكوسموس. (((ينظر:
Immanuel Kant, Critique de la raison pure , A. Tremesaygues & B. Pacaud (trad.), Collection Quadrige (Paris: PUF, 1997), p. 530. (3) Ibid., p. 666.
نشتق شيئًا لا نعرفه مما يتخطى تمامًا كل معرفتنا". فهي ضرورية لتكملة عملِملَكة الفهم المحدود،
من حيث إنها تُحقق وحدة أكبر على مستوى الذات بالنسبة إلى فكرة النفس، لأنها تجمع شتات اختلاجاتها وتنوعها، لكن ذلك بوصفها فكرة منظمة Régulatrice فحسب، وليس بوصفها مكونة Constitutive؛ أي من دون ادعاء معرفة النفس في جوهرها. وينطبق الأمر نفسه على فكرة العالم، بما هي دائرة أكبر تجمع شتات أشياء العالم. وأخيرًا فكرة الإله، الدائرة الكبرى التي تضم الوجود
في مجمله. مع كانط، إذًا، انتقلنا من الحديث عن النفس والعالم والإله إلى الحديث عن هذه الأفكار باعتبارها أفكارًا Idées بالمعنى الأفلاطوني للكلمة فحسب. وهنا تكمن الثورة الكوبرنيكية الكانطية؛
إذ إن كوبرنيك، وإن لم يكن متيقنًا من دوران الأرض، فإنه تعامل مع هذا الأمر بوصفه فكرةً انطلق منها
في أبحاثه، وهذا ما فعله كانط بالأفكار الثلاث؛ فهو يعتبر أن محدودية العقل ليست أمرًا سلبًّيًا، بل
هي دواعٍنظرية داخلية دفعته إلى تأسيس العقل العملي لتكملة العقل النظري. وعلى هذا الأساس، كان المجال العملي مج لًا لمعقولية أخرى غير معقولية قوانين الظواهر الطبيعية. ويقيم كانط هذه المعقولية على أساس الحرية بمعناها الترنسندنتالي والعملي. من أجل ذلك، يُعرّف
"العملي" بأنه "ما يكون مُمكنًا بفعل الحرية"، في حين تتطلّب الحرية الترنسندنتالية استقلالًا لهذا العقل نفسه، نظرًا إلى كل الأسباب المحددة للعالم المحسوس، وهي تبدو بهذا المعنى "مضادة لقانون الطبيعة؛
ومن ثمّ لكل تجربة ممكنة"، لكنها حرية تُلزم ذاتها بذاتها بقوانين العقل التي يتمثّلها قبلًّيًا. يُحدد "قانون العقل الخالص"، إذًا، الحد الفاصل بين الحرية الترنسندنتالية والحرية العملية. فالأولى معقولة، وهي مشكلة تهُّمُ العقل في استعماله التأملي، ولا تنتمي إلى العقل في استعماله العملي. أما الثانية، فهي إمبريقية؛ "إذ يُمكن أن نثبتها بوساطة التجربة". ويُحدّد العقل، بقانونه العملي، الإرادة تحديدًا مباشرًا، وحين يتمكّن من ذلك، تكون الإرادة حرّة، ويؤسس نوعًا آخر من السببية، مخالفًا
للسببية الطبيعية، إنها السببية من خلال الحرية. يخلص كانط في نصه بشأن "قانون العقل الخالص" إلى تبنّي موقف يتسم بالازدواجية تجاه مسألة الحرية؛ إذ يجد نفسه عالقًا بين ضرورة إثباتها بوصفها شرطًا أخلاقًّيًا، واستحالة إخضاعها للمعرفة
التجريبية؛ ما يُضفي نوعًا من التذبذب المفاهيمي على موقفه؛ فهو يقول، من جهة، إن "معالجة المسألة العملية تقتضي الكثير من الحذر، وذلك بالبقاء بالقرب من الترنسندنتالي بقدر الإمكان،
(4) Ibid., p. 667.
(((الفكرة المنظمة هي التي ترشد العقل وتوحّد شتات التجربة (مثل فكرة النفس)، في حين أنّ الفكرة المكوّنة هي التي تدخل في
صلب بناء موضوع المعرفة (المقولات مثل.) (((ليس للميتافيزيقا من غاية خاصة بأبحاثها إّلا الأفكار الثلاث: الله، الحرية، خلود النفس؛ فعلى المفهوم الثاني أن يؤدي، إذا
ما رُبط بالأول، إلى الثالث بوصفه خلاصة ضرورية. وكل ما يشتغل به هذا العلم في ما عدا ذلك ليس سوى وسيلة للوصول إلى هذه
الأفكار، وبيان واقعيتها وفائدتها العملية.
(7) Ibid., p. 667. (8) Ibid., p. 670. (9) Ibid., p. 669.
وإهمال كل ما يُمكن أن يكون هناك من محتوى سيكولوجي في مفهوم الحرية". ويقول، من جهة
أخرى، إن "السؤال عن الحريّة الترنسندنتاليّة يخصّ فقط المعرفة التأمليّة، ويُمكن وضعه بالكامل
جانبًا عندما يتعلق الأمر بالعمل"، وتبعًا لذلك، يقتصر على توظيف مفهوم الحرية بمعناه العملي. وتتميز الحرية الترنسندنتالية باستقلالها التام عن العالم المحسوس؛ فليس لهذا العالم أي تأثير فيها. وعلى النقيض من ذلك، ترتبط الحرية العملية ارتباطًا وثيقًا بالعالم المحسوس. فعلى الرغم من أنها تتّسم باستقلالية الإرادة عن الدوافع الحسية، فإن الحرية العملية تتجسّد في العالم المحسوس، وفي
كثير من الحرية الترنسندنتالية على نحو أوضح. ووفقًا لتأويل برنار كارنوا، فإنّ "الحرية العملية [...] تندمج، إذا جاز التعبير، في الطبيعة نفسها، لتخلّصنا من الحتمية الحسية". يُعد العالم المحسوس، إذًا، أداة فعالة للتمييز بين مفهومَي الحرية. فهو يُظهر لنا أن الحرية الترنسندنتالية
تبقى مفهومًا إشكالًّيًا للعقل، في حين يُمكن إثبات واقعية الحرية العملية من خلال التجربة. وهذا
ما يسمح لنا بتسليط الضوء على تمييز معرفي (إبستيمولوجي) مُهِم بين مفهومَي الحرية. فباعتبارها
فكرة إشكالية، تبقى الحرية الترنسندنتالية إمكانيةً منطقية خارج العالم المحسوس فحسب، لكنّ لها آثارًا في هذا العالم. وعلى العكس من ذلك، يُمكن إثبات واقعية الحرية العملية بالتجربة. ويمنع هذا
التباين بين المفهومَين وجود تبعية قوية جًّدًا بينهما: "إن مشكلة الحرية الترنسندنتالية لا تؤثر في الواقع
العملي بالنسبة إلى الحرية. وبالطريقة نفسها، لا يُمكن أن تُثبت واقعيةُ الحرية العملية واقعيةَ الحرية
الترنسندنتالية". يستهل كانط تعريفه الحرية العملية بمنظور سلبي يرتكز على الاستقلالية عن الحتمية الحسية. ففي حين تخضع الإرادة الحيوانية كلًّّيًا للمؤثرات والانفعالات الخارجية، تتميز الإرادة الإنسانية بكونها
حرة بفضل قدرتها على التحرر من سطوة النزوات، والارتهان حصرًا لما يُمليه العقل من دوافع
ومبادئ مجردة. يقول في هذا السياق: "إن الإرادة لا تكون حيوانية إّلا عندما لا يُمكن أن تتحدّد إّلا
بدوافع حسية، أعني انفعالًّيًا. لكن الإرادة التي يُمكن أن تُحَدَّد بمعزل عن النزوات الحسية، ومن ثمّ
بدوافع يُمكن أن يتصوّرها العقل وحده، إرادة حرة". تُحدّد الإرادة الحيوانية بدوافعها الحسية وأفعالها، فهي خاضعة للغريزة الطبيعية، ولا يُمكنها التصرف
على نحو مستقل عنها. وعلى النقيض من ذلك، يتمتّع الإنسان بحرية الإرادة، ما دام يملك القدرة
على اختيار فعلٍما، وهو مستقٌّلٌ عن الدوافع الحسية، وإمكانية عدم الانصياع أيضًا لغريزته الطبيعية وحدها، على عكس الحيوانات التي تبقى أسيرة برنامجها الطبيعي.
(10) Ibid., p. 668.
(1((محمد منادي إدريسي، "مفهوم الحرية في فلسفة كانط: من الإمكان المنطقي إلى الإثبات العملي"، الفكر العربي المعاصر (بيروت)، العددان 157–156 (خريف 2011)، ص.33
(12) Bernard Carnois, La cohérence de la doctrine kantienne de la liberté (Paris: Seuil, 1973), p. 57. (13) Ibid., pp. 57–58. (14) Kant, p. 669.
يبدو تعريف الحرية العملية، على هذا النحو السلبي، غير كافٍ، بل ينبغي الوصول كذلك إلى تحديدها الإيجابي. إذا كانت حرية الإرادة تُتيح إمكانية اختيار الأفعال بطريقة مستقَّلَة عن الدوافع الحسية، فما الذي يُحرك الفعل حينئذ؟ بعبارة أخرى، ما الذي يُحدد الفعل الذي لا ينبع من دافع
حسّي؟ بالنسبة إلى كانط "الإرادة التي يُحددها العقل هي حرية". ومعنى هذا القول أنّ الحرية العملية، المحددة على نحو إيجابي، هي إمكانية اختيار الفعل وفقًا للعقل. فالكائنات البشرية، بصفتها كائنات عاقلة، تَتمتع بالحرية، وهو ما يشير إليه كانط نفسه، قائلًا:
"وكل ما يتعلق بها، مبدأ كان أم نتيجة، يُدعى عملًّيًا [...] وتتميز بذلك من قوانين الطبيعة التي لا تُعالج
إلا ما يحدث". تُتيح لنا الحرية العملية، إذًا، صوغ قوانين موضوعية للفعل، واختيارها بوصفها مبادئ للعمل: "يضع
العقل هذا المفهوم أو ذاك بوصفه مبدأ للعمل، وبهذا يمنحه قوة سببية. فالواجب الفعلي يُظهر بوضوح
سببية العقل، حتى عندما يبدو أن مبدأ الفعل نابع من الحساسية". وهكذا، فإن الحرية العملية هي العلاقة السببية بين الإرادة التي يُحدّدها العقل، والفعل الذي يجري في العالم المحسوس. لذا، حتى
لو كان المبدأ الذي وضعه العقل مرتبطًا بالعالم الحسّي – ففي العالم الحسّي تتجلى الأفعال – فإن
الفعل الحر يُسببه العقل بالفعل، وليس الطبيعة. يُمكن تأويل اللبس في نص "قانون العقل الخالص" بالقول إن التركيز على الحرية العملية يُمهد
للانتقال إلى العقل العملي الخالص (مجال الأخلاق الصرف)، الذي سيتضح في الكتابات اللاحقة، وأن التمسك بالبُعد الترنسندنتالي إنما هو تمسك بالانشغال المركزي لكتاب نقد العقل الخالص
المتمثل في الطابع النوميني بالنسبة إلى الحرية، على أن هذا النص لم ينجز تلك النقلة، وآية ذلك احتفاظُه بالفرق بين الترنسندنتالي والعملي. لذلك، ستكون مهمة كتاب نقد العقل العمليالتساؤل عما يلي: هل ثمّة عقل خالص عملي؟ أو على نحو أدق، هل للعقل – بما هو ملَكة تلقائية مستقلة عن
كل الشروط التجريبية – قدرة على تحديد الإرادة انطلاقًا من ذاته، ومن مبادئ قبلية؟. في هذا السياق، يُمكن أن تستعيد أفكار العقل الخالص مكانها داخل النسَق الكانطي، لكن على
أن تتغيّر ثوابت هذا المكان ووظيفته؛ إذ لن يكون استقرارها في الأفق النظري (نسَق الطبيعة)، بل
في الأفق العملي (نظرية الحرية). ها نحن، إذًا، أمام نمطٍ مغايرٍ للموضوعية يختلف عن موضوعية الظواهر وقوانينها؛ ونقصد بذلك "الموضوعية العملية – الأخلاقية" التي تحدّد الإرادة، وتمنح الحرية واقعيتها بوصفها واقعة فعل، لا إشكالية عقل فحسب. يؤسس كانط لتمايز جوهري بين مجالَين: المجال التأملي، حيث تخضع الطبيعة لآلية القوانين الفيزيائية الصارمة التي لا تحتاج إلى افتراض الحرية، والمجال العملي الذي يُمثل فيه مفهوم الحرية
(15) Carnois, p. 51. (16) Kant, p. 669. (17) Carnois, p. 56.
((1(إدريسي، ص.33
حجر الزاوية؛ إذ لولاها لما استطاع العقل تصور وجود قوانين أخلاقية تتجاوز الحتمية الطبيعية وتوجّه إرادة الإنسان نحو الفعل الأخلاقي: "لو كانت الحرية فكرة ترنسندنتالية ممتنعة، لما كان ثمة حرية عملية؛ أي لو كانت كل سببية في العالم المحسوس طبيعة فحسب، لكان كل حادث مُحدد بحادث آخر في الزمان، وفقًا لقوانين ضرورية. وبما أن الظواهر، من حيث إنها تُحدد الإرادة، يجب أن تجعل كل فعل ضرورًّيًا، بوصفه نتيجتها الطبيعية، فإن إلغاء الحرية الترنسندنتالية سيؤدّي إلى القضاء، في الآن نفسه، على كل حرية عملية". في الحصيلة، تتبدى الذات الأخلاقية بوصفها كيانًا يتجاوز الحتميات التجريبية، متحققة عَبْر ازدواجية
مفهوم الحرية؛ فهي حرية ترنسندنتالية، بالنظر إلى كونها قدرة على التدشين التلقائي لفعل جديد خارج سلسلة السببية الطبيعية، وهي حرية عملية تتجسّد في استقلال الإرادة عن الميول الحسية. وهذا
التلازم بين الحرية والعقل يجعل منهما بمنزلة وجهَين لعملة واحدة؛ فلا يُمكن تصُّوُر ذاتٍ عملية من دون عقل يُشرع، ولا عقل من دون حرية تُمثل محموله الأساسي وشرط إمكانه؛ لذلك حدد "كانط" العقل بوصفه سببية حرة.
ثانيًا: الحرية بوصفها تماهيًا مع التشريع الذاتي
كل شيء في نظام الطبيعة يسلك وفق قوانين يمكن أن تُصاغ داخل معارف قبلية تركيبية، استنادًا إلى معطيات الحساسية ومفاهيم الفهم. وفي هذه الطبيعة كائن عاقل يمتلك القدرة على الفعل، تبعًا لتمثله القوانين التي يُشرعها بمقتضى عقله الخالص. وهنا يكفّ عن أن يقتصر على كونه ظاهرة مثل باقي الظواهر الأخرى ليصبح إرادةً فاعلةً وفق مبادئ خالصة. وعلى أساس ذلك، يتطلب التفكير في الموضوعية العملية تغيير وجهة النظر الخاصة بالظاهرة، وتبنّي وجهة نظر أخرى تَعتبر مبادئ الفعل وقائع خالصة للعقل؛ أي قوة مُشرعة لمبادئ المعقولية التي تُضفي شرعية على ما يُعتبر أخلاقًّيًا في حياة البشر، مثل القانون الأخلاقي والواجب والإرادة الطيبة والحرية. وعلى الرغم من أن العقل يقع في مغالطات عندما يتجاوز حدود التجربة، فإن ذلك لا يمنع من مقاربة أفكاره الخالصة – التي تناولها الجدل الترنسندنتالي بالنقد – من منظور عملي؛ إذ تستعيد هذه الأفكار مكانتها داخل معقولية جديدة لا تتعلق بنسق الطبيعة، بل بفلسفة عملية بشأن الإرادة، بحيث تُفهم الحرية بوصفها قدرة للعقل على تشريع قوانين أفعاله ذاتًّيًا. وبناءً على ذلك، يبدو المجال العملي حيّزًا لانبثاق
علاقة جوهرية بين الفكرة الخالصة للعقل (الحرية)، والإرادة التي تُشرع لذاتها قوانين فعلها باعتبارها استقلالًا ذاتًّيًا: "بهذا الشكل، ستصبح الحرية بمنزلة مفتاح لتُمثل المجال العملي؛ أي قاعدة لقيام ميتافيزيقا تتّخذ الإرادة والاستقلال الذاتي موضوعًا لها، في مقابل الضرورة التي هي قاعدة لكل ميتافيزيقا
(19) Kant, p. 475.
(2((محمد مزيان، مسألة الذات في الفلسفة الحديثة، تقديم محمد سبيلا (بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2015)، ص.547
للطبيعة". فهل هناك استعمال خالص للعقل يُحدّد بموجبه الإرادة بوساطة مبادئ قبلية، وباستقلال تاٍّمٍ عن كل شرط إمبريقي؟ أو هل يوجد بالنسبة إلى الإرادة مبدأ آخر لتحديد مختلف عن المبادئ الإمبريقية؟ يُعرّف كانط الإرادة بأنها "نوع من السببية تتصف به الكائنات الحية، المزوّدة بالعقل. أما الحرية، فهي
خاصية لهذه السببية، تجعلها قادرة على الفعل على نحو مستقل عن كل الأسباب الخارجية التي قد تحدّدها". والاستقلال الذاتي مؤشر دالّ على الانتماء إلى دائرة الكائنات العاقلة، وهي دائرةٌ غير محدودة بالزمان والمكان، أو الشروط الإمبريقية، دائرةٌ كونية تُصبح فيها الإرادة مُشرعة بذاتها لأفعالها، وقد أصبحت عقلًا خالصًا عملًّيًا. أما الشرط الأساسي المتعلق بكينونة هذه الإرادة المشرعة، فهو عدم
تناقضها مع ذاتها؛ أي عدم خضوعها لأي مبدأ خارجي غير مبادئها الذاتية التي تصدر عنها. وبما أن الضرورة الطبيعية هي الخاصية التي تتميز بها السببية لدى كل الكائنات غير العاقلة، والتي تجعل أفعالها تتحدد بتأثير الأسباب الخارجة عنها، فإننا "نتصوّر الإرادة بوصفها قدرة تُحدد ذاتها
بذاتها وهي تسلك وَفْقَ تمثّلها قوانين معيّنة. ولا توجد هذه القدرة إّلا لدى الكائنات العاقلة".
وهذا يعني أن الأمر القطعي الذي علينا أن ننصاع له، إنما هو من تشريعنا نحن، بوصفنا كائنات عاقلة. لذا، يصير الاستقلال الذاتي مُحددًا بمدى تطابق القواعد الذاتية للإرادة مع قوانين العقل الخالص؛ أي تحوّل القاعدة الذاتية للفعل إلى قاعدة كونية. يقول كانط: "إن القانون الأخلاقي يفرض نفسه
علينا بصورة لا يمكن مقاومتها بفضل نزعتنا الأخلاقية. وفي حالة عدم وجود باعث آخر يعمل في المقابل، فإننا سنتبنى القانون في إطار قاعدتنا السلوكية العليا، بوصفها الأساس المحدد والكافي لإرادتنا [القدرة على الاختيار الحر"]. إنّ الإنسان ذو طبيعة مزدوجة مادية وعاقلة، وإرادته تتأثّر بهذا التحديد المزدوج. لذلك، يصعب تصوّر
وجود إرادة بشرية خالصة وخيّرة مطلقًا. لو كان عاقلًا فحسب، لكانت أفعاله كلها تحدث طبقًا لقواعد
(2((عبد الحق منصف، الأخلاق والسياسة: كانط في مواجهة الحداثة بين الشرعية الأخلاقية والشرعية السياسية (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص.94
(22) Emmanuel Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs , Victor Delbos (trad.) (Paris: Le Livre de Poche, 1993), p. 127.
((2(هذه هي صيغة مبدأ التشريع الذاتي للإرادة: "افعل كما لو كان على مسلّمة فعلك أن ترتفع عن طريق إرادتك إلى قانون طبيعي
عام." ((2("إن الإرادة تُفهم بوصفها ملَكة لتوجيه (أو تحديد) الذات نحو الفعل وَفْقًا لتمثّل قوانين معينة. ومثل هذه الملَكة لا يمكن أن
توجد إلا في كائنات عاقلة". ينظر: Ibid., p. 103. ((2(إن حرية الإرادة ذات طبيعة متفردة كلًّيًا لكونها باعثًا يُمكنه تحديد الإرادة في فعل ما، على أن يدمجها الفرد في قاعدة سلوكه
العامة (يصيّرها قاعدة عامة يتصرف وفقًا لها). هكذا فحسب، يُمكن أن يتعايش أيّ باعث، كيفما كان نوعه، مع التلقائية المطلقة
للإرادة (أي للحرية). لكن القانون الأخلاقي نفسه، في إطار حكم العقل، يُمثّل باعثًا، وأي شخص يَجعل منه قاعدة سلوكه العامة
يكون خيرًا أخلاقًّيًا. ينظر: جون رولز، محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق، باربرا هرمان (محرر)، ترجمة ربيع وهبه، مراجعة حازم
طالب مشتاق (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 422، شوهد في:2026/5/31، في
https://acr.ps/hBy2sax
((2(المرجع نفسه، ص.423
العقل، ولكان العقل نفسه يُحدد الإرادة تحديدًا تاًّمًا. ولو كان كائنًا راغبًا فحسب، لكانت سلوكاته
كلها تحدث وفقًا لقوانين الطبيعة. وهذا الطابع المزدوج هو ما يُفضي إلى كون العقل "ليس المبدأ
المحدد للإرادة"، وهو ما يجعل القاعدة العقلية "قاعدة آمرة Règle Impérative؛ أي إنها تتخذ صيغة واجب يُعبّر عن الإكراه الموضوعي الذي يفرض الفعل". تحمل كلمة الموضوعية معنيين: الأول هو الهدف أو الغاية، والثاني هو ما لا يخص الذات فحسب، بل ما يصلح للآخرين جميعًا. ويظهر هذا المعنى المزدوج للموضوعية بوضوح في مفهوم العقل
الموضوعي الذي يعود أصله إلى كانط. وعلى هذا النحو، يبرز الخير المشترك باعتباره "هدفًا" بصيغتين: فهو غاية نسعى لها، وهو أيضًا ما يكون صالحًا للجميع. وتظهر الموضوعية الأخلاقية في تصنيف كانط للأوامر بحسب ثلاثة مستويات: أوامر المهارة، وأوامر الحذر، والأوامر الأخلاقية. ويُؤسّس مذهب الموضوعية الأخلاقية عند كانط على أنطولوجيا عملية؛
إذ يرتقي بنا الانتقال بين مستويات هذه الأوامر إلى درجاتٍ أعلى في سُلم الكونية. ويُمكن رَصْد بناء
هذا المبدأ انطلاقًا من هذا التصنيف الثلاثي الذي يتدرجُ بالارتقاء العقلي من الذاتية إلى الموضوعية
المطلقة. وتُمثل أوامر المهارة Les impératifs de l’habileté الدرجة الأدنى في سلم الموضوعية؛ إذ تقتصر وظيفة العقل هنا على دور أداتي بَحْت. فهي لا تُشرعن الغايات، ولا تفحص قيمتها
الأخلاقية، بل تنحصر مهمتها في تحديد الوسائل التقنية الكفيلة بتحقيق هدف ما. إنها أوامر شرطية Hypothétique؛ ف "إذا أردت الغاية (أ)، فعليك بالوسيلة (ب)"، من دون الاهتمام بأي شكل من الأشكال بشأن ما إذا كان ينبغي السعي لهذه الغاية أم لا، وما إذا كانت تتجاوز نطاق مصالحي الخاصة أم لا. تتوافق المهارة، بالنسبة إلى كانط، مع أخلاق أبيقور، أو مع النفعية، بمعناها الضيق، بوصفها مذهبًا أنانًّيًا للمتعة. حين ننتقل إلى أوامر الحذر La prudence، نلاحظ ارتقاءً ملموسًا نحو الموضوعية؛ فالحذر لا ينشد
غايات ذاتية وخاصة، بل يسعى لغاية يشترك فيها بني البشر قاطبة؛ هي السعادة. وهكذا، ترتقي بنا الفطنة إلى مستوى العام، لكنها لا تصل إلى الكونية الصارمة التي تُميز الغايات الأخلاقية. والدليل على ذلك، أنّ الأخلاق قد تتطلّب أن نكون غير فطنين، مثل التضحية بالصحة، أو حتى الحياة، من أجل مبدأ أخلاقي. وتتحقق الموضوعية المطلقة حصرًا في مستوى الأوامر الأخلاقية La moralité. وهنا، تفرض غايات
الأخلاقية نفسها علينا على نحو مطلق وموضوعي تمامًا، وهي غير مرتبطة بأي رغبة فردية. وتتجلى
هذه الأوامر في شكل قانون كوني صالح للجميع، في كل مكان وزمان. وعلى سبيل المثال، يجب أّلا نستخدم الآخرين وسائلَ، أو نُحوّلهم إلى أشياء، بل يجب أن نتعامل معهم دائمًا بصفتهم غاية في حدّ
(27) Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique , Luc Ferry & Heinz Wismann (trad.) (Paris: Gallimard, 1985), p. 38.
ذاتها. وهذا القانون، بصفته قانون العقل، هو قانوننا الخاص؛ ما يمنحنا استقلالية ذاتية على الرغم من طابعه الإلزامي المطلق (وهذا يختلف عن الرؤية الدينية للأخلاق، مثل). يتضح، إذًا، أن الغاية ليست ضرورية في ذاتها، في أوامر المهارة والحذر، ولذلك تتخذ شكل وصايا ونصائح موجهة للإرادة. وهي بوصفها أوامر، تبقى مشروطة ذاتًّيًا، "لأنني لا أقول: ينبغي لك أن
تكون سعيدًا (فهذا ما يجعل الأمر شرطًا ضرورًّيًا موضوعًّيًا)، بل أقول: بما أنك تريد تحصيل السعادة،
فيجب أن تفعل كذا وكذا". بناءً على ذلك، لا يُمكن اعتبارها قوانين عملية خالصة، لأن الفعل الذي نؤديه يبقى وسيلةً للحصول
على غايات خارجه فحسب. أما في الأوامر الأخلاقية، فإن الغاية خيّرة في ذاتها، ويُلزمنا الواجب
بالعمل على تحقيقها؛ ولذلك تتبنى المتطلّبات هنا صيغة القطعية Catégoricité، وميزتها أنها لا تضع هدفًا يُمكننا أن ننشده، بل إنها تهتم بالصورة التي ينتج منها الفعل، لا بمادته (نتائجه). ومن ثمّ، فإنّ "الكائن العاقل لا يستطيع التفكير في المبادئ الذاتية بوصفها قوانين عملية إلا إذا أمكن تصورها أنها تنطوي على أساس يُحدد الإرادة وفقًا للصورة فحسب". واضح، إذًا، أن كانط يُفرّق بين نوعين من الأوامر: أوامر شرطية مقيدة، وأوامر قطعية مُطلقة. يخضع
النوع الأول للقاعدة التي تقول إنّ من أراد الغاية فقد أراد الوسيلة أيضًا، كأنْ أقول لك مثلًا: إذا أردت أن تحيا سعيدًا، فكُن صالحًا، أو إذا أردت أن تكسب ثقة الناس، فَقُل الصدق دائمًا. أما النوع الثاني من الأوامر، فهو غير مقيد بشرط، لأنّ ما يُلزمنا به أمر ضروري في ذاته، بصرف النظر عن غاياته، كأنْ
أقول لك مثلًا: كُن خيّرًا أو قُلِالحق دائمًا. وهنا لا يكون فعل الخير، أو قول الحق، وسيلة للحصول
على أمر ما، كائنًا ما كان، لأننا هنا أمام أحكام تركيبية قبلية تربط الإرادة بالواجب متصورًا باعتباره خيرًا في ذاته. ولهذا، يُقرر كانط أن الأمر القطعي وحده هو الذي يتمتع بصفة القانون العملي، في حين
أن سائر الأوامر الأخرى ليست سوى مبادئ، وليست قوانين للإرادة.
(28) Luc Ferry, Kant: Une lecture des trois Critiques (Paris: Éditions Bernard Grasset, 2006), pp. 101–102. (29) Emmanuel Kant, Leçons d’éthique , Luc Langlois (trad.) (Paris: Le Livre de Poche, 1997), p. 75. (30) Kant, Critique de la raison pratique , p. 48.
((3(مثلما تُحدد مقولات الفهم شروطًا قبلية لإمكان الخبرة بالأشياء، فإن الأمر المطلق وما يؤدي إليه من أوامر مطلقة خاصة،
يفرض على الخبرة المتاحة للعقل العملي الإمبريقي قيودًا قبلية (حيث يجب أن تكون قواعدنا السلوكية مجازة بإجراء الأمر
المطلق). وهذه القيود قيود قبلية تركيبية، لأنها: 1.تُفرض بلا شرط على الأشخاص العاقلين العقلانيين. 2.تُفرض على أولئك
الأشخاص من دون أن تكون ناشئة من مفهوم لشخص ما بوصفه عاقلًا وعقلانيًا. "وهكذا، فإن هذه القضية تركيبية كما تشير
النقطة 1[]، وليست تحليليةكما توضح النقطة 2[]". وهذا في حقيقة الأمر هو ما يؤكده كانط في الهامش رقم 28 من الفصل الثاني
من كتابه تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق: "من دون افتراض أي شرط نابع من ميلٍما، فإنني أربط الفعل بالإرادة على نحوٍ قبلي؛ ومن
ثم على نحوٍ ضروري [...] وهنا نكون بصدد قضية عملية؛ أي إن نزوع الإرادة نحو الفعل لا يُستخلص تحليلًّيًا من إرادة أخرى
مفترضة سلفًا [...] بل على العكس من ذلك، فإن الفعل يرتبط مباشرةً بمفهوم إرادة الكائن العاقل، بوصفه شيئًا غير متضمنٍفي
ذلك المفهوم". ينظر:
John Rawls, Lectures on the History of Moral Philosophy , Barbara Herman (ed.) (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000), p. 223.
ويُعبّر مبدأ الأخلاقية عن "علاقة الأفعال باستقلال الإرادة الذاتي؛ أي بالتشريع الكوني الذي هو مُمكن عن طريق المبادئ الذاتية لهذه الإرادة"، وهو يكشف عن نفسه في أحكامنا الخلقية المألوفة، لأن العقل يفرضه علينا فرضًا. هذه هي قاعدة الإلزام التي تتمثل في الوعي بالقانون الأخلاقي، إنها قائمة في وعينا، و"يشهد عليها الحكم الذي يصدره الناس على موافقة أفعالهم للقانون، وهي التي يُسمّيها كانط 'واقعة العقل"' Fait de la raison. وهذه الواقعة "تحدث داخل العقل وحده؛ إذ لا يُمكن أن نستنتجها حتى لو كان ذلك بأقيسة فاسدة من معطيات سابقة على العقل، من الوعي بالحرية مثلًا (لأن هذا ليس معطى لنا من قبل)، إنها على عكس ذلك، تفرض نفسها علينا باعتبارها قضية تركيبية قبلية لا تقوم على أي حَدْس، خالصًا كان أم إمبريقًّيًا، مع العلم أنها قد تكون تحليلية لو جرى افتراض حرية الإرادة. لكن ينبغي لنا، تجنبًا لكل لبس، عندما نعتبر هذا القانون مُعطى، أن
(32) Kant, Fondements de la Métaphysiques des mœurs , p. 120.
((3("تتبدى في الفلسفة الأخلاقية حجة تسعى لتأسيس القانون الأخلاقي على غرار استنباط المقولات في نقد العقل الخالص؛ حيث يُطرح هذا القانون بوصفه افتراضًا قبلًّيًا A priori يسكن وعينا الأخلاقي، تمامًا كما تُمثل المقولات شرطًا قبلًّيًا بالنسبة إلى
إدراكنا الحسي للموضوعات في إطاري الزمان والمكان. ووفقًا لهذا المنظور، لا يمكن أن يمنح أيّ نسق أخلاقي بديل مسوغًا
لمفاهيم الواجب والالتزام، أو يفسر ماهية المشاعر الأخلاقية، كالسخط والندم، ما لم يرتكز على تلك الخلفية الضرورية التي يوفرها القانون الأخلاقي. ومع ذلك، يرى رولز أن تهافت هذه الحجة يكمن في استعارتها التمييز الكانطي بين المفهوم والحدس؛ وهو تمييز لا محل له في بنية الوعي الأخلاقي. ففي حين ينشغل العقل النظري بمعرفة الأشياء عبر مادتها الحسية، يتّجه العقل العملي
إلى صَوغ الأسس العقلية الكفيلة بإنشاء موضوعاته، ليبقى الرهان الأسمى متمثلًا في بلوغ مملكة الغايات باعتبارها الغاية القصوى
لإرادةٍ يوجهها القانون الأخلاقي على نحو مباشر." ينظر: Rawls, pp. 235–236.
(34) Kant, Critique de la raison pratique , p. 55.
(3((تناول كانط مفهوم واقعة العقل في فصول وفقرات وقضايا بعينها، في كتابه نقد العقل العملي، حينما كان بصدد تناول المسائل الآتية: أوّلًا، مسألة القانون الأساسي للعقل العملي الخالص؛ ثانيًا، مسألة استنباط مبادئ العقل العملي الخالص؛
ثالثًا، مسألة سلطة العقل الخالص في استعمالاته العملية؛ رابعًا، مسألة فحص تحليلية العقل العملي الخالص، الذي يرتبط،
أشد الارتباط، بالسؤال: كيف يكون العقل الخالص عملًّيًا؟ ينبغي لنا الإشارة هنا تحديدًا إلى أن موقف كانط بصدد واقعة
العقل موقف متذبذب وغير متماسك، فهذه الواقعة لا تتضمن تحديدًا واحدًا، بل إنها تشمل ستة تحديدات: أولًا: وعينا بالقانون الأخلاقي؛ ثانيًا: القانون الأخلاقي نفسه؛ ثالثًا: الوعي بحرية الإرادة؛ رابعًا: التشريع الذاتي في مبدأ الأخلاق؛
خامسًا: تحديدٌ حتمي للإرادة عبر القانون الأخلاقي نفسه؛ سادسًا: حالة من حالات الأفعال تفترض سببية عقلية غير مشروطة.
ويُعَد التحديد الخامس، في نظر رولز، غير مهم. أما التحديد السادس الذي تبدو صيغته مختلفة كلًّيًا، فهو يُشبه فعلًّيًا
التحديد الأول عندما نقرأ المقطع كاملًا. ومن ثَم، يتبين أن واقعة العقل لا تنطبق إلا على الصَوغ الأول، وتتمثل في وعينا
بوصفنا كائنات عاقلة بالقانون الأخلاقي بالنظر إلى أنه السلطة المنظمة الأسمى في ما يخصنا، وفي أننا نُقر ضمنًّيًا بسلطته
تلك في تفكيرنا، وفي أحكامنا الأخلاقية العادية. ومن الممكن تقديم تفسير متماسك عن واقعة العقل منطلقين من الصوغ الأول. ولتحقيق ذلك، ينبغي لنا أن نأخذ في الحسبان المسائل التالية: أولًا، إن القانون الأخلاقي بوصفه فكرة عقلية هو مجرد فكرة؛ وبما هو كذلك، فإنه يفتقد، مثل فكرتَي خلود النفس ووجود الله، إلى الواقعية الموضوعية. ثانيًا، لا يُمكن
أن تكون واقعة العقل هي الوعي (المباشر) بالحرية، لأنه لا وجود لحَدْس عقلي عنها. ثالثًا، لا يمكن أن تتمثل واقعة العقل
في التشريع الذاتي في مبدأ الأخلاق، سواء قصدنا بالتشريع الذاتي مبدأ الأخلاق نفسه (القانون الأخلاقي) أو الحرية ذاتها. نستخلص ممّا سبق أن وظيفة العقل، هي وعينا بالقانون الأخلاقي بوصفه السلطة المنظمة العليا. وهذه هي الحقيقة الأساسية
التي لا بد من أن تبدأ منها معرفتنا الأخلاقية، وتصورنا عن ذواتنا بوصفنا أحرارًا ومن ثَم، قَدمت واقعة العقل حًّلا لمشكلة
لطالما أزعجت كانط، وهي هل معرفتنا بالقانون الأخلاقي متأصلة في وعينا الأخلاقي أو في وعينا بحريتنا بوصفنا كائنات عاقلة. للمزيد من التفاصيل، ينظر: رولز، ص.380–378
نلاحظ أنه ليس واقعة تجريبية، بل هو واقعة العقل الخالص فحسب، ومن خلالها يعلن عن نفسه مشرعًا على نحو أصيل". كيف يمكننا التسليم بهذه الواقعة بوصفها شرطًا لازمًا للموضوعية العملية من دون إمكانية معرفتها على
النحو ذاته الذي نعرف به ظواهر الطبيعة؟ كيف يمكن اعتبار الحرية مبدأ محددًا للمجال العملي من دون أن يكون قابلًا للمعرفة التركيبية القبلية؟ تلك هي المفارقة الحقيقية التي اصطدم بها كانط وهو يحاول تأسيس مبادئ ميتافيزيقا الأخلاق، وهي مفارقة اضطر إلى قبولها في البداية من دون أن يسعى لحلّها منطقًّيًا. يقول في هذا السياق: "يوجد شيء داخل العقل البشري لا يُمكن معرفته بأية تجربة، لكنه مع ذلك
يكشف عن واقعه وحقيقته عَبْرَ آثار يُمكن عرضها داخل التجربة، ويُمكن بالتالي تنظيمها بشكل مطلق
(وفق مبدأ قبليّ). ذاك هو مفهوم الحرية وقانون الأمر القطعي الذي يصدر عنه". يكشف العقل الخالص، إذًا، عن قدرته على تحديد الإرادة تحديدًا خالصًا (أي باستقلال عن كل عنصر إمبريقي) من خلال واقعة الاستقلال الذاتي L’autonomie، وهذه الواقعة مرتبطة بالحرية ارتباطًا لا ينفك، بل يُمكن القول إنهما متماهيتان. "وفعلًا، يطابق كل من الحرية والتشريع الخاص بالإرادة مفهوم الاستقلال الذاتي. فهي كلّها مفاهيم يحيل بعضها على بعضها الآخر". وهكذا، فإن واقعة العقل التي تبقى لغزًا ممتنعًا على أي تفسير نظري، تخبرنا بعالم معقول (عالم فهم خالص)، وتُحدّده تحديدًا إيجابًّيًا. وعالم كهذا، تسود فيه القوانين العملية الخالصة، لا يُمكن أن يكون
أساسه إلا الحرية. بهذا يُحدد القانون الأخلاقي ما كانت الفلسفة التأملية مُلزمة بتركه من دون تحديد. ونعني بذلك "قانون السببية بحرية، وتبعًا لذلك، فهو قانون لإمكان طبيعة متعالية على الحس". على أنّ الواقع الموضوعي الذي يؤمنه القانون الأخلاقي لمفهوم الحرية الترنسندنتالية، إنما هو واقع موضوعي من منظور عملي؛ أي إن معرفتنا به حصلت انطلاقًا من القانون الأخلاقي.
(36) Kant, Critique de la raison pratique , pp. 54–55.
(3((يقول كانط في نقد العقل العملي: "أما عن كيف تكون الحرية مُمكنة، وكيف يفترض أن نتصوّر نوعًا من السببية تصوّرًا نظرًّيًا
وإيجابًّيًا، فذلك ما لم يُكتشف". ما يقصده كانط هنا أنه عند اعتقادنا في حريتنا الترنسندنتالية (أي تمتع عقلنا بتلقائية مطلقة وبداية
القرارات الحرة في سلسلة جديدة من الأحداث)، وعند اعتقادنا بوجود الله وخلود النفس، لا يُفترض أن نأخذ هذه القناعات
باعتبارها معرفة ذات مغزى؛ لا يفترض أن نعتبرها على الإطلاق امتدادًا لفهمنا النظري للعالم، لكن لا توجد حُجج يُمكن أن تسلبنا
الاقتناع بأن الحرية ووجود الله وخلود النفس مفاهيم حقيقية. ينظر: رولز، ص.441–440 ((3(منصف، ص.98
(39) Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs , p. 133. (40) Kant, Critique de la raison pratique , p. 75.
((4(من الأهمية الإقرار بأن القانون الأخلاقي والأمر القطعي مختلفان أتم الاختلاف. فالقانون الأخلاقي فكرة للعقل. وهو يُحدد
مبدأ يسري على جميع الكائنات العاقلة، سواء أكانت كائنات متناهية وذات حاجات مثلنا، أم كانت غير ذلك. وهو ما ينطبق على الله والملائكة والكائنات العاقلة في أماكن أخرى من الكون (إذا فرضنا وجودنا)، وينطبق علينا نحن كذلك (النوع الإنساني). أما الأمر القطعي، فهو أمر لا يوجّه إّلا إلى الكائنات العاقلة التي بحكم كونها متناهية وذات حاجات، تُدرك القانون بوصفه إلزامًا.
ونحن بوصفنا ننتمي إلى هذه الكائنات نُدرك القانون الأخلاقي على هذا النحو، ومن هنا يُحدد الأمر القطعي الكيفية التي يجري من
خلالها هذا القانون علينا. ينظر: رولز، ص.261
لن يفوت المتابع اليقِظ، في ما نرى، أن يكون انتبه إلى أن الحرية لا ترتبط بما توجد عليه الأشياء في الطبيعة، بل بما ينبغي أن توجد عليه وفق ما يقتضيه تشريع العقل الخالص. لذلك، يجب أّلا نختزل مفهوم الحرية في أي تحديد إمبريقي، كما هو الحال بالنسبة إلى ما يُسمى "حرية الاختيار" Le libre arbitre؛ فهذه الحرية خاضعة لشروط إمبريقية (الاختيار بين هذا الموقف أو ذاك بالخضوع لشروط سيكولوجية أو اجتماعية معينة، نظرًا إلى أغراض ومصالح تفرض ذاتها في كل موقف)، في حين
"ينص القانون الأخلاقي، على نحو قطعيّ، على ما ينبغي أن يحدث، سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا،
ولا علاقة له بإشباع ميولنا". نحن، إذًا، إزاء منعطف جديد صارت معه حرية الاختيار حريةً مشروطة إمبريقًّيًا؛ ومن ثمّ خاضعة
لمقتضيات الظاهرة، في حين غدت الحرية بوصفها تشريعًا ذاتًّيًا حرية عملية ترنسندنتالية. إنها عملية
لأنها كافية لتحديد الإرادة وإحداث أفعال خُلقية في العالم، وهي ترنسندنتالية لأنها سببية معقولة غير مشروطة إمبريقًّيًا. وهكذا، لا نبرهن عليها نظرًّيًا، لكن وعينا بالقانون الأخلاقي (واقعة العقل) يَجعلنا
مضطرين إلى افتراض وجودها بوصفها شرطًا لازمًا لإمكان هذا القانون. لا يعدو مفهوم الحرية الترنسندنتالية أن يكون مسلّمة من مسلّمات العقل الخالص؛ فهو مبدأ ذاتي نُسلّم
به. ومع ذلك، فهو يتمتع بصلاحية موضوعية بالنسبة إلى عقل خالص من حيث هو عقلٌ عملٌّيٌ.
والعقل الخالص لا يسلّم بهذا المبدأ إّلا لحاجته إليه. وعلى هذا النحو، شكّلت فكرة الحرية الفكرة الوحيدة ضمن أفكار العقل التأملي، التي نعرف قبلًّيًا إمكانيتها، ومع ذلك من دون أن نفهمها؛ لأنها
هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه. وهكذا "لا يبقى أمامنا مجال للفصل بين الحرية والقانون، بحيث يُمكن أن نخلص إلى أن الإرادة الحرة هي الإرادة الخلقية، فنكون تبعًا لذلك أحرارًا بالقدر الذي نكون به متخلّقين".
ثالثًا: الحرية بوصفها مسلّمة من مسلّمات العقل العملي
يُشير كانط في مقدمة كتابه نقد العقل العمليإلى أن الحرية هي سبب وجود Ratio Essendi القانون الأخلاقي فينا، في حين أنّ القانون الأخلاقي هو سبب المعرفة Ratio Cognosendi بالحرية؛ وذلك لأننا لو لم نكن قد فكّرنا سابقًا بالقانون الأخلاقي بوضوح وجلاء في عقلنا، لما اعتبرنا أنفسنا البتّة
(42) Kant, Leçons d’éthique , pp. 120–121.
(4((يُمثل العقل المحض في رأي كانط ملَكة توجيه، في مقابل ملَكَِة الفهم والعقل العملي الإمبريقي. وبينما يتشابه عمل العقل
في كلا المجالين الإمبريقي والمحض، فإنه يؤدي عمله التوجيهي على نحو مختلف في النطاق النظري والعملي. في كل مجال يقدّم العقل توجيهًا معياريًا: فهو يضع الغايات وينظمها في كل جامع، حيث يُمكنه توجيه استخدام ملكة الفهم في المجال النظري
وقوة الاختيار في النطاق العملي. في المجال الأول، يكون العقل المحض تنظيمًّيًا أكثر منه تكوينًّيًا؛ ودوره في تنظيم ملكة الفهم
وتوحيد المعرفة الإمبريقية إنما يثبت صحة أفكاره ومبادئه. أما في المجال الثاني (العملي)، فلا يكون العقل المحض مكونًا،
ولا منظمًا، بل يكون موجهًا؛ أي إنه يُوجّه الإرادة مباشرة، اعتمادًا على فكرة القانون الأخلاقي التي بموجبها يبني العقل غايته القبلية
من أجل هذه الملَكة؛ أي المثال الأعلى لمملكة الغايات. ينظر: رولز، ص.384–383 ((4(إدريسي، ص.35
مُحقين بإقرار شيء مثل الحرية (ولو أن هذا الأمر لن يكون متناقضًا). أما إذا لم تكن توجد حرية، فلن
يكون مُمكنًا على وجه الإطلاق أن نقتفي أثر القانون الأخلاقي في ذواتنا. وبناءً على ذلك، فإن الحرية
شرط وجود القانون الأخلاقي وسببه، وهذا القانون هو الطريق نحو الحرية وشرط معرفتها. عندما يقول كانط: "إّلا أنه بدَلَ الحدْس، يمنح النقد أساسًا للقوانين العملية، وهو مفهوم لوجودها
ضمن العالم العقليّ أي مفهوم الحرية"، فإنه يكشف بذلك عن الطبيعة المتناهية للحرية، والأمر
شبيهٌ بالتناهي الذي يُمليه الحدْس الحسّي على تلقائية التفكير. لذلك، طابق بين الحرية والقانون
الأخلاقي الذي يجد أساسه في المبادئ الأخلاقية للعقل العملي الخالص [...]. ولعل ذلك هو معنى قوله: "هكذا فإن الحرية والقانون العملي اللامشروط يُحيل أحدهما إلى الآخر"، ثُم يضيف مدققًا
أكثر: "إن القانون الأخلاقي هو الذي يُعطى لنا أولًا، وبذلك يقودنا مباشرة إلى مفهوم الحرية".
وبهذا المعنى، يجعل كانط القانون الأخلاقي شرطًا ضرورًّيًا للحرية. إذا أردنا أن نُبين العلاقة بين القانون والحرية، فإنها أنطولوجيًا سابقة عليه، ومن دونها لا نفهمه،
وإبستيمولوجيًا تأتي بعد القانون؛ أي إن الاختيار يُمكّنني من الفعل، إذًا فأنا حٌّرٌ. ولا يُمكن أن يتصرف
أيّ شخص من دون حرية تُوجَد واقعًا وفعلًا، ويكشف عنها القانون الأخلاقي. ف "هي (الحرية)
الوحيدة من بين أفكار العقل التأملي كلها التي نعرف قبلًّيًا إمكانيتها، لكن ذلك يكون من دون أن
نفهمها؛ لأنها هي شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه". يستحيل أن نتصور ذواتًا تسلك سلوكًا أخلاقًّيًا ما لم نتصورها في الآن ذاته ذواتًا مستقلة في تمثلها
المبادئ الأخلاقية ومسلكياتها المترتبة عليها، في حين أن "فكرتَي الله والخلود ليستا بشرطين للقانون الأخلاقي، بل إنهما شرطان للموضوع الضروري لإرادة يُحددها هذا القانون فحسب؛ أي للاستعمال
العملي لعقلنا الخالص [...] إنهما ليسَا إّلا شرطين لانطباق الإرادة المحددة خلقًّيًا على الموضوع
المعطى لها قبلًّيًا (الخير الأسمى"). إنّ مفهوم الحرية ضروري للعقل الخالص العملي؛ لأن التفكير في المجال العملي يفترض وجود ذوات حرة مستقلة الإرادة عن الدوافع والقوانين الطبيعية. ولا يُمكن أن نتصور هذه الذوات خاضعة
موهفم قفو اهتاذ يف ةلقتسم ةدارإب اقبسم ةدوّزم اهنأب لاقًااع ملّسن وأ، اهربتعن اننأ لاإّاا، ةيلمع نيناوقل
الحرية. ولن يكون حينئذٍ مفهوم الحرية سوى مسلّمة للعقل الخالص وهو يفكر في المجال العملي.
(45) Kant, Critique de la raison pratique , p. 20.
((4(علينا أن نلاحظ جيدًا ما يشير إليه كانط من أن كل كائن لا يُمكنه التصرف سوى في ظل فكرة الحرية وبوساطتها وحدها – من
وجهة نظر عملية – هو بالفعل كائن حر، فهو يُقدّم بيانًا مشابهًا في نقد العقل العملي: "إن القانون الأخلاقي، الذي لا يتطلب في حد
ذاته تبريرًا، لا يثبت إمكانية الحرية فقط، بل أيضًا انتمائه فعليًا إلى كائنات تُقر به كقانون ملزم". ينظر: رولز، ص.412 ((4(مزيان، ص.547 ((4(المرجع نفسه، ص.548
(49) Kant, Critique de la raison pratique , p. 20. (50) Ibid., pp. 20–21.
وعندما نُسلّم بإمكانيتها، فنحن ضمنًّيًا نربط بين الاستعمال العملي للعقل وعناصر العقل التأملي.
وتصبح أفكار العقل الخالصة مرتبطة بالحرية: "إنها تجسيد لاستقلالية عقولنا عن نظام الطبيعة وعن تلقائية العقل المحض. وبهذا يكون من الأساس أن نكون مسؤولين عن أفعالنا ونُحاسَب عليها". إن الأمر الأخلاقي لا يجد صداه في الذات العملية إّلا من حيث إنها ذات حرة. ولا يعني هذا أن علاقة الذات بالأمر يلزم أن تكون علاقة داخلية وأنها ليست علاقة خارجية؛ إذ يكون التشريع الأخلاقي تشريعًا ذاتًّيًا للذات تعترف من خلاله بأحقية وجود الغير – الشخص بوصفه غاية في ذاته؛ أي بوصفه كرامة
[...] أو كما قال جاك دريدا Jacques Derrida: "ثمن الإنسان يتطابق تمامًا مع ما أسماه كانط كرامة
الإنسان كغاية في ذاته وكوجود عقلاني متناهٍ وكقيمة مطلقة تتجاوز منطق التبضيع وقيم السوق". ولعل هذا ما يريده كانط بقوله: "لا يُعبّر القانون الأخلاقي إذًا عن شيء آخر إّلا عن استقلالية العقل
العملي الخالص أي الحرية". ما يعتبر غايةً في ذاته ليس هو الفرد، بل الشخص الذي لا يُمكن بأي حال أن يُختزل في الفرد.
فالشخص، بسبب انتمائه إلى العالم المحسوس، يخضع لشخصيته، باعتباره ينتمي في الوقت نفسه إلى العالم المعقول؛ أي عالم القيم الأخلاقية بما هي قيم الغيرية، أو كما يُعبّر عن ذلك كانط: "ليست
الشخصية الأخلاقية إذًا شيئًا آخر غير حرية كائن عاقل خاضع للقوانين الأخلاقية". يُشكّل العقل، بإنتاجه العفوي المبادئ الأخلاقية، بوصفها محددات للإرادة، قاعدةً لاحترام هذه
المبادئ، ذلك أنّ الأنا بوصفها عقلًا، هي شخص، بما تنطوي عليه طبيعتها من تحديد ذاتي للذات؛ إنها مصدر القواعد وموضوع هذه القواعد في الوقت نفسه. وهو ما جعل إيريك فايل Eric Weil يقول: "وهكذا، إن الإنسان في ماهيته حرية عاقلة ومسؤولة أمام ذاتها، وبهذا المعنى فهو قيمة مطلقة،
أي شيء في ذاته، ففي سياق هذا فَِه مَ مارتن هايدغر Martin Heidegger مفهوم الاحترام عند
كانط"، بوصفه أفقًا محددًا للفعل الأخلاقي، ولا يُمكن أن نفهم من هذا غير الإشارة إلى الطبيعة
المتناهية للعقل العملي، باعتباره مشرّعًا لحدود الفعل. من المفيد، في هذا السياق، التنبيه إلى أن هذا الأفق ظلّ متمنّعًا عن روّاد النزعة العقلية الذين دأبوا
في اختزال عمل كانط في نظرية المعرفة، فكان أن وضعوا النقد الثاني موضع المرتبة الثانية؛ نظرًا إلى
النقد الأول، بوصفه تركيزًا للفلسفة في نظرية للمعرفة بشأن الطبيعة. غير أن مقدّمات هذا التفاضل
جعلتهم يذهبون إلى استخلاص نتائج ترادف بين القصد والفعل الأخلاقي، والحال أن "كانط" بتكثيفه الفعل الأخلاقي في مفهوم الاحترام جعله بمعزل عن القصد الإرادي.
((5(رولز، ص.413 ((5(مزيان، ص.549 ((5(المرجع نفسه. ((5(المرجع نفسه، ص.552 ((5(المرجع نفسه، ص.553 ((5(المرجع نفسه، ص.556–555
خاتمة
تتجاوز وظيفة النقد حدود التحديد المعرفي لتقترب من أفٍقٍُتربوٍّيٍ يتمثل في خلخلة اليقينيات
الجماعية؛ فالنقد يحرّرنا من وهم الاعتقاد أن الإجماع معيار للحقيقة، مع تبيين أنه ربما لا يكون إّلا
عائقًا يحُول دون الفحص الحر. والنقد، بهذا المعنى، هو تذكير ب "تاريخية الأنساق الفكرية"، وتأكيد
لكونها نتاجًا بشرًّيًا مشروطًا بسياقاته. لذا، فإن صلاحية أيّ نمط تفكير تبقى مرتهنة بمدى استجابته
لشروط العصر، وتفقد مشروعيتها ما إن تتحوّل هذه الشروط، وهذا يتيح للعقل أفقًا من خلال ممارسة
حقه في إعادة التأسيس المستمر. عندما انفتح العالم على اللامتناهي، لم يَعُد الحديث عن مركز يحتلّه الإنسان ويشتغل على أساسه
أمرًا مُمكنًا. لهذا، سرعان ما جرت العودة إلى الذات، في ظل شروط نظرية دفعت العقل الإنساني إلى
البحث عن دلالة الوجود ومعناه، بعد أن ارتفعت الرعاية الإلهية عن الإنسان. وهذا ما أفضى به إلى فكرة المسؤولية عن أفعاله؛ إذ لم يَعُد هناك أي دور للعقول المفارقة في تحديد أدبيات الإنسان وتوجيهها. تلك
هي حالة رؤى سويدنبورغ – التي انتقدها كانط في كتابه أحلام راءٍRêves d’un visionnaire، مقارنةً بأحلام بعض الميتافيزيقيين – مثل عالم الأرواح وحركاتها وتأثيرها في العالم المادي. إن قبول مثل هذه التفاهات الميتافيزيقية سيكون ضاًّرًا بالتفلسف والعقل؛ إذ سيكون زهوًا وخيلاء
فحسب، وأحلام يقظة وأوهامًا لا غير. لقد قضت الحداثة على هذه المبررات عندما أثبتت أن المادة
لا تؤثر في المادة عن بعد، بل تؤثّر فيها من خلال الاحتكاك، فأصبح الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، لأنه حٌّرٌ، وعليه أن يُحاسَب على كل فعل يأتيه؛ فالتغير على مستوى العالم أدّى إلى التغير على مستوى
مفهوم الإنسان. تُفضي التحليلات السابقة إلى أن الإنسان كائن أخلاقي وجوده في حدّ ذاته. ولهذا الغرض، يُمكنه
إخضاع الطبيعة كلها ما دام قادرًا. وإذا كانت الأشياء في العالم عبارة عن كائنات تعتمد على غيرها في
ما يتعلق بوجودها، وتتطلّب سببًا أسمى للغرض منها، فإن الإنسان هو الغرض النهائي للخلق؛ ف "في
عالمنا هذا لا يوجد سوى نوع واحد من الكائنات يعمل بمنطق السببيّة، أي [كونه] كائنًا غائًّيًا، موجّهًا
((5(عالج كانط في هذا الكتاب مشكلات الميتافيزيقا بلهجة الاستخفاف والتنكيت على طريقة فولتير. فقارن بين رؤى الخيال الحسي والنظريات الميتافيزيقية. وتساءل: ألا يكون للعقل هلوساته، كما يكون للحواس؟ ورسم إحدى الهلوسات من هذا النوع. وافترض أن الناس حين يستهويهم أن يستمعوا إلى قصص أصحاب الرؤى، يُسلّمون بوجود الأرواح منفصلة عن الأجسام. وهذه الأرواح لمّا كان
لا يعوّقها شيء عن النفاذ إلى المادة، فهي تستطيع أن تتصل في ما بينها اتص لًا مباشرًا، وأن تتحد حقًا، وأن تكون إرادة عامة كونية. فإذا
كانت مملكة الأرواح هذه، وكانت الإرادة الكونية هذه موجودتين، أفلا تستطيعان أن تعطيانا الحل للمشكلات الأخلاقية؟ كيف نفهم في واقع الأمر أننا مكرهون؟ كي يكون الإلزام أخلاقيًا، ينبغي أن يصدر منا، لا من الخارج. لكن كيف يستطيع الإنسان أن يلزم نفسه؟
وإذا سلمنا بمملكة الأرواح، ألا نستطيع أن نتصور أن الإلزام الأخلاقي هو علاقة إرادتي الفردية بالإرادة الكونية؟ وأمام هذه الإرادة، تتمرد أنانيتنا. أفلا يكون الإلزام هو الواجب الذي على إرادتنا بأن تطيع الإرادة الكونية؟ يقول إميل بوترو: "ولكن ما كاد كانط يفرغ من صياغة هذه الافتراضات [يقصد الافتراضات الخاصة بوجود عالم الأرواح المستقل عن المادة]، حتى نراه يسخر منها ويعدّها من قبيل الأحلام
التي لا برهان عليها. فهل من المحقّق أنّه لم يكن يرى فيها إلا خيالات برّاقة؟ وألا توجد مشابهة بين 'العالم العقلي' الذي ذهب إليه
سنة 1766 وبين 'ملكوت الغايات' الذي صرحّ به سنة 1785؟". ينظر: إميل بوترو، فلسفة كانط، ترجمة عثمان أمين (القاهرة: الهيئة
المصرية العامة للكتاب، 1971)، ص 302، شوهد في 2026/5/31، في: https://acr.ps/hBy2sHJ
نحو أغراض، ومع ذلك يُؤهله تكوينه لجعل القانون الذي يستند إليه في تحديد أغراضه قانونًا حاضرًا
[...] غير مشروط ومستقلًا عن ظروف الطبيعة، وضرورًّيًا في حدّ ذاته أيضًا. هذا الكائن هو الإنسان
[...] كشيء في ذاته. إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي نعترف أن بداخله [...] وكجزء من تكوينه، قدرة تتجاوز الإحساس هي الحرية". يشير كانط في نص الجدلية الترنسندنتالية إلى أن الحرية لا يُمكن تعقلها إّلا بوصفها حرية ترنسندنتالية،
وهي الوحيدة العملية قبلًّيًا، ولا يكون أي قانون خلُقي، ولا أي تحميل للمسؤولية وفق هذا القانون،
ممكنَين. ف "الحرية من دون قانون ستُصبح مُجرد قدرة على التناقض مع الذات والتعارض مع الحرية
ذاتها. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يوجد قانون ضرورٌّيٌ قَبْلٌيٌّ، تتحدّد بوساطته الحرية بشروط هي
نفسها التي تُحدّد توافق الإرادة مع ذاتها". وهذا التصور سيطوره في نص "قانون العقل الخالص"، مشددًا على أن الحرية العملية تكفي نفسها بنفسها، إنها واقعة إمبريقية، ولا تحتاج إلى أي تأسيس ميتافيزيقي. أمّا في نقد العقل العملي،
فسيُحددها إيجابًّيًا؛ إنها شديدة التماهي مع الاستقلال الذاتي للإرادة. لذا، "كان مبدأ الاستقلال الذاتي
هو أن نختار دائمًا أن تكون قواعد السلوك الموجهة لاختيارنا أفعالنا متمثلة لدينا في الوقت ذاته
بوصفها قوانين كونية تحكُم أفعال إرادتنا تلك". لقد صارت الحرية مع العقل العملي الخالص فكرة عملية ترنسندنتالية، "وذلك بالمعنى المطلق الذي اقتضاه العقل التأملي في استخدامه مفهوم السببية كي ينقذ نفسه من النقيضة التي يقع فيها – لا محالة – عندما يود أن يتعقل اللامشروط في سلسلة الاقتران السببي، وهو المفهوم الذي لم يكن في استطاعته أن يُؤِسِّسه إلا على نحوٍ إشكالي؛ أي إن التفكير فيه ليس مُستحيل ". يقدّم كانط تصورَين للحرية: فهي من جهة، الوحيدة من بين جميع أفكار العقل التأملي التي نعرف
قبلًّيًا إمكانيتها، لكن من دون أن ندركها؛ لأنها شرط القانون الأخلاقي الذي نعرفه، وهي تتحدد من
جهة ثانية بوصفها قدرة على اختيار الانصياع لهذا القانون أو مخالفته. وضمن هذا السياق، يؤكد كارنوا ما يلي: "في الكائن العاقل المتناهي، يكون وضع القانون اللامشروط ضرورًّيًا ولا مفر منه، لكن طاعة هذا القانون تبقى عرضية. بمعنى آخر، لا يقتضي فرض القانون على
الذات بالضرورة الخضوع الحر له. وتخبرنا عرضية الفعل الأخلاقي أن لدى البشر قدرة على معارضة القانون وفرضه على أنفسهم. ولا تكشف لنا التجربة الأخلاقية عن استقلالية الإرادة فحسب، بل تجعلنا ندرك أيضًا أن لدينا حرية الامتثال للقانون أو مخالفته. وهكذا، يتعايش شكلان من الحرية في الإنسان: الاستقلال الذاتي الأخلاقي، وحرية الاختيار".
((5(رولز، ص.250
(59) Victor Delbos, La philosophie pratique de Kant (Paris: PUF, 1969), p. 150. (60) Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs , p. 108. (61) Kant, Critique de la raison pratique , pp. 19–20. (62) Carnois, p. 127.
تتطلب طبيعة العلم دائمًا أن نعزل بعناية الجزء العملي عن الجزء العقلي، وأن نتغاضى عن كل ما له صلة بالأنثروبولوجيا؛ كي نعرف مقدار "ما يستطيع العقل الخالص في كلتا الحالتين أن يحققه، ومن أِّيِ منبعٍ يستمدّ هو نفسه هذا التعليم القبلي العائد له". وهكذا، تمتاز القوانين الأخلاقية – بما في ذلك المبادئ التي تقوم عليها كل المعارف العملية – من كل ما سواها مما يشتمل على أي عنصر تجريبي؛ لا من حيث الجوهر فحسب، بل إن كل فلسفة أخلاقية تستند استنادًا تاًّمًا إلى الجزء الخالص منها، وهي تحترس عند تطبيقها على الإنسان من أن تستعير أي شيء من المعرفة به [أي من الأنثروبولوجيا]. وفي ذلك يقول كانط: "أليس من صواب الرأي أن يكون من أشد الأمور ضرورة إعداد فلسفة أخلاقية خالصة، نقية نقاءً تاًّمًا من كل ما يُمكن أن يكون تجريبًّيًا، ومن كل ما يتصل بعلم
الإنسان [الأنثروبولوجيا"]. بناءً على هذا التحليل، نُشير إلى أن تفسير كانط للإرادة الخالصة يُشبه المنطق الترنسندنتالي الذي
يدرس كل الشروط المعرفية التي تجعل معرفة تركيبية الأشياء القبلية أمرًا مُمكنًا. ولهذه المعرفة نظيرٌ
في الميكانيكا، وفي المبادئ الأولى للفيزياء التي ينبغي تفسيرها. ويعتقد كانط كذلك بوجود العقل العملي الخالص، وأنه يكفي في حدّ ذاته لتحديد الإرادة بمعزل عن ميولنا ورغباتنا الطبيعية: "هذه الحقيقة أيضًا لا بد من استجلائها. وهو ما نحتاج في تحقيقه إلى تفسير لإرادة خالصة، بدلًا من تفسير الإرادة على عمومها فحسب؛ إذ مثلما تكون المعرفة التركيبية القبلية معرفة من نوع خاص تتطلب لوضع مبادئها، فكذلك تكون الإرادة الخالصة نوعًا خاًّصًا من الإرادة تتطلب ما يخصها من بحث وتحقيق كي تكون مفهومة".
المراجع References
العربية
إدريسي، محمد منادي. "مفهوم الحرية في فلسفة كانط: من الإمكان المنطقي إلى الإثبات العملي". الفكر العربي المعاصر (بيروت). العددان 157–156 (خريف.)2011 بوترو، إميل. فلسفة كانط. ترجمة عثمان أمين. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1971. في:
https://acr.ps/hBy2sHJ
((6(الأنثروبولوجيا هي معرفة إمبريقية بالإنسان، سواء تعلقت بوضعه الراهن أو بما كان عليه في الماضي أو بما سيكون عليه في المستقبل. إن هذه المعرفة، وما يُستنبط منها في ما يتعلق بالأخلاق، لا يُمكن أن تكون دليلًا مضاًّدًا بأي حال من الأحوال ولا يُمكن
أن تلحق ضررًا بالأنثروبونوميا التي تقوم على العقل الذي يُشرع على نحو محض ولا مشروط. وإذا كانت الأنثروبولوجيا تُقدم لنا
الدليل على أن القانون الأخلاقي مستمد من معطيات الطبيعة البشرية، فإن الأنثروبونوميا هي تشريع الإنسان لذاته بذاته، لكن هذا التشريع يقوم على العقل المحض الذي يُشرع لنفسه على نحو لا مشروط (تشريع الإنسان لذاته أو الاستقلالية الذاتية للإنسان).
(64) Kant, Fondements de la métaphysique des mœurs , p. 51. (65) Ibid., pp. 51–52.
((6(رولز، ص.283
رولز، جون. محاضرات في تاريخ فلسفة الأخلاق. باربرا هرمان (محرر). ترجمة ربيع وهبه. مراجعة حازم طالب مشتاق. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019. في:
https://acr.ps/hBy2sax
مزيان، محمد. مسألة الذات في الفلسفة الحديثة. تقديم محمد سبيلا. بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2015 منصف، عبد الحق. الأخلاق والسياسة: كانط في مواجهة الحداثة بين الشرعية الأخلاقية والشرعية السياسية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2010
الأجنبية
Carnois, Bernard. La cohérence de la doctrine kantienne de la liberté. Paris: Seuil,
Delbos, Victor. La philosophie pratique de Kant. Paris: PUF, 1969. Ferry, Luc. Kant: Une lecture des trois Critiques. Paris: Éditions Bernard Grasset, 2006. Kant, Emmanuel. Critique de la raison pratique. Luc Ferry & Heinz Wismann (trad.). Paris: Gallimard, 1985. _______. Fondements de la métaphysique des moeurs. Victor Delbos (trad.). Paris: Le Livre de Poche, 1993. _______ Critique de la raison pure. A. Tremesaygues & B. Pacaud (trad.). Collection Quadrige. Paris: PUF, 1997. _______. Leçons d’éthique. Luc Langlois (trad.). Paris: Le Livre de Poche, 1997. Rawls, John. Lectures on the History of Moral Philosophy. Barbara Herman (ed.). Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000.