العودة إلى تفاصيل المؤلَّف القضية الفلسطينية في ضوء تاريخانية عبد الله العروي

القضية الفلسطينية في ضوء تاريخانية عبد الله العروي

The Palestine Question and Abdallah Laroui’s Historicism

محمد أوريا

الحاج محمد الناسك

الملخّص

تُقدِّم هذه الدراسة قراءة نقدية لرؤية عبد الله العروي للقضية الفلسطينية، انطلاقًا من منهجه التاريخاني الدينامي، الذي يحوّل النوائب التاريخية (نكبة عام 1948 وهزيمة عام 1967) إلى دروس مساءلة، ويفكك منطق الأيديولوجيا الصهيونية الاستعمارية. ينتقد العروي الخطاب السياسي التقليدي العربي الجامد، ويدعو إلى قطيعة معرفية وتبنٍّ براغماتي لأدوات تحليلية غربية (خصوصًا الماركسية) لإبداع حقوق جديدة وتحديث الوعي العربي. ويشمل التحليل تقييم تداعيات الهزائم لكونها فرصًا لثورة فكرية، مع قراءة لنصوص العروي (خصوصًا مقالة "منطق الصهيونية السياسية والسلام"، وتضع الدراسة رؤيته في حوار نقدي مع منظور إدوارد سعيد ما بعد الاستعماري، مبرزة التقاطعات في نقد الهيمنة الغربية والاختلافات المنهجية بين المفكّرَين، لتخلص إلى تكامل نقدي داخلي (العروي) وخارجي (سعيد)، يُقدّم إطارًا شاملًا لفهم الصراع الفلسطيني، باعتباره أزمةً فكريةً – سياسيةً - ثقافيةً، مع دعوة إلى ثورة مزدوجة تتجاوز الجمود والتبعيَّة.

Abstract

Abstract: This study offers a comprehensive critical reading of Abdullah Laroui’s approach to the Palestine question, based on his dynamic historicist method, which interprets historical calamities such as the Nakba and the 1967 defeat as moments of accountability and deconstructs the logic of colonial Zionist ideology. Laroui critiques rigid traditional Arab discourse and calls for an epistemological break with inherited modes of thought. Instead, he advocates for the pragmatic adoption of Western analytical tools (particularly Marxism) to create New rights and modernize Arab intellectual consciousness. Through a contemporary reading of Laroui’s texts, the analysis considers how historical defeats can become catalysts for intellectual transformation. It also places Laroui’s perspective in critical dialogue with Edward Said’s postcolonial approach, highlighting both shared concerns regarding Western hegemony and differences in methodology. The study concludes that Laroui’s internal critique and Said’s external critique offer complementary frameworks for understanding the Palestinian question as an intellectual, political, and cultural crisis, requiring a dual transformation that transcends both stagnation and dependency.

الكلمات المفتاحية:
  • عبد الله العروي
  • التاريخانية
  • القضية الفلسطينية
  • الصهيونية
  • ما بعد الاستعمار
Keywords:
  • Historicism
  • Abdullah Laroui
  • Palestine
  • Political Zionism
  • Postcolonialism

محمد أوريا| Mohamed Ourya *

من منهجه التاريخاني الدينامي، الذي يحوّل النوائب التاريخية (نكبة عام 1948 وهزيمة

عام 1967) إلى دروس مساءلة، ويفكك منطق الأيديولوجيا الصهيونية الاستعمارية. ينتقد

العروي الخطاب السياسي التقليدي العربي الجامد، ويدعو إلى قطيعة معرفية وتبٍّنّ براغماتي

لأدوات تحليلية غربية (خصوصًا الماركسية) لإبداع حقوق جديدة وتحديث الوعي العربي.

ويشمل التحليل تقييم تداعيات الهزائم لكونها فرصًا لثورة فكرية، مع قراءة لنصوصه، وتضع

الدراسة رؤيته في حوار نقدي مع منظور إدوارد سعيد ما بعد الاستعماري، مبرزة التقاطعات

في نقد الهيمنة الغربية والاختلافات المنهجية بين المفكّرَين، لتخلص إلى تكامل نقدي

داخلي (العروي) وخارجي (سعيد)، يُقدّم إطارًا شاملًا لفهم الصراع الفلسطيني، باعتباره أزمةً

فكريةً – سياسيةً – ثقافيةً، مع دعوة إلى ثورة مزدوجة تتجاوز الجمود والتبعَّيَة.

ما بعد الاستعمارية.

مقدمة

يُعدّ المفكر عبد الله العروي أحد أبرز المنظّرين للتاريخانية في الفكر العربي المعاصر، وقد

قدّم عبر مساره الفكري الذي بدأ منذ ستينيات القرن العشرين – كما في أعماله الرئيسة أزمة المثقفين العرب: التقليد أم التاريخانية؟ (1974)، والعرب والفكر التاريخي (1973) – قراءة نقدية في القضية الفلسطينية. يرى العروي أنّ هذه القضية ليست حدثًا معزولًا أو صراعًا دينيًا ثابتًا، بل هي ظاهرة

تاريخية – سياسية معقّدة، تدخل في صلب إشكالية العلاقة بين التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر؛ إذ يصفها بأنها "مشكلة الغرب" التي تكشف عن تناقضات الاستعمار والتأخر التاريخي. تُبنى إشكالية العروي المركزية على سؤال جوهري هو: كيف يمكن أن يتحوّل الوعي العربي من رؤية

تقليدية تجمّد الحقوق والمفاهيم في أطر دينية لاتاريخية إلى رؤية تاريخية دينامية قادرة على صَوغ

فعل سياسي مثمر؟ وتتبلور هذه الإشكالية في مواجهة تحديين رئيسين؛ أولهما هيمنة الأيديولوجيا الصهيونية التي تُخضع التاريخ لتفسير أحادي، كما يفككه العروي في تأّملّاته La logique du

sionisme politique et la paix، وثانيهما عجز الخطاب السياسي العربي التقليدي عن تقديم قراءة تاريخية نقدية تتجاوز الرموز الجامدة والسرديات الدائرية، بما  يعوّق "النجاعة في ميدان السياسة

والحرب"، كما يحذر في نقده للهزائم العربية. تحاول هذه الدراسة الإجابة عن هذه الإشكالية عبر منهج التاريخانية الذي يُقدّمه العروي؛ ليس بوصفه

مذهبًا فلسفيًا مجردًا، بل بوصفه أداةً تحليلية نقدية وعملية لإعادة صَوغ الوعي العربي. ومن خلال

هذا المنظور، سنحاول مقاربة تحليلات العروي للقضية الفلسطينية عبر ثلاثة مستويات متكاملة، هي: • تحويل النوائب التاريخية – وأبرزها النكبة (1948) وهزيمة عام 1967 – من أحداث كارثية جامدة، إلى دروس للمساءلة وتحرير الوعي من الوهم، عبر تفكيك بنية الخطاب السياسي التقليدي ونقده من الداخل، ويرى العروي في ذلك فرصة ل "إعادة التشكيل الفكري" بعد الهزائم. • تفكيك منطق أيديولوجيا الصهيونية السياسية الاستعمارية، وكشف آلياتها الخطابية التي تحوّل

العدالة إلى "تسويغ للواقع"، وذلك من خلال تحليل نقدي لثنائياتها غير المتكافئة، وتصوّراتها

المتناقضة عن العدالة. • تقييم تداعيات الهزائم والحركة الفلسطينية لكونها فرصةً لإعادة التشكيل الفكري والسياسي، مع تحذير من مخاطر الجمود والعودة إلى الخطابات السياسية التقليدية، والدعوة إلى استراتيجية

(1) Isadore Feinstein Stone, "Holy War," The New York Review of Books , vol. 3, 3/8/1967, accessed on 7/12/2025, at: https://bit.ly/4qHQ2md

(((محمد زاوي، "العروي وفلسطين"، إنتلجنسيا، 2025/1/31، شوهد في 2025/11/18، في: https://acr.ps/hBy2sYk

(3) Michael N. Barnett, Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 164–166.

فلسطينية مستقلة تُبنى على إبداع حقوقي جديد، واستلهام ذلك من "نهج جديد للصراع الإسرائيلي – العربي". وفي هذا السياق، تتقاطع رؤية العروي مع تحليل محمد عابد الجابري للخطاب القومي العربي وموقع القضية الفلسطينية منه؛ إذ يؤكد الجابري أن القضية الفلسطينية كانت "قضية العرب الأولى" التي حرّكت المشروع النهضوي، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى أداة

أيديولوجية في خطاب سلطوي متجمّد؛ ما يستدعي – وفقًا له – تحرير الوعي العربي من

الأوهام، والانتقال إلى تحليل نقدي للواقع كما هو، وتبنّي رؤية مستقبلية مرتكزة على مشروع

تاريخي طويل المدى، يتجاوز الحلول الذهنية الجامدة. ترتبط هذه المستويات الثلاثة برابط منهجي واحد هو التاريخانية النقدية التي يستلهمها العروي من تقليد فكري غربي، ويُعيد توظيفها لتحليل الواقع العربي، مع وعي تاٍّمٍ بحدود هذا الاستلهام وضرورة

تكييفه مع الخصوصية التاريخية العربية والإسلامية. يُعِمِّق المبحث الرابع الفهم النقدي لهذه الرؤية بحوار نقدي بين منهج العروي التاريخاني والمنظور

ما بعد الاستعماري لإدوارد سعيد؛ ليس لإبراز نقاط التقاطع بينهما فحسب، وفي مقدمتها نقد الاستشراق، إذ يركز العروي على النقد الداخلي للتراث العربي في حين يركز سعيد على الخطاب الغربي الخارجي، وإنما كذلك لاستكشاف الإمكانات التكاملية بين نقد العروي الداخلي للجمود التراثي، ونقد سعيد الخارجي لآليات الهيمنة الخطابية؛ بما يتيح توسيع أفق التحليل وربط النقد الداخلي العربي بالنقد الخارجي لآليات الهيمنة الغربية. من خلال هذا المدخل الإشكالي والمنهجي، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة متكاملة لرؤية العروي للقضية الفلسطينية، تُبيّن كيف أنّ فكره يشكّل نسقًا تحليليًا متماسكًا يوظّف التاريخانية

بوصفها منهجًا نقديًا عمليًا لتشخيص أزمات الوعي العربي وإعادة تصوّر سُبل المواجهة الفكرية

والسياسية مع المشروع الصهيوني، ضمن سيرورة تاريخية أوسع تتجاوز الصراع المباشر إلى إشكالات الحداثة والتراث والتبعيّة في العالم العربي. وانطلاقًا من هذا الإطار، تسعى الدراسة

لتفكيك هذه الرؤية استنادًا إلى مستويات متعدّدة تجمع بين التحليل النظري والنقد الأيديولوجي وقراءة التجربة التاريخية سياسًّيًا، وذلك عبر بناء أربعة مباحث مترابطة: يتناول أولها موقع القضية

الفلسطينية في الفكر العربي كما صاغه العروي، ويحلل ثانيها منطق الصهيونية السياسية في نصه التأسيسي الذي نشره في عام 1969. أما ثالثها فيعالج قراءته لتداعيات هزيمة عام 1967 والحركة الفلسطينية، في حين يتمثّل رابعها في الحوار النقدي بين العروي وسعيد، كما أشرنا إلى ذلك من قبلُ. تجدر الإشارة إلى أن هذه الدراسة؛ إذ تتناول موقف العروي من القضية الفلسطينية، فإنها تبقى محكومة بحدود النص التأسيسي الذي استندت إليه، أي المقالة المنشورة في عام 1969: "منطق الصهيونية السياسية والسلام"، وهي دراسة صيغت بوعيٍ من أدبيات "النقد الذاتي" وروحه التي

(4) Stone.

طبعت في أواخر ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. ومع إقرارنا بالفائدة الفكرية الكبيرة لهذه الدراسة، فإننا ننبّه إلى أن التحّولّات المتسارعة والعميقة التي عرفتها القضية الفلسطينية لاحقًا،

وعدم عودة العروي إلى الخوض في الموضوع، يجعلان من الأطروحة الفكرية المعروضة هنا مرهونة بسياقها التاريخي والزمني المعيّن. ومن ثمّ، فإن هذه القراءة لا تغفل الشروط المرجعية

لزمن إنتاج النص، بل تحاول استنطاق مفاهيمه باعتبارها جزءًا من صيرورة تطوّر الفكر النقدي

العربي في لحظة تاريخية حاسمة.

أولا: القضية الفلسطينية في الفكر العربي وفقًا لرؤية العروي

يقدّم العروي – في بعض أعماله، مثل العرب والفكر التاريخيوأزمة المثقفين العرب، قراءة نقدية للقضية الفلسطينية، مستندًا إلى رؤية تاريخية دينامية تتناقض مع الإطار التقليدي الثابت. وتشكل إشكالية العلاقة بين التراث والتاريخ، أو بين التقليدية والتاريخانية، النواة المركزية لتحليله. فالعروي يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها حدثًا تاريخيًا متحركًا يتجاوز الرموز التراثية الجامدة، ليصبح

جزءًا من سيرورة عالمية مرتبطة بالتأخر التاريخي العربي وأزمة الوعي تجاه الهيمنة الاستعمارية.

وهو يرى أن فلسطين ليست قضية تحرير وطن فحسب، بل هي تجٍّلّ، أيضًا، لأزمة النهضة العربية

برمّتها، فمأزق فلسطين مرتبط بفشل العرب في مواجهة التحديات التاريخية، كما يظهر في تحليلاته

الهزائم المتكررة. وهذا الرأي يجعل القضية الفلسطينية محًّكًا حقيقيّا لاستيعاب مفهوم الأمة في

الثقافة العربية المعاصرة؛ فهي تكشف عن تناقضات الهوية والتطوّر الاجتماعي.

1. التاريخانية بين الانحياز العربي والتحليل النقدي

يَبني العروي تحليله على ما يُسمّيه "الانحياز العربي" الذي يُعرّف بالإسلام باعتباره عنصرًا مركزيًا

في التاريخ العربي، مع بقائه واعيًا بأحوال الفكر العربي، من دون السقوط في النسبية، مستشهدًا

بمؤلفين مستشرقين ومسلمين؛ إذ يرى الإسلام جزءًا من تاريخ الإنسانية، ويُشدّد على ضرورة

مشاركته في الحاضر، لكنه يُحذّر من أن المنظور التاريخي "يجعل المفاهيم نسبية"، وهو الأمر

الذي يخشاه التيار الإسلامي التقليدي، خوفًا من تهديد الهوية الإسلامية. هنا، يُبرِز العروي الدور

التاريخاني للماركسية بوصفها أداةً نقدية، بحيث يرى فيها وسيلةً لتجاوز الجمود الثقافي، مستلهمًا

منها فكرة أن التاريخ ليس مصادفة، بل هو سيرورة مترابطة تتطلّب تحليلًا علميّا. وينتقد العروي الاعتماد على "الحق التاريخي" باعتباره شعارًا جامدًا، ويدعو إلى فهم مترابط

للأحداث ومحاسبة المسؤولين وتحديث الفكر العربي ليصبح أداةً للعمل السياسي المثمر. وهذه

(5) Abdallah Laroui, Islam et histoire (Paris: Albin Michel, 1999), p. 14. (6) Ibid., pp. 14–15. (7) Abdallah Laroui, Islamisme, modernisme, libéralisme (Beyrouth: Centre culturel arabe, 1997), p. 27. (8) Deborah Baumgold & Burke A. Hendrix (eds.), Colonial Exchanges: Political Theory and the Agency of the Colonized (Manchester: Manchester University Press, 2017), p. 223.

النسبية، كما يستلهمها من رايمون آرون، الذي يُعرّف التاريخانية بأنها "المذهب الذي يعلن نسبية

القيم والفلسفات، وكذلك المعرفة التاريخية"، يعتمدها العروي لتحليل الخطاب العربي عن فلسطين، لكنه لا يرى فيها مذهبًا فلسفيًا مجردًا، بل "موقفًا أخلاقيًا"، يرى في التاريخ مخبرًا للأخلاق

والسياسة. وفي هذا السياق، يُفكّك ثلاثة مفاهيم للعدالة لحل قضية فلسطين: العدالة التاريخية (التي يراها جامدة)، والعدالة السياسية (المرتبطة بالقوة)، والعدالة الأخلاقية (التي تتطلّب تجاوز الثنائيات)؛ ما يُعزّز رؤيته للقضية باعتبارها صراعًا تاريخيًا يتجاوز الصراع الديني. يُبرز تحليل لاحق لأعمال العروي توترًا منهجيًا في موقفه التاريخاني، خصوصًا بعد صدور كتابه

السُنّة والإصلاح، إذ يتساءل عبد السلام بنعبد العالي: "هل ما زال العروي تاريخانيًا؟ أو على

الأقل: هل ما زال لا يرفع إّلا راية التاريخانية؟". فالتاريخانية عند العروي لا تعني انضواءً ضمن تيار

فلسفي أوروبي، بل هي موقف يربط بين الزمن والحدث: إيمان بقوة الزمن، وبأن الوقوف على البدايات يكشف الدوافع والغايات، وأن السابق يُحدّد اللاحق، ضمن تسلسل زمني لا يجوز تجاهله، كما ترتبط بإيمان بقوة الحدث الذي يصبح محورًا أساسيًا لفهم التاريخ والتحليل التاريخاني (حالة

الاستعمار الذي نخر السُنّة وعرقل الإصلاح مثلًا). إّلا أن الكتاب يبرز توترًا بين هذا الموقف وإعادة

تعريف الأصل والبداية؛ إذ يرى العروي أن نقطة البداية لا تُمثّل البدء الحقيقي، بل تأتي لاحقًا بعد التوقف والالتفات، مستمدّة كثافتها من الحاضر الذي يُنير الماضي، واللاحق الذي يُحدّد السابق، وهو تصوّر ربما يتوافق كلًّيًا مع التاريخانية التقليدية. ويظهر ميلَه أحيانًا إلى الاكتفاء بالأسلوب

والصيغة في الفلسفة، بمعزل عن السياق الزمني والمكان، والدعوة إلى "قراءة بلا واسطة" خالية من كل ما هو مسبق، ثم يستدرك بضرورة إنقاذ العلم والسياسة من التأويل الذي فرضته السُنّة. وعلى مستوى الشكل، لا يُبنى الكتاب على تدرّج خطّي، بل على تساكن طروحات يُحيل بعضها إلى بعضها الآخر، من دون ترتيب واضح؛ ما يجعل من الصعب الجزم بأن السابق يحدّد اللاحق في مستوى العرض. ويبرز ذلك بوضوح في تحليل السُنّة؛ إذ يجمع بين نهج دياكروني يرصد تكوّنها تاريخيًا،

ونهج سانكروني يكشف منطقها الداخلي وبنيتها المتناسقة، في مزج بين علائق الاجتماعيين وعلائق المناطقة. وهكذا، يوظّف العروي تصوّرين للزمن، ومفهومين للأصل، ومنهجين في التحليل، ليجعل

الإسلام "نقطة تحوّل"، لا نقطة بدء، وهو أمرٌ يظهر موقفه من التاريخانية بوصفها موقفًا مركّبًا يجمع

بين الالتزام بقوة الحدث والزمن وإعادة تعريف الأصل والبداية، ويعكس توترًا منهجيًا ومعرفيًا

مستمرًا في الكتاب. ولا يُضعف هذا التوتر المنهج، بل يُثريه؛ ما يسمح بتطبيقه المرن على القضية

الفلسطينية لكونها سيرورة دينامية غير جامدة.

(9) Raymond Aron, La philosophie critique de l’histoire (Paris: Vrin, 1950), p. 289. (10) Abdallah Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," Souffles , no. 15 (numéro spécial) (1969), pp. 51–64.

(1((عبد الله العروي، السنّة والإصلاح (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2008 (1((عبد الّسلّام بنعبد العالي، التاريخانية والتحديث: دراسات في أعمال عبد الله العروي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،

2010)، ص.55–50

يُحلّل العروي، إذًا، كيف أن الفكر التقليدي يعاني هاجس الغزو الثقافي الغربي، ويقدّم نموذجًا

"خالصًا" للإسلام باعتباره بديلًا للحضارة الغربية، لكنه يبقى متخيّلًا ومنفصلًا عن الواقع التاريخي.

ويتجاهل هذا الخطاب أحداثًا تاريخية معيّنة، ويُبالغ في أخرى، يذكّرنا هذا التحليل بتحذير أركون

من "الهروب إلى أنا أعلى" لتخفيف الصدمات النفسية. ويُفَسَّر هذا "الهروب"، جزئيًا، سبب

اختزال الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي في سرديات صليبية أو إلهية، بدلًا من تحليله باعتباره سلسلةً تاريخيةً مترابطةً. وقد ذهب العروي إلى أن فلسطين هي "مشكلة الغرب"؛ إذ يجب على الغرب محو معاداة السامية ليُحَلَّ الصراع، وهذا يربط القضية الفلسطينية بسياق استعماري أوسع.

وفي الاتجاه نفسه، يوضح أن تحديث الفكر يتطلّب مواجهة الغزو الثقافي، كما في تأمله في الكيفية التي أدّت من خلالها الغزوات الأجنبية إلى انسحاب السكان إلى "الجبال والكثبان الرملية"، وهو ما يعوّق التقدم. وعلى الرغم من توصيف العروي، بصفته مفكرًا ليبراليًا، فإن دعوته إلى تبنّي الماركسية لا تأتي

من منظور أيديولوجي، بل من منطلق براغماتي؛ إذ يرى أن الماركسية أداةً تحليلية يمكنها مساعدة المجتمع العربي الإسلامي في فهم التطوّرات التاريخية والاجتماعية، وأن انهيارها أيديولوجيًا لا يعني

نهاية فائدتها باعتبارها منهجًا نقديًا. ويعكس هذا النهج تأثّره بالهزيمة العربية في عام  1967، التي

رأى أنها أزمةُ هويةٍ وفشلٌ في الوعي التاريخي، وهذا ما دفع فكره نحو نقد جذري للقومية العربية بوصفه شرطًا للتحرر الجماعي. غير أن التاريخانية عند العروي لا تبقى أداة نظرية لتفكيك المفاهيم فحسب، بل إنها تتجسّد عمليًا

في قراءته النوائب التاريخية الكبرى التي شكّلت الوعي العربي المعاصر. فبعد تحديد الأسس المنهجية للتاريخانية والانحياز العربي، ينتقل التحليل إلى كيفية استثمار النكبة وهزيمة عام 1967 بوصفهما لحظتين كاشفتين لأزمة الوعي، وليستَا وقائع قدرية مغلقة، بل هما من الأحداث التي تستدعي المساءلة وإعادة البناء الفكري.

2. النوائب التاريخية وأزمة الوعي العربي

يبرز العروي – من خلال إشاراته إلى قسطنطين زريق – أن المسألة الفلسطينية شكّلت "الدافع الرئيسي لانخراطه في التأمل في الرؤية التي يدافع عنها". ويرى أن زريق يسعى لتسليط الضوء على السياقات المحيطة بالنكبة، مع التركيز على دور النوائب الجماعية في إثارة الوعي التاريخي.

(13) Mohamed Arkoun, Pour une critique de la raison islamique (Paris: Maisonneuve & Larose, 1984), p. 111. (14) Stone. (15) Idriss Jebari, "Historians and the Future: Abdallah Laroui’s Prescriptions for a Recovered Moroccan Modernity," London School of Economics and Political Science (LSE), 15/3/2023, accessed on 27/9/2025, at: https://bit.ly/4tHfrzn (16) Laroui, Islamisme, modernisme, libéralisme , p. 132.

(1((عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2017)، ص.53 ((1(المرجع نفسه، ص.109

ويؤكد أن فلسطين ليست سبب التراجع العربي، بل مرآته الكبرى؛ فهي تعكس فشل النهضة والتأخر التاريخي، وهو ما يجعل تحريرها مشروطًا بإصلاح داخلي. إنّ الفكر التاريخي، من وجهة نظر العروي، هو السلاح الوحيد ضد الجمود الفكري، وهو يؤكد أن هذا الفكر لا يتطلّب دراسة التاريخ فحسب، بل يحتاج إلى الاقتناع بنظرية التاريخ التي يجدها شاملة في الماركسية. وهذا الجمود هو ما يفسر عجز الوعي العربي عن استيعاب النوائب الفلسطينية – مثل النكبة في عام 1948، والهزيمة في عام 1967 – باعتبارها سلسلة تاريخية مترابطة، لا كارثة إلهية جامدة. فالنكبة، بحسب رأيه، ليست حدثًا معزولًا، بل هي نتيجة لتداخل الاستعمار والتأخر العربي، وقد كشفت الهزيمة عن أزمة في العقل السياسي العربي، كما يُحلّلها في "نقد العقل السياسي العربي"

مع محمد عابد الجابري. ويتطلّب استيعاب تلك النوائب، وفقًا للعروي، الاعتقاد أن الأحداث تتكوّن من سلسلة مترابطة،

يسيطر فيها بعضها على الآخر، ويدعو إلى محاكمة المسؤولين؛ ما يفرض التمسّك بمفهوم حرية

الاختيار. ويرى العروي أن أزمة الفكر العربي تكمن في الانقسام بين الاتجاه التقليدي والاتجاه الانتقائي، وأنه لا يمكن تجاوز هذا الانقسام إّلا بإخضاع هذا الفكر لعناصر الفكر التاريخي الأساسية: صيرورة الحقيقة، وإيجابية الحدث التاريخي، وتسلسل الأحداث، ومسؤولية الأفراد في صنع التاريخ. ويضيف إلى ذلك أن هذه النوائب، مثل احتلال فلسطين، تكشف عن علاقة الغرب بالشرق؛ إذ يرى أن حَّلَ القضية يتطلّب من الغرب مواجهة مشكلاته الداخلية، مثل معاداة السامية. وينتقد العروي مفهوم "الوفاء العميق للماضي الفلسطيني" الذي يُفسّره "بإعادة صياغة معنى ومسار

وقائع الماضي غير المواتي لصالحنا"، ويرى في ذلك "كلامًا بدون محتوى". ويمتدّ هذا النقد إلى

كيفية تجاهل الفكر العربي الدروس من الهزائم؛ ما يعوّق بناء استراتيجية سياسية فعالة. في سياق نقد الخطاب العربي السياسي التقليدي الذي يجمّد الحقوق في أطر غير تاريخية، يتقاطع

موقف العروي مع التحليل النقدي الذي قدّمه محمد عابد الجابري للخطاب القومي العربي ومركزيته الفلسطينية. ففي إشكاليات الفكر العربي المعاصر، يؤكد الجابري أن القضية الفلسطينية شكّلت التحدي المباشر والمحرك الأساسي للمشروع القومي العربي، وأنها كانت حًّقًا "قضية العرب الأولى" عبر عقود طويلة من الالتزام العاطفي والسياسي. ويرى الجابري أن التحّولّات التاريخية اللاحقة

تفرض إعادة تحديد موقع القضية، بحيث تصبح أساسًا "قضية القرار الفلسطيني" وصراعاته الداخلية،

في مقابل انكفاء الدور العربي إلى حدّ الكف عن توظيف القضية لأغراض أيديولوجية أو سلطوية، وهو ما يعدّه شرطًا ضروريًا لأي عقلنة للمشروع القومي. ويقرّ الجابري بأن هذا الطرح الواقعي قد

((1(المرجع نفسه، ص.110 ((2(المرجع نفسه، ص.207–206

(21) Stone.

(2((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.110

يصطدم بالبنية العاطفية السائدة، إّلا أنه يدعو إلى تقبّل الصدمة بوصفها مدخلًا لتحرير الوعي من

الأوهام، والانتقال من منطق الحلم إلى منطق التحليل النقدي للواقع كما هو. يعمّق الجابري هذا التشخيص في الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية؛ إذ يبيّن أن الخطاب

القومي النهضوي قد دار تاريخيًا حول فلسطين بوصفها محورًا جامعًا يربط بين الوحدة والاشتراكية

والتحرير، في علاقة تلازم شبه ميتافيزيقية، ومن ثمّ تُحيل كل مفردة إلى أخرى، من دون تحليل

تاريخي ملموس. ويلاحظ أن مركزية فلسطين لم تتبلور في الوعي العربي إّلا بعد نكبة عام 1948، التي أحدثت انتق لًا من الوعي القُطري إلى الوعي القومي، غير أن الخطاب الذي تلاها اتّسم بالتعامل

مع "الممكن" كما لو كان "واقعًا". ومع التجربة الناصرية، ثم صدمة عام 1967 عيد تركيب العلاقة، أُ بين الوحدة والاشتراكية والتحرير بصيغ متناقضة جعلت الخطاب القومي خطابًا أيديولوجيًا يدور في

حلقة ممكنات ذهنية، على نحو عاجز عن إنتاج نظرية علمية لتغيير الواقع. تتبلور خلاصة هذا المسار النقدي في مواقف الجابري اللاحقة بعد اتفاق أوسلو (1993)، فقد رأى أن التحّولّات الجارية في فلسطين تُمثّل متغيرًا بنيويًا لا ينفصل عن مستقبل النهضة العربية، وتعكس

مرحلة "ما بعد الصهيونية" وضعًا انتقاليًا غير محسوم، لم يعُد فيه بلوغ الأهداف القصوى لأي طرفٍ

من الطرفين أمرًا ممكنًا. ومن ثمّ، فإن الاعتراف المتبادل القائم هو اعتراف ب "الوجود"، لا ب "الماهية"،

وهو ما يجعل التطبيع مؤجّلًا ومشروطًا تاريخيًا. وانطلاقًا من هذا التشخيص، انتقد الجابري منطق حلّ

الدولتين، بوصفه تصوّرًا ذهنيًا يتجاهل واقع التداخل الجغرافي والسياسي في فلسطين، وخلص إلى

أن الأفق العقلاني – وإن بدا بعيد المنال – يتمثّل في دولة اتحادية واحدة متعددة الكيانات، عاصمتها القدس الموحدة، باعتبارها مشروعًا تاريخيًا طويل المدى يتطلّب استمرار المقاومة ورفض التطبيع

في أفق القرن الحادي والعشرين. في هذا الإطار، تتكامل مقاربة الجابري مع دعوة العروي إلى القطيعة المعرفية وتحديث الوعي السياسي؛ إذ يتفق كلاهما على رفض الجمود العاطفي والسرديات الدائرية والارتهان للممكنات الذهنية، لمصلحة تحليل تاريخي واقعي واستراتيجية فلسطينية مستقلة، عقلانية وفعّالة، تُعيد تعريف شروط الفعل السياسي العربي خارج الأوهام الأيديولوجية. ويؤدّي تحويل النوائب التاريخية إلى دروس تحليلية، بالضرورة، إلى سؤال التحديث وشروطه الفكرية والسياسية. فالعروي لا يكتفي بتشخيص أثر الهزائم في الوعي العربي، بل يربط تجاوزها بإحداث

قطيعة معرفية بأنماط التفكير التقليدي، والانتقال نحو تبٍّنّ واعٍللأدوات التحليلية الحديثة. ومن هنا،

(2((محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، ط  2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص.165 (2((محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية، ط  5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص 107 وما بعدها. ((2(محمد عابد الجابري، "من أجل تجديد المشروع النهضوي العربي: فلسطين: اتحاد فيديرالي وكانتونات... ونهاية الصهيونية"، ورقة مقدّمة في ندوة المشروع الحضاري النهضوي العربي التي أقامها مركز دراسات الوحدة العربية في مدينة فاس، 26–23

نيسان/ أبريل 2001، شوهد في 2025/10/5، في: https://acr.ps/hBy2suG

يتناول المبحث الآتي إشكالية تحديث الفكر العربي لكونها شرطًا بنيويًا لإعادة صَوغ الموقف من

القضية الفلسطينية.

3. تحديث الفكر العربي: بين التبعية الواعية والقطيعة التاريخية

يؤكد العروي أن الاعتراف المتأخر ببعض المسؤوليات لا يُمثّل حًّلا كافيًا، داعيًا إلى "استكشاف

الأسباب الرئيسية لعدم نيل موقفنا تأييدًا واسعًا في المنصّات الدولية". ويُميّز بين أنواع التبعيّة

المختلفة، فيرى أن "تبنّي الفكر التاريخي الغربي، على الرغم من كونه شكلًا من أشكال التبعية، يبقى مقبولًا؛ لأنه يستند إلى التحليل الواعي"، في حين أنّ "التبعية السلفية أو الانتقائية، تفتقر إلى هذا الوعي". ويعكس هذا التمييز أولوية الثقافي على الاقتصادي عنده؛ إذ يرى أن الفاعلية الثقافية هي "مفتاح" التقدم، مع الاستلهام من الغرب، من دون تقليد أعمى. ويُحلّل العروي التباين بين الموقفين العربي والإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الخطاب السائد غالبًا ما يُقيم

مقابلة تبسيطية بين "الحق العربي" و"الواقع الإسرائيلي"، وبين العدالة التي يطالب بها العرب، والسلام الذي يُراد الحفاظ عليه، كما هو الشأن بين المرجعية الدينية – الإنسانية العربية، والاحتكام الإسرائيلي

إلى التاريخ. ويرى أن في هذا التأطير دلالةً كامنة على أن القضية الفلسطينية ليست سوى تعبير مرحلي عن صراع حتمي بين مجتمعين وأيديولوجيتين ومرحلتين تاريخيتين مختلفتين: مجتمع زراعي في مقابل مجتمع صناعي، وأيديولوجيا دينية في مقابل أيديولوجيا سياسية، وتخلّف في مقابل حداثة. غير أن العروي ينتقد هذا المنظور بشدة، معتبرًا أن اللجوء إلى التاريخ في هذا السياق ليس سوى آلية

تبريرية تُفرغ المأساة من بُعدِها الأخلاقي، وتحوّل الظلم الواقع على العرب إلى أثر نفسي، أو "وهم"

ناتج من تأخر تاريخي مزعوم فحسب؛ ما يؤدي عمليًا إلى طمس جوهر المأساة الفلسطينية ونسيانها،

بدلًا من مواجهتها. وفي السياق نفسه، يذهب العروي إلى تحليل نقدي أعمق لكيفية توظيف الحركة الصهيونية أرقى منجزات الثقافة الحديثة توظيفًا إتنوسنتريًا؛ إذ حُوّلت قيم إنسانية كبرى – مثل قيمة العمل في الاشتراكية

الإنسانية، والديمقراطية السياسية، والتنظيم الصناعي – إلى أدوات إقصاء وهيمنة: فاستُخدم العمل لعزل العمال العرب عن نظرائهم اليهود، واستُعملت الديمقراطية ذريعةً لإنكار الحقوق العربية عبر تصوير العرب كتلة إقطاعية متخلّفة، في حين سُخّر التنظيم الحديث لبناء مجتمع محصّن ومنغلق.

ويرى أن هذا التزاوج بين التقنية الحديثة وتقليد قومي مُعاد بعثُه هو نموذج تاريخي معروف في

القرن العشرين، ويحذّر العرب من إعادة إنتاجه لديهم، حتى إن وُجدت في الأيديولوجيا العربية

عناصر قد تُفضي إلى خلط مشابه. ويؤكد في المقابل أن هذه الأيديولوجيا لم تحسم الصراع داخل المجال العربي؛ إذ لا تزال تواجه نزعتين منافستين: الكونية الدينية والإنسانية التقدمية. ومن ثمّ، فإن

(2((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.110 ((2(المرجع نفسه، ص.207

(28) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 51.

أي تعزيز للنزعة الإتنوسنترية العربية – سواء كان ذلك عبر التماهي أو التنافس الأعمى مع الإقصائية الإسرائيلية – لا يخدم المشروع التحرري العربي، بل يقوّض إمكانية انتصار الأفق الإنساني التقدمي

في المجتمع العربي. من جهة أخرى، ينتقد العروي إهمال العرب الزمان في تعاملهم مع القضية الفلسطينية؛ إذ "سمحوا للزمان أن يمضي على الواقع وكأنهم مقتنعون بأن كل ما ليس مرغوبًا فيه سيُمحى في الوقت المعيّن".

وهذا الموقف يتعلّق بمفهوم "المستقبل الماضي"؛ إذ "يتخيّل العقل التراثي المستقبل على أنه حاضر

يجب تحقيقه في المستقبل، رغم كونه ماضيًا منجزًا في الأصل". ويُعزّز هذا الإهمال التبعية،

ويجعل القضية الفلسطينية اختبارًا وجوديًا للأمة العربية، كما يؤكد ذلك في كتاباته عن الثقافة والسياسة.

4. نحو تاريخانية عملية

يؤكّد العروي التعارض الجذري بين الرؤيتين نحو التاريخ: الرؤية التقليدية والنتائج السلبية المترتبة عليها، والرؤية المشتركة في الوقت الراهن بين المتقدمين في الشرق والغرب والنتائج الإيجابية المترتبة عليها أيضًا. ويدعو إلى "تبني الفكر التاريخي عبر بوابة التاريخانية الماركسية، بوصفها الأداة الوحيدة القادرة على انتشال العرب من حالهم الراهن". ويرى أن "الحداثة تستدعي تبنّي الفكر الماركسي نظريةً نقديةً قادرةً على تقويم مسارها"، وأن "الدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية، هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تُشيّد على ضوئها السياسات الثورية". وتهدف هذه الرؤية إلى تحويل

الرؤية التاريخية إلى أساس عملي يُعيد صَوغ المستقبل الفلسطيني، بعيدًا عن التعارض الجذري بين الرؤيتين. وفي سياق معاصر، يظهر تأثير هذه الأفكار في نقاشات متعلقة بدعم الفكر العربي لفلسطين؛ إذ يرى العروي أنها مرتبطة بقضايا الديمقراطية والتعليم. يظلّ تحليل العروي للقضية الفلسطينية نموذجًا لفكر تاريخاني نقدي يسعى لتجاوز الثنائيات الجامدة

من أجل فهمٍ دينامي للصراع، مع تأكيد أن تحديث الفكر العربي شرطٌ لإنقاذ القضية الفلسطينية من التراجع. وفي مقابلة بين العروي ونانسي غالاغر، أبرز تجربته بوصفه مفكرًا موسوعيًا يتأثر

بالسياق المغربي والعربي، مع وعي تاريخي عميق بالقضايا الاجتماعية والسياسية. وأظهرت المقابلة أن العروي ينظر إلى التاريخ باعتباره أداةً لفهم المجتمع، مع التركيز على النقد والتحليل الموضوعي

(29) Ibid., p. 62.

(3((عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.90 (3((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.113 (3((عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص.125 (3((عزيز العرباوي، "عبد الله العروي: المفكر المناضل والمثقف الموسوعي"، المجلة العربية، 2024/10/29، شوهد في

2025/8/12، في: https://acr.ps/hBy2se5

(3((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.113

للأحداث، وهو ما يتيح مج لًا لنقاشات أوسع للروايات التاريخية التي غالبًا ما تُهمّش، بما فيها

الرواية الفلسطينية ضمن سياق الدراسة الشاملة للتاريخ والمجتمع. إذا كان المبحث الأول من هذه الدراسة قد ركّز على الأسس النظرية والمنهجية التي ينطلق منها العروي في مقاربته القضية الفلسطينية في الفكر العربي، فإن هذا التأسيس يبقى غير مكتمل من دون الانتقال إلى مستوى تفكيك الخطاب المقابل، أي خطاب الصهيونية السياسية ذاته. فالتاريخانية، كما يوظّفها العروي، لا تكتفي بنقد الذات العربية، بل تقتضي كذلك مساءلة الأيديولوجيا التي شرعنت الاستعمار الاستيطاني، وحوّلت القوة إلى معيار للعدالة. ومن هنا، يكون مبحث الدراسة الثاني قراءة لنص

العروي الصادر في عام 1969، بوصفه لحظة مفصلية في تشريح منطق الصهيونية السياسية وآلياتها الخطابية.

ثانيًا: منطق الصهيونية السياسية

يُحلّل العروي، في مقالته الاستشرافية التي نشرها في عام 1969، "منطق الصهيونية السياسية" الأيديولوجيا الاستعمارية التي تسوغ الواقع بالقوة. وانطلاقًا من هزيمة حزيران/ يونيو 1967، يكشف عن أزمة عميقة في الوعي الغربي والفكر العربي على حد سواء؛ فالهزيمة أطلقت "نزعة عدائية شديدة تجاه العرب"، وأسكتت صوت النخبة المثقفة الأوروبية المنفتحة لمصلحة رواية صهيونية أحادية. وهذه المقالة ردة فعل مباشرة على الهزيمة تعكس تحوّلًا في فكر العروي إلى نقد أكثر جذرية للأيديولوجيات الاستعمارية؛ إذ يرى أن الهزيمة ليست فشلًا عسكريًا فحسب، بل إنها تكشف عن أزمة هوية عربية، أدّت إلى "ثورة داخل الثورة" في الفكر العربي، كما يصفها في سياقات لاحقة. وهذا التحليل يجعل النَّصَ وثيقةً تأسيسيةً في النقد العربي للصهيونية؛ إذ يربط بين المنطق الأيديولوجي والديناميات السياسية، محذّرًا من أن الصهيونية لا تقتصر على كونها حركةً قوميةً، بل هي امتدادٌ للاستعمار الكلاسيكي الذي يُعيد إنتاج نفسه عبر الخطابات. ويؤسس العروي تحليله على منهج تاريخاني نقدي، مبرّرًا موقفه بقوله: "إني أحكم على التراث انطلاقًا من مفاهيم غير نابعة من صلبه. وأدّعي بأن من يعيش في زمننا هذا، من يرى نفسه ابن هذا الزمان، لا يستطيع أن يفعل غير هذا". ويمثّل هذا الموقف تهديدًا جوهريًا للخطاب التراثي الساعي إلى صيانة التراث، باعتباره كيانًا ثابتًا غير قابل للمساءلة، وهي إشكالية تتجلّى في السردية الصهيونية

(35) Nancy Gallagher, "Interview – the Life and Times of Abdallah Laroui, a Moroccan Intellectual," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 3, no. 1 (1998), pp. 132–151. (36) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 51. (37) Hussein Aboubakr Mansour, "Arabs After Defeat: Revolution Inside the Revolution: The Story of Arab Intellectuals after the Six Day War," The Abrahamic Metacritique , 19/6/2024, accessed on 8/1/2026, at: https://bit.ly/4aIC39M

(3((عبد الله العروي، مفهوم العقل، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص.17

(39) Laroui, Islam et histoire , p. 130.

التي تنفي التاريخية، وتستبدل البحث عن الحقيقة بالتماهي مع رواية مطلقة. وفي هذا السياق، يربط العروي بين الصهيونية والاستعمار الأوروبي، مؤكدًا أنها تعتمد على "تحويل الواقع إلى حقيقة مطلقة"، مستلهمًا ذلك من نقد الاستشراق الذي طوّره لاحقًا في أعماله، مثل الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967)؛ إذ يُفكّك كيفية تشكيل الخطابات الغربية للشرق على أنه كيان ثابت لتسويغ الهيمنة.

1. تفكيك ثنائيات الخطاب وتصنيف مفاهيم العدالة

يكشف العروي عن الآلية الخطابية التي يُدار بها الصراع، مُبِر زًا كيف تُواجه المطالب العربية

بثنائيات غير متكافئة: الحق العربي في مقابل "الواقع" الإسرائيلي، والعدالة في مقابل "السلام"، والحجة الدينية العربية في مقابل "التاريخ" الصهيوني. وهذه الثنائيات تشكّل أداة فعالة ل "طمس المأساة الفلسطينية" عبر تحويلها إلى "ندبة ناجمة عن تأخرهم الذاتي [...] أو وهم في نهاية المطاف". هنا، يعتمد العروي على تحليل للخطاب يُذكّر بنقد إدوارد سعيد للاستشراق؛ إذ يرى

أن هذه الثنائيات تُعيد إنتاج صور نمطية عن العرب بصفتهم "متأخرين"؛ ما يسوغ أن الاحتلال "تقدّم حضاري". ويرى أن هذه الآليات ليست جديدة، بل تعود إلى تحوّل دعم الصهيونية من بريطانيا إلى

الولايات المتحدة في الخمسينيات، كما توثّق ذلك دراسات تاريخية عن حملات التأثير في الرأي العام الأميركي. وقد عمل العروي على تفكيك ثلاثة تصوّرات لمفهوم "العدالة"، يتصارع في

إطارها الخطابان، هي: • العدالة الأخلاقية أو الدينية: تؤدّي إلى "طريق مسدودة"؛ إذ يصبح لكل طرف "قاضٍ وحيد مقبول، هو إلهه الخاص، أي الذات". هنا، ينتقد العروي توظيف الصهيونية الرواية الدينية لتسويغ الاستيطان، محوّلة الصراع إلى صراع أبدي، يتجاوز التاريخ. • العدالة الاقتصادية – الليبرالية: يرفضها العروي لكونها إعادة إنتاج خطاب الاستعمار الكلاسيكي، ويرى أن هذا التصوّر يُركّز على "التنمية"، ويجعلها ذريعة للاستيلاء على

الأرض، مستلهمًا من نقد الماركسية للرأسمالية الاستعمارية. • العدالة التاريخية – الدينامية: يُحذّر من استخدامها الانتقائي لإجبار العرب على قبول الهزيمة،

باعتبارها "حكم التاريخ". وهذا التصور، بحسب رأيه، يُسيء استخدام التاريخانية، ليجعل

الاحتلال "حتميًا"، خلافًا لفهمه الدينامي للتاريخ، باعتباره سيرورة قابلة للتغيير.

(40) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," pp. 51–52. (41) Edward W. Said, The Politics of Dispossession: The Struggle for Palestinian Self–determination, 1969–1994 (New York: Vintage Books, 2012), pp. 81–90. (42) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," pp. 52–53. (43) Ibid., pp. 54–55. (44) Ibid., pp. 55–56.

يخلص العروي إلى أن هذه التصوّرات كلها تتلاقى في نقطة مركزية: تحويل العدالة إلى "تسويغ

للواقع" لمصلحة الأقوى. ويعكس هذا التحليل تأثره بأزمة عام  1967 لكونها أزمة هوية، فقد أدت إلى إعادة صَوغ الفكر السياسي العربي نحو نقد أكثر جذرية. غير أن تشخيص آثار هزيمة عام 1967

يظلّ ناقصًا من دون التوقف عند الفاعل الفلسطيني نفسه، بوصفه عنصرًا مركزيًا في إعادة تشكيل

الصراع. فبعد تحليل الفقدان والازدواجية الغربية التي كشفتها الحرب، ينتقل العروي إلى تقييم التجربة الفلسطينية، محاولًا استكشاف مدى قدرتها على تجاوز منطق الجمود، وإبداع حقوق جديدة من داخل السيرورة التاريخية.

2. الاختلال البنيوي والسياسة الإسرائيلية المستحيلة

يكشف العروي عن تناقض أساسي في السياسة الإسرائيلية، واصفًا إيّاها بأنها استمرار لسياسة عمرها

"خمسون عامًا"، تعود إلى العهد البريطاني، قوامها "عدم سؤال سكان المنطقة عن رأيهم أبدًا". إن

مطالب إسرائيل ب "حدود آمنة" و"اعتراف كامل"، هي، في تحليل العروي، مطالب "لا يمكن تحقيقها إّلا من طرف الموتى"، لأنها تفترض محوًا كلًّّيًا للذاكرة والتاريخ الفلسطينيين. ويُبرز هذا التناقض

كيف أن الصهيونية السياسية تعتمد على إنكار الآخر؛ ما يجعل أيّ سلام حقيقي مستحيلًا من دون

تفكيك هذه البنية. ويربط ذلك بتاريخ الاستعمار، مشيرًا إلى أن الصهيونية ورثت آليات الإمبريالية

البريطانية، على غرار حملات التحوّل إلى الدعم الأميركي في خمسينيات القرن العشرين. ويقترح العروي حّلًا مبنًّيًا على مؤتمرين: أحدهما دولي للانسحاب، وآخر تحت إشراف الأمم المتحدة

لتقرير المصير. لكنه يشترط "إضعاف الصهيونية السياسية"، وهو ما لن يتحقق – بحسب رأيه – إّلا عبر "فشل سياسي واضح"، أو مقاومة فلسطينية لا يمكن قمعها. ويعكس هذا الاقتراح براغماتيته، مستلهمًا

من نقد الليبرالية؛ إذ يرى أن التغيير يأتي من خلال مواجهة الواقع، وليس من خلال تجاهله. ويستند هذا التحليل إلى رؤية تاريخانية إصلاحية تستلهم من لودفيغ فون ميزس Ludwig Von Mises؛ إذ يصبح التاريخ فضاءً ديناميًا يتشكّل عبر النقد المستمر. وتجعله هذه المقاربة في موقع

وسطٍ بين انتقادات الليبرالية الأنكلوسكسونية والنمساوية لأطروحات كارل بوبر Karl Popper. ولئن كان واعيًا هذه الانتقادات، فإنه يبقى أقرب إلى ميزس الذي يرى أن التاريخانية تنطبق على المجتمع،

بخلاف بوبر الذي يحصرها في مجالات المطلق، مثل الدين والفن. ويظهر هذا التأثير في توظيف العروي التاريخانية لنقد الصهيونية، باعتبارها أيديولوجيا جامدة، مشابهة للتراث العربي التقليدي.

(45) Ibid., p. 56. (46) Ibid., p. 57. (47) Ibid., pp. 57–58. (48) "MERIP Reading Guide," MERIP Reports , no. 28 (May 1974), pp. 11–22. (49) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," pp. 58–59. (50) Laroui, Islam et histoire , p. 126. (51) Ibid., p. 127.

3. القراءة النقدية المعاصرة: بين القوة الاستشرافية والحدود المنهجية

يظلّ نص العروي وثيقة تأسيسية في النقد العربي للصهيونية؛ إذ يحتفظ بقوة استشرافية لافتة في تشريحه آلية "تسويغ الواقع". وتجد فرضيته المتعلقة بضرورة "إضعاف الصهيونية السياسية"، بوصف ذلك شرطًا للسلام، صدى متجدّدًا في تحّولّات نسبية للرأي العام الغربي بعد حرب غزة 2024–2023، فقد أدّت إلى ظهور نقاشات بشأن طابع إسرائيل الاستيطاني. ويتردد نقده للانحياز الغربي في أعمال إدوارد سعيد الذي يرى الصراع جزءًا من سياسة الإقصاء، مستندًا إلى تحليلات

عسكرية وسياسية. ومع ذلك، تكشف القراءة المعاصرة عن بعض الحدود المنهجية: • إشكالية التعميم: يصوّر العروي الصهيونية باعتبارها كتلة صلبة متجانسة، متجاهلًا التمايزات الداخلية العميقة بين تياراتها (العلمانية/ الدينية، الاشتراكية/ اليمينية المتطرفة، التيارات النقدية المبكرة). وهذا التعميم البلاغي يُقوّض الدقة التحليلية التاريخية والسوسيولوجية، وهو يظهر، مثلًا، في دراسات تناولت تطوّر الصهيونية بعد عام 1967. • اختزال العوامل السياسية ثقافًّيًا: في حين يُقدّم العروي قراءة ثاقبة للصور النمطية الاستشراقية التي تشكل الخلفية الثقافية للانحياز الغربي، فإنه يميل أحيانًا إلى اختزال العوامل العسكرية والجيوستراتيجية (الحرب الباردة والمصالح النفطية) في امتداد للذاكرة الثقافية فحسب. وهذا الاختزال يتجاهل جهود منظمات فلسطينية، مثل مكتب اللاجئين الفلسطينيين في نيويورك

The Palestine Arab Refugee Office، تسعى لمواجهة الرواية الغربية.

• تصوّر التطوّر الفلسطيني على نحو مثالي: يغفل تصويره للتحول الفلسطيني نحو خطاب تاريخي ديمقراطي مركزي التعقيدات والانقسامات العميقة التي شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية لاحقًا، وصعود الأيديولوجيات الإسلامية والقومية المتشددة التي أعادت إنتاج خطابات ثابتة. ويعكس هذا تأثره بالنهضة العربية، كما هو الشأن في نقاشات عن اللغة والقومية. • الحتمية التشاؤمية: يُغلق ربطه إمكانية السلام حصرًا ب "فشل سياسي واضح" للصهيونية مجال

احتمالات تحوّل أخرى قد تنبع من تحّولّات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه (ديموغرافية، ثقافية، ظهور تيارات ما بعد صهيونية)، أو من تطوّر أشكال نضال مدنية وسياسية مختلفة.

(52) Said, The Politics of Dispossession , pp. 159–161. (53) Jens Hanssen & Max Weiss (eds.), Arabic Thought Beyond the Liberal Age: Towards an Intellectual History of the Nahda (Cambridge: Cambridge University Press, 2016), pp. 62–92. (54) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 55. (55) Maurice M. Labelle Jr., "'The American People Know So Little': The Palestine Arab Refugee Office and the Challenges of Anti–Orientalism in the United States, 1955–1962," Mashriq & Mahjar: Journal of Middle East and North African Migration Studies , vol. 5, no. 2 (2018). (56) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 59.

4. نحو تأسيس النقد واستمرارية النزاع

يخلص هذا التحليل إلى أن القيمة الدائمة لمقالة العروي لا تكمن في دقة تشخيصه البنية الأيديولوجية للصهيونية فحسب، بل في الأسئلة الجوهرية التي يسألها أيضًا، ومنها مثلًا: كيف نكسر حلقةً تُسوّغ

القوة؟ وكيف يُبنى سلام حقيقي على أساس الاعتراف المتبادل؟ لقد نجح العروي في تعرية الأسس الرمزية للنزاع من خلال منهج تاريخاني نقدي، يرى في التاريخانية "موقفًا أخلاقيًا يتعامل مع التاريخ على أنه ميدان للكشف عن القيم". ويبقى هذا المنهج، أداةً

ضرورية لفهم استمرار النزاع. وتُظهر تعقيدات الصراع اللاحقة – من صعود اليمين الديني في إسرائيل إلى تعمق الطابع الاستيطاني – الأبارتهايدي – أن الواقع تجاوز، في كثير من جوانبه، الأطرَ النظرية التي حلّلها العروي.

ومع ذلك، يبقى نصه دليلًا على حاجة ملحّة إلى الفهم التاريخاني النقدي، خصوصًا في ظل استمرار

ظاهرة "المستقبل الماضي" التي يتخيّل فيها العقل التراثي المستقبل باعتباره ماضيًا منجزًا. "يُذكّرنا هذا التحليل بتحذير أركون من "الهروب إلى أنا أعلى باعتباره آليةً نفسيةً لمواجهة

الصدمات، وهي آلية تتجلّى في كلا الخطابين: الصهيوني الذي يهرب إلى أساطير الحق التاريخي المطلق، والعربي التقليدي الذي يهرب إلى سرديات دينية ثابتة. وبالنظر إلى هذا الواقع، تظلّ دعوة العروي إلى تبنّي التاريخانية منهجًا نقدًّيًا – حتى في حال وعيه بانتقادات بوبر لها – ضرورةً ملحّةً

لفك تشابك "منطق الصهيونية السياسية" الذي لا يزال يحكم دينامية الصراع. وفي نهاية الأمر، يدعو إلى إعادة صَوغ الفكر العربي في اتجاه تاريخانية عملية، قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة، من

دون الوقوع في "فخّ التعميمات". بعد تفكيك البنية الأيديولوجية للصهيونية السياسية وآليات اشتغالها الخطابية، أصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى تحليل النتائج العملية لهذه الأيديولوجيا في الواقع العربي والفلسطيني. فهزيمة عام 1967 لم تكن، في نظر العروي، سوى التعبير الأوضح عن اختلالات أعمق في الوعي والاستراتيجية. ومن هنا، يعالج المبحث الثالث من هذه الدراسة قراءة العروي لتداعيات هذه الحرب، مع التركيز على الحركة الفلسطينية وإمكاناتها وحدودها في ضوء المنهج التاريخاني.

ثالث ا: قراءة العروي لتداعيات حرب عام 1967 والحركة الفلسطينية

يقدّم العروي، في نصوصه المتنوّعة، تحليلًا نقدًّيًا لتداعيات حرب عام 1967، ويكشف ضعف

النظام الناصري وازدواجية المعايير الغربية ودور الدعاية والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية مستقلة.

(5((العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص.16 (5((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.90

(59) Arkoun, p. 111.

ويرى أن الحداثة "تستدعي تبنّي الفكر الماركسي نظرية نقدية قادرة على تقويم مسارها"، وأن "الدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تُشيّد

على ضوئها السياسات الثورية". ويفسّر هذا المنظور الماركسي التحليلي قراءته لتداعيات هزيمة

عام 1967، باعتبارها فرصة لقطيعة مع التبعية الناصرية، نحو استراتيجية فلسطينية مستقلة. وقد ذهب العروي في كتابه أزمة المثقفين العرب (1974) إلى أن الهزيمة كشفت عن أزمة في الوعي العربي، وأنها "نهاية عصر" في التاريخ العربي؛ إذ أدّت إلى إعادة تقييم المشروع القومي، ودعوة إلى نقد ذاتي

جذري. وهذا التحليل لا يرى أنّ هزيمة عام 1967 هزيمة عسكرية فحسب، بل إنها أيضًا لحظة كشفٍ عن تناقضات بنيوية في الفكر السياسي العربي، ويستلهم ذلك من دروس الماركسية لفهم التطوّرات

الاجتماعية والتاريخية.

1. تداعيات حرب عام  1967: الفقدان والازدواجية الغربية

يؤكد العروي أن حرب عام 1967 أدّت إلى "فقدان فلسطين كاملة، وإن كان ذلك مؤقتًا"، ويبيّن كيف

أن "الصهيونية تعزّزت تدريجيًا خلال هذه الفترة، مدعومة بقوى خارجية". ويبرز، في سياق نقده

النظام الناصري، أن الهزيمة أظهرت ضعف الاعتماد على الدعم السوفياتي الذي تحوّل إلى خيانة،

في مقابل الدعم الثابت الأميركي لإسرائيل؛ ما يعكس ازدواجية السياسات الدولية. وهذا الرأي يتردّد في تحليلاته اللاحقة؛ إذ يرى هزيمة عام 1967 "درسًا" لأخطاء المجتمع العربي، داعيًا إلى إعادة بناء

الوعي التاريخي لتجاوز التقليدية. ويُعرّي العروي "ضعف النظام السياسي لعبد الناصر" الذي اعتمد على الدعم السوفياتي، من دون

إدراك تحّولّاته، ويشير إلى أن "الولايات المتحدة لم تتخَّلَ عن إسرائيل أبدًا، بينما تخلت روسيا عن

العرب تمامًا". وهذا الانهيار "يُذَِّكِرُ بأن التاريخانية لدى العروي هي فعل مستمر من إعادة النظر

وإعادة التشكّل". ويربط الهزيمة بفشل المثقفين العرب في تبنّي نقدٍ ذاتي، ويرى أنها "ثورة داخل الثورة"، أدّت إلى تحّولّات فكرية كبيرة في العالم العربي. ولم يكن هذا الضعف عسكريًا فحسب، بل

كان فكريًا أيضًا؛ إذ أدّى إلى انهيار الرواية القومية، كما يُحلّل ذلك في خواطرهعن عام.1967 ويكشف العروي عن ازدواجية المعايير الغربية من خلال أمثلة، منها تغيير الإذاعة الفرنسية خطابها من وصف إسرائيل بأنها "لا تسعى إّلا إلى الحفاظ على وجودها" إلى القول "اتسعت الدولة اليهودية

(6((العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص.125

(61) William Roger Louis & Avi Shlaim (eds.), The 1967 Arab–Israeli War: Origins and Consequences , Cambridge Middle East Studies, vol. 36 (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), pp. 285–314.

(6((عبد الله العروي، خواطر الصباح: يوميات (1967–1973)، ط  2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007)، ص.7

(63) Barnett, pp. 164–166.

(6((العروي، خواطر الصباح، ص.7 (6((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.152

الصغيرة". ويسخر من أن "الاستشهادات الإسرائيلية التاريخية" تُقبل، في حين يجري الاستهزاء ب "الاستشهادات التاريخية العربية". وتكشف هذه الازدواجية عن انحياز غربي عميق، يربطه بالاستشراق، ويشير إلى دور الدعاية في تعزيز هذه الرواية، مستلهمًا ذلك من تحليلاته الأيديولوجيا

باعتبارها أداة هيمنة. وتُذكّر هذه الازدواجية بتحليل أركون "الإسلاميات التطبيقية" التي تنظر إلى الإسلام باعتباره "منظومة متعدّدة الأبعاد"، وتتّصل بمفهوم العروي عن "المستقبل الماضي"؛ إذ "يتخيّل العقل التراثي

المستقبلي على أنه حاضر يجب تحقيقه". وهذا المفهوم "يفسّر الانتقائية في الفكر العربي"، ويُقدّم

خيارين "لا ثالث لهما: إما الانكفاء على الذات [...] أو الاعتراف بتاريخية المفاهيم". وفي سياق عام 1967، يرى العروي أن الهزيمة أدّت إلى "الشتاء الطويل" بالنسبة إلى الاستقلال، فقد فشل العرب في بناء نموذج حديث، وهو أمرٌ عزّز التبعية.

2. تقييم العمليات الفلسطينية بين الإمكانية والجمود

يرى العروي في تقييمه الحركة الفلسطينية أن "العنصر الرئيسي في العمل الفلسطيني يتمثّل في أن الحق [...] ليس كيانًا ثابتًا [...] بل هو نتاج إبداع مستمر". وذهب إلى أن الفلسطينيين "لا يُجسّدون

حقوقًا قديمة، بل يخلقون حقوقًا جديدة"، ويتوافق هذا مع رؤيته التاريخانية عن "صيرورة الحقيقة". ويعكس هذا الرأي تأثّره بالهزيمة، لكونها دافعًا للتأمل في الرؤية التاريخية، كما في إشاراته إلى قسطنطين زريق، الذي يرى في النوائب فرصة لإثارة الوعي التاريخي. ومع ذلك، يُحذّر العروي ممّا يلي: "إذا فشل الفلسطينيون [...] فإنه يخشى أن يدخل العرب عهدًا من

الجمود والخلط الفكري". ويُعَّزَز هذا التحذير بدعوته إلى الالتزام الصارم بالصراع الأيديولوجي

أداةً تحررية. ويربط فشل الحركة بالعودة إلى الخطابات التقليدية، مُحذّرًا من أن ذلك يعوّق "النجاعة

الميدانية"، كما يتضح ذلك في نقده للهزائم العربية.

(6((العروي، خواطر الصباح، ص.19 ((6(المرجع نفسه، ص.20

(68) Stone. (69) Arkoun, pp. 43–63.

(7((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.90 ((7(المرجع نفسه، ص.91–90

(72) David Pryce–Jones, "Self–Determination, Arab–Style," Commentary (January 1989), accessed on 4/8/2025, at: https://bit.ly/3OiC6BQ

(7((العروي، خواطر الصباح، ص.90

(74) Ihab Shabana, "The Post 1967 Intellectual Debate in the Arab World," Middle East Flashpoint , Centre for Mediterranean, Middle East & Islamic Studies, 26/4/2016, accessed on 21/9/2025, at: https://acr.ps/hBy2t1e

(7((العروي، خواطر الصباح، ص.92

(76) Mansour.

وينتقد العروي "الوضع السياسي العربي" الذي "لم يشهد تغييرًا جوهريًا منذ ربع قرن"، ويسجل أن

"القيادة الفلسطينية عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة". وهذا العجز "يُذَِّكِر بأن التاريخانية تقوم على قوانين التطوّر الحتمي".

3. الدعاية الصهيونية وتطوّرات ما بعد عام  1973

يُحلّل العروي آلية الدعاية الصهيونية التي تصوّر إسرائيل باعتبارها "دولة كسائر الدول، لها مشكلاتها

البسيطة والشائكة، تجتهد لحلّها، فتنجح أحيانًا، وتخفق أخرى". وتتغلغل هذه الصورة لإسرائيل بوصفها دولة عادية في اللاوعي الغربي، وتتحكم في التفكير والسلوك. وهذا التغلغل "يُذَِّكِرُ بكيفية

'يُجَِّمِدُ فيها الخطاب التقليدي الزمنَ لصالح 'المستقبل الماضي". ويربط العروي هذه الدعاية

بتحّولّات الرأي العام الغربي بعد عام 1967؛ إذ أدّت إلى تعزيز الرواية الصهيونية على أنها "دفاع عن

الوجود". وقد انتقد العروي العمليات الفدائية خارج فلسطين؛ لأن تكرارها، في رأيه، "سيُضعف التأثير، وتتضاعف

السلبيات". وعلّق على تصريحات الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة (1987–1957) الذي قال إن إسرائيل قادرة على تحقيق الحلم اليهودي بإنشاء دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات، من دون مساعدة الولايات المتحدة الأميركية، واصفًا إيّاها بأنها "تخاذل وتشٍّفٍ"، ورأى أنّ هذا التخاذل "يُذَِّكِرُ بأن

الدعوة إلى الأصالة غالبًا ما تقترن برفض التغريب، لكنها تُفضي إلى 'الاغتراب' تغريبًا مشَّوَهًا". وفي

نظره، تُعزّز مثل هذه التصريحات الجمود، وقد حذّر من مخاطرها على الوحدة العربية. أما حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، فيرى العروي أنها أظهرت أن "مصر استعادت دورها القيادي"، لكنه حذر من خلط "تحرير الأراضي السورية والمصرية المحتلة بمشكل فلسطين". وهذا التقييم

يعكس دعوته إلى الالتزامِبالصراعِالأيديولوجِّيِ أداة تحُّرُرٍ؛ إذ يرى أن عام  1973 كان فرصةً جزئية

لاستعادة الثقة، لكنها لم تحلّ الأزمة البنيوية؛ لأنها "حرب لا يأخذها العرب جدّيًا إّلا في قصائدهم".

(7((العروي، خواطر الصباح، ص.175 (7((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.207–206 (7((العروي، خواطر الصباح، ص.189 (8((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.90

(81) Stone.

(8((العروي، خواطر الصباح، ص.190 ((8(المرجع نفسه، ص.192–191 (8((العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.221 (8((العروي، خواطر الصباح، ص.199 ((8(المرجع نفسه، ص.198 (8((رشيد نيني، "عبد الله العروي: العرب لا يأخذون الحرب مأخذ الجد سوى في قصائدهم"، إيلاف، 2002/4/20، شوهد في

2026/1/21، في: https://acr.ps/hBy2t1y

يخلص تحليل العروي إلى أن حرب عام 1967 هي التي مثّلت لحظة مفصلية؛ لأنها كشفت عن أزمات بنيوية في المشروع القومي العربي. وعلى الرغم من رؤيته لإمكانيات الحركة الفلسطينية في "خلق حقوق جديدة"، فإنه حذّر من مخاطر الجمود إذا فشلت في تبنّي رؤية تاريخانية تتعامل مع الحقوق باعتبارها "نتاج إبداع مستمر"، وليست كيانًا ثابتًا. ويتكامل هذا التحليل مع رؤيته التاريخانية الأوسع التي تؤكد "ضرورة تبنّيه الماركسية أداةً تحليلية"، والحاجة إلى قطيعة معرفية مع التقليد. فتداعيات

عام 1967 لا تُفهم باعتبارها حدثًا عسكريًا معزولًا، بل هي لحظة كشفٍ عن تناقضات بنيوية في الفكر العربي والموقف الدولي، تؤكد حاجة مُلحّة إلى منهج تاريخاني نقدي قادر على تحليل تعقيدات الصراع وتطوير مناهج فعالة تتجاوز منطق القوة والازدواجية الذي حكم – وما زال يحكم – دينامية الصراع العربي – الصهيوني. وهكذا، يدعو العروي إلى تحوّل فكري جذري، كما هو الشأن في حواره المتعلق بالقضية الفلسطينية والقضية الصحراوية؛ إذ يؤكد دور المثقف في إعادة تشكيل الوعي. وإذا كان تحليل العروي لتداعيات هزيمة عام 1967 والحركة الفلسطينية يكشف عن عمق نقده للوعي العربي وللبنية الدولية الحاكمة الصراع، فإن وضع هذه الرؤية في حوار مع مقاربات نقدية أخرى، يتيح توسيع أفق الفهم. ومن هنا، يأتي المبحث الرابع في هذه الدراسة، ليقارن بين تصوّره ومنظور إدوارد سعيد، على نحو يسمح بإبراز حدود كل مقاربة وإمكانات التكامل بين النقد التاريخاني الداخلي والنقد ما بعد الاستعماري للهيمنة الخطابية الغربية.

رابعًا: مقارنة بين رؤية العروي ورؤية سعيد للقضية الفلسطينية

تكشف المقارنة بين هاتين الرؤيتين عن تقاطعات عميقة واختلافات منهجية جوهرية في معالجتهما للقضية الفلسطينية؛ فكلتاهما تنطلق من وعي نقدي بأزمة التمثيل والهيمنة في سياق الصراع العربي – الصهيوني، مع اختلاف في المنطلقات المنهجية والمركز التحليلي والحلول المقترحة. ويُمثّل سعيد، وهو فلسطيني الأصل، صوتًا مضاًّدًا للهيمنة الاستشراقية، أمّا العروي فهو مفكر مغربي يُقدّم، نقدًا تاريخانيًا يُركّز على الأزمة الداخلية العربية. وهذه المقارنة ليست تحليلًا أكاديميًا فحسب، بل إنها تُتيح مجالات لفهم كيفية تشُّكُل الفكر النقدي العربي في مواجهة الاستعمار الاستيطاني، خصوصًا في ضوء تطوّرات، مثل حرب غزة 2025–2023، أعادت إحياء نقاشات عن التمثيل الفلسطيني. وهي تُبرز، أيضًا، كيف أنّ هزيمة عام 1967 أثّرت في المفِّكِرَين؛ فقد رآها سعيد كشفًا للانحياز الغربي، ورآها العروي أزمة هوية عربية تتطلّب إعادة بناء الوعي.

(8((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.53 ((8(العربي، شريّط "حوار إيديولوجي مع الفيلسوف المغربي عبد الله العروي: المسألة الصحراوية والقضية الفلسطينية… وجهان

لعملة واحدة"، المساء، 2008/7/11، شوهد في 2026/1/3، في: https://surl.li/hqmygd

1. التقاطعات الأساسية: نقد الهيمنة والتمثيل المشوّه

يتقاطع المفكران في نقدهما الحادّ للتمثيلات الغربية تجاه الشرق، وللقضية الفلسطينية تحديدًا. فسعيد في مؤَّلَفه الاستشراق (1978) يرى أن هذا المفهوم يشكّل "معرفة قوة"، تُمهّد للسيطرة الاستعمارية، ويُطبّق هذا التحليل في كتابه القضية الفلسطينية، فيكشف كيف يُطمس الصوت الفلسطيني ويُصَوَّر الفلسطينيون "غائبين"، أو إرهابيين في الخطاب الغربي. ويتقاطع هذا النقد، على نحو واضح، مع تحليل العروي لازدواجية المعايير الغربية بعد حرب عام 1967؛ إذ يشير إلى "طمس المأساة الفلسطينية" عبر ثنائيات خطابية غير متكافئة، تُحوّل الحق الفلسطيني إلى "وهم في نهاية المطاف" فحسب. وفي كتاب القضية الفلسطينية، يؤكد سعيد أن الغرب يرى فلسطين أرضًا خالية؛ ما يُبرّر الاستيطان الصهيوني، وهو ما يتردد في نقد العروي الأيديولوجيا الصهيونية التي توظف التاريخ بطريقة انتقائية لتسويغ الواقع. ويتقاطع المفكران، أيضًا، في رؤيتهما للصهيونية باعتبارها امتدادًا للمشروع الاستعماري الغربي. فسعيد يربط الصهيونية بالإمبريالية الغربية، في حين يحلّل العروي "منطق الصهيونية السياسية" التي تسعى لتحويل العدالة إلى "تسويغ للواقع" لمصلحة الأقوى. ويظهر هذا التقاطع في كيفية ربطهما بين الذاكرة الغربية والدعم لإسرائيل؛ إذ يرى سعيد أن الاستشراق يُشكّل "الفلسطيني" على أنه عدٌّوٌ، أمّا العروي فيُحذّر من تعزيز الهزائم العربية هذا التمثيل المشوّه. وفي مقالته المتعلقة بإعادة النظر في الاستشراق Orientalism Reconsidered" "، يُعيد سعيد النظر فيه بوصفه ممارسة معرفية وسياسية مستمرة، ويُبرز كيفية تمثيل القضية الفلسطينية لحظة كاشفة لعجز الغرب عن تفكيك إرثه الاستعماري ومساءلة الأسس المعرفية التي لا تزال تُشرعن الهيمنة والاحتلال، بدلًا من نقدهما. إنّ ذلك يتطابق مع توصيف العروي للقضية الفلسطينية باعتبارها "مشكلة الغرب" التي تتطلّب فشلًا سياسيًا للصهيونية في تحقيق السلام. ويشترك المفكران كذلك في رفض التعميمات الاستشراقية؛ فسعيد ينتقد تصوير الإعلام الغربي المسلمين "متعصبين"، والعروي يرى أن هذا الأمر جزء من ثنائية تُبرّر الهيمنة.

(90) Edward W. Said, The Question of Palestine (New York: Vintage Books, 1979), pp. 44–54. (91) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," pp. 51–52. (92) Edward W. Said, "The Intellectual Origins of Imperialism and Zionism," Black Agenda Report (1977), accessed on 28/5/2025, at: https://acr.ps/hBy2ssK (93) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 56. (94) Edward W. Said, "Orientalism Reconsidered," Cultural Critique , no. 1 (Autumn 1985), pp. 89–107. (95) Ibid., p. 97.

2. الاختلافات المنهجية: التاريخانية في مقابل ما بعد الاستعمارية

تتجلّى الاختلافات الجوهرية بين رؤيتَي العروي وسعيد في المنهج والمركز التحليلي: • المنهج: ينطلق العروي من منهج تاريخاني ماركسي براغماتي يدعو إلى قطيعة معرفية جذرية مع التراث الجامد وتبنّي أدوات تحليلية غربية (خصوصًا الماركسية) لفهم السيرورة التاريخية، فهو يركز على النقد الداخلي للخطاب التقليدي العربي بوصفه سببًا رئيسًا للتبعية والجمود. ويدعو

في كتابه أزمة المثقفين العربإلى تبنّي الماركسية أداةً لفهم التطورات الاجتماعية، على الرغم من انهيارها أيديولوجيًا. وفي المقابل، يتبنّى سعيد منهجًا ما بعد استعماري، مستلهَمًا من ميشيل فوكو

وأنطونيو غرامشي، يركز على الخطاب والتمثيل باعتبارهما أداتَي هيمنة، ويدعو إلى صوت مضاٍّدٍ، يُعيد كتابة السردية من دون تبٍّنّ كليّ للأدوات الغربية. ويرفض سعيد القطيعة الكاملة، مفضّلًا نقد

الخطاب من الداخل، كما هو الشأن في تغطية الإسلام Covering Islam؛ إذ يحلل كيفية تشكيل الإعلام صورة العرب. • المركز التحليلي: يتمحور تحليل العروي حول أزمة الوعي العربي الداخلية، بما يشمل الجمود التقليدي وغياب المسؤولية الفردية والجماعية. وهكذا، يرى في العرب والفكر التاريخيأن فلسطين تُجسّد فشل النهضة العربية بسبب الاعتماد على "الحق التاريخي" الجامد، في حين يُركّز سعيد على الهيمنة الاستشراقية الخارجية وآليات الخطاب الإعلامي والثقافي الغربي في تشويه الصورة الفلسطينية وتصوير الإسلام على أنه عدو. ويؤكد في القضية الفلسطينية أن الفلسطينيين "غائبون" في السردية الغربية؛ ما يجعل نقده خارجيًا أكثر، نسبًّيًا، أمّا العروي

فيدعو إلى محاسبة داخلية على الهزائم.

3. الحلول المقترحة: البراغماتية التاريخانية في مقابل المقاومة الثقافية

ينعكس هذا الاختلاف المنهجي في الحلول التي يقترحها كل مفكر، وذلك كما يلي: • رؤية العروي البراغماتية: يرى في التاريخانية أداةً للاندماج في الحداثة العالمية، وأن "الدور التاريخي الغربي الممتد من عصر النهضة إلى الثورة الصناعية هو المرجع الوحيد للمفاهيم التي تشيّد على ضوئها السياسات الثورية". ويدعو إلى "إبداع حقوق جديدة" عبر نضال دينامي

(9((العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص.125

(97) Edward W. Said, Orientalism (London: Penguin, 2003 [1987]), pp. 1–28. (98) Edward W. Said, Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How we see the Rest of the World, Rev. ed. (New York: Vintage Books, 1997). (99) Ibid. (100) Said, The Question of Palestine , p. xvii.

(10((العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص.125

يعترف بنسبية المفاهيم. ويقترح إضعاف الصهيونية عبر مقاومة فلسطينية غير قابلة للقمع، مستلهمًا ذلك من فشل الاستعمار الكلاسيكي. • رؤية سعيد المقاومة: يؤكد أهمية الهوية والسردية المضادة، مُحذّرًا من تبنّي الأدوات الغربية

على نحوٍ كلٍّّيٍ. ويرى في كتابه تمثيلات المثقفأن دور المثقف هو أن يكون "صوتًا مضاًّدًا" يعيد

كتابة التاريخ من منظور المضطهدين. ورؤيته هذه تتعارض مع رؤية العروي البراغماتية التي تدعو إلى تبنّي أدوات التحليل الغربية لمواجهة التحديات الداخلية. ويقترح في كتاب القضية

الفلسطينية دولة علمانية ديمقراطية تعترف بالتاريخين اليهودي والفلسطيني، مع التركيز على المقاومة الثقافية ضد التمثيل المشوّه.

4. القيمة التكاملية للرؤيتين

تكشف المقارنة أن رؤية العروي وسعيد ليستَا متناقضتين، بل متكاملتان: • تكامل النقد الداخلي والخارجي: يُكمّل العروي سعيد بتقديم نقد داخلي لأزمة الوعي العربي

والتبعية الذاتية، في حين يُكمّل سعيد العروي بنقد خارجي لآليات الهيمنة الخطابية والثقافية

التي يعانيها الخطاب الفلسطيني والعربي. ويظهر هذا التكامل في كيفية تركيز سعيد على "الغياب الفلسطيني" في الإعلام، أمّا العروي فيدعو إلى إعادة تشكيل الوعي في مواجهة ذلك. • إطار تحليلي شمولي: يُشكّل فكر كلّ من العروي وسعيد إطارًا تحليليًا شاملًا لفهم القضية

الفلسطينية باعتبارها صراعًا فكريًا – سياسيًا مركّبًا، يتطلّب ثورة مزدوجة؛ ثورة داخلية تاريخانية

تعيد تشكيل الوعي العربي وتجاوز الجمود التراثي، وثورة خارجية خطابية تكسر هيمنة السردية الصهيونية وتُعيد بناء التمثيل الفلسطيني في المخيّلة العالمية. ويساعد هذا الإطار في فهم

تطوّرات معاصرة، مثل دور الإعلام الاجتماعي في تغيير الرواية. • التاريخانية والنقد الثقافي: يُقدّم العروي أدوات تحليلية لفهم السيرورة التاريخية والتحّولّات

البنيوية، أمّا سعيد فيُقدّم أدوات نقدية لكشف آليات التمثيل والخطاب. وهذا التكامل يتيح قراءة

أكثر شمولية للقضية الفلسطينية لكونها ظاهرة تاريخية – سياسية – ثقافية معقدة، كما هو الشأن في النقاشات المتعلقة بدور المثقفين في الصراع.

5. حوار منهجي لإعادة تشكيل الفكر النقدي الفلسطيني

تكشف هذه المقارنة عن أن حوار المنهجيات بين التاريخانية البراغماتية للعروي والنقد الثقافي لما بعد الاستعمار لسعيد يُشكّل إطارًا غنًّيًا لإعادة تشكيل الفكر النقدي الفلسطيني والعربي. ففي حين يُحذّر

(10((العروي، العرب والفكر التاريخي، ص.207–206

(103) Laroui, "La logique du sionisme politique et la paix," p. 60. (104) Edward W. Said, Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures (New York: Vintage Books, 1996). (105) Nathan J. Robinson, "The Wisdom of Edward Said Has Never Been More Relevant," Current Affairs , 23/10/2023, accessed on 10/10/2025, at: https://acr.ps/hBy2sKX

العروي من مخاطر "المستقبل الماضي" والجمود التراثي، يُحذّر سعيد من مخاطر الهيمنة الخطابية

والتمثيل المشوّه. وكلاهما يقدّم "خريطة طريق فكرية" تتجاوز الثنائيات الجامدة: الداخل/ الخارج،

والتراث/ الحداثة، والهوية/ الاندماج. ويذكّرنا هذا الحوار بأن فهم القضية الفلسطينية وتطوير استراتيجيات فعالة لحلّها، يتطلّبان نقدًا مزدوجًا؛ نقدًا داخليًا لجذور التخلف والتبعية في الفكر العربي، ونقدًا خارجيًا

لآليات الهيمنة والتمثيل في الخطاب الغربي. وفي هذا السياق، تبقى رؤية العروي التاريخانية، ورؤية سعيد النقدية أداتين متكاملتين لفك تشابك تعقيدات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وإعادة تصوّر

سُبل المواجهة الفكرية والسياسية في عالم تسوده علاقات قوّة غير متكافئة وهيمنة ثقافية مستمرة. ويُعزّز

هذا التكامل دور المثقف بوصفه صوتًا مقاومًا، كما يظهر ذلك في تأملات سعيد في "المنفى" فضاء

للنقد، ودعوة العروي إلى التاريخانية أداةً تحرر.

خاتمة: التاريخانية أداة نقدية مزدوجة، نحو مقاومة فكرية متكاملة وتحررية

تُجسّد النظرة الشاملة إلى أفكار عبد الله العروي عن المسألة الفلسطينية، من خلال التفاعل بين

أبعادها المختلفة، نظامًا فكريًا متماسكًا، يمزج بين الكشف العميق عن التناقضات الجوهرية والحث

العملي على تحوّل جذري. ويتجاوز هذا النظام الذي يعتمد المنهج التاريخاني أداةً تحليلية حيّة

تفكيك الروايات التراثية العربية التي تُحوّل النزاع إلى رمز جامد يتعدّى كَشْف آليات الأيديولوجيا

الاستعمارية التي تحوّل الواقع المفروض إلى حقيقة مطلقة، ليرسم مسارًا فكريًا يمكّن الوعي العربي

من بناء خطوات سياسية فعالة تكون قادرة على تجاوز مجالات مغلقة من الإحباط والخيال. ويتمثّل جوهر قوة هذا النهج في قدرته على إعادة تأويل الكوارث التاريخية – مثل الاقتلاع الجماعي في عام 1948، أو الانهيار في عام 1967 – من وقائع مدمرة تُختزل في سرديات عاطفية، و"نقاط تحوّل" تُحفّز على استجواب جذور الضعف الذاتي؛ ما يمهّد لتحرير الذهن من الوهم الذي يعوّق

الفعل. وبهذا، لا يصبح التاريخ سردًا للماضي فحسب، بل يصير فضاءً حيوًّيًا يتيح إعادة صَوغ الواقع؛

إذ تتحوّل المسألة الفلسطينية من مطالبة بحقوق موروثة فحسب، إلى عملية بناء مستمرة أيضًا، تكون

مشروطة بوعي يُدرِك تغيّر المعاني وأهمية الدور الناشط بالنسبة إلى الفرد والجماعة في تشكيل

المستقبل. لكن هذا التحوّل يتطلّب رفضًا حاسمًا للتراث على أنه كيان مقدس، واعتماد منظور يؤكد

مرونة الأفكار ومسؤولية الذات في صنع الأحداث؛ ما يتيح مجالات لاستراتيجيات جديدة تتجاوز الاعتماد على الرموز القديمة. وفي هذا الإطار، تأتي الموازنة مع أفكار إدوارد سعيد لتعزّز البناء التحليلي، وتكشف عن تفاعل

ضروري يتجاوز التنافس إلى الاندماج. ففي حين يركز العروي على استكشاف الضعف الداخلي وأسباب الركود الثقافي، يكشف سعيد عن آليات السيطرة الخارجية التي تعمل على تشويه الصور

(106) Francesca Orsini, Neelam Srivastava & Laetitia Zecchini (eds.), The Form of Ideology and the Ideology of Form: Cold War, Decolonization and Third World Print Cultures (Cambridge: Open Book Publishers, 2022), pp. 215–240.

والسيطرة على السرديات. ويعكس هذا التفاعل حاجةً عميقة إلى نقدٍ مزدوج؛ أحدهما يعيد بناء الذات من الداخل لتجاوز الركود، والآخر يتحدى السيطرة الخارجية لاستعادة الصوت المسروق.

ومن خلال ذلك، لا يصبح التحرر رفضًا للاستعمار فحسب، بل يصير، أيضًا، عمليةَ بناءٍ متكاملة تجمع بين إعادة صَوغ الوعي الذاتي ومواجهة الآليات التي تحوّل الوجود إلى غياب، على غرار

التحديات الإعلامية المعاصرة التي تُعزّز الروايات المهيمنة. ومع ذلك، يُبرز هذا التفاعل جوانب نقدية تثري رؤية العروي وتوسع أفقها. فعلى الرغم من فعاليتها

في استشراف الآليات التي تحوّل الواقع إلى مبرر، فإنها تثير تساؤلات عن قدرتها على تجنّب مخاطر

الاندماجِالكلِّّيِ في أطر تحليلية خارجية، خصوصًا في عصر يسيطر فيه التواصل الرقمي على تشكيل

الوعي؛ ما قد يؤدي إلى أشكال جديدة من التبعية. فهل يمكن أن يواجه التركيز على النقد الداخلي وحده قوة السيطرة الإعلامية والثقافية التي تحوّل الواقع إلى رواية مفروضة؟ إنّ هذا السؤال، المستمدّ

من الموازنة بين النهجين، يؤكد أن الحل ليس في اختيار جانب واحد، بل في بناء تفاعل دينامي يجعل النقد الذاتي مدعمًا بمقاومة السيطرة الخارجية، ويحوّل الدعوة المتمثلة في بناء حقوق جديدة إلى

استراتيجية تعيد صَوغ الصورة العالمية. في الواقع الحالي، مع تجدد الصراعات الدموية وتعميق التناقضات الدولية، تكتسب رؤية العروي بعدًا حيويًا يتجاوز النظرية إلى التطبيق التحرري؛ إذ يُبرز الإحباط المتكرر، والعودة إلى الروايات

المغلقة، والاستمرار في إخفاء الواقع الفلسطيني، وعيًا ضرورًّيًا يُحوّل الخسارات إلى "نقاط قوة"،

ويرفض الرضوخ لقوانين السلطة المفروضة، مستلهمًا من دروس الاستعمار السابقة دليلًا على إمكانية

التغيير. ومع ذلك، لتحقيق أقصى تأثير، يجب أن تُدمج هذه الرؤية في دروس المقارنة؛ فبناء مستقبل عادل لا يتطلّب تجديد الوعي من الداخل فحسب، بل تحدّي السيطرة على السرديات العالمية، أيضًا، كما يجري في التحديات الإعلامية الرقمية التي تعيد رسم خرائط الصراع. هكذا، تنتهي هذه الدراسة إلى استنتاج مركّب. فرؤية العروي، في تفاعلها مع منظور سعيد، تقدّم إطارًا

لمقاومة فكرية متعددة الطبقات. وهي مقاومة تُعيد السيطرة على المسار من خلال استجواب ذاتي صارم يتجاوز الركود، وتواجه السيطرة من خلال صوت يُعيد صَوغ التاريخ من منظور المقموعين، وتتجنّب أن

تكون محاصرة بالموروث أو مستعبدة للخارج. وفي هذا المنظور، فإنّ المسألة الفلسطينية هي معركة متعلقة بالأرض، وفرصة لإعادة صوغ الهوية العربية في عصرنا أيضًا؛ ويكون ذلك استنادًا إلى تحوّل

فكري وسياسي يرفض قوانين السلطة، ويُمهّد لعدالة تكون مرنة، ومبتكرة، ومبنية على أخلاقية الفعل.

المراجع References

العربية

العروي، عبد الله. مفهوم الأيديولوجيا. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1993 ________. مفهوم العقل. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1997

________. الأيديولوجيا العربية المعاصرة. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،

________. خواطر الصباح: يوميات (1967–1973). ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2007 ________. السنّة والإصلاح. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2008 ________. العرب والفكر التاريخي. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2017 الجابري، محمد عابد. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. ط  2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1990 ________. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. ط  5. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994 بنعبد العالي، عبد الّسلّام. التاريخانية والتحديث: دراسات في أعمال عبد الله العروي. الدار البيضاء:

دار توبقال للنشر،.2010

الأجنبية

Arkoun, M. Pour une critique de la raison islamique. Paris: Maisonneuve & Larose,

Aron, Raymond. La philosophie critique de l’histoire. Paris: Vrin, 1950. Baumgold, Deborah & Burke A. Hendrix (eds.). Colonial Exchanges: Political Theory and the Agency of the Colonized. Manchester: Manchester University Press, 2017. Barnett, Michael N. Dialogues in Arab Politics: Negotiations in Regional Order. New York: Columbia University Press, 1998. Gallagher, Nancy. "Interview – the Life and Times of Abdallah Laroui, a Moroccan Intellectual." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 3, no. 1 (1998). Hanssen, Jens & Max Weiss (eds.). Arabic Thought Beyond the Liberal Age: Towards an Intellectual History of the Nahda. Cambridge: Cambridge University Press, 2016. Jebari, Idriss. "Historians and the Future: Abdallah Laroui’s Prescriptions for a Recovered Moroccan Modernity." London School of Economics and Political Science (LSE). (2023). at: https://bit.ly/4tHfrzn Labelle Jr., Maurice M. "’The American People Know So Little’: The Palestine Arab Refugee Office and the Challenges of Anti–Orientalism in the United States, 1955– 1962." Mashriq & Mahjar: Journal of Middle East and North African Migration Studies. vol. 5, no. 2 (2018).

Laroui, Abdallah. "La logique du sionisme politique et la paix." Souffles. n o. 15 (numéro

________. Islamisme, modernisme, libéralisme. Beyrouth: Centre culturel arabe, 1997. Orsini, Francesca, Neelam Srivastava & Laetitia Zecchini (eds.). The Form of Ideology and the Ideology of Form: Cold War, Decolonization and Third World Print Cultures.

Robinson, Nathan J. "The Wisdom of Edward Said Has Never Been More Relevant."

Roger Louis, William & Avi Shlaim (eds.). The 1967 Arab–Israeli War: Origins and Consequences Cambridge Middle East Studies. vol. 36. Cambridge: Cambridge

Said, Edward W. "The Intellectual Origins of Imperialism and Zionism." Black Agenda

________. Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures. New York:

________. Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How we see the

Dispossession: The Struggle for Palestinian

Shabana, Ihab. "The Post 1967 Intellectual Debate in the Arab World." Middle East Flashpoint, Centre for Mediterranean, Middle East & Islamic Studies (2016). at:

spécial) (1969). ________. Islam et histoire. Paris: Albin Michel, 1999.

Cambridge: Open Book Publishers, 2022.

Current Affairs. (2023). at: https://acr.ps/hBy2sKX

University Press, 2012.

Report (1977). at: https://acr.ps/hBy2ssK ________. The Question of Palestine. New York: Vintage Books, 1979. ________. "Orientalism Reconsidered." Cultural Critique. no. 1 (1985).

Vintage Books, 1996.

Rest of the World. Rev. ed. New York: Vintage Books, 1997. ________. Orientalism. London: Penguin, 2003 [1987]. ________. The Politics of Self– determination, 1969–1994. New York: Vintage Books, 2012.

https://acr.ps/hBy2t1e