العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مفهوم الأصالة الثقافية الأفريقية: قضايا إشكالية ومنهجية ومواضيع أخرى

مفهوم الأصالة الثقافية الأفريقية: قضايا إشكالية ومنهجية ومواضيع أخرى

The Concept of African Cultural Authenticity: Problematic and Methodological Issues and Other Topics

مجاهد الدومة *

Mujahid Eldouma *

الملخّص

عنوان الكتاب : مفهوم الأصالة الثقافية الأفريقية: قضايا إشكالية ومنهجية ومواضيع أخرى . المؤلف : عبد الله بولا. إعداد ومراجعة : نجاة محمد علي. الناشر : جوبا: دار رفيقي للطباعة والنشر. سنة النشر : 2025. عدد الصفحات: 163.

Abstract

Researcher. He Received a Master’s in Sociology and Anthropology (Doha Institute for Graduate Studies). Email: mko001@dohainstitute.edu.qa

الكلمات المفتاحية:
  • الفكر العربي المعاصر
  • السودان
  • الهوية
  • الثقافة
  • الأصالة
  • أفريقيا
Keywords:
  • Africa
  • African Philosophy
  • Arab Thought
  • Identity
  • Authenticity

عنوان الكتاب: أخرى. المؤلف:

عبد الله بولا. إعداد ومراجعة:

نجاة محمد علي. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

جوبا: دار رفيقي للطباعة والنشر.

مقدمة

لقد ظلّت كثير من كتابات الباحث والمفكر والفنان التشكيلي السوداني، عبد الله أحمد البشير (2018–1940)، المعروف

بعبد الله بولا، غير متاحةٍ لجمهور القراء إلا بعد

وفاته، وذلك عَبْر جهدٍ ممتد ومتأٍّنٍ من الباحثة

والكاتبة وشريكته، نجاة محمد علي، التي دأبت في جمع أعماله وتحريرها وطباعتها وتوزيعها واحدًا تلو الآخر. فهي تعكف على إخراج الأعمال التي لم تُتَح للجمهور، إضافة إلى أنها

درجت في السنوات الأخيرة على إصدار طبعاتٍ منقحة للأعمال التي نُشرت في نهاية ثمانينيات

القرن العشرين في طبعاتٍمحدودة يصُعب

اقتناؤها. يتكون الكتاب من سلسلة أوراق بحثية ومقالات يجمع بينها "خيطٌ ناظمٌ"، يقدّم من خلاله المؤلّف

إسهاماته في مفاهيم الأصالة والتحرر والتعليم وغيرها من القضايا التي سنتعرض لها، منطلقًا

في ذلك من حقولٍثلاثة: الفلسفة والجماليات والأنثروبولوجيا مداخلَ نقديةً. وفي هذا

المسار، يتعمّق المؤلّف في تحليله، من خلال نقدٍ

مزدوج في الجغرافيا السياسية والبنية المعرفية والمفاهيمية التي اتبعتها القوى الاستعمارية وطرائق عملها في الدول الأفريقية، ويقدّم نقدًا للاعتلالات المرتبطة بنخب هذه الدول وقادتها في حراكها الفكري والسياسي والثقافي المقاوم في أزمنة الاستعمار، وفي سياق تشكّل الدولة

(((يمكن اعتبار النص الأخير في هذا الكتاب "الشعوب الإثنولوجية" بمنزلة مقدمة ومدخل إلى الكتاب، ولا سيما أنه نص من ثلاث صفحات مكتوب بخط اليد وُجد بين أوراق

المؤلف بعد رحيله. لذا، فإن وضع النص في نهاية الكتاب يفقده أي قيمة، خاصةً أنّ ما يثيره من أسئلة مفتاحية تناولتها

مقالات الكتاب الأخرى على نحو أكثر عمقًا.

الوطنية (دولة ما بعد الاستعمار). وكما يشير فالنتين–إيف مودمبي، فإن الخطاب الاستعماري أعاد اختراع أفريقيا موضوعًا معرفيًا وفق

منطقه الخاص عبر الأدوات المادية والرمزية: الإرساليات التبشيرية والدراسات الأنثروبولوجية وغزو دول القارة استعمارًّيًا.

أولا: في جينيالوجيا الأصالة

يُستَهل الكتاب بورقةٍ بحثية عنوانها مماثل لعنوان

الكتاب "مفهوم الأصالة الثقافية الأفريقية: قضايا إشكالية ومنهجية". وقد نشر الحلقة الأولى منها مركز البحوث والدراسات الأفريقية، في عام 1988، وفيها يعرض المؤلّف مفهوم "الأصالة" الثقافية للاختبار النقدي، بدءًا من

تشريح المفهوم اصطلاحيًا في اللغات العربية

والإنكليزية والفرنسية، والالتباسات المرتبطة ب "الأصالة" فيما هي إشارة إلى أصل الشيء، تزامنًا مع معنى مغاير حول الفرادة والابتكار

والتميز، وذلك لما مثّله، وما زال يمثّله، المفهوم من أساس نظري بالنسبة إلى كثير من التيارات الفكرية والسياسية في أفريقيا، من دون أن يكون هذا المفهوم مضبوطًا نظريًا أو ذا شحنة نقدية

معبّرة عما تتطلع إليه هذه التيارات، أو تقول إنها

تعمل على ذلك (ص. 9)؛ إذ لا تعبّر المفاهيم

عن أبنية مسبقة وجاهزة، بل "ينبغي ابتكارها وصنعها، أو بالأحرى إبداعها ". وفي حال غياب هذه الحاسة النقدية، فإن الأمر الذي يؤدي إلى الانغلاق داخل مقولات تقتل روح المبادرة

(2) Valentin–Yves Mudimbe, The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge (Bloomington: Indiana University Press, 1988), p. 154.

(((جيل دولوز وفليكس غتّاري، ما هي الفلسفة؟ ترجمة

ومراجعة وتقديم مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي؛ المركز الثقافي العربي، 1997)، ص.30

والإبداع، بل تنفيهما أيضًا عن شعوب القارة؛

فكأن هذه الشعوب حبيسة أطر ثقافية جامدة وتاريخ لا يبارح مكانه (ص. 10) يشرع المؤلّف، في سعيه لتفكيك مفهوم الأصالة، في قراءة المشهد المعرفي والسياسي عبر تفُّحُص

السياقات التي وُظّف فيها والطرائق التي تغير بها

المفهوم؛ بدءًا من كونه وسيلة مقاومة داخلية

لمحاولات القوى الاستعمارية تقويض الحياة الاجتماعية وممارسات الشعوب المستعمرة الثقافية وتغريبهم عن ذواتهم، وصولًا إلى تَغيّر مضامين

ما يحمله المفهوم نفسه، من خلال سياسات "الحكم غير المباشر" التي تبنّتها هذه القوى لتدجين الشعوب وكبح روح المقاومة فيها، استنادًا إلى إيهامهم بوجود مجال من الحرية والاحترام لممارسات هذه الشعوب ومؤسساتهم الاجتماعية.

لكن ذلك يكون، في الوقت نفسه، مع نظرةٍ وتصور لهذه الشعوب؛ أنها خارج مسار التقدم الحضاري (ص. 17). وقد أصبح هذا الأمر جزءًا من وعي

النخب الوطنية من مثقفي القارة ومفكريها، وهو المجال الذي تشتغل به المقالة الثانية في السلسلة، وقد خُصصت لتحرّي مواقف المثقفين الأفارقة

المحافظين الذين تبنّوا الطرح القائل بوجود فلسفة أفريقية "أصيلة"، اعتمادًا على مؤلف كتبه المبشر البلجيكي بلاسيد تمبلز Placide Tempels عنوانه فلسفة البانتو. وصدر هذا الكتاب في عام  1945، وفيه يقدم "أنا" أوروبية، واعية بذاتها ومفكرة، قبالة "هم" أفريقية جماعية غير تاريخية. ويطرح هذا المثال سؤ لًا عن ضرورة إنتاج معرفة خارج الإطار الذي رسمه الغرب/ تمبلز في هذه الحالة. غير أن المؤلّف لا يقف عند هذا الحد من إنتاج الغرب لهذه التصنيفات، بل يُحمّل النخب الأفريقية ذاتها مسؤولية قبول هذا

الإنتاج و"إعادة تدويره"؛ إذ كان جزء من النخب المثقفة في القارة يصف الذين عارضوا ما قدّمه تمبلز وقلّلوا من أعماله بأنهم "ببساطة جاحدون لشخص جعل تفلسفهم ممكنًا". وكما أشار

المؤلّف في وقتٍ سابق في ثنايا الكتاب، فإن هؤلاء المثقفين درجوا على قبول مفهوم الأصالة كيفما اتفق، وأًّيًا ما كانت الجهة التي صدر منها. وتشير الجهة هنا إلى مشارب التفكير والتحيزات التي تحملها الذات، أو ما يصطلح عليه والتر دو منيولو بالجغرافيا السياسية للذات العارفة. لذلك، من المهم الإشارة إلى تفُّحُص المجال

المعرفي والسياسي الذي انطلق منه تمبلز، المبشر البلجيكي التابع لاتحاد المناجم، وهو ينبثق من مهمة نشر "مبادئ الطاعة والقناعة المسيحية والرضا بالواقع بين العمال الزنوج" (ص. 23). ومن ثمّ، فإن كتابه موجّه في الأساس

إلى المستعمرين الأوروبيين. يتقاطع ما طرحه المؤلّف في هذه السلسلة

مع مقالة أخرى في الكتاب عنوانها "في مفهوم الخصوصية والعالمية: تأملات نقدية وإشكالية"؛ إذ يطرح فيها نقدًا يستند إلى الأساس نفسه الذي نقد به مفهوم الأصالة، من جهة أن مفهوم العالمية هو مفهومٌ وليد

"السيطرة الاقتصادية، السياسية والثقافية للغرب الرأسمالي الإمبريالي" (ص  134 وتبرز). العالمية بوصفها مفهومًا انتقائيًا، وحتى حركات

التحرر الوطني التي طعنت في المفهوم كانت، في الأساس، بحسب المؤلّف، تنظر إلى الغرب على أنه جهة الحصول على الاعتراف منه.

(4) Mudimbe, The Invention of Africa , p. 154. (5) Walter D. Mignolo, "Epistemic Disobedience, Independent Thought and De–Colonial Freedom," Theory, Culture & Society , vol. 26, no. 7–8 (2009), pp. 1–23.

وعلى الرغم من ذلك، توجد "بعض طبقات الغبار" التي تحيط بموقفه، والزمانية التي تُموضع فيها الجغرافيا التي يستند إليها الغرب الرأسمالي الذي يمكن تفُّحُصه في خطابات

فلسفة التنوير نفسها وخطاباتها. لكن المؤلّف يشير، في موضوع سابق من الكتاب، إلى فلسفة الأنوار بأنها تنظر إلى المجتمعات البشرية كافة بأفق تحرري بالنظر إلى كونها فلسفة الثورة على الإقطاع (ص. 17). وفي حين كان المؤلّف ينتقد الأنثروبولوجيين الأوروبيين الأوائل، من أمثال برونيسواف مالينوفسكي ورادكليف بروان، وغيرهما، بإغفالهم جانبَي الاستعمار

السياسي والاقتصادي، فإن المؤلّف وقع في "الفخ" نفسه، ثمّ إنه يغفل أي مجال تحرري

وجغرافي كان حاضرًا في فلسفة الأنوار؛

"العقل" والمجتمعات الأوروبية حصرًا، وهو

أمرٌ أحال العقل (يقصد به العقل الغربي) أداةً

للهيمنة والسيطرة والإخضاع. فالمؤلّف يغفل ضرورة الموضعة التي أشار إليها بيار بورديو في مساءلة التحيزات غير المعلنة، لكنها تعتمل في الخيارات النظرية والمنهجية والمقولات الصادرة عن هذه الذوات، في هذه الحالة، المنتجة لفلسفة الأنوار وامتدادها. وليس أكثر دلالة على ضرورة ذلك ما أورده المؤلّف نفسه في كلمة المدير الفني لبينالي البندقية، جان كلير، الذي رأى أن دخول أعمال الفنانين غير الغربيين (من فنّاني العالم الثالث

(((بهاء الدين محمد، "التناقضات الفكرية في بيان هابرماس

عن حرب غزة: بين كونية الِق يَم وخصوصيتها"، مجلة الفراتس (((بيار بورديو، "المَوْضعَة المشاِر كة.. أو: في موضعة الشروطِ

الاجتماعية للموضعة"، ترجمة الحبيب الدرويش، عمران، مج 9، العدد 34 (خريف 2020)، ص 154–139، شوهد في

2026/6/2، في: https://acr.ps/hBy2sfH

بحسب تعبيره) إلى قاعات العرض الكبرى يُدرج في "دائرة اللامعقول" (ص 137)، ليصل

إلى خلاصته المتمثلة في أن الصورة في مجال الفن التشكيلي في ثقافة الغرب ارتقت إلى مجال المتعة الجمالية، بينما تتعلق في الثقافات الأخرى بمجالات السحر والدين. لذلك، لا يقتصر الأمر على الحاجة إلى "زلزلة" المتحدرين من الهوامش ورصفائهم المبعدين في الغرب مفهومَ العالمية، بل إنه يقتضي تعمقًا

أكثر من ذلك، من خلال عصيانٍمعرفي يعيد فك الارتباط الذي يَعُدّ الغرب مرجعيةً، وينتزع

امتياز التصنيف نفسه من "العالم الأول" أو ما يسميه كاسترو غوميز غطرسة النقطة صفر، وهي الجغرافيا نفسها التي أنتجت، بحسب المؤلّف، مفهومًا للخصوصية غرائبيًا ومتحفيًا

(ص. 148)

ثانيًا: التحرر وجغرافيته السياسية

يواصل بولا في مبحثه، "التحرير – التعليم – التأصيل: مساهمة في تحسين المفاهيم الأساسية"، مراجعاته وتنقيبه الجينيالوجي المتعلق بالانخراط في المفاهيم التي شكّلت حركة التحرر الوطني الأفريقية، والتي – كما ذكرنا من قبلُ – يرى اضطرابًا وضعفًا وتشوهًا في بنيتها (ص. 60)؛ بدءًا

من مفهوم التحرر نفسه، الذي يُمفهمه بوصفه

حركة أبدية بين الواقع والفكر من جهة والوسائل والغايات. وهنا، يذهب إلى وضع غاية لمفهوم التحرر متمثلة في "بناء الإنسان الحر المعافى من نوازع الخوف والتسلط والخضوع" (ص. 61). ومن أجل تحقيق هذه الغاية، ينحو إلى ضرورة

(8) Mignolo.

خلق شروطٍ اجتماعية تمكّن كل فردٍ في المجتمع من أن يكون مبادرًا وممتلكًا حاسّةً نقدية تجاه

ذاته  (ص. 61). لذا، يمكننا في الوهلة الأولى من التفكر في مفهوم "التحرر" استكناه أنه تحرر مما أطبق قسرًا؛ وهو، بحسب المؤلّف،

متمظهر في الاستعمار بشقيه: شقّ قديم متمثل

في بعدٍ اقتصادي ينتج المواد الخام ويصدرها إلى المستعمرات، ومن ثم يوزع الإنتاج المصنع

في البلاد المستعمرة، وبعدٍ اجتماعي كامن في السيطرة والتحكم في المجتمعات المستعمرة وإعادة تشكيل وجودها الاجتماعي وجعله رهينًا

وتابعًا للمستعمر (ص. 64)، وشقّ آخر مرتكز على

بنية استعمارية جديدة متمثلة في استمرار علاقات التبعية والبنية التي أنتجها الاستعمار، على الرغم من التخلص المظهري منه. وهكذا، يشرع المؤلّف في تبيان الآليات التي اتخذتها القوى الاستعمارية في سبيل غاياتها، عبر سياسات وقوانين الحكم غير المباشر؛ من أجل تكييف التنظيمات الاجتماعية والسياسية في المستعمرات لتتولى إدارة مصالح الاستعمار نفسه، عن طريق سياسة التمثيل والاحتواء. وبهذه المقدمات، يصل المؤلّف إلى أن المعركة ضد الاستعمار الحديث هي في جوهرها معركة ضد العناصر المحلية التي غرس الاستعمار بنيتها في جسد الوجود التاريخي لبلدان الجنوب. لذا، يخلص إلى أن هذه المعركة هي في الأساس "ضد البنى التي تنتج التبعية في الأشخاص والظواهر" (ص. 77). واستنادًا إلى ذلك، يستجلي المؤلّف مواقف رواد حركة التحرر الأفريقية في الصعد المختلفة؛ الفكرية والفنية والسياسية، وفي مجال العلوم الإنسانية؛ فحتى المخلصون منهم، في نظره، لم يتنبهوا إلى أنهم تعاملوا مع تبعية الاستعمار على أنها ظاهرة، وأنها ليست

بنية؛ لذا، حافظوا على إعادة إنتاجها في سعيهم لتحقيق استقلال مجتمعاتهم منها، بل إنهم حافظوا على تقوية عناصر البنية الاستعمارية في الحياة الاجتماعية والثقافية أيضًا. يتمظهر هذا التمثل في التوجهات التي اتخذتها النخبة المثقفة والسياسية إزاء مسألة التحرر، والتي استبعدت منها الجماهير كلًّيًا، إذ كان يوجد

ارتباكٌ في التعامل مع الجماهير؛ فنظرت النخبة الثورية إلى هذه الجماهير بوصفها مواضيع

للتغيير وليست ذواتٍفاعلة فيه (ص). 79 وهنا، يقدّم المؤلّف مقاربته في النظر إلى

دولة العناصر المحلية (ما يصطلح عليه بدولة ما بعد الاستعمار) في كونها ما هي إلا تكثيف لتطور البنية الاستعمارية عبر نخبة من الوكلاء المحليين الذين انفتحت أمامهم أبواب الامتياز والاستغلال، وتسلّمت دورها المباشر في العنف والقمع السياسي والفكري؛ لذا تُغيّب الجماهير

على نحو دائم من منظور هذه النخبة. ونجد أن

هذا الاتجاه قد أشار إليه، في سياقٍآخر، المؤلّف نفسه، والمفكر الهندي بارثا شاترجي الذي ينظر إلى دولة ما بعد الاستعمار بوصفها اشتقاقًا منه. بعد أن فحص بولا الإشكاليات المنهجية المرتبطة بمفهوم التحرر، قدّم نماذج وأمثلة من تجارب

الرواد في الدول الأفريقية، لتفُّحُص الكيفية التي

انعكس بها القصور المنهجي على الممارسة العملية، وذلك عبر تجربته وتجربَتي كوامي

نكروما (1972–1909) في غاناوجوليوس

(9) Partha Chatterjee, The Nation and Its Fragments: (New Jersey:

Colonial and Postcolonial

Histories Princeton University Press, 1993).

((1(أفرد عبد الله بولا بعد سنوات من كتابة هذا البحث كتابًا

منفصلًا لتناول تجربة نكروما. ينظر: عبد الله بولا، كوامي

نكروما: ملامح من سيرة نضاله الفكري والسياسي – دراسة نقدية، إعداد ومراجعة نجاة محمد علي، ط  2 (سبها: منشورات مركز الدراسات والبحوث الأفريقية، 2024.)]1993[

نيريري (1999–1922) في تنزانيا. ويتخذ بولا من هاتين التجربتين مج لًا يبيّن من خلاله مواطن

الخلل التي أصابت كلا الرجلين في مسألة تبنّي

سياسات تعليمية تحررية، وعلاقة ذلك بغياب الضبط المنهجي اللازم للمفاهيم ذات الصلة بالتحرر، وهو ما نجمت عنه انعكاسات في ممارستهما العملية. فنكروما على سبيل المثال قد استعان بعد استقلال غانا بمنهجيات وخطط تنمية صيغت في فترة الاستعمار، وبمستشارين أجانب غير ثوريين، بل ينسب بعضهم ذلك إلى "مؤسسات التخطيط التنموي والأيديولوجي الاستعماري" (ص. 86). وفي حين يبيّن المؤلّف الإصلاحات

المهمة التي قدّمها نكروما في مجال التعليم؛ من

زيادة في أعداد المدارس وتأميمها، وضمان مجانية التعليم، فإنه ينتقد اختزاله للمؤسسات التعلمية في قناة للتعبئة وتعزيز سلطة الدولة من جهة، من دون أن تتحول إلى مجال نضالي من جهة أخرى. ويعزو المؤلّف الاعتلالات المنهجية والعملية لنكروما إلى مجال تشكّله المعرفي؛ فهو ينحدر من

الجماهير الشعبية، ولكنّ تكوينه في المؤسسات

التعليمية الغربية المحافظة أثّر كثيرًا في توجهاته

والتزامه الثوري بمسائل التحرر، وقد ظهر هذا الأمر في العلاقة المشوشة بين نكروما والجماهير الشعبية التي لم يلتحم بها وبقضاياها على نحو

كافٍ (ص. 88). وهذا ما أشار إليه فرانز فانون، من قبلُ، في مستهل نقده للاتجاهات القومية في

البلدان المستعمرة، وكيف أنّ البرجوازية الوطنية

في هذه الدول مثّلت موقعها بوصفها وسيطًا

ما بين الرأسمالية الغربية والمجتمعات المحلية. وهذا الموقع يسهم في تغريب الجماهير الشعبية، ولا يعبّر عن تطلعاتها وآمالها، ويتحوّل إلى تحُّرُر

شكلي من دون مضمون.

(1((فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص.160–124

ومن ناحية أخرى، امتلك نيريري، على عكس نكروما، فلسفةً تعليمية ورؤية نظرية متكاملة أطلق عليها "التعليم من أجل الاعتماد على الذات". أمّا

بولا، فيشير إلى أن التجربة التعليمية لم تخلُ من

اختلالات في مسارها؛ نتيجة الضعف المنهجي في ضبط مفهوم التحرر منهجيًا والمفاهيم

الفرعية المرتبطة به، وهو ما تمظهر في بَينٍ

واسع بين غايات التحرر التي يحددها نيريري

في الحرية والمساواة، وبين ما توسله من أدواتٍ (الحزب – الدولة) لا يمكن أن تحقق شروطًا اجتماعية تضمن للجماهير الشعبية الحق في اتخاذ القرار، ولا يمكن أن تكفل لها ذلك. وهنا، يطرح المؤلّف تساؤلًا عن التحرر نفسه، في نقده

إحدى خطوات نيريري الذي استعان فيها بتدريب القادة العسكريين التنزانيين في جغرافيا الكيان

المحتل (إسرائيل)؛ ما يطرح عدة تساؤلاتٍ عن مدى ثورية الحركة التحررية وهي تتعاون مع نظام استعمار إحلالي، وعن مجال التحرر نفسه

وإذا ما كان يقتصر عند نيريري على حدودٍ قومية لا تنظر إلى أبعد من ذلك.

ثالثًا: أُّيُ أُفق تحرري؟

في مسار بولا النقدي بشأن ما شاب حركات التحرر الوطني من نقائص مفهومية واعتلالات منهجية انعكست في الممارسة العملية، نجد أنه لا يبتغي هذا النقد من أجل ذاته، بل في سبيل مساءلة إرث ممارسات ماضي هذه الحراكات والتجارب؛ من أجل فتح آفاق معرفية لمفاهيم تحُّرُر هي في الأساس مضادة للحدود القومية؛ إذ

إن إنهاء الاستعمار بشقّيه؛ القديم والحديث هو

محاولة لتحطيم الحدود التي فرضها الاستعمار نفسه في مسائل التعليم. وهنا يطرح المؤلّف ما وصل إليه من مقترحات في نقاط يمكنها أن

تُسهم مع جهود آخرين في رفد أفق التحرر في

مجال التعليم، ويتمثّل أبرزها فيما يلي:

• استناد جوهر التعليم إلى حكمة الشعوب ومعرفتها وتجاربها، وما تتّسم به من تعددية

ثقافية وثراء في مصادر المعرفة نفسها؛ بما في ذلك الاعتناء بالشفاهي، من دون الركون إلى اقتراض مفاهيم التحديث والتجديد الجاهزة. • فتح آفاق من أجل مفهمة مختلفة للتعليم ووسائله ومؤسساته وغاياته، مع تفُّحُص

إمكاناتٍ أخرى متعلقة به خارج المؤسسات الرسمية، والمدرسة، والجامعة؛ ما يتيح بناء التعليم على مبادئ الديمقراطية والحوار المتبادل، ومن ثمّ ترسيخ شعور عميق في

الناشئة متمثل في الانتماء إلى التراث والإبداع الإنساني.

خاتمة

تكتسب المداخلات النظرية التي قدّمها بولا في هذا الكتاب أهمية راهنة، خاصةً مع ما يشهده العالم من مشهدية عنوانها الإبادة والقتل والوحشية، وهو

عالمٌ انتفت فيه الحدود الهشة بين استعمارٍ قديم

وجديد، وأصبحت آلة العنف تجتُّزُ حياة الناس

وتقتلهم في ثوانٍمعدودات، عبر سياساتٍ حيوية تدّعي سيادة على أجساد الناس وحياتهم، أو هي، بحسب أشيل مبيمبي، سياسات نكرووية، أو سياسات الموت، تعمل فيها الشركات العابرة للقارات والقوى الإمبريالية على السيطرة على بلدان الجنوب العالمي. وتكتمل حلقات هذه السياسات في الاستعمار الإحلالي في فلسطين من خلال توسّع المحتل وسعيه للسيادة على

حياة الناس، بل التحكم أيضًا حتى في أجسادهم

(12) Joseph–Achille Mbembé & Libby Meintjes, "Necropolitics," Public Culture , vol. 15, no. 1 (2003), pp. 11–40.

بعد موتهم، وذلك اعتمادًا على سرديات تاريخية وهوياتية. وتُشير المسألة المذكورة إلى قصورٍ نظري متعلق بمداخلات بولا؛ إذ على الرغم من بنائه مشروعه المعرفي على مفكرين مهمّين، فإنّ هؤلاء ينحدرون

من منطقة واحدة (غرب أفريقيا)، في حين تغيب تجارب أخرى وأسماء مهمة، على غرار أملكار كابرال ووالتر رودني وعلي مزروعي. وهذا

الأمر يطرح تساؤلاتٍ عن حصر عملية التحرر

في أفقٍضيق؛ قارّي وقومي، لا يتجاوز أحيانًا

التقسيم القارّي، ووضع هذه العملية في سياق

الجنوب العالمي كلّه، عبر استدعاء تجارب جنوب آسيا وأميركا اللاتينية؛ من قبيل مشاريع تحفر في الأرضية المعرفية النقدية نفسها، مثل راناجيت غوها، وبارثا شاترجي، ووالتر د. منيولو. وثمّة أمرٌ آخر غائب عن مداخلات بولا، ونعني به

غياب النظر إلى ما تفرزه التناقضات الداخلية في القارة نفسها بشأن مسألة التحرر؛ إذ توجد علاقات قوة وسلطة داخلية بين الدول نفسها، وهي في حاجة إلى صَوغ أفق أوسع يشتبك مع الاستعمار

وإرثه في مستويين، هما: أولًا، ما يتخلق من علاقات هيمنة واستعمار مصدرها الشمال العالمي وتوجّهه جنوبًا؛ ثانيًا، في الوقت نفسه، ما تنتهجه

دولٌ وسياقاتٌ اجتماعية في منطقة الجنوب تجاه

دولٍوسياقاتٍ أخرى. بمعنى آخر: كيف يمكن أن

يكون المستعمَر نفسه مستعمِرًا.

((1(قصي همرور شيخ الدين، "مثقفون سودانيون في فضاء

الأفروعمومية: قراءة في كتابات عبد الله بولا"، مجلة الدراسات

الأفريقية (الجزائر)، مج  3، العدد 12 (حزيران/ يونيو 2025)، ص.115–102

(14) Eve M. Troutt Powell, A Different Shade of Colonialism: Egypt, Great Britain, and the Mastery of the Sudan (Berkeley: University of California Press, 2003), pp. 1–8.

المراجع References

العربية

بورديو، بيار. "المَوْضعَة المشارِكة.. أو: في موضعة الشروط الاجتماعية للموضعة". ترجمة الحبيب

الدرويش. عمران. مج 9، العدد 34 (خريف.)2020 بولا، عبد الله. كوامي نكروما: ملامح من سيرة نضاله الفكري والسياسي – دراسة نقدية. إعداد ومراجعة نجاة محمد علي. ط 2. سبها: منشورات مركز الدراسات والبحوث الأفريقية، 2024.]1993[دولوز، جيل وفليكس غتّاري. ما هي الفلسفة؟ ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي؛ المركز الثقافي العربي،.1997 شيخ الدين، قصي همرور. "مثقفون سودانيون في فضاء الأفروعمومية: قراءة في كتابات عبد الله بولا". مجلة الدراسات الأفريقية (الجزائر). مج  3، العدد 12 (حزيران/ يونيو.)2025 فانون، فرانز. معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015 محمد، بهاء الدين. "التناقضات الفكرية في بيان هابرماس عن حرب غزة: بين كونية القِيَم وخصوصيتها".

مجلة الفراتس).2024/7/2(

الأجنبية

Chatterjee, Partha. The Nation and Its Fragments: Colonial and Postcolonial. Histories. New Jersey: Princeton University Press, 1993. Mbembé, Joseph–Achille & Libby Meintjes. "Necropolitics." Public Culture. vol. 15, no. 1 (2003). Mignolo, Walter D. "Epistemic Disobedience, Independent Thought and De–Colonial Freedom." Theory, Culture & Society. vol.  26, no. 7–8 (2009). Mudimbe, Valentin–Yves. The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge. Bloomington: Indiana University Press, 1988. Troutt Powell, Eve M. A Different Shade of Colonialism: Egypt, Great Britain, and the Mastery of the Sudan. Berkeley: University of California Press, 2003.