العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهوية و الاغتراب في الوعي العربي

الهوية و الاغتراب في الوعي العربي

Identity and Alienation in Arab Consciousness

حسن حنفي

Hassan Hanafi

الملخّص

يعود حسن حنفي في ورقته هذه إلى الغوص في معنى الهُويّة وارتباطها الجدليّ باللّغة، ويرى أنَّ الهُويّة تتحوّل إلى اغتراب عندما تنقسم الذّات على نفسها بين ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون، وذلك بسبب الاستبداد الواقع عليها. ويفرّق بين أشكال عديدة للاغتراب، مشددًا على العلاق المتينة بين الهُويّة والحرّية. ويؤكد أنّ انتقال التعدديّة اللغويّة إلى مستوى الثقافة يؤدي إلى تفتيت الأوطان إذا لم يتم استيعابها في مشروع حضاريّ واسع، يقبل التحدّي التاريخيّ، وهو ما بدت مؤشرّاته في الثورات العربيّة التي أنتجت لغة جديدة تعبرّ عن استرداد الهُويّة ونهاية الاغتراب.

Abstract

In this study the author explores the meaning of identity and its dialectical relationship with language. Hanafi argues that identity metamorphoses into alienation when the self is internally divided between what it is and what it must become. He then differentiates between different forms of alienation, and emphasizes the strong relationship between identity and freedom, maintaining that the shift from linguistic pluralism to the level of culture leads to the disintegration of nations, unless these are absorbed into a wide-scale civilizational project that meets the historical challenge. Signs of this happening, he argues, were evident in the Arab revolutions that produced a new language that restored identity and put an end to alienation.

الكلمات المفتاحية:
  • الاغتراب
  • لوجوس
  • الهوية
  • الوعي العربي
Keywords:
  • Alienation
  • Arab Consciousness
  • Identity
  • logos

" الهُويّة واللغة "، موضوعان مرتبطان، يتفاعلان في السّلوك الفرديّ والاجتماعي داخل الأوطان. يؤثّر كلٌّ منهما في الآخر، قوّةً وضعفًا. إذا قويتْ الهُويّة قويتْ اللُّغة، وإذا ضعُفَتْ الهُويّة ضعُفَتْ اللُّغة. اللّغة تعبيرٌ عن الهُويّة طبقًا للقول المشهور: " تحدّثْ حتّى أراك ". وقد تحدّثَ اللهُفي الوحي حتّى تُعرف هُويّته. وتعني كلمة " لوجوس " في المسيحيّة، كما هي الحال في إنجيل يوحنّا، الكلمة والهُويّة والوجود في آن واحدٍ. والعروبة ليست بأب أو أمّ، كما هو في الحديث الشّهير، إنمّا العروبة هي اللّسان. فكلّ من تحدّثَ العربيّة فهو عربيٌّ. وكلّ علماء العجم الذين تحدّثوا العربيّة، مثل سيبويه والفارسي وابن سينا... وغيرهم هم عربٌ، وبلال الحبشيّ، وصُهَيب الروميّ، وسلمان الفارسيّ، صحابة الرّسول، هم عربٌ أيضًا بفعل اللّغة.

أولا: الهُويّة واللّغة: المعنى الاشتقاقيّ

" الهُويّة " من الضّمير " هُو "، يتحوّل إلى اسم، ومعناه أن يكون الشّخص هُو. هو اسم إشارة حيُيل إلى " الآخر "، وليس إلى " الأنا ". وهو ما يُعادل الحرف اللاتيني Id. ومنها اشتقّ أيضًا لفظ Identity، أمّا لفظ " الإنّية " فهو

يعادل الحرف اللاتيني Ipse، ومنها اشتق Ipseity. وعليه، تمنَعُ كلّ أنانيّة وخصوصيةٍ، لأنّ الهُويّة تُثبتُ الآخر قبل أن تُثبتُ الأنا. ولا تُشتقّ الهُِويّة من ضمير المتكلّم المفرد " الأنا " إالّ بمعنى الأنانيّة في مقابل الغيريّة. أمّا لفظ " الإنية " فمشتقٌّ من "ّإن "، حرف توكيدٍ ونصب، ومعناه أن يتأكّد وجود اليشّء وماهيّته من خلال التّعريف. ويمُاثل لفظُِ" الهُويّة " لفظَ" الماهيّة " عند الفلاسفة، أيْ جوهَر اليشّ ء وحقيقته. الهُويّة تماثلٌ بين الأنا والهُو، في حين أنّ الماهيّة متُاثل بين اليشِّء ونفسه. وهو أيضًا لفظٌ مشتقٌّ من أداة الاستفهام " ما "، وضمير الغائب المؤنّث " هي "، يستعمل في التعريف، في حين أنّ لفظ " الهُويّة " يُستعمل في الوجود. أمّا لفظ " جوهر " فهو صورةٌ فنّية من المعادن الثمينة، ويعني اللبّ والحقيقة، أو أغلى ما في اليشّ. ء أمّا اللغة فإهنّا مشتقّةٌ من فعل " لغا "، " يلغو "، ومنها اللّغو أي كثرة الكلام وقلّة المعنى. وقد أصبح سائدًا بمعنى " اللّسان "، وهو اللفظ الذي يعادل Langue، الذي يعني أيضًا اللسان. وفي علوم اللغة أصبح الشّائع هو " اللسانيات "، وليس اللغويّات. وهو اللّفظ المستعمل في القرآن ﴿ل سَانُ الَِّذِي يُلْحِدُونَ إلَِيْهِأَعْجَمِيٌّ وهذَا لسَانٌ عَريَبٌِّ مُبِينٌ﴾ [النحلِ]103:، في حين يكثُر استعمال لفظ الكلام، وهو صفةٌ لله، فالله متكلّمٌ، وقد يكون صمتًا، أو إشارةً أو رمزًا، كما حدث مع مريم عندما كانت آية براءتها أالّ تكلم الناس ثلاث ليال إالّ رمزًا. والصّمت عند الصوفيّة لغةٌ وتعبيرٌ أبلغ من الكلام، إذا اتّسعَت الرّؤية ضاقت العبارة، كما صرّح النفري. الهُويّة أسبق في الوجود الإنساني من اللغة، وإن كان الوجود أسبق منها. فالوجود يوجد أواّلً، ثمّ يتحرّك باعتباره وعيًا ذاتيًّا إلى هُويّة، ثمّ تُعربّ الهُويّة عن نفسها في اللغة لإيصال رسالتها إلى الآخرين. فاللغة تعبير وإيصالٌ. ولا يوجد إالّ هيدغر الذي قال إنّ اللغة منزل الوجود، فاللغة توجد أواّلً، ثمّ يسكن الوجود فيها،

وهي المعركة التي دارت في الفلسفة الغربية بين الفلسفة الحديثة، حيث تسبق الماهية الوجود، والماهيّة هي الفكر أو الوعي، أو بالتعبير الديكارتي " الكوجيتو "؛ والفلسفة المعاصرة التي يسبق فيها الوجود الماهيّة. فالوجود أواّلً، ثمّ تتخلّق الماهيّة بفعل الحرّية. الوجود هو الهُويّة ودلالته هي الماهيّة، واللغة هي الحامل لها والمؤثّر فيها. وقد تحدّث الفلاسفة عن قانون الهُويّة، أن يكون الشيء مطابقًا لنفسه وليس غيره. وهو مبدأٌ ميتافيزيقيٌّ من مبادئ الوجود. وعدّه الوضعيّون تحصيال حاصالً. فمن الطبيعيّ أن يكون الشيء هو نفسه وليس غيره. هو مشكلةٌ زائفةٌ، وعليه لا حلّ لها، فالفيلسوف المثاليّ يثير الغبار، ثمّ يشتكي من عدم الرّؤية. والحقيقة أنّ الهُويّة ليست قضيّةً صوريّةً بين الإثبات والنّفي، بين المثالييّن والواقعييّن، بل هي تجربةٌ إنسانيّة معيشةٌ. فالإنسان هو الذي له هُويّة وليس اليشّء الطبيعيّ. هُويّة اليشّء إسقاط من هُويّة الإنسان على الطبيعة، من الداخل على الخارج. تتجىلّ في لغة الحبّ الإنساني، ولغة الحبّ الإلهي عندما يقول الحبيب " أنت أنت "، واصفًا الحبيب سواء كانت الحبيبة أم الله. وهي لغة التوحّد بين الحبيبين " أنا أنت، وأنت أنا ". وكلّ صياغةٍ نظريّةٍ لقانون الهُويّة وما يقابله من قانون التّناقض هي تجريدٌ نظريٌّ لتجربةٍ معيشةٍ، كما هي الحال في قانون الجدل عند الفيلسوف الألماني فشته الأنا تساوي الأنا، والأنا ليست " ا الّأنا ". قانون اله ويّة تعبيرٌ عن ألمانيا المحتلّة من نابليون. وقانون التّناقض هو التّعارض بين ألمانيا والمحتلّ. والأنا المطلق المركب من الأنا و " ا الّأنا " هي الإنسانية الخالية من الاحتلال عندما تعيش الشّعوب جميعها كشعب واحد. الهُويّة إمكانيةٌ توجد، أو لا توجد، مصاحبةً للوجود كوعيٍ ذاتيٍّ. تتخلّق بالحرّية. كلّ ذات لها هُويّة كامنة توحّدها وتحميها من الانقسام. الوجود الإنسانيّ غير الوجود الطبيعيّ. مقولاتها الوجود والإمكانيّة والوعي الذاتيّ، وليس الوجود والعدم. جعلها هيغل في منطقة جوهر الوجود تتخلّق منه، ولكن ليس بفعل الضرورة بل بفعل الحرّية. وفي هذه الحالة تسمَّى اله ويّة " الهُويّة والذاتيّة " identity - Self. وفي هذه الحالة لا يحتاج تحليل الهُويّة واللغة إلى مراجع القيل والقال ونقل تجارب الآخرين وتحليلاتهم من دون الاستناد إلى تجربةٍ معيشةٍ حيّةٍ. وقد تمّ اللّجوء إليها في أقلّ الحدود.

ثانيًا: الهُويّة والاغتراب

تتحوّل الهُويّة إلى اغتراب عندما تنقسم الذّات على نفسها بين ما هو كائنٌ، وما يجب أن يكون. وبسبب الاستبداد الواقع عليها، تشعرُ الذّات بالانكسار، أو ما سامّه الفلاسفة الوجوديّون المعاصرون " الاغتراب "، تعيشُ في عالم لا تسيطر عليه، وتشعرُ بالعجز عن تغييره، لا تمارس حريّتَها، وبذلك تفقدُ وجودَها. يصبح وجودها مثل العدم، أو على الأقلّ، مثل الوجود الطبيعيّ للأشياء. فالوجود الإنسانيّ بلا حرّية يُصبح وجودًا طبيعيًّا، يُصبح شيئًا، يُصبح جزءًا من عالم الرضّ ورة. والاغتراب في المقابل ليس ظاهرةً نفسيّةً خالصةً، أو ظاهرةً يدرسُها علم النّفس المرضيّ، بل هي ظاهرةٌ وجوديّةٌ يَدرسُها علم النفس الوجودي، فالنّفس في بدن، والبدن في عالم، وهو ما سامّه الوجوديّون " الوجود في العالم " (Sein - Welt - der - In). والاغتراب أيضًا ظاهرة في علم النّفس المعرفيّ، إذ يستطيع المغترب أن يكتشف عوالم لا يكتشفها السويّ، مثل معظم الفنّانين، وكما

هو معروف "ٌالفنون جنون "، السّلبُ إيجابٌ، والإيجابُ سلبٌ. ما يهمّ هو النّقطة الحسّاسة التي تتكشّف منها الدلّالات بلمسِها، لذلك كان المنهج الوصفيّ أفضلَ المناهج لتناول " الهُويّة واللغة ". وهو المنهج القادر على تحليل التجارب الشعوريّة من أجل اقتناص دلالاتها، التّجارب الذاتيّة والتجارب المشتركة. وللاغتراب أشكالٌ عديدةٌ، الاغتراب الدينيّ، والاغتراب الاجتماعيّ، والاغتراب الثقافيّ، والاغتراب السياسيّ، والاغتراب التاريخيّ، وهو ما ظنّه البعض هُويّة دينيةً، أو اجتماعيةً، أو سياسيةً، أو ثقافيةً، أو تاريخية.ً يتخلّل الاغتراب الدينيّ الطبقات كلّها، العُليا والوُسطى والدُنيا، تجد الذّات نفسها في غيرها الأقوى منها، تعويضًا عن عجزها، وهو الله، فتتّجه إلى الله فكرًا وشعورًا وسلوكًا. فهو الموجود القديم الباقي الذي ليس له مكانٌ، ولا يشبه الحوادث، وواحدٌ كردّ فعل على أوصاف الذّات الإنسانيّة. فالذّات غير موجودة، وجودُها طائرٌ عرضيٌّ، أقرب إلى العدم. وهي قديمةٌ تمتدّ جذورها في أعماق الوجود، وليست ذاتًا عارضة حادثة. وهي ذاتٌ باقيةٌ لا تفنى في مقابل الذّات المتّجهة نحو الموت. فلكلّ أجل كتابٌ. وهي ذاتٌ حاضرةٌ في كلّ مكان، وليست محدّدةً في مكان تنهزم فيه ولا تهرب. وهي لا تشبه الحوادث لأهنّا غير مرئيّةٍ، ولا متصوّرةٍ" كلّ ما خطر في بالك فالله غير ذلك ". وهي واحدٌ فردٌ لا مثيل له ولا شبيهَ، لا ازدواجيّةَ فيه ولا تعدّدَ. وهي الأوصاف الستّ التي يعطيها الوعي المغترب للذّات الإلهية، يرى فيها نفسه، ويتخيّل فيها كماله، ويعربّ من خلالها عام يجب أن يكون. وتُعزى له سبع صفات: العلم، والقدرة، والحياة، والسّمع، والبصر، والكلام، والإرادة، كردّ فعل على الإحساس بالجهل والعجز والموت، ولا سمع ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة، كما هو المثل في الحكمة الصينيّة القديمة: " لا أسمع، لا أبصر، لا أتكلّم ". وتُعزي الذّات وتجسّد آمالها وما تريد تحقيقه في أسماء الله التّسعة والتّسعين. تعربّ عامّ يُريد الإنسان تحقيقه من عزّةٍ وقوّةٍ وهيمنةٍ. ويحتمي الوعي المغترب بالنصّ إذا عجز عن فهم الواقع، ويتّجه إلى الله في التصوّف صاعدًا إليه في الطريق الصوفي، ابتداءً من التّوبة حتّى الفناء، معزّيًا نفسه بالصبّر والتوكّل والرّضا والقناعة، وخيُ في اغترابه الفعليّ بالأشكال والرسوم والشعائر في العبادات، مبيّنًا التزامه بها. وقد استعملت الحركة السلفيّة في الانتخابات الأخيرة في مصر شعارات مثل " طريق الرّسول "، " الطريق إلى الله "، والفرج آت من أعلى. ويتوحّد مع الرسول في الأدعية النبويّة في الموالد والأعياد الدينية محواّلًالرّسالة إلى شخص الرّسول، يحفظ القرآن ويُرتّله، ولا يعمل به لأنّه أسهل، ويروي الأحاديث النبويّة طريقًا للخلاص، ويُفسرّ القرآن، جاعال معاركه في التاريخ، يجعل الدّين هو كلّ شيءٍ في حياته، يضمن به السّعادة في الدنيا، والخلاص في الآخرة. أمّا الاغتراب السياسيّ فهو لجوء النّخبة بخاصّةٍ إلى الاحتماء بالأيديولوجيا السياسيّة، بصرف النّظر عن نوعها، أليبراليّة كانت أم ماركسيّةً أم اشتراكيّة أم قوميّة. فالحقيقة ليست في تحقّق اله ويّة في العالم، ابتداءً من وحدة الذّات دون انقسامها، لكن في المذهب السياسي، تمامًا مثل الاغتراب الديني الذي يرى خلاصه في العقيدة الدينية. وتخرج اله ويّة في مذهب نخبويّ ليس بالضرورة أن يتحقّق، وليس بالرضّورة أن تكون له جماهير، على عكس الاغتراب الدينيّ الذي ينبع من قلب الجماهير. الاغتراب السياسي أن تجد الذّات نفسها في حزب، كما يجد الاغتراب الدينيّ نفسه في جماعةٍ. فالهُويّة الضّائعة تجد نفسها مع الآخرين، نخبةً أو جمهورًا. الانتماء إلى حزب سياسيّ تعويض عن الهُويّة الضائعة. فالبديل أفضل من ا الّشيء. الاغتراب السياسيّ هو أن تختار النخبة أيديولوجيات علمانيّةً خالصةً، مثل الليبراليّة أو الاشتراكيّة أو القوميّة أو الماركسيّة، والجماهير مغروزة إلى أعناقها في موروثها الدّينيّ، الذي تكون له أغلبيّة الأصوات في حالة انتخابات حرّة نزيهةٍ. وتكون

الأيديولوجيات العلمانيّة، على الرّغم من تعبير برامجها عن مصالح الجماهير، في الأقلّية، محاصرةً بين المطرقة والسّندان. هو اغترابٌ مزدوجٌ؛ اغترابٌ دينيٌّ عند الجماهير، واغترابٌ سياسيٌّ عند النّخبة، كلّ منها ردّ فعل على الآخر. النتيجة مختلفةٌ، لكن البداية واحدةٌ. وهو الولاء الأيديولوجيّ الم سبق بدالً من الاعتماد على الثقافة الشعبيّة وجعلها حامالً للبرامج الوطنيّة. الخطاب السلفيّ يعرف كيف يقول، استعمال الموروث الدينيّ، لكنّه لا يعرف ماذا يقول، الدعوة إلى الأوامر والنّواهي الدينية الخاصّة معظمها بالجنس. والخطاب العلمانيّ يعرف ماذا يقول، الحرّية والديمقراطية، والتعدّدية السياسية والمجتمع المدنيّ، لكنّه لا يعرف كيف يقول، يلجأ إلى الأيديولوجيات الغربيّة للتّحديث، التي لا تفهمها العامّة. ويُقضى على الاغترابين الدينيّ والسياسيّ بإيجاد خطاب ثالث يعرف كيف يقول، استعمال الموروث الشعبيّ، وماذا يقول المضمون الليبراليّ، أو الاشتراكيّ، أو القوميّ. وهو خطابٌ يجمع بين البدن والرّوح، وينتهي الاستقطاب الحادّ بين السلفيّة والعلمانيّة. أمّا الاغتراب الاجتماعيّ فهو انتماء الذّات إلى طبقةٍ عُليا تحمي مصالحها، مُضحّيةً بالهُويّة الوطنيّة. تحقّق الذّات نفسها في مجموعة رجال الأعمال، وحياة البنوك، والمضاربة في البورصات، وتهريب الأموال، والرّشوة، والجمع بين رجال المال ورجال السياسة في طبقة الحكم. وعندما تنتمي الذّات إلى الطبقة المتوسّطة فإهنّا تنعم بالثروة، وتهنأ بالاستهلاك. وتستثمر في " المولات " و " السنتر " لاستنزاف بقايا أموال المُستهلكين. وتجد في " الحداثة " تعويضًا عن فقدان الهُويّة. فلا أحد يُعيبها. أمّا الطبقة الدُنيا فتقضي على اغترابها في الفُتات الذي يُقدّم إليها.. السّلع التموينيّة المدعمة، وطلبات الإسكان الشعبي، والبحث عن علاج مجاني، وتعليم حكومي، أو وظائف للعاطلين في أيّ مكان، وبأيّ أجر. وقد تكون الهجرة هي العلاج الحاسم، وقوفًا أمام السفارات الأجنبيّة بالسّاعات لتقديم طلبات الهجرة. وإنْ استحال تْ الهجرة الشرعيّة لجأ المرء إلى الهجرة غير الشرعيّة عن طريق القوارب في البحار، من الجنوب إلى الشمال، حتّى ولو ضحّى بحياته غرقًا، أو لو قُبض عليه بعد الوصول ورُحّل إلى بلده الأصليّ الذي فقد فيه هويّته. وهو على نقيض الاغتراب الاجتماعيّ الذي يغرق فيه الشابّ في المخدّرات، وينضمّ إلى جماعات الأ. نس لينسى نفسه ويفرّج همّه فالأوّلاغتراب إلى الخارج؛ والثانياغتراب إلى الدّاخل. وفي كلتا الحالين تغيب اله ويّة الذاتيّة الملتزمة بالواقع الاجتماعي، وقد يقع القتل في الاغتراب الأوّل من الشراهة، وفي الاغتراب الثاني من الجوع، وفي كلتا الحالين تغيب القيم، وهنا لا فرق بين غنيٍّ وفقير، فكلاهما يتساويان في الاغتراب، الاغتراب في الغِنى والإغناء، والاغتراب في الفقر والإفقار. أمّا الاغتراب التاريخي فهو ألا تعيش الذّات لحظتها الحاضرة لصعوبة الدخول فيها، وتستسهل العيش في لحظتها الماضية، فتنشأ الحركة السلفيّة، فالماضي أفضل من الحاضر، والصّحابة والتابعون أكثر إغراءً من لصوص اليوم والمرتشين، الماضي مفتوحٌ عن طريق الخيال والتمنّي، والحاضر مسدود عن طريق العقل والفعل. والموروث الديني يؤيّد هذا الاغتراب، مثل " خير القرون قرني "، ﴿فخَل فَ مِنْ بَعْدهِمْ خَلْفٌ أضَاعُوا الصَلّاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهوَاتِ فسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. والثقافة الشعبية والأمثال العامّية تغذّيه، مثل " من فات قديمه تاه "، و " الدهن في العتاقي "، و " إن فاتك الميري اتمرمغ في ترابه ". والتواصل مع الماضي أسهل من التواصل مع الحاضر. والقطيعة مع الماضي أصعب من القطيعة مع الحاضر. لذلك صعُب غرز مفهوم التقدّم، والثقافة كلّها أمور تجعل اجتّاهها إلى الوراء. وقد يكون الاغتراب التاريخي قفزًا نحو المستقبل، فتنشأ الحركة العلمانيّة التي تودّ نقل الحاضر إلى نموذج واحدٍ يقوم على المجتمع المدنيّ في مجتمعٍ دينيٍّ، وعلى الديمقراطية في مجتمع ذي ثقافةٍ استبداديّة، وعلى التعدديّة في مجتمعٍ يقوم على الفرقة الناجية، وأن الحقّ من طرفٍ واحدٍ، وعلى

المساواة في مجتمع تقوم ثقافته على التمايز الطبقيّ باعتباره تمايزًا طبيعيًّا اعتمادًا على سوء تفسير الآية ﴿ورفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجَات﴾ [الزخرف: 32]، ويُسعى إلى تأسيس عقلانيّة في مجتمعٍ يقوم على الخرافة، ويُطمع في إقامة مجتمعٍ علميٍّ، وثقافته تقوم على الأسطورة. أمّا التواصل مع الحاضر الذي يُساعد على استرداد الهُويّة والقضاء على الاغتراب فنادرًا ما يسعى إليه أحدٌ. وإن حدَث فالحاضر لديه هو السّلطة والحكم. حتّى لو وقع نظام ثوريٌّ. فهو استبدال نظام بنظام، ومؤسّسات بمؤسّسات، وخطاب بخطاب، من دون أن تتغري العقلية والمنظور والرّؤية إلى العالم. ولا فرق بين دينيٍّ ومدنيٍّ، فالرؤية واحدة، ولا فرق بين دينيٍّ وعسكري عندما يسعى كلّ منهما إلى السّلطة. وعلى نقيض ضياع الهُويّة في الاغتراب، هناك مزيدٌ من تأكيد الهُويّة، إلى درجة تفجّرها وانتشارها خارج حدودها، كما هي الحال في النازيّة والفاشيّة والعنصريّة والصهيونيّة. وهو ما يناقض المعنى الاشتقاقيّ للفظ " الهُويّة " من " هو "، أي الآخر. ففي النازيّة تتفجّر اله ويّة الألمانية الفرديّة والجماعية خارج حدودها، ليس فقط لضمّ كلّ ألمانيٍّ خارج حدود ألمانيا باعتبارها دولةً وطنيّةً، بل لتبتلع هويّات الآخرين المجاورة الفرنسيّة والهولنديّة والبلجيكيّة والدول الإسلاميّة في أوروبا الشرقيّة والروسيّة. " ألمانيا فوق الجميع ". فالجنس الآري أعلى وأسمى من الجنس السّامي. ويُقدَّم اليهود إلى المحرقة بصرف النّظر عن عددهم. فمن قتل نفسًا بغير حق فكأنمّا قتل الناس جميعًا، ومع ذلك هناك حدودٌ لانتشار الهُويّة بالطريق العسكريّة ومعاداة معظم الشعوب. وهو ما انضمّت إليه اليابان باحتلالها جنوب شرق آسيا. وقد يقال إنّ هذا الانتشار للهُويّة خارج حدودها هو ردّ فعل على هزيمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الأولى وإذلالهما بعد الهزيمة. وقد انتهى هذا الانتشار بالسلّاح النوويّ وتفجير القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي. وهي عنصريةٌ أخرى، إلقاء السلاح النووي على اليابان وليس ألمانيا، والفتك بمئات الألوف من الضّحايا في آسيا وليس في أوروبا. وما قامت به النازيّة في أوروبا والمجال الحيوي في آسيا، قامت به الفاشيّة في أفريقيا عندما احتلّت إيطاليا الحبشة والصومال وليبيا، امتدادًا للهُويّة الإيطالية خارج حدودها. ثمّ قامت الصهيونيّة بالدور نفسه عندما جمعت اله ويّة اليهوديّة من كلّ مكان، وهاجرت إلى فلسطين. وطردت أهلها وشرّدتهم في مخيمّات، أو إلى بلاد المهجر، أو قتلهم في أوطانهم. وما زالت تريد الاعتراف بها كدولة يهوديّةٍ، ليس فقط على حساب الفلسطينييّن، بل أيضًا على حساب السورييّن واللبنانييّن والأردنييّن والمصرييّن، والدول المحيطة كلّها. فلا توجد إلا هُويّة واحدةٌ هي الهُويّة اليهوديّة، وإلا قوميّةٌ واحدةٌ هي القوميّة الإسرائيلية، تقوم الهُويّة هنا ليس فقط على إثبات الذات، بل على العدوان على الآخر، ما يقضي على اله ويّة ذاتها على الأمد الطويل، عندما تبدأ الهويّات الأخرى المُعتدى عليها بحركات التحرّر الوطني، وتنتصر الحرّية على الاستبداد كقانون تاريخيٍّ. وتستطيع الذّات أن تستردَّ هويّتها، وتزيح القسمة عن كاهلها، وتستعيد وحدتها، وتقضي على اغترابها عن طريق الثّقة بالنّفس، وعودة الوعي، وإزاحة الإحساس بالعجز، وأنّ الذّات أضعف من العالم، والعالم أقوى منها. تستطيع ذلك عن طريق الصّدق، وأن يكون ما في القلب على اللّسان، أي التّوحيد بين الهُويّة واللغة، بين الوجود والكلمة. وتستبعد كلّ مظاهر النّفاق عندما تقول ما لا تشعر به، وتشعر بما لا تقوله. وتستبعد كلّ مظاهر العجز عندما تقول ما لا تفعل، وتفعل ما لا تقول. ومن ثمّ ينتهي إعلام السّلطة وفقْه السلطان الذي يقوم على الازدواجيّة. فالاغتراب ازدواجيةٌ لا يمكن القضاء عليه بازدواجيّة أخرَى. وتقاوم كلّ مظاهر الإحساس بعقدة النّقص تجاه الآخر، التي تربّت فيها أمام إيحاء الآخر لها بعقدة العظمة التي لديه. فالبشر

متساوون في الإبداع، والحضارات بين المدّ والجزر، لا توجد حضارةٌ باقيةٌ إلى الأبد، وأخرى ساقطةٌ إلى الأبد. فمسار الحضارات في دورات، وربمّا الحضارة الغربيّة التي تُشعر المواطنَ بالعظمة، هي في الطريق إلى الانهيار، كما تنبّأ بذلك فلاسفتها. وربمّا الحضارة التي يشعر مواطنها بالنّقص هي في الطريق إلى النّهوض، فيما يسمّى " ريح الرشّق "، وترفض كلّ أشكال التعويض الديني والسياسي والاجتماعي التي تمارسها، وتسلك الطريق البديلة، الدخول في مسار التاريخ من جديدٍ بعد أن خرجت منه. وما يحمي الذّات من تفجّر هويّتها خارجها لابتلاع ذوات الآخرين هو ما يفهم من وجود الآخر في الذّات، فيما سامّه الفلاسفة المعاصرون " الذاتيّة المشتركة " (Inter-subjectivity). وهو ما يتّفق مع المعنى الاشتقاقيّ للفظ " هُويّة " من " هو "، أي الآخر، وليس من " الأنا " التي هي أصل " الأنانيّة ". وتمثّل الذاتيّة المشتركة الإنسانيّة جمعاء. فليس للهُويّة مكانٌ وإن كانت فيه، وهو الوطن. وليس لها زمانٌ وإن كانت فيه، وهو التاريخ. تتول د الهُويّة في مكان، مكان الميلاد، وتمتدّ في بقعة مكان الذكريات. لذلك كتب أبو حيّان التوحيدي الح ين إلى الأوطان. وبكى الرّسول ليلة الهجرة، وهو يُغادر مكّة، أحبّ الأوطان إليه، وعاد إليها بعد الفتح، ولا هجرة بعد الفتح. ثمّ تتول د الذاتيّة المشتركة من داخل الأوطان إلى خارجها في القوم الذين ينتشرون خارج حدود الأوطان. حينئذ تُصبح الأوطان الأقطار، أو بتعبير القدماء الأمصار. ويُصبِح القوم هو الوطن الأكبر. ومنهاِ اشتقّت القومية، ومكونّها الأساس اللسان وليس الدين، أو الط ائفة، أو المذهب، أو الجنس، أو حتّى الجغرافيا بمعنى البقعة من الأرض، أو التاريخ بمعنى التواصل مع الماضي. وهنا تبرز الدّوائر الثلّاث المُتداخلة، الوطن واللّسان والثقافة. تتعدّد الأوطان، وتتعدّد اللغات، وتتعدّد الثقافات، كما هي الحال في سويسرا بين الفرنسيّة والألمانية والإيطالية، ويكون الولاء العميق للّغة والثقافة. وهي الحال في الهند أيضًا عندما يتوحّد الوطن، وتتعدّد اللّغات والثّقافات. وهي الحال في بلجيكا عندما يتوحّد الوطن وتتعدّد اللغات والثقافات بين الفرنسيّة والفلمنكية. وكما هي الحال في إسبانيا عندما يتوحّد الوطن وتتعدّد اللغات والثقافات في بلاد الباسك، وكما هي الحال في كندا عندما يتوحّد الوطن وتتعدّد اللغات والثقافات بين الفرنسية والإنكليزية، وكما هي الحال في كثير من الدول الأفريقيّة ذات اللّغات والثّقافات المتعدّدة. فلكلّ قبيلة داخل الوطن الواحد لغتها وثقافتها. إذا قوي الوطن حافظ على وحدته. وإذا ضعف يبدأ خطر الحركات الانفصاليّة، كما حدث في السودان. وهو الآن ما يهدّد وحدة العراق ودول الخليج والمغرب العربي.ّ

ثالثًا: اللّغة بين الوحدة والتنوّع

وإذا كانت الهُويّة متعدّدة الدّوائر ذات المركز الواحد ومهدّدةً بخطر الانقسام أو الاغتراب، قد تكون اللغة أيضًا متعدّدةً في الوطن الواحد، تهدّد وحدة الأوطان. وقد تمتدّ التعدديّة اللغويّة إلى مستوى الثقافة، فتُصبح التعدديّة الثقافية أساسًا ومقدّمةً لتفتيت الأوطان. الوحدة والتنوّع قانونٌ طبيعيٌ في الحياة الإنسانيّة، بل وفي الطبيعيّة. المهمّ هو أين تكون الوحدة، وأين يكون التنوّع؟

ليست القضيّة نظريّةً صرفةً، بل هي قضيّةٌ عمليّةٌ واقعيّةٌ تمسّ وحدة الوطن العربيّ وتنوّعه. فالوطن العربي واحد باسم اللغة والثّقافة والتاريخ المشترك والأرض المتواصلة، يهدّده التنوّع اللغويّ في الأطراف، الكرديّة في الشمّال، والبشتون والهنديّة في الخليج، في الأسواق، وأخيرًا الهنديّة في دوائر رجال الأعمال، واللهجات السودانية في الجنوب، والأمازيغيّة في جنوب المغرب العربي تتآكل الأطراف. وهي خطوةٌ نحو سقوط الأوطان، دولة كرديّةٌ في الشمال، ودولةٌ شيعيةٌ في الخليج، ودولةٌ أفريقيةٌ في جنوب السودان تنضمّ إلى الكومنولث وتتعامل مع إسرائيل، ودولةٌ أمازيغيةٌ في جنوب المغرب العربيّ. وهو ما وصفه القرآن (أ وملَْ يرَوْا أنَّا نَأْيتِ الأَرْضَ نَنْقصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد: 41]). ثمّ تنخر العامّية في القلب في مصر كأداة للتخاطب، وليس فقط في الحياة العامّة، بل أيضًا في الحياة العلميّة، في التدريس في الجامعات، وفي الإعلام في القنوات الفضائية الحكوميّة والخاصّة، بل وبدأت منذ مدّة الدعوة إلى الكتابة بالعامّية والأدب العاميّ، أسوةً بالزّجل وقُدرة بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم على التّعبير بها عن الواقع العربيّ، الأغاني بالعامّية، والمسرحيات بالعامّية، والحوار الروائي بالعامّية. وإن كان الحديث بالفُصحى فإنّه يكون مليئًا باللّحن حتّى من وزير الثقافة، والحجّة أنّ العامّية المصريّة مفهومة لجميع العرب، بسبب موادّها الإذاعيّة والتلفزيونية وأفلامها، كما أنّ الفرنسية والإيطالية هي عامّية اللاتينية، فمن الطبيعيّ تطوّر الفُصحى إلى العامّية، ولولا القرآن لاندثرت الفُصحى. وتخترق اللغات كلّها، في الأطراف وفي المركز، اللغات الأوروبية، بخاصّة الإنكليزية والفرنسية، إمّا حديثًا أو تعبيرات أو مصطلحات. ففي لبنان وسوريا والمغرب العربي، تنتشر الفرنكوفونية. وفي العراق، والأردن، والخليج، واليمن، والسودان، ومصر تنتشر الأنكلوفونيّة. وعلى الرّغم من وجود المقابل العربيّ إلا أنّ التعبير أو المصطلح الأجنبيّ أيسر على اللسان وأقرب إلى الذّهن، طبيعةً أو اصطناعًا، جهال أو تكلّفًا. وتدفع عقدة النّقص أمام الأجنبيّ إلى هذه الظاهرة لإخفائها أو لاستكمالها. كان ذلك مفهومًا في أثناء الاحتلال لمخاطبة المحتلّ ببعض ألفاظه ومصطلحاته. واستمرّ الأمر بعد الاستقلال بتأسيس مدارسَ لرياض الأطفال باللغات الأجنبيّة الفرنسيّة أو الإنكليزية خاصّةً، ثمّ الألمانيّة بعد ذلك، واستئنافها في المدارس الابتدائيّة والثانويّة والجامعات الخاصّة. وكلمّا هبط التعليم في الجامعات الخاصّة، وكلمّا زادت الشركات الأجنبية، احتاجت إلى خريّجي الجامعات الخاصّة، على مستوى عال من الكفاءة اللغويّة والمهارات في أجهزة الاتصالات الحديثة والحاسبات الآليّة. ومهما كانت كفاءة التعليم للغات الأجنبيّة والتعبير بها في الحياة الخاصّة والعامّة، إلا أن اللغة الوطنية عادةً ما تكون أقدر على التعبير عن الفكر. وتكون اللغة الأجنبيّة أقلّ كفاءةً في ذلك. فلكلّ لغةٍ قدراتها التعبيريّة عند أبناء وطنها. اللّغة تجري مثل الدم في العروق، ولا يمكن نقل دم طوال الوقت مهما دعت الحاجة إلى ذلك. وإن جرى الحديث باللغة العربيّة، فإهنّا تكون حافلة بالكلمات المعرّبة، وما أكثرها في العلوم الحديثة حتّى سُمّيت هذه اللّغة " الفرانكو آراب ". فلغة الطبّ والصّيدلة حافلة بها على الرّغم من وجود الرتّ جمة العربيّة له، مثل الأنتي بيوتكس للمضادّ الحيويّ، وهيديك لوجع الرّأس، وكانسر للسرّ طان... إلخ. والأظهر في علوم الاتّصالات الحديثة مثل الكمبيوتر للحاسب الآليّ، والإنترنت لشبكة الاتّصال، والإيميل للبريد الإلكتروني، وفي التّصوير كلوز أب، أي التصوير عن قرب وأدواته، مثل الكاميرا لآلة التصوير. بل انتقل الأمر إلى مجال العلوم الإنسانيّة، مثل الإبستمولوجيا للمعرفة، والأنطولوجيا للوجود، والأكسيولوجيا للقيم، والسيكولوجيا لعلم النّفس، والسوسيولوجيا لعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا لعلم الإنسان، وانتقل ذلك

إلى المصطلحات الهيومانزم للنّزعة الإنسانيّة، والأيديالزم للمثاليّة، والرّياليزم للواقعيّة. ثمّ انتقل إلى الحياة العامّة، مثل كوافير لمصفّف الشعر أو ا الحّق، وكوفي شوب للمقهى، وعُرّبت بعض المصطلحات بلا رجعةٍ مثل مول، وسيتي سنتر، وسيتي ستارز، وأوكازيون، وبيتزا هت، وأوكي، وأولرايت. في حين تغلّب القدماء على هذه المشكلة، فبدأوا بالتعريب، ثمّ انتهوا بالنّقل، أي الرتّ جمة وإيجاد اللّفظ المقابل وخلقه بالعربيّة؛ ففي علوم المنطق قاطيغورياس أصبحت المقولات، بارى أرمنياس للعبارة، وأنالوطيقا للتحليلات، وريطوريقا للخطابة، وديالكتيكا للجدل، وسوفسطيقا للمراء، وبوييطيقا للشّعر، وما زالت هذه الألفاظ المنقولة تعيش معنا حتّى الآن. ولم يعد أحدٌ، إلا في ما ندر، يستعمل الألفاظ المعرّبة. وقد استعملت ألفاظ معرّبةٌ في القرآن الكريم من الروميّة، مثل الرصّ (اط Stratus)، ومشكاة من الفارسيّة، والإنجيل من اليونانيّة، والتوراة من العبرية. وقد دخل كثيرٌ من الألفاظ العربية في اللغات الأجنبية عندما كان النّقل من العربية إلى اللاتينية في أواخر المرحلة الأولى للنّهضة الإسلامية التي يعادلها العصر الوسيط المبكر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادييّن، مثل ألفاظ سكر، وزيتون إلى الإسبانيّة، والطّرف الأغر (Travalgar) في بريطانيا، وسوق، وبازار من الفارسية إلى اللغة الفرنسية. وقد أُعدّت قواميسُ بأكملها للألفاظ الأجنبيّة في كلّ اللغات. وعادة ما يكون النقل من لغة الحضارة القويّة إلى لغة الحضارة الضعيفة، كما نُقلت الألفاظ العربية إلى اللاتينية في نهاية المرحلة الأولى للحضارة الإسلامية، وكما تعرَّب الآن ألفاظ اللغات الأجنبية منذ قرنين من الزمان في نهاية المرحلة الثانية من الحضارة الإسلاميّة. ويمتدّ الأمر من اللغة إلى الحياة اليوميّة، فاللّغة سلوك، وتنشأ ظاهرة التّغريب أو " التّفرنج "، كما سامّه المصلحون منذ القرن الماضي. وتمتدّ إلى اللباس مثل: شورت، وبلوزة، وكوت، وبالطو، بل والملابس الداخلية مثل كيلوت، وسوتيان، والطعام والرشّاب مثل سفن أب، واستيك، وهمبرغر، وبيف، وهوت سوس، ولدن، ومديوم، والبناء، المباني العالية في الصحراء الممتدّة أسوةً بمنهاتن. وتُستعمل كلماتٌ مثل أسانسير، وروف، وغروند فلور، وريسبشن، وويتر، وبلمان، وفي التعليم، مثل كندر غاردن، وتجارة إنكلش، كما تظهر في الرياضة مثل الفوت بول لكرة القدم، والفاول، وآوت. وتمتدّ الظاهرة إلى الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة، فلا فرق بين رأس المال الأجنبي ورأس المال الوطني، بين الرشّكات الأجنبية والشركات الوطنية، بين البنك الدولي وصندوق النقد والبنك الوطني، بين إيداع الأموال في الخارج لاستثمار وأمان أكبر وإيداعها في الداخل خوفًا من التأميم والرقابة. ويُمحى الفرق بين الطربوش والقُبّعة، بين الأفندي والخواجة، ما يجعل العِمَّة تثور على الاثنين، بتصنيف أحد المفكّرين العرب المعاصرين. وتنشأ الحركة السلفية بكلّ مظاهر تحريمها واستعادتها لعصر الرّسول وأساليب الحياة فيه. يُقابَل اغتراب اللغة باسم الحداثة باغتراب آخرَ للّغة باسم الأصالة، وهو ما يسهّل انتشار العامّية كبديل من رفض اللغتين القديمة والجديدة. ويمتدّ الأمر إلى الحياة الثقافية، فتزداد نسبة الترجمة على التأليف، وتكثر مشاريعها، وتُعدّ الكتب المترجمة بالآلاف، الألف الأولى، الألف الثانية. وتتعدّد مراكز الترجمة في العواصم العربية، القاهرة وبيروت ودبي.

وكلّ نهضةٍ ثقافيّةٍ تبدأ بمشروعٍ للرتّجمة، وكلمّا كانت مطابقةً للأصل المترجَم منه كانت سليمةً حتّى لو ضحّت بالأسلوب العربيّ في اللغة المترجم إليها. وتنشأ ثقافةٌ منقولةٌ بلا أصول، ويكثر الحديث عن مشاهير الكتب المترجمة ومؤلّفيها لحاقًا بالثقافة العالميّة. فينشأ ردّ الفعل السلفيّ بنشر كتب السّلف التي تعربّ عن ثقافة القدماء وعلومهم. وكلتا الثقافتين، الوافدة والموروثة، لا تحقّق إبداعًا. فاللّغة هنا وسيلةٌ لنقل المعلومات، وليس للتعبير عن العلم، للنّقل وليس للإبداع. وهنا يكون الفنّ أفضل، لأنّ الفنّ لا نقل فيه. وتنتشر الازدواجيّة الثقافيّة من حيث المصادر، وليس فقط من حيث اللّغة، من حيث المضمون، وليس فقط من حيث وسائل التّعبير؛ ثقافة تترجم وتعرض، وثقافةٌ تشرح المتون وتهمش عليها. وتلحق اللغة باغتراب الهُويّة، وتُساعد على اغتراب الفكر بعد اغتراب الوجود، ويُصبح الاغتراب هو النسيج الفعليّ للوجود العربيّ، هُويّة ولغةً وثقافةً، فيغترب العربيّ في التاريخ، ويخرج عن مساره. وتتغريّ معالم منطقته إلى هويّات ولغات وثقافات أخرى تحتلّها دويلاتٌ عرقيّةٌ طائفيّةٌ تُصبح فيها إسرائيل اليهوديّة أقوى دولة في المنطقة، تستولي على الموقع الجغرافي، وعلى المسار التاريخيّ، وعلى اللغة والثقافة. وتصبح الدولة العبريّة هي وريث المنطقة لغةً وثقافةً وتاريخًا، وتلك نغمة البائسين. ومع ذلك، هناك من يقبل التحدّي التاريخي، فالعرب لا يزالون قائمين منذ جدّهم إبراهيم وأبيهم إسماعيل، تلقّوا الرسالة وحافظوا عليها، ونشروها شرقًا وغربًا، وكانوا صنّاعًا للحضارة على مدى سبعة قرون. وعلى الرّغم من الغزوات التي توالت عليهم من الرشّق من التّتار والمغول، ومن الغرب من الصليبييّن والاستعمار الحديث، إلا أهنّم قاوموا، ولا يزالون يذكرون حطين وعين جالوت. فقد قاموا بحركة تحرر وطنيٍّ في الخمسينيّات والستينيّات، ثمّ تحوّلت الدولة الوطنية إلى دولة أمنيّةٍ استبداديّةٍ. فقامت الثورات العربية الأخيرة في تونس ومصر وليبيا، ولا تزال دائرةً في اليمن وسورية، وهي قاب قوسين أو أدنى من الانتصار. ولا تزال ثورات أخرى في البحرين، والكويت، والأردن، والجزائر، والمغرب، وأصبح العربيّ يدافع عن حقوقه، وتعلّم كيف ينزل إلى الشارع ويُصيح بأعلى صوته: " الشّعب يُريد إسقاط النظام "، " الشّعب يُريد إسقاط السفّاح ". لغةٌ جديدةٌ تُعربّ عن استرداد الهُويّة ونهاية الاغتراب. والتحوّل من الهزيمة إلى النصّر، وتلك نغمة المتفائلين.