العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهُويّة واللُّغة في الوطن العربيّ: بين أزمة الفكر ومأزق السّياسة

الهُويّة واللُّغة في الوطن العربيّ: بين أزمة الفكر ومأزق السّياسة

Identity and Language in the Arab Nation: Between Intellectual Crises and Political Impasse.

عبد السّلام المسدّي

Abdessalem Mseddi

الملخّص

نص الكلمة الافتتاحية لمحور "اللغة والهُويّة" في المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة الذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في الفترة من 24 إلى 26 آذار / مارس 2012، تطرقوا من خلال مداخلات المؤتمر إلى انعطاف الهُويّة على اللُّغة في عبارة تركيبيّة واحدة يتضمّن تباينًا في الجوهر، أعانت على إخفائه العادة من حيث هي طبعٌ ملازم، وأكّدته الأعراف البحثيّة في معظم تجلّياتها. فاللُّغة ظاهرة اجتماعيّة، وهي اصطلاحيّة بامتياز، تستند إلى مكوّنين متلازمين؛ مكوّن مادّي حسّي، ومكوّن ذهنيّ غير مادّي. أمّا الهُويّة فظاهرة رمزيّة مجرّدة ،ليس لها أيّ تحقّق مادّي يربطها بعوالم الحسّ الوجودية. الهُويّة انتماء، بينما اللُّغة اكتساب، والهُويّة نتوارثها وليس في اللُّغة - أصواتها وألفاظها ودلالاتها - شيءٌ ينقله الوليد عن أمه أو أبيه لمجرد أنهما أمّه وأبوه. فلا أثر للّغة في الخزينة الوراثية، ولا في شيفرة حَاملها.

Abstract

The opening text of the " Language and Identity "in Annual Conference for the Social Sciences and the Humanities in Doha from March 24-26, 2012.

الكلمات المفتاحية:
  • اللغة والهُويّة
  • انعطاف الهُويّة
  • ظاهرة اجتماعيّة
  • الوجودية.
Keywords:
  • Identity
  • Arab Nation
  • Politics
  • Economics

بين أزمة الفكر ومأزق السّياسة

نص الكلمة الافتتاحية لمحور " اللغة والهُويّة " في المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة

الذي نظّمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، في الفترة من 24 إلى 26

آذار / مارس.2012 إنّ انعطاف الهُويّة على اللُّغة في عبارة تركيبيّة واحدة يتضمّن تباينًا في الجوهر، أعانت على إخفائه العادة من

حيث هي طبعٌ ملازم، وأكّدته الأعراف البحثيّة في معظم تجلّياتها. فالل غة ظاهرة اجتماعيّة، وهي اصطلاحيّة

بامتياز، تستند إلى مكوّنين متلازمين؛ مكوّن مادّي حيسّ، ومكوّن ذهنيّ غير مادّي. أمّا الهُويّة فظاهرة رمزيّة مجرّدة،

ليس لها أيّ تحقّق مادّي يربطها بعوالم الحسّ الوجودية. اله ويّة انتماء، بينما اللُّغة اكتساب، والهُويّة نتوارثها وليس في

الل - أصواتها وألفاظها ودلالاتها - شيءٌ ينقله الوليد عن أمه أو أبيه لمجرد أنهما أمّه وأبوه. فلا أثر للّغة في الخزينة غة

الوراثية، ولا في شيفرة حَاملها. فأيّ السبيلين أوفق في هَدْينا إلى فض هذا التعارض الضدّي بين المفهومين المتضايفين؟ أنُعالجهما بمنهج دراسة

الظواهر، أم نستكشفهما بمنهج البحث في المُدْرَكات؟ ففي الأولنخال أنّ الدرس يوقفنا على حقيقة الظواهر في

ذاتها ولذاتها، بينما يُوقظنا المنهج الثانيعلى أننا نُعالج ما نتخيّله نحن عن تلك الظواهر فحسب، وما دراستنا لها إلا

توصيف لما نتمثّله عنها، وتشخيصٌ لملامحها القائمة في مخيالنا الفردي أو الجمعي. ثم ألا يكون لنا ملَاذ ما لفض هذا

التعارض المبدئي لو أننا فكّكنا مفهوم الهُويّة عند انعطافه على مفهوم اللُّغة إلى هُويّة حضاريّة وهُويّة ثقافيّة؟ لكن هل

يَسُوغ أن نُعالج موضوع اللُّغة والهُويّة من دون أن نأتيَ على ملمَح اقترانيّ آخرَ نستدعي به البعد السياسيّ، مستشرفين

مدى حضوره ضمن مكوّنات المسألة؟ فالهُويّة مُعْطى حضاريّ وافد من التاريخ، تتوسل به السياسة فتتكئ عليه، أو

تستثمره، أو تناور به، فيما الل غة مُعطى وظيفيّ يتحقق في الزمن الراهن، وإن وفد من الأزمنة الماضية؛ تثبّتها السياسة

على أصولها، أو تجمَحُ بها نحو مصائرَ مغايرة. عندئذ نفهم أن " دراسة السياسات " تتضمّن أيضًا " السياسة اللّغوية ".

ثم ما علاقة الهُويّة بصناعة التاريخ إن سلّمنا أن حمُرّكه الذي لا يغيب هو الصراع في معناه الشامل؟ وهل لثنائية الأنا

والآخر من أثر في الصيرورة الإجرائية للزمن المتعاقب، أو من أثر في صوغ الوجود الإنساني انحدارًا أو ارتقاءً؟ تلكم

قضايا مُتعاضلة لا طاقة لبحث تُسيِّجه أعراف الحوارات الفكريّة بفكّ إشكالاتها، وإنمّا منتهى مرامنا أن نجتهد في

صوغ مرجعيّات معرفيّة قد تُفضي إلى مزيد الغوص على معادنها الغائرة.

إنّ اللُّغة أمرٌ جليل، بل لولا خشية المظنّات، واتّقاءُ انفلات التّأويل، لقلنا إنّ اللُّغة أجلُّ من أن تتُرَك بيد السياسييّن،

والسبب في ذلك أنّ رجال السياسة يصنعون الزمن الجماعي على مرآة زمنهم الفردي، أما رجال الفكر فينحتون

زمنهم الفردي على مقاس الزمن الجماعي؛ فإن نحن سلّمنا بما أسلفناه من جلال الظاهرة اللغوية بصورة شاملة

مُطلقة، فمن المفروض أن يكون شأنها عند أمّة العرب أجلّ وأمكن. لكن الواقع التاريخي الراهن يشهد بعكس ما

كان من المظنون أن تجريَ به الأحداث. كتب التاريخُ على العرب أن يكونوا بين الشعوب التي أناخ الاستعمار على مصائرها دهرًا، لكنهم كانوا في طليعة

البلدان التي استماتت في معاركها التحريرية حتى نالت استقلالها، وكانت بما نالته أكثر جدارة واقتدارًا من شعوب

عديدة أخرى جاءتها شهادة التحرير على أطباق فضيّة بفضل الترتيبات الدوليّة في أواسط القرن العشرين. وبعد

نصف قرن من قيام دولة الاستقلال -ومع بداية العقد الثاني من القرن الجديد، ومع بزوغ فجر ربيعٍ عربيّ موّار فوّار،

لا يزال يبحث عن شهادة التوفيق النهائي-، ها هم العرب يبسطون على الفكر الإنساني النقدي حالة مستعصية،

فهناك مأزق في صيرورتهم التاريخية، هناك حجم هائل من التناقضات بين العديد من مكوّنات الوجود الجماعي

لديهم، لكأن ما يتحدّث عنه فلاسفة السياسة وفقهاء الفلسفة، فيسمّونه بالعطالة التاريخية، لم يَصدق يومًا كما صدَق

على أمّة العرب طيلة نصف قرن، وإلى أشهر معدودات. هي تلك العطالة المحفوفة بألغاز العبث الوجودي الذي يُسافر على الأرض العربية إلى تخوم اللامعقول. كنّا نقرأها

على شاشة السياسة، إذ نتعجّب لماذا لم تُنجز دولة الاستقلال وعدها الأكبر. ونقرأها على لوح الاقتصاد، لكن

العطالة نقرأها أيضًا في المشهد الفكري بين الثقافة والمعرفة، فبين السياسة والاقتصاد والثقافة ينبثق جامع أكبر،

سيكون هو الشاهد الجامع لكل واجهات العطالة التاريخية، إنّه مأزق الل غة العربية على أيدي أهلها وأبنائها. ويكفي

أنّ المشهد ما انفكّ يتلوّن بأصباغ درامية تبعث على الاستغراب والعجب، فهذه العطالة التاريخية تحدق بالل غة على

مرأى أصحاب القرار ممّن يتولّون الأمر، ويخطّطون للمستقبل، ويستشرفون مآل شعوبهم بعدهم. وإننا على يقين

بأن انفصامًا حادًّا قد قام في الواقع العربي بين حضور الوعي العام في السياسة والاقتصاد والمعرفة وغياب الوعي

الخاص بالمسألة اللغوية، فإذا أدرنا مجهر الأضواء صوب القضية اللغوية -دون سواها من القضايا الأمّهات-، ألفينا

أنفسنا وجهًا لوجه أمام سِمة أخرى من الخصائص التي تسم حالتنا العربية، ومدارها أن أمّة العرب-بين أولي الأمر

السياسي فيهم، وأولي الشأن الفكري أيضًا؛ وإلى اليوم- غائبون، أو مثل الغائبين، عن محفل الحقائق العلمية الجديدة

في مجال المعرفة اللُّغوية. ولا نعني بما نقوله افتقارَ العرب إلى علماء في مجال العلم اللُّغوي الحديث، وإنمّا نعني أن

المعرفة اللغوية لم تستطع اختراق الحجُب ليتحوّل الوعي بها إلى جزء من الثقافة العامة، يستلهمها أصحاب القرار،

وتستوحيها النخبة الفكرية المختصّة بحقول المعارف الأخرى. من أهمّ تلك الحقائق الغائبة أنّ العلم الل -ُّغوي الذي ما انفكّ يبلور نظريّاته المُتعاقبة، والذي ما فتئ يُؤسّس المناهج

الدقيقة في كشف بواطن الظاهرة اللسانيّة، والذي يغوص يومًا بعد يوم على أسرار العلاقة بين آليّات التعبير وآليّات

الإدراك - قد أمسى مهت بقضية " موت اللُّغات "، اهتمامًا متواترًا مكينًا، فهل نحن العرب معنيّون بمسألة موت

اللُّغات؟ وهل تخوض العربية صراعات لغويّة؟ فإن هي تخوضها، أفترقى المواجهة إلى الحد الذي يصح أن نتحدث

فيه عن حرب لغويّة؟ ثمّ هل العربية تُواجه من التحديات ما يهُدّدها في وجودها، أو ينذر بانمحائها إلى حدّ الزوال؟

ما من خلاف بشأن أمر متعنيّ بالضرورة، وهو أنّ الوعي المعرفي في هذه القضية غائب، أو مثل الغائب، في ساحتنا

العربيّة، بوجهيها السياسيّ والفكريّ، وما من شك في أن غياب الحقائق يُفضي إلى تعط ل القُدرة على استشراف

التاريخ، وعلى استنظار مُنحنياته القادمة، وبما قد تأتي به الأحداث المُتعاقبة. إنّ أمر اللُّغة عند العرب عجيبٌ، وأعجبُ منه أمرُ العرب مع لغتهم. وبوسعك أن تجزم بأهنّم يستثيرون من

الاستغراب ما لا تستثيره أمّة من الأمم، وكثيرًا ما حيَ ار المتأمل بفكر خالص كيف يُصار بالخيارات الجوهريّة في

الحياة الجماعية إلى مثل هذه الأوضاع التي كأنما يتحوّل فيها الفاعل عدو نفسه. والأوجع أنّ أصحاب القرار يتبنّون

خطابًا عن المسألة اللُّغوية، يستوفي كل أشراط الوعي الحضاريّ، ثمّ يأتون سلوكًا جيُسّم الفجوة المُفزعة بين الذي

يفعلونه، والذي قالوه. ثمّ يزداد المثقف ألم ا حين يعلم علم اليقين أنّ الحقائق العلميّة ليس لها لدى ساسة العرب منً

الوزن ما لها لدى ساسة العالم المتطوّر. إنّ الناس بيننا يميلون إلى الاطمئنان إلى أنّ انقراض اللغات في العالم يصيب

لغة المجموعات الإثنية المعزولة، وليس الأمر واردًا - تبعًا ملِا يخالون -غة العربية، وهم في ذلك لا يميّزونعلى اللُّ

بين الظاهرة العامة، التي مدارها انقراض بعض اللغات تحت تأثير لغات أخرى غيرها، والظاهرة النوعية الخاصة،

ومدارها انقراض اللُّغة بانفلاق يُصيبها من الداخل عند حلول الفروع التي انبثقت منها محلها. إنّنا أمّة لا ننفكّ نعمل على ضياع هويّتنا اللغويّة. وليس من اليسير إقناع الناس بأنّ للتاريخ أطوارًا، وللقضايا اللغويّة

محطّات. وهي اليوم غير ما كانت عليه في الأمس. وقد لا يخفي هؤلاء جميعًا استغرابهم الأقصى إذا كاشفناهم بحقيقة

جديدة تخلّقت في رحم الأحداث الكونية غير المسبوقة، وهي أنّ الل غات الأجنبية لم تعد هي العدوّ الأول للُّغة

العربية، وإنما الذي حل محله في هذا العداء الشرس النافذ -والذي بمستطاعه أن جيُْهز على العربية، فيذهب بريحها-

هو اللّهجات العاميّة حين تكتسح المجال الحيوي للفُصحى. إنّنا ما فتئنا نُفسح الأبواب للعاميّات كي تغزوَ الحقول

التي تحيا بفضلها العربية. غزت العاميّات منابرَنا الإعلاميّة المسموعة والمرئية وسكتنا. غزت العاميّات حواراتنا

الثقافيّة وسكتنا. غزت العاميّات مجالسَنا الفكرية، ثمّ تسللت إلى فصول التّدريس ومدارج الجامعات، وها نحن

نصمت متبرّمين، أو منخذلين. ومنذ زمن ليس بالقصير، طفق طه حسين يصيح بقلمه محذّرًا من آفة انتشار العامية

في صفوف التّعليم، وكان من المربين من " لا يعربون إلا حين يقرأون في الكتب، فإذا تكلموا غرقوا وأغرقوا طلابهم

في اللُّغة العاميّة إلى أذقانهم، أو إلى آذانهم "، كما ورد في كتابه نقد وإصلاح، ذاك الذي جمع فيه مقالات نشرها عام

1956 في الصّحف السيّارة. فكيف نتحدّث عن الموارد البشريّة وتنميتها، أو عن التخطيط المستقبليّ الشامل، ونحن نعيش انفصامًا بين أدوات

المنظومة التربويّة وشروط النهضة الحضاريّة؟ كيف نرقى إلى آليات الاستثمار في حقل التّواصل، وكيف نمسك

بأساسيّات اقتصاد المعرفة ومجتمعنا العربي هو المجتمع الوحيد بين سائر مجتمعات المعمورة الذي يتخرج فيه التلميذ

في التعليم الثانويّ وهو عاجز عن تحرير عشر صفحات تحريرًا سليامً، لا بلغته القوميّة ولا بلغة أجنبية؟ بمَ سيُجيب

ساستنا حين نُذكّرهم - على وجه القطع واليقين - بأنّ اللُّغة العربية قد كان لها من الوزن الاعتباريّ لدى كل فئات

مجتمعاتنا أيّام الاستعمار، أضعاف ما لها منه الآن بعد عقود من دولة الاستقلال؟ من له أدنى قدر من الحصافة يعرف أنّه من المتعذّر على أيّ مجتمع أن يؤسس منظومةً معرفية من دون أن يمتلك

منظومة لُغويّة تكون شاملة، ومشتركة، ومتجذّرة، وحمّالة للأبعاد المتنوّعة فكرًا وروحًا وإبداعًا. فاللُّغة هي الحامل

الضروري المحايث لكل إنجاز تنمويّ. والذي له ذاك القدر الأدنى من الرويّة والرجحان، عليه أن يعرف أنّ الل غة

1  طه حسين، نقد وإصلاح، ط 18 (بيروت: دار العلم للملايين، 1987)، ص.166

- بما هي موضوع للتعليم والبحث والإنتاج- ركنٌ أساس في كل مشروع اقتصاديّ. لقد آن الأوان - ويكاد يفوت-

أن نكفّ عن اعتبار اللُّغة مجرد وعاء للفكر، وهو ما دأب عليه الميراث الفكريّ الإنسانيّ قاطبة. ليست اللُّغة إناء

نصب فيه التصوّرات الذهنيّة، والانفعالات الشعوريّة، والأحاسيس الغريزيّة، والاستلهامات الروحيّة. إن الفصل

بين الظرف والمظروف، بين الوعاء وما فيه، بين الصورة والمضمون، هو الآن حماقة كبرى، عاشت عليها الثقافات

الإنسانية، لكن فك شيفرتها هو من الدقّة والخفاء بحيث لم تنجلِ إلا بفضل تطوّر المعارف الإنسانية المتعاضدة، وما

كان للعلم اللغوي أن يحسم الأمر في هذه القضايا لولا تآزره المتين مع ما يُسمّى بعلوم الإدراك. إنّ اللُّغة هي المعمار الخفيّ الذي يتشيّد به الفكر ويستقيم، فمتى يسلّم أصحاب الأمر في وطننا العربي بكلّ أطراف

المعادلة أنّ السيادة الاقتصاديّة رمزٌ للسّيادة السياسيّة، وأنّ السّيادة السياسيّة مستحيلة بغير سيادة ثقافية لغويّة، وأن

امتلاك لغة الآخر سلاح ليس له اعتبار تقديريّ في السّياسة والاقتصاد والثقافة إالّ إذا استند إلى مرجعيّة لغويّة قوميّة

تعين الأنا على أن يقف ندًّا للآخر؟ لكنّنا - في كل ما هو بادٍ على السطح الدوليّ-غويّ، نحن مجتمعأمّة بلا مشروع لُ

يريد أن يبني منظومة تنموية وهو يغمض العين عن مأزقه اللُّغويّ المكين. وكم حيَدث أن يتعاون أصحاب القرار

مع فئات محسوبة على النخبة كي يتقلّص إشعاع اللُّغة العربية، ثم يتفتت كيانها تدريجيًّا؛ وإذا بهؤلاء وأولئك-دونما

قصد أو إضمار- حلفاء موضوعيّون لإرادات دوليّة نافذة ما انفكت تضغط كي تلاقي العربية المصير الذي لقيَته

اللاتينيّة، فتحل العاميّات الم نحدرة منها محلّها. إنها دعوة خرجت من سياق المناورات السياسيّة المعهودة، ودخلت

ضمن الإطار الإستراتيجيّ الأوسع. وعلى هذا النسق - ما لم ينتفض أصحاب القرار بوعي فجْئي جديد- سنكون

في المنظور المتوسط المدى أمّة بلا هُويّة لغوية. إن اللُّغة العربية - لو أنصفها التاريخ وأهلها - لكان من المفروض أن تكون هي أداة التداول في كل ما يتصل بمجالات

الفكر والثقافة والمعارف، وبكل حقول التسيير والتوجيه، وكذلك بكل دوائر الإبداع والفنون، أي كان من المظنون

أن تكون هي اللسان التداوليّ في كل خطاب حيّ يتعلق بما يُسمى في الأعراف الإنسانيّة بعالم الرموز والمجرّدات،

وعندئذٍ يكون من الطبيعيّ أن يتخاطب الناس بلهجاتهم العامية في ما اتصل بالحياة المعيشيّة، وبالصلات الاجتماعية

المتحققة على مدار الزمن الطبيعي، وهو ما يُصطلح عليه بعوالم الماديّات وما جاورها. إنّنا بما أسلفنا، نروم الإحاطة بالدوائر التي متُثّل أسيجةً متناضدة، حت اصر مسألة التداول الأدائيّ الذي هو عنوان

الاقتران بين اللُّغة والهُويّة. بل إنّنا نصادر على أن الأداء التعبيريّ، كما تقتضيه فصاحة اللُّغة العربية، وكما يغيب

في معظم أحوال التداول اللُّغويّ في الواقع العربيّ، إنْ هو إلا إشكالٌ جوهري يقع على سنم هرم من الإشكالات

الحيويّة التي علينا أن نفحصها مليًّا لنتبنيّ حقيقة هذا الأداء الغائب. أما مدارات هذا الهرم الإشكالي فأربعة: ثقافي

وتربوي ولغوي وسياسي، ولئن جاءت متباينة حينًا فهي في الأحيان الكثيرة متوالجة متداخلة. إنّ وضع اللُّغة العربيّة الآن حرجٌ جدًّا، فهنالك حملة واسعة تصاحبُ حملة الكونيّة الثقافيّة، تتقصّد النيلَ من كل

الثقافات الإنسانيّة ذات الجذور الحضاريّة المتأصلة، وفي مقدّمها الثقافة العربيّة، وتتوسل دائامً بالعامل اللغويّ،

وكثيرًا ما تتعلل بأن العربية الفُصحى لغة مفارقة للواقع الحيّ المعيش، فتحاول أن تبثّ الوهم بأنّ لغة الواقع هي التي

يجب أن تُصبح اللُّغة الرسمية، وهذا معناه تحويلها إلى لغة تربويّة، ثمّ إلى لغة إبداعيّة حتّى يُكتب بها الفكر، أما المرمى

البعيد المنشود فهو أن تلقى العربية المصير نفسه الذي صادفته اللُّغة اللاتينية بأن تنحلّ إلى لهجات تتطوّر إلى لغات

قائمة الذّات. مثل هذه الدّعوى لا تجد لها رواجًا في أقطارنا العربية رسميًا، لكن السلوك الموضوعيّ كثيرًا ما يُمهّد

لها السبيل، لا سيما إذا انتبهنا إلى طغيان العاميّات على أجهزة الإعلام المرئي والمسموع؛ فنصيب العربية الفُصحى ما

انفك يتقلّص، ونزعة الاستسهال بحكم قانون المجهود الأدنى ما فتئت تزرع الوهم بأن العربية لا تتلاءم مع برامج

الحياة اليوميّة. إن سلاح الكونيّة الثقافيّة الغازية إنما هو الل غة، فباللُّغة تغزو لتكتسح قلعة الهُويّة الثقافيّة باختراق

سورها، ثم بنسفها من الداخل، وما سورها المسيّج لها إلا اللُّغة. إننا إذا قلنا إنّ الغرب- الموروث بمفهومه الثقافيّ،

ثم بمفهومه المتلبّس بصيغ النظام العالميّ الجديد- يترصّد باللُّغة العربية، فلسنا نُزايد على حماسة الضمير الواعي،

ولسنا نلتجئ إلى العزف على أوتار النعرة الحضاريّة، وما نحن متوسّلون البتّة برواسب الخطاب الأيديولوجي، أو

بقايا الخطاب النضاليّ الذي أمدّت في أنفاسه نفايات عهد الاستعمار. لكننا نُقرر حقيقة يستشعرها التاريخ، وتشهد

بها الوقائع. يتّخذ الترصّد المُنظّم للّغة العربية شكل الحرب الصامتة، تتكشّف حينًا، وتتقنّع أحيانًا أخرى، واستتارها أخطر من

تكشّفها، لأنه يستنجد بسلاح المسكوت عنه، وهو أوقع في النفوس، وأقدر على تملّك الأغرار. ولهذا الترصّد أسبابه

الموضوعية: فهناك اليوم قلق حقيقي يساور كبار المهندسين الذين يرسمون خريطة الإستراتيجية الكونيّة، ومداره

احتمال تزايد الوزن الحضاريّ للُّغة العربية في المستقبل المنظور، فضالً عن المستقبل البعيد. إن هؤلاء المخططين

الإستراتيجيين يقرأون للحقيقة الموضوعية حسابها، فاللسان العربيّ هو اللُّغة القوميّة لما يزيد على 350 مليونًا، وهو

يمثل إلى جانب ذلك مرجعية اعتبارية لأكثر من مليار مسلم غير عربي، جميعهم يتوقون إلى اكتساب اللُّغة العربية،

فإن لم يتقنوها لأنها ليست لغتهم القوميّة، فإنهم في أضعف الإيمان يناصرونها وحيَ تمون بأنموذجها. ثمّ إن اللسان

العربيّ حامل تراث، وناقل معرفة، وشاهدٌ حي على الجذور التي استلهم منها الغرب نهضته الحديثة في كل العلوم

النظريّة والطبيّة والفلسفيّة، ولا يَغفل الساهرون على برمجة الذهن الجماعي في عصر الكونيّة عن الرسالة الحضاريّة

والروحيّة التي حملت بها اللُّغة العربية، وهم العارفون بأن التماهيَ بين الذات واللُّغة لم يبلغ تمامه الأقصى في الثقافات

الإنسانيّة كما بلغه عند العرب بكل اطراد تاريخيّ، وبكل تواتر فكريّ واجتماعي ونفسيّ، وما التماهي بين الذات

واللُّغة إلا جوهر الهُويّة في ذاتها ولذاتها. وما من شك في أنّ الحضور المتكاثر للجاليات العربية والإسلامية في الدول

الغربيّة؛ حيث أصبحوا مواطنين في تلك البلدان، لهم حقوقهم الدستوريّة في الل غة وفي المعتقد؛ قد ضاعف شعور

أصحاب القرار السياسيّ بتغريّ المشهد المألوف. لكن اللُّغة العربية تخيف أيضًا بشيء آخر، هو ألصق بالحقيقة العلميّة القاطعة، وأعلق بمُعطيات المعرفة اللسانيّة

الحديثة، فلأول مرة في تاريخ البشريّة -على ما نعلمه من التاريخ الموثوق به- يُكتب للِسان طبيعي أن يعمّر حوالى

سبعة عشر قرنًا محتفظًا بمنظومته الصوتيّة والصرفيّة والنحويّة، فيطوّعها كلها ليُواكب التطور الحتمي في الدلالات

من دون أن يتزعزع النظام الثلاثيّ من داخله، بينما يشهد العلم في اللسانيّات التاريخيّة أنّ الأربعة قرون كانت في ما

مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكوّنات المنظومة اللغويّة، وهذا حاصل قطعًا بصرف النظر

عن انتماء اللُّغة إلى اللُّغات الحضاريّة التي صنعت ثقافة إنسانيّة، أو بقائها في صنف الألسنة الطبيعيّة الفطريّة، مثل

لغات شعوب كثيرة عاشت في المناطق الاستوائيّة، وفي المناطق القطبيّة. تُلقي العربية بتاريخها تحديًّا كبيرًا أمام العلم الإنسانيّ، وهذا التحدي يبتهج به العلماء الذين أخلصوا إلى العلم

مهجتهم، لكنه يَغيظ سدَنة التوظيف الأمميّ، ويستفز دُعاة الثقافة الكونيّة، لا سيما منذ بدأت المعرفة اللغويّة المتقدّمة

على المستوى العالميّ تكتشف ما في التراث العربيّ من مخزون هائل يتّصل بآليات الوصف اللُّغوي، ويقف على

الحقائق النحويّة العجيبة، ويستلهم مكوّنات المنظومة الصوريّة الراقية التي انتهى إليها النحو العربي: من حيث

هو إعراب، ومن حيث هو منطق قياسيّ، ومن حيث هو كذلك علم بأصول الظاهرة الل غوية الكلّية. أما الحقيقة

الأخرى، فتتمثل في تصنيف الل غات المنتشرة اليوم، التي لها سيادة ما في حقول العلاقات الدوليّة إلى لغات تُكتسب

بالأمومة، ولغات تُكتسب لاحقًا بعد أن ترسّخت لدى الطفل لغة الأمومة التي هي من طبيعة مغايرة، وأحيانًا من

فصيلة مُباينة. وتصنّف الل غة العربية ضمن الألسنة التي يرتبط بها الطفل ارتباطًا أموميًّا على الرغم من الفوارق

القائمة بينها وبين سائر اللهجات في مستوى المكوّنات الصوتيّة والصرفيّة والنحويّة. لستَ تحار من شيء كما تحار من حال أولي الأمر في الوطن العربي، فهم بين خطاب يشي بإدراك قوانين الوجود الدولي

في العصر الجديد، وسلوك يؤكد الهوّة المُفزِعة بين الأهداف الواضحة والمسالك التي لا تفضي إلا إلى نقائضها. إن

المعركة الحضاريّة المستشرية تدور على واجهات متعددة متوالجة. إن المعركة الحضاريّة صراع بين الثقافات، وتَطاحُن

في الهويّات، وتناحُر على القناعات، ثم هي تقاتل على مراكز النفوذ اللغويّ بلا هوادة. إن الترابط الكونيّ الذي ما

انفك يكرّس نفسه حقيقةً تاريخيّةً، ومقولة تترسّخ بين القناعات الذهنيّة والمتسرّبة إلى بواطن النفس الحميمة، لهو

اليوم -بفعل الانهيارات المهولة لآلياته الماليّة والمصرفية- أشدّ إصرارًا على تثبيت الأممية السياسيّة من حيث إنها

انفراد بسلطة القرار، وعلى غرس مشاتل الكونيّة الثقافيّة ترسيخًا للفوز بسلطة المعرفة من حيث هي معلومة لها قيمة

الرمز ولها فائض القيمة في الوقت نفسه. وهل أدل على ما نقول من تسابق القوى الدوليّة إلى أخذ زمام المبادرة حتى

في مسارات الربيع العربي، ولولا عامل الم باغتة الذي فاجأ الجميعَ بما صنعته الخضراء، ثم الكنانة، لكانت الذّراع

الطولى قد امتدّت إليهما قبل المخاض، وقبل ولادة الجنين. لكن السّياق الدولي الجديد في كونيّته الثقافيّة تلك لا بدّ له من أن يتضمّن مشروعًا لغويًّا. فالل غة هي الحامل الأكبر

للمُنتَج الثقافيّ، وهي الجسر الأعظم للمسوّق الإعلاميّ، وهي السيف الأمضى في الاختراق النفسيّ، وعليها مدار

كل تسلل أيديولوجي، أو اندساس حضاريّ؛ فدُعاة الأمميّة، والمحتشدون وراء الكونيّة، يعلمون علم اليقين أن

اللُّغة هي أمّ المرجعيات: في تشييد المعمار الحضاريّ، وفي بناء صرحه الثقافيّ، بل هي التي تصنع الهُويّة وتؤثثها؛ إذ لا

هُويّة بغير ثقافة، ولا ثقافة بغير لغة. وليس من عاقل يسلّم باكتساء الترابط العالميّ الجديد ثوب الحرب الاقتصاديّة

والثقافيّة إلا وهو يُسلّم تسليامً طوعيًّا بأنه -على تعدد أربابه- حامل لبذور الصراع اللغويّ المحتدم: كل على شاكلته،

وكل بحسب طاقته في الجذب، أو أسلحته في خلخلة النفوس وامتلاك الأذهان والفوز بالفائض. أفلا يرى الرائي كيف تتستر الكونيّة بالأقنعة المثيرة. حوار الثّقافات عنوان نبيل تأتي بين طيّاته كلّ الدلّائل على

حقيقة أخرى هي صراع الحضارات. وحقّ الاختلاف شعار آسر جذّاب يجيء إليك عبر أدبيّات الخطاب الثقافيّ

الكونيّ مستأنسًا بدفاتر حقوق الإنسان، ومُستلهامً دواوين ما يسمّونه بالحريات الفرديّة، لكنه ما يفتأ يؤكد تنميط

القيم، وينوّه بنسقية المرجعيات؛ وكل ذلك يأتي تحت تأويل محدد لمقولة حقوق الإنسان ومفهوم الحريات الفرديّة.

والتواصل المُتعدد الأطراف منظومة قيميّة كاملة تعني أحقيّة استخدام الألسنة البشريّة المتنوّعة، وتعني كذلك انتفاء

التفاضل بين لغة طبيعيّة وسائر اللّغات إلا بمقدار ما تستجيب به كل لغة للحاجات التي يشعر بها أهلها، وتعني

أيضًا أن لا فضل لفن صيغ بهذا اللسان على فن صيغ بآخر إلا بمقدار ما عربّ كل واحد منهما عن الأبعاد الإنسانية

المُضمّنة فيه. لكن هذا الشعار النبيل ما برح يجنح نحو الغلبة، وما فتئ يكرّس سَطوة الغالب على المغلوب، مرسّخًا

في كل لحظة، ومع كل توتر، وعند كل مجاذبة، سلطان الل غة الأقوى، فتفتيت القوميات المتماسكة، وخلخلة الثقافات

الرّاسخة، وإرباك اللّغات ذات المتانة الرمزية بدفعها نحو التشظي؛ تلك هي حقائق الحرب الثقافيّة، وتلك هي

طلائع الحرب اللُّغويّة التي تدق على الأبواب بعنفٍ صامت عنيد. الذي يجعل القضية في واقعنا العربي الراهن قضية مصيرية بلا مُبالغة، وقضية حيوية بلا مجاز، إنما هو تضخّم خطر

الكونية اللُّغوية الناسفة لمقوّمات الهُويّة بفعل تحالفين حاقنين يأتي بهما التاريخ ليضخ في شرايين الكونية بلا حساب:

خطر التحالف الموضوعي وخطر التحالف الذاتي. أمّاالأوّلفنقصد به مخاطر التّحالف الذي يحصل بين العلم والتاريخ، فلقد قامت الثورة الصناعيّة في القرن التاسع

عشر في أوروبا، فخرجت بلدانها تبحث عن " المجال الحيوي " لتصدير صناعتها، واستعمر الأوروبيّون الشعوب،

فانبرى الفكر المتواطئ يؤسّس التسويغ، ويصوغ ما به يجعل حركة الاستعمار عمال شريفًا نبيالً، فادّعى المنظرون بأن

البلدان الأوروبيّة تؤدي في ما تفعله وظيفةً إنسانيةً تتمثّل في رفع الأمية عن الشعوب، والارتقاء بالأمم من مستوى

البدائيّة إلى مراتب الحضارة والتمدّن. وحصلت الم غازلة اللُّغوية، فجاءت حركة الاستشراق، وبدأت مشروعها

التحالفيّ الواسع بين السياسة الاستعماريّة، ومناهج فقه الل غة بمفهومه الفيلولوجي القديم، وانصبّتْ الأنظار

والعنايات على اللّهجات العربيّة، وازدهر البحث في هذا المجال بما أفاد العلم اللغويّ الخالص من دون شك، لكن

مناورات التوظيف لم تكن خافية، ولا متخفية، وهكذا أمعن المستشرقون في تجنيد البحث الفيلولوجي، سواء منه ما

كان في الساميات أم ما تركّز على دراسة اللّهجات العربيّة بُغية تنميطها وكشف أنساقها، إلى أن تهيّأ كل شيء لإطلاق

الدعوة إلى نبذ اللُّغة العربية وإحلال بناتها محلّها، وكان المثقال الأكبر في الحبكة الفكريّة والاستدراج الذهنيّ هو

القياس المتعجّل بين ما حصل للغة اللاتينية، وما يجب أن يحصل للغة العربية، كما سبق أن ألمحنا إليه آنفًا. وكانت

الأشياء تُقَدّم وكأهنّا قانون من قوانين التاريخ الصارمة. ودارت عجلة الزمان، فمضى عهد وجاء عهد، وقامت الثورة الإلكترونيّة، وظهر النظام الجديد بأمميّته وعولمته،

وبكونيّته الثقافيّة. وتعزز المخزون الإنساني بعلم اللسانيات الذي حقق إنجازات كاسحة حتى أضحت المعرفة

الكاشفة للظواهر اللُّغوية بطريقة علمية دقيقة سلطة في حد ذاتها. وإذا بالتاريخ يُعيد نفسه، وإذا ببعض الأغرار

من العرب أنفسهم قد حملوا التاريخ على أن يُعيد نفسه، فانصاع بُرهة ثم تأبّى، وكانوا في ذلك متسارعين إلى إرضاء

أساتذتهم الغربييّن، مُتهافتين على استدرار الشهادة منهم بأنهم نجباءُ وبأنهم أوفياء، لكنهم لم خيُ لصوا للعلم، فخذلهم

العلم بعد أن أمهلهم ردحًا من الوقت، فلقد تطوّرت المعرفة اللسانيّة، وهي اليوم تكاد تشفق بأطروحات بعض

الباحثين العرب الذين انتموا إلى علم اللُّغة في أواسط القرن العشرين، لكن قَدمهم-تحت وقع الانبهار- قد انزلقت

على مَرْكب القياس الخاطئ في موضوع اللُّغة العربية وعلاقة اللهجات بها، وفي ما حدّثتهم به الظنون بشأن الحركات

الإعرابية حتى أنكر بعضهم الحقيقة التاريخيّة لخصائص اللُّغة العربية، لا سيما صفتها الإعرابية المحايثة. ثمّ انساق

منهم جمع بين غرّ وماكِر، فتنادوا باللُّغة الثالثة، وتمادحوا بلغة الكادحين، وتسرتّوا بقميص الواقعية، وما علموا أن في

ندائهم حمَقًا لهُويّتين: هُويّة اللُّغة العربية الفُصحى، وهُويّة اللّهجات العامية التي تمثّل كلّ واحدة منها منظومة لسانية

متكاملة. لكن بين الإقرار بالحقيقة العلمية وتسخيرها لأغراض سياسيّة بونًا بائنًا. أمّا الخطر الكبير الثانيفهو خطر التحالف الذاتيّ، وهو لا ينعقد بين الخارج والداخل، وإنمّا يقع في حدود الدائرة

الداخليّة. والمعضلة الكأداء إنما تقبع في زاوية التحالف الخفيّ الصامت بين الكونيّة الثقافيّة في حربها اللغويّة ونزعتنا

الجامحة نحن العرب نحو تلهيج الثقافة. وهنا يركن أكبر التباس، وأعظم سوء فهم: فاللّهجات اللغويّة جزءٌ من

كياننا الحيّ، بها نعيش، وعليها نتربّى، ومعها نُسافر في رحلة الوجود: نأكل بها، ونلبس بها، ونفرح ونحزن بها،

ونحب أو نكره ثم نعشق أو نبغض بها أيضًا. إن الذي كان قدره أن يختص بعلم الل غة هو الأولى بأن يُدرك ما في كل

لهجة عربية من أسرار التركيب ومفاتن الإيحاء وألغاز الدلالة، وهو الأجدر بأن يقرّ بأن عبقريّة الإنسان لا تتجىل

في شيء كما تتجىلّ في لغته التداوليّة المكتسبة بالأمومة. وهو الأعلم بأن في كل لهجة عربية صيغًا لو طاف بسائر

اللهجات العربيّة، وبكل مستويات اللُّايلدب اله دجو الم ةّيلامع ةّينوك تاغل نم فرعي ام لعى جّرع مث، ىحصُفلا ةغً

مُطابقًا، ولما استطاع أن يترجمها ترجمة تفي بكل شحناتها التصريحيّة والتضمينيّة؛ فكأن اللهجة بهذا الاعتبار عنوان

الهُويّة الفرديّة في بُعدها الذاتيّ الحميم. لكن الإقرار بكل ذلك لا يمنعه من اتخاذ الموقف الحضاريّ المسؤول، وهو أنّ

تكريس اللهجة حامالً للرسالة الثقافيّة، وبديالً من اللُّغة القوميّة لهو الانتحار الجماعي على عتبات قلعة التاريخ. ولن

يسألنا أحدٌ برهانًا جديدًا، فلو فعل لأحلناه إلى تجارب سائر الأمم، وإلى مواقف سائر الشعوب، اللهم إلا إذا كان

يظن -واهمًا-بأن لهجات جميع هؤلاء لم تكن تحمل هي الأخرى مخزونًا عاطفيًّا مماهيًا لأحاسيس أهلها الناطقين بها.

قضيّتنا المستعصية اليوم هي أنّ الوعي اللغويّ لدينا ينبري حاضرًا ما دام الأمر متعلّقًا بمستوى المعرفة التي حمَْملها

الحرف المكتوب، فإذا غاب النصّ والمتن والخطّ، غاب بغيابها وعيُنا بوزن اللُّغة، ووعيُنا بخطر اللُّغة، ووعيُنا بأنّ

اللُّغة سلاح حضاريّ بأيدينا، فإذا زهدنا فيه انقلب علينا. معضلتنا أنّ وعينا اللغويّ يسكن فيتخدّر وينام إذا تعلق

الأمر بالثقافة المحمولة على القنوات التواصليّة غير الخطيّة. والحال أن المسألة واحدة، والهمّ مشترك، والخطر على

2 وهو ما وقع فيه عالم اللغة د. إبراهيم أنيس، وخصّص لنظريّته هذه كتابه: من أسرار اللغة، ط 5 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،

1975). وقد سبق لنا أن تناولنا المسألة بإسهاب وذلك في: العربية والإعراب (تونس: مركز النشر الجامعي، 2003.195-153) ص

قدم من التوازن التّام. بين المسرح والسينما، وبين الرسم والنحت، وبين طيّات الموسيقى الناطقة، يضيع وعينا فلا

نتساءل بأيّ لغة نتداول الثقافة، وكأننا ننسى أنّنا في كل ذلك لم نغادر أبدًا حرم الفكر، ومحراب العقل، ومدارج

التأمل الإنسانيّ الخالص. إن عاملِ اللسانيات ليعلم علم اليقين بأن اللّهجة التي تُنعَت بالعامية، أو بالدارجة، هي

من أقوى الطاقات الثقافيّة الحاملة لخصائص الإبداع، في الغناء، وفي الشعر: شعبيًّا، أم ملحونًا، أم نبطيًّا، وفي النص

المسرحي، وكذلك في سيناريو الأفلام التلفزيونية والسينمائية. ولن يكون عالم اللسانيات مخلصًا للمعرفة المتجرّدة،

ولا منصفًا لحقائق التاريخ الموضوعيّة، لو أنّه زعم أنّ على العرب اليوم قاطبة أن يهجروا لهجاتهم في الأغنيّة، وفي

المسرح، وفي السينما ليقفوا كل إبداعاتهم الفنيّة على العربية الفُصحى. لكن الانحراف التاريخيّ هو في تلهيج الخطاب

الثقافيّبما هو خطاب يتحدث عن الإبداع، وبما هو كلامٌ نَصفُ به الفن ونحلّله وننقده، وبما هو لغة نتحدث

بها عن لغة. كيف لا ننتبه إلى غياب الوعي اللغويّ عندما نتناول الشّأن الثقافيّ: نتمثّل الإبداعَ، ثم نتداول الحديث عنه باللّهجة

العامية، والحال أنّه في أرقى منازل الإفصاح، والمتحدث عنه -مثل الذين يتحدّث إليهم- من أقدر النّاس على

استيعاب الأداء اللغويّ القويم. يرسم الفنان لوحاته، ويعرضها، لكن الناس يتجادلون بشأنها، ويجادلون مبدعَها

فيها، ويدور ذلك على منصّات الإعلام المسموع والمرئي، ولا أحد يحسّ بالتناقض الصارخ بين حضور إبداع الفن

وغياب إبداع اللُّغة، فكلٌ على شاكلته في الرطانة واللّغط. ويناقش المثقفون شؤون المسرح وشؤون الشعر وطبيعة

القصائد، فينزلقون إلى الحوار الماحي لمراسم الإبداع، ولا يعون ولا يشتكون، بل يحتفون بما يقولون على مصادح

المذياع، وبين تجهيزات التلفزيون. ذلك هو تلهيج الثقافة، يبدأ من الخطاب المسوّغ على الفن، وينتهي بخطابنا الذي نتحدّث به عن هموم الثقافة ذاتها

على المنابر وفوق منصّات النوادي والملتقيات، بل والمؤتمرات، وأعظمْ بها من مفارقة: ما أن نُغادر مراسم المكتوب

والمقروء حتى تستهويَنا قوانين المجهود الأدنى، فكأن العربية أمٌّ لا تُفصح عن نفسها، بقدر ما تُفصح عنها بَناتها. إنّه

الخطر الذاتيّ يأتي مُضافرًا للخطر الموضوعيّ، وإنها لحالة من الانفصام: فالخطاب الثقافيّمحمول على نظام لغوي،

بينما الخطاب الواصف للثقافة، أو الناقد للإبداع، محمول على نظام آخر مغاير له. نستقبل الثقافة الفُصحى، ثم

نعمل على تلهيجها حتى لنكاد نعزل العربية عن السياق التداوليّ الحي. ربما يكون الخطر التاريخيّ آتيًا من أهل القرار

الإجرائي في مجتمعنا العربيّ عندما لا يُولون المسألة اللغويّة حجمها الحضاريّ التي هي متّسعةٌ له، قادرةٌ عليه، موكّلة

به، وعندما يغفلون عن أنّ بقاءهم وبقاء رعاياهم متوقفان على بقاء هويّتهم، وأنّ بقاء هويتهم مرصود ببقاء لغتهم

القوميّة الجامعة. لكن الخطر الأدهى هو أن المثقف العربيّ ما انفك في كثير من الأحايين يتحوّل إلى متواطئ على

الثقافة، بل على الهُويّة الثقافيّة التي بها قوام وجوده الحضاريّ، وعليها مدار صيرورته التاريخيّة.

إنّ المثقّف الذي يدير شأنه الفكريّ والأدبيّ والإبداعيّ بلغته القوميّة، وهو يخطّ ويكتب ويدوّن وينشر ويُساجل، ثمّ

إذا حاور -أو ارتجل، أو تحدّث عبر أمواج الأثير، أو على شاشات المرايا- توسّل باللهجة، لهو مثقف متواطئ على

ذاته الثقافيّة، ولا يعنيك منه ما قد يبدو عليه من نزعة المجهود الأدنى انسياقًا مع الكسل الذهنيّ، أو اتقاءً لركوب

المحاذير. إنه حيَيك المشهد الأول من تراجيدية الضياع اللغويّ الذي ينذر بانسلاخ الهُويّة الحضاريّة. لا ننفكّ نردّد أنّ اللُّغات الأجنبية في ما مضى كانت عدوًّا أيديولوجيًا يوم كان الرصّاع الحضاريّ معتمدًا على

الاكتساح العسكريّ، وكانت المذهبيّات رأس الحربة في المعركة. أمّا اليوم، فإنّ اللّهجات الم هدّدة لبقاء اللُّغة القوميّة

الفُصحى هي العدوّ الثقافيّالأشرس، لأهنّا تنتصب حليفًا موضوعيًّا للكونيّة الغازيّة -كما أسلفنا-، ولأنها بين

أيدي فرسان الأمميّة ومهَرة التدويل حليف إستراتيجي ليس كمثله حليف. بل لنقُل غير متوجّسين ولا مُهادنين: إن

اللغات الأجنبية قد كانت فعالً عدوًّا تاريخيًّا، وستظلّ فعالً عدوًّا تاريخيًّا، لكننا مدعوّون اليوم إلى أن نتّخذها حليفًا

إستراتيجيًّا بعيد المدى، فنستنبط معها عقد شراكة بكل فوائضه القيميّة المُربحة. أمّا اللهجات-لا باعتبارها أداةَ تعبير

حيّ تلقائي، وإنمّا وسيطًا ثقافيًّا، وناقالً للمنتج الفكريّ والإبداعي عند التواصل والمشافهة -، فإهنّا شقيق طبيعي

يتحوّل على أيدينا إلى عدوٍّ أيديولوجي بكلّ قيَمِه السلبية الناسفة. إنّه لا ثقافة بغير هُويّة حضاريّة. ولا هُويّة بغير إنتاج فكريّ. ولا فكرَ بغير مؤسّسات علميّة متينة. ولا علم بغير حرّية

معرفيّة. ولا معرفة، ولا تواصل، ولا تأثيرَ إلا بلغة قوميّة تضرب جذورها في التاريخ، وتُشارف بشموخ حاجة

العصر وضرورات المستقبل. إنها تقاطعات بالغة التداخل بين الشأن اللغويّ والشأن المعرفيّوالشأن الاقتصادي،

ولا جامع لها كلها إلا مؤسسة صناعة القرار. من ظن أنّ اللُّغة شيءٌ والسياسة شيءٌ آخر، فقد وضع نفسه خارج

منطق التاريخ، ومن توهّم أن الخيارات السياسية تستقيم بمعزل عن الخيار اللُّغوي فقد ظلمَ السياسة، وظلم اللُّغة،

وظلم نفسه. إن المسألة اللغويّة قائمة في جوهر التصوّر السياسي من حيث هو إدارة حياة الناس في معاشهم، وفي

إنجازاتهم، وفي أحلامهم، أما ما يتّصل بعوالمهم الرمزية من فن وإبداع فلا معنى لشيء من كل ذلك خارج الخيار

اللُّغوي. اللُّغة ملازمة للسياسة، إنها العنصر المحايث له بالفعل، أو بالقوّة، غير أنّ المنسيّ في القضية -أو المغفلَ- هو

أن السياسة ملُازمة للُّغة، بمعنى أن الوجود اللغويّ-بطرفيه المتناهيين اللذين هما البقاء والاندثار- مرهونٌ بالفعل

السياسيّ، كإدارة وقرار وإنجاز. إن هذا التلازم يتجىلّ أحيانًا فيدركه ذوو النظر المتأينّ، ويتخفّى بتستر بالغ في أحيان

كثيرة أخرى، وهو في حالات السِّلم أكثر انحجابًا مما هو عليه في حالات الصراع. إنّ السؤال المتعلّق بمصير اللُّغة العربية ربمّا كان في ما مضى-ومن خلال مُنعطفات زمنية وتاريخية مختلفة- ضربًا

من الاحتشاد الوقائي. وقد كان بالفعل كذلك منذ بداية النهضة العربيّة الحديثة، واستمرّ على ما هو عليه عندما

جثم الاستعمار، ثم تمك ن واشتد طيلة سنوات المقاومة والتحرير، لكنه في هذا الزّمن الجديد، ومع تفتّق التاريخ عن

الاستعمار الثقافيّالجديد، قد غدا سؤاالً راهنًا، ضاغطًا، حارقًا، لا يحتمل التأجيل، بل أضحى من أمّهات الأسئلة

لأنه بثقله الرمزيّ يقوم مقام أركان الصراع الكلاسيكية كلها: السياسيّ والحربيّ والاقتصاديّ والفكريّ. نؤكد هذا

ونحن نرتجي أن يخبّئ لنا الربيع العربي مفاجآت سعيدة تُعيد الاعتبار إلى اللُّغة القوميّة، وتُعين على تطهير أحاسيسنا

عن اله.ُويّة من قبل -في حقبة الاستعمار التقليدي وما تلاه من موجات التحرّر والانعتاق- كان الخطاب السياسيّ الرّسمي لدى

السلطات الاستعماريّة يتفصىّ من مسؤوليّة العداء الثقافيّ، ويتنصّل تبعًا لذلك من كلّ المرامي الحضاريّة البعيدة،

ويقدّم نفسه على أنّه حركة تمدينيّة ذات مقاصد إنسانيّة نبيلة، وهكذا كان الخطاب الاستعماري خطابًا تبشيريًّا، خيُ اتل

ليتسرتّ على قناعات أصحابه بأفضليّتهم الثقافيّة. أما الحقيقة التي أعقبت ذلك، فتتمثّل في تحوّل الخطاب الرسمي من

خطاب يوازن بحذق سياسيّ بين المصرّح به والمسكوت عنه، إلى خطاب مجاهر يُعلن استعلاءه الحضاريّ، ويُكاشف

بتهجين الآخر، ولا يتردد في إبراز قناعاته التي تشرّع لأفضليته الثقافيّة بناء على دونيّة سائر الثقافات الإنسانيّة.

والذي أعان الآخر على الضخ في أوداج خطاب الاستعلاء هو المأزق الذي آلت إليه دولة الاستقلال على مدى

نصف قرن، إذ أخفقت في إرساء منظومات الحكم الرشيد؛ حتى جاءت بشائر الربيع العربيّ الذي انبرى يُطهّر

الواقع التاريخيّ من الأنظمة الاستبداديّة، مُستصفيًّا ما يصلح، وكانسًا ما لا أمل في صلاحه. لكن هذا الواقع الجديد

لا يزال يمور في فوران تاريخيّ لا نستطيع الآن استشراف مآلاته الثقافيّة واللغويّة، ولم نر -إلى حدّ الآن- انبثاق

وعي حضاريّ جديد يحمل رؤى جديدة تُعطي معنى عميقًا للربيع العربيّ. هناك جملةٌ من الحقائق جالّ ها العلم

اللسانيّ، واعتمدها على نطاق كيلّ، وكان أهله واعين بأهنّا ليست اكتشافات بالمعنى الحقيقي، بل إنّ بعضها يُعدّ من

البديهيات، لكن الحدث الجديد تمثّل في إيضاح أمرها وتأهيلها إلى منزلة المفاتيح الإجرائية الناجعة. من تلك الحقائق

التي غدت مثل المُسلمّات، أنّ اللُّغة تحيا وتدوّن وتبقى بفضل التوارث الثقافيّ. وهو ما يتضمّن النفي القطعيّ لمبدأ

3 الطاهر لبيب، " عودة إلى المسألة اللغوية "، مجلّة الحياة الثقافية، العدد، ص 172 (2006.12-3)

الوراثة الطبيعيّة في الظواهر اللغويّة -كما سبق أن أشرنا إليه-، لأن أيّ مولود إذا نقلناه في سنواته الأولى من بيئته

الاجتماعيّة، وأسلمناه إلى بيئة أخرى، فإنّه ينشأ على الل غة التي يتداولها مَن حلَّ بينهم كما لو أ ا لغة أمّه وأبيه، فأمر

اللُّغة مشدود بالكلّية إلى قانون الاكتساب الذي هو ركن متين من أركان النسق الثقافيّبنواميسه المجردة كلها، وآلياته

الإنجازيّة الفاعلة كلها. ومن الحقائق العلميّة التي لها أن تتألّق الآن في ضوء الشّطرنج الدوليّ الجديد، الحقيقة التي تصف الرابطة المعقّدة

القائمة بين اللُّغة والفرد والجماعة. ومدارُها أنّ اللُّغة سابقةٌ للفرد، باقيةٌ بعده، لا تحيا إلا بتداول الأفراد لها، لكنها

تموت وتنقرض إذا ما أعرض الأفراد عن تداولها. من هنا ينفتح باب كبير لدراسة أبعاد هذه العلاقة الجدليّة حين

يتناولها علم اللُّغة الاجتماعيّ من زاوية الهرم المجتمعيّ، وكيف تنتظم الصّلة بين قمة الهرم فيه-وهي سلطة القرار-

وقاعدته، وهي جموع الجماهير. وهكذا، تتأسس سلسلة من الم سلمّات، فاللُّغة " تشتغل " بفضل عَقد ضمني بين

الأفراد، وهو عقد ضمني بالضرورة، لأن مجرد التداول بشأنه يجعل الل غة تتحوّل من وظيفتها الطبيعيّة، وهي الحديث

عن الكون والوجود والعلم، إلى الحديث عن نفسها. والل غة هي الأنموذج الأقصى الذي جيُسّم بالإطلاق مفهوم

الملكية المشاعة، ولو أنّ أحدًا أراد أن يُضيف إلى اللُّغة شيئًا -في مفرداتها، أو في مجازاتها، أو في صيغها وتراكيبها- فإمّا

أن يرفضه الاستعمال فيذهب هدرًا، وإمّا أن يتقبّله فيكون ذلك بمنزلة التخيلّ الواعي عن الملكية الفرديّة، وإسهامًا

طوعيّا في كنوز الثروة الجماعيّة على الشياع.

ثمّ إنّ اللُّغة هي التي تنتقل بالأفراد من جماعة بشريّة إلى مجموعة ثقافيّة، وهذا على وجه التمحيص يعني أنّ الرابطة

اللغويّة أقوى من الرابطة السياسيّة، لأنّ الجماعة البشريّة إذا ترابطت سياسيًّا كوّنت مجموعة وطنيّة، وهذا لا يقتضي

بالضرورة أن يكون التجانس الثقافيّقد قام فعالً بين أفراد المجموعة بمجرد الانضواء تحت الرابطة السياسيّة الواحدة،

والتاريخ -القديم منه والمعاصر والحديث- مليء بالشواهد الدالّة. ويكفي أن نتبنيّ كيف انفلقت كيانات سياسيّة كان

يُظنّ أهنّا التحمت بمجرد انصهارها في سياج الدولة السياسيّة، لكن سلطة الثقافة كانت أقوى، فتطايرت المنظومة

إلى دول إثنية ثقافيّة، شأن ما حصل في يوغسلافيا، وفي تشيكوسلوفاكيا، وفي ما كان يُسمّى بالاتحاد السوفياتي. أمّا

الشّاهد المضادّ، الذي يبُره ن على أنّ السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا هي كلّها أضعف من الثقافة المتجانسة؛ ومن

اللُّغة المشتركة؛ ومن التراث الفكري الواحد، فهو توحّد ألمانيا بعد سقوط جدار برلين. إنّ الخبراء العالميين هم أدرى الناس بأنّ أداء الفرد اللغويّ لا يُمكن أن يرتقيَ ذهنيًّا بأي لغة أجنبية ما لم ينطلق من

امتلاك تام للمهارة الأدائيّة بواسطة طريق اللُّغة القوميّة، أي بواسطة اللُّغة التي يرتبط بها الاكتساب الأموميّ، وما

يُرافقه من شحن بالقيَم الوجدانيّة والعاطفيّة والروحانيّة، وحتى الأسطوريّة أحيانًا. وهذا مما يندرج ضمن الحقائق

المعرفيّة على الإطلاق، لا على وجه التقييد، وهو في مكاسب علم اللسانيات من صنف الحقائق اليقينيّة القاطعة، لأنه

في منزلة الكلّيات التي تنطبق على كل فرد آدميّ، وفي كل عصر من العصور، ومع كل ثقافة من الثقافات، وانطلاقًا

من أي لسان بين الألسنة البشريّة الطبيعيّة. وإذا ما رمنا التعريج على ما وراء هذا التواشج الل -السياسيّ على غوي

بساط الوقائع التاريخيّة، ساغ لنا أن ننبّه إلى التعديلات الطارئة على ساحة المعارف والبحث العلميّ، فلقد انبثق عن

ذاك التعالقِحقولٌ من البحث، هي مثل فروع من الاختصاص العام ضمن شجرة اللسانيات الكُبرى، حقل أولها

التخطيط اللغويّ، و، ثانيها حقل السياسة اللغويّة وأخيرها حقل الحقوق اللغويّة. إنّ اللغات البشريّة تتولّد وتحيا

وتموت، وقد يبلغ بها الاحتضار مشارف الفناء، فيقيّض التاريخ لها من ينفخ في أنفاسها، فتنبعث انبعاثًا جديدًا،

فيشتدّ عودها، وتستقيم هامتها. ولئن كان الأصل في اللغات أن تعيش بفطرتها، وأن تفنى بفعل الزمن فيها، فإن

التاريخ لقّننا من الدروس ما به نسلّم أيضًا بأنّ اللغات قد تُقتل قتالً فتُباد، أو تُبعَثُ بعثًا كأنما هو الإحياء بعد الممات. الحاصل لدينا من كل ذلك هو أنّ الظاهرة اللُّغوية ظاهرة طبيعيّة، بمعنى أهنّا تسير من تلقاء كينونتها وفق نواميس

خفيّة تحدد سيرها على نحو مُطلق يَصْدق على كل الألسنة البشريّة، ثم على نحو مقيّد ينطبق على الألسنة الطبيعيّة كل

لسان منها على حِدة بحسب خصائصه الذاتيّة، وبحسب طبيعة الأسرة التي ينتمي إليها، والفصيلة التي يندرج في

خانتها. لكن الحاصل الأهم هو أنّ الإنسان بوسعه أن يتدخّل في الظاهرة اللُّغويّة -تمامًا كما يتدخّل في عديد الظواهر

الطبيعيّة الأخرى- فيحدد مسيرتها، ويتحك م بمجريات أحداثها، وقد تصل الإرادة البشريّة في توجيهها للظاهرة

اللُّغويّة إلى حد إبادتها، وهي في أوج تألّقها، أو إحيائها، وهي على عتبة مدافن التاريخ. إنّ اللُّغات تتُرك على عواهنها

فتتغير وتتبدل، فتستحيل عبر القرون من هيئة إلى هيئة حتّى تنحل إلى ألسنة تتغاير، ثمّ تنفصل عن الأم الأولى، ثم

يتباعد ما بينها من أواصر النّسب حتّى تتمايز وتتباين، فتمسي ألسنة مختلفة. غير أنّ تبدّل اللغات وانسلاخها عبر

الزمن قد تحف بهما ظروف تاريخيّة تكبح نزوع الظاهرة الطبيعيّة نحو التّبدل، فيستمر كيانها، ويُكتب لها الدوام

فتبقى، ويتعطل حيالها قانون التاريخ القاضي بفنائها عبر الانسلاخ. إنّ علاقة اللُّغة بالسّياسة أمر بديهي، لكن علاقة الخيار اللُّغويّ بالرصّاع السياسيّ الممتدّ على الزّمن الطويل أقلّ

انجلاءً، لذلك يُمكننا أن نقول إنّ الوعي به مسبار نقيس به انخراط شعب من الشعوب -أو أمة من الأمم- في النسق

التاريخي الواعد، ولئن أجمع العرب -أو كادوا يجمعون- على أن التفريط في الأرض، مثل الإقرار بشرعية اغتصابها،

يهُدد وجودَهم، فإهنّم مثل الغافلين عن أنّ التفريط في لغتهم القوميّة سيكون هو المسوّغ للتّفريط بالأرض، وما كان

للكيان المغتصب أن حيُييَ لغة أشرفت على الممات؛ فارتكنت على رفوف اللغات غير المستعملة؛ لولا أنّه يعتزم المضيّ

في ليّ ذراع التاريخ واختراق قوانين الحق الشرعي. سنقول مبدئيًّا إنّ الهُويّة في مفهومها الشامل قيمة جوهريّة في حياة الإنسان بوصفه كائنًا ثقافيًّا قبل أن يكون كائنًا

بيولوجيًّا، وجوهرُ اله ويّة الانتماءُ، وهو الذي به يفارق الإنسان آدميّته الغريزية مرتقيًا إلى آدميّته المُتساميّة. والانتماء

مضمونٌ وإبلاغ، فأمّا المضمون فعقيدة تكفل له الإيمان، وتقيه شرّ الضياع في الوجود، وأمّا الإبلاغ فلغة تؤمّن له

التواصل الإنساني ا الخّق. فإذا تصاقبت دائرة الإيمان ودائرة اللسان كان الانتماء إلى التاريخ، وكان الاستشراف إلى

المآل. سيبدو غريبًا لكثير من الناس أن نقول لهم إن قبول تفتيت الل غة القوميّة هو الخطوة الأولى الحاسمة نحو قبول

تفتيت الذّات، وقبول تفتيت الهُويّة، فقبول تفتيت السيادة، ثم قبول تفتيت الأرض. وسيبدو لهم ذلك غريبًا، وغير

بعيد أن يبدوَ لهم مستهجَنًا، وأن يتأوّلوا أنّه استنفار مدفوع بعقدة المؤامرة. عندما نؤكّد أنّ اللُّغة مكوّنٌ جوهريٌ ضمن معمار السياسة، فإنّنا نتعامل مع المسألة من منظور اختباريّ، يمُليه الغطاء

العقلانيّ الذي يتحرّك تحت قبائه الفكر النقديّ، كما أنّنا نشخّص " الموضوع " أكثر ممّا نفحص " الذّات " كي نجس

نبضها. وبين الموضوع الإنسانيّ والذات الجماعيّة جسر واصل، تجسّده الدساتير التي يتأسّس عليها مفهوم الدولة،

وهنا ينبري مشهد قارع يتناساه الناس لفرط بداهته: فالدستور -في أغلب الحالات- ينصّ على اللُّغة القوميّة التي

يتعلّق بها الشعب لتكون جزءًا جوهريًّا في تحديد هُويّته، وقد يعتمد الدستور مبدأ التّعدد الل غويّ، لكنه حيُدد مكوّناته

بالتنصيص الصريح. وهكذا، نجد جلّ الدول تنص في دساتيرها على ما تعدّ أنّه هو الل غة القوميّة. والبلاد التي لم

ينصّ دستورها على ذلك فلأن الجميع يعدّ سيادة اللُّغة القوميّة أمرًا بديهيًّا ليس بحاجة إلى التنصيص عليه، كما كانت

الحال عند الفرنسييّن حتى استدركوا أمرهم، فسارعوا في عام 1992 إلى تنقيح دستور بلادهم كي ينصّ على أن

اللُّغة الفرنسيّة هي لغة البلاد شعبًا ودولة. إننا في سياقنا هذا، نبتغي الاستدلال على الرابطة المتينة بين الهُويّة واللُّغة

فحسب، ونروم إجلاء الشاهد على نُبل الإحساس بالحميّة الوطنيّة من خلال أداة التخاطب الرسمية. والأهم من

ذلك كله، هو إثبات وجاهة القرار الصادر عن السلطة السياسيّة، وتأكيد ما يُصطلح عليه بالتشريع اللغويّ. هو ذاك الذي نبغي، فنحن نبحث عن استزراع الوعي اللغويّ من خلال الوعي السّياسيّ، أن نؤصّل الوعي من

خلال الوعي المضادّ، نحن نطمح إلى أن يتصالح العرب مع هُويّتهم بمجرد أن يتصالحوا مع ل غتهم، وما من سبيل إلى

4 عثمان سعدي، 15 سنة من النضال في خدمة اللغة العربية (الجزائر: الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية،.)2005

ذلك إلا حين يُدركون التماهيَ الأقصى بين السياسة واللُّغة والهُويّة. أفلا ينظرون إلى عدوّهم كيف بعث الحياة في لغته

بعد الممات، فلم تمض خمس سنوات على اغتصابهم حق الأرض، بعد قرار التقسيم، في عام 1948 حتّى بادروا إلى

إنشاء مجمع اللُّغة العبريّة عام 1953، ثمّ كوّنوا مجلسًا أعلى يضم نحو أربعين لجنة متخصّصة في كلّ الفروع العلميّة

والفكريّة والأدبيّة والفنيّة، تهتمّ بمسايرة الل غة للتطور المستمر، واستحداث المصطلحات والمفردات العبرية التي

تُغطي الحاجة في كل المجالات، وما يتفق عليه منها ينشر في الجريدة الرسمية، ويُصبح العمل به إجباريًّا في الدوائر

الحكوميّة والمؤسسات المدنية والجامعات ودور التعليم ووسائل الإعلام بأنواعها، ويعاقب القانون كل من يخالف

ذلك ولا يلتزمه، وبذلك استطاعوا أن يبعثوا الحياة في الل غة العبرية بعد أن شبعت موتًا، وخلقوا لها كيانًا بعد أن

كانت أثرًا من آثار التاريخ، وهم يقولون: إنّ الل غة العبرية هي المعربّة عن شخصيتهم وثقافتهم وتاريخهم، والجامعة

لكيانهم المشتت، والصاهرة لكل اختلافاتهم الفكريّة، والرابطة لوحدتهم وتضامنهم. إنّ التشريع اللُّغوي مسألة غاية في الدّقة والتأثير، وهي قضيّة مبدئيّة تطفو على سطحها الهواجس المغمورة

والإشكالات المزهود فيها؛ والعرب -من فرط ثقتهم بأنّ عوامل التهرئة لا يمكن أن تنال من لغتهم، ولا أن تأتي

على رسمها- زهدوا في أخذ أنفسهم بالحذر، وأغمضوا أعينهم عن الاستشراف المستقبلي الحصيف. إنّ موضوع

الهُويّة أصبح يستلزم منا طرحًا جديدًا، وذلك في ضوء سببين اثنين، الإنسانيّ بما أفضى إلى أولّهما تغريّ المشهد الثقافيّ

انقلاب مرجعيّاته، وإلى اضطراب سُلّم أولويّاته؛ و ثانيهما تصدّر العامل اللغويّ أمام سائر المقوّمات التي منها تتكوّن

منظومة قيَم الانتماء الحضاريّ. لقد كان بديهيًّا أنّ اله ويّة ترتكز على أركان تاريخيّة يتصدّرها الانتماء إلى أصول سلاليّة

واحدة، وهي تلك التي متُثّل خريطة الأجناس والأعراق، ثمّ تأتي اللُّغة عنصرًا معربًّا عن ذاك الانخراط السلّالي،ّ

وبعد ذلك تأتي المُعتقدات التي طالما كانت الجامع بالضرورة في مختلف الثقافات. وعرف العرب- خلال القرن

العشرين- من المذاهب السياسيّة التحزبيّة ما أدخل تعديالً على سُلّم الرُّتَب، فأقام الهُويّة على وحدة الانتماء السلالي،ّ

ووحدة اللُّغة، ووحدة التاريخ، مُسقطًا بذلك الركن الروحي وإن عدّه مقوّمًا مؤازرًا لمنظومة القيَم التي عليها يستوي

معمار الهُويّة، وكان في ذلك تصورٌ إستراتيجي يهدف إلى توحيد صف العروبة بمختلف المعتقدات الروحيّة القائمة

بين أبنائها، غير أنّ المشهد الكونيّ قد تغريّ على نحو جذري، بل قلْ قد انقلب سُلّم القيَم الذي كان يحكمه، ولا يمكن

النفاذ إلى العلل الكامنة في المسألة اللُّغوية ما لم نعِ الفروق الباطنة في علاقة السياسة بالثقافة أوالً، وفي علاقة الثقافة

باله -باستتباع حتمي-ُويّة تاليًا، ثم في علاقة اللُّغة بالسّياسة، كما سبق أن شرحناه. ومهما تكن درجة الوضوح التي

عليها مشاهد القراءة الفكريّة فإنّ القضية تظلّ مرهونة بمدى وعي أصحاب القرار السياسيّ بمكوّناتها. إنّ الرصّاع على الأرض، والرصّاع على الثروة، والرصّاع على الماء، كلّها مطايا للرصّاع على السّيادة، وعلى المجد،

وكلها رصِاعات بادية للعيان، لكن الصراع الأدقّ والأعمق والأبقى-وربمّا الأعنف-ويات. وراحإنمّا هو صراع الهُ

بعضُ العلماء اللُّغويين ينادي من أجل ذلك بتأسيس منهج جديد في مبحث العلم اللغويّ يقوم على مراجعات بعض

المُصادرات التي سَلّمت بها اللسانيات الحديثة. من ذلك ما فعله جون جوزيف، إذ دعا إلى إدراج موضوع الهُويّة

ضمن الدراسة اللسانيّة، ناقضًا بذلك ما كان شائعًا من أن مسألة الهُويّة لا يمكن فحصها بمعايير العلم الموضوعي،

إذ نُفسِد مشروع اللسانيّات كلمّا حاولنا إقحام الهُويّة في مواضيعها.

إنّ هذا التغريّ العميق الذي اخترق جوهر مفهوم العلم لم ينشأ من فراغ، ولم يأتِ ثمرًا لنزوةٍ منهجيّة، بل نراه امتدادً

5 صالح بلعيد، منافحات في اللّغة العربية (تيزي وزو- الجزائر: جامعة مولود معمري، 2006)، ص 61.62-

6 راجع في هذا الصدد: أحمد مطلوب، التشريع اللغوي (بغداد: منشورات المجمع العلمي،.)2011

7 جون جوزيف، اللغة والهويّة: قوميّة -إثنيّة- دينية، ترجمة عبد النور خراقي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 342: أغسطس 2007

(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفن، ن والآداب، 2007.48-35)، ص

طبيعيًّا ملِا طرأ على المشهد الإنساني كلّه في ما يتّصل بالقضايا الثقافيّة الكليّة. فها هي اليونيسكو تقرّر في مؤتمرها

(المكسيك 1981) إعلان مبدأ حوار الثقافات، وخت صّص له عقدًا من السنين سُمّي ب " العشريّة الثقافيّة " 1988(

- 1997)، وأفضى إلى تقرير جاء في صيغة مجلّد ضخم بعنوان: تنوّعنا ا الخّق، ثمّ تواصل الجهد الأمميّ في سعي

حثيث نحو تحقيق معاهدة دوليّة تكون بمنزلة " الإعلان العالمي عن التنوّع الثقافيّ"، من أهمّ مبادئه إقرار حقّ الدول

في انتهاج السياسات الثقافيّة التي حتُدّدها لنفسها، وإقرار مبدأ حماية المُنتج الثقافيّالخاص بكل شعب، وإقرار حقّ كلّ

شعب في التمسّك بلغته القوميّة بوصفها الرمز الأكبر لهُويّته الثقافيّة، لذلك أُضيفت إلى ميثاق التنوّع الثقافيّوثيقة

الحقوق اللغويّة. وقد جاء في ديباجتها أن " اللُّغة ليست أداة للاتصال واكتساب المعرفة فحسب، بل هي أيضًا مظهر

أساسي للهُويّة الثقافية، ووسيلة لتعزيزها سواء بالنسبة إلى الفرد أو إلى الجماعة ". وقد جرت الم صادقة على المعاهدة في

20 تشرين الأول / أكتوبر 2005. إنّنا -نحن العرب- نمرّ اليوم في المسألة اللغويّة بامتحان تاريخيّ خطير عسير، ونُواجه إشكالات لا تقف عند

حدود الشّأن السياسيّ الثقافيّ، وما يلُازمه من شؤون اقتصاديّة، وإنمّا نُواجه وضعًا يُمكن في كلّ لحظة أن ينفجر

تحت وقع تناقضاته، ويكون انفجاره هديّة ذهبيّة على طبق فضيّ تتلقّفها القوى الدوليّة لُقمة سائغة بلا عناء. لقد

سبق للعرب أن استشعروا هذه الظّاهرة عندما أقرّوا في إطار منظّمة العمل الثقافي المشترك (المنظمة العربيّة للتربية

والثقافة والعلوم - الألكسو) الخطّة الشاملة للثقافة العربيّة عام 1982. غير أنّ الحقيقة الأعمق والأمكن هي أن

صوغ مشروع ثقافيّستظلّ متعذّرة على العرب ما لم يصوغوا لأنفسهم مشروعهم اللُّغوي الذي يكون أرضًا صلبة

عليها يشيّدون معمار هويّتهم الثقافيّة.

إنّ السياسة جسرٌ عِماده الثقافة، والثقافة نهر تسقي جداولُه مزارعَ السياسة. والهُويّة قلعة حِصنها الثقافة، وسياجُها

اللُّغة. كذا نتبنيّ كيف يغفل أهل التدبير عن أبسط الحقائق، وهم الذين ينتدبون أنفسهم بأنفسهم لحمل أمانة التاريخ

بالسهر على مصائر شعوبهم. فهل من مذكّر لهم بأنّ الحق الثقافي غير الحق السياسيّ، وغير الحقّ الاقتصاديّ؟ إنّ الحق

السياسيّ يقبل المفاوضة، ويتحمّل المهادنة لأنه لا يتنافى وأسلوب الإمهال، فالزمن قد يتكفّل بتقويته لا بإضعافه.

والحق الاقتصادي -هو من ناحيته- يقبل المساومة لأنه لا يحمل في ذاته مبدأ المقايضة، والتأجيل الزمنيّ لا يضرّه

لأن له ثمنًا يُؤدّى، وقيمة تنضاف. أمّا الحقّ الثقافي فهو كيلّ وقاطع، لأنه حصري يتقابل ضدّيًّا مع فكرة المُهادنة

والإمهال، فهل من مُذكّر بأن الاستحقاق الثقافي لا يعرف تدرّج ألوان الطيف، لأنه عماد الهُويّة، فهو مثل القناعات

الحميمة، ولأنه جزء من المُسلمّات الذاتية. لقد سبق لقيادات معسكر الحرب على اللُّغة العربية أن اتخذوا لعبة الخطاب المركّب وسيلة ليدسّوا ما هم مصرّون

على دسّه. فالإرهاب في خطاب هؤلاء جميعًا يقدّم بعد تشغيل آليّات اللُّغة والسّياق والمقام حتّى يتمّ الاقتران الذّهنيّ

والتوالج النفسيّ فيتحقّق الارتباط بين صورة العربيّ وصورة الإرهاب. وهذه العمليّة -اللغوية الذهنيّة النفسيّة

الثقافيّة- هي التي يجري تشغيلها لإحداث اقتران مبطّن آخر يجمع بين صورة العربيّ وصورة المُسلِم ذهابًا، ويجمع

بين صورة المُسلِم وصورة العربيّ إيابًا، ثم يُمعِن الخطاب المخاتل في مزج الأخلاط داخل سلة واحدة، هي سلّة

الإرهاب. وبما أنّ كل عربي مرجعه القوميّ هو الل غة العربيّة، وأنّ كل مسلم مرجعه الاعتباريّ هو أيضًا اللُّغة

العربيّة، بما هي لغة النصّ المؤسّس، فإنّ الل غة العربيّة عن طريق القياس الماكر تُصبح هي الشرارة الكهربائيّة المولّدة

للطاقة الإرهابيّة.

8 صيغة العنوان كما جاء في نصّه الإنكليزي هي: تنوّعنا ا الخّق - تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، وقد توىلّ ترجمته إلى العربية

المجلس الأعلى للثقافة في مصر بعنوان: التنوّع البشري ا الخّق - تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، وقد أشرف على الترجمة وحرّر

المقدّمة جابر عصفور.

9 جرى التصويت بموافقة 148 دولة، واعترضت على المعاهدة دولتان هما الولايات المتّحدة وإسرائيل.

العجيب أنّ مؤسّسة العمل العربيّ المشترك الكُبرى (بيت العرب) لم يخطر لها أن تجعل المسألة اللُّغوية ضمن أولويّاتها

المصيرية منذ البدايات، وما هي إلا قد استيقظت بعد خمسة عقود ونصف العقد من انبعاثها، فأولت الل غة التفاتة على

استحياء يشي بالإعياء الحضاريّ؛ وكأن الموضوع مَرْهم يفيض خارج إناء المصير الكبير، ففي قمّة الرّياض 2007،

أُعلن عن إدراج موضوع اللُّغة العربية ضمن أُمّهات القضايا التي تخص العمل العربيّ المشترك، وفي قمّة دمشق

2008، جرت المُصادقة على مشروع النهوض باللُّغة العربيّة للتوجّه نحو مجتمع المعرفة، وفي قمّة الدوحة 2009،

جرت المُصادقة على آليّات تنفيذ المشروع وتكليف المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم بإنجازه. وكان أولو

الأمر قد اطمأنّوا منذ أوكلوا كلّ المسائل المتعلقة بالتربية والثقافة والعلوم إلى مؤسّستهم المشتركة في هذه المجالات؛

وأمرهم هنا أغربُ وأدعى للعجَب، فمنظ مة الألكسو ليس لها اختصاص باللُّغة، لا على وجه التّعيين، ولا حتّى على

وجه الإضمار، ولو كان لها ذاك الاختصاص لسُمّيت المنظ مة العربية للتربية والثقافة واللُّغة والعلوم، ومجموع كل

تلك الحقول هو ما يُمثّل -في مفاهيم المعرفة المعاصرة- رأسَ المال الرمزيّ لشعب من الشعوب، أو لأمة من الأم،

أو لثقافة من الثقافات. لكن الذي جسّم انخراط الوعي العربيّ في منطق العصر خير تجسيم، إنما هو الانتباه المبك ر إلى

ضرورة التخطيط للعمل الثقافيّ، وحتَتّم إرضاخه للمنطق الإستراتيجي حتى يكتسب بُعده الفاعل، وحتى يكتسب

العمل العربي المشترك مشروعيّة وجوده بأن يجنيَ العرب من الثمار الحضاريّة وهم مجتمعون ما يعجزون يقينًا عن

جنيه منفردين حتى ولو سخّروا من الأعتاد أضعاف ما يستوجبه بيتهم الثقافيّالمشترك. كذا كان ميلاد الخطّة الشاملة للثقافة العربية التي أقرّها مؤتمر وزراء الثقافة العرب (26 - 28 تشرين الثاني / نوفمبر

1985)، وكذا جاءت سليلة منطق داخليّ يربطها بإستراتيجيّة تطوير التربية العربيّة، ويربطها بالإستراتيجيّة العربيّة

لمحو الأمّية وتعليم الكبار، ويهيّئها لمصاهرة إستراتيجيّة أخرى في مجال العلوم والتقنيات. ولئن تخلّق العمل الثقافيّالمشترك ضمن جامعة الدول العربيّة -على حدّ ما جاء العمل العربيّ المشترك بأكمله-

صورةً لمنوال العمل الدوليّ المشترك، فإنّه يظلّ مفارقًا لنظائره باعتباره تجربةً متفرّدةً بخصائصها التاريخيّة والحضاريّة.

وستكفينا نظرة حتّى نتبنيّ أنّ مؤسّسات العمل الثقافيّالمشترك في التجربة الدوليّة لا تشكو من شيء شكواها من

فقدان هذا الذي هو قوام المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والذي هو نسغها الدائم ورُواؤها الذي لا ينضب:

ألا وهو العنصر اللغويّ الواحد، وإليه ترتدّ كل المرجعيات الفكريّة، ما تجانس منها وما تنوّع. فإذا ساغ لنا هذا

التصوّر المبدئي تيسرّ لنا أن نستسيغ ما سنزعمه من أنّ الثقافة المتعددة الأطراف إذا طمحت إلى اكتساب دستورها

المعرفيّالقائم بذاته فلن يتحقق لها ذلك إلا انطلاقًا من النموذج العربي.ّ لقد طافت المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم في خطتها الشاملة للثقافة العربيّة بكل أركان البيت الفكري

المشترك، وأنجزت أشواط طوافها في الشأن التربويّ، وفي الهم الثقافي، وفي الهاجس العلميّ. وكذلك في معضلات

العصر وأمهات قضاياه، ولم تغفل عن تحديات الثورة التقنية المتجددة، لكن الأهم من ذلك كلّه أهنّا لم تستطع إغفال

أمر اللُّغة، فإذا بها تتناول القضية عند كل سياق تتسلّل فيه اللُّغة طوعًا أو كُرهًا، وهكذا وجدت المنظمة نفسَها محمولة

حمالً على معالجة ما كانت تظن أنه يخرج عن اختصاصها. وهنا نقف نستجلي بُعد المسافة بين المتن والحاشية في العمل

العربيّ المشترك، بل نستجلي أيضًا الأعراض المكشوفة التي تشي بحالة الانفصام العربيّ في هذه المسألة المصيريّة. لقد اتّفق العرب جميعهم على أن " التّفريط في اللسان القوميّ تفريطٌ في الهُويّة وكسرٌ لهيكل تماسك المجتمع ووحدته "،

واتفقوا أيضًا منذئذ -مع الإنتاج الفنيّ-ٍعلى أنّ وسائل الإعلام كثيرًا ما تدعم اللّهجة العاميّة على حساب اللُّغة

العربيّة الفصيحة، كما لاحظوا منذ ذاك التاريخ أن " القوى الأجنبية تشجّع العاميّة دراسة ودعامً، وتؤكد صعوبة

10  المنظّمة العربيّة للترجمة والثقافة والعلوم، الخطّة الشّاملة للثقافة العربية، ط 2 (تونس: المنظمة العربية للترجمة والثقافة والعلوم،

العربيّة السليمة. وثمّة دعوات تدعو إلى ترك الل غة الفصيحة وكتابتها، وإلى التعليم بالعاميّة، وهي دعوات مشبوهة

لا يُراد بها وجه العلم ولا خير العروبة ". ننظر اليوم إلى حال اللُّغة العربية في واقعنا الحي المعيش، فنجد أنفسنا على مسافات رهيبة حيال ما صاغته الخطة

الشاملة، وما ارتأته، وما أوصت به، تركنا حبل الل غة على غارب الاستعمال في عجز مفضوح من لدن المؤسسات

الرسمية، ولا نعرف بلدًا عربيًّا واحدًا يصح بحقه أن نقول إنّ له سياسة لغويّة بالمعنى التامّ للعبارة؛ والسّياسة

اللغويّة عند أهل الدّراية المختصيّن ليست سياسة للتعريب، كما يتوهّم الكثيرون. ليت ملوكنا ورؤساءَنا يستيقظون،

فيَعُوا أنّ الأمن اللغويّ جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن القوميّ، ولا يقلّ أهمية عن الأمن الغذائيّ والأمن المائيّ.

لقد تولّد عن موضوع اللُّغة والهُويّة فيضٌ غزير من الأدبيّات لا يزال يبحث عن حاضن سياسيّ، وعن رافع إجرائي.

ولم تبرح فئة من الصّفوة الفكريّة يتنادون بصيحات الاستغاثة باسم الوعي اللغويّ الحضاريّ، فيعلون صوتهم على

منابرَ متباينة المشارب. تأتي بها المجالّت في قالب أعدادٍ خاصّة، مثل الذي فعلته مجلّة الفكر العربي، الصّادرة في

بيروت عن "ّمعهد الإنماء العربي "، في عدد أوّل محوره " اللُّغة العربية والأمّة "، وفي عدد آخر بعنوان " التباسات

في الهُويّة واللُّغة الثقافية "؛ أو مثل العدد الذي خصّصته " سلسلة كتاب قضايا فكريّة "، بعنوان " لغتنا العربية في

معركة الحضارة "، وأشرف عليه محمود أمين العالم. هذا فضال عن جهود الأفراد على حدّ ما فعله أحمد درويش

بإرسال صيحته " إنقاذ اللُّغة إنقاذ الهُويّة ". ولا تنسَ الحيرة المتجدّدة التي ظلّت تنتاب العمل العربيّ المشترك، فقد حمل مؤتمر وزراء الثقافة العرب في دورته

السّابعة عام 1989، شعار " اللُّغة العربيّة هويتنا القوميّة "، وإذ عُقد في الرباط فقد صدر عنه بيانٌ سُمّيَ بيانَ الرباط؛

ضمّنته المنظّمة في مجلّد صدر بعنوانمن قضايا اللُّغة العربيّة المعاصرة. وبيان الرّباط في حدّ ذاته شهادة حيّة على

الانفصام الجوهريّ العميق بين متن السّياسة العربيّة وحاشيتها.

ربمّا آن الأوان أن يَصطفِي " المركز العربي للأبحاث " تفريعًا جديدًا لمفهومه الإجرائي الموسوم بدراسة السّياسات،

فيُدرجَ ضمن سلّم أولويّاته حقالً مستق بنفسه يصطلح عليه " دراسة السّياسة اللغويّة ".

11  عبارة الأمن اللغوي كرّسها الدكتور صالح بلعيد منذ اختّذها عنوانًا لأحد كتبه. انظر: صالح بلعيد، (الجزائر: دار في الأمن اللغوي

هومه،.)2010

12 " اللغة العربية والأمّة "، مجلة الفكر العربيعدد خاص، العدد 75 (شتاء.)1994

13 " التباسات في الهويّة واللّغة الثقافيّة "، مجلة الفكر العربي، العدد 90 (خريف.)1997

14 محمود أمين العالم (إشراف)، لغتنا العربيّة في معركة الحضارة، سلسلة كتاب قضايا فكرية، الكتاب 18-17 (القاهرة: دار قضايا

فكرية،.)1997

15 أحمد درويش، إنقاذ اللغة إنقاذ الهويّة (القاهرة، نهضة مصر، 2005). انظر الفصل الثاني: اللغة والهوية، ص.40-13

16  المنظ، مة العربية للتربية والثقافة والعلوم قضايا اللغة العربيّة المعاصرة (تونس: المنظّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،.)1990

المراجع

أنيس، إبراهيم. من أسرار اللغة، ط 5 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.)1975 بلعيد، صالح. في الأمن اللغوي (الجزائر: دار هومه،.)2010 بلعيد، صالح. منافحات في اللغة العربيّة (الجزائر- تيزي وزو: جامعة مولود معمري،.)2006 العدد 342، أغسطس.)2007 حسين. طه، نقد وإصلاح، ط 18 (بيروت، دار العلم للملايين،.)1987 درويش، أحمد. إنقاذ اللّغة، إنقاذ الهُويّة (القاهرة: نهضة مصر، 2005) الفصل الثاني: اللّغة واله.ُويّة العربيّة،.)2005 لبيب، الطاهر. " عودة إلى المسألة اللغويّة " (تونس: مجلّة الحياة الثقافية، العدد 172،.)2006 المسدّي، عبد السلّام. العربيّة والإعراب (تونس: مركز النشّر الجامعي،.)2003 مطلوب، أحمد. التشّريع اللغوي (بغداد: منشورات المجمع العلمي،.)2011

عصفور. المنظّمة العربيّة للترجمة والثقافة والعلوم، الخطّة الشّاملة للثقافة العربيّة، ط 2 (تونس:.)1990 عدد خاص " اللغة العربية والأمّة "، العدد 75 (بيروت: مجلّة الفكر العربي، شتاء.)1994 " التباسات في الهُويّة واللّغة الثقافيّة "، العدد 90 (بيروت: مجلّة الفكر العربي، خريف.)1997 (القاهرة: أيار/مايو.)1997

والثقافة والعلوم،.)1990

جوزيف، جون. اللّغة والهُويّة: قوميّة - إثنيّة - دينية، ترجمة عبد النور خراقي (الكويت: عالم المعرفة،

سعدي، عثمان. 15 سنة من النضال في خدمة اللغة العربية (الجزائر: الجمعية الجزائرية للدّفاع عن اللغة

تنوّعنا ا الخّق - تقرير اللّجنة العالميّة للثقافة والتّنمية، ترجمة المجلس الأعلى للثقافة في مصر بعنوان:

التنوّع البشري ا الخّق - تقرير اللجنة العالميّة للثقافة والتّنمية، أشرف على الترجمة وحرّر المقدّمة جابر

" لغتنا العربيّة في معركة الحضارة "، إشراف محمود أمين العالم، سلسلة كتاب قضايا فكريّة،18-17 المنظ،ّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم قضايا اللغة العربيّة المعاصرة (تونس: المنظّمة العربيّة للتربية