العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكاليّة الهُويّة وثُنائيّة اللُّغة والتّرجمة في السّياق العربي المعاصر

إشكاليّة الهُويّة وثُنائيّة اللُّغة والتّرجمة في السّياق العربي المعاصر

The Problem of Identity and the Language-Translation Duality in the Context of Modern Arabic

فايز الصُيّاغ

Fayiz Suyyagh

الملخّص

تتمحور هذه الدراسة حول إشكالية الهويّة والترجمة واللغة في الواقع العربيّ الراهن . وتنطلق من مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ الهويّة - ببعديها الفرديّ والجمعيّ - لا يمكن استنساخها بقضّها وقضيضها عبر الأجيال والحقب التاريخيّة . فالتفاعل والتثاقف الحضاريّان، هما عاملان حيويان في تشكيل الهويّة الجماعيّة للشعوب بوصفها نتاجًا لصيرورة تراكميّة تاريخيّة تنفي عنها صفات التأبّد والثّبات والديمومة والسّكون . وتعرض الدراسة تحليلًا مقارنًا لما آلت إليه ثلاث مقاربات برزت في السّاحة العربيّة منذ بدايات عصر النّهضة وحتّى مطلع القرن الحادي والعشرين تجاه القضايا المتّصلة بالهويّة الثقافية والقوميّة عمومًا، والتفاعل الحضاريّ العربيّ - الغربيّ على وجه الخصوص . كما تستعرض جانبًا من التحدّيات والإشكالات التي قد تواجهها آخر هذه المقاربات، المتمثّلة في المنظور القوميّ الديمقراطي النّضالي، إزاء ما قد يتمخّض عنه " الرّبيع العربيّ " على الصّعيد السياسيّ في المستقبل المنظور .

Abstract

Identity, in its individual and collective dimensions, cannot be cloned across generations and historic eras. Cultural Interaction and borrowing are two vital factors for the formation of the collective identity of peoples as the product of a cumulative process that negates descriptions such as eternal, constant, and invariant. This study puts forward a comparative analysis of three approaches to cultural and national identity, and the interaction between Arabic and Western culture, prominent on the Arab scene since the beginning of the Nahda until the beginning of the 21st century. It also reviews an aspect of the challenges and problems that may confront the last of these approaches, which is the perspective of the national democratic struggle regarding what the Arab Spring may give birth to politically in the short term.

الكلمات المفتاحية:
  • ثنائية اللغة
  • الترجمة
  • الهوية
  • النهضة
  • الربيع العربي
Keywords:
  • Linguistic Dualism
  • Nationalism
  • Modern Arabic

تتمحور هذه الدراسة حول إشكالية الهويّة والترجمة واللغة في الواقع العربيّ الراهن. وتنطلق من

مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ الهويّة -ببعديها الفرديّ والجمعيّ- لا يمكن استنساخها بقضّها

وقضيضها عبر الأجيال والحقب التاريخيّة. فالتفاعل والتثاقف الحضاريّان، هما عاملان حيويان في

تشكيل الهويّة الجماعيّة للشعوب بوصفها نتاجًا لصيرورة تراكميّة تاريخيّة تنفي عنها صفات التأبّد

والثّبات والديمومة والسّكون. وتعرض الدراسة تحليال مقارنًا لما آلت إليه ثلاث مقاربات برزت

في السّاحة العربيّة منذ بدايات عصر النّهضة وحتّى مطلع القرن الحادي والعشرين تجاه القضايا

المتّصلة بالهويّة الثقافية والقوميّة عمومًا، والتفاعل الحضاريّ العربي-ّ الغربيّ على وجه الخصوص.

كما تستعرض جانبًا من التحدّيات والإشكالات التي قد تواجهها آخر هذه المقاربات، المتمثّلة

في المنظور القوميّ الديمقراطي النّضالي، إزاء ما قد يتمخّض عنه "ّالرّبيع العربي " على الصّعيد

السياسيّ في المستقبل المنظور. تتمحور هذه الدراسة حول إشكالية الهُويّة والترجمة واللُّغة في الواقع العربي الراهن. وتنطلقُ من

مُسلّمة أساس مفادها أنّ الهُويّة، ببُعديها الفردي والجمعي، لا يُمكن –   بل لا يصحُّ  بأيّ حال من

الأحوال- إنتاجها أو استنساخها بقضّها وقضيضها عبر الأجيال والحقب التاريخية. يمثّلُ التفاعل والتثاقف الحضاري، سواء منه الطّوعي المتبادل أم القسري، والمباشر وغير المباشر، عامالً

فاعالً وحيويًّا في تشكيل الهُويّة الجماعية للشعوب بوصفها نتاجًا لصيرورةٍ تراكميّةٍ تاريخية تنفي عن مفهوم

" الهُويّة " صفة التأبّد والثبات والديمومة والسّكون. وتفترضُ هذه الدراسة أنّ لصيرورات التفاعل والتبادل

الثقافي عمومًا، بما فيها التثاقف، مناف ذَ ومدخلات وقنوات ووسائط ومخرجات عديدة. وتتراوح تلك الوسائط

بين الاطّلاع المباشر عن طريق التزاور والملتقيات والبعثات التعليمية والهجرات والهيمنة الاستعمارية. وفي

هذا الإطار كانت الترجمة – وستظلّ- إحدى الأدوات المؤثّرة في عملية التثاقف عبر مراحل التاريخ العربي

الإسلامي، منذ عصر المأمون ودار الحكمة قبل نحو ألف عام، وحتّى أواسط القرن التاسع عشر، حين صدر

تخليص الإبريز في تلخيص باريز، وأنشأ رفاعة الطهطاوي " مدرسة الألسُن " بعد عودته إلى مصر.

وتعاظمت أهمّية الدور الذي تؤدّيه الترجمة في الاكتساب المعرفي، حتّى في المرحلة ما بعد الكولونيالية، ومع

انتشار التعليم الأساسي والجامعي لتلبية ضرورات بناء الدولة وإقامة المنشآت والأجهزة والهيئات الحكومية

العامّة وتطويرها. في غمرة عملية التثاقُف، أو بالأحرى الاكتساب المعرفي، برزت الهواجس والمخاوف في الثقافات العربية

الإسلامية المستقبلَِة أو المستهدَفة، بشأن ما يُمكن أن يتركه الانكشاف على ثقافات " الآخر " من آثار في الهُويّة

الوطنية. ومن خلال عرض عدد من المشاهد والشهادات والمشروعات المطروحة على الصّعيدين الوطني

والقومي، ستستقرئُ هذه الدراسة ردودَ الفعل التي كانت – وما زالت على نحوٍ متزايد - تتراوحُ بين الانغلاق

الرافض أحيانًا، والتكيّف الانتقائي في أحيان أخرى، وقبول وتبنّي ثقافات " الآخر " في أحيان قليلة. وفي هذه

الناحية، تتنوّع المواقف خلال المراحل الأخيرة من التاريخ الثقافي والسياسي العربي المعاصر من قضيّة الترجمة

ومضمونها ومراميها، وتتباين درجة الغيرة والحرص على الل غة العربية بوصفها من المقوّمات الأساسية للهويّة

الثقافية، والوطنية، والقومية - وحتّى الدينية. وستقدّمُ هذه الدراسة عرضًا تحليليًّا مُقارنًا لما آلت – أو قد تؤول إليه - ثلاثُ مقاربات برزت في الساحة العربية

منذ بدايات عصر النهضة حتّى مطلع القرن الحادي والعشرين، تجاه القضايا المتصلة باله ويّة الثقافية والقومية

عمومًا، والتفاعل الحضاري العربي- الغربي على وجه الخصوص.

1 - نحن والآخر: بين الرّفض والقبول

" الباب الأوّل في ما يظهر لي من أسباب ارتحالنا إلى هذه البلاد التي هي دارُ كفر وعناد، وبعيدة عنّا غاية

الابتعاد، وكثيرة المصاريف لشدة غلوّ الأسعار فيها غاية الاشتداد ". بهذه العبارة يستهلُّ صاحب تخليص الإبريز... كتابه الشهير الذي وضعه بعد عودته من فرنسا في عام 1831،

حيث قضى خمس سنوات إمامًا وواعظًا أزهريًّا لبعثةٍ من أربعين طالبًا، أرسلهم محمد علي لدراسة العلوم

والهندسة. ولم يفُتْ الطهطاوي في كلمة تمهيدية صدّر بها هذا السِّفر الريادي، أن يسأل الله: " أن يلقى الكتاب

قبوالً لدى صاحب السعادة، ووليّ النِّعَم، مصدر الفضل والكرم، وأن يوقظَ من نومِ الغفلة أممَ الإسلام من

عرب وعجم، إنّه سميعٌ مجيبٌ، وقاصده لا يخيب ". ربمّا متُثّلُ هذه العبارات الموجزة جانبًا من المفارقة التي واجهها إمامُ المتنوّرين النهضوييّن العرب بلا منازعٍ، حالما

وطئت قدماه شاطئ مرسيليا في عام 1826 في طريقه إلى باريس. فكيف لما اختبره وعاشه في دار كفر وعناد أن

يكون ذا نفع وغناء ملِا أسماهم " أمم الإسلام من عرب وعجم؟ ". قد نجدُ الإجابة عن هذا التساؤل في عشرات المواضع من تخليص الإبريز. فبعد أن يجمع بين مدح هذه المدينة

وذمّها بهذه الأبيات: أيوجد مثل باريس ديارٌ

شموسُ العلم فيها لا تغيبُ أما هذا وحقّكمُ عجيبُ؟

وليل الكفر ليس له صباحٌ

1 رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، أو الديوان النفيس بإيوان باريس (بيروت: دار ابن زيدون، 2004.9)، ص

ومع أنّ لأهل باريس " حشوات ضلال مخالفة لسائر الكتب السماوية "، يلُاحظ الطهطاوي أن " الفرنساوية

مستوون في الأحكام على اختلافهم في العظم والرشّف والغنى " [...] وقد ضمنت الشريعة لكلّ إنسان التمتّع

بحريته الشخصية، حتّى لا يمكنُ القبض على إنسان إلا في الصور المذكورة في كتب الأحكام [...] والذي يظهر

لمن تأمّل في أحوال العلوم والفنون الأدبية والصناعة في هذا العصر في مدينة باريس، أنّ المعارف البشرية قد

انتشرت وبلغت أوجها في هذه المدينة، وأنه لا يوجد من يضاهي حكماء باريس، بل ولا في الحكماء المتقدّمين ". بيد أنّ المراقب سيجد طرفًا من الإجابة الحقيقيّة عامّ قدّمته " دار الكفر " آنذاك إلى " أمم الإسلام " في سيرة

الطهطاوي العملية أثناء إقامته في فرنسا وبعد عودته إلى مصر. فإضافةً إلى اشتغاله بالترجمة في مدرسة الطبّ في

القاهرة، عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعيّة، وبالل غة العربية، وترجم جانبًا من متون الفلسفة

والتاريخ الغربي والنصوص العلميّة الأوروبيّة، كما أنشأ مدرسة الرتّ جمة التي أصبحت في ما بعد " مدرسة الألسُن "

وتوىلّ إدارتها، وافتتح فيها أقسامًا مُتخصّصة للرتّ جمة في ميدان الرّياضيّات والطّبيعيّات والإنسانيّات، وأشرف

على ترجمة القانون الفرنسي في مجلّدات عدّة وُضعت تحت عنوان واحد هو تعريب القانون المدني الفرنساوي.

وانعكست بعض جوانب فلسفته الاجتماعيّة والتربويّة في كتابالمرشد الأمين في تربية البنات والب ينالذي نشره

قُبيْل وفاته، ودعا فيه إلى تعليم النّساء، وأكّد فيه ضرورة الالتزام بمبادئ الحرّية والمساواة في شتّى المجالات.

متُثّل رحلة الطّهطاوي الفرنسيّة وخمُرجاتها أوّل انكشافٍ حضاري وثقافي مباشر بين المجتمع المصري/العربي /

المسلم من جهة، والتيّارات الفكريّة الغربيّة التي تتّسمُ بطابعٍ علماني إلى حدٍّ بعيد من جهةٍ أخرى. إهنّا أوّل مواجهة بين ال " نحن " و " الآخر "، تتيحُ لأحد الط رفين على الأقلّ الفرصة لإعادة اكتشاف نفسه وتراثه

الثّقافي الاجتماعي ومنظومته القيميّة على حدٍّ سواء. وإذا كانت هذه المواجهة قد قوبلت أوّل الأمر برفضِ الآخر الموسومِ بالكفر والضلّال، فإهنّا تحوّلت، عبر

صيرورةٍ انتقاليّة توسّطتها جهود الرتّجمة والتّعريب والحفاظ على اللُّغة العربيّة، إلى اكتساب معرفي انتقائي

أضفى على هويّة الطّرف المتلقّي قدرًا من الانفتاح والتقبّل لما يزخر به العالم الخارجي من خبرات وإنجازات

وتوجّهات.

-2 الهُويّة بين التّثاقُف والتثقّف

في حقل العلوم الاجتماعيّة، يتميّزُ مفهوم " الهُويّة "، أثقافيّة كانت أم قوميّة، بتعدّدِ معانيه ودلالاته. فهو حديثُ

الظّهور، وقد شهدَ تعريفات وتأويلات عديدة. غير أنّه ثمّة ما يشبهُ الإجماع في الأوساط السوسيولوجية

والأنثروبولوجية على أنْ ليس هناك هويّة في حدِّ ذاتها، ولا حتّى لذاتها فحسب. كما أنّ اله ويّة لا تتّسمُ بالثّبات

والتأبّد والسّكون، وإذا كانت عصيّةً على التّعريف والحصر، فذلك، تحديدًا، بسبب ديناميّتها وخاصيتها ذات

الأبعاد المتعدّدة. فهي بناءٌ يُبنى في علاقةٍ، تقابل فيها مجموعة مجموعات أخرى تكون في تماسّ أو تفاعل معها.

وعلى الرّغم من أهنّا، باعتبارها كيانًا متخياّل، تنطوي على منظومة من القيم الثقافيّة المشتركة، وتتجىلّ في أشكال

ثقافيّة ظاهريّة، ويرتبط المنتسبون إليها بشبكة من أدوات التّواصل والتّفاعل، ويحدّدُ أفرادها أنفسهم، مثلما

يحدّدهم الآخرون، بوصفهم فئة متميّزة، فإهنّا ليّنة ومطواعة إلى حدٍّ بعيد في تفاعلاتها ومبادلاتها مع الفئات

الأخرى، وهي تشهدُ التبدّل وتقبل إعادة الصّياغة، بل تقبل التلّاعب بها. وبغية التشديد على بُعد الهُويّة المتغريّ الذي لا يُمثّل على الإطلاق ح نهائيًّا، يستخدمُ بعض الكُتّاب مفهوم

" الإستراتيجيّة الهويّاتية ". وتبدو اله ويّة من هذا المنظور وسيلةً لبلوغ غاية. وهي، إذًا، نسبيّة وليست مُطلقة. أمّا

مفهوم الإستراتيجيا في هذا السّياق فيشيرُ إلى أنّ الفرد، بما هو فاعل اجتماعي، يتمتّع، شأنه شأن الجماعة، بقدر

من هامش المناورة. وهو يستعمل موارده الهويّاتية بصفة إستراتيجيّة، وفقًا لتقديره للوضع، وباعتبارها، على حد

تعبير بيار بورديو، رهان صراعات اجتماعيّة حول " الترتيب "، تستهدفُ إعادة إنتاج علاقات الهيمنة أو قلبها.

لأنّ الهُويّة تنبني من خلال إستراتيجيّات الفاعلين الاجتماعييّن. يتّسع مفهومُ العلاقة الجدليّة والعضويّة بين الهُويّة والدّين واللُّغة والتّبادل الثقافي عمومًا، ليشملَ التوجّهات

والمدارس الفكريّة والسياسيّة التي تبلورت في عصر النهضة، وتابعت تداعياتها بصورة أكثر حدّةً وراهنيّةً طوال

القرن العشرين وحتّى أيّامنا هذه. تؤكّد دراسة حديثة أنّ يقظةَ الوعي القومي عند المسيحييّن العرب اختّذت مسارًا طويالً متواصالً منذ القرن

التاسع عشر، وعلى شتّى المستويات. حيث أسهم في بلورة فكرة اله ويّة القوميّة العربية آنذاك عددٌ من الأدباء

والمفكّرين المسيحييّن العرب، ونظر هؤلاء إلى الدين الإسلامي بوصفه من المقوّمات الأساسية للفكرة

القومية، لاعتقادهم أنّ الإسلام لن يعود إليه عزّه إلا بالعرب الذين عملوا على نشره. وتمثّلت طموحات هؤلاء

في تحقيق الوحدة العربيّة بين بلاد الشام ومصر، والعيش بسلام وعلى قدم المساواة مع المسلمين العرب، وذلك

لبناء دولة عربيّة قائمة على أسس من التقدّم والتمدّن الحديث، ليصلوا إلى ما وصلت إليه الدول الأوروبيّة من

تطوّر على المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة كافّة.

كما تبنّى المسيحيون العرب فكرةَ القوميّة العربية في سياقات مختلفة، برزت أواّل عبر التيّار العروبي، ثمّ العلماني

العروبي، وأخيرًا الاشتراكي العروبي، وتجدر الإشارة إلى أنّ الصحافة الدوريّة العربيّة التي قامت على أكتاف

المسيحييّن العرب في بلاد الشّام ومصر، أدّت دورًا تكميليًّا مه في تعزيز الوعي القومي من خلال تركيزها

على عددٍ من القضايا المحوريّة، منها: الدعوة المستمرّة إلى الأخذ بأسباب تقدّم البلدان المتقدّمة، مثل النّقد

القائم على أسس ومبادئَ صحيحة، هدفها الصالح العامّ؛ والابتعاد عن التشيّع المذهبي والتعصّب الديني؛

وتعلّم اللُّغات؛ وعدم المبالغة في الاقتداء بالغرب؛ وضرورة تعليم المرأة والحثّ على التمسّك باللُّغة العربية

وإحيائها لتصبح لغةً عصريّةً تواكب العلم الحديث (بل إنّ بعض هؤلاء وضعوا شروط ا ثقافيّةً وفنّية وحرفيّة

لمن أراد ممارسة الترجمة والتعريب). وتشير الدراسة إلى أنّ الكتّاب المسيحييّن العرب، في سياق معارضتهم

لتغليب العنصر الديني لمفهوم الهُويّة والوطن في كلّ مسارات الحياة، قد رفعوا شعار " حبّ الوطن من الإيمان "،

في محاولةٍ لخلق بدائلَ روحيّة مكان الرابطة الدينية، مثل الحسّ الوطني، والمواطنة الصالحة، وحرّية الأديان.

2 Fredric Barth, Ethnic Group Boundaries: the Social Organization of Cultural Difference (Waveland Press, Long Grave Illinois, 1998).

3 دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص -165.166

4 فدوى نصيرات، المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر (1918-1840) (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2009)، ص -11.33 5 من أبرز هؤلاء: ناصيف اليازجي، إبراهيم اليازجي (صاحب " تنبّهوا واستفيقوا أيهّا العرب! ")، بطرس البستاني (صاحب شعار:

" حبّ الوطن من الإيمان ")، سليمان البستاني، جبر ضومط، فرح أنطون، أديب إسحق، فرنسيس المرّاش، أحمد فارس الشدياق ونجيب

عازوري.

وفي الإطار القومي نفسه، يؤكّد أحد الكتّاب العرب المعاصرين مكانة الل غة العربية في المحافظة على الشخصية

الوطنية، واستمرار الوشائج التي تربط مجتمعات المغرب العربي بغيرها في المشرق العربي: " إنّ التعليم المعرّب قد

ساهم بحظٍّ وافر في استمرار الرابطة التي حاول الاستعمار أن يفصمها عن مشرق الوطن العربي ومغربه[...]

وكان المنظّرون الاستعماريون يؤكّدون أنّ الإسلام واللُّغة العربية هما ركيزتا هذه الشخصية. فقد حاولوا أن

يهدموا الركيزة الأولى عن طريق ما يُسمّى بالسياسة البربرية، كما حاولوا أن يهدموا الركيزة الثانية بإحلال الل غة

الأجنبية محلّ اللُّغة العربية للقضاء على الذاتيّة ". ويستقرئُ باحثٌ مغاربي آخر الواقع اللغوي ومكانة اللُّغة العربيّة في الذاكرة الفرديّة والجماعيّة الجزائريّة في

التّصادم اللُّغوي والحضاري وتقنيات العصر الممزوجة بالثقافة الرقميّة وهيمنة الحاسوب والإنترنت. ويقول:

" إنّ العربيّة تكتسي بطابعٍ مميّز في نظر المجتمع الجزائري؛ فهي ليست كما يعتقدُ بعض اللسانييّن وسيلة للحفاظ

على الشخصيّة وضمانًا لترابطها وتماسكها فحسب، بل هي أساس كلّ نهضة وتطوّر مستقبلي. ولهذا كانت هدفًا

إستراتيجيًّا نلمسه بوضوح لدى تتبّعنا مراحل السرّد التاريخي [...] لقد كانت أداةَ تحصين وحفاظٍ على هويّة

المجتمع الجزائري وشخصيته، وعامال أساسيًّا جابه كلّ محاولات الهيمنة والذّوبان التي حاول الاستعمار أن

يمُارسها بكلّ وحشيّة على المجتمع الجزائري ". ويخلص هذا الباحث، شأنه شأن جمهرة من المفك رين وقادة

الرأي وصنّاع القرار في الجزائر وأقطار المغرب العربي الأخرى، إلى ضرورة المضيّ قدُمًا في خطط التعريب

والإصلاح في مجال التعليم العامّ والدراسات الجامعية. وإلى مثل هذه الدعوة تخلصُ عشرات من الدراسات والتقارير في بقاعٍ عديدة أخرى من العالم العربي، بما فيها

تلك التي لم تصل فيها الهيمنة الاستعمارية الغربية حدّ الإقدام على استئصال الثقافة الأصيلة واستبدالها بأخرى

بديلة ووافدة. وعلى سبيل المثال، تنعى إحدى الدراسات حال اللُّغة العربية في مؤسّسات التعليم العامّ

والعالي في أحد أقطار الخليج العربي، وتدعو إلى الإصلاح التربوي وتعزيز استخدام لغة الضّاد، بوصفها لغة

التعلّم الأساس في مساقات العلوم الهندسيّة والطبّية والاجتماعية، مع التركيز في الوقت نفسه على لغةٍ رديفةٍ

أجنبيّةٍ أخرى. وتستشهد الدراسة بوجهات النظر المعاصرة في علم اللُّغة الاجتماعي والأنثروبولوجيا التي تؤكّد

" أنّ الهُويّة الدينية والوطنية والعرقيّة تتشكّل باللُّغة، وتتشكّلُ بها اللُّغة. [...] واللُّغة العربيّة لها خصوصيّة فريدة

عند أهلها، لأهنّا الوعاء الحافظ لتاريخ العرب وتراثهم، وهي لغة كتاب الله الذي أنزله على رسوله بلسان عربي

مبين، ولذلك تكتسبُ العربيّة قدسيّتها في قلوب الملايين من المسلمين من قدسيّة القرآن الكريم الذي يمثّل

دستور حياتهم ومرجعيّتهم في كلّ شؤونهم الدنيوية والأخرويّة ". ويجدرُ التنويه هنا، مرّةً أخرى، بالعلاقة العضويّة الجوهرية على الصعيد العربي بين الل غة والهُويّة الثقافية والقوميّة

من جهة، وعملية الترجمة والنقل عن الل غات والثقافات الأجنبية، حتّى وإن كانت في أغلبها عملية تثقّف من

جانب واحد (Enculturation) لا عمليّة تثاقف متبادل بين طرفين (Acculturation.)

6 عبد الكريم غلاب، التّعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982)،

ص -154.168

7 عزّ الدين صحراوي، " اللُّغة العربية في الجزائر: التاريخ والهُوية "، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 5

(حزيران / يونيو.)2009

8 لطيفة إبراهيم النّجار، " اللُّغة العربيّة وهُويّة الأمّة في مؤسسات التعليم العام والعالي في دولة الإمارات العربية المتّحدة "، ورقة قُدِّمت

في ندوة عن التعليم العالي، عمان: مجمع اللُّغة العربية الأردني،.2007

وجتُمعُ الأدبياتُ المتّصلة بالواقع الفكري ومجتمع المعرفة العربي، على أنّ التنمية المعرفية في الوطن العربي

وتوطينها واستنباتها وتجديدها إنمّا تكون بإصلاح التعليم، مثلما تكون بالترجمة التي تتيح فرصة التلاقح والمثاقفة

القادرة على إعادة تشكيل الفكر العربي في ضوء مكاسب المعرفة المعاصرة ومكتسباتها.

-3 التّرجمة ونتاجاتُها وخلفيّاتُها في ما بعد الكولونياليّة

تؤكّدُ أبعاد هذه القضيّة تقارير " التنمية الإنسانية العربية "، في عرضها جوانب القصور الثلاثة الأساسية التي

تعيق مسيرة التنمية الشاملة المُستدامة في العالم العربي؛ في مجالات الحرية، والمعرفة، والنهوض بمكانة المرأة. ففي معرض الحديث عن الواقع الراهن للترجمة في الوطن العربي، وبعد الاستحضار المتأيسّ للعهود الذهبية

للنهضة المعرفية العربية في صدر العصر العبّاسي، والترجمات التي اعتُمدت في أوروبا للتعرّف إلى الفكر اليوناني

والشرقي، يقدّر تقرير التنمية الإنسانية العربية الثالثأنّ الإجمالي التراكمي للكتب المترجمة إلى العربية في خمس

سنوات من العقود الثلاثة الماضية، يُعادل مخُس ما تُرجم في اليونان؛ كما أنّ المُرتجَم منذ عصر المأمون حتّى الآن،

يوازي ما تترجمه إسبانيا في عام واحد. وقد يكتنف الشكّ جانبًا من هذه النّسب الإحصائية، غير أنّ ذلك لا يُغري

من جوهر التصوّر لحالة الركود والفوضى التي تسود حركة الترجمة العربيّة. فالمستوى العلمي للأعمال المترجمة،

كما يؤكّد التقرير، يتّسمُ بنقصٍ بنَيّ في ترجمة كتب مرجعيّة أساسية في الفلسفة والأدب والاجتماع وعلوم أخرى.

أمّا العنصر الأهمّ الذي يتحكّم في جدوى الكتب المترجمة فهو، على ما يُشير التقرير، غيابُ سياسات واضحة

ومخطّطٍ لها تنظّم عملية اختيار الكتب المترجمة، بحيث تلبّي حاجات البحث العلمي في الوطن العربي، وتصبح

عنصرًا فاعالً في نهضةٍ معرفيّة عربيّة، عن طريق حشد العقول والطاقات العربية، وتشجيع الإبداع والابتكار،

وحفز المقاربات النقديّة، والاستثمار في البُنى الأساسيّة العلمية والأكاديمية والبحثية اللازمة. أ- توجّهات التّعريب حين نتتبّعُ مسار حركة التعريب الحديثة، من حيث إطارُها النظري العامّ، وكيف نتلمّس الملامحَ العريضة

لتوجّهاتها، ومضامينها، وأساليبها وأهدافها، نخلُص إلى ما تواجهه في أيّامنا هذه من تحدّيات ومعوّقات. برزت توجّهات عدّة على الصعيد الإقليمي العربي، وكذلك على الصعيد العالمي الأوسع، لتقويم حركات الترجمة

والنقل في مضماري الممارسة الفعليّة، والتأطيرات النظرية على حدٍّ سواء، خلال العقود الخمسة الماضية، وهي

الفترة التي اصطُلح على تسميتها بالمرحلة ما بعد الكولونيالية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة عمومًا.

وبوسعنا أن نلمح تضاريس هذه المرحلة وآثارها في ما يزيد على ثلاثة أرباع شعوب الأرض في أيّامنا هذه،

وإن كانت على صعيد الفكر والثقافة والترجمة، أقلّ خفاءً ممّا هي عليه في أنساق الحكم والسّياسة والاقتصاد.

غير أنّ طبيعة التدفّق على الجسور وعبر القنوات بين الثقافات كانت، على نحوٍ غير مباشر، واضحة المعالم، وعميقة التأثير. وبالمعنى المحايد للمصطلح، فإنّ سيرورة الترجمة وآثارها تتجاوز مفهوم التثاقف الذي كان، في عرف قُدامى

9 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التّنمية الإنسانية العربية (الأمم المتّحدة - مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم)، الفصل الثالث.

ونذكر من هذه التّقارير بالخصوص: التقرير الثالث: " نحو إقامة مجتمع المعرفة "، 2003، ص 65 67-. وكذلك " تقرير المعرفة العربي "

)(الأوّل.2009

الأنثروبولوجييّن في الغرب، يعني إكساب الأهالي في " المجتمعات البدائية " ثقافةَ المستعمرين والمبرشّين عبر

اللقاء المباشر. كما أنّ ممارسة التثاقف، التي تفترضُ تفاعل طرفين على الأقلّ في الأحوال كافّة، هي في مفاهيم

علم النفس الاجتماعي أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا من تكيّف الأقلّيات المهاجرة أو المستضعفة مع المنظومات

القيميّة والسلوكيّة في الثقافة الغالبة في البيئة المضيفة، أو في التيّار العالم في المجتمع الواسع حولها. وإذا كانت الكولونيالية، في أبسط تعريفاتها، تعني قيام دولة ما بفرض سيطرتها السياسية والاقتصادية المباشرة

خارج حدودها على بلد شعب آخر رُغامً عنه، اعتمادًا على الاحتلال العسكري والإرغام السياسي، فإن

الكولونيالية الجديدة تمثّل امتدادًا وتوسّعًا لتلك السيطرة الأجنبية، حتّى بعد حصول تلك البلدان على استقلالها

والإقرار بسيادتها الظاهرية، بعيدًا من الاحتلال العسكري المباشر. وتمثّل الكولونيالية، بنوعيها التقليدي

والجديد، التجسيد الأكثر تجلّيًا ووضوحًا للإمبريالية التاريخية، لا بالمعنى الذي قصده لينين عندما وصفها بأنها

أعلى مراحل الرأسمالية، بل باعتبارها تمثّل الهيمنة التي مارستها على العالم خلال القرون الخمسة الماضية مجموعة من الدول الأوروبية مثل بريطانيا، وفرنسا، والبرتغال، وإيطاليا، وانضمّت إليها الولايات المتّحدة منذ مطلع

القرن العشرين. وقد خبرت منطقة المشرق العربي، وما زالت، هذه الهجمات الكولونيالية والاستعمارية منذ

الحرب العالميّة الثانية. بل إنّ مصر والسودان والمغرب العربي عرفتها منذ القرن التاسع عشر، وبكلفة تاريخيّة

باهظة في كلّ المجالات، في الغزوات والحملات البريطانيّة والفرنسية والإيطالية. وقد مضت ستّة عقود أو سبعة

على نيل البلدان العربية ما يشبه الاستقلال والسيادة الوطنيّة. وكان القرنان التّاسع عشر والعشرون قد شهدا

هيمنة الإمبراطوريات الأوروبيّة على الأرض والموارد وجانب من التوجّهات الثقافية العربية، مشرقًا ومغربًا. ب- الهيمنة الكولونياليّة والاستشراق انطلاقًا من دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية التي ازدهرت في ثمانينيّات القرن الماضي، ارتكزت التنظيرات

على الاجتّاهات الثقافية في المرحلة ما بعد الكولونيالية، إلى التأكيد على أنّ الترجمة كانت من الأدوات المهمّة

في تعزيز الهيمنة الإمبريالية، فإنّ تفاوتات القوّة، وفق هذه الاجت اهات، هي التي كانت، وما زالت، تتحكّم

في ما يترجم وفي الكيفيّة والأساليب التي تخضع لها هذه الأنشطة الثقافية. بيد أنّ مفك رين عربًا تجاوزوا هذا

المنظور التبسيطي الضيّق ليضعوا قضيّة الهُويّة الثقافية إزاء الغرب في أطُر نظريّةٍ أكثر شموالً وعمقًا. وتضافرت

جهود الدّارسين والمنظّرين العرب لتحديد ما يمكن أن نُسمّيه إطارًا نظريًّا على قدر من التكامل والتماسك،

لتفسير طبيعة الانكشاف والتفاعل المعرفي بين الطّرفنيْ: الغازي والمحتلّ، المستعمِر والمستعمَر، والبؤرة المركزيّة

10 Douglas Robinson, Translation and Empire: Postcolonial Theories Explained (Manchester: St. Jerome Press, 1997).

نلمس عناصر من هذا الإطار الفكري في الطروح التي عرضها رئيف خوري، وألبرت حوراني، وهشام شرابي، وإدوارد سعيد. انظر:

• Raif Khuri, Modern Arab Thought: Channels of the French Revolution to the Arab East (London: Kingston Press, 1984), • Albert Hourani , Arabic Thought in the Liberal Age, 1798-1939 (London: Oxford University Press, 1962), 1970),،Press Hopkins Johns (Baltimore: Arab Intellectuals and the West • Hisham Sharabi, • Edward Said, Orientalism (London: Vintage, 1979).

وكان أنور عبد الملك، في تقديرنا، أوّل من ارتاد ذلك المجال في مطلع الستينيات من القرن المنصرم، عندما أوضح أن للاستشراق تاريخًا

قديامً آل آخر الأمر إلى انتهاج نموذج مثالي ينظر إلى موضوع البحث، وهو " الآخر "، نظرة متعالية، بوصفه يدخل - بمنطق الأنثربولوجيين

والدارونيين - في عداد أنواع دونيّةٍ متميزة؛ مثل " الإنسان الصيني " و " الإنسان العربي " و " الإنسان الأفريقي ". أمّا المركز المحوري

التاريخي لهذا المنظور، الذي تجسّد عبر القرنين الماضيين في التيار الاستشراقي، فهو أوروبا و " الإنسان الأوروبي ". وتعني المركزية

الأوروبية، في جوهرها، العملية الواعية أو غير الواعية التي تعدّ الثقافة الأوروبية الأكثر تفوّقًا بمواجهة باقي الثقافات في العالم. انظر:

Anwar Abdel Malek, "Orientalism in Crisis", Diogenes , No. 44 (winter 1963), pp. 107- 118.

والأطراف. ونجد لدى هؤلاء ما يفسرّ أطوارًا مختلفة من سيرورة التماسّ والتأثير والتأثّر بين اله ويّة الثقافية

العربية من جهة، والمنظور الذي كانت أوروبا تتَمثَّله وتصوّر من خلاله الشرق، بل تُعيد خلق شرقٍ جديدٍ

تعربّ عنه بما يخدم مصالحها. بل إهنّا تذهب إلى أبعد من ذلك لتؤسّس مشروع هذا الرشّ ق المختلف في وعي

أهل الشرق أنفسهم لما يزيد على مئتي عام. وقد تعزّز هذا المفهوم مع توسّع نطاق الاستعمار الأوروبي في أنحاء

عديدة من العالم، وازداد رسوخًا في القرن التاسع عشر عبر حملات الاستكشاف والغزو والتجارة التي عملت

من خلال المؤسّسات الكولونيالية، مثل المدارس والجامعات، على الإعلاء من شأن الأنساق الفكريّة والقيم

الأوروبيّة بوصفها أكثر رقيًّا وأعظم شأنًا من النظم الوطنيّة لدى السكّان الأصلييّن. ويعني ذلك أنّ جانبًا كبيرًا

من أنشطة التعريب والنقل كانت خلال تلك المرحلة تتّفق والأهداف البعيدة لقوى الهيمنة الأجنبية، إن لم تكن،

في واقع الأمر، تتمُّ من جرّاء تكليف أو إيعاز مباشر من جانب الحكم الأجنبي.

-4 التيّارات "الليبراليّة"، اليسار القومي والأدلجة المُعاكسة

قد نجدُ في عناصرَ محدّدة من هذا الإطار النظري العامّ تفسيرًا تحليليًّا للمراحل المبكرة من حركة التعريب في

المرحلة الكولونيالية في النصف الأوّل من القرن العشرين. (وربمّا نتلمّس بوادر ترجمات الفكر البرجوازي

الليبرالي في ما نَقله، على نحوٍ انتقائي، صاحب تخليص الإبريز في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، عندما

عرّب مبادئ حقوق الإنسان والمواطنوالدستور الفرنسي). غير أنّ مثل هذا التوجّه يتجىلّ بصورةٍ أوضح في

ترجمات عادل زعيتر في ميادين التشريع والاجتماع والتاريخ، مثل رسائل فولتير الفلسفية، العقد الاجتماعيو

لجان جاك روسو، وروح الشرائعلمونتسكيو. وثمّة دلالة بالغة الأهمّية على أنّ طه حسين، عميد الأدب العربي،

ظلّ يشيرُ إلى الغزوة النابليونيّة لمصر بوصفها " الحملة الفرنسية المباركة ". وقد ترجم، عن الفرنسية أيضًا،

المسرحيات الكلاسيكية الإغريقية، ونشر في أواخر ثلاثينيّات القرن الماضي مستقبل الثقافة في مصر. وفي ذلك

الكتاب، أسّسَ ونظّر وفلسف للتغريب والتبعية الفكرية للغرب والحضارة الأوروبية المتوسّطية، وأعلن: " أنّنا

ملزمون بأن نسير سيرة الغرب في الحكم والإدارة والتشريع ". كذلك فعل " مُعلّم الجيل "، أحمد لطفي السيّد،

الذي ترجم أرسطو إلى العربية، وأسّسَ الجامعة المصرية، فيما كان يدعو إلى تأكيد اله ويّة المصرية المستقلّة بعيدًا

عن بُعديها العربي والإسلامي. وليس في هذه الوقائع انتقاص من قدر هؤلاء المفكّرين الكبار، غير أهنّا تدلّ

على التيارات الفكريّة والمنظومات القيمية التي تأثّروا بها، أو دعوا إليها آنذاك، وكانت، بمعنى من المعاني،

جانبًا من الاستجابة التي أظهرها المفكّرون والمترجمون العرب إزاء انكشافهم على أوروبا في النصف الأوّل من

القرن الماضي. وفي العقد الممتدّ بين أواسط الخمسينيات وأواسط الستينيّات، بلغت حركة النقل والتّعريب ذروة الأدلجة

المعاكسة، والإقبال على ترجمة الآداب الأجنبية التي تتماشى توجّهاتها العامّة مع متطلّبات التحرّر الوطني

والمشروع القومي العربي العريض. وبدأت بذلك مرحلة المدّ اليساري. وأخذت دور نشر عدّة في بيروت

(الآداب، والطليعة، والفارابي، وغيرها...)، ودور نشر مماثلة في القاهرة ودمشق تنحو هذا النحو. وكانت

في مُقدّمة الترجمات أعمال المفكّرين والأدباء الذين تجاوبوا مع جانب من التطلّعات العربية، ومنهم، في المقام

11 Asad Talal, "The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology", In: James Clifford and George E. Marcus (eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography (Berkeley: University of California Press, 2003), pp. 141-164.

الأوّل، الفرنسيون والناطقون بالفرنسية ممّن ناصروا الثورة الجزائرية، مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار

وفرانز فانون وأندريه مالرو. وأسهمت " دار التقدم " في موسكو، من جهتها، في ترجمة إنتاج الكتّاب والمنظ رين

السوفيات، جنبًا إلى جنب مع ماركس وإنغلز ولينين، وحتّى ستالين. أ- الاستقلال وبناء الدّولة الوطنيّة غنيٌّ عن القول إنّ حركة الترجمة والتعريب، في مرحلة ما بعد الاستعمار، ذات صلةٍ وثيقة ببناء الدولة الوطنيّة،

وتعبير تلقائي عن النزوع إلى التحرّر من مظاهر التبعيّة الاستعمارية غير أنّ التعريب، كما هو معروفٌ، تجربة

قديمة نسبيًّا في العالم العربي، برزت في سياقات مختلفة، ولتلبية متطلّبات شتّى. وقد بدأ حكوميًّا رسميًّا في بعض

البلدان، مثل مصر في عهد محمد علي، بينما ارتبط بالدين، في مناطقَ أخرى، فكان تبشيريًّا تقوم به الإرساليّات

والأقلّيات، كما كان في بلاد الشام، ثمّ أصبح، في أواخر القرن التاسع عشر، عمال من أعمال الرشّائح العُليا في

الطبقة الوسطى المنفتحة على الغرب، في أكثر من بلد عربيّ، فارتبط بمشروعٍ نهضوي تحديثي. وأوجدت بعض

بلدان المشرق له مؤسّسات بعد الحرب العالمية الأولى، قبل أن تشهد مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية عودة

مطلب التعريب إلى المجال الحكومي ليكون موضوع مشروعات رسميّة في بعض هذه البلدان، على نحو ينسجم

وتبنّي حركات التحرّر الوطني شعار التّعريب، وخصوصًا في بلدان المغرب العربي، بوصفه مطلبًا وطنيًّا لازمًا. ومن الوجهة التاريخية، ثمّة اختلاف في معنى التعريب، مشرقًا ومغربًا. ويرجع السّبب في ذلك إلى اختلاف

التجربة. وكثيرًا ما يُقال إنّ التجربة المشرقيّة مصطلحية بالدرجة الأولى، إذ ارتبطت بظهور المجامع اللغويّة،

وركّزت على إصدار المعاجم، فكان التعريب في المشرق قضيّة جزئيّة لا تتجاوز حدود التعريب اللساني، في

حين أهنّا تمثّل في المغرب العربي قضيّة أوسع من ذلك، تتّصل بالتعريب الاجتماعي. وهذا الاختلاف يجعل من

التعريب في المشرق، في نهاية الأمر، فرصةَ استيعاب إرادي للمعارف، وهضم للحضارة، ويجعله في المغرب

فرصةَ دفاعٍ عن الذات والهُويّة وإستراتيجيّة للتخلّص من الإرث الاستعماري ومن التبعيّة. وقد انضمّت إلى

هذه المجموعة هيئات رسميّة أخرى معنيّةٌ، من جملة اهتمامات وانشغالات أخرى، بمسألة الترجمة والتعريب.

12 من أبرز المؤسسات ذات الصلة باللُّغة العربية والتعريب: المجمع العلمي العربي بدمشق (1919 غة العربية بالقاهرة)، مجمع الل

(1932)، المجمع العلمي العراقي (1947)، مجمع اللُّغة العربية الأردني (1976)، اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية:)1970(

ضمّ المجامع القائمة في العالم العربي، وله أهداف تنسيقية، بما في ذلك في مجال توحيد المصطلحات، لكن ليس له حضور أو نشاط

يسترعي الانتباه، شأنه في ذلك شأن " الاتحاد العلمي العربي " (1955) الذي تأسس ليضم الجمعيات العلمية العربية – لكن من دون

أن يتواصل نشاطه. ومنها كذلك: مكتب تنسيق التعريب بالرباط (1961)، الذي انبثق عن أوّل مؤتمر للتعريب، وهو يصدر المعجم

الموحّد للمصطلحات في مجالات معرفية مختلفة (عربي – إنكليزي – فرنسي). يضاف إلى ذلك منظ مات عربية أخرى قام بعضها بجهد

رائد في مجالها، مثل المنظ مة العربية للمواصفات والمقاييس، والمنظّمة العربية للعلوم الإدارية، واحتّاد الأطبّاء العرب، واتحاد الجامعات

العربية، ومركز تعريب العلوم الطبية بالكويت وغيرها. كما نشطت في هذا الميدان بعض المؤسسات الوطنية المهتمة بالتعريب، مثل معهد

الدراسات والأبحاث للتعريب بالمغرب، ومعهد اللسانيات بالجزائر واللجنة السودانية للتعريب وغيرها.

13 لتحليل موسّع لهذه القضية، انظر: الطاهر لبيب، " اللُّغة، والتعريب والترجمة "، ورقة بحثية قدّمت في مؤتمر المعرفة الأوّل، دبي:

2007، وراجع كذلك: شاكر مصطفى، في التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية،.)1986 14 من هذه الهيئات، مع اختلاف التسميات، المجالس الوطنية للآداب والفنون والعلوم في كل من مصر، وسورية، والكويت،

والأردن، وقطر، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في الجامعة العربية، والمعهد العالي العربي للترجمة، وبعض مؤسسات المجتمع

المدني والقطاع الخاصّ، المعنيّة بالمعرفة والتعريب في مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، مثل مركز دراسات الوحدة العربية /

المنظمة العربية للترجمة في بيروت، وهيئة الثقافة والتراث/ جائزة زايد للكتاب، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات/ترجمان

في الدوحة، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم (دبي)، ومكتبة الملك عبد العزيز آل سعود/ جائزة خادم الحرمين الشريفين للكتاب في

الرياض.

ولا ريبَ في أنّ الترجمة، من العربية وإليها، شأنها شأن الكثير من جوانب الثقافة - بل الحياة - العربية المعاصرة،

تعاني أزمةً متعدّدة الجوانب. ويصدق ذلك على مضمون الترجمات، مثلما يصدق على المستوى الح رفَي والفنّي

للنقل. وعلى الرغم من الإنجازات التي حقّقتها بعض هذه الهيئات الرسمية أو الخاصّة المتخصّصة بالترجمة

خلال العقود القليلة المنصرمة – وهي، في واقع الأمر، شحيحة ومتواضعة إذا ما قوبلت بالكمّ الهائل الذي

تميّز أكثره بالرّداءة والغثاثة والتشتّت، وغلبة الطابع التجاري وفقدان الدقّة العلمية والأمانة الأخلاقيّة، وحتّى

القانونية. ويتمثّل هذا الجانب من الأزمة، في أجلى صوره، في نقل الدراسات الإنسانيّة والاجتماعيّة والعلميّة

التي يُفترض فيها تعريف النّخب التربوية والأوساط الطالّبية الجامعية العربية، وقادة الرأي، وصنّاع القرار

بالإنتاج الفكري الجديد والمهمّ خارج العالم العربي، في المجالات الواقعة ضمن اهتمامات هذه الأوساط. كما

يُفترض في تلك المُرتَمجَات أن تستهدف، وفق خطّة منهجيّة، الأعمال والمؤلّفات الأجنبية المعْلَمية الجديدة، أو

ذات القيمة المتجدّدة، في مجالات الدراسات الإنسانيّة والعلميّة، وفي العلوم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإداريّة

والسياسيّة والثقافيّة والفنّية كافّة، وعن اللغات الأصلية قدر المستطاع، مع الحصول، بحسب الأصول، على

حقوق الترجمة والنشّر اللازمة. وعلى مستوى آخرَ من التحليل، حمل أحد الباحثين على ما يعدّه ميالً إلى " اختزال عمليّة بلوغ مجتمع بمهمّة

نقل المعرفة – لا إنتاجها – من خلال التعليم والترجمة خصوصًا "، وإلى " إعادة صياغة السّؤال النّهضوي العربي

على نحوٍ جديد هو: كيف الوصول إلى مجتمع المعرفة " - وهذا ما تدعو إليه تقارير التنمية الإنسانية – مع توجيه

الاستثمارات نحو تنمية العنصر البشري. " ويجري تصوير الترجمة بما هي وساطة سحريّة لنقل المعارف من

الغرب إلى العالم العربي، ونقل العالم العربي ذاته إلى مجتمع المعرفة... وفي كلّ الأحوال، انتقل السؤال النهضوي

الآن إلى الثقافة وبناء مجتمع المعرفة والخلط بينهما. وهو الحلّ الذي ابتكره مثقّفون طليعيّون نهضويّون عرب،

ويروّج له ويعمل على تمويله أهل النّفط ". ومع الإقرار بالدّور الحيوي للهيئات التي تتوىلّ التعريب وما يتّصل به من أنشطة، فإنّ الخروج من أزمة الترجمة

والتعريب لا يكون إلا ببناء نموذج جديدٍ وصارم وممَُأْسَس للترجمة في العالم العربي، يتجسّد في إستراتيجيّة

ذات أهداف واضحة، ومشروعات وبرامج دقيقة محْكمة، وآجال وآليّات إنجاز محدّدة، وتستفيد ممّا لحق

الإستراتيجيّات السابقة من أخطاء أو فشل. ومن المؤكّد أنّ مثل هذا النموذج المقترح لن يستهدف الدمج أو

التوحيد بين الهيئات العربية القائمة، بل سيحاول تأطيرها والتنسيق بينها وتشبيك بعضها مع بعض، وربمّا

الأهمّ من ذلك، تقديم الدعم لها قياسًا على الإنجاز الفعلي الكفؤ المبرمج، وفق خط ةٍ واضحة من جانب هذه

المؤسّسات الرّاهنة أو المقبلة. وغنيٌّ عن البيان أنّ اقتصار هذه الدراسة على تناول إشكالية الهُويّة واللُّغة والترجمة في سياقها العربي سيبتعد

بنا عن المنظور الإسلامي تجاه تلك القضايا، وعن التيّارات المتعدّدة التي ما فتئت تنضوي تحت لوائه وتستظل

بمظلّته، فكريًّا وسياسيًّا، منذ بدايات عصر النهضة في أواخر القرن التاسع عشر حتّى بداية العقد الثاني من

القرن الحادي والعشرين، فهذه التيّارات كافّة لا تتحدّثُ عن هويّة عربيّة قوميّة، بل تدعو إلى هويّة إسلامية في

جوهرها تنطلق إلى حدٍّ بعيد من منابعَ دينية وتتّخذُ أبعادًا تتغلغل في مناحي الحياة الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة

بل تؤدّي دورًا حاسامً في توجيه مساراتها.

15 فواز طرابلسي، الثورة ديمقراطية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2012

وقد عزّزت التطوّرات الأخيرة التي رافقت الربيع العربي من نفوذ هذه التيّارات في البلدان العربيّة وقوّت من

شوكتها على صعيد الشارع العربي والمؤسّسات السياسيّة على حدٍّ سواء. ولا بدَّ من أنّ لها مواقف وتوجّهات

مغايرة ومتميّزة من تلك القضايا. ب- اللُّغة والهُويّة والدّين والعرب، كما يقول أحدُ مؤرّخي الفكر العربي الحديث، مستشهدًا بآراء جمهرة من الدارسين الأجانب، " هم

أشدّ شعوب الأرض إحساسًا بلغتهم. فهي ليست في نظرهم أعظم فنونهم فحسب، بل خيرهم المشترك. ولو

سألت معظمهم تعريف ما يعنونه ب " اللُّغة العربية " لبادروك إلى القول، إهنّا تشمل جميع الناطقين بالضّاد، لكن

سرعان ما يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقولون إهنّا تشملُ جميع من يدّعون صلةً ما بقبائل الجزيرة العربية

إن بالتحدّر منها، أو الانتساب إليها، أو باقتباس مُثلها الأعلى، عن طريق الل غة والأدب، في كمال الإنسان

ومقاييس الكمال ". واللُّغة، على ما يرى شيخُ المنظّرين القومييّن العرب، ساطع الحُصري، من المكوّنات الجوهرية للهويّة العربية،

وتمثّل هي والتاريخ المشترك العنصرين الأساسييّن في مفهوم القوميّة العربيّة. فالأمّةُ تقوم على أساس موضوعي

هو، في آخر المطاف وقبل كلّ شيء آخر، عنصر الل غة. والأمّة العربية هي مجموعُ من كانت لغتهم الأصليّة هي

العربية، يليها التاريخ المشترك، لكنّه ثانوي، إذ إنّ من شأنه تعزيز الرابطة القوميّة لا تحقيقها. أمّا الدين فلا يمكن

إنكار تأثيره في توحيد المشاعر الإنسانيّة بين الأفراد، لكن هذا التأثير وكيفيّة ارتباطه بالوحدة القوميّة يختلفان

من دين إلى دين، وقد يكون الأمر أكثر تعقيدًا عندما يكون الدّين عالميًّا، مثل المسيحيّة أو الإسلام. " ولكلّ دين

علاقة جوهريّة مع لغة معيّنة. وإذا احت د الدين بلغةٍ من اللّغات قوّى جذور تلك اللُّغة وحافظ على كيانها أكثر

من جميع العوامل الأخرى ". ويعتقد حوراني أنّ نظرة ساطع الحُصري التي تحدّد هويّة الأمّة القوميّة بلغتها وتاريخها إنمّا تعكس بشكل جليّ

نظرية ابن خلدون في العلاقة بين الدين والعصبية. فالدين لا يمكنه، بحدّ ذاته، أن ينشئ جماعة سياسية بل

بوسعه فقط أن يقوّي الجماعة التي تكون قد نشأت عن تضامن طبيعي ناجم عن صلات طبيعيّة. وصحيح أن

نشوء الأمّة العربية، من الوجهة التاريخيّة قد اتّصل اتّصاال وثيقًا بالإسلام، إلا أنّ العرب لا يشكّلون، جوهريًّا

أمّة إسلامية؛ فهم يبقون عربًا حتّى ولو لم يكونوا مسلمين. وعلى هذا، فالمسيحيون الناطقون بالضّاد عرب، مثل

المسلمين- وبالمعنى ذاته بالضبط- ويمكنهم أن يكونوا من دون أن يتخلّوا عن أيّ شيء من تراثهم الديني، أو

يقتبسوا تراث الإسلام. " والواقع أهنّم لم يستيقظوا على قوميّتهم العربية إلا عن طريق تراثهم الديني ". ويستشهد

الحصري على ذلك بالإشارة إلى أنّ قوميّة العرب الأرثوذوكس قد بدأت بنضالهم للتخلّص من السيطرة اليونانية

في بطريركية أنطاكيا، ونضال الكنائس الشرقية المتّحدة ضدّ روما لمقاومة اجتياح العادات والطقوس وأساليب

التفكير اللاتينيّة كنائسهم.

16 ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة 1939-1798، ترجمة كريم عزقول (بيروت: دار النهار للنشر، 1961 / 1968)،

ص 11. وانظر كذلك: عزمي بشارة، أن تكون عربيًّا في أيامنا، ط 1 (بيروت- لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، الفصل

الأول.

17 ساطع الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية (بيروت: دار العلم للملايين، 1957)، ص.107

18 ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القومية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص.26

19 حوراني، مرجع سبق ذكره، ص.376-337

وفي المجتمعات الحديثة، غدت الدولة، بصورة متزايدة، هي القيّمة على شؤون الهُويّة، وهي التي تُسنّ لها

الترتيبات وتضع لها الرقابات. وتنزع الدولة الحديثة نحو التعريف الأحادي للهويّة، إمّا بإقرار هويّة ثقافية

واحدة تحدّد الهُويّة القوميّة، كما هي الحال في فرنسا، أو، عند قبول التعدديّة الثقافية داخل الأمّة، تحديد هويّة

مرجعيّة تكون وحدها هي الشرعية، كما في الولايات المتّحدة. أمّا الأيديولوجيا القوميّة فهي، حُكامً، أيديولوجيّة

إقصائيّةٌ بصرف النظر عن طبيعة المنابع التي تغتذي منها، ومنطقها الأقصى هو التطهير الأثني/ العرقي، كما هي

الحال في إسرائيل. ويذهب بعض الدّارسين إلى أنّ الأفراد والجماعات في الدول الحديثة قد غدوا أقلّ حرّية في تحديد هويّاتهم

بأنفسهم. وتفرض بعض الدول المتعدّدة الأثنيات على رعاياها إثبات هويّة أثنيّة أو طائفيّة، على بطاقات هويّاتهم

على الرّغم من أنّ بعضهم لا يجدون أنفسهم في هذا التّحديد الضيّق. وبحسب أحد المحلّلين، " يمكن أن يكون

لهذه العَنْونَة، إذا ما دام النزاع بين مختلف المكوّنات، عواقب مأساويّة على صورة ما شهدناه في النزاع الداخلي

اللبناني أو الرواندي ". ويمكن للمراقب أن يلمح تفاقم هذه الظاهرة التي تتوسّع باط راد لتشمل أقطارًا

أخرى عربيّة وغير عربيّة.

-5 الهُويّة والدّين والقوميّة: البحث عن بديل

لا يتّسع المقام هنا للنظر في نتائج انكشاف ال " نحن " العربيّة على " الآخر " الأجنبي في التاريخ الحديث، وتحديدًا

منذ حملة نابليون على مصر والغزوة الإمبرياليّة الأوروبية للأراضي المغاربيّة قبل أكثر من قرنين، وللمشرق

العربي قبل نحو قرن من الزّمان. غير أنّ إشكالية اله ويّة وثنائيّة اللُّغة والترجمة ما زالت منذ ذلك الحين ماثلة في

الحياة العربيّة، وعلى المستويين الوطني والقومي، مثلما أنّ تداعياتها وأصداءَها ما زالت حاضرة كلّ الحضور في

الأوساط السياسيّة والفكريّة والثقافية العربية. وقد تجلّت على الصعيد القومي، في صور مستجدّة ورؤى مغايرة

وأبعاد حداثيّة لم تكن واردة في تصوّرات المنظّرين القومييّن الأوائل.

لمواجهة هذه الإشكالية، كان المنظور الطهطاوي قد أفضى، كما أسلفنا، إلى سلسلة من المبادرات الفكرية

والعملية، لا سيمّا في الساحة المصريّة، مثلما أفضى موقف الرفض المتكيّف من جانبه إلى جملة من التيّارات التي

لم يخل بعضها من منطلقات وتوجّهات أصوليّة على الصّعيدين الديني والسياسي. ومن جانب آخر، تشعّبت

وتفرّعت الاتجاهات التي طرحها الحُصري ومريدوه ومفكّرون آخرون في رؤيتهم القوميّة لقضايا الهُويّة واللُّغة

والدين لتشمل تيّارات فكرية وسياسية يرتدي بعضها، ظاهريًّا، قناعًا قوميًّا وحدويًّا واشتراكيًّا علمانيًّا، فيما

يخفي باطنُها نزعة شمولية وتوتالية تسلّطية، جسّدتها التجربة العمليّة والممارسة على مدى العقود الستّة الماضية.

في محاولةٍ لتشخيص إشكاليات الهُويّة والدين واللُّغة في السياق العربي، ترى مقاربة نقدية حديثة أنّ" كلّ تأكيد

لهويّة، وهو عادة مألوفة من عادات الأيديولوجيا القومية، هو رياضة ماضَويّة تقوم على العودة إلى جذور ما،

ونسَب ما، وعصر ذهبي مقيم في التاريخ والمخيّلة، والتذكير بها لإثبات الانتماء الواحد والوعد بالخلاص، حتّى

إنّ البعض من المفكّرين القومييّن العرب، عرّف القومية بما هي فعل تذكّر: ثمّة أمّة كانت موحّدة ومزدهرة وبانية

حضارة متفوّقة، وهي الآن في حالة من الفقر والجهل والمرض [...] من هنا الحاجة إلى " الانقلاب على الذّات "

20 دنيس كوش، مرجع سبق ذكره، ص.159

للتطهّر من فساد المجتمع من أجل استحقاق الخلاص الآتي. بهذا المعنى لا تكاد الأيديولوجيا القوميّة تختلف

كثيرًا عن الفكر الديني التكفيري: الواقع فاسد/ تجب استعادة الماضي بواسطة العودة إلى الدين الأصلي أو اله ويّة

الصافية. هذا هو الخلاص ". ووفق هذه المقاربة، فإن كون الماضي عبئًا أم حافزًا يمثّل سؤاال مركزيًّا في الفكر القومي، ويمثّل صلة الوصل

بينه وبين الفكر النهضوي الذي ينطوي عليه السّؤال الشّهير: لماذا تقدّم الغرب وتخلّف العرب والمسلمون؟

وفي الوقت نفسه يجري تعريف علاقة الغرب - الشرق بأهنّا محكومة بمنوعات من " الغياب " و " الفجوات "

و " النقصان " وما إلى ذلك، فيما يبدو القسم الأكبر من الفكر السائد مهجوسًا بتفسير السؤال: لماذا لا يوجد عندنا

ما هو موجود عند غيرنا، أي عند الغرب؟ و " غياب الديمقراطية مثالٌ ساطعٌ على هذه الإشكاليّة [...] وحقيقة

الأمر أنّه حين يطغى تفسير " الغياب، يتراجع " حضور " التفكير. وقد حدّد العروي في تحليله الأيديولوجيا العربيّة المُعاصرة العناصر والملامح الأساسيّة لإشكاليّة الهُويّة

والنهضة في الحياة العربية. إنّ مفهوم الأصالة، في تقديره، " لا يستقيم إلا إذا نظرنا إلى الأنا كنتيجة تطوّر وتراكم.

والاستمراريّة التاريخية لا تلُاحَظ، وإنمّا تُستقرأ بحسب قواعد إجماعيّة لا تتقبّلها المجتمعات العربية إلا إذا

تحقّق فيها قدرٌ أدنى من التجديد والتحديث ". ويمضي في مقاربته النقديّة إلى ما هو أبعد من ذلك: " إنّ العرب

يسبقون العمل على الفكر، والفرع على الأصل، في حين إنّا نراهم لا يفعلون سوى الكلام؛ وهم يُرحّبون

بأيّ مذهب غربي، ونحن نرى زعماء الإصلاح يصرّحون بالعكس تمامًا. [...] لا ننسى أنّنا، في إطار الدولة

المستعمرة والدولة الليبرالية، لا نملك المبادرة. إنّ الآخر، الأجنبي المستعمر المباشر أو غير المباشر، هو الذي

يخطّط وينجز، فيقتصر دور الفكر العربي على توضيح أغراض الآخر والتعليق عليها. وحتّى الدولة القومية،

فإنها لا تنفكّ تعارض وتصارع الإمبريالية، ممّا يعني أنّ فعلها هو دائامً فعل معاكس ". وبصورةٍ موازية للتشخيص التحليلي الذي يعرضه عبد الله العروي وآخرون، وفي محاولةٍ طموحة أخرى

للخروج من إشكاليّة الهُويّة والقومية على صعيدي الفكر والممارسة السياسيّة العملية على حدٍّ سواء، يقدّم

الباحث العربي الفلسطيني عزمي بشارة رؤية جديدة يأخذ فيها جانبًا ممّا طرحه المنظّرون القوميّون الآخرون،

قُدامى ومحدثون. وقد عزّز طروحه المحورية في هذا الميدان بشأن ما يُسمّيه " المسألة العربية " بجملة من

الدراسات التحليلية الأخرى التي تتناول جوانب أخرى من الإشكاليّة. ففي محاولته تجديد الفكر القومي،

يؤكّد أنّ هذه المهمّة تتضمّن، بالضرورة، حسم الموقف إلى جانب الديمقراطية وحقوق المواطن الاجتماعية

والمدنية، وهي مهمّة تتّضح من خلال الم مارسة. وهو يرفض تهمة الرومانسية التي توجّه إلى دُعاة القومية العربية

في أعقاب إخفاق البلدان العربية في عملية بناء الأمّة على أساس المواطنة، وتحوّل الأمّة التي كان يفترض أن

21 فواز طرابلسي، مرجع سبق ذكره، ص.55 22 المرجع نفسه، ص.58

23 عبد الله العروي، الأيديولوجية العربية المعاصرة (صياغة جديدة) (بيروت: المركز الثقافي العربي،.)1995

24 المرجع نفسه، ص.254-251

25 عزمي بشارة، في المسألة العربية- مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2010

26 انظر، بالخصوص:

عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، مع إشارة للمجتمع المدني العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998). وانظر

للكاتب نفسه: " المواطنة الديمقراطية وجماعات الهُوية التوافقية "، على الرّابط:

http://azmibishara.com/site/topics/article.asp?cu_no=1&item_no=523&version=1&template_id=48&parent_id=19

تُبنى على أساس الانتماء للدولة إلى هويّات قطريّة فولكلورية مع محاولات تجذيرها تاريخيًّا في " مهرجانات

بابلية وفينيقية وفرعونية "، وما إلى ذلك. وأفضل تعبير عن إرادة الأمّة هو الديمقراطيّة، مثلما أنّ الوجه الآخر

لسيادة الأمّة هو مبدأ المواطَنة المتساوية. ويرى أنّ الدولة العربية فشلت أيضًا في تشكيل أمّةٍ مدنيّة على أساس

تشكيل هويّة منفصلة لهذا القطر أو ذاك، فنشأت بدال من ذلك دولة متشظّية إلى عشائر وطوائف، بينما تعني

العروبة أن تعرف نفسك على أنّك عربي في فضاء الانتماءات السياسية، لأنّ القومية العربية ليست أيديولوجيا

شاملة، بل انتماء ثقافي يعدّه العروبي أصلح من الطائفة، ومن العشيرة لتنظيم المجتمع، وأساسًا لحقّ تقرير المصير

وبناء الدولة. في دراسته المعْلَمية حولالمسألة القومية والتحوّل الديمقراطي في الساحة العربية، يقدّم بشارة عددًا من

الأطروحات الفكرية ضمن سعيه إلى التحديد النظري الدقيق لعددٍ من المفاهيم المحورية، كتلك الخاصّة

بالعلاقة بين " العروبة " و " الديمقراطية " ونظيرتها العلاقة بين " الدولة " و " المواطنة "، وكتلك الخاصّة بالهويّات

الخانقة التي تُلغي فرادة الفرد وحرّيته ضمن اضطراره، صونًا لأمنه وربمّا لحياته ذاتها، إلى التماهي مع " جماعة

عضويّة "، مثل العائلة والقبيلة، ويستبدل بها الولاء القومي إلى الوطن. والقومية العربية ليست " إثنية " مختلقة،

بل جامع ثقافي من الدرجة الأولى، يقوم على عناصرَ قائمة موضوعيًّا مثل الل غة المشتركة، والتعبيرات المختلفة

عن تطلّعات سياسيّة مشتركة لها تاريخ حديث وقديم. وهي حاجة عملية ماسّة وبراغماتية للوصول، في آن معًا،

إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، وهويّة مواط نيّة ثقافية جامعة تحيّد الطوائف والعشائر والعصبيات

وحتَول بينها وبين التحكّم في انتماء الفرد السّياسي. أ- الديمقراطيّة في سياقها التّاريخي والمجتمعي يدور أحد الطروح المحورية في تناول التحوّل الديمقراطي حول التمييز بين نشوء هذه الظاهرة ونضوجها

تاريخيًّا في مجتمعات العالم الأخرى، و " إعادة إنتاجها " بصورة مبتسرة في بعض المجتمعات العربية؛ أي بين

الديمقراطيّة التي نُشاهدها في عصرنا، وقد اكتملت صورتها المؤسّسية المحدّدة المستدامة من جهة، وبين المبادرة

المستعجلة لتأسيسها في المجتمعات العربية على الخلفية التاريخية التي قادت إلى واقعها الراهن وضمن السياق

الدولي والمؤثّرات الخارجية التي تكتنفها من كلّ الجهات من جهةٍ أخرى. وعلى المعنييّن بالتحوّل الديمقراطي أن

يدركوا أنّ هذه الظاهرة لا تنشأ بتوافر مقوّمات يتمّ تشخيصها من استقراء خصائص الديمقراطيات الك، برى

مثل الفرنسية أو البريطانية أو الألمانية أو الهندية. ففي تلك المجتمعات، باتت الديمقراطية التي تأسّست تاريخيًّا

في هذه الدول - الأمم نظامًا يُديم ذاته بعواملَ أعمق غورًا من تلك المقوّمات. ب- الديمقراطيّة في العالم العربي الرّاهن في المقابل، يرى بشارة أنه لا يمكن بحال من الأحوال تأسيس، أو إنشاء نظام ديمقراطي في مرحلتنا التاريخية

المعاصرة من دون ديمقراطييّن حاملين قيَمها، بخاصّة أنّ المطلوب من التأسيس أن يتمّ دفعةً واحدة، بحيث لا

يُعيد عبور المراحل التي قطعتها الديمقراطيات التاريخية. " ويمكن تخيّل دور شخوص وأحزاب غير ديمقراطية

في عملية تطوير الديمقراطية ونشوئها تاريخيًّا من دون أن تدري، ومن دون وعيٍ منها لطبيعة الدور الذي قامت

به. لكن لا يمكن أن يُبدأ عن سبق الإصرار بتأسيس نظام ديمقراطي في أيّ منطقة، بما في ذلك المنطقة العربية،

27 لتحليل موسّع لهذا الكتاب، انظر: طاهر حمدي كنعان، " في المسألة العربية: المحتوى الديمقراطي للعروبة والوعاء العروبي

للديمقراطية "، جريدة العرب اليوم،.2010/2/16

من دون أن يكون الديمقراطيّون متورّطين في عملية ذلك التأسيس للديمقراطية فكرًا وبرنامجًا [...] ومن يتخىل

عن مفاهيم الحقّ والعدل لا يمكن أن يكون ديمقراطيًّا حقيقيًّا ". ويؤكّد بشارة أنّ الديمقراطية في حالة مثل حالة

البلدان العربية هي، فوق كلّ شيء وقبل كلّ شيء، مسألة سياسيّة نضالية، لا تُقدّم على صينية من فضّة، ولا على

دبابّة من فولاذ. ج- بين القوميّة العربيّة والإسلام السّياسي يرى بشارة أنّ الدين، خلافًا للفكرة القومية التي نادى بها الح صري من قبل، لا يُقدّم ح مُرضيًا لموضوع

" المواطن - الدولة ". وقد أدّت محاولات تسييس الدين وتحويل العقيدة الدينية إلى هويّة وانتماء أشبه بالقومية

إلى خسارة العرب لعالمنيْ: عالم الدين، باعتباره وازعًا أخلاقيًّا، وعقيدةً إيمانية حرّة، وعالم القومية، باعتباره

خطابًا حديثًا يسعى إلى بناء أمّة حديثة. وما لبث المنادون بتميز عقيدي للمسلمين عن سواهم باعتباره أساسًا

في التميّز السياسي للأمّة، بدال من تميّز قومي للعرب مسلمين وغير مسلمين، أن انتهوا إلى هُويّة دينية للعرب في

مقابل هويّات قوميّة. ثمّ ما لبث هذا التيّار أن اعتمد على أغلبيّة دينية ديمغرافية تبرِّر هذه اله ويّة، أغلبيّة تحسب

بالولادة لا بالإيمان الفعلي. وهذا لا يختلف عن الصّيغة العُنصريّة من القومية، أي إنّ اله ويّة تحتسب بغضّ النظر

عن الإيمان الفعلي بالعقيدة. وكان هذا الإيمان هو المبرّر الوحيد أوّل الأمر لنسخ مفهوم الأمّة الإسلامية القديم،

مثل جماعة المؤمنين ضدّ الجماعة القومية باعتباره أساسًا لتأسيس الأمّة الحديثة. ومثلما لم تنجح الهويّات الوطنية

القطرية في استبدال القومية العربية، فهي أيضًا لا تستطيع التغلّب على الإسلام السياسي المتشرذم طائفيًّا، لأن

الهويّات الوطنية هي غالبًا أقلّ شرعيّةً منه، أو لأنها بُنيت أصال على التوازن الطائفي المحيلّ، أو على سيطرة

طائفة من العهد الاستعماري. لكن الرابطة العروبية وحدها هي التي تستطيع شمول السُّنة والشّيعة والمسلمين

والمسيحييّن العرب. والقومية العربية صيرورة مستمرّة بالتوازي مع عملية بناء الدولة العربية واله ويّات المحلّية

وبتفاعل معها. ولأنّ اله ويّة العربية هُويّة تشمل أغلبية المواطنين لغةً وثقافةً وانتماءً، فإهنّا قادرة أن تقدّم، حتّى

في كلّ دولة على حدة، وعاءً لتأطير الخلاف السياسي في تيّارات ومواقف ومصالح عند الأغلبية، ومن خلال

احترام حقوق غير العرب المتساوية كمواطنين أفراد وجماعات لها حقوق. فمن حقّ مثل هذه الجماعات، في

المنظور العروبي المنفتح الإنساني، الحصول على حقوق ثقافية جماعية في حالة تأكيدهم هويّة ثقافيّة غير عربيّة

موروثة، أو حتّى مصنوعة. وإذا كان المقصود بالمسلم أنّه المعتنق لمفهوم عقيدي معنيّ، فهذا يعني بالتأكيد مساسًا

بمبدأ المواطنة، وحتّى مواطنة المسلمين. فبموجب حكم هذا المفهوم المبنيّ على العقيدة يتحوّل المواطن إلى

" المسلم المؤمن "، ثمّ المؤمن بتفسير معنيّ للإسلام، الأمر الذي يقصي من المواطنة المسلمين الذين يعترضون

على التفسير الرسمي، أو السّائد للعقيدة، وحينها يُصبح التمييز الرّئيس موجّهًا ضدّ المسلمين غير المتكيّفين مع

التفسير السّائد للإسلام. ويمثّل هذا النهج مساسًا وإخ الً بالمواطنة كفكرة، وبالمواطنة المتساوية كممارسة،

على الرغم ممّا يصاحبه من مواعظَ وينبغيّات بشأن ضرورة التّسامح وعدم جواز الافتراء على غير المسلمين

والاعتداء عليهم، في علاقة وصاية (إذا صيغت سلبًا)، أو حماية (إذا صيغت إيجابًا). وذلك مناقض ومضاد

لعملية بناء الأمّة الحديثة باجتّاه المساواة أمام القانون والديمقراطية وحقوق المواطنة. وبما أنّ الهُويّة العربية تشمل أغلبية المواطنين، لغةً وثقافةً وانتماءً، فإهنّا قادرة أن تقدّم- حتّى في كلّ دولة على

حدة - وعاء لتأطير الخلاف السياسي في تيارات ومواقف ومصالح عند الأغلبيّة، ومن خلال احترام حقوق

غير العرب المتساوية كمواطنين أفراد وجماعات لها حقوق. فمن حقّ مثل هذه الجماعات بنظر العروبة المنفتحة

والإنسانية الحصول على حقوقٍ ثقافية جماعية في حالة تأكيدهم هويّة ثقافية غير عربية موروثة، أو حتّى مصنوعة.

ويوجز بشارة استنتاجاته التحليلية بالدعوة إلى عدم إغفال القومية باعتبارها مفهومًا ثقافيًّا يتوق للتحوّل إلى

قومية سياسية، وإلى دولة، لأنّ بناء المواطنة الحديثة أصال يتمّ عبر بناء أمّة المواطنين، ولا يُمكن تجاهل العنصر

الحداثي الكامن فيها، الذي يهُمّش بُنى ما قبل الدولة. ومن ناحيةٍ أخرى، " لم يَعُد بوسع القومية العربية أن

تطبّق ذاتها على أساس تجاهل الدول القائمة، ولذلك لا بدّ من أن تلتقي مع البرنامج الديمقراطي، لكي تنتصر

وتنفي ذاتها في المواطنة الديمقراطية المشتركة في الأمّة المدنيّة. وينتهي إلى القول: " تعني المسألة العربية، في

ما تعنيه، أنّ نفس العناصر التي تمنع تحقّق الأمّة في داخل الدولة القطرية وخارجها، هي العوامل التي تُعيق

التحوّل الديمقراطي ".

ملاحظات ختاميّة

بالمقابلة مع منظوريْ الطهطاوي والحُصري، يبدو مشروع بشارة أكثر تماسكًا وتكاماُلً وحداثة ومعاصرة

واستيعابًا لأبعاد المسألة القومية والتحوّل الديمقراطي. وربمّا يكون أدعى إلى التفاؤل من التيّارات الأخرى في

تعاملها مع قضايا الهُويّة والثقافة بصورةٍ عامّة، وقد يشفع له، من جملة عناصر أخرى عديدة، أنه يؤكّد الجانب

العملي والبراغماتي في برمجة هذه الرؤية المستقبليّة عبر الممارسة النضاليّة، وعلى المدى الطويل، لا عبر التصوّر

النظري المحض، ولا على المدى القصير والمنظور، بيد أنّ الممارسة والترجمة العمليّة تظلّ، في التحليل الأخير، هي

المحكّ والمعيار الرئيس للجدوى في أيّ رؤيةٍ مستقبلية. ولعلّنا نتذكّر أنّ لينين كان يعتقد أنّ الواقع الفعلي يظلّ

أكثر تعقيدًا واستعصاء على أيّ تصوّر نظري. وعلى صعيد المدى القصير والمتوسّط في المستقبل المنظور، تطرح إفرازات " الربيع العربي " ومخرجاته السياسية

في الآونة الأخيرة تحدّيات جدّية لهذا المشروع القومي الديمقراطي. فأيّام المستقبل القريب حُبلى بالاحتمالات

والسيناريوهات بعد فوز التيّارات الإسلامية والسلفيّة في الجولات الانتخابية في البلدان العربية التي شهدت

التحولّات الثورية السياسيّة والاجتماعية الأخيرة. وقد تُفلح هذه التيارات والقوى المتحالفة معها داخل

المؤسّسات السياسية والدستورية والاجتماعية المقبلة في تحويل المسار الديمقراطي إلى وجهةٍ لا تنسجم ومنطق

" دولة المواطَنة المتساوية "، ولا مستلزمات " الديمقراطية التشاركية " التي يدعو لها المشروع المستقبلي. ومن

المحتمل أن تعدّل على الأقلّ جانبًا من الحقوق المدنية والاجتماعية، وتلك المتّصلة بحقوق الإنسان والأحوال

الشخصية التي كانت، على قلّتها، قد تحقّقت في عهودٍ سابقة خلال العقود القليلة الماضية. وقد نشارك أمين معلوف بعض تأملّاته حول الهويّات القاتلة، ومنها أنّ" التاريخ يقدّم البرهان الساطع على

أنّ الإسلام يحمل في جوهره قدرات كامنة على التعايش والتفاعل المثمر مع الحضارات الأخرى. لكن التاريخ

الحديث يُبنيّ كذلك أنّ التقهقر ممكن، وأنّ هذه القُدرات الكامنة قد تبقى طويالً في حالةٍ من الكمون ". غير

أنّ على المراقب أن يأخذ بالحسبان في الوقت نفسه المقولة التي طالما تحدّث عنها العلماء الاجتماعيون والمنظّرون

السياسيون، عندما نبّهوا إلى " العواقب غير المقصودة/غير المتوقّعة للفعل الاجتماعي "، سواء أكان ذلك النشاط

فرديًّا أم جمعيًّا أم اقتصاديًّا أم سياسيًّا. وعلى هذا الأساس، ربمّا كان علينا أن نتريّث بعض الوقت لنتأكّد من مدى التقارُب أو التفاوت في أوساط صُ نّاع

المستقبل العربي القريب بين النيّات المُعلنة من جهة، والأفعال اللاحقة في المجال السياسي العامّ من جهةٍ أخرى.

28 أمين معلوف، الهويات القاتلة (بيروت: دار الفارابي، 2004)، ص.77

المراجع

باللّغة العربيّة

مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.)

العربية،.)2009

دراسات الوحدة العربية،.)2010

الوحدة العربية،.)1998

النهار للنشر، 1961 /.)1968

الوحدة العربية،.)1986

والاجتماعية، العدد 5، حزيران / يونيو 2009، ص.112-79

دار ابن زيدون،.)2004

الثقافي العربي،.)1995

دراسات الوحدة العربية،.)1982

للديمقراطية "، جريدة العرب اليوم، 16 شباط / فبراير.2010

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقارير التّنمية الإنسانية العربية، لسنتي 2003، 2009، (الأمم المتحدة-

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. أن تكون عربيًا في أيامنا، ط 1 (بيروت-لبنان: مركز دراسات الوحدة

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. في المسألة العربية- مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 2 (بيروت: مركز

بشارة، عزمي. المجتمع المدني، دراسة نقدية، مع إشارة للمجتمع المدني العربي (بيروت: مركز دراسات

الحصري، ساطع. آراء وأحاديث في الوطنية والقومية (بيروت: دار العلم للملايين،.)1957 الحصري، ساطع. محاضرات في نشوء الفكرة القومية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1985 حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة 1939-1798، ترجمة: كريم عزقول (بيروت: دار

شاكر، مصطفى. التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات

صحراوي، عزّ الدين. " اللُّغة العربية في الجزائر: التاريخ والهُوية "، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية

طرابلسي، فواز. الثورة ديمقراطية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.)2012 الطهطاوي، رفاعة رافع. تخليص الإبريز في تلخيص باريز، أوالديوان النفيس بإيوان باريس (بيروت:

العروي، عبد الله. الأيديولوجية العربية المعاصرة (صياغة جديدة) (الدار البيضاء- بيروت: المركز

غلاب، عبد الكريم. التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية (بيروت: مركز

كنعان، طاهر حمدي. " في المسألة العربية: المحتوى الديمقراطي للعروبة والوعاء العروبي

للترجمة،.)2007

معلوف، أمين. الهويّات القاتلة (بيروت: دار الفارابي،.)2004

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2009 بالأجنبيّة

20. Abdel Malek, Anwar. "Orientalism in Crisis", Diogenes , No. 44 (Winter 1963), pp.

21. Asad, Talal. "The Concept of Cultural Translation in British Social Anthropology", In: James Clifford and George E. Marcus (eds.), Writing Culture: The Poetics and Politics of Ethnography (Berkeley: University of California Press, 2003), pp. 141-164. 22. Barth, Fredric. Ethnic Group Boundaries: the Social Organization of Cultural Differ­

23. Robinson, Douglas. Translation and Empire: Postcolonial Theories Explained (Man­

كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني (بيروت: المنظمة العربية لبيب، الطاهر. " اللُّغة، والتعريب والترجمة "، ورقة بحثية قدّمت في مؤتمر المعرفة الأوّل، دبي،.2007

النّجار، لطيفة إبراهيم. " اللُّغة العربيّة وهُويّة الأمّة في مؤسسات التعليم العام والعالي في دولة

الإمارات العربية المتّحدة "، ورقة قُدِّمت في ندوة عن التعليم العالي، مجمع اللُّغة العربية الأردني، عمان: نصيرات، فدوى. المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر: 1918-1840

ence (Long Grove Illinois: Waveland Press, 1998).

chester: St. Jerome Press, 1997).